كلمة منفعة
هناك صفات كثيرة للصلاة الروحية، منها أن تصلى بإيمان، وباٍنسحاق، وبفهم، وبتركيز، وبحب وعمق، وحرارة، صلاة من القلب وليس من الشفتين فقط، ونحن نود الآن أن نتكلم عن الصلاة بانسحاق القلب.
— الصلاة المنسحقة
سفر صموئيل أول 7
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
حاح السابع
الاصحاح السابع
التوبة طريق النصرة
كان صموئيل النبي يهيئ الشعب للتوبة قرابة 20 عامًا، وأخيرًا نادى بالتوبة الجماعية من كل القلب، والعودة الكاملة لله، ورفض كل عبادة غريبة، وبعد الصلاة والصوم قدم ذبيحة، وعندئذ إذ تقدم الفلسطينيون لمحاربتهم أرعدهم الرب نفسه وأزعجهم لينكسروا أمام الشعب.
لقد برز صموئيل النبي في هذا الأصحاح كقاضٍ وكممثل للحكم الإلهي مثل موسى (إر 15: 1) ومثل يشوع (يش 24، 1 صم 12)، وكأحد القضاة لكن على مستوى أعلى في الشفاعة[72].
يعتبر هذا الأصحاح مقدمة للأصحاح التالي، فيه أبرز فساد النظام الملكي المُقام من أجل مظاهر بشرية.
1. تابوت الرب في بيت أبيناداب [1-2].
2. الرجوع القلبي والعمل لله
[3-4].
3. الصلاة والصوم والذبيحة
[5-9].
4. الرب واهب النصرة
[10-14].
5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة [15-17].
1. تابوت الرب في بيت أبيناداب:
أثار تابوت العهد رعبًا ليس فقط في مدن فلسطين العظمى وإنما أيضًا في بيتشمس، أما أهل قرية يعاريم فقد أدركوا أنه يمثل حضرة الله، هو نار آكلة بالنسبة للمرتدين عنه والمنحرفين أما بالنسبة لمحبيه فحافظ لهم وسر فرحهم وتعزيتهم. لهذا صعدوا بفرح وأتوا به في احترام ووقار، وجاءوا به إلى بيت أبيناداب ليبقى هناك قرابة مائة عام حتى نقله داود النبي (2 صم 6: 1-4).
كلمة "أبيناداب" تعني "أبا الكرم[73] أو النُبل"، وكأنه لا يمكن التمتع بالحضرة الإلهية ما لم تحمل النفس الداخلية نوعًا من الكرم أو السخاء في العطاء.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يجعلنا هكذا قريبين من الإله وعلى شبهه مثل هذا العمل الحسن[74]]. ويقول مار إسحق السرياني: [أعطِ للمساكين، وهلم بدالة قدم صلواتك، أي تحدث مع الإله كما يتحدث الابن مع أبيه، فليس شيء يقدر على دنو القلب إلى الباري مثل الرحمة[75]].
وُضِعَ التابوت في بيت في الأكمة أي على مكانٍ عالٍ، وقُدِّسَ أليعازر (تعني الله معين)[76] بن أبيناداب لأجل حراسة التابوت، غالبًا ما كان لاويًا وليس كاهنًا.
كان التابوت في قرية يعاريم بينما أقيمت الخيمة في نوب بلا تابوت مما عطّل العبادة فيها أو جعلها عبادة غير كاملة، وكان هذا إعلانًا عن حالة الخمول الروحي والانحطاط التي بلغ إليها الشعب.
صار صموئيل يجول بين الشعب ليعدهم لحياة التوبة والرجوع إلى الله.
2. الرجوع القلبي والعملي إلى الله:
بعد موقعة أفيق التي مات فيها ابنا عالي الكاهن وعالي نفسه بدأ صموئيل النبي يمارس عمله القيادي الهادئ والبناء. اتخذ إقامته غالبًا في الرامة حيث التف حوله بعض الشباب وصاروا نواة لأول مدرسة الأنبياء. في هذه الفترة تزوج صموئيل وأنجب ابنين دعاهما: يوئيل "يهوه هو الله"، أبيا "الرب هو أبي".
في هذه الفترة عاد تابوت العهد إلى إسرائيل ووضع في قرية يعاريم بينما نُقلت الخيمة إلى نوب، وتعطلت بعض الشعائر الدينية، أما صموئيل فلم يكف عن العمل الهادئ البناء على المستوى الفردي والاهتمام بالشباب، مع ممارسة حياة الصلاة. خلال هذا الإصلاح الهادئ انفتحت القلوب بالحب لله وبالتالي تجمعت القلوب معًا بالحب الأخوي وروح الوحدة. بعد عشرين سنة من وجود تابوت العهد في قرية يعاريم وجد صموئيل الفرصة سانحة للمناداة بالتوبة الجماعية والرجوع إلى الله مع الكشف عن سر فشل الشعب وعن طريق النصرة، إذ تحدث صموئيل مع كل بيت إسرائيل (أي مع الجماعة كلها) قائلاً: "إن كنتم بكل قلوبكم راجعين إلى الرب فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروت من وسطكم، وأعدوا قلوبكم للرب واعبدوه وحده فينقذكم" [4].
سر ضعف الإنسان التعريج بين الطريقيين وعدم رجوعه بكل قلبه إلى الرب، كأن يتمسك بشكليات العبادة الخارجية بينما يقيم في أعماقه إلهًا خفيًا كالأنا ego أو حياة التدليل أو محبة الزمنيات إلخ... النصرة تستلزم تقديس القلب واستقامة هدفه مع جدية في الحياة وأن يبتر الإنسان بصليب رب المجد كل ما هو غريب داخل القلب، ليقيم الرب ملكوته المفرح السماوي.
انتزع الشعب من وسطهم كل عبادة غريبة، خاصة البعليم (جمع بعل) والعشتاروت.
البعل[77] تعني "السيد" أو "الرب"، بمعنى مالك أو سيد لامرأة أو لعبد أو لشيء ما يمتلكه. لم يكن "البعل" اسمًا لشخص ما إنما هو لقب أستخدم للعبادة تحت أشكال كثيرة وبطرق متعددة. من بينها تماثيل من الخشب أو الحجر أو المعدن عليها صورة للشمس (إش 27: 9) بكونها أعظم ما في الطبيعة وأنه مصدر الحياة. أما العشتاروت (جمع عشتار)، فينظر إليها كقرينة أو زوجة للبعل عبدها الفلسطينيون خلال تماثيل عليها صور للقمر أو كوكب الزهرة. عُبد بواسطة أمم كثيرة وتحت أشكال متعددة وبأسماء مختلفة. تعتبر إحدى ثلاث إلاهات (جمع إلاهه) للخصوبة. احتوت عبادتها على الكثير من روح الخلاعة والرجاسات، فقد تكرست كاهنات لممارسة الدعارة في هياكل العشتاروت.
كثيرًا ما سقط اليهود في عبادة البعليم والعشتاروت، وأقاموا التماثيل في المرتفعات وتحت كل شجرة خضراء بل وأحيانًا داخل الهيكل، وجاء زمان تقدمت فيه النساء المتزوجات والفتيات إلى النجاسة لحساب هذه الآلهه، وقدمت الأمهات أطفالهن ذبائح آدمية بإلقاء الطفل على التمثال النحاسي بعد احمراره من شدة النار وسط الطبول حتى لا يستمع أحد لصراخ الطفل!!!
هذا ما يفعله الإنسان عند انحرافه عن الله مصدر حياته وقدسيته وشعبه!
3. الصلاة والصوم والذبيحة:
التوبة بما يُلازمها من تغيير القلب الداخلي وعبادة هي أمر شخصي يمس حياة المؤمن وعلاقته الخفية مع الله، لكنها في نفس الوقت هي ممارسة جماعية، إذ يقول صموئيل النبي: "اجمعوا كل إسرائيل إلى المصفاة" [5]. يقول الرسول بولس: "فإن كل عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1 كو 12: 26). توبة خاطئ واحد تُفرح ملائكة السماء (لو 15: 10)، وتسند الكثيرين على الأرض وتدفعهم للتوبة معه؛ ومع كل سقوط واستهتار خفي نُسيء إلى الجماعة كلها.
جاءت التوبة القلبية تحمل أعمالاً ظاهرة أيضًا:
أ. نزع الآلهة الغريبة [4]
ب. التقاء جماعي في المصفاة للعبادة بوح واحد [4].
ج. صموئيل النبي يصلي إلى الرب لأجلهم [5].
د. استقاء ماء وسكبه أمام الرب [6].
هـ. صوم جماعي [6].
و. الاعتراف بالخطايا للرب أمام صموئيل النبي [6].
ز. الحاجة إلى ذبيحة للمصالحة مع الله [9].
"طلب صموئيل النبي من الشعب أن يجتمع في المصفاة" (تعني "برج المراقبة"[78]). وهي مدينة في بنيامين (يش 18: 26)، يُقال إنها "تل النصبة"، اكتشفها Bad عام 1926-1935، تبعد ثمانية أميال شمال أورشليم على طريق الرامة. ويرى البعض أنها قرية "النبي صموئيل"، ارتفاعها 2935 قدمًا فوق البحر وهي أعلى القمم بقرب أورشليم، تبعد خمسة أميال شمال غرب أورشليم.
فيها تم انتحاب شاول ملكًا (10: 17-21)، وحصنها آسا (1 مل 15: 22)، وفيها قُتل جدليا (2 مل 25: 23، 25؛ إر 40: 6-15)، وفيها اجتمع الشعب في أيام يهوذا المكابي (1 مك 3: 46).
يُبرز صموئيل النبي دور الله في حياة شعبه، فإنهم إذ يجتمعون للتوبة يحتاجون إلى يد الله الخفية تعمل فيهم لذلك يقول: "فأُصلي لأجلكم إلى الرب" [5]. هنا يَبرز أيضًا صموئيل النبي كراعٍ روحي، يعرف أنه لن يقدر أن يقود شعب الله بدون صلاة، أو بمعنى آخر دوره القيادي يرتكز أولاً على الصلاة لكي يكون الله هو القائد الخفي والمرشد والعامل في شعبه لحساب ملكوته بلا انحراف. لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن الكاهن: [من دعته الضرورة أن يكون سفيرًا عن مدينة بأسرها - ولا أقول عن مدينة فحسب بل عن العالم أجمع - يضرع إلى الله كي يصفح عن خطايا الجميع، ليس فقط الأحياء منهم بل والراقدين أيضًا... فالكاهن، لأنه أؤتمن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى الله متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان وإخماد الاضطرابات، ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس والشفاء للمرضى[79]...].
"فاجتمعوا إلى المصفاة واستقوا ماءً وسكبوه أمام الرب" [6].
ما هو هذا الماء الذي استقوا منه وسكبوه أمام الرب؟ يرى البعض أنه إشارة إلى سكب قلوبهم بالتوبة أمام الرب، كقول داود النبي "يا قوم اسكبوا قدامه قلوبكم" (مز 62: 8). أو علامة الاعتراف بالضعف إذ صاروا كالماء المنسكب على الأرض لا يمكن جمعه إلا بيد إلهية. يرى آخرون أنه تأكيد للقسم، فإنهم لا يرجعون عما تعهدوا به في توبتهم كما لا يجمع الماء المسكوب على الأرض. آخرون رأوا في هذا التصرف إشارة إلى يوم الكفارة العظيم (لا 16) وسكب روح الله على المؤمنين وحلوله فيهم.
إذ صلى صموئيل النبي عنهم قرنوا صلاته بتوبتهم التي أعلنوها بسكب الماء مع الصوم والاعتراف. لقد صاموا في ذلك الوقت واعترفوا قائلين: "قد أخطأنا إلى الرب" [6].
في ذلك الوقت كان صموئيل النبي يقضي بينهم كقاضٍ، لا خلال السلطة وإنما بعد تقديم صلوات طويلة مستمرة وإصلاح دائم بينهم وعمل روحي هادئ ثم توبة جماعية ورجوع إلى الله. لقد وضع أساسات روحية سليمة ليعمل كقاضٍ بضمير مستريح بهدف روحي واضح لحساب ملكوت الله.
4. الرب واهب النصرة:
مع كل جهاد روحي هادف يثور عدو الخير لا لخطأ ارتكبه الإنسان أو ارتكبته الجماعة، وإنما هي علامة رفض الظلمة للنور، ومقاومة عدو الخير لمملكة الله.
لقد اجتمع أقطاب الفلسطينيين أيضًا وصعدوا إلى إسرائيل [7]، فخافوا أن يتكرر ما حدث في موقعة أفيق (1 صم 4)، لكنهم إذ كانوا تحت قيادة روحية سليمة يمارسون التوبة طلبوا من صموئيل النبي ألا يكف عن الصراخ من أجلهم إلى الرب ليخلصهم... قدم صموئيل محرقة للرب علامة تسليم نفوس الشعب ليد الرب تمامًا، واستجاب الرب خلال الطبيعة بواسطة رعد أو زلزال، واهبًا إياهم الغلبة والنصرة، إذ ضربوا العدو إلى ما تحت بيت كار (تعني بيت الخرفان) غرب المصفاة، يظن أنها بيت كارم الحالية، أو عين الكروم.
مع كل نمو روحي نواجه حربًا جديدة، تؤول إلى تزكيتنا وتكليلنا مادمنا في يد الله. يقول القديس بطرس الرسول: "الذي به تبتهجون مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون بتجارب متنوعة، لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد عند استعلان يسوع المسيح" (1 بط 1: 6-7).
تحققت النصرة في ذات الموقع الذي حدثت فيه الهزيمة قبلاً وأخذ التابوت (4: 1)، لذلك أخذ صموئيل حجرًا ونصبه، ودعاه "حجر المعونة"، لكي يكون شاهدًا على عمل الله في حياة شعبه الراجعين إليه. هذا التذكار يجدد روح الشعب باستمرار حتى لا ينحرفوا عن الله. خلاله يذكر كل مؤمن سر الهزيمة وسر النصرة، ففي ذات الموقع فقد إسرائيل تابوت العهد وسقط في مذلة وعار، وأيضًا فيه نال غلبة ونصرة بيد الله القوية.
يقول رب المجد يسوع: "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (لو 19: 40)... إذ أقام صموئيل هذا الحجر لكي يبعث حياة الشركة في كل من يتطلع إليه.
بعد أن كان الفلسطينيين قد استبعدوا إسرائيل تمامًا، انكسروا بهزيمتهم فلم يدخلوا إلى تخوم إسرائيل للاستيلاء عليه وإن كانوا قد اقتحموا أحيانًا بعض المناطق، واستعبد البعض منهم إسرائيليين، لكن كسرتهم في المصفاة كانت بداية لهزيمتهم المتلاحقة. كما استرد الإسرائيليون المدن التي كانت على التخوم ما بين عقرون وجت.
لعل هذه النصرة أعطت مجالاً للمصالحة بين إسرائيل والأموريين [14] ليعيش الشعب إلى حد ما في جو من السلام والطمأنينة.
5. قضاء صموئيل في مواضع متعددة:
يعتبر صموئيل النبي هو المصلح الروحي الحقيقي في تلك الآونة حتى كادت عبادة البعل تحتفي تمامًا في الفترة ما بين بدء النظام الملكي حتى أوائل عصر سليمان الحكيم... ويلاحظ أن صموئيل لم يُعِدْ مجدَ "شيلوه" ولا أقام مركزًا واحدًا للعبادة إنما كان يقضي للشعب في مواضع متعددة مثل بيت إيل والجلجال والمصفاة. لعل السبب في هذا أن الشعب قد ركز على موضع العبادة الواحد كسرّ قوة الشعب متجاهلاً التجديد الداخلي للنفس. لقد أراد صموئيل أن يؤكد أن سر القوة هو في العلاقة الخفية في القلب مع الله، دون تجاهل العبادة الجماعية بروح الوحدة والحب.
لقد بقى الأمر كذلك حتى جاء سليمان الحكيم وأقيم هيكل الرب الواحد في أورشليم بأمر إلهي، ليجمع الكل معًا بالروح الواحد حول هيكل واحد للرب.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الأصحاح السابع
الآيات (1-2):- "1فَجَاءَ أَهْلُ قَرْيَةِ يَعَارِيمَ وَأَصْعَدُوا تَابُوتَ الرَّبِّ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ أَبِينَادَابَ فِي الأَكَمَةِ، وَقَدَّسُوا أَلِعَازَارَ ابْنَهُ لأَجْلِ حِرَاسَةِ تَابُوتِ الرَّبِّ. 2وَكَانَ مِنْ يَوْمِ جُلُوسِ التَّابُوتِ فِي قَرْيَةِ يَعَارِيمَ أَنَّ الْمُدَّةَ طَالَتْ وَكَانَتْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَنَاحَ كُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَرَاءَ الرَّبِّ. "
لقد أدرك أهل يعاريم أن التابوت يمثل حضرة الله فصعدوا بفرح وأتوا به فى إحترام إلى إِلَى بَيْتِ أَبِينَادَابَ ليبقى هناك قرابة 100 عام حتى نقله داود النبى (2صم6: 1-4). بينما كان سبب ضربات لأهل بيت شمس هو رائحة حياة لحياة ورائحة موت لموت. وكان أبيناداب لاوياً لكن ليس كاهناً وإنه لتوبيخ شديد أن من يحرس التابوت لا يكون كاهناً فقد أهان الكهنة الله بتصرفاتهم (أولاد عالى). وكانت الخيمة فى نوب بينما التابوت فى يعاريم وهذا بالتأكيد كان سبباً فى تعطيل العبادة أو جعل العبادة غير كاملة لكنه إعلان عن مدى الآنحطاط الروحى للشعب. ولم يهتم صموئيل بوضع التابوت فى الخيمة فهدفه أن يدعو الشعب للتوبة وإبعادهم عن مظهريات وشكليات العبادة. وَنَاحَ كُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ: هى توبة جماعية نتيجة عمل وخدمة صموئيل الذى ظل 20 عاماً يدعو للتوبة ورفض كل عبادة غريبة وقارن بين قرية يعاريم وكيف إستقبلوا التابوت بفرح ووقار ووضعوه فى بيت أبيناداب وبين بيتشمس حيث لم يعطه أحد الكهنة بيته بل تركوه على صخرة.
الآيات (3-4):- "3وَكَلَّمَ صَمُوئِيلُ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: «إِنْ كُنْتُمْ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ رَاجِعِينَ إِلَى الرَّبِّ، فَانْزِعُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ وَالْعَشْتَارُوثَ مِنْ وَسْطِكُمْ، وَأَعِدُّوا قُلُوبَكُمْ لِلرَّبِّ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، فَيُنْقِذَكُمْ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ». 4فَنَزَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَعْلِيمَ وَالْعَشْتَارُوثَ وَعَبَدُوا الرَّبَّ وَحْدَهُ. "
بعد خدمة صموئيل 20 سنة وسط إسرائيل بدأ فى العمل الجماعى. لقد بدأ صموئيل بعد هزيمة الشعب أمام الفلسطينيين وبعد عودة التابوت يؤسس مدرسة الآنبياء. وتزوج فى هذه الفترة وأنجب إثنين وخلال الخدمة الهادئة إنفتحت القلوب بالحب لله فتجمع الشعب بروح الوحدة والمحبة. وبعد 20 سنة وجد صموئيل الفرصة سانحة للمناداة بالتوبة الجماعية وشرح لهم سر فشلهم السابق وأنه فى البعد عن الله، وعبادة الألهة الغريبة. أو التعريج بين الفرقتين. الْعَشْتَارُوثَ: جمع عشتار وهى قرينة البعل وكان الفلسطينيون يعبدونها خلال تماثيل عليها صور للقمر أو كوكب الزهرة. هى آلهة للخصوبة وعبادتها إحتوت على الكثير من روح الخلاعة والرجاسات. وقد تكرست كاهنات لممارسة الدعارة فى هياكل العشتاروت. أمّا الْبَعْل فالكلمة تعنى السيد أو الرب بمعنى مالك أو سيد لإمرأة أو لعبد. وعُبِدَ البعل تحت أشكال كثيرة وبتماثيل من الخشب أو الحجر أو المعدن عليها صورة الشمس بكونها أعظم ما فى الطبيعة وأنها مصدر الحياة. وللأسف فقد سقط اليهود فى هذه العبادات للبعل والعشتاروت بل وصنعوا تماثيلهم فى الهيكل وتكرست نسائهم لهذه الدعارة وقدموا أولادهم ذبائح حية لهذه الألهة.
الآيات (5-6):- "5فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «اجْمَعُوا كُلَّ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمِصْفَاةِ فَأُصَلِّيَ لأَجْلِكُمْ إِلَى الرَّبِّ» 6فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمِصْفَاةِ وَاسْتَقَوْا مَاءً وَسَكَبُوهُ أَمَامَ الرَّبِّ، وَصَامُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَقَالُوا هُنَاكَ: «قَدْ أَخْطَأْنَا إِلَى الرَّبِّ». وَقَضَى صَمُوئِيلُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمِصْفَاةِ.
يبرز هنا دور صموئيل كقاضٍ وكممثل للحكم الإلهى مثل (موسى ويشوع) ومصلح دينى. وهو يظهر للشعب قوة الصلاة ليشرح دور الله فى حماية شعبه فَأُصَلِّيَ لأَجْلِكُمْ إِلَى الرَّبِّ فهو راعٍ روحى يعرف أنه لا يقدر أن يقود الشعب بدون الصلاة فالله هو القائد الحقيقى. والشعب فى تذلله أمام الرب اسْتَقَوْا مَاءً وَسَكَبُوهُ أَمَامَ الرَّبِّ: كأنهم يقولون فى توبتهم نحن قد إنسكبنا أمامك يا رب بلا أمل فى أن يجمعنا أحد ثانية فإرحمنا وإجمعنا. إذاً معنى سكب الماء هو علامة إعتراف بالضعف إذ صاروا كالماء المنسكب لا يمكن جمعه إلا بيد إلهية. وبعض الترجمات ترجمت الآية"وسكبوا قلوبهم بالتوبة أمامه كالماء" وتفهم أيضاً أنهم القوا خطاياهم عنهم كما يتخلص الآناء من الماء المنسكب فهم قبلاً "شربوا الأثم كالماء" إذاً هى توبة رائعة إشتملت على التوبة والأعتراف والتذلل والآنسكاب أمام الله والصوم.
الآيات (7-8):- "7وَسَمِعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمِصْفَاةِ، فَصَعِدَ أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ إِلَى إِسْرَائِيلَ. فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ خَافُوا مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. 8وَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِصَمُوئِيلَ: «لاَ تَكُفَّ عَنِ الصُّرَاخِ مِنْ أَجْلِنَا إِلَى الرَّبِّ إِلهِنَا فَيُخَلِّصَنَا مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»."
عدو الخير يثور ويثير رجاله مع كل توبة. فأهاج الفلسطينيين على الشعب، هو رفض الظلمة للنور. ولكن لنلاحظ أنه مع رجوع الشعب إلى الله بالتوبة تكون الحرب ليست ضد الشعب إنما ضد الله. والشعب خاف أن يتكرر ما حدث معهم فى أفيق ولكن الآن هم فى حالة توبة فطلبوا من صموئيل أن يصلى لأجلهم (فى المرة السابقة لم يطلبوا صلاته ولا حتى مشورته). هم الآن باتوا مقتنعين بقوة شفاعة صموئيل.
آية(9):- "9فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ حَمَلاً رَضِيعًا وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً بِتَمَامِهِ لِلرَّبِّ، وَصَرَخَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّبِّ مِنْ أَجْلِ إِسْرَائِيلَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ الرَّبُّ. "
صلاة صموئيل بلا ذبيحة تصبح بلا فائدة والذبيحة إشارة لحمل الله الذى قَدّمَ نفسه عنا ليشفع فينا. والمسيح قدّم نفسه ذبيحة وهو يشفع فينا وليس معنى هذا أن نكف عن الصلاة. والمحرقة علامة على تكريس الشعب الكامل لله وتسليم نفوس الشعب ليد الله تماماً.
آية(10):- "10وَبَيْنَمَا كَانَ صَمُوئِيلُ يُصْعِدُ الْمُحْرَقَةَ، تَقَدَّمَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِمُحَارَبَةِ إِسْرَائِيلَ، فَأَرْعَدَ الرَّبُّ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَأَزْعَجَهُمْ، فَانْكَسَرُوا أَمَامَ إِسْرَائِيلَ. "
اية (11):- "11وَخَرَجَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِصْفَاةِ وَتَبِعُوا الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَضَرَبُوهُمْ إِلَى مَا تَحْتَ بَيْتِ كَارٍ. "
فَأَرْعَدَ الرَّبُّ: "الرب يحارب عنكم وأنتم تصمتون" لقد إستجاب الله لصلاة صموئيل ولذبيحته خلال الطبيعة وأعطى الغلبة لشعبه. لقد أهاج عدو الخير إبليس أعداء شعب الله ضدهم لغيظه من توبتهم ولكن كل حروبه تؤول إلى تزكيتنا وتكليلنا ما دمنا فى يده. (1بط1: 6،7).
ملحوظة :-
صموئيل لاوى وليس كاهن والله أرشده لتقديم ذبيحة فهو نبى أولاً لهُ وضع خاص. والكهنة قد لوثوا أنفسهم. وكانت ذبيحته وصلواته أقوى من كهنة خطاة يحملون تابوت العهد. ونلاحظ أيضاً أن الهزيمة كانت بالرعد (عمل نعمة الله) وحرب الشعب (جهادهم).
آية(12):- "12فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ حَجَرًا وَنَصَبَهُ بَيْنَ الْمِصْفَاةِ وَالسِّنِّ، وَدَعَا اسْمَهُ «حَجَرَ الْمَعُونَةِ» وَقَالَ: «إِلَى هُنَا أَعَانَنَا الرَّبُّ»."
لقد تحققت النصرة فى ذات الموقع الذى حدثت فيه الهزيمة قبلاً وأُخِذ التابوت. لذلك أخذ صموئيل حجراً ونصبه وَدَعَاه حَجَرَ الْمَعُونَةِ ليكون شاهداً على عمل الله مع شعبه التائب
فيذكر إسرائيل سبب الهزيمة الأولى (الخطية) وسبب الآنتصار الآن (التوبة).
الآيات (13-14):- "13فَذَلَّ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَلَمْ يَعُودُوا بَعْدُ لِلدُّخُولِ فِي تُخُمِ إِسْرَائِيلَ. وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ كُلَّ أَيَّامِ صَمُوئِيلَ. 14وَالْمُدُنُ الَّتِي أَخَذَهَا الْفِلِسْطِينِيُّونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ رَجَعَتْ إِلَى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَقْرُونَ إِلَى جَتَّ. وَاسْتَخْلَصَ إِسْرَائِيلُ تُخُومَهَا مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَكَانَ صُلْحٌ بَيْنَ إِسْرَائِيلَ وَالأَمُورِيِّينَ. "
بركات التوبة وبركات أو الثمار التى نخرج بها من معارك إبليس ضدنا حينما يثير علينا حروباً نخرج منها ببركات أكثر. فلقد إستفاد الشعب من حرب فلسطين ضدهم فى الآتى:
1- لَمْ يَعُودُوا بَعْدُ لِلدُّخُولِ فِي تُخُمِ إِسْرَائِيلَ: حتى أيام شاول.
2- ذُلّ الفلسطينيين وكانت كسرتهم بداية لهزائم متلاحقة.
3- إسترد الشعب المدن التى أخذها الفلسطينيون سابقاً.
4- حين رأى الأَمُورِيِّينَ ما حدث تصالحوا مع اليهود لخوفهم منهم فعاش الشعب فى سلام.
الآيات (15-17):- "15وَقَضَى صَمُوئِيلُ لإِسْرَائِيلَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ. 16وَكَانَ يَذْهَبُ مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ وَيَدُورُ فِي بَيْتِ إِيلَ وَالْجِلْجَالِ وَالْمِصْفَاةِ، وَيَقْضِي لإِسْرَائِيلَ فِي جَمِيعِ هذِهِ الْمَوَاضِعِ. 17وَكَانَ رُجُوعُهُ إِلَى الرَّامَةِ لأَنَّ بَيْتَهُ هُنَاكَ. وَهُنَاكَ قَضَى لإِسْرَائِيلَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. "
كان صموئيل راعٍ نشيط يدور فى أماكن كثيرة بَيْتِ إِيلَ وَالْجِلْجَالِ وَالْمِصْفَاةِ ولم يُعِد صموئيل مجد شيلوه ولا أعاد التابوت للخيمة فماذا كانت فائدة التابوت فى الحرب السابقة وهم فى خطاياهم، لذلك إهتم بالإصلاح الداخلى للشعب وعدم التركيز على مكان معين حتى لا يدنسوا المكان بفكر وثنى. فسر القوة هو فى التوبة وليس فى المكان.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح