كلمة منفعة
المفروض في الإنسان الروحي أن يكون قلبه مملوءًا بالسلام والهدوء.
— سلام القلب
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 4 الرؤيا الإصحاح رقم 4 الباب الثاني : الرؤى النبوية 1. ظهور السفر المختوم 4-5. 2. الختوم السبع 6-7. 3. الأبواق السبع 8-11. 4. المرأة الملتحفة بالشمس 12-14. 5. الجامات السبع 15-16. 6. سقوط بابل 17-19. مقدمة رأينا في القسم الأول الرب يسوع يكشف ذاته للكنيسة لتجد فيه كل احتياجاتها. ثم تعرض لأحوال الكنائس السبع موضحًا حال الكنائس في كل عصر، وحال المؤمن من حين إلى حين، ومقدمًا النصائح والوصايا حتى لا يتعثر أحد في الطريق. وفي هذا القسم يرفع الروح أنظار يوحنا إلى السماء ليرى مشورات الله وتدابيره تجاه أولاده بالرغم من مقاومات الشيطان وجنوده لهم. لهذا يرى ثلاث سلاسل من الرؤى تكشف عن جوانب ثلاثة لفترة بهاء الكنيسة على الأرض إلى يوم مجيء الرب للدينونة: السلسلة الأولى: السبعة ختوم، وهى تتحدث عن الكنيسة المتألمة موضع عناية الحمل. ويختتم هذه الختوم بالمختومين، وبمنظر الكنيسة في الأبدية، ليعلن عن اهتمام اللّه بالكنيسة على الأرض كما في السماء. السلسلة الثانية: السبعة أبواق، وهى تعلن عن إنذارات الله للعالم للتوبة، وتختتم بظهور المرأة الملتحفة بالشمس وأعدائها الثلاثة، معلنًا بطلان مقاومة إبليس للكنيسة، مطالبًا البشرية أن يكون لها نصيب مع المرأة الملتحفة بالشمس. السلسلة الثالثة: السبع جامات، حيث يسكب الله جامات غضبه ليتوبوا. ويختتمها بالكشف عن حقيقة المرأة الزانية المتزينة المملوءة خداعًا وغشًا، حتى يهرب الناس منها. ملاحظة هامة رأى بعض إخوتنا البروتستانت أن ما جاء في هذا القسم هو إعلان غضب الله على العالم، إذ يكون الرب قد جاء واختطف الكنيسة إلى السماء (المجيء الثاني) حتى يهيئ الأرض بالتأديبات ليأتي مرة ثالثة فيملك على الأرض مع كنيسته ألف سنة. ثم يعود فيأتي للمرة الرابعة ليملك في الدينونة ملكًا أبديًا. وكأن للرب أكثر من مجيئين: 1. مجيئه الأول : تجسد مخليًا ذاته حتى الصليب. 2. مجيئه الثاني: يرى بعضهم أنه سيأتي قبل أن تتم الحوادث المعلنة في سفر الرؤيا (4-20) ليختطف الكنيسة. 3. مجيئه الثالث: يرى بعضهم أنه سيأتي ليملك على الأرض مع كنيسته ألف سنة ملكًا أرضيًا ماديًا. 4. مجيئه الرابع: يأتي ليدين الأحياء والأموات، ويجازى كل واحد حسب أعماله. وقد اختلفت آراءهم فيما بينهم فمنهم من ينتظر الاختطاف قبل حلول الضيقة العظيمة وحالة الارتداد. ومنهم من نادى بأن بعض الكنيسة تختطف والبعض يبقى معاصرًا للضيقة، ومنهم من يرفض الفكرة نهائيًا حتى أن القس إبراهيم سعيد يقول [وما من شك أننا نحن المؤمنون نتمنى أن لا ندخل الضيقة العظيمة ومرات عديدة يكون التمني باعثًا على إيجاد الحقائق التي توافق الأماني.] وإنني أظن أنه يليق أن نترك موضوع "مجيء المسيح الثاني" للحديث عنه بأكثر تفصيل في حينه أثناء التفسير. ولكن ما نؤكده أن إيمان الكنيسة أن للرب مجيئين فقط هما: 1. المجيء الأول: مخليًا ذاته ليفتدينا. 2. المجيء الثانى: ممَجدًا لنكون معه حيث هو كائن (يو 14: 2-3)، حيث يجازى كل واحدٍ حسب أعماله (مت 16: 27؛ 25: 31-46) لنملك معه إلى الأبد ملكًا روحيًا. إذن ما جاء في هذا القسم (رؤ 4 إلى رؤ 20) يهم الكنيسة لأنه يخصها: أولا: لو أن الكنيسة خلال هذه الحوادث مختطفة إلى السماء تنتظر الملك المادي الألفي، فلماذا كُتبت هذه النبوة؟ ثانيا: لو أن الكنيسة مختطفة، فلماذا لم يسجل لنا السفر اختطاف الكنيسة وكان هذا أليَق ليطمئن النفس عندما تسمع وترى ما سيحل من ضيقات ومرارة في هذا الوقت؟ ثالثا: يقول صاحب "الكنز الجليل في تفسير الإنجيل" للدكتور وليم آدي (ص 629) أن هذا القسم من الرؤيا يكشف عن جهاد الكنيسة واهتمام السماء بها لكي تنجو الكنيسة رغم ما سيحل بها من نوازل وبلايا. والحق أن هذا السفر يدور حول شخص ربنا كحملٍ مذبوحس من أجل الكنيسة ويتحدث عن نصرته في كنيسته. ونصرة الكنيسة ليس باختطافها بل بجهادها بالرغم من الآلام التي ستجتازها خاصة في أيام الدجال أو المسيح الكذاب كما سنرى. ملاحظة أخرى استخدم البعض نبوات سفر الرؤيا استخدامًا خاطئًا، فحولوا غاياته من كلمة حية محيية لإشعال القلب تجاه الأبدية منتظرًا مجيء الرب ليرث ويملك إلى الأبد ما لم تره ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، وكوسيلة لتعليم القلب حياة الصلاة والتسبيح إلى وسيلة لمحاولة معرفة الأحداث المقبلة والأزمنة بالأرقام، حتى حدد البعض متى يأتي الرب ليخطف الكنيسة ومتى يأتي ضد للمسيح وتاريخ مجيء المسيح للملك الألفي، الأمر المحزن للنفس والمفسد لغاية الكلمة وقوتها. لقد سأل الفريسيون الرب: متى يأتي ملكوت السماوات؟ (لو 17: 20) فأجابهم "لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك، لأن ها ملكوت الله داخلكم"، أي وجَّه أنظارهم إلى حياتهم الداخلية التي هي عربون الملكوت الأبدي، بدلاً من حساب الزمن لمجيئه. ثم عاد الرب فأكد لهم ألا ينشغلوا بالأزمنة إنما "ينبغي أولاً أن يتألم كثيرًا" (لو 17: 25). وكأنه يوجه أنظارنا إلى الصليب. واختتم حديثه بقوله: "حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور"، أي لنكون كالنسور محلقين في السماويات، ومتى جاء الرب نجتمع نحن به وحوله وفيه. الأصحاح الرابع المشهد السماوي هذا الأصحاح بمثابة "مشهد سماوي" يلهب قلب الكنيسة. فبالرغم مما تعانيه من أتعاب، أو تشعر به من ضعف وهوان، إلاّ أن نصيبها هو الثالوث القدوس الممجد من السمائيين، لهذا رأى الرسول: 1. السماء المفتوحة 1. 2. العرش الإلهي 2 - 3. 3. ما هو حول العرش الإلهي 4 - 11. 1. السماء المفتوحة "بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء، والصوت الأول سمعته يتكلم معي قائلاً: اصعد إلى هنا، فأريك ما لا بد أن يصير بعد هذا!" [1] كثيرًا ما يكرر "بعد هذا"، وهي لا تعنى تعاقبًا في الزمن، وإنما تعنى أنه قد انتقل إلى رؤية جديدة. وإننا نجد بعض الرؤى المتعاقبة تتحدث عن فترة زمنية واحدة في رؤى متعددة للتأكيد أو التوضيح أو الكشف عن جانب مغاير للجانب الأول. فإذ ختم وصف حال الكنائس بالباب المغلق في وجه الرب، والرب مصمم على عدم مفارقته يسأل مُلحًا ويقرع متوسلاً أن تفتح له النفس قلبها ليدخل ويتعشى معها. تجد الرب يكشف لنا أن باب السماء "مفتوح" على الدوام في وجوهنا. كل من يصعد إليه، يدخل منه، ليعرف أسرار حب الله للبشر، ويدرك مقدار المجد المُعَد له، فتتوق نفسه أن يخلى ذاته عن كل ما هو أرضى، ليبقى على الدوام في السماويات. ولكن من الذي يرى السماوات مفتوحة؟ يوحنا المنفي في بطمس، ويعقوب الهارب من وجه عيسو (تك 28: 12-13)، وحزقيال المسبي (حز 1: 1) وإسطفانوس المطروح للرجم (أع 7). في وسط الضيقات والمتاعب يكشف الله للنفس تعزياته لتتلذذ نفسه مبتهجة! وما هي السماوات المفتوحة؟ يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنها العهد الجديد الذي هو الباب المفتوح في السماء... إنه مفتوح بما فيه الكفاية، لأن السيد المسيح صعد بناسوته إلى الآب في السماء.] لقد صعد الرب إلى السماء كغالب ومنتصر، وكما يقول القديس أمبروسيوس صعد متزينًا بغنائم مدهشة، لأن الداخل فيها ليس إنسانًا واحدًا بل دخل المؤمنون جميعًا في شخص المخلص. لهذا لا يكف الرب عن التبويق بصوتٍ عالٍ قائلاً: "اصعد"... 2. العرش الإلهي "للوقت صرت في الروح، وإذا عرش موضوع في السماء، وعلى العرش جالس" [2.] ما أن نطق الرب بكلمة "اصعد" حتى صار الرسول "في الروح". وهكذا كل نفس تستمع للرب وهو يناديها تصعد في الحال مهما تكن رباطاتها وثقل جسدها. وماذا رأى الرسول؟ رأى عرشًا وعليه يجلس "العظمة الإلهيّة"، ومن بهاء جلاله لم يعرف ماذا يلقب الله فدعاه "الجالس"، وهكذا فعل ما فعله إشعياء (6: 1) ودانيال (7: 3). إذ لم يقدر أحد أن يلقب الله باسم ما لأنه مبهر للغاية. وقبل أن ندخل في تفاصيل ما رآه الرسول يجدر بنا أن نتوقف قليلاً لنتأمل وندهش من صنيع الرب العجيب. فإن ما رآه نجد له ظلالاً ورموزًا وأشباهًا في العهد القديم في خيمة الاجتماع وهيكل سليمان. ونجد له ما يطابقه في كنيسة العهد الجديد بكونها عربون السماء! 1. رأى الرسول عرشًا في السماء، وعلى العرش جالس، وكان لهذا رسم في القديم حيث كان تابوت العهد الذي في قدس الأقداس يشير إلى حلول الله.. أما اليوم فإننا نتمتع بالعربون، لأنه قائم وسطنا مذبح يتربع عليه الرب المصلوب هنا، نأكل جسده ونشرب دمه! 2. رأى 7 منائر ذهبيّة تقابل السبع سرج للمنارة في القديم، واليوم نستخدم السرج (القناديل) أمام هيكل الرب، لأنه حال في وسطنا فعلاً! 3. في السماء رأى بحرًا زجاجيًا [6] يقابله بحر النحاس (1 مل 7: 23)، واليوم نجد المعمودية التي بدونها لا يقدر إنسان أن ينال التبني ويرث الملكوت أو يعاينه! 4. في السماء نرى 24 قسيسًا من فئة كهنوتية سماوية. واليوم يفرز الله له كهنة يقدمون له بخورًا وصلوات باسمه! 5. يحمل العرش أربعة مخلوقات حية، يقابلها الكاروبين المظللين للتابوت، واليوم تحمل الأناجيل الأربعة الكنيسة وتصعد بها إلى حيث عرشه، تقدمها له عروسًا مقدسة. 6. في السماء سمع الرسول تسبحة الحمل والثلاث تقديسات وتسابيح متعددة، والكنيسة لا تكف عن الترنم بهذه التسابيح جميعها في كل يوم، بل منها تسابيح تترنم بها كل ساعة من ساعات صلواتها كتسبحة الثلاث تقديسات، لأنها لا تكف عن الاشتراك مع السمائيين في التسبيح! 7. وماذا نقول عن المجامر الذهبيّة والثياب البيض والهيكل والمذبح الخ. أقول بحق من يحيا في الكنيسة الحقيقية، كنيسة المسيح الرسولية، كما عاش فيها الآباء لن تكون السماء ولا تسابيحها ولا من بها ولا ما فيها غريبًا عنهم، لأنهم ذاقوا هنا واختبروا ورأوا وسمعوا وتمتعوا بعربون ما سيكون وقتئذ. نعود مرة أخرى إلى الجالس على العرش لنرى: "وكان الجالس في المنظر شبه اليشب والعقيق وقوس قزح حول العرش في المنظر شبه زمرد" [3]. إذ بُهر الرائي لم يعرف بماذا يصف أو يعبر، لهذا أكثر من قوله "شبه" أو "كما" أو "مثل". إنها تشبيهات لتعبر عما يختلج في نفس الرائي ما استطاع. أ. رأى الرب في المنظر شبه اليشب والعقيق، وهما الحجران الكريمان (آخر وأول حجرين) اللذان يرصعان صدرة رئيس الكهنة (خر 28: 20، 17) وهذه الحجارة كانت تشير إلى الأسباط. وكأن الله يضع على صدره أصغر إنسان وأكبر إنسان، كل البشرية محفوظة في قلبه، لأنها عمل يديه. ب. حجر اليشب غاية الشفافية يرمز لمجد الله (رؤ 21: 11)، ويشير إلى بهاء قداسته، وبساطة محبته للبشر فلن يحمل ضغينة ضد إنسان ولا يود الانتقام. وحجر العقيق أحمر اللون كالنار يشير إلى رهبته وعدله. وقوس القزح يحيط بالعرش من كل جانب. أينما تقابلنا مع الله رأينا العهد الذي ارتبط به مع الإنسان (تك 9)، إذ يود على الدوام أن يتصالح الكل معه. لهذا يقول الرسول: "كأن الرب يعظ بنا: تصالحوا مع الله". هذا القوس له ألوان كثيرة تعلن عن إحسان الله ومواهبه المتعددة التي يمنحها لأولاده. وهو كقوس يشير إلى القوس الذي يستخدم في الحرب مدافعًا عنا، لكن بغير سهم لأنه لا يحب سفك الدم، به نغلب الخطية وندوس على الشيطان. وهذا القوس شبه الزمرد. وهي في صدرية الحبر الأعظم تشير إلى سبط لاوي، أي يشير هذا القوس المحيط بالرب إلى عمله الكهنوتي يشفع فينا بالدم الكريم. والزمرد يميل إلى الخضرة لا يتأثر بالشمس أو الظل، وخضرته تبعث في النفس هدوءًا وسرورًا حتى أن نيرون كان يضعه قدامه عند تعذيبه للمسيحيين حتى لا تتأثر مشاعره، وهكذا كلما ارتفعت أنظارنا إلى العرش هدأت نفوسنا وامتلأت سلامًا وأدركنا دوام خضرته في عمله معنا. 3. ما هو حول العرش الإلهي "وحول العرش أربعة وعشرون عرشًا، ورأيت على العروش أربعة وعشرون قسيسًا (شيخًا)، جالسين متسربلين بثياب بيض، وعلى رؤوسهم أكاليل من ذهب. ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات. وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله. وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور" [4-5]. رأى الرسول يوحنا: أ. الأربعة وعشرين قسيسًا: كلمة "قسيس" أو "شيخ" في النص اليوناني تحمل معنى العمل الكهنوتي. لهذا منذ القرون الأولى لم تختلف الكنيسة في أمر هؤلاء بل أدركت سمو مركزهم كطغمة سمائية كهنوتية، لهذا رتبت لهم عيدًا تذكاريًا ورتبت لهم ذكصولوجية خاصة بهم، وتضعهم في مقدمة السمائيين بعد الأربعة مخلوقات الحية. ولكن في وقت متأخر جدًا لما بدأت تظهر فكرة اختطاف الكنيسة قبل وقت الارتداد وظهور ضد المسيح، بدأ البعض يحاول تثبيت هذا الفكر بتأكيد أن الأربعة وعشرين شيخًا هم الكنيسة المختطفة وأن ما يصنعونه في السماء إنما هو عمل الكنيسة وقت اختطافها إلى حين عودتها مع الرب لتملك معه الألف سنة على الأرض. لكننا نجد أن إخوتنا البروتستانت أنفسهم لا يهضمون هذا الفكر كقول القس إبراهيم سعيد إن البعض يراهم ملائكة من طغمة ممتازة يقودون العبادة في الأقداس السماوية، خاصة وأن يوحنا الرسول يخاطب أحدهم قائلاً: "يا سيد" (رؤ 7: 14)، وقد دُعي الملائكة شيوخًا كما في (إش 24: 23). ويمكننا أن نلمس مكانتهم في الكنيسة الأولى مما قاله عنهم القديس كيرلس الأورشليمي: [لقد أمرنا الآباء أن يهتم كل المسيحيين بتذكارهم لما شاهدوه من كرامتهم وعلو مجدهم، هؤلاء غير المتجسدين، لأنهم قريبون من الله ضابط الكل، وهم أمامه في كل حين يشفعون في الخليقة جميعها، صارخين مع الأربعة مخلوقات الحية قائلين: قدوس، قدوس، قدوس. عظيم هو مجدهم أمام الرب أكثر من الآباء والأنبياء والرسل والشهداء والقديسين، لأن أولئك جميعهم مولودون من زرع بشري، أما هؤلاء الكهنة الروحانيين فسمائيون، ليس لهم أجساد يمكن أن تتدنس بالخطايا كالبشر. ما أشرف هذه المكانة التي استحقوها! لأن الملائكة وكل بقية الطغمات السمائيّة واقفون أمام الديان العادل، وهؤلاء جلوس على كراسي نورانيّة لابسون حللاً ملوكيّة، وعلى رؤوسهم أكاليل مكرَّمة، وفي أيديهم مجامر ذهبيّة مملوءة صلوات القديسين، وفي أحضانهم جامات ذهبيّة، ويسجدون أمام الحمل الحقيقي، يسألونه غفران ذنوب البشر! إنهم لا يفترون عن التسبيح والتهليل أمام رب الصباؤوت (الجنود) مع الأربعة المخلوقات الحية. غير أنه يلزمنا كقول القديس أمبروسيوس ألاّ نتخيل العروش أو الجلوس عليها بصورة مادية، لأن هذه مجرد تعبيرات عن مقدار سموّ الكرامة والسعادة! أما الثياب البيض فكما يقول ابن العسال تشير إلى بهائهم ومجدهم وبرّهم وقداستهم. ويرى الأسقف فيكتورينوس أن هؤلاء القسوس هم كائنات سماوية، وفي نفس الوقت يرمزون لأنبياء العهد القديم الذين يحيطون بالرب معلنين بروح النبوة عن تجسده وآلامه وقيامته وصعوده. والآن نترك الحديث عنهم إلى أن نعود إليهم أكثر من مرة خلال هذا السفر. 2. البروق والرعود والأصوات الخارجة من العرش: إذ تخرج من العرش الإلهي لا نفهمها بصورة مادية، بل يبرق الله علينا بمواعيده السماويّة التي هي غاية كلمته بل وجوهرها. المواعيد العظمى التي يعلنها بالروح القدس في داخل النفس طولاً وعرضًا، فيتبعها دموع التوبة ورعد انسحاق القلب. ومواعيد الله أو كلمته كالبرق الذي يراه الناس في حياة الكارز قبل أن يرعد به لسانه. أمّا الرعود فهي تشير إلى عمل الروح في قلب المؤمن، إذ يبكته فيتزلزل جحوده وينكسر كبرياؤه. أمّا وقد رعد القلب صارخًا نحو الرب إذا "بأصوات" خارجة من العرش، هي أصوات حنان الله ومحبته المعلنة على فم كاهنه: "الرب قد نقل عنك خطيتك!" وهذا كله يتم في الكنيسة بالروح القدس، لهذا رأى الرسول وأمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة هي سبعة أرواح الله" [5]. إنه روح الله الذي ينير الكنيسة ويعمل فيها خلال الأسرار السبعة من أجل مصالحتهم مع الله ونوالهم المجد الأبدي. هذا كله لن يتحقق إلاّ بالمعمودية، لذلك قال: 3. "وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور" لقد انتهي الرمز وزالت الظلال، فلم يعد "للمرحضة النحاسية والبحر النحاسي" (خر 30: 18-20؛ 1 مل 7: 39) وجود، وصار لنا "المعموديّة" التي بها ننال التبنّي، وبدونها لا نعبر إلى العرش الإلهي لأنها قدامه كبحر زجاجي شبه البلور، وبغيرها لا يعاين أحد ملكوت الله (يو 3: 5). يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذا البحر يشير إلى المعموديّة، إذ يلزم لكل من يرغب في الالتقاء بالجالس على العرش أن يخوضه، فتخترق نعمة الله داخل نفسه، ويتهيأ للملكوت. أما كونه شبه البلور فلأنه يليق بالمعتمدين أن يكونوا صارمين ثابتين. إنها كبحر زجاجي لأن من يدخلها تنعكس عليه إشعاعات الجالس على العرش المضيء كالشمس، فيستنير بالرب ويلبس المسيح. وهي كالبلور التي متى سقطت عليه أشعة شمس البرّ، أعطى ألوان الطيف، واهبًا للمعتمدين ألوانًا متعددة من المواهب والفضائل. تتجمع معًا لتكون لونًا شفافًا هو لون أشعة الشمس. هكذا يجتمع المؤمنون المعتمدون معًا مع اختلاف مواهبهم وفضائلهم، معطين صورة جميلة لمسيح واحد قدوس نقي! وأكثر الألوان ظهورًا في ألوان الطيف التي تظهر بسبب البلور هي: أ. اللون الأحمر، إذ بالمعمودية نتطهر بدم المسيح من كل خطايانا. ب. اللون الأخضر، إذ بها نأتي بثمار خضراء كثيرة وبركات متعددة. ج. اللون الأزرق، لأننا بها نصير سماويّين كقول القديس مقاريوس الكبير: [يرسل الرب إلى هنا روحه الخفيف النشيط الصالح السماوي وبواسطته يخرج النفس التي غطست في مياه الإثم ويصيرها خفيفة ويرفعها على جناحه تجاه أعالي السماء.] 4. المخلوقات الحية الأربعة: "وحول العرش أربعة مخلوقات حية". والحديث عن هذه الطغمة السمائيّة حلو ولذيذ للنفس، لأنه حديث عن المركبة الإلهيّة، الحاملة للعرش الإلهي. وهم طغمتا الشاروبيم والسيرافيم اللتان تطلب الكنيسة شفاعتهما على الدوام وتعيد لهما في 8 هاتور كعيد تذكاري، وتدعوهما "الغير متجسدين حاملي مركبة الله". أ. كرامتهم: يقول عنهم القديس يوحنا الذهبي الفم: [أقول لكم يا أولادي الأحباء إنه ليس من يشبههم في كرامتهم لا في السماء ولا على الأرض، لأنهم حاملون عرش الله، ولا يستطيعون النظر إلى وجه الحي الأزلي: مخلوقون من نور ونار، أقوياء، أشداء جدًا يسألون الله أن يغفر خطايا البشر ويتحنن عليهم... إشعياء النبي رأى مجدهم ونطق بكرامتهم (6: 1-3). وحزقيال النبي نظر مجدهم ونطق بكرامتهم (1: 4-28). وداود العظيم في الأنبياء، أب الأنبياء، أب المسيح بالجسد، رأى كرامة هؤلاء الروحانيّين ونطق بمجدهم قائلاً في المزمور "طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه، ركب على كروب وطار وهف على أجنحة الرياح" (مز 18: 9-10).] ب. بلا عروش ولا أكاليل مثل القسوس، لأن الرب إكليلهم وهم مركبته! ج. "مملوءة عيونًا من قدام ومن وراء" [6]، وكما يقول ابن العسال إنها تشير إلى إدراكهم الأسرار الحاضرة والمقبلة التي يكشفها الرب. د. "لكل واحدٍ منها ستة أجنحة"، وكما نسبح الرب قائلين له: [أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد وستة أجنحة للآخر. فبجناحين يغطون وجوههم وباثنين يغطون أرجلهم، ويطيرون باثنين. ويصرخون واحد قبالة واحد منهم. يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذي لنا بصوت ممتلئ مجدًا.] هكذا يليق بالكاهن أن يتشبه بهم فيغطى وجهه بالحياء والرعدة، ويستر رجليه بالرجاء والثقة، ويطير قلبه بالحب والترنم أمام الرب المذبوح عنا! وينصحنا القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [أنا أبوكم يوحنا المسكين. أسألكم يا أولادي الأحباء القسوس والشمامسة ألاّ تتقدموا إلى المذبح وأنتم غير أطهار، بل احفظوا أجسادكم ونفوسكم أنقياء إذا أردتم التقدم إلى الخدمة الطاهرة، فإنكم مثال السيرافيم السمائيّين، لأنهم لا يجسرون التطلع إلى وجه الله الحي، بل هم قيام ووجوههم إلى أسفل مغطاة بأجنحتهم! أيها الخدام إنكم تنظرون جسد ابن الله ودمه الزكي الموضوعين أمامكم على المذبح الطاهر وتلمسونه وتأكلونه وأنتم عارفون بعظم الكرامة اللائقة بهما، فينبغي عليكم أن تقفوا بوجوه فرحة وقلوب خائفة وأعين مطرقة إلى الأرض ورؤوس منكسة لأنكم مثال الشاروبيم والساروفيم الحاملين كرسي العظمة.] ويقول أيضًا: [عندما تسمع عن السيرافيم أنهم يطيرون حول العرش في سموه ورفعته، ويُغطّون وجوههم بجناحين، ويسترون أرجلهم باثنين، ويصيحون بصوت مملوء رعدة، لا تظن أن لهم ريشًا وأرجل وأجنحة، فهي قوات غير منظورة... حقًا إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مدرك، ولا يقدرون على الدنو منه، لهذا يتنازل بالطريقة التي جاءت في الرؤيا، لأن الله لا يحده مكان ولا يجلس على عرش... وإنما جلوسه على العرش واحاطته بالقوات السمائيّة إنما هو من قبيل حبه لهم... وإذا ظهر جالسًا على العرش وقد أحاطت به هذه القوات لم تتمكن من رؤيته ولا احتملت التطلع إلى نوره الباهر، فغطّت أعينها بجناحين ولم يكن لها إلا أن تسبح وتترنم بتسابيح مملوءة رعدة مقدسة، وأناشيد عجيبة تشهد لقداسة الجالس على العرش. فحري بذلك الذي يتجاسر ليفحص عناية له التي لا تقدر القوات السمائيّة على لمسها أو التعبير عنها أن يختبئ مختفيًا تحت الآكام!] هـ. شكلهم: إنهم قوات غير جسدانيّة ولا منظورة، لكنها ظهرت ليوحنا الحبيب كما لحزقيال النبي هكذا: "المخلوق الحي الأول شبه أسد، والمخلوق الحي الثاني شبه عجل، والمخلوق الحي الثالث له وجه مثل وجه إنسان، والمخلوق الحي الرابع شبه نسر طائر" [7]. أولاً: ترى الكنيسة أن الأول يشفع في حيوانات البرية، والثاني في حيوانات الحقل، والثالث في البشر والرابع في الطيور. أما الزواحف فليس لها ما يشبهها، لأن منها الحية التي لعنها الرب، ولا الحيوانات البحرية لأن البحر يشير إلى القلاقل، والسماء كلها هدوء وسلام! يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنهم روحانيّون، خلقهم الله وأقامهم وتوجهم بالبهاء والنور ثم جعلهم يطلبون في جنس البشر وسائر الخليقة من وحوش وبهائم وطيور السماء، لأنهم قريبون منه له المجد أكثر من سائر الروحانيّين السمائيّين.] ثانيًا: يرى القديس غريغوريوس النزينزى والعلامة أوريجينوس أن هذه الخليقة الحاملة للعرش تحمل معنى قوى النفس الأربعة التي تتقدس بحمل الله فيها وهي: أ. القوى الغضبية ويشار إليها بشبه الأسد. ب. الشهوانية ويشار إليها بشبه العجل. ج. النطقية ويشار إليها بمن له كوجه إنسان. د. الروحية ويشار إليها بشبه نسر طائر. ثالثًا: ويرى القديس إيرونيموس أنها تحمل أيضًا إشارة إلى العمل الفدائي للرب. أ. فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد. ب. ومن مثل العجل يشير إلى الذبح على الصليب. ج. ومن مثل الأسد يشير إلى القيامة. د. ومن مثل نسر طائر يشير إلى الصعود. رابعًا: ويرى القديس إيريناؤس أنها تحمل أيضًا رمزًا إلى العمل الفدائي من جهة: أ. من له كوجه إنسان يشير إلى التجسد. ب. من مثل العجل يشير إلى طقس الذبيحة والكهنوت، إذ هو يشفع فينا. ج. من مثل الأسد يشير إلى قوة عمله وسلطانه الملوكي وقيادته. د. من مثل نسر طائر يشير إلى إرساله الروح القدس ليرفرف على كنيسته. خامسًا: ويرى القديس إيريناؤس أنها تشير إلى الأناجيل الأربعة. كذلك الأسقف فيكتورينوس إذ يقول: [المخلوق الحي الذي يشبه الأسد يشير إلى مرقس الذي نسمع فيه صوت الأسد يصرخ في البرية (مر 1: 3). والذي في شكل إنسان هو متى الذي يجتهد في إعلان نسب العذراء مريم التي أخذ منها السيد المسيح جسدًا. ولوقا يروى كهنوت زكريا مقدمًا ذبيحة عن الشعب.. يحمل العجل. ويوحنا الإنجيلي كمثل نسر طائر يرفرف بجناحيه مرتفعين إلى الأعالي العظمى متحدثًا عن كلمة الله.] وتمتاز هذه المخلوقات بالأجنحة. هكذا تحمل الأناجيل الأربعة أجنحة كثيرة إذ تحمل البشرية وتطير بها أمام العرش الإلهي مقدمة إياها كعروس مرتفعة نحو السماويّات. إن القسوس حول العرش، أما المخلوقات الحية فحاملة العرش، هكذا كُتب الأنبياء حولنا تخبرنا عن الفداء، لكن الأناجيل ترتفع بنا، وتنقلنا إلى جو السماويات إلى العرش الإلهي. ولا غنى لنا عن هؤلاء أو أولئك. و. تسبيحهم الدائم "ولا تزال نهارًا وليلاً قائلة: قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيءٍ الذي كان والكائن والذي يأتي. وحينما تعطى المخلوقات الحية مجدًا وكرامة وشكرًا للجالس على العرش الحي إلى أبد الآبدين. يخر الأربعة وعشرون قسيسًا قدام الجالس على العرش، ويسجدون للحى إلى أبد الآبدين، ويطرحون أكاليلهم أمام العرش قائلين: أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك أنت خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخُلقت" [8-11]. يا له من منظر مبدع متى يا رب ننعم به ونراه! المخلوقات الحية كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [يصرخون الليل والنهار بلا فتور يسبحون الحي الدائم قائلين قدوس قدوس قدوس.] ويمجدونه من أجل قدرته ومن أجل صنيعه معهم، ومع كل خليقته، خاصة البشر. ولا يحتمل الأربعة وعشرون قسيسًا هذا المنظر حتى يقوموا من على كراسيهم، وينزعوا أكاليلهم ويطرحونها عند أقدام الرب، ويخروا قدامه من أجل عظمة استحقاقه وقداسته ومحبته وعنايته! ويتكرر المنظر لا مرة ولا مرتين، ولا ألف ولا ألفين، ولا عشرات الربوات، بل يبقى هكذا إلى الأبد تهيم كل الخليقة في حب الله ولا تعلم ماذا تقدم له من أجل عظم بهائه ومن أجل كثرة صنيعه وحبه لنا. والعجيب أن موضوع تسبيح السمائيّين هو "الغلبة والخلاص الذي لنا". يا للعجب! لقد كشف لنا سفر الرؤيا مقدار حب السمائيّين لنا، لأنهم يسبحونه عنا، أو يسبحونه لأجل عمله معنا! كما فتح سفر الرؤيا للكنيسة بابًا جديدًا أخفي كل أعمالها في هذا الباب وهو تعليم أولادها "حياة التسبيح"، لأن هذه هي نغمة سفر الرؤيا، لغة السماء كلها. لقد ذكر سفر الرؤيا حوالي 20 تسبحة، وكأنه يبوق لنا: "تعلموا لغة السماء... تهيأوا للشركة مع السمائيّين في عملهم". وإنني لا أكون مبالغًا إن قلت أن ما في الكنيسة هو حمد وشكر وتسبيح: أ. فلا تسمح بعمل القداس الإلهي الذي هو مكافأة الله لنا ونحن على الأرض، إلاّ بعد تقديم تسابيح طويلة بالليل وفي رفع بخور باكر كمدخل للشركة والثبوت في الرب بالتناول من جسده المحيى وشرب كأس الخلاص. ب. يقام القداس الإلهي تسبحة شكر إذ هو "سرّ الشكر" نقبل فيه نعمة إلهيّة، بل واهب النعمة، لنثبت فيه وهو فينا. وكل القداس تسابيح متنوعة. لهذا يصرخ الكاهن في نهاية القداس قائلاً: "يا ملاك هذه الذبيحة الصاعد إلى العلو بهذه التسبحة أذكرنا أمام الرب". ج. يختتم الشعب القداس بالترنم بمزمور التسبيح: "سبحوا الله يا جميع قديسيه". د. بعد التناول يقول الشعب مترنمًا سرًا: "فمنا امتلأ فرحًا، ولساننا تهليلاً من جهة تناولنا من أسرارك المقدسة". هـ. بعدما يصرف الكاهن الشعب يدخل الكاهن إلى الهيكل، ويّقبل المذبح في قرونه الأربعه قائلاً: "صفقوا للرب يا جميع الأمم، لتباركه كافة الشعوب". وكأنه يدخل مصفقًا بيديه مسبحًا بقلبه، من أجل صنيع الرب مع كل البشرية. و. في كل ساعة نصلي فيها إنما نقدم تسبحة تهليل للرب وحمد وشكر له، إذ نرنم قائلين مثلاً "تسبحة الساعة... من النهار المبارك، أقدمها للمسيح ملكي وإلهي وأرجوه أن يغفر لي خطاياي"... وماذا نجد في مزامير الأجبية أو السواعي إلا تهاليل وفرح وتصفيق وحمد وترنم! ز. حتى في طقوس المناسبات الحزينة كأسبوع الآلام والصلاة على المنتقلين، تقدم الكنيسة ألحانًا غاية في الروعة، وتسابيح تبهج النفس الداخلية، وتملأها عزاء وسلامًا رغم حزن نغمتها! ح. وماذا تقدم الكنيسة المنتصرة في الفردوس إلا صلوات وتسابيح الحمد والشكر لله مع طلبات من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة! إذن لنسلك بروح كنيستنا ولنرفع كل حين تسابيح الحمد التي علمتنا إياها الكنيسة والتي استقتها من الكتاب المقدس بعهديه أو من سفر التهليل والترنيم "المزامير" أو من تسابيح السماء الواردة في سفر الرؤيا أو من وضع الآباء بإرشاد روح الرب الخ. بهذا لا تكون السماء وتسابيحها غريبة عنا بل نكون قد تدربنا على لغتها ولمسنا روحها وعشنا في جوها. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الرابع فى الرسائل السبع التى وردت فى الإصحاحين الثانى والثالث رأينا تأسيس ملكوت الله على الأرض فى الكنيسة المجاهدة. وفى نهاية السفر نرى أورشليم السماوية أى ملكوت الله فى صورته النهائية. وهذا الملكوت السماوى سيكون لمن يغلب هذه الكلمة تكررت سبع مرات خلال الرسائل السبع. إذاً إمكانية الغلبة موجودة وعلينا أن نجاهد. وكان آخر وعد فى آخر رسالة وهى لاودكية أن من يغلب يجلس فى عرش المسيح. وهنا نجد المنظر يتغير وإذا باب مفتوح فى السماء ويرى يوحنا عرش الله ونلاحظ فى رسالة لاودكية أن المسيح واقف على الباب يقرع وباب القلب مقفل أمامه، أما الله فيصور لنا باب السماء مفتوحا لكل من يأتى. ومن يفتح باب قلبه للمسيح يرى الباب مفتوحا فى السماء. وقارن فالله يفتح أمامى باب السماء حيث المجد والطهارة والقداسة وأنا أغلق أمامه باب قلبى المملوء نجاسة (أر9:17). وهذا الإصحاح والإصحاح التالى نجد فيهم منظر للسماء والله ضابط الكل هو الذى يتحكم فى كل شىء. فسفر الرؤيا نجد فيه يوحنا فى المنفى والكنيسة تعانى من إضطهاد دومتيانوس. بل سفر الرؤيا يحمل أخبار آلام كثيرة ستعانى منها الكنيسة. والله قبل أن يخبرنا بالآلام نراه متحكما فى كل شىء، والمعنى أن الله يريد أن يقول أنا أحبكم فلا تخافوا مما سيحدث. كل شىء فى يدى. الآيات (1-3):- "1بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِي قَائِلاً: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا». 2وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. 3وَكَانَ الْجَالِسُ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ." بَعْدَ هذَا = أى أن يوحنا إنتقل إلى رؤيا جديدة فبعد ما سمع يوحنا صوتا من ورائه. التفت ليرى المسيح والآن يرتفع لدرجة روحية أعلى وأعلى ليرى عرش الله. وهذا التدرج حتى يحتمل يوحنا ما سيراه. وكان يوحنا ينمو فى الروح، أى يدخل لدرجات روحية أعلى ليرتقى فيرى ما لا يرى بالجسد العادى. وهذا ما نفهمه من عبارة صِرْتُ فِي الرُّوحِ. وهذه درجة أعلى من درجة كنت فى الروح (رؤ10:1) وبهذه الدرجة الأعلى رأى يوحنا عرش الله. هو لم ينتقل بالجسد بل بالروح التى تستطيع أن تصل لأى مكان، وحينما ترتقى تصعد حتى إلى السموات. ولذلك قال له اصْعَدْ إِلَى هُنَا هو صعود بالروح، فهى درجة روحية أعلى أعطاها له الله. وهذه الدرجات العليا تستلزم أن يكون الجسد شبه ميت فالجسد يشتهى ضد الروح وهو يجذب لأسفل. ويوحنا كان متألما منفيا فى جزيرة قاحلة يسكنها لصوص ومجرمين، فالجسد كان شبه ميت فإستطاع الروح القدس أن يجذب الروح لدرجات عالية. فيها يسمع يوحنا ويرى بالروح دون أن ينتقل جسمه من على الأرض. وهذه ليست الحواس الطبيعية (1 كو9:2-12) + (2كو1:12-4) لذلك تكثر الكنيسة الأرثوذكسية من أصوامها وصلواتها لتعطى فرصة للروح لتصعد وتتمتع بالسماويات. فنحن لا نستطيع أن نتمتع بالسماويات مالم تكن هناك دفعة روحية يساعدنا عليها الصوم والصلاة. ولنلاحظ أن من لا يتذوق ملكوت الله والسمائيات على الأرض يصعب أن يكون له نصيب فى الملكوت السماوى فما نحصل عليه فى الأرض هو عربون ما سنحصل عليه فى السماء. فمن لم يستطع أن يقول مع داود ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب لن يكون له نصيب فى عرش المسيح السماوى. ونلاحظ هنا شركة الصليب والمجد، فيوحنا المتألم المقفولة أمامه أبواب الأرض فتحت له أبواب السماء. وهكذا من يحبه الرب يسمح له بتجربة قاسية ويشترك معه فى صليبه ليعزيه ويفتح له أبواب السماء فيختبر تعزيات سماوية لا ينالها غير المجرب. والسماوات ثلاث: 1. سماء الطيور. 2. سماء الكواكب. 3. الفردوس. وهناك سماء السموات التى فيها عرش الله. وهذه هى التى رآها يوحنا. أما بولس صاحب المعرفة اللاهوتية والفلسفة الروحانية فإختطف للسماء الثالثة. ويوحنا صاحب القلب المملوء حبا فرأى سماء السموات. وإذا كان يوحنا قد إستطاع أن يرى كل هذا وهو ما زال فى الجسد، فما الذى سيراه حينما يفارق الجسد ولكن ما رآه يوحنا وصفه على قدر فهمه، وبقدر ما تستطيعه لغتنا البشرية العاجزة. فالأوصاف التى إستخدمها كان يقول مثل كذا وكذا، فلا يوجد مثيل لما فى السموات على الأرض. يوحنا كان كطفل سمع محاضرة فى العلوم الرياضية من عالم كبير فى الرياضيات وحاول أن يكرر ما سمعه، فهو حينئذ سيتكلم على قدر طاقته مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ = وما يقوله الله لابد وسيحدث . وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ = حينما تأتى هذه الرؤيا هنا بعد الرسائل وقبل الأخبار المرعبة عن الحروب وإضطهاد الكنيسة. فالمعنى أن كل الأمور يتحكم فيها الله. هو مسيطر على كل المصائر، وبيده كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. ولكن من بهاء جلال الجالس على العرش لم يعرف يوحنا كيف يصفه فدعاه جَالِسٌ فالشرح فوق طاقة إستيعاب يوحنا وتعجز اللغة البشرية ان تعبر عنه وهذه الصورة لله جالسا على عرشه هى التى نضعها فى شرقية الهيكل ونسميها البانطوكراطور أى ضابط الكل. والعرش له أربع أرجل. كل رجل ترسم بشكل أحد الحيوانات الأربعة (آية 7) والله يظهر جالسا رمزا لإستقرار ملكه، فعرشه لا يهتز كملوك الأرض لقوته وقدرته وحكمته ولا تغيير فى قراراته. شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ = حجر كثير الشفافية، هو يرمز لمجد الله وبهاء قداسته، وبساطة محبته للبشر. هو لا يحمل فى قلبه سوى المحبة بلا حقد ولا ضغينة. فالبساطة تشير لعكس ما يشير إليه التعقيد أو التركيب. فمشاعر الله كلها محبة، ومحبة فقط فالله محبة، هذه هى طبيعته، طبيعة بسيطة لا يوجد فيها أى شائبة كراهية. الْعَقِيقِ = لونه أحمر، لون الدم إشارة لفدائه، فإن كان الله فى بساطته، كله محبة لنا، فهذه المحبة وصلت لسفك دم إبنه. "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به" (يو16:3). قَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ = هو علامة ميثاق بين الله والإنسان، فالله لا يريد هلاك الإنسان كما وعد نوح. ووجود هذه العلامة هنا وحَوْلَ الْعَرْشِ = إشارة يعطينا إطمئنان أن الله يذكر هذا الوعد ولا يريد هلاكنا. فالله لا ينسى وعده لنوح ولا لأبنائه. وتعدد ألوان قوس قزح يشير لتعدد بركات ومواهب الروح القدس للكنيسة شِبْهُ الزُّمُرُّدِ = الزمرد لونه أخضر وهو لون الحياة. ولاحظ الرمز فى سفر الرؤيا، فقوس قزح متعدد الألوان فكيف يكون لونه أخضر. المعنى أن الله لا يريد لنا الموت والهلاك بل يريد لنا الحياة (يو16:3) فالله حى ويريد أن تكون لنا حياة. ونحن نصلى فى أوشية الراقدين "علهم فى موضع خضرة على ماء الراحة" إشارة لحياة أبدية للراقدين ولا حياة بدون خضرة أو ماء. آية (4):- "4وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ." هنا نسمع عن طغمة سمائية عالية المستوى جدا هم الأربعة والعشرون قسيسا ومترجمة فى طبعة بيروت شيوخا. وأصل الكلمة إبرسفيتيروس ومنها إبريسفيا أى شفاعة. ولأن البروتستانت يرفضون فكرة الشفاعة ترجموها شيوخا. بينما فى أماكن أخرى مثل (أع17:20) يترجمونها قسوس، وهذا راجع لرفضهم فكرة العمل الكهنوتى. ففى (يع14:20) يترجمون الكلمة شيوخ فهى تتحدث عن مسحة المرضى التى يقوم بها الكهنة.عموما أصل الكلمة (ابرسفيتيروس) فى اليونانية كان يعنى شيوخ. لكن لما قامت الكنيسة وسامت قسوسا للخدمة الكهنوتية وجدت أن أنسب كلمة فى اليونانية هى أبرسفيتيروس فإستعملتها للقساوسة، وصارت هذه الكلمة بمعنى الكهنة القساوسة لمدة 12 قرنا من الزمان حتى أعادها البروتستانت بمعنى شيوخ. على أن هذا خطأ فهناك كلمات كثيرة تغير معناها بعد المسيحية مثل كلمة إكليسيا وكانت تعنى فى اليونانية جماعة ولكنها بعد المسيحية صارت تعنى كنيسة. فهل يقبل البروتستانت أن تسمى كنائسهم جماعة كذا أو جماعة كذا بحسب القاموس اليونانى. وكلمة اسقف فى أصلها تعنى ناظر ثم صارت درجة الأسقف. عموما كان لا يصح أن يتم ترجمة نفس الكلمة مرة بمعنى شيوخ ومرة بمعنى قسوس. وهؤلاء الأربعة والعشرون قسيسا مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ = وهذه قد تعنى الطهارة والبر ولكن فى نفس الوقت تشير لملابس الكهنة فعملهم كهنوتى ولهم جامات أى مجامر يقدمون فيها بخورا هو صلوات القديسين (رؤ8:5). وهذا يعنى قيامهم بدور شفاعى، فهم يقدمون صلواتنا ويرفعونها لله والمعنى أن صلواتنا بها الكثير من الأخطاء ولا يجب أن تقدم لله ، هكذا فنحن نقول ما لا يجب أن نقوله، وقد نقف بلا خشوع. بينما الله يطلب أن نقف فى خشوع وإحترام كاملين، لذلك ظهرت ظواهر طبيعية مخيفة قبل أن يظهر الله للشعب فى سيناء مع موسى وقبل أن يكلم إيليا لتضعهم هذه الظواهر فى موقف خشوع. " لقد فهمت عمل الأربعة والعشرون قسيسا من حوادث وقعت معى فقد كان كثيرين من الناس يعطونى طلباتهم مكتوبة فى ورق مطوى لأضعها على المذبح أثناء القداس. وذات مرة فتحت ورقة منهم وقرأتها فوجدت فيها طلبات غير مقبولة مثل "يا رب إنتقم لى من فلان" فرجعت لمن أعطاها لى وقلت له لماذا تجعلنى أخطىء بوضع هذه الطلبة أمام الله ومن يومها صرت أراجع كل ورقة تعطى لى قبل وضعها على المذبح " . وعلو منزلة الـ 24 قسيسا تتضح من أن لهم عُرُوشِ وأكَالِيلُ. فهم طغمة سمائية ملائكية كهنوتية عملها الشفاعة. وهم يرمزون لشعب العهد القديم (12 سبط) وشعب العهد الجديد (12تلميذ) أو يرمزون للعمل الكهنوتى فى العهدين. ويبدو أن لهم درجة ملوكية فهم لهم عروش وأكاليل. وهم لهم ذوكصولوجية خاصة فى الكنيسة وتعيد لهم الكنيسة سنويا. آية (5):- "5وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ." بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ = هذا ما حدث فى سيناء قبل أن يظهر الله للشعب، وهذا ما حدث مع إيليا قبل أن يكلمه الله، حتى يكونوا فى خشوع حين يتكلم الله فهذه البروق والرعود إشارة أو أنها تثير الرهبة وترمز لهيبة الله وقوته وعظمته التى ترعب البشر (عب21:12). وهى تشير أيضا لدينونة الله العادلة . أما الله مع خاصته الذين هم أصلا فى خشوع سيكون الله معهم كالنسيم الهادىء كما تكلم مع إيليا. البُرُوقٌ = البروق تسبق المطر. والمطر يشير للبركات الإلهية. لذلك فالبُرُوقٌ تشير لوعود الله للأبرار والبرق يلمع فى السماء ويراه الكل ، هكذا وعود الله للكل. الرُعُودٌ = تشير لإنذارات الله لمن لا يريد التوبة، فهناك من لا يتأثر بالوعود لكنه يخشى من الإنذارات فيتوب. الأَصْوَاتٌ = هى أحكام وقرارات إلهية تعلن سلطان الله على السماء والأرض . إذاً الله أعطى وعود (برق) مثل "من يغلب يجلس معى فى عرشى". وأعطى إنذارات (رعود) مثل "فتب وإلا فإنى آتى وأزحزح منارتك ". ومن يستفيد ويتوب تصدر له أحكام وقرارات بالبركة ومن لا يستفيد تصدر ضده قرارات بالعقوبة. وكل ما يصدر عن العرش هى قرارات ووعود وإنذارات لا تتغير. سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ = رمز لعمل الروح القدس الكامل فى الكنيسة، فرقم 7 هو رقم الكمال. فالروح القدس يقدم كل ما هو لازم لخلاص الإنسان من تبكيت وتعليم وإقناع وتوبيخ ونصح وإرشاد وقوة تعين الإنسان وقيادة للكنيسة (سمى سفر أعمال الرسل سفر أعمال الروح القدس) وهو الذى يعطى الثمار والمواهب ورآه على هيئة مَصَابِيحِ نَارٍ = لأن الروح القدس حل على التلاميذ على هيئة ألسنة نارية. وإلهنا نار آكلة (عب29:12). أَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ = أى أمام عينى الله، والمعنى أن خلاص الكنيسة والحفاظ عليها (وهو عمل الروح القدس الآن) وإعدادها لتكون عروس الخروف هو محل إهتمام الله بالدرجة الأولى (راجع شرح رؤ4:1). آية (6):- "6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ:" َقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ= العالم مشبه بالبحر لملوحته ومن يشرب منه يعطش. (لذاته وتنعماته) بالإضافة لإضطرابه وأمواجه التى ترفع يوما وتخفض يوما. ومن يعيش فى البحر يغرق ويموت إشارة لمن يحيا للعالم فقط تاركا الله. لكن هنا نجده يشبه الكنيسة ببحر من زجاج شبه البلور. 1. إشارة للمعمودية التى نولد منها. وكان فى الهيكل بحر يغتسل فيه الكهنة قبل دخولهم للهيكل. فالبحر فى المفهوم اليهودى يشير لمكان الإغتسال فى الهيكل ولاحظ أن الله أمامه البحر والسبعة المصابيح، فالطريق للعرش يمر خلال البحر والروح. فلن يعاين ولن يقدر أن يدخل ملكوت الله من لا يولد من الماء والروح (يو 5:3) و البحر زجاج فلا معمودية فى السماء. 2. الْبَلُّورِ شفاف رمز للنقاء فالكنيسة كما أن فيها سر المعمودية، فيها سر توبة وإعتراف به تغفر الخطايا، ويسمى سر التوبة معمودية ثانية. وكان البحر فى الهيكل يُستخدم بطريقتين. أ‌. يستحم الكاهن فيه بالكامل فى بداية خدمته عندما يصل سنه إلى 30 سنة. ب‌. يغتسل فيه الكاهن (يديه ورجليه فقط) كل مرة يدخل الهيكل. الأولى تشير للمعمودية والثانية تشير للتوبة وكلاهما يشير للنقاوة التى يشير لها البلور. وهاتين المرتين لإستعمال البحر فى الهيكل هما ما أشار لهما السيد المسيح فى حديثه مع بطرس حين رفض غسل قدميه. 3. شِبْهُ الْبَلُّورِ فهو يعكس أمجاد الله. وأمجاد الله تتلألأ على القديسين ، وتنعكس من عليهم. 4. هو بلا أمواج فلا إضطراب فى السماء. إذاً بحر الزجاج يرمز للكنيسة المولودة من المعمودية، وبها ماتت وقامت مع المسيح وصارت نورا للعالم تعكس نور إلهها شمس البر وهى قدام العرش أى أنها أيضا محل إهتمام الله وقدام عينيه . الله مهتم بكنيسته وبقيادة وإعداد الروح القدس لها. وبعد أن نسمع عن كل هذا الإهتمام بنا وأن القرارات الخاصة بنا خارجة من عرش من يحبنا.. فلماذا الخوف مما رأينا ونرى أن الطريق للعرش الذى بحسب وعد المسيح لنا مكان فيه، هو كالآتى: 1. يجب أن يكون أولاد الله معمدين تائبين أنقياء. 2. ماتوا عن العالم وقاموا مع المسيح. هم نور للعالم يعكسون نور المسيح. 3. قاموا فى جدة الحياة ولا يقاوموا عمل الروح القدس. 4. يستجيبوا لأصوات وإنذارات الله. 5. مستفيدين من عمل الكهنوت الأرضى وشفاعة السمائيين. الآيات (6-8):- "6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: 7وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِي شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ. 8وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلاً قَائِلَةً:«قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي»." المركبة الكاروبيمية (الأربعة الحيوانات) هناك بعض كتاب الصحف يحلو لهم أن يصفوا ما رآه حزقيال النبى فى رؤية المركبة الكاروبيمية حاملة عرش الله بأنها مركبة فضاء. فما هى قصة هذه المركبة وما هى قصة الأربعة الحيوانات الذين يستحسن تسميتهم الأربعة المخلوقات الحية (غير المتجسدين) نلاحظ أنه يقول شبه كذا، فكل ما يراه هو أشباه الحقائق لأنه يستحيل علينا إدراك ورؤية السماويات على حقيقتها، ونحن فى الجسد الترابى. وهذه الأربعة المخلوقات الحية هى الكاروبيم كما يتضح من (حز1:10). فنفس الرؤيا التى رآها يوحنا هنا هى نفسها التى رآها حزقيال من قبل(حز4:1-11) والكاروبيم هم طغمة من طغمات الملائكة، وكما يحدث فى اللغة الهيروغليفية إذ كانوا يستخدمون الأشكال للتعبير عن معانى الأشياء نرى هنا الوحى يستخدم اشباه حيوانات نعرفها للتعبير عن بعض المعانى لعمل هؤلاء الملائكة. هم يمثلون عرش الله. فالله يقال عنه الجالس فوق الشاروبيم ففى (مزمور10:18) نسمع أن الله ركب على كاروب وطار. وهم مملوءون أعينا وهذا إشارة لمعرفتهم الفائقة، فهم يعرفون الله. ومن هنا نفهم أن الله ركب على كاروبيم أو جلس عليه بمعنى أنه يرتاح أو أنه يجد راحته فى هؤلا الملائكة الذين يعرفونه بالحق. ونسمع هنا أن الكاروبيم موجودون فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ = هذا يذكرنا بمشهد أب جالس فى فرح وأولاده حوله. عموما كل من يعرف الله حقيقة يستريح الله فيه، بل إن معرفة الله هى الحياة الحقيقية (يو3:17). "وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى" ماذا قال الأباء عن هذه الأربعة المخلوقات الحية:- 1- كلمة كاروبيم جمع كلمة كاروب ، وكاروب تعنى ملء المعرفة، وتم تصوير هذا هنا بقوله مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ. أما نحن فمعرفتنا الآن محدودة ولكن فى السماء ستزداد معرفتنا إذ سنراه وجها لوجه. أما الكاروبيم فهم مملوئين أعينا لأنهم يعرفون الله. ونحن نعرف الله عن طريق الأناجيل. لذلك قال الآباء أنهم يشيرون للأناجيل الأربعة. فالذى يشبه الإِنْسَانٍ يشير لإنجيل متى الذى بدأ إنجيله بنسب المسيح وكان أكثر من كتب عن المسيح إبن الإنسان. والذى على شبه أَسَدٍ يشير لإنجيل مرقس الذى نسمع فيه عن المسيح القوى القادر كما يقدمه مرقس للرومان الذين يعشقون القوة، وقد بدأ مرقس إنجيله بالصوت الصارخ فى البرية وأنهاه بان المعجزات التى صنعها المسيح ، أعطى لمن يؤمن به أن يفعل مثلها (مر17:16) فليس المسيح وحده هو القوى، بل من يتبعه أيضا والذى يشبه العِجْل يشير لإنجيل لوقا الذى بدأ بكهنوت زكريا وقدم المسيح الكاهن الذى يخلص العالم بدم ذبيحته. والذى يشبه النَسْرٍ يشير لإنجيل يوحنا الذى أثبت أن المسيح هو إبن الله. ومن خلال الأربعة أناجيل نتعرف على المسيح فنعرفه هنا جزئيا أما فى السماء فنعرفه كما عرفناه (1كو12:13). ومن يعرفه يصير له حياة أبدية. ومن يعرفه يسكن المسيح فيه ويرتاح وبهذا نتحول لمركبة كاروبيمية تحمل الله... ألسنا هيكل الله والروح القدس يسكن فينا. ومن يصنع إرادة الله يسكن فيه الآب والإبن ويصنعون عنده منزلا (يو23:14). 2- قالوا إن الأربعة المخلوقات الحية تشير لعمل المسيح الفدائى فمن هو على وَجْهِ إِنْسَانٍ يشير لتجسد المسيح، ومن له وَجْهِ العِجْل يشير للصليب، ومن له وَجْهِ الأَسَدٍ يشير للقيامة. ومن له وَجْهِ النَسْرٍ يشير للصعود. إذاً بعمل المسيح الفدائى نصير أهلا ليسكن المسيح فينا ويرتاح فينا. 3- يشير الأَسَدٍ للقوى العضلية الجسمانية فى الإنسان، ويشير وَجْهِ الإِنْسَانٍ للقوى العقلانية الذهنية، ويشير وَجْهِ العِجْل للقوى الشهوانية. ويشير وَجْهِ النَسْرٍ للقوى الروحية. ولن يرتاح الله فى إنسان ما لم تتقدس كل قواه أى تتكرس له، فبقواه العقلية يدرك ما يريده الله. وبقواه العضلية يخدم الله. وبقواه الشهوانية يقدم كل طاقاته لحب الله فيفرح بالله. وبطاقته الروحية يتصل بالله، فالروح القدس يتصل بالروح. وإذا وصل الإنسان لهذه الدرجة يقول مع بولس الرسول "الله الذى أعبده بروحى" (رو9:1) ولن تتصل الروح بالله إلا لو قدسنا باقى الطاقات لحساب الله. ومن يفعل ذلك يتحول لمركبة كاروبيمية. فالجسد يشتهى ضد الروح والروح يشتهى ضد الجسد، وإذا قمنا بقمع الجسد وإستعبدناه نعطى فرصة للروح أن تتصل بالله ولهذا إزدادت أيام الصوم فى كنيستنا. 4- صورهم الله فى هذه الصورة لندرك أن لهم طاقات تفوق طاقات الإنسان فمن صورة الأَسَدٍ نرى قوة جبارة تفوق قوة الإنسان. ومن صورة العِجْل نرى أنهم يعملون بلا كلل. ومن صورة النَسْرٍ نرى أن لهم رؤية ثاقبة لا يستطيعها الإنسان، وكل هذا مجموع فيمن له وَجْهِ الإِنْسَانٍ أى الحنو والشفقة والعقل. وهذا يحدث لنا إذا سكن الله فينا فتصير لنا إمكانيات غير عادية. لذلك قال بولس الرسول "أستطيع كل شىء فى المسيح الذى يقوينى". وربما بهذه الصور يعكسون لنا صفات الله فبالأَسَدٍ نرى قوة الله غير المحدودة فهو الأسد الخارج من سبط يهوذا وهو الأسد فى إفتراس الأشرار (هو 14:5). بوَجْهِ العِجْل نرى أن الله لا يكف عن العمل بلا كلل "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو17:5). ونرى فيه أيضا طول أناة الله وصبره . ووَجْهِ النَسْرٍ يشير لسمو وعلو الله. ونرى أيضا فى وَجْهِ الإِنْسَانٍ حنان الله ولطفه وشفقته. 5- قالوا إن الذى يشبه الإِنْسَانٍ عمله أن يشفع فى البشر. والذى يشبه الأَسَدٍ يشفع فى الحيوانات التى تحيا فى البرية. والذى يشبه العِجْل يشفع فى حيوانات الحقل، هذه التى يهتم بها الإنسان ويرعاها لفائدته. ولكن حيوانات البرية كالأَسَدٍ لن يهتم بها أحد ليرعاها ولكن نرى الله هنا يرعاها فهو خالقها. والذى يشبه النَسْرٍ يشفع فى الطيور. ولكن لا يوجد من يشفع فى الزواحف فمنهم الحية، ولا يوجد من يشفع فى البحريات لأن البحر يشير للعالم المتقلب. ومن يحمل منا الله فى داخله ويرتاح الله فيه يصير مركبة كاروبيمية وتكون له شفاعة فى العالم الذى يحيا فيه، فقد قيل عن الأنبا بولا أنه بصلاته كان الله يفيض النيل على أرض مصر. ونلاحظ أن الأرض لعنت بسبب خطية الإنسان ودخل لها الفيضانات أو عكسها حين تشح المياه ويموت الناس والحيوانات. والعكس بسبب إنسان بار يرضى الله عن الأرض. وربما أن الطبع الوحشى للحيوانات كان نتيجة لعنة الأرض أيضا. والعكس فبسبب إنسان بار تفقد الحيوانات وحشيتها كما حدث مع ثعبان الأنبا برسوم العريان، ومع أسود دانيال. 6- الكاروبيم لهم ستة أجنحة. بجناحين يغطون أجسامهم (حز11:1). وكما جاء بالقداس يغطون أرجلهم فى حياء من الله. وبجناحين يغطون وجوههم إذ لا يستطيعون النظر فى الله كلى المجد. وبجناحين يطيرون أى مستعدين لتنفيذ أوامر الله فوراً. والكاهن إذ يتشبه بالملائكة فى القداس واقفا أمام جسد المسيح ودمه يضع فى بعض الأحيان لفافة أمام وجهه كما يفعل الكاروبيم إذ يغطون وجوههم، ويضع لفافتين على يديه متشبها بهم. 7- نرى الكاروبيم فى سفر الرؤيا مسبحين الله فى فرح لأجل خلاص البشر، ولكننا وجدنا الله يقيم كاروبيم على الجنة حتى لا يدخل الإنسان ويأكل من شجرة الحياة فيحيا إلى الأبد. فهل كان هذا لقلة محبتهم لنا؟ بالعكس فنحن هنا نجدهم مملوئين محبة للإنسان (رؤ9:5) فهم هنا يسبحون الله على فدائه لنا بل يتكلمون بلساننا. إذاً هم ليسوا ضد الإنسان. وإنما كان وقوفهم أمام الجنة سببه منع الإنسان من الأكل من شجرة الحياة حتى لا يحيا للأبد وهو فى خطيته، والخطية قد شوهت كيانه. أى حتى لا يحيا الإنسان للأبد بهذه الصورة المشوهة. وكان لابد للإنسان أن ينتظر حتى يقوم المسيح بعمله الفدائى لفداء الأجساد فيحصل الإنسان على جسد ممجد يشبه جسد المسيح إبن الله فى مجده وبهذا الجسد نحيا للأبد. وبهذا المفهوم وجدنا كاروبين فوق تابوت العهد على الغطاء المغطى بدم الكفارة. فهم كانوا شهودا على رحمة الله ومحبته الغافرة. 8- تسبحتهم " قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ " وهذا ما رآه وسمعه إشعياء أيضا (أش 6) وهى تسبحة ثلاثية يردد فيها كلمة قدوس ثلاث مرات فهى 1) مقدمة للإله مثلث الأقانيم 2) فى العبرية تكرار الكلمة ثلاث مرات تعنى القداسة التى ليس بعدها قداسة. ونلاحظ فى تسبحاتهم أنهم لا يطلبون شيئا، بل هم يسبحون ويشكرون الله على عطاياه، فرحين بالله على قدرته ومحبته ومجده. وهكذا سنكون فى السماء لا نطلب شيئا فلن نكون محتاجين إلى شىء، بل نسبح الله على مجده الذى لا يوصف والذى وهبنا أن نستمتع به معه. وتسبحة الكاروبيم تنطق بمحبتهم للبشر. (رؤ12:5) فنجدهم يسبحون الله الذى خلقنا وفدانا. وعموما نرى فى سفر الرؤيا تسابيح كثيرة إعلانا عن أن حياة السماء هى حياة تسبيح. فلنتعلم من الآن حياة التسبيح لنستعد للسماء ونكون مثلهم. وهذا يبدأ بالتغصب أولا. تدريب: حاول أن تجعل يوما من أيام الأسبوع تقدم فيه تسبحة لله فقط دون أن تسأل فيه أى سؤال، أو يكون لك تسبحة يومية بجانب صلاتك. نَهَارًا وَلَيْلاً = هذا قول مجازى بمعنى كل الوقت، فلن يكون هناك ليل فى السماء، فالله سيكون نورا دائما فى السماء (رؤ 5:22). الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ = ضابط الكل الإله القدير الذى لا يستحيل عليه شىء (تك 14:18). الآيات (9-11):- "9وَحِينَمَا تُعْطِي الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، 10يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: 11«أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ»." هنا نرى الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ قسيسا الذين لهم عروش وتيجان، نجدهم يَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ = تيجانهم أمام الله سْاجُدُينَ إظهارا لخضوعهم وأن كل ما نالوه هو من الله. فلنتعلم منهم السجود بخشوع والميطانيات، وإحتقار كل أمجاد العالم أمام مجد الله المعد لنا. بل أن سجودهم يعلمنا أن طريق الإقتراب لله هو الإنسحاق أمامه وطرح كل مجد لنا أمامه. فلولا أن الأربعة والعشرون قسيسا وجدوا أن سجودهم أمام الله وطرح أكاليلهم أمامه فى إنسحاق قد أعطاهم فرحا أكبر ما كانوا قد فعلوا هذا. وطرح الأكاليل يعنى أن الفضل كله لله وهذا ما علمه لنا الأباء أن من يمارس الميطانيات، سريعا ما تأتى له بالفرح. وهذا يتفق مع تعليم السيد المسيح بالجلوس فى المتكآت الأخيرة (أى الشعور بعدم الإستحقاق والإنسحاق أمامه) ليأتى صاحب الفرح ويجلس هذا المتواضع فى المتكآت الأولى بكرامة (أى الفرح الذى يحصل عليه المنسحق) فخلع الأكاليل والسجود هو الجلوس فى المتكأ الأخير. والإنسحاق هو طريق الفرح الحقيقى. إذا المركبة الكاروبيمية ليست مركبة فضاء بل نحن أمام صورة سمائية فيها ملائكة خدام لله وفيها قسوس يشفعون فى الخليقة، ولكن كل هذا تم تصويره بلغة يفهمها البشر فلغة السماء لا مثيل لها على الأرض. إلا أن من عاش فى جو كنيستنا الأرثوذكسية لن يجد السماء غريبة عليه فنحن كمن يعيش السماء على قدر ما نفهم على الأرض. الكنيسة هى صورة السماء: 1. الرسول رأى عرش الله والله جالس عليه، والكنيسة بها مذبح عليه جسد الرب ودمه المتحدين بلاهوته. 2. الرسول رأى أمام العرش سبعة مصابيح نار متقدة والروح القدس يعمل فى الكنيسة خلال أسرارها وثماره فى المؤمنين ومواهبه، هو يملأ الكنيسة وأفرادها ويقودها. 3. الرسول رأى بحر زجاجى فى السماء. والكنيسة بها معمودية. 4. الرسول رآى 24 قسيسا فى السماء. والكنيسة بها كهنة قساوسة. 5. كان القساوسة السمائيين يلبسون ثيابا بيض وهكذا الكهنة فى الكنيسة. 6. كان القساوسة السمائيين يرفعون بخورا امام العرش. وهكذا الكهنة فى الكنيسة. 7. يحمل العرش 4 حيوانات رمزا للإنجيل الذى يقرأ فى الكنيسة دائما. 8. الشموع المضاءة تمثل الملائكة. وفى بعض أجزاء القداس يخفى الكاهن وجهه بمنديل كما يفعل الكاروبيم. وأحيانا يحمل لفائف على يديه كأنها أجنحتهم. 9. الرسول سمع تسابيح كثيرة فى السماء. والكنيسة مملوءة تسابيح فى عشية وباكر والقداس. حقا إن من يعيش فى جو الكنيسة على الأرض لن تكون السماء غريبة عليه. وأسلوب الله هو هو نفسه لا يتغير فهذه كانت نفس الصورة فى هيكل العهد القديم. فالله ليس عنده تغيير أو ظل دوران (يع 17:1). 1. عرش الله يقابله قدس الأقداس وتابوت العهد. 2. سبعة مصابيح نار متقدة يقابلها المنارة ذات الأفرع السبعة. 3. البحر الزجاجى يقابله بحر النحاس. 4. الـ 24 قسيسا يقابلهم الكهنة. 5. الثياب البيضاء للكهنة هى هى. 6. البخور كان موجودا على مذبح البخور. 7. الكاروبيم يمثلهم كاروبين على تابوت العهد. 8. الهيكل مملوء تسابيح وصلوات ومزامير. مقارنة بين الرؤيا السماوية والكنيسة وهيكل العهد القديم الرؤيا السماوية الكنيسة هيكل العهد القديم الله جالس على العرش 7 مصابيح نار متقدة بحر زجاجى 24 قسيسا القسوس لهم ثياب بيض القسوس يقدمون بخورا الكاروبيم ( 4 حيوانات ) تسابيح كثيرة جسد ودم المسيح على المذبح الروح القدس يعمل فى الكنيسة المعمودية كهنة القسوس لهم ثياب بيض الكهنة يقدمون بخورا 4 بشائر نرمز لها بأربع وجوه شموع مضاءة رمزا للملائكة تسابيح كثيرة تابوت العهد فى قدس الأقداس منارة ذات 7 شعب بحر نحاس كهنة الكهنة لهم ثياب بيض الكهنة يقدمون بخورا كاروبيم فوق تابوت العهد كاروبان فى قدس الأقداس تسابيح كثيرة حقا يسوع المسيح هو هو أمساُ واليوم وإلى الأبد (عب 8:13).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع عرش الله وبعض من مجده بانتهاء الأصحاح الثالث ينتهي المشهد الأول من الرؤيا السماوية ، وهو المشهد المتعلق بالرسائل الرعوية للسبع كنائس ، أما الأصحاح الرابع والخامس فهما بمثابة مقدمة تنقلنا للأصحاح السادس حيث بداية فك الأختام السبعة وما اختص به الأصحاح الرابع فهو وصف لعرش الله ومجده . (1) منظر العرش ( ع 1 - 6 ) : ع1 : بعد هذا : أي بعد الحديث والرؤيا السابقة عن السبع كنائس . باب مفتوح في السماء : تعني روحياً إنفتاح الروح لرؤية أمور روحية جديدة كانت مغلقة على جميع البشر . تذكرنا هذه الآية بانفتاح السماء أمام اسطفانوس وقت استشهاده ( اع 7 : 56 ) والسلم الذي رآه يعقوب فربط السماء والأرض ، وكلاً من اسطفانوس ويعقوب نظرا بعضاً من السماء وهما على الأرض ، أما في رؤيا يوحنا فإنه سوف يرى السماء من داخل السماء وكذلك سوف يرى وهو في السماء أحداث متتالية تحدث على الأرض . + لما كانت الكنيسة تمثل السماء على الأرض ظلَّ طقس الكنيسة يمنع غلق أبوابها في إشارة إلى أنَّ من يريد السماء فدائماً بابها مفتوح ، وظلَّ هذا الطقس سارياً ولم تبطله سوى الظروف الأمنية . الصوت الأول : هو نفس صوت المسيح ( ص 1 : 10 ) . إصعد إلى هنا : أي لينظر يوحنا ومن بعده كل الكنيسة بعضاً من مجد السماء ، وهذا ما أضافه السيد بقوله " فأريك ما لابد أن يصير " والغرض الأساسي من إعلان الله لنا لبعض مناظر من مجد السماء هو تشجيعنا للتعلق والتطلع الدائم لها حتى لا يشغلنا عنها شئ فنفقد مكاننا فيها . بعد رؤيا السبع رسائل ، كلم المسيح يوحنا وأعلن له رؤيا جديدة إذ دخل من باب مفتوح إلى السماء ليرى ماذا سيحدث بعد رؤيا السبع كنائس . ع2 : للوقت صرت في الروح : صرَّح القديس يوحنا قبلاً أنه كان في الروح ( ص 1 : 10 ) ، والآن يعلن هنا أنه صار في الروح ، بمعنى أنَّ الله أعطاه إحساساً روحياً جديداً مع إنتقاله إلى السماء وهو إحساس يتناسب مع المشهد الجديد المزمع أن يراه ، هكذا أيضاً كل إنسان يسمع لصوت السيد كما سمع يوحنا يعطيه الله شعوراً روحياً متميزاً يصعب على الإنسان وصفه للآخرين . على العرش جالس : لم تسعف اللغة البشرية بكل مفرداتها القديس يوحنا في وصف الذات الإلهية ولكن ما سمح به الله له أن يراه جالساً على عرش وهذا المنظر يتمشى مع وصفنا للسماء بأنها ملكوت الله ( أي مملكته ) ويشير أيضاً إلى السلطان المطلق للجالس على هذا العرش . وسوف يستخدم القديس يوحنا تعبير الجالس على العرش كثيراً في الأصحاحات القادمة . ع3 : أما هيئة هذا الجالس على العرش فكان كحجر اليشب الأبيض الشفاف كتعبير عن بساطة الله ونقائه ، وكذلك فالعقيق لونه أحمر مثل النار فيرمز لعدل الله ، وهو ثابت في عهوده مع البشر كتذكار عهد قوس قزح ( تك 9 : 13 ) الذي أعطاه لنوح بعد الطوفان ولكل البشرية بعدم إغراقها مرة ثانية بالطوفان ، أما الزمرد الأخضر فهو يشير إلى أنَّ الله هو مصدر كل حياة ونمو . والأمور كلها ( اليشب والعقيق والقوس ) تشير إلى بهاء مجد الله . ع4 : الأربعة وعشرون عرشاً : رأى يوحنا أربعة وعشرين عرشاً لمخلوقات سمائية حول عرش الجالس ، أي أنَّ الله أشركهم في مجلسه وهو نوع من الإكرام المتميز جداً . أربعة وعشرون شيخاً : من هم : نفضل إستخدام تعبير مخلوقات سمائية وهو تعبير يشمل كونهم ملائكة متميزين أو شيئاً أعظم من الملائكة كما قال كثير من الآباء . شيخاً : الأصل اليوناني لهذه الكلمة معناه قسيساً ، فالترجمة الصحيحة لها هو قسيساً وليس شيخاً . أربعة وعشرون : يرمز بهذا العدد لاكتمال الكنيسة بعهديها أمام الله ( إثني عشر سبطاً من العهد القديم وإثني عشر رسولاً في العهد الجديد ) ، ويمثل الأربعة والعشرين قسيساً الكهنوت الماثل أمام الله والذي يشفع في المؤمنين وينقل صلواتهم إلى الله ( رؤ 5 : 8 ) ، وما يلبسونه من ثياب بيض يمثل نقاءهم ( مثال تونية الكاهن والشماس ) أما أكاليل الذهب فترمز لمجد وكرامة هذه الدرجة السامية أمام الله إذ جعلهم كالملوك ، ويتميز الشعب القبطي بصفة عامة بإجلاله واحترامه للكهنوت ودرجاته لسمو عمله إذ هو السر المتمم لجميع أسرار الكنيسة ، وله كرامته أمام الله . ملحوظة : تعيد الكنيسة للأربعة وعشرين قسيساً يوم 24 هاتور كما تطلب شفاعتهم وتذكرهم في تسبحتها . ع5 : بروق ورعود وأصوات : ترتبط هذه العلاقات وتشير إلى الحضرة الإلهية إذ تكررت ذاتها على جبل سيناء عند إعطاء الشريعة ( خر 19 : 16 ) ، وهي كلها أمور تشعرنا بالمهابة والرعدة عند الوقوف أمام الله ، وتَذَكُّر مثل هذه الأمور يساعد الإنسان على مقاومة شرور الفكر ( السرحان ) وقت الصلاة . سبعة مصابيح نار متقدة : إشارة إلى الروح القدس الناري والمنير ، إذ يكمل الرسول ويقول " هي سبعة أرواح الله " راجع ( ص 1 : 12 ) ، ويشير أيضاً إلى عمله في أسرار الكنيسة السبعة . يمكن القول أيضاً أنَّ " البروق " تمثل وعود الله اللطيفة البراقة ، بينما تمثل الرعود تحذيراته المرهوبة أما الأصوات فتعبر عن أحاديثه وإرادته المعلنة في الخليقة . ع6 : بحر زجاج شبه البلور : في العهد القديم وفي هيكل سليمان كان هناك " بحر النحاس " ( 1مل 7 : 39 ) وكان للتطهير .. والآن نحن أمام بحر من زجاج بلوري يرمز للمعمودية في نقائها وطهارتها وهذا البحر أمام الله لأنه لن يعاين أحد الله ما لم يعبر هذه المعمودية ( يو 3 : 5 ) . أربعة حيوانات مملوءة عيوناً : المقصود بأربعة حيوانات أنها أربعة كائنات حية وأجمع كل الآباء في تفسيراتهم أنهم طغمات الملائكة المعروفة بالسيرافيم والشاروبيم وحتى نكمل الشرح عنهم سنوضح ذلك في تفسير الأعداد ( 7 - 9 ) . + ما أجمل وأروع وأرهب منظر السماء الذي يرفعنا ويصعدنا إلى التأمل في مجد الله وعرشه فنشتاق إلى الإلتقاء الدائم به ... أرجوك يا إلهي إجعل لنا نصيباً أن نراك كما رآك يوحنا واعطنا الإرادة الصالحة أن نكمل سعينا بسلام . (2) وصف الأربعة حيوانات وعملهم ( ع 6 - 9 ) : يمكن شرح كل ما يتعلق بالحيوانات الأربعة في النقاط التالية : ع6 : 1- مملوّة عيوناً : أي تتميز بمعرفة الله الكلية وأمور كثيرة أخرى يعلنها لها الله ، وهذه الأعين من داخل أيضاً ( ع8 ) دليل على المعرفة الداخلية القوية . ع7 : 2- أشكالها المنظورة : شبه أسد ... شبه عجل ... مثل وجه إنسان ... شبه نسر . (أ) أخذ التقليد الكنسي منذ القديم أشكال هذه الكائنات الملائكية رموزاً للأربعة بشائر ، فالأسد يشير إلى بشارة القديس مرقس لأنه يبدأ بصوت صارخ ، وارتبط الأسد مع صورة مارمرقس ، وشبه العجل إلى بشارة القديس لوقا لأنه أكثر من تكلم عن الذبائح ، ووجه الإنسان يشير إلى القديس متى لأنه يبدأ بذكر نسب المسيح البشري ، وشبه النسر يشير إلى بشارة القديس يوحنا لأنه يحلق في اللاهوتيات وتكلم عنها كثيراً . (ب) لأنَّ هذه المخلوقات هي ملائكية فأشكالها تدل أيضاً على عملها ومكانتها . فالأسد : رمز لقوة الملائكة وقدرتهم . العجل : الصبر على تنفيذ المهام الصعبة . الإنسان : دليل على الإدراك العقلي والتمييز . النسر : السرعة وبُعد النظر وسمو الإرتفاع . (جـ) يمكننا القول أيضاً أنها تمثل كمال الخليقة أمام الله ، باعتبار أنَّ الإنسان أهم الكائنات العاقلة والأسد أشرف الحيوانات المفترسة والعجل يمثل الحيوانات الأليفة والباذلة والنسر أقوى من في مملكة الطيور ، فتصير الخليقة بكل أنواعها ماثلة أمام الله كل حين تقدم له التسبيح والعبادة ، فالأربعة حيوانات تشفع في كل الخلائق . ع8 : 3- ستة أجنحة : الأجنحة تشير إلى حركة الملائكة السريعة في تنفيذ مشيئة الله ، كذلك ترمز لمهابة منظر الله ومجد كرامته فهم يطيرون بجناحين ، وفي ورع وحياء يغطون أرجلهم بجناحين ، وباتضاع يسترون وجوههم بجناحين ( اش 6 : 2 ) وهذا ما نذكره عنهم أيضاً في صلاة القداس الغريغوري . ع9 : عملها : يمكن القول أنَّ عملها الأهم وربما الأوحد هو تقديم " المجد والكرامة والشكر " لله معلنين بأصواتهم تسبحة التقديس " قدوس قدوس قدوس " وهي نفس التسبحة التي رآها إشعياء في رؤياه ( اش 6 ) والتي أخذتها الكنيسة وأضافتها في صلواتها كلها وتسابيحها ( صلاة الأجبية والقداس الإلهي ) . فليس لنا أفضل من أن نصلي لله كما تسبحه وتمجده وتنطق باسمه الملائكة . تشتمل أيضاً صلاتها على تسبيح الله في صفاته فهو كليّ القدرة ( ضابط الكل وخالق الأشياء من العدم ) وهو أيضاً الأزلي والكائن والأبدي والذي ليس لملكه إنقضاء . 4- تعيِّد الكنيسة للأربعة الحيوانات الغير متجسدين وتطلب شفاعتهم إعترافاً بمكانتهم وسمو عملهم في يوم 8 هاتور . + أختي الحبيبة إذا كانت الملائكة ذات الأجساد الروحية النورانية تغطي أنفسها بأجنحتها أمام الله حياءً وتقديساً لكرامته ومهابته ، أفلا نتعلم نحن ونعلم أبناءنا منذ الصغر فضيلة الإحتشام في ملابسنا وكذلك تغطية الرأس والوقار أثناء أوقات الصلاة ؟! فما أحلى الوقوف بمهابة وخشوع أمام الله . (3) تسبحة الأربعة وعشرين قسيساً ( ع 10 - 11 ) : ع10 : عندما سمع إشعياء الملائكة ينشدون " قدوس .. قدوس .. قدوس " إهتزت أعتاب الهيكل وأساساته وارتعب وصرخ " ويل لي .. لإني إنسان نجس الشفتين " ( اش 6 : 3 - 5 ) ، وها نحن أمام منظر مماثل تماماً .. فعندما نطقت الأربعة الحيوانات الغير متجسدين بإسم الله القدوس ماذا حدث ؟!! يخر ... ويسجدون : لم يحتمل الأربعة والعشرون قسيساً النداء بإسم الله القدوس ، فسجدوا على الفور في خشوع وخضوع وإنسحاق أمام إعلان مجد الله . يطرحون أكاليلهم : إذ كانت أكاليلهم هي نوع من الكرامة التي أعطاها لهم الله ، فهم يردونها إليه وكأنهم يقولون أنك أنت صاحب الكرامة وحدك . ولتلاحظ أيها الحبيب أنه في طقس قداس كنيستنا يدخل الأسقف بتاج كهنوته إلى الكنيسة ولكن عند قراءة الإنجيل بل وقبله عند لحن آجيوس ، يخلع رئيس الكهنة غطاء رأسه وكأنه يتمثل بهذا المنظر السماوي ويعلن أنه لا كرامة سوى لله الواحد الجالس على عرشه ... ويستكمل صلاة القداس كاملة دون العودة للبس التاج مرة أخرى . ع11 : يقدم هنا الأربعة والعشرون قسيساً تسبحة للرب الإله يعلنون فيها أنه وحده فقط المستحق للمجد والكرامة ، لأنه هو كُليّ القدرة وصاحب الخليقة كلها وصانعها بكلمته وإرادته ... وهذا التسبيح يشملنا نحن البشر فنحن خليقة الله وصنعة يديه ... أي أننا نُذكَر أمام الله في تسبحة السمائيين . + هل تشعر بهذا أيها الحبيب ... وهل تشارك السمائيين في التسبحة الإلهية ؟ إنَّ صلوات التسبحة الكنسية من ألذ الصلوات التي ترفع القلب إلى الله فهل تمتعت بها ؟ ليتك تشارك الكنيسة فيها لتكون مع السمائيين في أحاسيسهم الروحية العالية .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح