كلمة منفعة
هي سير دائم نحو الله. هي تقدم مستمر نحو اللانهائية.
— الحياة الروحية
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 2 الرؤيا الإصحاح رقم 2 الأصحاح الثاني : رسائل إلى أربع كنائس مقدمة عن رسائل الكنائس السبع يليق بنا أن نعرف: أولاً: كانت هذه الكنائس قائمة فعلاً والحديث موجه إليها. غير أنه كما يقول الأسقف فيكتوريينوس والقديس أغسطينوس وغيرهما أن ما ورد بهذه الرسائل يخص حالة الكنيسة في كل عصر ويخص حالة المؤمن من حين إلى حين، فهي رسائل موجهة إلى كل مؤمن. ثانيًا: يخاطب الرب الكنائس في شخص ملائكتها أي أساقفتها، محملاً إياهم مسئولية الرعاية، ملزمًا إياهم أن يحملوا ضعفات شعبهم كما يتكفلون بنمو أولادهم. وفي نفس الوقت يوحي إلى الشعب أن يتقبل توجيهات الله ووصاياه خلال أساقفته وكهنته. ثالثًا: فيما يلي ضعف كل كنيسة والعلاج المقدم لها: 1. أفسس : الفتور في الحب : التأمل في شجرة الحياة )الأبدية(. 2. سميرنا : معاناة الألم : انتظار إكليل الحياة. 3. برغامس : العثرة في الكنيسة : ممارسة الأسرار المقدسة. 4. ثياتيرا : الشهوات الشريرة : بتر الشر. 5. ساردس : الرياء : الاهتمام بالمجد السماوي )الداخلي.( 6. فيلادلفيا : التراخي في العمل : إدراك حقيقة مركزنا السماوي. 7. لاودكية : الفتور الروحي : المثابرة برجاء. في هذا الأصحاح يوجه الرب رسائل خاصة إلى أربع كنائس: 1. إلى ملاك كنيسة أفسس 1 - 7 . 2. إلى ملاك كنيسة سميرنا 8 - 11. 3. إلى ملاك كنيسة برغامس 12 - 17. 4. إلى ملاك كنيسة ثياتيرا 18 - 29. 1. إلى ملاك كنيسة أفسس 1. من هو؟ "اكتب إلى ملاك كنيسة أفسس" يقال إن ملاك الكنيسة كان تيموثاوس تلميذ الرسول بولس. وقد أسسها الرسول بولس وخدم فيها ثلاث سنوات (أع 20: 31) وكتب إليها رسالة، كما خدم فيها تيموثاوس (1تى 1: 3)، وذهب إليها يوحنا الرسول بعد الإفراج عنه. 2. وصف الرب "هذا يقوله الممسك السبعة الكواكب بيمينه، الماشي في وسط المناير الذهبيّة" [1]. يتجلى الرب لكل كنيسة حسب ما يناسبها، حسب احتياجاتها، لترى فيه شبعها وشفاءها من كل ضعف. وإذ تعاني هذه الكنيسة من "الفتور في الحب"، لهذا يعلن لها أنه الممسك السبعة الكواكب (الأساقفة) في يمينه، أي حافظهم والمعتني بهم والمحيط بهم. كما يعلن لها أنه "الماشي في وسط المناير الذهبيّة"، أي يجول في كنيسته، لا يهدأ عن العمل من أجل خلاص كل نفس. وكأنه يقول: إنني أحبك فكيف تفترين في محبتك لي! هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الكواكب في ذاتها مظلمة، نورها مستمد من الممسك بها "شمس البر"، مؤكدًا لنا أننا لا نستطيع أن نقتني الحب من ذواتنا بل من الله الممسك بنا في يمينه. 3. حال الكنيسة "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك، أنك لا تقدر أن تحتمل الأشرار، وقد جرَّبت القائلين أنهم رسل وليسوا رسلاً، فوجدتهم كاذبين" [2]. قبل أن يحدثها عن ضعفها يطمئنها الرب قائلاً: "أنا عارف أعمالك..." لا أنسى أعمال محبتك القديمة ولا أتجاهل تعبك حتى الذي لا تذكرينه. لقد نسي زكريا الكاهن صلواته التي قدمها ليهبه الرب ابنًا، لكن الرب كافأه عنها في الوقت المعين (لو 1: 13)، ونحن في وقت فتورنا نظن أن الله قد نسى الأعمال القديمة والأتعاب والصبر الذي احتملناه من أجله، لكن اللًّه يُطمئن كل إنسان أنه لا ينسى حتى كأس ماء بارد قدمه باسمه. إنه لا ينسى أتعاب هذه الكنيسة خاصة ما احتملته من الذين ادّعوا أنهم خدام وقد ملأوا الأرض كلامًا، وهم كاذبون، بعيدون عن روحها ورسالتها ووداعتها وحبها. لهذا يخاطب الرب أسقف أفسس قائلاً: "وقد احتملت، ولك صبر وتعب من أجل اسمي ولم تكل" [3.] بعد هذا التشجيع عاد ليعاتب الكنيسة في رقة بالغة دون أن يجرح مشاعرها قائلاً: "عندي عليكِ أنكِ تركتِ محبتك الأولى" [4]. في عذوبة يسند الرب القصبة المرضوضة ويلهب الفتيلة المدخنة (مت 12: 20)، وفي حزمٍ بلا خداع أو مواربة يعلن الضعف لكي تتوب وتعود إلى كمال صحتها. 4. العلاج "فأذكر من أين سقطت وتب، واعمل الأعمال الأولى، وإلا فإني أتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب" [5]. هذا هو طريق العلاج: تب واعمل... وكما يقول القديس إيرونيموس: [أننا جميعنا معرضون للسقوط. ولا يكون السقوط علامة أننا لم نكن يومًا ما قائمين أو معتمدين بالروح كما يدّعى البعض، كما أن السقوط لا يستدعى إعادة المعمودية بل أن نتوب ونعمل.] وبدون التوبة تنهار منارتنا لهذا يسرع الرب فينذر معنفًا بشدة إذ لا يحتمل أن يرى منارة أولاده تتزحزح من مكانها. وينتقل الرب من التوبيخ إلى الملاطفة بإظهار أعمال صالحة للكنيسة قائلاً: "ولكن عندك هذا أنك تبغض أعمال النيقولاويين، التي أبغضها أنا أيضًا" [6]. إنه يفرح برؤية عروسه تبغض ما يبغضه هو، وتحب ما يحبه، تشاركه تصرفاته ومشاعره وفكره، مقتفية آثار خطواته. أما بدعة النيقولاويين فهي: أ. يقول القديس إيريناؤس: [النقولاويون هم أتباع نيقولا أحد الشمامسة السبع (أع 6: 5)، وهؤلاء يسلكون في الملذات بلا ضابط ويعلِّمون بأمور مختلفة كإباحة الزنا وأكل المذبوح للأوثان.] ب. يبرئ القديسان إكليمنضس السكندري وأغسطينوس نيقولاوس من البدعة وينسبانها لأتباعه. ج. يرى العلامة ترتليان وايرونيموس أنه لما أُختير للشموسية امتنع عن الاتصال بزوجته، وبسبب جمالها عاد إليها. ولما وبَّخوه على ذلك انحرف في البدعة إذ أباح الزنا. د. يرى آخرون أنه كان يغير على زوجته جدًا بسبب جمالها، فلما ذمَّه البعض بسبب شدة تعلقه بها أراد أن يظهر العكس، فأباح لمن يريد أن يأخذها، فسقط في هذه البدعة. 5. نصيحة للاستماع إلى قول الروح "من له إذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس"، أي من يريد الإنصات لصوت الله فليسمع للروح القدس المتحدث للكنائس جميعًا، لأن ما يقوله لكنيسة ما يحدث به الكل. وماذا يقول؟ يجيب العلامة ترتليان: [الله يقول دوما توبوا.] 6. المكافأة "من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله" [7]. القلب الفاتر في حبه قلب جائع، لذلك يحتاج إلى الشبع من الرب "شجرة الحياة"، فهو المشبع للقلب والشافي له (رؤ 22: 2) وهو المكافأة المقدمة للغالبين. كلما اختلى القلب بالرب وتأمل في الأبديّة الخالدة التهب القلب حبًا وشوقًا للعريس السماوي زاهدًا كل ما هو أرضي وزمني! 2. إلى ملاك كنيسة سميرنا 1. من هو؟ "واكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا". وقد قيل إنه الأسقف بوليكربس. ويرى ابن العسال أنه الأسقف فليغاريوس تلميذ الرسول يوحنا. 2. وصف الرب "هذا يقوله الأول والآخر، الذي كان ميتًا فعاش" [8]. إذ يكتب إلى كنيسة سميرنا المتألمة والتي كانت على أهُبًّة اضطهاد مرّ للغاية، أراد الرب أن يطمئنها أنه هو الأول والآخر الذي يضم خليقته فيه فلا يصيبها شيء بغير سماح منه، ولا يسمح لهم بشيء إلاّ ما هو لخيرهم. كما يذكرها أنه "كان ميتًا فعاش"، فإن كان قد مات من أجلها، كيف لا تحتمل الموت من أجله؟ إنه قَبِل الموت ليدوس الموت، واهبًا الحياة لمن يموت معه! 3. حال الكنيسة إذ اتسمت الكنيسة بشدة الضيق الذي حلّ بها، لهذا يصفها قائلاً: أ. "أنا أعرف أعمالك"، إن عيني لا تفارقانك وذلك كالفخاري الذي لا يُحوِّل عينيه عن الآنية التي في داخل الفرن حتى لا تحترق، وكالأب الذي يترك كل عمله لكي يلازم ابنه المتألم ساعة آلامه. فكلما اشتدّ الألم أعلن لنا الرب فيض اهتمامه بنا. ب. "وضيقتك": إنني أعرف درجة الحرارة التي تناسبك، فلا أسمح بالضيقة إلاّ بالقدر الذي يناسبك لأجل خلاصك وبنيانك. ج. "وفقرك": وربما كان الفقر بسبب مصادرة الدولة الرومانيّة ممتلكات المسيحيين. فالرب يعلم ما يحدث لأولاده حتى ولو صاروا في أشد حالات الفقر. د. "مع أنك غني. وتجديف القائلين أنهم يهود وليسوا يهودًا، بل هم مجمع شيطان" [9]. وكما يقول ابن العسال: [أنه يعرف غناه بسبب ثروته بالفضائل وثباته في الشدائد.] ويقول القديس إيرونيموس: [من يفتقر مع المسيح يصير غنيًا.] ويرى الأسقف فيكتورينوس أن الغِنى هنا يكمن في وجود أولاد للأسقف يرفضون "تجديف القائلين إنهم يهود"... فغِنى الأسقف هو استقامة إيمان أولاده واستقامة حياتهم، هذا الغِنى يريد الشيطان أن يسلبه عن طريق جماعة اليهود الأشرار الذين هم "مجمع الشيطان". 4. النصائح والإرشادات "لا تخف مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقي بعضًا منكم في السجن لكي تجربوا، ويكون لكم ضيق عشرة أيام" [10]. إذ غلبوا في حرب إبليس التي آثارها خلال اليهود الأشرار، يشجعهم الرب لقبول الضيق الذي تجتازه الكنيسة "عشرة أيام" أي العشرة اضطهادات الرومانيّة التي سجلها لنا التاريخ. كما أن رقم 10 يشير إلى الكثرة وعدم التحديد، كقول أيوب البار: "وهذه عشر مرات أخزيتموني" (أي 19: 3). بماذا يشجعهم؟ "كن أمينًا إلى الموت، فسأعطيك إكليل الحياة" [10]. من أجل إكليل الحياة يقبل المؤمن كل ألم وضيق محتملاً أن يموت كل النهار ليبلغ "الحياة الأبدية" حيث لا يكون هناك موت! "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني" [11]. هذه هي وصية الروح أن يقبل الإنسان موت الجسد لكي لا يغلبه الموت الثاني، لأن موت الجسد فيه حياة الروح التي ستأخذ جسدها ممجدًا إلى الأبد. يقول الأب أفراحات: [إنه يحق لنا أن نخشى الموت الثاني (رؤ 20: 14) المملوء بكاء وصرير الأسنان وتنهدات وبؤسًا، الأمور التي تخص الظلمة الخارجية.] لكن طوبى للمؤمنين والأبرار في تلك القيامة إذ هم يتوقعون أن يستيقظوا ويتقبلوا المواعيد الصالحة التي جعلت لهم. 3. إلى ملاك كنيسة برغامس 1. من هو؟ "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في برغامس". قيل أنه كريوس الذي ذكره يوسابيوس المؤرخ، وقد كان قويًا في الإيمان، وختم حياته بالاستشهاد. 2. صفات الرب "هذا يقوله الذي له السيف الماضي ذو الحدين" [12]. إذ تركت الكنيسة بابها للغرباء وامتلأت بالعثرات في داخلها، يظهر الرب كديّان غيور يعزل بسيف حاد من هم له ومن هم غرباء حتى وإن دعوا أنفسهم مسيحيين. إنه رب الكنيسة يبعث بكلمته كسيف ماض يعزل ما هو حق مما هو باطل، يبتر ما هو من الشيطان ويقطعه، وهذه هي فاعلية كلمة الله دائمًا! 3. حال الكنيسة "أنا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني حتى في الأيام التي فيها كان أنتيباس شهيدي الأمين، الذي قٌتل عندكم، حيث كرسي الشيطان يسكن" [13.] يعرف الرب الظروف القاسية التي تجتازها هذه الكنيسة،إذ توجد حيث يقيم "الروح الشيطاني"، لهذا فإن الرعاية فيها صعبة ومؤلمة. لكن أذكروا أن عندكم "أنتيباس الشهيد الأمين"،شاهدًا أنه يمكن للمؤمن أن يثبت إلى الموت من أجل الإيمان مهما تكن الظروف. قد حدثنا المؤرخ أندريا عن هذا الشهيد كشخصٍ معروف لديه وأنه استشهد حرقًا، وقد عرض عليه أن ينقذوه فأبى. إذن في وسط الظروف القاسية يوجد من بينكم شهداء أشهد لهم عن أمانتهم. "لكن عندي عليك قليل. أن عندك هناك قومًا متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا. هكذا عندك أنت أيضًا قوم متمسكون بتعاليم النيقولاويين الذي أبغضه" [14-15]. كعادته يوبخ بحزم، لكن في لطف "عندي عليك قليل". أما تعليم النيقولاويين فقد سبق التعرض له. غير أنه في هذه الكنيسة بدأت جماعة تتقبل هذه التعاليم الغريبة دون أن تبلغ إلى تنفيذ المبادئ، وهؤلاء يعثرون الكنيسة كما أعثر بالاق الشعب قديمًا (عد 25: 1، 2، 3؛ 31: 16). وهنا نلاحظ الآتي: أ. يبدأ بالتوبيخ على أكل ما ذبح للأوثان قبل الزنا [14]. لأنه كما يقول لنا الآباء أن خطية النهم يتبعها حتمًا سقوط في الزنا. ب. عندما يؤدب كنيسته على تعاليم النيقولاويين يكفيه أن يقول لها إن القوم متمسكون بما يبغضه. وهذا يكفي دون حاجة إلى مجادلة أو مباحثة لأنه يلزم ألا يتمسك بما يبغضه ولا تتراخى عما يحبه. ج. يوبِّخ الرب الراعي بسبب القلة المنّحرفة، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إننا (كأساقفة) نوبَّخ بسبب جرائم الأشرار، وليس بسبب جرائمنا، بالرغم من أن بعضًا منهم لا يعرفوننا.] 4. العلاج والمكافأة "فتب وإلاّ فإني آتيك سريعًا وأحاربهم بسيف فمي. من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المنّ المخفي، وأعطيه حصاة بيضاء، وعلى الحصاة اسم جديد مكتوب لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ" [16-17]. يلتزم الأسقف أن يتوب سريعًا من أجل خطايا هؤلاء القلة وانحرافهم، لأنهم أولاده وهو مسئول عنهم أمام الله. أما مكافأة الغلبة على هذه العثرات فهي أكل المنّ المخفي! يا للعجب أن الله يقدم لنا جسده ودمه الأقدسين، المنّ السماوي (يو 6: 49-51)، لنتناوله عربونًا. إنه يمتعنا ونحن على الأرض بغذاء الغالبين السماوي. يا لها من مكافأة عظيمة ينالها الكاهن والشعب عندما يتقدمون بعد جهاد طويل وأتعاب في الحياة ومثابرة في العبادة لينعموا بجسد الرب السرائري، وكأس الخلاص، في وحدة الحب للشركة والثبوت في الله! وفي نفس الوقت بتناول هذا المنّ تبتهج النفس فتعوف كل تعليم غريب يقدم لذات أرضيّة وإباحيات كتعليم النيقولاويين. لهذا تحرص الكنيسة أن تغذي أولادها منذ طفولتهم بالمنّ المخفي كمكافأة لهم وكدواء. هذا عن المنّ المخفي. أما الحصاة البيضاء فكما يقول القديس إيرونيموس إنها جوهرة تضيء ليلاً كضياء النهار، وهو بهذا يشير إلى الكلمة المتجسد. هذا هو مكافأتنا لا نقبل عنها بديلاً. ويرى ابن العسال أن الحصاة أو الفص الأبيض يشير إلى الملكوت المكتوب عليه بلغة روحيّة جديدة لا يعرفها إلا أبناء الملكوت. ويرى البعض أنها الحصاة البيضاء التي كان يستخدمها القضاة الرومان واليونان لإعلان براءة المتهم. وظن البعض أنها أحد الحجارة الكريمة الموضوعة على صدر الحبر الأعظم (خر 28؛ لا 8). أما الاسم الجديد فلا يعرفه إلا الذي يأخذ، لأن الفرح الداخلي السماوي "لا يشاركه غريب" (أم 14: 10)، ولا يدركه إلاّ من يحيا فيه ويتذوقه. إذن المنّ المخفي والحصاة البيضاء والاسم الجديد هي إعلانات عن تمتع الغالب بالرب يسوع خبزنا السري وغنانا وفرحنا الذي فيه يستريح قلبنا. ويرى الأسقف فيكتوريانوس أن: [المنّ المخفي هو الخلود، والحصاة البيضاء هي التبني لله، والاسم الجديد المكتوب على الحصاة هو "مسيحي".] 4. إلى ملاك كنيسة ثياتيرا 1. من هو؟ "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ثياتيرا"، وهو القديس إيريناؤس تلميذ القديس بوليكاربوس وثاني من فسر السفر. كان حارًا بالروح وقد أساءت إليه إيزابل كما سنرى. 2. وصف الرب "هذا يقوله ابن الله الذي له عينان كلهيب نار، ورجلاه مثل النحاس النقي" [18.] إذ تسللت إيزابل بين الشعب تبث سمومها، لهذا يقدم الرب نفسه عينين ملتهبتين حتى يتفطن الراعي لكل صغيرة وكبيرة تمس حياة أولاده، وكرجلين من نحاسٍ حتى يحطم بكل حزم كل شر. يقول ذهبي الفم: [يلزم أن يكون الأسقف حذرًا، له ألف من الأعين حوله، سريع النظر، أعين فكره غير مظلمة.] يلزمه أن يكون متيقظًا جدًا، حارًا في الروح، كما لو كان يستنشق نارًا. يلزمه أن يكون حريصًا على الكل ومهتمًا بالجميع. أما عن الحزم فيقول القديس الدرجي: [من يرعى الخراف يلزمه ألاّ يكون أسدًا ولا نعجة.] 3. حال الكنيسة "أنا عارف أعمالك ومحبتك وخدمتك وإيمانك وصبرك وأن أعمالك الأخيرة أكثر من الأولى" [19]. هنا أيضًا يعرض محاسن الكنيسة الكثيرة وفضائلها ويكشف أنه لا ينسى أعمالها ومحبتها وخدمتها وإيمانها وصبرها ونموها المستمر. والعجيب أنه يضع الأعمال والمحبة والخدمة قبل الإيمان، لأن الله لا يقبل الإيمان النظري الجاف، ولا يميز الإيمان عن الأعمال أو العكس. يعود الرب كعادته فيكشف الضعف قائلاً: "لكن عندي عليك قليل" وما هو هذا القليل؟ "أنك تسيب المرأة إيزابل التي تقول إنها نبيّة، حتى تعلم وتغوي عبيدي، أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان" [20]. ومن هي إيزابل هذه؟ أ. قيل إنها زوجة الأسقف كما جاء في النص اليوناني والسرياني "تسيب امرأتك إيزابل"، إذ اقتفت آثار إيزابل (1 مل 18: 19) مدعية أنها خادمة وهي تبث فكر النيقولاويين. ب. أنها سيدة وثنية ادعت المسيحية، وأظهرت غيرة في العبادة، مما جعل الأسقف يستأمنها على بعض الخدمات في الكنيسة فصارت تفسد وتضلل. ج. إنها سيدة مسيحية غنية، استخدمت غناها ونفوذها في التضليل. د. يرى القديس أبيفانيوس أنها إشارة إلى تلميذات للمبتدع فنتانيوس وأسماؤهن: بريسكلا ومكسيملا وكنتيلا. هـ. إنها إشارة إلى جماعة من المبتدعين وقد دُعيَت إيزابل لمشابهتهم لها في الآتي: أولاً: كما أفسدت إيزابل حكم آخاب، يفسد هؤلاء الأعمال الرعوية ببث الأفكار الغريبة. ثانيًا: أنها كافرة ووثنية في فكرها الداخلي تدفع الآخرين تجاه الشر. ثالثًا: أنها قاتلة للأنبياء وباغضة لهم. رابعًا: تبث روح الزنا، إذ تفسد أذهان البسطاء وتدفعهم للزنا الروحي. 4. العلاج : أ. بالنسبة لإيزابل وعشاقها: "وأعطيتها زمانًا لكي تتوب عن زناها ولم تتب" [21]. يا لطول أناة الله! رغم ما صنعته من شرور في داخل الكنيسة مفسدة أذهان الكثيرين، لكنه كأب يهبها فرصًا للتوبة، وربما أطال في عمرها لعلها في شيخوختها تتفطن للحق لكنها كانت مصرة على الشر. لهذا يؤدبها بالمرض قائلاً: "ها أنا ألقيها في فراش، والذين يزنون معها في ضيقة عظيمة، إن كانوا لا يتوبون عن أعمالهم". ليس لأجلها هي وأولادها بل ولأجل الباقين حتى لا ينحرفوا معها إذ يقول: "وأولادها اقتلهم بالموت، فستعرف جميع الكنائس إني أنا هو الفاحص الكلى والقلوب، وسأعطي كل واحد حسب أعماله" [22-23]. وهذا عربون ما ينالونه في يوم الدينونة كقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" (رو 2: 4-6). ب. بالنسبة للباقين: "ولكنني أقول لكم وللباقين في ثياتيرا". "الواو" قبل "للباقين" ليست للعطف بل للاختصاص، فكأنه يقول "أقول لكم أنتم الباقين في ثياتيرا الذين ليس لهم هذا التعليم" أي لم يسيروا وراء إيزابل. أما قوله "والذين لم يعرفوا أعماق الشيطان كما يقولون" فسببه أن الغنوسيين المبتدعين ادعوا معرفة الأمور الإلهية أكثر من غيرهم، كما نادوا بضرورة اختبار حياة الشر والخير حتى يتعرف الإنسان على أعماق الشيطان. هؤلاء الباقون يحدثهم قائلاً: "إني لا ألقي عليكم ثقلاً آخر. وإنما الذي عندكم تمسكوا به إلى أن أجيء" [24-25]. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إنه لا يقدم لهم شرائع أخرى وواجبات كحمل أثقل. يكفيهم أن يتمسكوا بها عندهم حتى يجيء الرب. إنه بهذا يعلن لهم حبه أنه لا يريد الإثقال عليهم، كما يحثهم على المثابرة إلى النهاية. 5. المكافأة إن مقاومة الأسقف لإيزابل وأتباعها قد يسبب إزعاجًا في الكنيسة، وربما يظن البعض أن مركز الأسقف يهتز، لكن الرب يؤكد العكس قائلاً: "ومن يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية، فسأعطيه سلطانًا على الأمم، فيرعاهم بقضيبٍ من حديدٍ كما تكسر آنية من خزف، كما أخذت أنا أيضًا من عند أبي" [26-27]. هذا السلطان يوهب للأسقف بالرب يسوع الذي خاطبه الآب قائلاً: "اسألني، فأعطيك الأمم ميراثك لترعاهم بقضيب من حديد/ ومثل آنية الفخار تسحقهم" (مز 2). وإذ يقاوم أعمال إيزابل إلى النهاية بغير كلل ولا خوف، يتمتع بالرب يسوع نفسه كوعد الرب "وأعطيه كوكب الصبح" [28] الذي يبدد أعمال إيزابل المظلمة. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [لقد وعد بكوكب الصبح الذي ينزع الليل ويعلن النور، أي بداية النهار.] يكفي لمن يبتر الشر أن يتمتع بربنا يسوع الكوكب المنير (رؤ 22: 16). من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الأصحاح الثانى الآيات (1-7):- "1اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ: «هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ: 2أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ، وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ. 3وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. 4لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. 5فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ. 6وَلكِنْ عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا. 7مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ»." v كَنِيسَةِ أَفَسُسَ v مشكلة هذه الكنيسة نقص المحبة = تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى (المحبوبة تركت محبتها الأولى). v الصورة التى ظهر بها المسيح لهذه الكنيسة = الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ كما تحمل الأم رضيعها فالمسيح يريد أن يقول... حتى وإن نقصت محبتكم لى فمحبتى لكم لن تنقص ولن تبطل، وهذا نوع رقيق من العتاب. الْمَاشِي وَسَطِ = كلمة ماشى تشير أنه لا يكف عن العمل ولا يكل عن خدمة كنائسه (والأصح كنيسته) لذلك لا نخاف فهو دائماً يحملنا ودائماً يمشى وسط كنيسته، وكل هذا فى حب. وهذا الحب الذى نشعر به هو عربون ما سنحصل عليه فى السماء v الوعد لمن يغلب= سَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ = أى أن المسيح يتحد به إتحاداً كاملاً، ويكون له سرحياة أبدية، والإتحاد هو تعبيرعن الحب فى صورته الكاملة، إتحاد عريس بعروسه التى يحبها. المسيح يعطى له نفسه. (راجع تفسير يو15: 9). وفى هذا أيضاً عتاب رقيق لهذه الكنيسة التى تركت محبته. فالله يظهر لها إشتياقه لأن يتم هذا العرس الزيجى (رؤ1:21-3). والأكل يعنى الشبع. ونقص الحب يشير لعدم الشبع. فالمسيح يود لو أن كنيسته تفهم أنه هو وحده سر الشبع ووحده فيه الشبع. فالعالم ليس فيه شبع، بل من يشرب منه يعطش والقلب الفاتر فى محبته هو قلب جائع، لذلك يحتاج إلى الشبع من الرب شجرة الحياة. هذا يبدأ هنا على الأرض ولكنه يكمل فى السماء. فيبدأ الإنسان فى التلذذ بمعرفة الله هنا، وتكمل هذه اللذة فى السماء، فالحياة الأبدية هى معرفة الله (يو 3:17). المحبة نوعان 1) أن أحب الله 2) أن أشعر بمحبة الله 1) أن أحب الله:- ونلاحظ أن موسى يطلب منا بوحى من الروح القدس أن نحب الله من كل القلب والنفس والقوة (تث 4:6) وهل يمكن لإنسان أن يطلب من إنسان آخر أن يحبه؟ بالقطع لا. فكرامته ستمنعه. ولكن الله فعلها وطلب منا أن نحبه فلماذا؟ نلاحظ أن الله خلق آدم فى جنة عدن وكلمة عدن معناها فرح وإبتهاج. وهذا معناه أن آدم كان فى فرح حينما كان فى الجنة لماذا؟ لأن قلبه كان مملوءاً من محبة الله، فهو مخلوق على صورة الله والله محبة. وكما أن لذات الله فى بنى آدم (أم 31:8) هكذا كانت لذات آدم فى الله. فالمحبة لله تسبب فرح حقيقى فى القلب. أما حينما سقط آدم فلقد تحولت شهوته للعالم ففقد فرحه، لذلك يطلب الله أن نحبه ليس لأنه يحتاج لمحبتنا، بل لكى نحيا فى فرح. كما نقول فى القداس الغريغورى " لست أنت المحتاج إلى عبوديتى بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك" ولذلك نجد أن تجديد خلقتنا يتم بالروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو 5:5) فنستعيد الحالة الفردوسية الأولى لذلك نجد ثمار الروح القدس، محبة وفرح.. هو الفرح الناشىء عن المحبة أما أى محبة غريبة للعالم وشهواته فهى تسبب حزناً وعبودية ومذلة، ومن يشرب من هذا الماء يعطش. 2) أن أشعر بمحبة الله:- كما قال بولس الرسول أن محبة المسيح تحصرنا (2 كو 14:5) وكل من إكتشف محبة الله هذه سيشعر بالرضا عن كل شىء فى حياته. فمن أحبنى ومات لأجلى ومحبته تحصرنى، كيف لا يعطينى أفضل شىء. ولكن الله يعطى لأولاده أفضل شىء يقودهم لخلاص نفوسهم (رو 28،32:8) + (1 كو 22:3). ما هى علامات المحبة لله 1. أن يغصب الإنسان نفسه على وصاياه فهذا علامة حب (يو 23:14). 2. عدم التذمرعلى أى شىء، فالتسليم علامة حب وثقة فى الله. 3. محبة الإخوة حتى لو كانوا أعداء، فمحبة القريب علامة على محبة الله 4. الإشتياق: فالذى يحب الله يشتاق لله (مز 1:63) + (مز 2:84) + (مز 2،1:42) يشتاق للصلاة ودراسة الكتاب والقداسات والتسابيح والإجتماعات. العلاقة بينى وبين الله هى علاقة عروس وعريسها الذى تشتاق إليه. مشكلة كنيسة أفسس أنه كان لهم علاقة حب قوية مع الله وحدث فتور لهذه العلاقة. وهذا يحزن قلب الله، فهو قد إعتاد على وقوفهم أمامه وعلى علاقة الحب التى ربطتهم به. ثم دخل الفتور وربما إنقطعت هذه العلاقة. هذا مثل إنسان عاش فترة من حياته فى صلوات وميطانيات وتناول وخدمة وتسبحة، ثم يدخل الفتور لحياة هذا الشخص وتنقطع الصلوات أو تقل ولا يعود يقف أمام الله. والله يحزن ويتساءل وأين محبة الماضى. ولاحظ عتاب الله الرقيق عِنْدِي عَلَيْكَ وكان هذا بعد أن مدحه أولاً. وهناك بعض الدول يوجد بها إباحية جنسية والطعام متوفر فيها جداً. ولكن يوجد بها أعلى نسبة إنتحار وأعلى نسبة تردد على الأطباء النفسانيين مع أنهم لا ينقصهم شىء. والسبب أن الإنسان أشبع جسده ونفسه أى عواطفه لكن هناك عنصر لم يشبع وهو الروح وهذه لا يشبعها سوى الله والعكس فإن أشبع الله الروح يشبع الجسد وتشبع العاطفة. ففى معجزة إشباع الجموع (مر2:8) إستمر الناس مع المسيح 3 أيام دون أن يشعروا بالجوع. يُحكى عن الأنبا أنطونيوس أنه كان يجلس مع تلاميذه ليجيب على أسئلتهم. ولاحظ أن أحد التلاميذ لا يسأله بل يحملق فى وجهه، ولما سأله الأنبا أنطونيوس "أليس لك سؤال يا إبنى" قال هذا التلميذ "يكفينى أن أنظر إلى وجهك فأشبع". فإن كان وجه الأنبا أنطونيوس يُشبع هكذا فكم وكم وجه المسيح. وهذا يفسر بقاء الأباء السواح عشرات السنين دون طعام سوى بعض الأعشاب. وهذا ضد كل قوانين الغذاء التى نعرفها فمن تشبع روحه تشبع بطنه. والمسيح القادر أن يشبع البطون قادر أن يشبع النفوس أيضاً أى العواطف، وإلا كيف يعيش الرهبان والراهبات دون عواطف بشرية إن لم يشبعهم الله. كثيراً ما يتوهم الشاب أو الفتاة أن إشباع حاجاتهم النفسية يكون عن طريق الإرتباطات العاطفية وأن هذه ستعطيهم السعادة، ولكنهم بذلك يهدرون أوقاتهم وعواطفهم فيما لا يفيد. ولنلاحظ أن فترة عدم الإرتباط هى فترة يجب فيها على الشاب أو الفتاة أن يكرسا فيها عواطفهم لله بالكامل فيعطيهم الله فرحاً لا ينزع منهم (يو22:16). ومشكلة كنيسة أفسس أنها لم تفهم ذلك ولجأت إلى البحث عن الحب بعيداً عن الله. إن من يفعل ذلك ويترك محبة الله ، هذا يكون قد بدا له أن حب الله لا يستحق كل القلب فبدأ يشرك مع الله آخرين. ولكن مثل هذا الشخص لم يُدرك أن الله لا يقبل أن يكون القلب منقسماً بينه وبين العالم. ومع إنقسام القلب يبدأ حب الله فى الفتور لأن الإنسان إنشغل بالعالم ويكون هذا على حساب :- 1) سكنى المسيح فى القلب 2) حياة الفرح لذلك قال المسيح لهذا الأسقف الذى نقصت محبته تُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ = فالمسيحية هى علاقة حب وإن لم يوجد الحب لا توجد مسيحية. والوصية الأعظم " حب الرب إلهك من كل قلبك وحب قريبك..." فمن يترك طريق الحب ويختار طريق الأرضيات. فهو يختار طريق الموت. وقول الرب آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ أى آتى لك أنت بصفة خاصة وأدينك فلا تستمر كمنارة مضيئة، لأنه إن لم يوجد الحب فى القلب فالمسيح لا يسكن عند هذا الإنسان أو هذه الكنيسة وبالتالى تفقد مكانها كمنارة مضيئة... فتُبْ = إذاً نقص المحبة يحتاج إلى توبة فهى خطية عظيمة تستوجب أن يزحزح المسيح الكنيسة أى يستغنى عنها. فمن إستغنى عن الله يستغنى الله عنه. وبعض الأشخاص يأتون فى الإعتراف ويقولون نحن بلا خطية، فنحن لا نزنى ولا نسرق ولا نقتل. وهؤلاء لا يدرون أن نقص المحبة خطية عظيمة تستوجب الإعتراف بها والتوبة عنها. وهى السبب الأساسى فى حالة عدم الفرح التى يعانى منها الكثيرين. وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى = أى التى كنت تعملها بمحبة أى بغيرة ونشاط وحرارة. وما قيل هنا عن زحزحة المنارة قد تحقق تاريخياً. فأفسس فى تركيا التى لا يوجد بها مسيحيون الآن. فالمنارة إذ قد تزحزحت ومعها كل الكنائس السبع. أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ = بطريقة رقيقة وقبل أن يعاقب المسيح ملاك كنيسة أفسس أى أسقفها يعلن له أنه يعرف أعماله وتعبه وخدمته وصبره فى الضيقات والإضطهادات والظروف الصعبة التى يمر بها. مبدأ روحى هام:- حذارى من أن تقف أمام الله فى ضيقتك وتقول له أذكر يا رب أننى عملت كذا وكذا أو أننى صليت وصمت لك وخدمتك فالله يعرف ولا يريد من أحد أن يذكره فإن ذكرنا الله بأعمالنا لنطلب ثمناً عنها فهذه ليست روح البنين بل روح العبيد أو قل أنها الفريسية اليهودية. ولنذكر أن الله لا ينسى كأس ماء بارد نقدمه. والطريقة الصحيحة التى أقترب بها من الله هى أننى أشعر أننى غير مستحق، بل أننى خاطىء جداً لا أطلب سوى الرحمة، لذلك تعلمنا الكنيسة أن نصلى دائماً " يا رب إرحم " فالكاهن يصلى مثلاً " إذكر يا رب الزروع والعشب " ويرد الشعب " يا رب إرحم " أى أننا غير مستحقين أن تذكرنا ولكننا نطلب مراحمك ومن يفكر هكذا لو أتت عليه تجربة صعبة لا يقول " أذكر يا رب أصوامى... بل يقول أنا أستحق هذه التجربة من أجل خطاياى الكثيرة. مثل هذا حينما يطلب مراحم الله ويعترف بخطاياه يتبرر بدم المسيح. مثل هذا الإنسان إن جاءت إليه بركات من الله يقول " أنا غير مستحق ويردد مع بطرس " أخرج يا رب من سفينتى فأنا رجل خاطىء". لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ = لغيرته على مجد الله لا يستطيع أن يهادن الأشرار لشرهم، بل يرفضهم لأنهم كاذبين إدعوا أنهم رسل = الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ = هو إختبرهم وإكتشف أن تعاليمهم مزيفة وأنهم ليسوا رسلاً وربما كانوا يدعون للغنوسية أو من المتهودين. وَلَمْ تَكِلَّ = الكلل يأتى من طول المضايقات لزمن طويل. وَلكِنْ عِنْدَكَ أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ = بدأ السيد يُلاطف ملاك أفسس ثانية ليشجعه. ونيقولاوس هذا أحد الشمامسة السبع، وكما أن أحد الإثنى عشر وهو يهوذا كان شيطاناً، هكذا كان أحد الشمامسة. ونيقولاوس هذا كان له نظرية إباحية وأباح الزنا حتى مع زوجته. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ = هذا الأسلوب الرقيق يجب أن نتعلمه من المسيح، فإذا أردت أن أعاتب أحداً فليكن هذا سراً، بينى وبينه وحدنا. وأبدأ بأن أتحدث عن إيجابياته ثم أعاتبه على سلبياته برقة ودون جرح لمشاعره. اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ= كل إنسان يعرف بداية سقوطه ودخوله فى الفتور. وهل كانت البداية كسل وتراخٍ أم كبرياء وشعور بعدم الحاجة . مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ = من يود الإنصات لصوت الله فليسمع للروح القدس المتحدث للكنائس جميعها. والسمع معناه أن نصغى ونميز ونطيع. نميز صوت الله من وسط أصوات العالم والشيطان والذات، ثم نخضع بإرادتنا لما سمعناه. وهناك من لهم أذان ولكنهم لا يسمعون وذلك لأن الخطية تملأ قلوبهم. أما أنقياء القلب فيستطيعون أن يسمعوا بأذن القلب الداخلية. تأمل:- لاحظ أن الله هو الذى بدأ بعتاب هذا الملاك الذى قَلَتْ محبته وهكذا يفعل الله دائماً معنا، فى عظة نسمع فيها كلمة مؤثرة، أو بعطية غير منتظرة نشعر فيها بمحبة الله قائلاً أنت تركت محبتى لكننى أنا أحبك. أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ = هى قول مخيف لأنه يعرف أيضاً أعمالى الشريرة كيف تزداد محبتى لله؟ البداية تكون بان يغصب الإنسان نفسه على الصلوات والتسابيح أى عشرة الله لأطول فترة ممكنة. وعلى طاعة الوصية " إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى (يو 10:15). الآيات (8-11):- "8وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا:«هذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ: 9أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضَيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ. وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ. 10لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ. 11مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي»." كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا مشكلة هذه الكنيسة = أنها تعانى من إضطهاد حالى ومقبلة على فترة إضطهاد طويلة. إضطهدها اليهود أولاً = وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ ويضطهدها الرومان بدأ هذا على يد نيرون والآن على يد دومتيانوس. والله يخبرهم أن هذا الإضطهاد سيمتد لفترة طويلة على يد عشرة أباطرة. ولكن قالها لهم بأسلوب شفرى = َيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ= فاليوم هنا هو فترة حكم أحد الأباطرة العشرة. وهذا ما حدث تاريخياً. فلقد بدأ الإضطهاد الرومانى ضد الكنيسة المسيحية على يد نيرون وإنتهى على يد دقلديانوس وتولى بينهما عدد من الأباطرة الذين إضطهدوا المسيحية، وكان عددهم عشرة. ومن محبة الله وفضله أنه يعرفنا ما سيحدث لنا فالله يود لو كشف أسراره لأولاده (تك17:18). وهكذا فسفر الرؤيا ملىء بالرموز التى يكشف فيها الله لنا أموراً كثيرة ولكننا سنعرفها فى حينه، بحيث لن يعرف أحد تفسيرها قبل أن تبدأ فى الحدوث. إذاً مشكلة هذه الكنيسة أنهم يموتون وسيموتون فى المستقبل خلال فترات إضطهاد عنيفة. الصورة التى ظهر بها المسيح لهذه الكنيسة:- الأَوَّلُ وَالآخِرُ والحي الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ وهذه الصورة تناسب هذه الكنيسة المقبلة على الموت. فما يعزيهم أن الله وهو الأول والآخر إذ تجسد قد واجه الموت. لكن كان ذلك لحسابهم فهو عاش أى قام بعد أن كان ميتاً ليقيمنا معه..... القيامة الأولى هنا من موت الخطية. ومَنْ يَغْلِبُ له وعد أن لاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي = أى تكون له القيامة الثانية. إذاً فالوعد هو إمتداد للصورة التى ظهر بها السيد المسيح. وهذا تنفيذاً لما قاله السيد المسيح فى (يو 25:5-29) وقوله الأَوَّلُ وَالآخِرُ = تعنى أنه يضم خليقته كلها سواء أحياء بالجسد على الأرض أو كأرواح تحيا وتنعم فى الفردوس وهو الأول والآخر الذى لا يسمح بشىء إلا ما فيه الخير لأحبائه. وكَانَ مَيْتًا فَعَاشَ فإن كان قد مات لأجلنا فكيف لا نحتمل الموت لأجله. المسيح يريد أن يقول : هل أنت خائف من الموت المجهول بالنسبة لك..... لا تخف فأنا جزت فيه قبلك وأعرفه. إن المسيحى الحقيقى لا يخاف الموت أبداً بل يشتهيه لأنه بداية الحياة الحقيقية فى أفراح السماء. وحتى إذا جاء عصر إستشهاد فلقد قال السيد المسيح "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد بل خافوا من الذى له سلطان أن يلقى فى جهنم". فالذهاب إلى جهنم هو الموت الثانى. فيجب أن أحيا خائفاً من أن أغضب الله وليس خائفاً من الموت الأول، ومن يعيش خائفاً الله يكون له إكليل حياة. والسيد المسيح بدل وغير مفهوم الموت، فقال عن الموت الجسدى أنه نوم إذ تعقبه قيامة "لعازر حبيبنا قد نام" فبعد كل نوم هناك إستيقاظ. وهكذا قال عن إبنة يايرس أنها نائمة. ولكنه فى مثل الإبن الضال فقد إعتبر أن رجوعه وتوبته هى أنه كان ميتاً فعاش. فنفهم أن الموت هو حياة الخطية. ولنتأمل فيما قاله بولس الرسول " إنى محصور بين الإثنين لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً ولكن أن أبقى فى الجسد الزم من أجلكم (فى24،23:1). فالإنسان المسيحى مخلوق من أجل أعمال صالحة ليؤديها (أف 10:2) ومن ينهى أعماله ينطلق لمكان الراحة. ولنأخذ مثالاً على هذا:- فهيرودس قتل يعقوب بالسيف (أع 2،1:12) وأراد قتل بطرس ليرضى اليهود فأنقذ الملاك بطرس (أع 17،3:12) فلماذا أرسل الله ملاكاً لبطرس ولم يرسل ملاكاً ليعقوب ؟! هذا لأن يعقوب كان قد أنهى عمله أما بطرس فكان لا يزال أمامه أعمال يجب أن يتممها. وكما أن الله ظل يعمل ستة أيام ثم إستراح هكذا كل منا يعمل فى فترة حياته التى تناظر الستة أيام ثم يذهب إلى الراحة. فنحن إذاً غرباء فى هذه الأرض جئنا لنتمم رسالة ثم نذهب للراحة، وذلك بواسطة الموت. وقد يكون الموت موتاً طبيعياً أو إستشهاد فالموت وسيلة أياً كانت طريقته للذهاب إلى الراحة. ولنلاحظ أننا لا يمكن لنا أن نحدد الوقت المناسب لكى ننطلق للراحة:- 1. نحن لا نعلم متى نتمم العمل الذى خلقنا لأجله... الله وحده يعلم. 2. لو أخترنا أن نموت الآن فربما كان الأفضل أن نعيش فترة أخرى نتوب فيها. 3. ولو إخترنا أن نؤجل موتنا فلربما نخطىء أكثر وتضيع أبديتنا. ولا يمكن لنا أن نحدد الطريقة التى نموت بها فهناك من ينتقل فجأة وهناك من ينتقل بعد مرض طويل خطير يكون عالماً فيه بمصيره المحتوم. وهذا الأخير تكون له فرصة تقديم توبة أما من يموت فجأة فليس له نفس الفرصة. لكن هناك من لو أصابتهم أمراض خطيرة يتذمرون على الله ويخسرون بسبب المرض خلاص نفوسهم، هؤلاء يكون الموت الفجائى أفضل لهم. هناك من يموت شاباً وهناك من يموت شيخاً... ماذا نختار؟ الخلاصة نحن لا نعلم متى ننهى عملنا الذى خلقنا لأجله، ولا نعلم الوقت الذى نكون مستعدين فيه ولا الطريقة التى نغادر بها هذا العالم. الله وحده يعلم فلنسلم له الأمر. حزقيال الملك أطال الله عمره 15 سنة ولكنه فى هذه الفترة أنجب أشر ملوك إسرائيل وهو منسى بل خلال هذه الفترة أخطأ هو خطأ جسيماً وما يعزينا أننا نثق أن الله فى محبته لأولاده ينقلهم فى أحسن حالاتهم ، بعد ان يتم الله تنقيتهم . فهو فاحص القلوب والكلى. إن كانت كنيسة أفسس تشير لكنيسة الرسل التى نشرت الكرازة فى العالم فصارت محبوبة لدى المسيح فكنيسة سميرنا بمعنى المر تشير لعصر الإستشهاد. ونلاحظ أن هذه الكنيسة هى الكنيسة الوحيدة التى لا يعاقبها المسيح فالضيق والإستشهاد ينقيان الكنيسة، وتاريخياً فعصور الإستشهاد هى أزهى عصور الكنيسة التى إمتدت فيها الكنيسة و نمت. و كما يقول بطرس الرسول من تألم فى الجسد كف عن الخطية (1بط1:4) لذلك لا عتاب هنا لا للرعية ولا للأسقف. أَنَا عْارِفُ أَعْمَالَكَ = الله يطمئنهم بأنه عارف ثمر إيمانهم المتكاثر لحساب مجد الله وَضَيْقَتَكَ = التى عانى منها بسبب الإضطهاد. وَفَقْرَكَ = لأنهم صادروا أموالكم فالله يطمئنهم أنه مهتم بألامهم ويعرف كل شىء. وأَعْمَالَكَ = تشير لخدمة الأسقف ورعايته واليهود بدأوا بمصادرة أموالهم ثم عملت الدولة الرومانية نفس الشىء بعد ذلك . مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ = فى إيمانك وفضائلك (راجع (عب24:10) + (يع5:2) + (2كو10:6)). وَلَيْسُوا يَهُودً = يقال أن يهود سميرنا عبدوا الإمبراطور فى الظاهر ليظهروا ولاءهم له فيضرب المسيحيين إذ حرض هؤلاء اليهود الإمبراطور ضد المسيحيين. وهؤلاء ليسوا يهود. فاليهود هم أبناء إبراهيم ليس فقط بالجسد بل بحسب الإيمان. وهم لم يفهموا لكبريائهم نبوات كتبهم عن المسيح فصلبوا المسيح، ومازالوا حتى الآن يرفضونه ويجدفون عليه. بل بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ = الله لا يوجد فى مجمعهم يقودهم ويرشدهم بل الشيطان يقود عقولهم لكبرياء قلوبهم. لاَ تَخَفِ = ولم يقل له لن تتألم بل أنت تألمت وستتألم حتى لا يفاجئه الألم الآتى. لِكَيْ تُجَرَّبُوا = التجربة تعطى للمؤمن تزكية أى تنقية. مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ = الروح يدعو للتوبة ويشجع على إحتمال الضيقات. مَنْ يَغْلِبُ = يغلب تخويف الشيطان بدفعنا لنحب الحياة فنهرب من الإستشهاد. الْمَوْتُ الثَّانِي = الهلاك الأبدى فى إنفصال نهائى عن الله. بوليكربوس:- هو أشهر أساقفة سميرنا وربما كان هو الأسقف المقصود هنا. وكان تلميذاً للقديس يوحنا الحبيب. عذبوه وهو شيخ. هو سلم نفسه للإستشهاد وإذ أرادوا حرقه دخل النار بإرادته دون أن يقيدوه فأطفأ الله النار وخرجت روائح عطرة من النار فضربه أحد الجنود بسيفه فإستشهد. له قول جميل: فإذ طلب إليه تلاميذه أن ينكر إيمانه حتى لا يستشهد قال "المسيح الذى عاشرته 86 سنة ولم أرى منه شيئاً ردياً كيف أتركه الآن". ما بين كنيسة برغامس وكنيسة ثياتيرا للوهلة الأولى نجد أن المشكلة فى كنيسة برغامس هى نفس مشكلة كنيسة ثياتيرا ولكن بالتدقيق نلمح فرقاً مهماً. ففى برغامس: قال "أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا.... قوم متمسكون بتعاليم النيقولاويين" أما فى ثياتيرا : فقال "أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان.... يعرفوا أعماق الشيطان". برغامس : تشير تاريخياً لفترة ضعفت فيها الكنيسة لأنها بدأت تعتمد على الإمبراطور. وبدأ الأباطرة يرأسون المجامع. وبدأ الأساقفة يحلون مشاكلهم عن طريق الإمبراطور. وبدأت الكنيسة تخاف من الإمبراطور ( أما فى كنيسة سميرنا فكانوا لا يخافون الموت إيماناً منهم بالله فلم توجد وسطهم أى خطية يلومهم الله بسببها). وهنا فى برغامس إذ حدث هذا الإقتران بين الدولة والكنيسة ، صار للكنيسة إله آخر غير الله تعتمد عليه الكنيسة وتستعين به. فضعفت الكنيسة، فهذا زنا روحى. لذلك ذكر الأكل مما ذبح للأوثان أولاً ثم قال ويزنوا إشارة للزنا الروحى ونتيجة لهذا الضعف دخل الإنحلال أى تعاليم النيقولاويين (الإباحية). وفى ثياتيرا إزداد الضعف بالأكثر. فإنتشرت البدع والتعاليم الفاسدة فصار تعليم الزنا الجسدى أو ممارسة الزنا منتشراً (لقد ساءت الامور عن الوضع الذى كان فى برغامس). لذلك بدأ بقوله أن يزنوا. ونتيجة ممارسة الزنا تطوحوا ليقعوا فى يد الشيطان. ويزداد الفجور وتصل الأمور لتعليم إيزابيل أن عليهم أن يعرفوا أعماق الشيطان أى فليجربوا أعماق الخطية ليكرهوا الخطية، وهو تعليم فاسد فكراهية الخطية تأتى بالإبتعاد عنها وليس بممارسة أعماقها. فالأكل مما ذبح للأوثان فى برغامس يشير لاشراك الاباطرة فى امور الكنيسة ، ويشير الاعتماد على الاباطرة لعبادة الأوثان والخوف منهم وطاعتهم حتى فيما هو خطأ والاستعانة بهم لمصالحهم. أما الأكل مما ذبح للأوثان فى ثياتيرا هو وقوعهم فى يد الشيطان نتيجة ممارستهم الزنا، فدخلوا لهياكل الأوثان فعلا واكلوا. لقد صار لهم رباطات مع الشياطين فدخلوا لأعماق الشر. الآيات (12-17):- "12وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ:«هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ: 13أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، وَأَيْنَ تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ الَّذِي قُتِلَ عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ. 14وَلكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا. 15هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّذِي أُبْغِضُهُ. 16فَتُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي. 17مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ»." كنيسة برغامس تاريخياً كنيسة برغامس تأتى فى الترتيب تالية لكنيسة سميرنا التى كانت تشير لفترة الإضطهادات التى إنتهت بموت الملك دقلديانوس ومجىء الملك قسطنطين. ولكن ما حدث بعد ذلك أن الأباطرة آمنوا وصاروا مسيحيين، وحدث نوع من التقارب بين الأباطرة والكنيسة، فصارت الكنيسة تدعم الإمبراطور وللأسف صارت تعتمد عليه فى بعض الأحيان، بل صار الأباطرة يفرضون رأيهم على الكنيسة. وحين تأثر الأباطرة بأراء الهراطقة تسللت للكنيسة أراء هؤلاء الهراطقة بضغوط من الأباطرة وخطأ الكنيسة هنا أنها:- 1. إعتمدت على الأباطرة، وملعون من إتكل على ذراع بشر، وإذا إعتمدنا على أحد سوى الله تفسد العلاقة بيننا وبين الله، فالمتكلين على غير الله يصعب دخولهم ملكوت السموات كجمل من ثقب إبرة (مر23:10-25). 2. سمحت للأباطرة بالتدخل بل رأس بعض الأباطرة مجامع. وسمحت للأراء الهرطوقية أن تتسلل. وواجب الكنيسة أن تحفظ الإيمان المسلم مرة للقديسيين (يه 3) وتحفظه نقياً كما تسلمته بدون أى تغيير. إذاً مشكلة هذه الكنيسة أنها فتحت أبوابها لهرطقات وبدع كثيرة. فهُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ = وهذا أشار على ملك موآب بأن يسقط بنى إسرائيل فى خطية الزنا، ويبخروا للأوثان فيلعنهم الله. وهناك قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ. حقاً إن الأسقف نفسه متمسك بإيمانه = وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي. ولكن هذا لا يكفى فواجب الأسقف أن يحارب الهرطقات والبدع مستخدماً كلمة الله فى الكتاب المقدس. لقد إهتزت علاقة الأسقف بالله إذ إعتمد على الإمبراطور، فكان هذا كعبادة الأوثان، وبدأت حالة الشعب فى الضعف الروحى، وبالتالى دخلت الخطايا كالزنا والإباحية. والحالة تردت أكثر جدا فى ثياتيرا . وقد يبدو أن الأسقف برىء ولكن قوله آتِيكَ وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي لا يعنى فقط أن الله سيحارب الهراطقة، بل هو سيأتى للأسقف ويحاسبه على تقصيره فى خدمته لأنه يقول له آتِيكَ. والصورة التى ظهر بها المسيح لهذا الأسقف. الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ = والسيف يشير لكلمة الله (عب 12:4) وحدا السيف هما:- 1. الحد الأول :- ينقى من يسمع كلمة الله " أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذى كلمتكم به (يو 3:15). وكلمة الله تلدنا ثانية (1 بط 23:1). فكلمة الله لها القدرة أن تميت فينا شهواتنا وأهوائنا فنتنقى كمن ولدوا جديداً هى كمشرط الجراح الذى يزيل به ورماً خبيثاً فيولد الإنسان من جديد. 2. الحد الثانى:- من يرفض ويقاوم كلمة الله بدلاً من أن يخضع لها ، يحاربه الله بسيف فمه (رؤ 16:2) فكلمة الله تدين وتحكم على المعاند (يو 48:12). وإذا حارب الله إنساناً فكيف يصمد؟! إذاً من يسمع كلمة الله ويتوب يحيا ومن يرفض التوبة يدينه الله ويموت (يو 25:5) ومعنى الصورة التى ظهر بها الله للأسقف أن الله مستعد أن يضع على فمه كلمته التى يرد بها الأسقف على الهراطقة، والله مستعد أيضاً أن يحاربهم ويدينهم فلماذا الخوف من الهراطقة ؟ على الكنيسة أن تعلن كلمة الحق ولا تخاف من شعبية هؤلاء الهراطقة ولا من قوة الإمبراطور. بل تعتمد إعتماداً كاملاً على الله الذى يدافع عن كنيسته وعن إيمانها. تطبيق من الكتاب المقدس :- لقد إستعمل الله مع فرعون الحد الأول لكلمته وكان يرسل مع موسى كلماته. وكان فرعون يتأثر لفترة قليلة ولكنه يعود لقسوته، ولما عاند ورفض كلمة الله وإنذاراته حاربه الله بالحد الثانى " انتم تصمتون والرب يدافع عنكم " وغرق فرعون إذ حاربهم الله. كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ = بسبب إنتشار عبادة الأوثان وما يصاحبها من زنا. وحيث إنتشر إضطهاد المسيحيين وإنتشرت الهرطقات الكثيرة. أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ = معناه الإشتراك الدينى الوثنى فى ولائم الأوثان وكانت ضلالة بلعام شاملة للزنا ولعبادة الأوثان، فبنات موآب أغوين الشعب على الزنا وعبادة آلهتهن الوثنية. وكانت مشورة بلعام لبالاق ملك موآب أن يجعل بنى إسرائيل يزنون ليلعنهم الله، وكان هذا ليأخذ الأموال من بالاق، لأنه لم يستطع هو أن يلعنهم لأن الله باركهم وبلعام يرمز لكل خادم يبرر الخطية طمعاً فى الربح. وغالبا فهى ترمز هنا لإشراك الاباطرة فى ابداء ارائهم فى المشاكل اللاهوتية (اكل مما ذبح للأوثان) ففرض الامبراطور ما يراه من هرطقات على الأساقفة، والبعض قبلوا فهم عليهم دين للامبراطور الذى استعانوا به قبلا (زنا روحى). لقد كثرت البدع فى هذه الكنيسة والمسيح كان على إستعداد لمعاونة أسقفها: 1. إما بتأييده بكلمته التى تفحم الهراطقة (حد السيف الأول). 2. أو يحاربهم بسيف غضبه وإنتقامه (حد السيف الثانى). ملاحظة هامة:- لم نسمع عن هرطقات ولا مشاكل فى كنيسة سميرنا المتألمة. لكن سمعنا عنها بكثرة هنا فى كنيسة تعيش فترة راحة. وهذه هى مشاكل الراحة. لذلك علينا أن نسهر دائما مصلين ومنتبهين ومسبحين حتى فى أوقات الراحة حيث لا آلام ولا تجارب، فإذا أتت التجارب لا نفشل. الوعد لمن يغلب:أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى = الْمَنِّ إشارة لجسد المسيح(يو48،32،31:6-51) ولكن هل هناك تناول فى السماء كما يحدث الآن على الأرض؟ قطعاً لا. فالله أعطانا أن نتناول من جسده ودمه غفراناً لخطايانا التى نرتكبها. وفى السماء لا توجد خطايا فلا داعى للتناول ويصير معنى الأكل من المن المخفى هو الشبع بالله وذلك لإنكشاف طبيعة الله للإنسان حين نراه وجهاً لوجه، نعرفه كما عرفناه (1كو12:13) وهذه هى الحياة الأبدية أن نعرفه (يو3:17). والتناول الآن يفتح أعيننا على معرفة المسيح كما إنفتحت أعين تلميذى عمواس حين كسر الخبز أمامهم. وحين تنفتح أعين الأسقف أو أعيننا 1. لا نعود ننخدع بخداعات الهراطقة. 2. لا نعود نتكل على أحد سوى المسيح إذ عرفنا قدرته وقوته. ومن يغلب ولا ينخدع نكون مكافأته أن يرى المسيح فى مجده (1كو12:13). وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ = كان القاضى يعطى المتهم حصاة بيضاء إذا إتضحت براءته، أما المحكوم عليه فيعطونه حصاة سوداء والمعنى أن هذه الأسقف سيبرره الله لو قام بواجبه تماما. وبالنسبة لنا لن يدخل السماء سوى من يغلب ويتبرر الشكل : سيف ذو حدين الوعد حد ينقى ويعلم فنشبع من الله ç من = شبع كامل لإنكشاف طبيعة الله. حد يحكم بقضاء عاجل أما لو غلبç حصاة بيضاء أى يتبرر. وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ = الأسْمٌ يشير للشخصية. فإذا قلنا يهوذا نتذكر الخيانة وإذا قلنا يوحنا نتذكر الحب وحين يقول المسيح للآب سأعرفهم إسمك (يو 26:17) يقصد أنه سيكشف لنا عن شخص الآب وطبيعته ومحبته فالله محبة، وعن قدرته وقوته وعظمته. ومن يغلب أعطيه إسم جديد أى شخصية جديدة غير شخصيته الحالية. فمهما كان فينا من عيوب الآن فكل هذا سيتغير فى السماء وتكون لنا شخصية جديدة وكيان جديد بلا عيوب ولن يعرف هذا التغيير الجذرى فى طبيعة الشخص سوى الشخص نفسه (1كو 11:2) + (2 كو 18:3) إذا فلنحفظ إيماننا بلا شوائب ولنثبت فى إيماننا المسلم لنا دون تغيير حرف أو نقطة من هذا الإيمان لكى نغلب ونرى المسيح فى مجده ويكون لنا الإسم الجديد والتبرير ونرث السماء وهذه موجهة لهذا الأسقف الخائف فالله يعده بحياة جديدة وشخصية جديدة على الأرض وفى السماء. وما نأخذه على الأرض هو عربون ما سنحصل عليه فى السماء. وبنفس المفهوم نعطى للأسقف أو الكاهن أو الراهب وأيضا المعمد إسما جديدا رمزا لحياتهم الجديدة. مَنْ يَغْلِبُ = يسمى برغامس كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ حيث الشيطان يسكن. فالشيطان له نفوذ صعب فى هذه الكنيسة من زنا وهرطقات وتدخل وتأثير الإمبراطور والمسيح يطلب من الأسقف أن يتوب عن تهاونه = فَتُبْ. فحياتنا وحياة كل خادم فى الكنيسة حتى الأساقفة هى حياة جهاد، وهناك من يغلب وهناك من ينهزم. والسماء تراقب جهادنا ويفرحون بمن يغلب، والله لا يكتفى بأن يفرح بمن يجاهد بل يعطى قوة ومعونة لنغلب (رو 26:8) + (فى 13:4). أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ = كان يكرز بأمانة فى برغامس الممتلئة من فعل ونفوذ الشيطان حيث دعاها كرسى الشيطان. وإذ إنتصر أنتيباس على الشيطان فى مواقع كثيرة كالكرازة والطرد من أجساد البشر، هيج عليه الشيطان الوثنيون فطرحوه فى إناء نحاس وأشعلوا تحته النار حتى مات وهذا يدل على إمكانية وجود أمناء حتى الموت للرب حتى فى كرسى الشيطان حيث الشيطان يصول ويجول، ويعمل مع الهراطقة ليفسدوا الإيمان الصحيح. والمسيح يعاتب هذه الكنيسة إذ تراخت فى مقاومة هؤلاء معلنا أنه له السيف ذو الحدين القادر على مقاومة هؤلاء فلماذا الخوف. وكان أنتيباس أسقفاً على برغامس وكان مشهورا بكرازته وبإخراج الأرواح النجسة. ولما إستشهد جاء بعده من لم يكن على نفس الدرجة من القوة، ربما بسبب الخوف فوجه له السيد هذه الرسالة وذكره بمن قبله أى أنتيباس ليكون أنتيباس قدوة له. ويكون بلا عذر إذ غلب أنتيباس فى نفس الظروف. وبالنسبة لنا فأنتيباس غلب وهو يسكن حيث كرسى الشيطان ونحن ما زلنا نقدم أعذار لأن الجو المحيط بنا معثر. شَهِيدِي = هى نفس كلمة شاهد. فالشاهد هو من يشهد للمسيح أما الشهيد فهو من يشهد للمسيح حتى الموت حتى سفك الدم، بسبب إيمانه بالمسيح. الآيات (18-29):- "18وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي ثَيَاتِيرَا: «هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ: 19أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى. 20لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ. 21وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ. 22هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ، وَالَّذِينَ يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. 23وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. 24وَلكِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ وَلِلْبَاقِينَ فِي ثَيَاتِيرَا، كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا التَّعْلِيمُ، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، 25وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ أَجِيءَ. 26وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، 27فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي، 28وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ. 29مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ»." كنيسة ثياتيرا معنى كلمة ثياتيرا هو مسرح أو تمثيلية. وسنلاحظ أن شعب ثياتيرا يتظاهرون بالتقوى والقلب مبتعد بعيدا عن الله وفى هذا ينطبق اسم ثياتيرا على حال شعبها. ونلاحظ أن هذه الكنيسة أتت بعد برغامس (حيث إعتمدت الكنيسة على الدولة فبدأت تضعف ودخلها خطية الزنا). وكان نتيجة أن الكنيسة إعتمدت على قوة غير الله أن فقدت الكنيسة قوتها وتحولت عبادتها إلى مظهريات وهذا معنى كلمة ثياتيرا وفى وسط هذا الجو يسهل أن تجد الهرطقات من يسير وراءها. فالناس فى المسارح يحبون ما هو جديد وماله شكل مظهرى جذاب . ويترك الناس تقاليد وتعاليم أبائهم القديسين ويتركون الإيمان المسلم مرة للقديسين (يه 3) ويسيرون وراء التعاليم الجديدة. بل أن هناك من القيادات الكنسية الذين عاشوا هذه الحياة المظهرية من يسقط فى هذه البدع، فقد كان آريوس وغيره من أصحاب البدع كانوا من الإكليروس وكان منهم بطاركة وأساقفة وكهنة فهناك أناس يعيشون فى مظهرية التدين وينخدع فيهم الآخرين ويصلوا إلى أعلى الرتب الكنسية بينما هم فى حقيقة الامر يأخذون الديانة والعبادة كمظهر وكماليات يتحلون بها أمام الناس بينما هم فارغين من الداخل. وفى مثل هذا الجو تحدث بلبلة للناس ويضلون وتتوه الحقيقة. وهذا ما حدث فى هذه الكنيسة إذ إنتشرت بدعة إيزابل. إِيزَابَلَ = هناك آراء عمن هى إيزابل فقد تكون هناك إمرأة بهذا الإسم فى هذه الكنيسة وقد إدعت أنها نبية أى أنها على إتصال بالله بينما هى فى الحقيقة تنشر تعاليما منحرفة، فهى تدعو للزنا والأكل مما ذبح للأوثان (أى الإشتراك فى طقوس العبادة الوثنية وهذه تشتمل على الزنا). أو هى إشارة لصاحب هرطقة بهذا المفهوم وأطلق عليه إسم إيزابل، فإسم إيزابل فى الكتاب المقدس هو إسم إمرأة شريرة هى زوجة لملك شرير هو أخاب الملك ملك إسرائيل. وهما ادخلا العبادة الوثنية عبادة البعل إلى إسرائيل وعبادة البعل تشمل الزنا وعبادة الأوثان. وأغلب الظن أن الرأى الأول هو المرجح وأن إيزابل هذه هى شخصية حقيقية وقد إدعت النبوة أى صار لها تعاليم خاطئة أسماها هنا معرفة أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ وهى بدعة نادى بها بعد ذلك بعض الفلاسفة والمعلمون المنحرفون وقالوا " أنه حتى نتعرف على الشر فنكرهه علينا أن نختبر أعماق الشر، أى أحقر ما فى الخطايا وغالبا كان هذا تعليم إيزابل. وكانت دعوتها للناس أن يزنوا معها = الذين يزنون معها = وهذه تعنى إما الزنا معها فعلا أو إتباع تعاليمها المنحرفة والأولى أرجح. والمشكلة أن أسقف هذه الكنيسة خاف منها لشعبيتها، وخاف أن يواجهها لذلك يعاتبه السيد قائلا = أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ. وقد قال البعض أنها كانت زوجة الأسقف. وكانت تبشر بتعاليم النيقولاويين أى الزنا والإباحية وما يسمى شيوعية الزواج أى إباحة إقامة علاقة مع أى زوجة لأى شخص. وواضح طبعا من هذا التعليم أنه تعليم شهوانى صرف، لقد إنفجرت شهوات هؤلاء الناس بسبب ضعف تدينهم، وقد إدعوا أن هذا التعليم تعليم إلهى وأنه بنبوة ولكن من يسلم نفسه لشهواته فهو قد وقع فى يد الشيطان وإرتبط برباطات قاسية مع الشيطان بل نقول لقد إستعبده الشيطان وهذا ما سمى هنا الأكل مما ذبح للأوثان، بل ما قيل عنه معرفة أعماق الشيطان، هؤلاء لم يعد لهم سلطان أن يدوسوا الحيات والعقارب (لو 19:10) بل صار الشيطان يدوسهم. كيف ظهر المسيح لهذه الكنيسة: ابْنُ اللهِ وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ = إبن الله إشارة للاهوته ورجلاه مثل النحاس إشارة لناسوته. والنحاس يحمل معنى الدينونة فهو دك برجلاه أعدائه أى الشياطين والموت والخطية (رو 3:8). وقوله النُّحَاسِ النَّقِيِّ إشارة لأنه بلا خطية. والمعنى أن لاهوته متحد بناسوته. وهو قادر أن يدك الهراطقة ويفنيهم ويبيدهم، وهو قادر أن يدين الخطية داخل من يريد أى يريحه من حروبها وشهواتها. وكونه إبن الله فهو عالم بكل شىء وله قوة لا نهائية. عَيْنَاه كَلَهِيبِ نَارٍ = له نظرات مرعبة للأشرار غاضبة، حين يروها يقولوا للجبال غطينا (رؤ 16:6) ولأولاد الله هو قادر أن يحرق شهواتهم داخلهم ويضع بدلاً منها محبة ملتهبة لله فى القلب. وهو قادر بعينيه الناريتين على معرفة ما فى قلوب المرائين. الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ = هو قادر أن يكشف الأعماق ، أعماق المتظاهرين بالتدين ولكن تحركهم شهواتهم، ويفحص أعماق الهراطقة ويكشف زيف تعاليمهم. هو قادر أن يعرف من له تدين حقيقى ومن له تدين مظهرى، ومن يبحث عن المسيح حقيقة. إذاً المعنى أن السيد المسيح يريد أن يقول أنا عارف ما فى أعماقكم وقادر أن أدك وأدين وأخمد الشهوات التى فى داخلكم وأعطيكم قلبا ملتهبا بحب الله عوضا عن الشهوات. الْقُلُوبِ مركز المشاعر والْكُلَى مركز لتنقية الدم، أى أن المسيح فاحص كل مشاعرنا وهل ننقى أنفسنا بالتوبة أم لا. أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. وَإِيمَانَكَ = هذه توجه لإخوتنا الذين لا يؤمنون بأهمية الأعمال للخلاص. ولاحظ أنه قدم الأعمال على الإيمان. فالأعمال تظهر حقيقة الإيمان إن كان حيا أو ميتا. فالله لا يرضيه الإيمان النظرى بل العامل بمحبة. أيها الأحباء علينا أن ندخل فى عبادتنا للعمق حتى لا نعيش فى سطحية ومظهرية، وحتى لا نضل وراء كل ما هو غريب عن تعاليم الآباء. وكل من يحيا فى عمق يكشف له الله عن زيف أى هرطقة فيرفضها. أَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ = الله يعطى كل إنسان فرصة للتوبة، فإذا لم يستجب لها الإنسان، يبدأ الله فى تأديبه بضربات تصاعدية. فمن ضربة بسيطة لضربة أشد وتصل الضربات لموت الإنسان وهلاكه. والله يعطى فرصاً للتوبة فإن أهملها الإنسان ربما لا تأتى فرصة أخرى، ربما يموت قبل أن يتوب. فالله أعطى لفرعون فرصا عديدة لكى يتوب ولما رفض هلك. فعلينا أن لا نعتبر طول أناة الله علينا أنها تساهل من الله، بل علينا أن نعتبرها زمانا لكى نتوب، فإن لم نتب تضيع منا الفرصة ويبدأ الله فى تأديباته، وربما تنتهى الفرص ويسمع الشخص القول المرعب " يا غبى فى هذه الليلة تؤخذ نفسك" وضربات الله التصاعدية التى نجدها هنا:- المرض = أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ.. ثم الموت = أَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ= قد يكونوا من تبعوا ضلالتها ولاحظ ففراش زناها صار فراش مرضها . أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ = فواجب الراعى أن يسهر على حفظ الإيمان بالتعليم المستمر وكشف الهرطقات للشعب حتى لا ينخدعوا. ومهاجمة الأفكار الخاطئة الصادرة من أى شخص مهما كان مركزه فى الكنيسة. ويكون هذا بكل حزم. وعلى الراعى ألا يكون خروفاً متساهلاً ولا يكون أسداً أى قاسيا على شعبه. كلا من الشعب والراعى يحتاجون للإفراز. الشعب يحتاج للإفراز ليعرف التعليم الصحيح من الخاطىء والأسقف يحتاج للإفراز ليعرف كيف يتعامل مع شعبه. أَقُولُ لَكُمْ وَلِلْبَاقِينَ = الواو ليست للعطف والمعنى أقول لكم أنتم الباقين فى ثياتيرا الذين لم يقبلوا هذا التعليم ولم يسيروا وراء إيزابل. لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ = لا أقدم لكم وصايا ولا شرائع ولا واجبات جديدة سوى أن تمتنعوا عن تعاليم إيزابل وتقاوموها وتعلنوا رفضكم لها. الوعد لمن يغلب :- سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ = أى سلطان على ممالك الشر التى يساندها إبليس. وسلطان لكل منا على شهواته وخطاياه. الأُمَمِ هم الغرباء وهنا المقصود الغرباء من الناحية الروحية أى إشارة لكل شهوة غريبة وكل فكر ردىء بعيد عن الله، والله يعطينا سلطانا أن ندوس كل هذا ببساطة = كآنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ... يَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ= يكون لك سلطان قوى عليهم فتكسرأطماع وغايات الأعداء فى تبديد الكنيسة وسينكسرون كخزف لا يصلح للإستعمال فيما بعد. وهلاك الأشرار سيكون بلا رحمة. ولكن تعنى أن الغالب سيكون فى السماء له قوة جبارة والشهوات التى كان يظنها جبارة ستنكسر وتكون كخزف مكسور بلا قيمة. ولاحظ أن الكلام موجه لكنيسة ثياتيرا التى إشتعلت شهوات أفرادها وصاروا تحت أقدام إبليس، يشعرون أن الخطية تستعبدهم ولا فكاك لهم منها. وهنا كإمتداد للشكل الذى ظهر به المسيح. فعلى الأرض يبدأ أولاد الله فى التحرر من سلطان هذه الشهوات وفى السماء سلطان كامل عليها ويصبح إبليس تماما تحت الأقدام. كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي = المسيح لم يقبل خطية من يد إبليس، بل كان الجسد بلا خطية كنحاس نقى. ولكن الشيطان دبر مؤامرة وأهاج الكل عليه حتى صلبوه ولكن بقيامته صار له كل المجد ووضع الله أعدائه تحت قدميه (مز 1:110) بعد أن جلس عن يمين الآب. كَوْكَبَ الصُّبْحِ = كوكب الصبح هوالمسيح نفسه (رؤ 16:22) + (2 بط 19:1) أى من يغلب أعطيه ذاتى تطبيقاً لقول عروس النشيد "انا لحبيبى وحبيبى لى" (نش 3:6) هذه مثل "أعطيه من المن المخفى" ولكن قوله المن يشير للشبع بالمسيح ولكن قوله كوكب الصبح يشير لأننا بالمسيح نستنير ونستطيع ان نميز بين الأشياء المتخالفة (فى 10:1) أو التمييز بين ما هو نور وما هو ظلام . فكوكب الصبح هو كوكب يظهر والظلام باق بعد، وظهوره يكون إيذانا بظهور النور. نورالشمس إذاً هوإعلان بقرب ظهور النهار فهذا الكوكب يعتبر الفيصل بين النور والظلام . والمعنى أن المسيح يقول لهذا الأسقف لماذا أنت خائف من هؤلاء الهراطقة أنا قادر أن أكشف زيفهم فأنا فاحص القلوب والكلى، بل سأعطيك ذاتى كنور لك، لتستمتع بنورى. سأنير عليك بنورى الإلهى وأعطيك أن تكشف بين ما هو نور وما هو ظلام فى تعاليمهم وأنا قادر أن أدينهم ولنذكر نهاية آريوس الرهيبة حين إندلقت أحشاؤه خارجاً. ما عليك يا أسقف ثياتيرا إلا أن تعلن مواجهة لكنيستك وشعبك عن خطأ إيزابل والهراطقة . وأنا سأعينك وأدينهم وأعطيك سلطانا عليهم . مَنْ يَغْلِبُ = يتمسك بالله فيعطيه نعمة قادرة أن تضبط شهواته فلا ينساق وراءها.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني رسائل الأربع الكنائس الأولى مقدمة عامة للكنائس السبع : يجدر بنا هنا وقبل الدخول في الرسائل الموجهة للكنائس السبع إيضاح بعض الأمور والسمات المتعلقة بهذه الكنائس : أولاً : وجهت هذة الرسائل إلى السبع كنائس التي في آسيا الصغرى ( تركيا ) ولكنها رسائل إلهية رعوية توجه للكنيسة في كل زمان وكل مكان . ثانياً : وجهت الرسائل كلها لإسم الأسقف " ملاك الكنيسة " لأنه المسئول من قِبل الله على خدمة كنيسته ولكن في المعنى الروحي فالرسالة موجهة لكل خادم ، بل لكل الشعب أيضاً لعلاج الأمراض الروحية . ثالثاً : هناك سمات عامة إشتركت فيها هذه الرسائل مثل : 1- بدأت كل الرسائل بفعل الأمر " أكتب إلى .. " وهذا الأمر كان موجهاً ليوحنا بالطبع . 2- " هذا ما يقوله " تكررت في كل الرسائل وهي إشارة للسيد المسيح ؛ ثم تلتها صفة من صفات السيد التي تناسب حالة الكنيسة التي يوجه إليها الرسالة كما سيتضح في التفسير . 3- تكرار تعبيرات مثل : " أنا عارف " قبل بدء الحديث ، وعبارة " من له أذن للسمع فليسمع " بعد النصيحة والتحذير ، وتعبير " من يغلب " قبل الوعد بمكافأة الغالب . (1) كنيسة أفسس ( ع 1 - 7 ) : ع1 : " أفسس " عاصمة إقليم آسيا الصغرى في ذلك الزمان ، وكنيستها أسسها القديس بولس ثم كانت مركزاً لخدمة القديس يوحنا أيضاً ، واشتهرت لسبب كونها ميناء بحري ولوجود هيكل " أرطاميس " الوثني الشهير بها وعرف عنها فسادها ومقاومتها للمسيحية أولاً ، وفقدت شهرتها بالتدريج بعد انتقال مركز المسيحية إلى القسطنطينية في القرن الرابع ودمرت تماماً على يد الأتراك في القرن الرابع عشر . " ملاك الكنيسة " : لا يوجد يقين عن شخص أسقف هذه الكنيسة ولكنه أحد شخصين لا ثالث لهما ، إما القديس تيموثاوس تلميذ بولس الرسول أو الأسقف " أونيسيموس " والمذكور في رسائل القديس أغناطيوس . " الممسك ... الماشي " : راجع شرح ( ص 1 : 13 - 16 ) فالإشارة هنا لسلطان ورعاية السيد المسيح للأساقفة والكنائس . ع2 : أنا عارف أعمالك وتعبك : يبدأ السيد المسيح بتقديم نفسه بصفة " العارف " أي الفاحص والعالِم بكل شئ وهي صفة يجب أن نتذكرها دوماً ... فتذكرها ، يذكرنا بالدينونة العادلة إذا أهملنا ، ويعطي لنا الرجاء بأنَّ كل تعب وجهاد مقدم من أجل الله غير منسي أمامه . صبرك : شهادة من المسيح على جهاد وصبر واحتمال خادمه . لا تقدر أن تحتمل : مديح آخر من السيد المسيح لهذا الأسقف بأنَّ نفسه لا تحتمل مهادنة أو مسايرة أو موافقة الأشرار على شرهم . جربت : أي فحصت دعواهم وكرازتهم وادعاءاتهم الباطلة بأنهم مسيحيون ووجدتهم يهوداً مندسين كل هدفهم هو هدم الإيمان المسيحي . يمتدح ملاك الكنيسة لأجل خدمته وأتعابه فيها واحتمال الضيقات بصبر ورفضه لكلام الأشرار واهتمامه بفحص المعلمين الكذبة لفضح تعاليمهم الكاذبة . ع3 : يستمر في مدح الأسقف في العدد السابق ، ويضيف صفة جديدة وهو أنه " لم يكل " وهي صفة المثابرة في الخدمة التي لا تعرف ولا تعترف بالإحباط واليأس . + تميز هذا الأسقف بالتعب في الخدمة والصبر في الضيقات . فليتك لا تتذمر من كثرة المسئوليات أو من مضايقة الآخرين لك ، فتعبك غالٍ جداً عند الله وسيكافئك عليه ، فثابر فيه من أجله . ع4 : بعد أن مدح السيد المسيح أسقفه على ما تمتع به من فضائل في حياته الرعوية يبدأ في توجيه العقاب له ، وليتنا نتعلم هذه الصفة من السيد المسيح والتي استخدمها مع كل الأساقفة ، لأنها تحمل الكثير من الرقة والإحساس بالآخر ، وهي المدح قبل العتاب . عندي عليك : أي هناك ما يؤخذ عليك وتدان عليه . تركت محبتك الأولى : هذا هو مرض هذه الكنيسة أو أسقفها ، فمع كثرة العمل والخدمة والمشاكل والحروب ضاعت مشاعر محبته الأولى للمسيح ، ودخل الفتور والروتين إلى الحياة الروحية ، وهو مرض قد لا يشعر به الإنسان ولكن أمام الله هو شر عظيم ، فإن " أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر إحتقاراً " ( نش 8 : 7 ) . ع5 : يدخل السيد المسيح في العلاج مباشرةً .... أذكر من أين سقطت وتب : إرجع إلى نفسك وحاسبها وابحث عن أسباب بداية هذا السقوط في محبتك نحوي ، وعند إدراك هذه الأسباب تستطيع أن تقدم توبة حقيقية لتجنب ما أسقطك في هذا المرض ... ويعلمنا السيد المسيح في مثل الإبن الضال بأنَّ التوبة والرجوع بدأت بحساب النفس " فرجع إلى نفسه " ( لو 15 : 17 ) ، وهو ما تفطِّنا وتعلمنا الكنيسة إياه أيضاً . + إحرص على دقائق قليلة تجلس فيها مع الله ونفسك قبل اللقاء مع أب إعترافك حتى تستقيم توبتك . إعمل الأعمال الأولى : عد إلى ما اعتدت أن تفعله بحب سابقاً ، ولعل المقصود هنا أعمال المخدع مثل الصلاة الحارة التي تلهب القلب بمحبة الله . آتيك عن قريب ... : ليس مقصوداً المجئ الثاني ، ولكن المقصود الإنذار بعقوبة أرضية لغير التائب أو غير المستجيب للإنذار ، فالله في حبه وحنانه نحو خليقته هو عادل أيضاً ومؤدِّب لغير التائبين فيسمح لهم أحياناً بعقوبة أرضية إذا كان هذا يفيدهم . أزحزح منارتك : أي مكانتك أنت كأسقف أو خادم إذ كان ينبغي أن تكون نوراً لشعبك . وتأتي أيضاً المنارة بمعنى الكنيسة ، فإن لم تتب الكنيسة عن خطيتها مثل اهتمامها بالإداريات على حساب الروحيات ومحبة الله يكون مصيرها أيضاً الزوال . يعطيه حلاً لمشكلته وهو التوبة السريعة والرجوع لعبادته وخدماته الأولى باهتمام وحرارة ، وينذره إن لم يتب أنه سيعاقبه ويفقد مكانته عند الله وقد تنزع منه خدمته . ع6 : بعد لوم السيد المسيح الشديد وتقديم العلاج الحاسم لهذه الكنيسة وأسقفها ، يعود فيشجع قبل أن يختم كلامه ... عندك هذا : أي يحسب لك ... وهي عكس تعبير عندي عليك . أعمال النقولاويين : هم أتباع " نيقولاوس " أحد الشمامسة السبعة ( اع 6 : 5 ) وقد نسب إليهم أنهم أباحوا " الزنا " ... !! والنهم في الملذات بلا ضابط ، ولهذا حرمتهم الكنيسة ولكنهم وجدوا مكاناً في " أفسس " ولهذا قاومهم ووبخهم الأسقف . عاد هنا فشجعه لتدقيقه في الإيمان ورفضه للمبتدعين وهم النيقولاويين . + يفرح المسيح عندما يجد خادمه يكره ما لا يحبه هو ... وهذا التصريح هو لنا جميعاً ؛ ولهذا يا إلهي نسأل روحك القدوس أن يعمل فينا بقوة حتى تتحد إرادتنا بإرادتك ، فلا نفعل أو نصنع شيئاً على غير رضاك أو بغير مشيئتك . ع7 : من له أذن فليسمع : تعبير إستخدمه السيد مع الكنائس ومعناه وجوب سماع صوته والعمل به وأنَّ من يتجاهل كلام الله كالأطرش الذي بلا أذنين . ما يقوله الروح : أي ما أعلنه السيد المسيح في رؤياه ليوحنا يعلنه أيضاً الروح القدس للكنائس في كل زمان ومكان وهي إعلانات كما سبق وقلنا واجبة الطاعة والتنفيذ . من يغلب : تعبير أيضاً تكرر وهو تعبير غني في معانيه : (1) أي إمكانية النصرة والغلبة متاحة لجميع المؤمنين وليست صعبة طالما أحبوا وأطاعوا الله . (2) أنَّ الإنهزام يرجع للإنسان نفسه إذا رفض الوصية وعمل الروح القدس في حياته . (3) أنَّ هناك من قد يخسر كل شئ مهما كانت مكانته في الكنيسة ، فالخلاص ليس مضموناً للإنسان طالما لم يصونه بالتوبة الدائمة والجهاد الروحي حتى لو كان أسقفاً . شجرة الحياة : تشير إلى المسيح نفسه بأنه أغلى مكافأة للغالب فيتمتع بالشبع منه في الفردوس والحياة الأبدية ، وكلمة وسط الفردوس تشير إلى وجود المسيح في وسط كل أولاده ، وأنَّ رؤياه ستكون متاحة للجميع . يدعوه لطاعة هذا الكلام الموجه إليه ويشجعه بالمكافأة التي سينالها وهي الشبع بالمسيح في الأبدية . (2) كنيسة سميرنا ( ع 8 - 11 ) : ع8 : سميرنا : هي مدينة تقع شمال أفسس وهي ميناء على بحر إيجة واشتهرت بالتجارة والغنى ، أما اليوم فتعرف بإسم مدينة ( أزمير ) التركية ... وأسقفها هو الشهيد " بوليكاربوس " تلميذ القديس يوحنا الرسول ، وكنيسة سميرنا هي الكنيسة الوحيدة التي لم يعاتبها السيد المسيح على خطأ واضح كباقي الكنائس ولكن رسالته لها كانت رسالة تشجيعية بالأكثر . الأول والآخر ... ميتاً فعاش : راجع شرح ص 1 : 11 ، 17 ، 18 . لما كانت كنيسة سميرنا كنيسة متألمة من الإضطهاد والعذابات حتى الموت ، يقدم السيد هنا نفسه الإله الأزلي الأبدي لتستهين بالآلام الوقتية لأنَّ إلهها يرفعها فوق الآلام الزمنية ويعطيها الحياة الأبدية ، وهو أيضاً منتصر إجتاز الموت وهزمه بالقيامة ليعطي الكنيسة عزاءً في أنه تألم قبلاً كما تتألم هي الآن فهو يشاركها وهي تتمثل به ؛ كذلك يعطيها رجاءً بأنَّ بعد الموت حياة وبعد الإضطهاد سعادة أبدية . ع9 : أنا أعرف أعمالك وضيقتك : كلمة تشجيع للأسقف والكنيسة ، فكل تعبك وإحتمالك ماثل أمامي وأنا لا أنسى أبداً تعب المحبة أو احتمال الضيقات من أجل إسمي . فقرك : أي فقرك المادي وسط مدينة سميرنا الغنية وهي إحدى الضيقات التي مرت بها الكنيسة . مع أنك غني : ولكن ما يراه العالم فقراً فيك أراه أنا غِنى ، فأنت غني بإيمانك السليم وقدوتك لكنيستك . تجديف القائلين أنهم ... : يوضح لنا السيد هنا أنَّ شوكة الإضطهاد الأولى كانت من اليهود الذين قاوموا المسيحية بعنف معتقدين بذلك أنهم يهود حقيقيون يرضون الله ، ولكن المسيح يصف كل من يضطهد كنيسته بأنه مجمع شياطين . + صديقي العزيز ... أيهما أهم عندك ... أن تكون غنياً في نظر الله أم العالم بمقاييسه المادية ؟ ليتنا نكون فقراء في العالم ولكن أغنياء عند الله .. فكما أنَّ الغِنى المادي حروبه كثيرة هكذا أيضاً الغِنى الروحي بركاته كثيرة ، في ذلك الحين فقط نفهم قول بولس الرسول " كفقراء ونحن نغني كثيرين ، كأنَّ لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ " ( 2كو 6 : 10 ) . فاهتم بحياتك الروحية ولا تنزعج من الضيقات المالية مهما اغتنى من حولك . ع10 : لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به : يزيد السيد المسيح من تشجيعه للكنيسة ومؤازرتها ويؤكد أنَّ الألم سوف يستمر لفترة أخرى ، ويكشف لنا أيضاً أنَّ الشيطان بحسده وهياجه هو المدبر لاضطهاد الكنيسة الجديدة حتى يفنى إيمانها ، ولكن ينبغي على الكنيسة ألا تخاف طالما المسيح يسندها في آلامها ، حتى لو تمكن الشيطان في جولاته الأولى من إلقاء بعض منهم في السجون . عشرة أيام : التعبير هنا رمزي ولا يدل على معناه الحرفي بل للتعبير عن قصره ، والمقصود أنه بالرغم من شدة الضيقة ستكون محدودة المدة ، وخاصة إذا ما قورنت بأمجاد الأبدية الغير محدودة . كن أميناً : يزيد السيد المسيح في تشجيع أسقف هذه الكنيسة بحثِّه على الثبات في الإيمان حتى نهاية العمر ، فالمكافأة كبيرة في المقابل عندما يتوجه الله بإكليل السعادة في الحياة الأبدية . ليزيل الله قسوة التجربة عنه ، أعلمه أنها مؤقتة وشجعه أن يستمر في التمسك بإيمانه وأمانته في حياته لأنه قد أعد له إكليلاً عظيماً في السماء . ع11 : الموت الثاني : الموت الأول هو موت الجسد الذي سيجتازه كل البشر ، أما الموت الثاني فهو الموت الروحي والهلاك الأبدي وهو موت لا يصيب المؤمنين الحائزين على إكليل الحياة ؛ وهو ما قال عنه الرب " إن حفظ أحد كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد " ( يو 8 : 51 ) . وسوف يبين القديس يوحنا الكلام عن هذا الموضوع في الأصحاح العشرين عند حديثه على المُلك الألفي . + كثرة الألم والإضطهاد تنال من نفوس الكثيرين فيتركوا الطريق ... ولكن الإستناد على الوعود الإلهية وتذكرها يطرح الخوف والإحباط ويجدد روح المثابرة والجهاد والإحتمال .. فاعطنا يا إلهنا أن نعبر الموت الثاني إلى إكليل الحياة غير منزعجين من خفة الضيقات الوقتية لأنها سبب بركة بل تعطينا ثِقل المجد الأبدي ... (3) كنيسة برغامس ( ع 12 - 17 ) : ع12 : أسقف الكنيسة هنا هو الشهيد كيريوس وهذا ما ذكره يوسابيوس المؤرخ ، برغامس : كانت تقع على جبل عالٍ واشتهرت بمكتبتها وكثرة ثقافاتها ومدارسها الفلسفية . الذي له السيف الماضي ذو الحدين : إذ اشتهرت هذه الكنيسة بعدم التدقيق وتأثرها بكثير من الأفكار التي حولها ، لذا قدَّم السيد المسيح ذاته هنا في صورة القاضي الحاسم صاحب الكلام القاطع والفاصل بين ما هو حق في الإيمان وما هو باطل ( راجع ص 1 : 16 وانظر أيضاً شرح ع 16 ) . ع13 : أين تسكن ... كرسي الشيطان : يؤكد السيد المسيح كما أكد لكل الكنائس أنه العالِم بأحوال كل كنيسة وظروفها ، وبرغامس بالذات إشتهرت بعبادتها الوثنية إذ كان بها العديد من الهياكل الوثنية مثل هيكل زفس ، وهيكل مينرفا ، وهيكل أبولو ، وعبادة إسكالوب إله الطب ولهذا إستحقت لقب كرسي الشيطان . متمسك باسمي : مدح الأسقف برغامس ، الذي بالرغم من شدة التيار المعاكس لم ينكر إيمانه حتى في أسوأ أيام الإضطهاد التي وصلت للإستشهاد ، كما حدث مع " أنتيباس " الذي مات محروقاً رافضاً المساومات ، حتى استحق أن يدعوه السيد الرب " شهيدي الأمين " .. + لاحظ أيها الحبيب أنَّ كل ما نعلمه عن " أنتيباس " هذا الشهيد الأمين ليس سوى أسطر قليلة كتبها المؤرخ أندريا ؛ ولكن الله لا ينسى تعب أحد بل يمدح هذا الشهيد ويذكره في كتابه المقدس .. فلا تهتم أن تكون معروفاً لدى الناس بل ممدوحاً من الله الذي يرى في الخفاء ويجازي في العلانية . ع14 : عندي عليك قليل : عتاب رقيق لا يخلو من الحسم ، ويعتبر أيضاً مقدمة لتشخيص مرض الكنيسة . تعليم بلعام : كان بلعام نبياً يسكن بين الأمم وعندما خاف ملوك الأمم من شعب بني إسرائيل القادم من برية سيناء لأخذ أراضيهم ، إستأجروا بلعام للعنهم ولكن الله منعه من ذلك . وأمام عروض المال المقدمة من " بالاق " ملك موآب ، ضعف بلعام فلم يلعن شعب الله ولكنه في الوقت نفسه تحايل على الله إذ أبلغ " بالاق " أنَّ هذا الشعب إذا أخطأ بالزنا سوف يغضب إلههم عليهم ويتركهم ، وهذا ما صنعه " بالاق " فعلاً بتقديم النساء الموآبيات كعثرة لشعب إسرائيل ، فزنوا معهن وانتصر بالاق عليهم ( راجع سفر العدد ص 22 - 25 ) . " ... والمعنى المراد هنا أنه في كنيسة " برغامس " كان هناك قوم يحرضون المسيحيين المؤمنين على الإشتراك في ولائم ما ذبح للأوثان ، فتكون بداية العثرة وغضب الله عليهم . + التعليم هنا لنا جميعاً ، فعلينا إذاً إجتناب كل العثرات التي يساومنا بها الشيطان حتى لا يفصلنا عن الله . ع15 : كذلك وجد في كنيسة برغامس قوم آخرون يتمسكون بتعاليم نيقولاوس التي سبق الحديث عنها في ( ع6 ) . ع16 : فتب : العودة دائماً والبداية تكون بالتوبة ، وذكر الإتيان السريع كنوع من الإنذار كما فعل مع كنيسة أفسس ( ع5 ) . أحاربهم بسيف فمي : أي أقاومهم وأفنيهم بقوة كلمتي ، فأقيم خداماً ومبشرين أمناء وأضع كلمتي في أفواهم ولا يستطيع أحد الوقوف أمامهم ... ع17 : من له أذن فليسمع : راجع شرح ( ع7 ) . من يغلب ... المن المخفي : النصرة والغلبة دائماً شرط للمكافأة ، والمكافأة هنا هي " المن المخفي " . المن : هو الغذاء الذي قدمه الله لشعبه في البرية لإعالته ( خر16 ) ... أما في العهد الجديد فهو جسد المسيح الحي الذي نتناوله في الأفخارستيا ومن يأكله يحيا إلى الأبد ( يو 6 : 33 ، 50 ، 51 ) . أما في الأبدية فالمعنى هو الشركة الدائمة مع المسيح إذ يصير المسيح غذاءنا الأوحد . حصاة بيضاء : هي المكافأة الثانية بعد " المن " ، واللون الأبيض كناية عن الطهارة والنقاء ، أما تعبير حصاة بيضاء فله خلفية تاريخية ... إذ جرى العرف أنه في المحاكم اليونانية والرومانية تُعطَى حصاة بيضاء لتبرئة المتهم وحصاة سوداء عند إدانته وكان يحفر على الحصاة البيضاء إسم المتهم فيحملها معه دائماً كدليل براءته ... ، هكذا أيضاً يعطي الرب لكل من غلب إعلاناً ببره وبنصرته يراه الجميع . اسم جديد لا يعرفه أحد غير الذي يأخذ : إرتبط الحديث في سفر الرؤيا عن السماء بكل ما هو جديد " أورشليم الجديدة " ( ص 3 : 12 ) ، إسمي الجديد " ( ص 3 : 12 ) والترنيمة الجديدة ( ص 5 : 9 ) والسماء الجديدة ( ص 21 : 1 ) ، وكل شئ جديد ( ص 21 : 5 ) . والإسم الجديد هنا معناه .. خصوصية العلاقة بين كل إنسان جاهد وغلب وبين السيد المسيح كأن يخص الأب إبنه بإسم تدليل لا يطلق على أحد آخر من أبنائه . من يسمع ويطيع كلام الله ، فسيعطيه شبع دائم في السماء وحياة نقية وعلاقة شخصية به وتمتع لا يُعَبَّر عنه . + أخي الحبيب إنَّ تشجيع الرب لنا وعطاياه هي فوق كل وصف ، فإنَّ مسرة قلبه هي في هبات ميراثه الذي سبق وأعده لنا ... فلا تدع أي تهاون أو كسل أو إنشغال أو تراخي أو عدم تدقيق يسلبك ما أعده مسيحك لك . (4) كنيسة ثياتيرا ( ع 18 - 29 ) : ع18 : ملاك الكنيسة : هو الأسقف القديس " إيريناؤس " تلميذ القديس بوليكربوس واشتهر بحرارة الروح . ثياتيرا : هي مدينة تقع بين برغامس وساردس ، إشتهرت بعبادة " أبللو " إله الشمس وتجارة الأرجوان وهي بلدة " ليدية " بائعة الأرجوان ، وقيل أنَّ خطية هذه الكنيسة كانت المجاملة على حساب الحق . ابن الله : إعلان قوي من المسيح عن لاهوته بعد أن إستخدم في تجسده تعبير إبن الإنسان للدلالة على ناسوته . عينان كلهيب نار : يقدم المسيح ذاته هنا بما يلائم حال الكنيسة كما سنرى لاحقاً ولكن صفة العينين هنا معناها أنه الفاحص كل شئ والمدقق في كل أمر والكاشف للخطاة الملتوين وليس شئ مخفي عنه . رجلاه كالنحاس النقي : أي نقاء ووضوح تعليمه الإيمان السليم ويمكن القول أيضاً قوته ، أي أنه كالنحاس الذي يسحق أعداءه مثل الأواني الخزفية . يقدِّم المسيح نفسه لكنيسة ثياتيرا التي تجامل على حساب الحق بأنه الله العادل الفاحص كل شئ وتعاليمه هي الحق القوي التي تحطم كل شر . ع19 : أنا عارف ... تميزت هذه الكنيسة وهذا الأسقف بالمحبة والإيمان والخدمة في كمال عطائها والإحتمال وطول الأناة والنمو الروحي ، فشهد له الرب أنَّ الأعمال الأخيرة أكثر من الأولى ولكن أهم ما يميزه أنه لم يفقد محبته الأولى ( ع4 ) كأسقف كنيسة أفسس . ع20 : عندي عليك قليل : أي أنه وقع أيضاً في خطأ وكلمة " قليلاً " ربما تعني دون قصد منه . تسيب المرأة إيزابل : هي شخصية غنية دخلت في الكنيسة وخدمت فيها ولا نعلم إذا كان إسمها الحقيقي إيزابل أم هو إسم أطلقه الله عليها لتشبهها بإيزابل الملكة الشريرة زوجة آخاب ملك إسرائيل التي بلغ شرها منتهاه .. أما هذه المرأة وبسبب مجاملة الكنيسة لها لغناها فأخذت تدعي المعرفة نبية وتعلِّم الشعب البسيط أن يأكلوا ما ذبح للأوثان وهو ما منعته الكنيسة ( اع 15 : 29 ) وتغويهم أيضاً بالزنا ، وقد يكون الزنا هنا بمعناه الروحي أي تحريف إيمانهم . ع21 : أعطيتها زماناً لكي تتوب : يكشف لنا الرب هنا عن طول أناته مع الخطاة لعلهم يستغلونها لتوبتهم . ع22 : ألقيها في فراش : أي سأعاقبها إما بالمرض أو ما يعوقها ويشل حركتها . الذين يزنون معها : أي تلاميذها وتابعيها ومن يجاملونها ويوافقونها ، تكون لهم عقوبة أيضاً ، ويصف المسيح العقوبة بأنها ستكون ضيقة عظيمة في شدتها . ع23 : سيكون الموت والهلاك الأبدي مصير كل من سايرها ، وسيكون عقابي بمثابة عبرة لباقي الكنائس التي ستعرف وتتأكد من أنني الإله العادل الفاحص لأعماق النفس وإنني وإن تمهلت على الخطاة إلاّ أنَّ قصاصي عادل وأجازي كل إنسان بحسب أعماله . ع24 : لأنَّ الله عادل في أحكامه فهو لا يأخذ أحد بخطأ آخر ، ولهذا فهو يفصل بين من تبع الشر واستحق العقوبة وبين من حفظ نفسه بعيداً عن التعاليم الغريبة فلا يأتي عليه الله بشئ من هذا . أعماق الشيطان : تعبير معناه إختبار الشر حتى منتهاه . ثقلاً آخر : أي لا أطالبهم بشئ فوق طاقتهم . ع25 ، 26 : أما الذي عندكم من تعليم وإيمان صحيح فتمسكوا به بقوة واجتنبوا الأفكار الإيمانية المنحرفة حتى آخر الأيام ونهاية الخليقة بمجيئي ، لأنَّ كل من يجاهد ويغلب بثباته في الإيمان وبحفظه وصاياي والعمل بها سأعطيه من قوتي وسلطاني ، فكما أملك أنا كل شئ ، أعطي أولادي أيضاً مُلكاً روحياً على نفوس البعيدين ( الأمم ) أي يستطيعون أن يؤثروا فيهم ويجذبوهم إلى الإيمان . ع27 : بهذا السلطان يرعونهم الرعاية الروحية ويقودونهم ( البعيدين عن الإيمان ) إلى حظيرة الإيمان . قضيب من حديد : رمز للقوة والسلطان والحسم في القيادة والتوجيه . كما تكسر آنية من خزف : تصوير آخر يوضح كسابقه قوة سلطان أبناء الله على الأمم أو البعيدين ، وللدلالة أيضاً على قوة هذا السلطان المُعطَى يزيد السيد المسيح تشبيهاً آخر بأنه كما كان سلطان الإبن ( المسيح ) كاملاً .. هكذا سيكون أيضاً سلطان الغالبين من أبنائه . ع28 : كوكب الصبح : أعلن السيد المسيح في نهاية سفر الرؤيا أنه هو ذاته " كوكب الصبح المنير " ( ص 22 : 16 ) أي أغلى مكافأة للغالب هي التمتع بملكية المسيح ذاته ، أي أنه في الأبدية يهب نفسه لكل واحد من وارثي ملكوته . ع29 : راجع ع7 . + ما أعجب عطاءك يارب وما أعجب جمال الأبدية .. كيف يكون هذا ؟ كيف نأكلك يا شجرة الحياة وكيف نتناولك أيها المن المخفي ، وكيف نمتلكك يا كوكب الصبح الغير محدود في مجدك ؟! إنَّ ما كتبه يوحنا هو أعلى من خيال أي عقل بشري ولكننا نثق في كلامك ووعودك ، فأعطنا روح الجهاد حتى نغلب وحتى نتمتع بكل ما أعددته لنا يا حبيب نفوسنا .. يا إلهي القدوس .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح