الإصحاح العشرون
الآيات (مت 1:20-16):-"1«فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ الصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، 2فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي الْيَوْمِ، وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. 3ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَرَأَى آخَرِينَ قِيَامًا فِي السُّوقِ بَطَّالِينَ، 4فَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى الْكَرْمِ فَأُعْطِيَكُمْ مَا يَحِقُّ لَكُمْ. فَمَضَوْا. 5وَخَرَجَ أَيْضًا نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَفَعَلَ كَذلِكَ. 6ثُمَّ نَحْوَ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ خَرَجَ وَوَجَدَ آخَرِينَ قِيَامًا بَطَّالِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا وَقَفْتُمْ ههُنَا كُلَّ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟ 7قَالُوا لَهُ: لأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ. قَالَ لَهُمُ:اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضًا إِلَى الْكَرْمِ فَتَأْخُذُوا مَا يَحِقُّ لَكُمْ. 8فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: ادْعُ الْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُ الأُجْرَةَ مُبْتَدِئًا مِنَ الآخِرِينَ إِلَى الأَوَّلِينَ. 9فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَأَخَذُوا دِينَارًا دِينَارًا. 10فَلَمَّا جَاءَ الأَوَّلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ. فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضًا دِينَارًا دِينَارًا. 11وَفِيمَا هُمْ يَأْخُذُونَ تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ 12قَائِلِينَ: هؤُلاَءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ وَالْحَرَّ! 13فَأجَابَ وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ 14فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هذَا الأَخِيرَ مِثْلَكَ. 15أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ 16هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ، لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ»."
هذا المثل ضربه السيد المسيح ليشرح الآية السابقة (30:19) ويتضح هذا من (مت 16:20). أن آخِرين يكونون أولين.
والمثل مأخوذ من بلاد الشرق حيث تعود الفعلة الأجراء أن يتجمعوا فى مكان معين من القرية، ويأتى أصحاب المزارع إلى هذا المكان ليؤجروا بعض العمال للعمل فى حقولهم نظير أجر متفق عليه. وهذا المثل قاله السيد فى بيرية (عبر الأردن ). أثناء ذهابه للمرة الأخيرة إلى أورشليم. ومعنى المثل هو الخلاص لجميع الناس، فالأمم وهم أصحاب الساعة الحادية عشر لهم نصيب فى الملكوت تماماً مثل اليهود أصحاب الساعة الأولى، أى الذين عرفوا الله منذ أيام إبراهيم وإسحق ويعقوب. وبنفس المفهوم فالخلاص هو لجميع التائبين الآن مهما تأخرت توبتهم. فالدينار إذاً هو دخول ملكوت السموات، هو الخلاص، وهو الخير الذى سيقدمه الله لكل مؤمن تائب. ولنلاحظ أن المساواة هى فى دخول الملكوت للكل. ولكن داخل الملكوت فإن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد (1كو 41:15).
الفعلة = هم كل البشر الذين يدعوهم الله للحياة معه وخدمته.
آية(1):-رجلاً رب بيت= هو المسيح كلمة الله الحى، رب السماء والأرض. الخليقة السماوية والأرضية هى بيته الذى يدبر أموره ويهتم به. كرمه= هى الكنيسة التى بخمرها يفرح الله. والله يدعو الكل لكنيسته. وما أجمل أن نرى السيد يدعو الكل لكنيسته، طوال ساعات النهار، فهو يدعو الجميع ليخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1تى 4:2).
خرج = الله هو الذى يبادر بالحب. فهل كان أحد يتصور أن هناك حلاً للموت.
آيات (2-6):- الساعات هى بحسب التوقيت اليهودى، فالساعة الأولى هى الساعة السادسة صباحاً، هى بداية تكوين الأمة اليهودية حين دعا الله إبراهيم. ثم الساعة الثالثة هى التاسعة صباحاً الآن. والسادسة هى الثانية عشر ظهراً الآن. والحادية عشرة هى فى نهاية النهار هى ساعة دعوة الأمم بعد إنقضاء النهار اليهودى.أي لقد إقترب وقت إنتهاء علاقة إسرائيل بالله. وأيضاً تشير الساعات هذه لأن الله يدعو الإنسان فى كل مراحل عمره، وحسنا لو إستجاب حتى لو كان فى الساعة الحادية عشرة، أماّ لو تكاسل فالثانية عشر تشير للموت فهى تأتى بحلول الظلام ونهاية اليوم أى نهاية العمر. إن الصوت الإلهى لهو موجه للبشرية كلها خلال كل الأيام وكل مراحل العمر. الصوت الإلهى لا يتوقف ما دام الوقت يُدعى اليوم (عب 13:3). ولكن إذا كان المثل يُفهم منه أن الله يقبل أصحاب الساعة الحادية عشرة، فهذا لا يعنى أن نؤجل توبتنا لسن الشيخوخة فمن يعلم متى تكون نهاية عمره، الساعة الحادية عشرة هى التى تسبق الموت مباشرة ولا تعنى سن الشيخوخة. وأيضاً لماذا نؤجل التوبة وفيها أفراح وتعزيات.
7: ولاحظ أن أصحاب الساعة الحادية عشرة ما كانوا ممتنعين عن العمل، بل لم يستأجرهم أحدفهم ليسوا معاندين ولا مقاومين لله بل لم تصلهم دعوة الله، أو لم يفهموها. هم كانوا راغبين فى العمل وليسوا متكاسلين.
6: بطالين =إشارة للأمم وقد صاروا بطالين كآلهتهم الباطلة وإشارة لكل من يسير وراء شهواته وخطاياه فهو بطال إستأجره الشيطان.
ولنأخذ مثالاً، فالمسيح دعا بولس الرسول فى منتصف حياته بعد أن كان بطالاً مضطهداً للكنيسة، كان آخِراً فصار أولاً إذ إستجاب.
لقد إنحطت البشرية وسقطت بسبب الخطية ولكن الله فى محبة لم ينتظر أن تصعد إليه البشرية، بل هو الذى يبادر بالخروج ليدعوها فترتفع اليه.
الدينار=هو إنفتاح الملكوت أمام البشر، فصار لنا إمكانية دخول الملكوت والبقاء فيه فى حياة أبدية والتمتع بشخص المسيح. وهذا ليس لبرٍ فينا إنما هو عطية من الله لأنه صالح =لأنى أنا صالح. هذه عطيته تعبيراً عن جوده الإلهى وكرمه. وهذه العطية ليست عائدة على أعمالنا بل عائدة على كرمه، فالنعمة هى عطية مجانية لا تعطى لأعمالنا بل هى محبة من الله ورحمة "ولكن الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رو5 : 8). فمهما عملنا، هل كان أحد يستحق أن يتجسد المسيح ويموت لأجله ويفتح له باب السماء. هذا معنى حصول الكل على نفس الدينار، فدخول السماء بإستحقاق دم المسيح لا علاقة له بأعمالنا.
ولكن نكرر 1) النعمة الآن أى عمل الروح القدس فينا وإمتلائنا به متوقف على جهادنا، فالنعمة لا تعطى إلاّ لمن يستحقها، حقاً.. المسيح مات لأجل الكل مجاناً.. لكن الخلاصوالتمتع بثمار صليبه يحتاج للجهاد المستمر كما يقول بولس الرسول "بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للاخرين لا اصير انا نفسي مرفوضا"(1كو9 : 27). 2)لن يكون الكل متساوون فى المجد، بل كل واحد سيكون له بحسب عمله. الكل يدخلون (المؤمنون التائبون) ولكن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد.
آية (11):-تذمروا= إشارة لتذمر اليهود على قبول الأمم، وتذمر الأخ الأكبر على قبول الأب للإبن الضال. وهذا التذمر راجع للحسد، وكان حرياً بهم أن يفرحوا لخلاص الكثيرين ويفرحوا بلطف سيدهم ورحمته إذ أنعم على الآخرين بالملكوت، ولكن هذا الحسد دفع اليهود لرفض المسيح فصار الآخِرون أولون.
آية (15):-أم عينك شريرة =إشارة لحسدهم. ولاحظ أن تذمرهم معناه أنهم لم يجدوا لذة فى العمل لحساب الله بل هم عملوا فقط لأجل الأجر. وكان هذا هو منطلق التفكير اليهودى والفريسى، ومن يتشبه بهم حتى الآن، أن هؤلاء يعملون ويخدمون الله ويطلبون الأجر المادى ويحسدون من يكافئه الله ويعطيه أكثر منهم، وهذا راجع لحب الذات. هؤلاء لا يرجع تذمرهم لحرمانهم من شىء وإنما يرجع للخير الذى ناله الغير. عينك شريرة =حقود.
لأنى أنا صالح= أى كريم أعطى بسخاء.
آية(12):-إحتملنا ثقل النهار والحر= وماذا يساوى هذا التعب بجانب المجد المعد لأولاد الله. المشكلة أن هؤلاء كانوا يعملونه بروح العبودية فلم يشعروا بأى تعزية، بل شعروا بثقل النهار وحره.
رأى رائع لإدرشيم العالم اليهودى المتنصر
فى عقب قصة الشاب الغنى (مت19 : 16 - 29) قال بطرس للرب "ها قد تركنا كل شئ وتبعناك" .. كأنه يطلب المكافأة على ذلك. وواضح أن بطرس لم يكن فاهما حتى هذه اللحظة سوى موضوع المكافأة الأرضية فى مقابل ما عمله، بينما هو قد سمع الرب يقول أنه لا يجد أين يسند رأسه. والسيد فى محبته لم يجب عليه بما حصل عليه وسيحصل عليه. ولكن خاف الرب على التلاميذ أن يرتدوا للفكر الفريسى فى رفض الخطاة كما رفض الفريسيين العشارين التائبين. وكما رفض الإبن الأكبر أخيه الضال حينما عاد. وأعطى الرب مثل الفعلة فى الكرم ليشرح قوانين الملكوت الجديدة. والمبدأ البسيط الذى وضعه الرب فى هذا المثل أنه وإن كان لا يضيع أجر كأس ماء بارد، لكن لا يجب أن نحيا كالفريسيين فى بر ذاتى ونتوقع المكافأة على كل عمل نقوم به. ولا يجب أن نتوقع أنه كلما زاد عملنا ستزداد المكافأة، أو بمعنى أننا نتصور أن المكافأة تكون بحسب رؤيتنا وحكمنا، أو أننا نحن الذين نُقَيِّم عملنا. ولذلك بدأ الرب بقوله "كثيرين أولون يكونون آخِرين، وآخِرون أولين". وهذه الآية تشرح لماذا كان المثل. ولاحظ أن الرب لم يقل أن كل أول سيكون آخِراً وكل آخِر سيكون أولا، لكنه قال كثيرين. ولذك فلا معنى لإحتجاج أحد أو إعتراضه لأنه حصل على أقل مما توقع. ونتيجة لعدم فهمنا تماما لطبيعة علاقة الله بنا لن يخرج منا سوى الكبرياء الروحى أو التذمر أو مشاعر خاطئة تجاه الآخرين - حين نُقيِّم نحن عملنا والمكافأة التى حصلنا عليها، مع عمل الآخَرين وما حصلوا عليه. وببساطة يكون معنى المثل أننا يجب أن لا نتذمر على الله لو وجدنا الله يعطى آخَر نصيبا أكبر منا مع أننا عملنا أكثر منه. العمل ليس هو مقياس عطايا الله لنا.
خرج صاحب الكرم (الرب) ليبحث عن فعلة لكرمه (ملكوت الله)، وهو خرج بنفسه وخرج فجرا ولم يرسل خداما من عنده، دليلا على إهتمامه بهذا العمل. وإتفق مع بعض الفعلة للذهاب إلى كرمه على أن يدفع لهم دينارا فى اليوم، وكانت هذه أجرة العامل فى اليوم، ويوم العمل عند اليهود يبدأ من الصباح الباكر حتى غروب الشمس. والمعنى أن صاحب الكرم أخبرهم أنه سيدفع لهم المبلغ الذى يرجوه العامل. وفى الساعة الثالثة خرج صاحب الكرم وإستأجر مجموعة أخرى لأن هناك أعمالا كثيرة مطلوبة فى الكرم. ولم يقل لهم سأعطيكم دينارا بل قال "أعطيكم ما يحق لكم" وربما تصور هؤلاء الذين لم يبدأوا باكرا أنهم لا حق لهم فى أن يتفاوضوا على الأجر ولكن هم وثقوا فى كلمة صاحب الكرم وعدله وكرمه. وتكرر هذا حتى الحادية عشرة. ونلاحظ أن عدم ذهاب الفعلة للعمل ليس ذنبهم، بل هم لم يستأجرهم أحد، أو ربما لأنهم لم يكونوا موجودين فى السوق الذى يوجد فيه الفعلة (الكنيسة حظيرة المسيح الراعى الصالح). وهؤلاء الآخرين واضح أنهم الأمم وأيضا هم العشارين والزوانى التائبين. هؤلاء قضوا جزءا كبيرا من حياتهم بعيدا عن السوق. ولكنهم حينما وُجِدوا وإستأجرهم صاحب الكرم لم يرفضوا العمل وذهبوا ليعملوا حتى بدون وعد من صاحب الكرم بأجر معين، وبالرغم من صحتهم التى ضعفت بفعل السن إذ دخلوا كبارا. ونلاحظ أيضا إهتمام صاحب الكرم بكرمه وخروجه عدة مرات للبحث عن فعلة للكرم.
وحينما إنتهى العمل مساء طلب صاحب الكرم (الله) من وكيله (المسيح) أن يعطى الفعلة أجرهم وإبتدأ من الآخِرون فأعطاهم دينارا - وهذا جزء مهم من المثل - فهو لو بدأ بالأولين لكانوا أخذوا الدينار وإنصرفوا راضين فهكذا كان الإتفاق، أو لو بدأ بالأولين وإستمروا موجودين ورأوا أن الآخِرين أخذوا مثلهم فكل ما سيحدث هو مشاعر حقد على الآخرين. ولكن المقصود من المثل ليس معالجة مشاعر الحقد وخلافه. لكنهم حينما رأوا الآخِرين يأخذون دينارا ظنوا أنهم يأخذون أكثر منهم فلما أخذوا الدينار المتفق عليه إعترضوا. ونلاحظ أيضا أن فعلة الساعة الثالثة والسادسة ... لم يعترضوا فصاحب الكرم لم يتفق معهم على شئ، بل هم أخذوا أكثر من حقهم فهم بدأوا العمل متأخرين. ومن إعترضوا هم الأولين الذين بدأوا العمل باكرا وثارت فيهم شراهتهم للمزيد عن الإتفاق لما رأوا الآخِرين يأخذوا دينارا، وتصوروا أنهم سيأخذون نصيبا أكبر. وهذا بالضبط هو المقصود بالمثل - أن لا نُقَيِّم نحن ما نستحقه عن عملنا ولكن الله فى سخائه يعطى بحسب نعمته أكثر مما نظن أو نفتكر.
ومن ناحية العدل فالقضية فى صالحهم، فهنا حدث تساوى بين من عمل باكرا مع من جاء مساء. ولكن ألم يتفقوا مع صاحب العمل على دينار وها هم أخذوا حقهم فلماذا الإعتراض؟ وهذا الدينار هو أجرة العامل فى اليوم وهم عملوا يوما فلماذا الإعتراض؟ فمن ناحية أخرى للعدل فهم أخذوا حقهم الذى إتفقوا عليه.
لكن لننظر للموضوع من وجهة نظر من أتى متأخرا، فهؤلاء لم يتفاوضوا على أجرة ولم يتفقوا على شئ، وربما ظنوا أنهم لن يحصلوا على شئ يذكر، لكنهم أتوا واضعين أمام عيونهم كرم ورحمة ومحبة هذا السيد صاحب الكرم. وكما آمنوا هكذا كان، إذ كان السيد كريما جدا معهم وأعطاهم أكثر مما يستحقون. ولاحظ قول السيد "فإنى أريد أن أعطى هذا الأخير مثلك" فهنا تشديد على أرادة السيد فى العطاء بل سعادته بذلك، وهذا السيد لم يقتطع شيئا من الذين أتوا مبكرا فى الساعة الأولى. هو لا ينسى أجر كأس ماء بارد. ولكن سرور السيد بالعطاء فهذا ما يسمى النعمة. السيد يعطى ليس بحسب الأعمال والإستحقاق بل بحسب محبته ورحمته. وهنا نرى الفرق بين اليهودية والمسيحية. فاليهود يفهمون أن الله يعطى بحسب الإستحقاق، أما المسيحية فتفهم أن عطايا الله ليست بحسب الإستحقاق بل بمقتضى النعمة وهذا هو ما علم به بولس الرسول "الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي اعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الازلية" (2تى 1 : 9) + "لا باعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته ¬ خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تى3 : 5). وهذا ما حدث فى قبول الأمم وثورة اليهود على ذلك. وهنا نرى أولون صاروا آخِرين وآخِرون صاروا أولين. وأما عن الملكوت (الكنيسة) فهناك دائما عمل لكل واحد، مع كلمة عتاب بسيطة من السيد "لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين". والسيد يظل يدعو الكل للعمل حتى آخر لحظة ويتسائل - "لماذا تظل بطالا بلا عمل، ما زال هناك فرص عمل للكل". وهو سيعطى أكثر مما نظن أو نفتكر بحسب نعمته (أف3 : 20). الله هو إله الجميع يهود وأمم وهو لا يدفع أجرة بل يعطى بمحبة "وبسخاء ولا يعيِّر".
وكما رأينا من قبل أن الرب يسوع يستخدم أمثالا من واقع ما يفهم اليهود ولكنه يعطيها الفكر المسيحى الصحيح. فاليهود إستخدموا أمثلة مشابهة - وقالوا إذا إستأجر أحد عاملا دون الإتفاق على أجر سيحاسبه بحسب أجور بقية العمال، أى كما يحاسب الباقين. وقال البعض من الربيين أن صاحب العمل يحاسب هذا الشخص بحسب أقل أجر من أجور العاملين فى المكان. ولكن معظم الربيين قالوا بل سيحاسبه على متوسط أجور العاملين أى أن ما يأخذه هذا العامل هو متوسط أعلى أجر وأقل أجر من أجور العمال - أما مثل المسيح هنا فهو شئ آخر تماما. ومثل آخر لأحد الربيين الذى توفى شابا صغيرا فى سن 28 سنة. وعرفوا أنه فى نعيم بالرغم أنه عمل عملا لمدة قصيرة. فقالوا هذا يشبه ملكا إستأجر عمالا لكرمه، ووجد عاملا صغيرا أعجبه عمله فإصطحبه معه فى الدخول والخروج. فلما أتى وقت الحساب أعطاه كالآخرين الذين عملوا كل اليوم. فتذمر هؤلاء وقالوا أن هذا لم يعمل سوى ساعتين. وكان رد الملك لكنه بمهارته أنجز فى الساعتين نفس ما عملتموه كل اليوم. وكان هذا إشارة لمميزات هذا الرابى. ملخص الفكر اليهودى أن عطاء الله بحسب العمل. ومثل الرب هنا معناه أنه يعطى بمقتضى نعمته.
ملخص التعاليم التى فى المثل :-
1. هدف المثل أن الرب أراد أن لا يكون لتلاميذه الفكر الفريسى فيرفضوا الخطاة، وأن يطالبوا بأجر عن كل عمل أو خدمة يقدمونها للملكوت.
2. الفكر اليهودى أن عطاء الله بحسب العمل وبحسب الإستحقاق، أما فى المسيحية عطاء الله بحسب محبته ورحمته وهذا ما نسميه النعمة. بل أن الله يُسَّر بأن يعطى - لذلك فعطايا الله أكثر مما نظن أو نفتكر.
3. أصحاب الساعة الحادية عشر (العشارين والزناة الذين أضاعوا حياتهم فى الخطية لكنهم أتوا أخيرا) ظنوا أنهم غير مستحقين لكنهم فى رحمة الله وسخاءه فى العطية أخذوا كثيرا من نعمته. وهذا منطق كنيستنا التى لا تكف عن ترديد "كيريي ليسون" بشعور حقيقى من عدم الإستحقاق.
4. الله لا ينسى كأس ماء وسيكافئ عليه. وهذا معنى أن أصحاب الساعة الأولى حصلوا على أجرهم.
5. لا يجب أن نتوقع مكافأة معينة جزاء كل عمل نقوم به. ولا يجب أن نتوقع أن تكون مكافأتنا بحسب تقييمنا، فإن حصلنا على أقل مما نتوقع تذمرنا على الله. هذه ليست طريقة تعامل أبناء مع أبيهم.
6. [ولهذا عاتب الرب كهنة العهد القديم على هذه النقطة أى توقع أجر مادى على كل عمل يقومون به "من فيكم يغلق الباب، بل لا توقدون على مذبحى مجانا" (ملا1 : 10). مجانا عائدة على غلق الباب وتقديم الذبيحة، وكلمة مجانا تكررت فعلا فى الترجمة الإنجليزية القديمة KJV . والمعنى أنهم يطالبون بأجر على كل خدمة يقدمونها مهما كانت تافهة كغلق الباب. وهذا فكر العبيد فى منازل سادتهم وليس فكر الأبناء فى بيت أبيهم، هو فكر الأخ الأكبر للإبن الضال].
7. هناك عمل لكل واحد فى الكنيسة، وهناك أعمال كثيرة، والكل مدعو، والله مهتم بالعمل، ويخرج طول النهار يبحث عن عمال لكرمه. ويدعو الجميع حتى آخر لحظة. وسيقبل حتى من يأتى متأخرا، وربما يوجه له كلمة عتاب رقيقة.
الآيات (مت 17:20-19) + (مر 32:10-34) + (لو31:18-34):-
الآيات (مت 17:20-19):-"17وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذًا عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: 18«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، 19وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»."
الآيات (مر 32:10-34):-"32وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوعُ، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ. وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ. فَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ عَمَّا سَيَحْدُثُ لَهُ: 33«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ، 34فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»."
الآيات (لو31:18-34):-"31وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ،وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، 32لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، 33وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». 34وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئًا، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ."
لقد إقترب ميعاد الصليب، والمسيح متجه الآن إلى أورشليم للمرة الأخيرة التى سيصلب فيها. ونسمع فى (مر32:10)أن التلاميذ كانوا يتحيرون ويخافونفهم يعرفون عداوة الفريسيين والسنهدريم لمعلمهم، وطالما تنبأ لهم المعلم بأنه سوف يتألم منهم، وها هم ذاهبون إلى أورشليم وكانوا شاعرين بان أموراً خطيرة ستحدث ولكنهم كانوا متحيرون ماذا سيحدث بالضبط. وها هو السيد يتكلم بوضوح عما سيتم حتى إذا كان يؤمنون (يو29:14) وإذا ما حدث ما قاله فحينئذ سيعرفون أن ما حدث كان بإرادته وسيؤمنون بالأكثر. ومع أن كلام المسيح كان واضحاً إلاّ أن التلاميذ لم يفهموا، فهم لم يتصوروا أن هذا المعلم العجيب الذى يقيم الموتى يستسلم بهدوء للكهنة =ولم يعلموا ما قيلوربما تصوروا أن ما قاله المعلم سيكون مجرد مناوشات يتسلم بعدها مُلك إسرائيل. لذلك يأتى بعد هذا مباشرة طلب إبنا زبدى أن يجلسا عن يمينه ويساره فى ملكه. فهم ما تصوروا أبداً موت المخلص الذى أتى ليخلص إسرائيل، فكيف يخلصها إن هو مات.
الآيات (مت 20:20-28) + (مر35:10-45) طلب إبنا زبدى
الآيات (مت 20:20-28):-"20حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا. 21فَقَالَ لَهَا:«مَاذَا تُرِيدِينَ؟» قَالَتْ لَهُ:«قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ». 22فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ:«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» قَالاَ لَهُ:«نَسْتَطِيعُ». 23فَقَالَ لَهُمَا: «أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِيني وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي». 24فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ. 25فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. 26فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، 27وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، 28كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»."
الآيات (مر35:10-45):-"35وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا ابْنَا زَبْدِي قَائِلَيْنِ:«يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا». 36فَقَالَ لَهُمَا:«مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا؟» 37فَقَالاَ لَهُ:«أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ». 38فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟» 39فَقَالاَ لَهُ: «نَسْتَطِيعُ». فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ:«أَمَّا الْكَأْسُ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا، وَبَالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. 40وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ».41وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. 42فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. 43فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، 44وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. 45لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ»."
بمقارنة متى ومرقس نفهم أن يعقوب ويوحنا طلبا من أمهما أن تطلب هى من المسيح أن يجلسا عن يمينه وعن يساره، فهما ربما خافا أن يطلبا هذا الطلب من السيد مباشرة. وهذا الطلب يعنى أن أفكارهما ما زالت فى الملك الأرضى. ولكن الطلب يبين أيضاً أنهما مخلصان للسيد ويودان لو تألما معه كما يقول وبعد هذا يجلسان عن يمينه وعن يساره. وحين سمع السيد طلب الأم وجه الكلام ليعقوب ويوحنا فرد عليه يعقوب ويوحنا. فحين يقول مرقس أن يعقوب ويوحنا هما اللذان قاما بالطلب من المسيح، فهذا لأن الطلب هو أصلاً منهما، وأن الحوار بعد ذلك تم معهما مباشرة. وهم طلبوا المجد مع المسيح ولكنهم لم يفهموا أن المسيح سيتمجد بالصليب، لذلك قال لهما المسيح عن الصبغة أى أنه سيتغطى بالدم. وبهذا فالسيد يشرح ليعقوب ويوحنا ثم باقى التلاميذ أن العظمة الحقيقية هى فى الصليب وفى الخدمة والبذل، وهذا التعليم غير تعليم اليهود والفريسيين.
حينئذٍ= بعد كلام المسيح عن صليبه. فكان كلام إبنى زبدى هو عدم الفهم التام لما سوف يحدث.
أما كأسى= هذه الكأس هى التى أعطاها له الآب أى الآلام المعدة له.
فتشربانها = فيعقوب مات شهيداً، ويوحنا عذبوه كثيراً (أع 2:12) ونحن هل نقبل أن نشرب الكأس التى يعطيها لنا الآب، من يقبل سيكون له نصيب فى المجد = هؤلاء قال عنهم الذين أعد لهم من أبى = هؤلاء هم الذين قبلوا حمل الصليب مع المسيح.
فليس لى أن أعطيه = السيد المسيح قال أن الآب قد أعطى كل الدينونة للإبن (يو22:5). ولكن فى (يو47:12) يقول لأنى لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم. ومن هذا نفهم أن المسيح فى مجيئه الأول أتى ليخلص وليدعو الناس للإيمان والتوبة. أما فى مجيئه الثانى فهو سيأتى ليدين (مت 31:25-34،41)لذلك فالمسيح فى مجيئه الأول لن يحدد من يجلس عن يمينه ومن يجلس عن يساره فى الملكوت. وفى تواضعه أو بينما هو فى وضع إخلائه لذاته قال ليس لى أن أعطيه.. لكن الذين أعد لهم من أبى..وهذه متفقة مع قوله لأن "أبى أعظم منى" (يو 28:14) ، أو لأن الآب ينسب له الإرادة ، والتنفيذ ينسب للإبن والروح القدس .
• أم إبنى زبدى = هى سالومى خالة المسيح، فيعقوب ويوحنا ظنا أن السيد المسيح سيوافق على طلبهما بسبب القرابة الجسدية. ولكن ليس هذا هو موقف المسيح من القرابة الجسدية (راجع مت 46:12-50)
• سؤال المسيح لهما ماذا تريدان أن أفعل لكما= ليس لأنه لا يعرف بل ليحرك مشاعرهما فيخجلان مما يطلبانه تصطبغا بالصبغة التى أصطبغ بها أنا= المسيح سيصطبغ بدمه على الصليب ويعقوب إصطبغ بدمه إذ مات شهيداً. ولكن كل مسيحى حين يعتمد فهو يموت ويدفن مع المسيح، وتكون المعمودية هى الصبغة التى يصبطغ بها ، ويعقوب ويوحنا فى تسرع قالا نستطيعوهذا التسرع ناشئ عن:-
1) محبتهم للمسيح 2) جهلهم بما يعنيه المسيح 3) تفكيرهم محصور فى مجد أرضى
العشرة إبتدأوا يغتاظون= إذ ظنوا أن المسيح أعطاهم نصيباً عظيماً فى ملكوته الأرضى فدب الحسد فى قلوبهم، وهذا هو المرض الذى يوجهه عدو الخير بين الخدام، حب الرئاسات والكرامة الزمنية. لذلك بدأ المسيح يشرح لهم أن ملكوته يختلف عن أى ملكوت عالمى فى مبادئه وروحه وأغراضه، العظيم فى ملكوت السموات هو من ينسى نفسه ويخدم الآخرين ويتضع باذلاً نفسه.. كما فعل المسيح نفسه.
والآن ونحن قد فهمنا إخلاء المسيح له المجد لنفسه واختياره طريق الصليب صرنا نفهم أن العظمة الحقيقية ليست فى المراكز العالمية بل بالتشبه بالمسيح فى رفض كل مجد عالمى.
شفاء أعميين
الآيات (مت 29:20-34) + (مر46:10-52 ) + ( لو35:18-43)
الآيات (مت 29:20-34):-"29وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، 30وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ. فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: «ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» 31فَانْتَهَرَهُمَا الْجَمْعُ لِيَسْكُتَا، فَكَانَا يَصْرَخَانِ أَكْثَرَ قَائِلَيْنِ: «ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» 32فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا وَقَالَ:«مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمَا؟» 33قَالاَ لَهُ:«يَا سَيِّدُ، أَنْ تَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا!» 34فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ."
الآيات (مر46:10-52):-"46وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. 47فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ:«يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» 48فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا:«يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». 49فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوُا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ:«ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ». 50فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقَامَ وَجَاءَ إِلَى يَسُوعَ. 51فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ لَهُ الأَعْمَى:«يَا سَيِّدِي، أَنْ أُبْصِرَ!». 52فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«اذْهَبْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ يَسُوعَ فِي الطَّرِيقِ."
الآيات (لو35:18-43):-"35وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. 36فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازًا سَأَلَ:«مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟» 37فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ. 38فَصَرَخَ قِائِلاً: «يَايَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». 39فَانْتَهَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِيَسْكُتَ، أَمَّا هُوَ فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا: «يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». 40فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ سَأَلَهُ 41قِائِلاً:«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ: «يَاسَيِّدُ، أَنْ أُبْصِرَ!». 42فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَبْصِرْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». 43وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ رَأَوْا سَبَّحُوا اللهَ."
1) متى يذكر أنهما أعميان ومرقس ولوقا يذكران أنه أعمى واحد بل أن مرقس يحدد إسمه،ويبدو أنهما كانا إثنين فعلاً ولكن أشهرهما هو بارتيماوس هذا، فذكر مرقس ولوقا أنه واحد وهو المشهور ولكن لعل هذا يحمل معنى رمزى، فالمسيح أتى ليجعل الإثنين واحداً اليهود والأمم، ويعطى كليهما إستنارة ومعرفة لله، فكلاهما كانا أعميان. ومتى يكتب لليهود فيذكر الاثنين ومرقس ولوقا يكتبان للامم فيقولان واحد .
2) كان هذا جالساً يستعطى (مر 46:10) وفى هذا يشبه الخاطى الذى هو أعمى روحياً ويسلك فى الظلمة ولا يرى طريق الملكوت، بل يجلس ليستعطى كسرة عفنة من شهوات زائلة. ومن ضمن الشهوات الزائلة ما طلبه إبني زبدي من مجد عالمي لذلك ذكرت هذه القصة هنا أما من إنفتحت عينيه فيستقبل المسيح كملك في قلبه كما نرى في الآيات الآتية عن دخول المسيح كملك إلى أورشليم.
3) إنتهره كثيرون ليسكت، وهذا يحدث فى صراع التوبة إذ تنتهرنا العادات القديمة والشهوات المحبوبة والأصدقاء الأشرار والمجتمع الفاسد فلا نجد لنا طريق إلاّ الصراخ أكثر كثيراً مثل الأعمى طالبين الرحمة، وكما إستجاب يسوع لهذا الأعمى الذى يصرخ سيستجيب حتماً لكل من يناديه .
4) يا يسوع إبن داود إرحمنى = هذا الأعمى يهودى وهو سمع عن المسيا وأنه سيكون إبن داود حسب النبوات، لذلك فقوله إبن داود يحمل معنى إيمانه بأنه المسيا المنتظر (مز11:132 +أش1:11)
5) الأعمى طرح رداءه وقام وجاء إلى المسيح، وهذا يشير إلى أن كل خاطى يريد أن تستنير عينيه، عليه أن يطرح أعماله القديمة تابعاً المسيح. الرداء قد يشير للحياة القديمة أو التكاسل القديم أو الحياة العتيقة. والرداء يشير لشكل حياتنا القديمة "تغيروا عن شكلكم بتغيير أذهانكم" (رو12 : 2) .
6) سؤال السيد ماذا تريد أن أفعل بك، يعنى أن السيد يريد أن يعلن إيمان هذا الرجل أمام الجميع. وأنه يعطى من يسألونه.
7) لاحظ أنه حين تمتع بالبصيرة تبع يسوع.
8) فصرخ أكثر كثيراُ = هذه تعلمنا اللجاجة فى الصلاة بإيمان.
9) متى ومرقس يقولان وفيما هو خارج من أريحاولوقا يقول ولما إقترب من أريحا. ويقول متى أنهما إثنان ومرقس ولوقا يقولان واحد:- وهناك حلاّن لهذا:-
1. بينما كان يسوع يقترب من أريحا سمع عنه هذا الأعمى فصرخ ولكن يسوع تركه ليشتد إيمانه. وفى الصباح أثناء خروجه من أريحا إزداد هذا الأعمى صراخاً، فى حين كان أعمى آخر قد إنضم إليه فشفاهما.
2. يقول يوسيفوس أنه كانت هناك مدينتين بإسم أريحا، أريحا الجديدة وأريحا القديمة. وهما متجاورتان، على بعد ميل واحد من بعضهما. ويكون يسوع فى هذه الحالة خارجاً من واحدة مقترباً من الأخرى والأعميان فى وسط الطريق.
3. كانا إثنين ولكن كان واحد هو المتقدم فى الكلام.
هذه المعجزة آخر معجزة للسيد المسيح قبل دخوله لأورشليم ليصلب وبها نرى أن الأعميان يرمزان للبشرية (يهود وأمم) التى عجزت عن رؤية الله ومعرفته. وجاء المسيح ليقدم لها الفداء وتنفتح أعين البشرية وتعرف الله وتدرك محبته. وكلما صرخنا مثل هذا الأعمى تدركنا مراحم الله وتنفتح أعيننا بالأكثر لندرك الله فنحبه لأنه أحبنا أولاً. أما الجموع التى كانت تنتهر الأعميان فهى تشير لكل المعطلات التى تمنعننا عن الصراخ لإستدرار مراحم الله. ونأتى لسؤال السيد للأعمى... ماذا تريد... وهو سؤال لكل منا الآن.
ماذا نريد؟