كلمة منفعة
قد يفرحك الحديث عن محبة الله، ويتعبك الحديث عن عدله. ولكن ينبغي أن توضع أمامك الحقيقة كلها.
— الحقيقة كلها
سفر رؤيا يوحنا 20
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 20
الرؤيا
الإصحاح رقم 20
الباب الثالث :
مجد أورشليم السماوية
+ تقييد الشيطان وتمتعنا بملكوت السماوات ص 20.
+ وصف أورشليم السماوية ص 21.
+ تطويب الساكنين فيها ص 22.
بعدما تحدث سفر الرؤيا في أسلوب رمزي عن حال الكنيسة خلال جهادها على الأرض إلى يوم لقائها بالرب يسوع عريسها بدأ يحدثنا عن بيت الزوجية السماوي، أي الملكوت الأبدي، المعد لنا منذ تأسيس العالم.
هذا الملكوت بالنسبة للمؤمن الحقيقي ليس غريبًا عنه، بل هو امتداد لما يتمتع به هنا على الأرض عربونًا، وما يحيا به في الفردوس لحظة انتقاله. لهذا بدأ السفر بالحديث عن الملكوت الذي نعيشه هنا، والسلطان الذي لنا على إبليس وجنوده، كبداية لامتداد أبدي ولقاء سماوي مع أبينا السماوي وجهًا لوجه.
الأصحاح العشرون :
تقييد الشيطان وتمتعنا بملكوت السماوات
يعتبر هذا الأصحاح مقدمة أو تمهيدًا للأصحاحين التاليين، ففيه يحدثنا عن "ملكوت الله الذي في داخلنا" (لو 18: 12).
1. تقييد الشيطان 1 - 3.
2. القيامة الأولى 4 - 6.
3. حل الشيطان في آخر الزمان 7 - 10.
4. الدينونة 11 - 15.
1. تقييد الشيطان
"ورأيت ملاكًا نازلاً من السماء معه مفتاح الجحيم، وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين الحيَّة القديمة الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة. وطرحه في الجحيم، وأغلق عليه، وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة، وبعد ذلك لا بد أن يُحل زمانًا يسيرًا" [1-3].
هذا الملاك الذي نزل من السماء وله سلطان على الجحيم وقادر أن يربط الشيطان ويقيده رمز لملاك العهد، الرب يسوع، الذي نزل من السماء، وسُمر على الصليب من أجل البشر، حتى يُمزق صك الخطية، وبالتالي لا يكون لإبليس مكان أو حق فيهم، وبهذا يقدر المؤمن أن يدوس على إبليس وقوته. وكما يقول الكتاب المقدس:
"الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا" (يو 12: 31).
"إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض، الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط، مسمرًا إياه بالصليب، إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب)" (كو 2: 14، 15).
"وأما عن دينونة، فلأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 11).
"رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19).
نجد في العهد الجديد شواهد كثيرة تطمئن نفوسنا لا أن طبع إبليس قد قُيِّد، بل سلطانه، فلم يعد قادرًا أن يملك على الإنسان مادام ليس له في قلبه شيء. أما إذا اختار الإنسان أن يُدخل في قلبه شيئًا مما لإبليس، فيكون قد سلم نفسه بنفسه للعدو. وما أكثر كتابات الكنيسة الأولى التي تهب للمؤمن رجاء وشجاعة ليحارب إبليس بلا خوف ولا اضطراب، مطمئنًا أنه بصليب الرب يقيده ويحطمه.
يقول القديس أغسطينوس: [إالملاك النازل من السماء هو السيد المسيح الذي أخرج الذين كانوا في الجحيم على رجاء الفداء، كما قُيَّد سلطان إبليس حتى لا يكون له سلطان على مؤمنيه المجاهدين مدة جهادهم على الأرض.]
أما كون الزمن 1000 سنة فيمكن أن تفهم بطريقتين:
1. إن الكنيسة في جهادها على الأرض تعيش في يوم "الرب" أي سبت الراحة "Sabbath" هذا الذي ابتدأ بقيامة الرب ولا يغرب أبدًا حيث يبقى هكذا راحة لا نهائية بالنسبة للقديسين، إذ يعبرون من جهادهم. وأخيرًا يعيشوا في الأبدية كامتداد لحياتهم ههنا. واليوم عند الرب كألف سنة، لذلك حسب زمنه بألف سنة!
2. إنه يشير إلى كل زمان هذا العالم (منذ الصلب أو القيامة)، إذ تشير الألف إلى كمال الزمن وكثرته. إنها الفترة منذ دخول الرب "بيت القوي ونهب أمتعته بعد ما ربطه" (مر 3: 27)، واهبًا لأولاده أن يجاهدوا ولا يكون لإبليس سلطان إلى أن يأتي ضد المسيح، ويحل إبليس حتى لو أمكن أن يضل المختارين أيضًا.
وإن كان قلة من الطوائف البروتستانتية تزدري بهذا التفسير قائلة في تهكم كيف تقولون إن الشيطان مربوط ونحن نراه يعمل ويعمل؟ وإنما سيقيَّد فيما بعده. لكني أترك إخواننا البروتستانت وخاصة اللوثريين يجيبون على ذلك:
فمثلاً يقول شارلس ايردمان أن ربنا وتلاميذه استخدموا كلمات أقوى من الربط والسجن ليصفوا أثر العمل الخلاصي للمسيح على الشيطان. إذ قال "رئيس هذا العالم قد دين"... وأورد Joseph S. Exell في مجموعة The Biblical Illustrator آراء لمفسرين كثيرين من إخواننا البروتستانت يُصِّرون بكل شدة إلا أن يقبلوا هذا التفسير، وهو أن الشيطان مقيد حاليًا بالنسبة للمؤمن الحقيقي.
2. القيامة الأولى
"ورأيت عروشًا فجلسوا عليها، وأعطوا حكمًا، ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع، ومن أجل كلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته، ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلي أيديهم، فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف سنة. هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم، بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة" [4-6].
هنا يحدثنا عن القيامة الأولى دون أن يذكر الكتاب المقدس في كل أسفاره عبارة "القيامة الثانية"، فماذا تعني القيامة الأولى؟
إننا نعلم أن الخطية دخلت إلى العالم، فملك الموت على كل النفوس، وصرنا نعيش بالجسد لكن نفوسنا ميتة بانفصالها عن مصدر حياتها "الله". إذًا جاء الرب ليقدم لنا قيامة روحية لأنفسنا قبل أن تتمتع أجسادنا مع أنفسنا بالقيامة العامة يوم الدينونة. يقول الرب "الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات (بالروح) صوت ابن الله والسامعون يحيون" (يو 5: 25). هذه القيامة ليست أمرًا ننتظره بل كما يقول الرسول: "مدفونين معه بالمعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات" (كو 2: 12).
وبالتوبة أيضًا نتذوق القيامة ونحن بعد على الأرض مجاهدين "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5: 14). وهي موضوع اختبار مستمر في حياة المؤمن اليومية. فالرسول القائل: "وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات" (أف 2: 4-6) يقول في صيغة الاستمرار "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه" (في 3: 10).
فبكل تأكيد نقول إن الكنيسة في جهادها بالرغم مما تعانيه من آلام إلا أنها تعيش في الملك الألفي، القيامة الأولى، متذوقة عربون السماويات.
وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [كان الإنسان آخر المخلوقات العاقلة، لكن هوذا قد صار القدم رأسًا. وبواسطة الباكورة صرنا إلى العرش الملكي... لقد أحضر طبيعتنا إلى العرش الإلهي، لذلك يصرح بولس قائلاً: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات، في المسيح يسوع. ليظهر في آخر الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا" (أف 2: 6-7). كيف نقول ليظهر في آخر الدهور الآتية؟ ألم يظهر الآن؟ لقد ظهر فعلاً. ولكن ليس لكل الناس بل لي أنا المؤمن، أما غير المؤمن فلم يظهر له بعد هذا العجب. لكن في ذلك اليوم تتقدم كل البشرية لترى وتتعجب مما حدث. أما بالنسبة لي فيزداد الأمر وضوحًا.]
إذن هؤلاء الذين يحملون الصليب مع ربنا يسوع شاهدين له حتى الموت يتمتعون هنا بالقيامة الأولى، أما بقية الأموات بالروح الذين لا يقبلون الإيمان فلا يتمتعون بالقيامة الأولى، ويسقطون تحت الموت الثاني الأبدي (رؤ 21: 8).
نعود فنؤكد ما يقوله القديس أغسطينوس: [لن يكون هناك مجيء للمسيح قبل ظهوره الأخير للدينونة، لأن مجيئه حاصل بالفعل الآن في الكنيسة وفي أعضائنا. أما القيامة الأولى في سفر الرؤيا فهي مجازية تشير إلى التفسير الذي يحدث في حالة الناس عندما يموتون بالخطية ويقومون لحياة جديدة.]
فالحكم الألفي للمسيح على الأرض قد بدأ فعلاً بيسوع المسيح نفسه في الكنيسة والقديسون يحكمون الآن فيها.
فكرة "الملك الألفي المادي"
بعدما تعرضنا لتفسير النص السابق الذي يتحدث عن الملك الألفي أو القيامة الأولى نود أن نبين للقارئ أن هناك فكرًا جاء عرضًا بين كتابات الآباء في القرون الثلاثة الأولى وجاء بصورة عنيفة ومغايرة في بعض كتابات المحدثين. وهو تفسير النص بصورة حرفية أن الرب يملك على الأرض مع مؤمنيه مُلكًا زمنيًا لمدة ألف سنة. غير أنه يليق بنا أن نفصل بين ما جاء في الكتابات الأولى وكتابات المحدثين.
فكرة الألف سنة الحرفية في الكنيسة الأولى
نحن نعلم أن اليهود لهم فكرهم المادي، لذلك رفضوا الرب يسوع بسبب رفضه الملك الزمني. وهم لا يزالون إلى يومنا هذا للأسف ينتظرون المسيح الذي يملك ملكًا زمنيًا ويعطيهم سيطرة على العالم كله.
هذا الفكر دخل إلى الكنيسة في بدء نشأتها عن طريقين:
1. دخول اليهود إلى المسيحية ومعهم بعض تصوراتهم المادية، فبثوا هذه الأفكار عرضًا وسط الكتابات والعظات لهذا نجد مثلاً الأب بابياس من رجال القرن الأول يتصور ملكًا زمنيًا ماديًا لمدة ألف سنة يحدث في بداية القيامة فيه تنمو كروم العنب كل كرم يحمل عشرة الآف فرع وكل فرع يحمل عشرة آلاف غصن... وإلى غير ذلك من الأمور التي تقبلها من الفكر اليهودي المادي في سذاجة.
ويقول يوسابيوس إن بابياس وصل إلى هذه الكيفية المادية بسبب قصور فهمه للكتابات الرسولية غير مُدرك أن أقوالهم كانت مجازية (روحية) وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء. ويسمي يوسابيوس هذا الأمر "خرافة".
وقد انحرف وراء بابياس إيريناؤس وترتليان وكلتنسيوس وفيكتورينوس ويوستينوس وأغسطينوس في البداية، لكنه عاد وأدرك الخطأ.
2. في قراءة محاورة يوستينوس مع تريفو اليهودي ندرك أن يوستين أخذته الحماسة والغيرة لتأكيد أن كل ما كان لليهود من وعود وبركات قد صارت بكاملها وتمامها لكنيسة العهد الجديد، وبهذا حاول أن يثبت أن ما جاء في (إش 65: 17-25، مي 4: 1-7) سيتحقق للمسيحيين وحدهم.
وإننا نجد نفس الأمر مع ترتليان في محاوراته مع اليهود إذ بعدما أكد نفس الفكرة أن كل ما بالعهد القديم صار للكنيسة وحرم اليهود من كل بركة عاد للأسف فحول الفكر اليهودي المادي وجعله للكنيسة.
يقظة الكنيسة
لم تكن عقيدة الألف سنة عقيدة قائمة بذاتها، ولا أعطى لها اهتمام كبير، لكن مدرسة الإسكندرية سرعان ما تنبهت لخطورة الأمر. وكأنها قد تطلعت بنظرة بعيدة المدى لترى في أيامنا هذه كيف مثلت هذه العقيدة الخاطئة فكرًا خطيرًا رئيسيًا في بعض الطوائف مثل الأدفنتست. لهذا انبرى أوريجينوس وقاوم هذا الفكر، وتلاه البابا ديوناسيوس السكندري في القرن الثالث وأدحض فكرة التفسير الحرفي لسفر الرؤيا. وقبل أن ينتهي القرن الرابع كاد هذا الفكر أن يزول تمامًا في كنيسة الإسكندرية.
أما في الخارج فقد قام القديس أغسطينوس، بعدما أدرك خطأه، وأوضح خطورة التفسير الحرفي للألف سنة مُفندًا ذلك بقوة حجة لا تقاوم واعتبر من يقول بها مهرطقًا.
فكرة الألف سنة عند بعض الطوائف البروتستانتية:
ظهرت هذه الفكرة عند بعض الطوائف البروتستانتية، وجعلت منها عقيدة أساسية، وبدأت تضع لها مواعيد محددة لمجيء المسيح ليملك ألف سنة. وهنا نجد اختلافًا للفكرة في الكتابات الأولى وبعض المحدثين.
1. في الكتابات الأولى جاءت عرضًا وكان دافعها الرئيسي تأكيد أن اليهود الأشرار غير المؤمنين بالرب قد انتزعت عنهم كل المواعيد ويقول الشهيد يوستينوس: (إن كثيرًا من المسيحيين المعتبرين لا يأخذون بهذا التعليم ولا يقرونه).
2. إن بعض الطوائف البروتستانتية نادت بهذه الفكرة على هذه الأسس.
أولاً: يأتي السيد المسيح ليملك على قديسيه قبل أن يأتي "إنسان الخطية" وتحل الضيقة العظمى، ثم يعود فيظهر مرة أخرى ليبيد ضد المسيح.
ثانيًا: إن إسرائيل تتوب ولكنها تبقى جسدًا متميزًا عن الكنيسة، وإن أورشليم تتسع وتتزين وتصير مركزًا للشعب اليهودي الذي يحكم العالم.
ثالثا : إعادة بناء الهيكل و تقديم ذبائح حيوانية...
وإننى في هذا المجال لا أود الدخول في مناقشات لكنني أترك إخوتي البروتستانت يردون على هذه الطوائف:
1. يرى ايردمان أن هذه المبادئ التي تقوم عليها فكرة المُلك الألفي المادي تتناقض مع بعضها البعض وتبتعد عن روح الكتاب المقدس.
2. يرى راى سمرز صاحب كتاب "مستحق هو الخروف" أنه لا يليق أن تُبنى أنظمة شاملة تخص الأمور الأخيرة واللاهوت وفلسفة التاريخ على ثلاث آيات (4-6 من الأصحاح 20) بتفسير حرفي غير مستقر.
3. H. Monod يرفض التفسير الحرفي للملك الألفي معللاً ذلك بالآتي (بتصرف):
أولاً: أن التفسير الروحي والرمزي يتفقان مع اتجاه الأنبياء عامة وخاصة في سفر الرؤيا. فنجد فيها الكنيسة منارة والخدام كواكب فلا نقبلها بحرفيتها.
ثانيًا: لاحظ أيضًا أن القديس يوحنا يتحدث فقط عن (نفوس) [4] تنتعش وتملك مع المسيح، أي لم يقل "نفوس وأجساد".
ثالثًا: أن التفسير الحرفي لا يتفق مع النصوص الأخرى الواردة في الكتاب المقدس التي تتحدث عن القيامة العامة. فلم يحدثنا قط عن قيامة تحدث مرتين أو في فترتين مختلفتين. إنما يظهر بوضوح من (إش 12: 2، يو 5: 28، 1 تس4: 16، 17) أن قيامة الأموات - بالنسبة للأبرار والأشرار - يتبعها فورًا الدينونة والحياة الأبديّة.
رابعًا: يستحيل أن نفهم كيف تهب العودة إلى الأرض سعادة للأبرار الذين ماتوا في الإيمان وقد اجتمعوا في الراحة التي لشعب الله؟! إن خطأ اليهود متمثل في رغبتهم أن يملك المسيا مُلكًا زمنيًا، ويختلف الألفيّون عنهم في ذلك.
خامسًا: لو أخذنا بالتفسير الحرفي، ماذا يكون حال الذي يولدون أثناء الحكم الألفي؟ حاليًا بالموت (جسديًا) يخلص المؤمنون: إذ يموتون في سلام تاركين التجارب والبؤس ليرحلوا إلى الرب، لكن هذا لا يحدث للمولودين في المُلك الألفي. أكمل حديثه قائلاً: كيف يحمل المولودون أثناء المُلك الألفي - ما دام هو مُلك زمني مادي فيه يزوِّجون ويتزوَّجون - الصليب مع الرب يسوع؟ وكيف يسيرون في الطريق الضيق؟
سادسًا: هذا النص هو العبارة الوحيدة في الكتاب المقدس التي فيها يقال أن القيامة الأولى تكون قبل نهاية العالم، بينما عدد كثير من النبوات تتحدث عن القيامة دون أن تتحدث عن قيامة للأجساد بالصورة المادية الحرفية. أيهما أصح أن نفسر الكتاب كله وخاصة هذه النبوات على ضوء هذا النص الغامض، أم نشرح النص الغامض على ضوء نبوات الكتاب الكثيرة الواضحة؟
وأخيرًا يختتم معاتبًا الألفيّين الماديّين فيقول: "ليته يدرك ذلك العدد الضخم من النفوس في كنيسة أنفسهم أن هذا الملكوت المسيحي هو هكذا سلطان وهكذا لطيف وعذب ومجيد !"
ويخرج H. Monod بهذه النتيجة: [أن المسيح يسوع يستمر في أن يملك بأن يجلس إنجيله على العرش في داخل الإنسان الذي يقبل الإيمان المسيحي، عندئذ لا تكون الديانة المسيحية أداة للسياسة في يد الحكومات إنها ستكون تعبيرًا مخلصًا لطريقة الحياة.]
4. يرفض J. Gible فكرة الملك الألفي الزمني، مُدحضًا فكرة قيامة الأجساد ليملكوا مُلكًا جسديًا منظورًا. كما يقول أن نفوس الشهداء حية وهي تمارس نوعًا من القيامة إذ يذوقون نوعًا من الراحة وحالة من السلطان والحيوية. وهم يمارسون نوعًا من المِلكيّة مع الرب قدر الآلام والأتعاب التي احتملوها في فترة جهادهم، من أجل الرب. وأن قديسي الرب يسوع يملكون معه بطريقة مجيدة غير مادية تفوق إدراكنا الحالي. وهو يُسمي الألفيّون بالماديّين والمتشكّكين. كما يطالبنا أن يكون لنا رجاء محدد لا رجاءً ماديًا في أمور باطلة. إنه أفضل للإنسان أن يطلب كل شيء للمسيح ليربح المسيح ويوجد فيه لينتفع بالملكوت السماوي... عالمين أن الصليب هو طريق الإكليل... لا أن نطلب أمور مادية.
وأخيرًا يقول بأن عدم قبول المُلك الألفي الزمني يبعث في المؤمنين تعزية، حينما يخلعون خيمتهم الأرضية. إنهم يعرفون أن نفوسهم لا تنام في حالة من الظلمة بلا إحساس، بينما تكون أجسادهم في التراب، بل يكون الموت بالنسبة لهم ربحًا.
هذه بعض آراء لقليل من إخوتنا البرتستانت، إذ يهاجمون فكرة المُلك الألفي الزمني بعنف.
3. حل الشيطان في آخر الأزمنة
"ثم متى تمت الألف سنة، يُحل الشيطان من سجنه" [7].
أي متى جاء الزمان الذي فيه يأتي ضد المسيح الذي يُوهب له سلطان إبليس وقوته ليقوم ويخرب، حتى ولو أمكن أن يضل المختارين. لهذا يُقال إن الشيطان يحل من الجحيم سجنه ليظهر عاملاً بقوة لم نرَ مثلها من قبل.
"ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا العالم، جوج وماجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر. فصعدوا على عرض الأرض، وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان يضلهم طُرح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحش والنبي الكذاب، وسيعذبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين" [8-10].
وهنا نجد تفسيرين لهذا النص:
التفسير الأول: أن قبائل معينة خاضعة لأحد الملوك العشرة التي تعاصر ضد المسيح يجتمعون بمدينة أورشليم لمقاتلة إيليا وأخنوخ والباقين من الكنيسة في أورشليم ولكن الله يرسل نارًا ليحرقهم. ويرى البعض أن "جوج وماجوج" لا تعني قبائل معينة بل كل الشعوب المنحرفة التي يجتمع جنودها لمقاومة الكنيسة لكن الله يؤدبهم بنار سماوية.
التفسير الثاني: للقديس أغسطينوس. يرى أن الحرب هنا حرب روحية وليست مادية. يستخدم ضد المسيح وأنصاره "جوج وماجوج" كل طرق القسوة والعنف والخداع والتضليل للفتك بالقديسين لكي ينحرفوا عن الإيمان، لكن الله يسند الشاهدين الأمينين إيليا وأخنوخ بنار الروح القدس السماوية التي تحرق الأضاليل وتنزع الخوف وتسند الإيمان.
بهذه النار يثبت المؤمنون في أيام الشاهدين، وبالأكثر بعد استشهادهما وقتل ضد المسيح، إذ يبكت الروح القدس كثيرين من الأمم واليهود الذين انحرفوا وراء ضد المسيح، وقاوموا الكنيسة، لكي يتوبوا ويرجعوا عن شرهم. أما بالنسبة لإبليس فإن نهايته ستكون مع الوحش والنبي الكذاب إذ يُلقى الأشرار في البحيرة المتقدة بالنار.
4. الدينونة
"ثم رأيت عرشًا عظيمًا أبيض، والجالس عليه والذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع" [11].
بعدما حدثنا عن ملكوت الله الذي في داخلنا ونتمتع به، والسلطان الذي لنا، وما سيحل بالكنيسة من ضيق من جراء حلّ الشيطان في آخر الأزمنة دون أن يتركنا الرب بل يعمل بروحه في الكنيسة، عاد ليطمئن أولاده أنه يعقب هذا بقليل مجيء الرب للدينونة.
وهنا يظهر الرب جالسًا على عرش أبيض إشارة إلى السلام، أو لا يعود يحارب ولا يدافع، لأن الكنيسة كلها صارت في أمان، ويأتي عدوها "إبليس" مقيدًا ليُطرح في النار، وقد هربت من أمامه الأرض والسماء الماديتان! لا يأتي في فمه سيف، لا يظهر هنا كفارس ليحارب، ولا كأسد ليطمئن نفوسًا خائرة، بل جالسًا على العرش لكي يهب للغالبين شركة الأمجاد السماوية.
أما وصفه بأنه "الذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع"، فذلك لكي يطمئننا أننا لا نعود بعد إلى الحياة المادية القديمة، فلا نكون في حاجة إلى أرض بما عليها من بحار ومواد طبيعية وغير طبيعية، ولا نحتاج إلى كواكب وأفلاك.
إنه بهذا ينزع من أمامنا كل ذكريات قديمة لحياة امتلأت بالتجارب والأتعاب. معارك كانت بيننا وبين إبليس، بل هي بين الله وإبليس. فأمجاد الأبدية تبتلع الصور القديمة وتنزعها من ذاكرتنا!
"ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا، واقفين أمام الله، وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والجحيم الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحد بحسب أعماله" [12-13].
في لحظة واحدة يُدان الأبرار صغارًا مع كبار المكتوبين في سفر الحياة بحسب أعمالهم، ويُدان الأشرار ساكنو الجحيم، الأموات روحيًا أيضًا حسب أعمالهم، لأنه ليس عند الله محاباة.
وهنا نجد:
1. فتح أسفار... ويرى القديس أغسطينوس أنها رمز إلى فتح سرائر كل البشرية، أي قلوبهم وضمائرهم، حتى يدرك الكل عدل الله.
2. انفتاح سفر الحياة... الذي هو كشف شخص الرب يسوع وعمله كشجرة حياة، من يأكلها في أيام جهاده على الأرض يعيش إلى الأبد. إنه السفر المفتوح، فيه يقرأ المؤمنون برهم الذي ليس لهم من ذاتهم، بل في شخص الرب يسوع، عندئذ يتهللون قائلين: "إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت" (رو 8: 1، 2).
3. سلم البحر الأموات الذين فيه، وإذ يرمز البحر للعالم لهذا يرى القديس أغسطينوس أن الإشارة هنا إلى الأشرار الذين يأتي عليهم يوم الرب ولم يكونوا قد ماتوا وانتقلوا إلى الجحيم. البحر الذي غرقوا فيه وفي ملذاته سيسلمهم للدينونة الأبديّة.
4. سلم موت الروح والجحيم من بهما، فدينوا أيضًا على أساس عادل حسب أعمالهم الشريرة.
"وطرح الموت والجحيم في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار" [14-15].
هذه هي نهاية موت الروح والجحيم، أي نهاية السالكين حسب الجسد، حسب موت أرواحهم والذين صار نصيبهم بعد موتهم بالجسد الجحيم ينقلون إلى الموت الثاني، النار الأبديّة.
ويرى القديس أغسطينوس أن هذا إشارة إلى الشيطان الذي هو رئيس الموتى بالروح، وزعيم سكان الجحيم، لقد طرح في البحيرة المتقدة.
بهذا انتزعت صورة الشر تمامًا ليسجل لنا الرسول في الإصحاحين التاليين الصورة المبهجة لبيت الزوجية السماوي المملوء أمانًا واطمئنانًا، إذ طرح الشرير إلى الأبد بعيدًا.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح العشرون
نسمع فى هذا الإصحاح عن الألف سنة التى سيقيد فيها إبليس. ثم فى نهايتها يحل من سجنه. وهنا هوالمكان الوحيد فى الكتاب المقدس المذكور فيه موضوع الألف سنة.
وخلال الألف سنة يملك القديسون مع المسيح. وهناك مدرستين لتفسير هذا الإصحاح
1- المدرسة الأولى هى مدرسة الألفيين. وهم من بعض الطوائف البروتستانتية. فليس كل البروتستانت ألفيين. وهؤلاء يفهمون هذا الإصحاح بأنه فى نهاية الأيام يأتى المسيح ليحكم على الأرض لمدة ألف سنة، يكون خلالها الشيطان مقيدا، وتفيض الأرض بخيراتها. والإصحاح المفضل عندهم هو (أش 11) حيث نسمع فيه أن الذئب يسكن مع الخروف... الخ وكنيستنا الأرثوذكسية لا توافق على هذا التفسير.
2- المدرسة الثانية هى التى تتبعها كنيستنا الأرثوذكسية، وتفهم هذا الإصحاح بطريقة رمزية، كما تفهم كل أرقام سفر الرؤيا بطريقة رمزية بل معظم أحداثه.
وتقول أن الألف سنة قد بدأت منذ صلب المسيح، وبعد الصليب قيد المسيح الشيطان، فالمسيح ربط الشيطان بصليبه، وبصليبه ملك على قلوب المؤمنين كما قال إشعياء "وتكون الرياسة على كتفه" (إش6:9) فهو حمل الصليب على كتفه ليملك على قلوبنا بمحبته التى ظهرت فى الصليب. وتنتهى الألف سنة بمجىء الوحش.
وأصحاب فكرة الملك الألفى لهم نظرية عجيبة غير معقولة وغير مفهومة، فهم يتصورون أن المسيح سيأتى للأرض عدة مرات:
1. المجىء الأول:- هو الذى أتى ليصلب فيه ويموت ثم يقوم ويصعد للسماء.
2. المجىء الثانى:- هو الذى سيأتى فيه ليخطف القديسين معه على السحاب، ويترك الأشرار على الأرض فى حروب طاحنة تنتهى بفنائهم جميعا.
3. المجىء الثالث:- يأتى فيه المسيح بعد خراب الأرض ونهاية الأشرار، ويأتى فيه مع قديسيه ليملك عليهم على الأرض لمدة 1000 سنة يكون فيها الخير المادى بلا حساب، وسيعمرون الأرض، ويكون مركز حكم المسيح فى الهيكل الذى سيقام فى أورشليم. ويقولون أن اليهود سيكون لهم وضع مميز خلال هذا الملك الألفى [ وهذا يدفعنا أن نتصور أن من هم وراء هذا التفسير الألفى هم اليهود أنفسهم] وحيث أن الأرض سيعاد تعميرها يمنع شهود يهوه (وهم من الألفيين) أولادهم من دخول كلية الطب، فلن يكون هناك أمراض، ويدفعونهم لدخول كلية الهندسة ليعمروا الأرض فى هذه الفترة. وفى نهاية الألف سنة ينسحب المسيح إلى السماء ويحل الشيطان من أسره فيضل الأرض كلها (معظمها طبعا) يقولون فى أحد كتبهم "أليس من العجيب بعد أن يحكم المسيح على الناس ألف سنة أن يضلوا وراء الوحش" ونقول لهم إسألوا أنفسكم هذا السؤال فالعجيب حقا نظريتكم العجيبة.
4. المجىء الرابع :- هذا للدينونة وليبيد الوحش.
وهذا كلام عجيب، فما معنى أن يأتى المسيح ليحكم على الأرض ثم ينسحب للسماء.
ويترك الشيطان ليضل العالم. أبعد أن يحكم المسيح على الأرض 1000 سنة ينخدع القديسون وراء ضد المسيح (الوحش) هل لم يستطع المسيح طيلة الألف سنة أن يؤثر على قلوبهم. هل يفشل المسيح لهذه الدرجة خلال مدة حكمه. وألم يسمع هؤلاء قول السيد المسيح "مملكتى ليست من هذا العالم" (يو36:18).
وحينما تسأل الألفيون.. ولماذا يأتى المسيح ليحكم على الأرض يجيبون إجابة عجيبة ويقولون لأن اليهود قالوا هذا لا يحكم علينا ورفضوه كملك. فلابد أن يأتى ليحكم عليهم. فهل إلى هذه الدرجة يتشوق المسيح لحكم اليهود على الأرض!
إننا لم نسمع من فم المسيح نفسه مثل هذا التفسير العجيب، وأنه سيأتى عدة مرات، بل أنه سيأتى مرة واحدة وللدينونة (مت31:25-34).
حقا لقد ظهرت فكرة الملك الألفى فى بداية الكنيسة، وتصور بعض الآباء أن المسيح سيأتى ليملك على الأرض لمدة 1000 سنة ولكن كان هذا راجعا لروح المنافسة مع اليهود الذين يؤمنون بخيرات وملذات زمنية مادية فأراد هؤلاء الأباء أن يقولوا لشعوبهم أن المسيحية ليست أقل من اليهودية. ولكن سرعان ما شعر الأباء بخطأ نظرية الملك الألفى ورجعوا عنها. ولنلاحظ فى هذا تأثير اليهود على الكنيسة الأولى، فقد دخلوا للكنيسة حين آمنوا بالمسيح، لكنهم دخلوا بأفكارهم ، واليهود كل تصورهم الملك الزمنى، لذلك رفضوا المسيح إذ لم يعطهم ملكا زمنيا.
أما التفسير الرمزى فيتفق مع روح سفر الرؤيا عموما، وهذا الإصحاح خاصة وذلك للأسباب الآتية.
1. تشبيه الكنيسة بإمرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها (رؤ12).
2. تشبيه مملكة الشر بإمرأة زانية جالسة على وحش قرمزى له سبعة رؤوس وعشرة قرون. وإسمها الرمزى بابل (رؤ17).
3. تشبيه الكنائس بمنائر والأساقفة بالكواكب (رؤ1:2).
4. كيف يتم تقييد الشيطان بسلسلة، هل هو وحش أو حيوان مادى؟! بل هو روح. ولا تفهم السلسلة إلا بطريقة رمزية (رؤ1:20).
5. هل الهاوية لها مفتاح (رؤ1:20) وهذه ايضا لا تفهم إلا بطريقة رمزية.
6. الحديث عن هروب الأرض والسماء من وجه الله لها معنى روحى لا حرفى (رؤ11:20).
7. طرح الموت والهاوية فى بحيرة النار تأكيدا لعدم حرفية السفر (رؤ14:20).
من كل هذا نخلص إلى ان الألف سنة لا تفهم سوى بصورة رمزية وليست حرفية.
ومعنى الألف سنة التى تبدأ بصليب المسيح وتنتهى بمجىء ضد المسيح وفيها يملك المسيح على كنيسته وتملك معه كنيسته، هو معنى رمزى. فرقم 1000 هو رقم السمائيات فالملائكة الوف ألوف وربوات ربوات (الربوة = 10000). ورقم 1000 ومضاعفاته اشارة لما فى السماء من نقاوة . فـ 1000 = 10×10×10 والمعنى كمال حفظ الوصايا فى السماء. فهناك لا خطايا ( رؤ21: 27).
وعدد المخلصين 144000 = 12 (عهد قديم) × 12 (عهد جديد) ×1000 أى كل المخلصين من العهدين الذين دخلوا للسماء. والكنيسة بعد الصليب والقيامة والصعود تحيا
فى السماء :-
1. "أبانا الذى فى السموات" فأبونا سماوى.
2. "عريس الكنيسة سماوى جالس عن يمين الآب" (مز1:110).
3. عريس الكنيسة المسيح وسطها دائما (مت20:18) + (مت20:28) فإذا كان المسيح وسط كنيسته دائما وهو سماوى، أتى من السماء وصعد إلى السماء فالكنيسة تحيا فى السماء. المسيح جعل إجتماعاتنا سماء فحيثما وجد المسيح تكون السماء.
4. هو أقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات (أف6:2).
5. فإن سيرتنا نحن هى فى السماوات (فى20:3).
6. بل إن حرب إبليس ضدنا هى فى السماويات التى نحيا فيها ليسقطنا منها (أف12:6). لكن المسيح اعطانا سلطان ان ندوسه ( لو 10: 19) .
ونحن نفهم أن المسيحية هى الطريق الضيق "فى العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو33:16) فالمسيحى لا يشتهى العالم بأكله وشربه وملذاته، بل شهوة قلبه هى للسماء التى ينتمى إليها. وقد غلب العالم بضيقاته وملذاته، الكل تحت قدميه، ناظرا للسماء "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جدا" (فى23:1). أهل بعد أن إنطلق الشهداء والأبرار إلى السماء، يأتون ليعيشوا على الأرض. وهل بعد أن تذوقوا طعم الراحة فى السماء يأتون للأرض ثانية ليتركهم المسيح فى نهاية الألف سنة للوحش ليضللهم. ابعد أن إنتصروا وغلبوا ودخلوا للسماء يعودون ثانية ليمتحنهم الوحش ؟!! هذا كلام عجيب. إن من تذوق لذة السمائيات على الأرض وشعر بتفاهة الأرض وما فيها (فى8،7:3) وأنها نفاية، لا يمكن أن يشتهى أن يعيش عليها. لو قلنا للرهبان والسواح والمتوحدين أنكم ستعودون للعالم، هل يفرحهم هذا ويريحهم هؤلاء الذين وجدوا فرحهم فى شخص المسيح، يشبعون به ويرتوون به تاركين كل ملذات العالم. وما معنى الضيق الذى فى العالم الذى أخبرنا عنه السيد المسيح. هذا سيكون فى مدة الألف سنة وإلا لكان المسيح قد قال " فى العالم وقبل الألف سنة سيكون لكم ضيق، ولكن إصبروا حتى تأتى الألف سنة فيختفى الضيق" لكن السيد المسيح قال " فى العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو33:16) لذلك فكل ملذات العالم وضيقاته تحت أقدامنا.
وإذا فهمنا أن الأبدية التى بلا نهاية هى بلا أكل ولا شرب لأننا لن نجوع ولن نعطش (رؤ16:7) فما فائدة أن نأكل ونشرب كثيرا لمدة 1000 سنة. فهذه الألف سنة بالنسبة للأبدية تساوى صفرا.
الآيات (1-3):- "1وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. 2فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، 3وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا."
الذى له مفتاح الهاوية هو الرب يسوع (رؤ18:1) والهاوية هى الجحيم إذا فهذا الملاك هو إما الرب يسوع نفسه أو هو ملاك أخذ السلطان من الرب يسوع. وَسِلْسِلَةٌ = لها معنى رمزى هو تقييد حركة إبليس فى مقاومة الكنيسة.
فلم يعد يتصرف بتجبر كما فى العهد القديم. وهذا ما أشار له الرب يسوع حين قال "الآن يطرح رئيس العالم خارجا" (يو31:12) + (لو18:10) رأيت الشيطان ساقطا مثل البرق. وراجع ايضا (كو15،14:2) + (يو11:16) بل لقد أعطانا الرب سلطانا أن ندوس على الشيطان (لو19:10). وهذا هو معنى تقييد الشيطان، فالطفل الصغير الآن حين يرسم علامة الصليب يقيد الشيطان ويهزمه. الرب يسوع قيد الشيطان كما لو كان هناك أسد رهيب وأتى صياد وأمسك به، ووضعه فى قفص وأغلق عليه، هو بهذا لن يستطيع أن يضر أحد. لكن لو ذهب أحد ودخل إلى القفص سيأكله الأسد. وعمليا فلقد حدث بعد الصليب تغيير كبير فى حياة البشر، فلقد ترك الوثنيون عبادة الأوثان وتحولوا للمسيحية بعد أن قيد الشيطان. عَلَى يَدِهِ = أى له سلطان أن يقيد إبليس. لقد قيد المسيح إبليس لكن علينا ألا ندخل إلى دائرة عمله.
وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ وَخَتَمَ عَلَيْهِ = لم يعد له كمال حريته. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا = لماذا يحل الشيطان؟ فى نهاية الأيام سيزداد الإرتداد والإثم والفتور، وتبرد محبة الكثيرين (مت12:24) بل أن المسيح تشكك فى أن يجد الإيمان على الأرض حين يجىء (لو8:18). وراجع (1تى2،1:4) + (2تى1:3-9) بل إن المسيح لن يأتى إلا بعد أن يأتى الإرتداد أولا (2تس3:2) ومع كثرة الإثم لن يعود أحد يطلب المسيح أو يريده، بل هذا ما نراه الآن... فالناس تحارب بعضها وتتكالب على المال وعلى الجنس. وهذا ما يريده الناس الآن، لذلك فإن الله سيعطيهم ما يريدونه، كما قال داود فى المزمور ليعطك حسب قلبك ويتمم كل رايك (مز4:20) وهذا ما حدث فى القديم إذ أعطى الرب للشعب شاول الملك لأنهم يريدون ملكا طويلا وعريضا وقويا، أما الذى كان حسب قلب الله فهو داود الصغير فى بيت ابيه. الله إذا سيعطيهم رئيس هذا العالم أى الشيطان. وسيحله من سجنه ليجربوا هل هذا قادر أن يعطيهم خيرا، سيشبعهم خطايا وسيبيعون ويشترون إذ لهم سمة الوحش ولكنهم سيفقدون سلامهم وفرحهم ويعضون السنتهم من الوجع والندم وسيصرخون مع إشعياء " أيها الرب إلهنا قد إستولى علينا سادة سواك" (أش13:26) هذا لمن فهم وتاب أما المعاندين فسيستمروا فى عنادهم. لكن من تاب سيفهم أن الفرح والسلام ليسا فى المال والجنس ولا فى العالم عموما.
الآيات (4-6):- "4وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ. 5وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى. 6مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً ِللهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ."
هنا نسمع عن موتان وقيامتان:-
الموت الأول:- هو موت الخطية. فكل خاطىء الآن هو ميت فى نظر الله.
الموت الثانى:- هو الموت الأبدى أى الهلاك أى الإنفصال عن الله والدينونة أما موت الجسد الحالى فهو ليس موت بل هو إنتقال ، هو نوم ، طالما نحن متحدين بالمسيح فى الحالتين. وهكذا أسماه المسيح "حبيبنا لعازر قد نام" + الصبية نائمة (بنت يايرس).
القيامة الأولى:- هى القيامة من موت الخطية أى التوبة، فالسيد المسيح قال " تأتى ساعة وهى الآن حين يسمع الأموات (روحيا) صوت إبن الله والسامعون يحيون (يو25:5) + (أف14:5) والإبن الضال كان ميتا فعاش. وملاك كنيسة ساردس كان له إسم أنه حى وهو ميت. (رؤ1:3) لذلك نفهم أن الموت الأول هو الموت الروحى. فالخطية تساوى موت.
القيامة الثانية:- قال عنها السيد المسيح " تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة (يو29:5).
والكتاب المقدس لم يرد فيه عبارة القيامة الثانية لكنها تفهم ضمنا. عموما الموت هو إنفصال عن الله، وهذا ما تفعله الخطية فهى تفصل بين الإنسان والله فيموت الإنسان. أما التوبة فهى تقيم الإنسان من موت الخطية (أف14:5) لذا جاء المسيح ليعطينا أن ننتصر على الخطية، فمن لا يؤمن لا يستطيع أن يحيا. لذلك قال السيد المسيح "كل من يؤمن بى فله حياة أبدية" (يو47:6) فالإيمان بالمسيح يعطى قوة للإنتصار على الخطية. جاء الرب ليقدم لنا قيامة روحية لأنفسنا قبل أن تتمتع أجسادنا مع أنفسنا بالقيامة العامة يوم الدينونة راجع (كو12:2) + (أف11:5-14) + (أف4:2-6) + (فى10:3) لذلك نقول إن الكنيسة تعيش فى الملك الألفى، القيامة الأولى، متذوقة عربون السماويات بالرغم من الصليب الذى تحمله والطريق الضيق الذى تسلك فيه.
فى هذه الآيات نرى صورة لما يحدث خلال الألف سنة، فهناك أبرار يموتون، وهناك شهداء يستشهدون، ولكن هؤلاء مع أنهم يختفون عن أنظار العالم إلا أنهم أحياء، بل لهم عُرُوشً ترتاح عليها نفوسهم = رَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا = فليس لهم أجساد، هؤلاء هم الشهداء الذين هم فى أعلى درجة. هم فى السماء أحياء بل على عروش. ولاحظ أنه رأى نفوس :-
1. هكذا رأى الملايين العذراء مريم فهى الآن روح (نفس) رأوها فى جسدها النورانى (روح مكتسية بالنور لنتمكن من أن نراها).
2. هؤلاء عَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ= إذا من يملك مع المسيح نفوس وليس أجساد. فمن أين أتوا بفكرة الملك الألفى التى فيها يملك المسيح مع بشر لهم أجساد لمدة 1000 سنة.
3. هؤلا نُفُوسَ فالأجساد ذهبت للتراب إنتظارا لليوم الذى تلبس فيه النفوس الأجساد الممجدة التى تشبه جسد المسيح.
4. الموت ليس نهاية حياة بل بداية ملك مع المسيح فى السماء. هؤلاء بقداستهم كانوا أحياء فى نظر الله، لذلك حين ماتوا بالجسد إنتقلوا من حياة إلى حياة أمجد. هم لم يتلاشوا بل هم أحياء بالمسيح ويملكون معه 1000 سنة.
5. يوحنا يرى النفوس لأنه هو أصلا كان فى الروح (رؤ10:1 + 2:4) هذا الوضع سيستمر حتى فى ايام الوحش، فمن سيرفض الوحش سيكون فى نظر الله حى = فَعَاشُوا = أى نالوا الحياة الحقيقية بإيمانهم بالمسيح، مع أن الوحش ظن أنه قتلهم. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ = بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ هم الذين لم يؤمنوا وعاشوا فى الشر، وقوله لَمْ تَعِشْ أى لم ينالوا الحياة الحقيقية. إذا خلال الألف سنة هناك من يؤمن ويعيش وهناك من يرفض ويستمر فى خطيته ويموت، ولا يتمتع بالحياة السمائية التى يحياها أولاد الله، أى لا يتمتع بالقيامة الأولى، ويحيا فى ملكوت الله.
رَأَيْتُ عُرُوشًا = هذه خاصة بنفوس الشهداء.
وَأُعْطُوا حُكْمًا =
1. يرتاحون ويفرحون لأحكام المسيح ضد الأشرار، وسيكون لهم نفس رأى المسيح.
2. برفضهم للخطية فى أثناء حياتهم على الأرض سيدينون من كان يسقط فيها، إذ كان للطرفين نفس الظروف. هم سيحكمون على الأشرار بشهادتهم عليهم. القديسون يدينون العالم أى يشهدوا عليه (1كو 2:6) +( دا22:7).
وَمَلَكُوا = لقد جعلنا الله ملوكا وكهنة (رؤ6:1) (يملكون ميراث سماوى).
وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ = (هى نفس فترة تقييد الشيطان) هنا يملك القديسون على إرادتهم لتخضع لإرادة الله، ويملكون وعودا بميراث سماوى ويملكون بركات مادية وروحية. ومتى إنتهت حياتهم سيملكون نصيبا فى الوطن الأبدى، ميراثا لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل. هنا يملك القديسون عربون المجد الروحى، قبل أن يرثوا المجد الأبدى هناك.
الموت الثانى = الزج فى جهنم.
آية (7):- " 7ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ،"
حين يحل الشيطان من سجنه تزداد الخطية، ويزداد الوجع، لعل البعض يتوبون. على أننا لا يجب أن نفزع حينما نسمع أن الشيطان سيحل من سجنه. ففى قصة قايين كان الشيطان محلولا وغير مقيد، ومع هذا نسمع قول الله لقايين "عند الباب خطية رابضة وإليك إشتياقها وأنت تسود عليها" (تك7:4) فإن كان قايين يستطيع أن يسود على الخطية، أفلا نستطيع نحن ذلك ونحن قد حل فينا الروح القدس بعد المعمودية والميرون، ونحن الآن نتناول من جسد الرب ودمه. ولنا وعد أنه "حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدا" (رو20:5).
الآيات (8-10):- "8وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ. 9فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. 10وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ."
هذه الآيات تفهم بطريقتين 1) حرفية 2) روحية
1) التفسير الأول :- أن الشيطان الذى هو قتال للناس منذ البدء (يو 44:8) هو لا يرتاح سوى لمنظر الدماء والخراب، حينما يحل من سجنه سيثيرحربا رهيبة يجتمع لها ملوك من المشرق من جوج وماجوج (جوج هو الملك وما جوج هى الأرض التى يحكمها). وربما هذه الحرب هى التى حدثنا عنها حزقيال فى إصحاحات (39،38) جوج وماجوج رئيس روش (قد تكون روسيا) ماشك (قد تكون موسكو) وتوبال (حز2:38). عموما روش وماشك وتوبال كانت قبائل موقعها حول بحر قزوين. وهناك من قال أنها ليست روسيا ودولها بل هى الصين.
وربما كانت هذه المعركة هى المشار لها بإسم هرمجدون.
مُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ= هى أورشليم. هى محبوبة لماضيها وليس لحاضرها. حيث يسكن فيها، فى أيام هذه المعركة، ضد المسيح. ويسميها معسكر القديسين ليس بسبب اليهود الذين فيها طبعا، ولكن لأن هناك مؤمنين كثيرين أدركوا زيف ضد المسيح وآمنوا بالمسيح الحقيقى. ويقال أن فى إسرائيل الآن أكثر من 60.000 يهودى قد آمنوا بالمسيح ويسمون أنفسهم ماسيانيين. ونهاية هذه الجيوش ستكون بيد الله. ولكن فى نفس الوقت سيهلك الوحش والنبى الكذاب فى بحيرة النار. وينقذ الله المؤمنين من هذه الحرب الجهنمية.
2) تفهم هذه الآيات روحيا:- أى أن الوحش وأنصاره جوج وما جوج سيستخدمون كل طرق القسوة والعنف والخداع والتضليل للفتك بالقديسين.
فى هذا التفسير لا تكون المدينة المحبوبة هى أورشليم بالذات، ولكنها تكون إشارة ورمز للكنيسة عموما. ولكن الله سيساند الشاهدين الأمينين إيليا وأخنوخ الموجودين بأورشليم، بنار الروح القدس التى تحرق أضاليل ضد المسيح وتساند الإيمان والأرجح أن كلا التفسيرين صحيح فهناك حرب مادية ستحدث وحرب روحية ضد الكنيسة. ونهاية هذه الحروب هلاك الوحش فى البحيرة المتقدة بالنار وتمجيد الكنيسة. ونلاحظ أننا نجد هلاك إبليس والوحش والتابعين له فى الآيات التالية:-
1. إلقاء إبليس فى البحيرة المتقدة بالنار. (رؤ 10:20)
2. إلقاء الوحش والنبى الكذاب فى البحيرة المتقدة بالنار. (رؤ 20:19)
3. كل من لم يوجد مكتوبا فى سفر الحياة ألقى فى البحيرة. (رؤ15:20)
آية (11):- "11ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!"
هنا نرى صورة للمسيح الآتى للدينونة عَرْشًا عَظِيمًا = إشارة لعظمته وجلاله وملكه على الكل إما برغبتهم عن حب أو بخضوعهم رغما عن إرادتهم أَبْيَضَ = إشارة لعدالة حكمة وبره وقداسته.
الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ = ربما المقصود الإشارة لتهيب المثول قدام الديان. والأرض تشير للمخلوقات الأرضية، والسماء تشير للمخلوقات السمائية. الكل فى حالة تهيب من يوم الدينونة. وربما تشير الآية لزوال السماء والأرض بشكلهما الحالى كما ورد فى (رؤ1:21) + (أش17:65) فلن نحتاج للأرض ولا للسماء بشكلهما الحالى، ولن نعود لحياتنا المادية ثانية.
الآيات (12-13):- "12وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. 13وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ."
الكل يدان صغارا وكبارا. وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ = فيها أسماء البشر مع أعمالهم. سِفْرُ الْحَيَاةِ = فيه اسماء المؤمنين الغالبين الذين ينتظرون المجازاة. وَدِينَ الأَمْوَاتُ = أى الأشرار الذين قضى عليهم بالموت الأبدى، أما الأبرار فلا دينونة عليهم (رو2،1:8).
وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ = البحر هو إشارة للعالم. والذين فيه هم الذين سيكونون أحياء بالجسد يوم مجىء الرب للدينونة، لكنهم يحيون فى الشر والخطية لذلك أسماهم الأموات
وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْجحيم الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا = هؤلاء هم الذين كانوا قد ماتوا بالجسد قبل مجىء يوم الرب وذهبوا للجحيم. والجحيم هو مكان إنتظار الأشرار وهنا الجحيم يسلم من فيه لينقلوا إلى جهنم (المكان الأبدى للأشرار)
الْمَوْتُ = هو القبر وَالْجحيم = هو الهاوية
آية (14):- "14وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي."
طُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي= هذه قد تعنى أن كل من كانوا فى الموت (الأشرار الأحياء عند مجىء الرب الثانى، أو فى الجحيم (الأشرار الذين ماتوا قبل مجىء الرب الثانى). كل هؤلاء يكون مصيرهم فى بحيرة النار، كمكان أبدى، يكونون فيه منفصلين عن الله وهذا هو الموت الثانى. فهم قد إختاروا لأنفسهم وهم أحياء على الأرض هذا الطريق. كانوا أمواتا روحيا وإنتقلوا من موت إلى موت. وقد تعنى أن الشيطان قد طرح فى بحيرة النار فالشيطان هو موت فى مقابل الحياة التى هى الله " أنا هو القيامة والحياة " وهناك تفسير ثالث أنه لا موت ولا جحيم للأبرار فيما بعد فمن كان له القيامة الأولى لن يعود ويكون له موت ثان. فآخر عدو يبطل هو الموت. وهنا يتكلم عن الموت كشخص، وطرحه فى بحيرة النار، يعنى أنه لا يعود هناك موت والطرح فى جهنم والإنفصال الأبدى عن الله أسماه الكتاب الموت الثانى. هذا لمن إختار الموت الأول أى الخطية وهو على الأرض.
آية (15):- "15وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ."
نحن تكتب اسماؤنا فى سفر الحياة يوم المعمودية. ومن يغلب ويحيا حياة التوبة يحتفظ بثيابه بيضاء فلا يمحى إسمه من سفر الحياة (رؤ5:3).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح العشرون
تقييد الشيطان وحلَّه ومُلك الألف سنة
مقدمة الأصحاح : يعتبر هذا الأصحاح من الأجزاء الهامة جداً في سفر الرؤيا ، إذ يتناول موضوع " مُلك المسيح لألف سنة " .. مما جعل البعض ينتظرون بالفعل مجئ المسيح الثاني ليملك على الأرض . وبالطبع الكنيسة ترفض هذا الإتجاه في التفسير ؛ فالسفر في مجمله سفر روحي وكل دلالاته هي دلالات رمزية وكثير بل كل الأرقام والأعداد التي أتت فيه لا علاقة لها بالزمن الأرضي في أيامه وساعاته التي نعمل بها الآن .
(1) القبض على الشيطان ومُلك الألف سنة ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : منظر جديد شاهده القديس يوحنا وهو رؤيته لملاك جديد نازل من السماء ، إعتقد الكثير من المفسرين أنه رمز للمسيح ذاته وذهب البعض الآخر لمجرد إنه ملاك مكلَّف من المسيح بإتمام مشيئته ... والمنظر الذي ظهر به الملاك يدل على المهمة العظيمة المكلَّف بإتمامها . مفتاح الهاوية : منظر يوحي لنا بأنَّ الهاوية هي مكان له أبواب ، ولكن المعنى الروحي المقصود هو أنَّ الهاوية وإن كانت مكان الشيطان وأتباعه إلاَّ أنها تحت سلطان الله المطلق الذي يملك مفتاحها . سلسلة على يده : تستخدم السلسلة في تقييد المجرمين ، والمشهد كله هو مدخل لما هو آتٍ .
ع 2 : أُستخدمت السلسلة في تقييد الشيطان ، ولنلاحظ إستخدام أربعة ألقاب لإسم الشيطان عند القبض عليه .
التنين : وهو لقب الشيطان في سفر الرؤيا ويعني رئيس الشياطين وكان من أتباعه " الوحش والنبي الكذاب " .
الحية القديمة : أي الذي أغوى آدم وحواء في الفردوس قديماً .
الشيطان : الإسم الأكثر شيوعاً ومعناه المشتكي والحاسد لأولاد الله .
إبليس : عدو كل بر وصلاح . راجع أيضاً المعاني في ( ص 12 : 9 ) .
والمقصود بسرد كل هذه الأسماء هو التأكيد أنَّ القبض على الشيطان قد تمَّ وليس مكان للشك ، ولتقريب الصورة للأذهان ... كأن تكتب الجرائد اليومية خبر القبض على مجرم ، وتذكَّر إسمه الرباعي للتأكيد على هويته . قيّده ألف سنة : أثارت هذه " الألف سنة " جدلاً في تحديد زمن بدايتها الأرضي وهل تم ذلك أم سوف يتم ... ؟! والمبدأ المعروف أنَّ الكتاب المقدس يُفسَّر في ضوء الكتاب المقدس ؛ ولأنَّ المسيح نفسه أشار إلى زمن تقييد الشيطان عندما قال :
" لا يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً " ( مت 12 : 29 ) .
" رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء " ( لو 10 : 18 ) .
" الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجاً " ( يو 12 : 31 ) .
لهذا تؤمن الكنيسة بأنَّ هذا التقييد تزامن مع تجسد المسيح وتدبير عمله الخلاصي على خشبة الصليب ، والشيطان الذي كان يربط الناس قديماً ( لو 13 : 16 ) صار مربوطاً بسلطان المسيح .
ع 3 : طرحه في الهاوية : أي صارت مملكته ( الهاوية ) هي مكان سجنه . أغلق عليه : تأكيد لسلطان الله والمفتاح الذي كان مع الملاك . ختم عليه : تعبير تصويري يفيد عدم القدرة على الخروج وعدم السماح لأحد بالفتح له . لكي لا يضل الأمم : أي الغرض من تقييد الشيطان هو إعطاء راحة نسبية للعالم بعد كثرة شروره . حتى تتم الألف سنة : ترتبط نهاية الألف سنة ببداية علامات مجئ السيد المسيح الثاني وقد سبق الإشارة أنَّ هذه الألف سنة ليست زمناً أرضياً . والمعنى المراد من الآية كلها أنَّ القبض على الشيطان قد تمَّ بتجسد وفداء المسيح للبشر وتم أيضاً تحديد إقامته في الهاوية ولم يعد للشيطان سلطان على الإنسان كما كان ، ولكن وجوده الحالي في الهاوية لا يمنعه ، حتى بعد تقييده ، من إستمراره في حروبه وبث أفكاره وتشويشه وإغوائه ، فهو كمن ينبح خلف الأسوار ولكن لازال لنباحه تأثير على كثيرين ، فيخيفهم ويزعجهم ويسقطهم في خطايا متنوعة ولكن لم يعد له سلطان أن يأخذ المؤمنين إلى الجحيم مكان مملكته ، بل يدخلون إلى فردوس النعيم مكان إنتظار الأبرار وأصبح من السهل التغلب على حروبه بقوة المسيح والصليب . يُحل زماناً يسيراً : أي قبل مجئ المسيح الأخير يُسمح له أيضاً أن يقوم بحربه الأخيرة قبل دينونته النهائية .
ع 4 : رأيت عروشاً : أي كراسي عظيمة سمائية . جلسوا عليها : وعد السيد المسيح الإثنى عشر بالجلوس على الكراسي حوله في ملكوته ( مت 19 : 28 ) . أُعطوا حُكماً : مرتبطة بنفس الوعد السابق إذ أعطى السيد المسيح الآباء الرسل حق إصدار الأحكام ودينونة الأمم ( مت 19 : 28 ، 29 ) . يروي القديس يوحنا لنا عن مشهدين في صورة واحدة ، فالمشهد الأول هو جلوس الرسل والقديسين على عروش حول عرشه في مجلس حكمه ، أما المشهد الثاني فهو خاص بجميع المؤمنين المتمتعين بالوجود مع المسيح ومصاحبته في مجده . وقد حدد لنا القديس يوحنا أنَّ هؤلاء الناس هم من لم يسجدوا للوحش ولا صورته ولم يقبلوا سمته وقد سبق الكلام عن هذا كله وشرحه في ( ص 13 : 15 - 18 ) ، والمعنى المراد أنه لن يملك مع المسيح إلاَّ من قاوم الشيطان ورفض وانتصر عليه .
ع 5 : أما بقية الأموات : أي الناس الذين لن يشاركوا المسيح في ملكه ومجده لأنهم تبعوا الشيطان وسمة الوحش ولم يتوبوا ، ولهذا وصفوا بالأموات أي أموات في نظر الله روحياً وإن كانوا يحيون على الأرض بأجسادهم . لم تعش حتى تتم الألف سنة : لم تتب ولم تتمتع بالحياة مع المسيح في كنيسته على الأرض خلال الزمن الأرضي ، أي الألف سنة التي يملك فيها المسيح على قلوب أولاده في الكنيسة ومن إنتقلوا منهم في فردوس النعيم . والمعنى أنَّ هؤلاء الأشرار أي الأموات روحياً ليس لهم مكان في الكنيسة ولا الفردوس ويظل هذا الأمر طوال الألف سنة أي الفترة التي نحياها الآن ، والروح القدس يدعو الكل للقيامة من موتهم بالإيمان بالمسيح والإرتباط بالكنيسة . هذه هي القيامة الأولى : ما معنى القيامة الأولى ، وما هي إذاً القيامة الثانية وهل هناك قيامتان للأجساد أم ماذا ؟! .. لأهمية هذا الموضوع ولتعلقه بإيمان الكنيسة نوضح الآتي :
1- أنه لا توجد سوى قيامة واحدة للأجساد وذلك في مجئ المسيح الثاني ونهاية الحياة على الأرض وبدء الدينونة العامة ( يو 5 : 28 ، 29 ، 2تس 1 : 8 - 10 ، 2بط 3 : 9 ) .
2- معنى القيامة الأولى هو القيامة الروحية التي هي القيامة بالتوبة والمعمودية من موت الخطية كما أكد على ذلك الكتاب المقدس نفسه .
" أنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا التي سلكتم فيها قبلاً ... أقامنا معه في المسيح يسوع " ( اف 2 : 1 - 6 ) .
" مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه بإيمان عمل الله " ( كو 2 : 12 ) .
" كل من كان حياً وآمن بي فلن يموت ( قائم ) إلى الأبد " ( يو 11 : 26 ) .
" نحن نعلم أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة ( القيامة ) " ( 1يو 3 : 14 ) .
مما سبق يمكن التأكيد على معنى القيامة الأولى .. فهي الإيمان بالسيد المسيح ورفض الشيطان ومقاومته وقبول المعمودية من الكنيسة المقدسة والثبات والجهاد حتى النفس الأخير . أما القيامة الثانية كما ذكرنا فهي قيامة الأجساد في يوم الدينونة والدخول إلى الملكوت الأبدي .
ع 6 : لهذا إستحق التطويب والمدح من كان له نصيب في القيامة الأولى " أي المؤمنين الحقيقيين الثابتين " الذين ماتوا عن شهوات العالم فقاموا وعاشوا في العالم بفكر القيامة والإنتصار . الموت الثاني : يمكن فهم تعبير الموت الثاني بأكثر من طريقة :
الأولى : إذا اعتُبِرَ أنَّ الموت الزمني للجسد هو الموت الأول بالتالي صار الموت الثاني تعبير يرمز لهلاك الإنسان الأبدي .
الثانية : إذا أعتُبِرَ أنَّ الموت الأول هو حياة الخطية قبل التوبة ، فيصير الموت الثاني هو موت الجسد الزمني .
والمعنى على أي الأحوال هو أنَّ من كان له القيامة الأولى في المسيح بالإيمان والمعمودية والتوبة لن يؤذه في شئ موت جسده زمنياً كما قال السيد المسيح " لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد " إذ ليس لهم سلطان على الروح . فالروح تنتقل إلى الفردوس وتتهلل هناك ولا تتأثر بموت الجسد على الأرض ثم تخلد بعد ذلك في الملكوت الأبدي بعد مجئ المسيح الثاني . ليس للموت الثاني سلطان عليهم : جملة إعتراضية تؤكد أنهم سيقومون في اليوم الأخير ويملكون إلى الأبد مع المسيح . فهو يقصد أنَّ المؤمنين الذين سيعيشون بالإيمان والتوبة على الأرض سيكونون كهنة لله على الأرض بذبيحة نفوسهم . سيكونون كهنة لله والمسيح : سبب آخر لتطويبهم ومدحهم أنهم كانوا كهنة أثناء حياتهم على الأرض بتقديم ذواتهم وإرادتهم ذبيحة حية يومية أمام الله في عبادتهم وخدمتهم له ، وسيملكون أيضاً بوداعتهم وسلوكهم المسيحي على قلوب من يحيوا معهم ( مت 5 : 5 ) حتى مجئ المسيح الثاني ، وكلمة " ألف سنة " هنا رمزية كما سبق وأوضحنا أنها تشمل الزمن من تجسد وفداء المسيح حتى قرب مجيئه الثاني .
+ أيها الحبيب تشدد وتشجع واثبت في قيامتك الأولى وتذكر وعد السيد المسيح إن ثبت فلن يؤذيك الموت الثاني ولن تهلك نفسك ، ولكن لكي تثبت في هذه القيامة عليك أن تتجنب كل أسباب الموت الروحي ... فاهرب من مغريات العالم وشهواته وتمسك بتوبتك اليومية ، فالتوبة هي قيامتك التي إن تركتها لن يتركك الموت الثاني .
مراجعة لعقيدتنا في الألف سنة وحكم المسيح الألفي :
بينما ذهب البعض ( من الطوائف الأخرى ) في تفسير أنَّ الألف سنة هي ألف سنة زمنية وسيملك فيها المسيح على الأرض ويدير شئونه مع قديسيه من أورشليم ؛ ترفض كنيستنا هذا التعليم بجملته لأكثر من سبب :
1- إعلان المسيح ذاته أكثر من مرة أنَّ مملكته ليست من هذا العالم .
2- إعلان المسيح عن مجيئه مرة ثانية وأخيرة وهذه المرة تشهد إنحلال الطبيعة وسقوط الكواكب ونهاية الحياة على الأرض ( مت 24 ) .
3- كل الأزمنة والأحداث في سفر الرؤيا أحداث رمزية ذات مدلولات روحية .. فلماذا هذا الزمن بالذات نفهمه حرفياً ؟! .
(2) حل الشيطان زمناً قليلاً ( ع 7 - 10 ) :
ع 7 : متى تمت الألف سنة : أي قرب نهاية زمن الحياة الأرضي وقبل مجئ السيد المسيح الثاني بفترة وجيزة ولفترة قصيرة . يُحل من سجنه : أي يسمح الله له بفترة قصيرة أن يستخدم فيها كل قوته وعنفه ، وستكون فترة صعبة يحاول أن يضل فيها المختارين ولكن قوة الله تسندهم فلا يعثرون .
ع 8 ، 9 : هذان العددان يوضحان لنا المعركة الأخيرة ، وقد ذكرت بلا إسهاب ولا تفصيل .. ويمكن وصفها في الآتي :
1- خروج الشيطان ليجمع أنصاره للحرب من كل أركان العالم " أربع زوايا الأرض " .
2- كان عددهم لا يحصى وأحاطوا بالكنيسة في حرب شرسة إذ أتوا من عرض الأرض بشرهم لإهلاك الكنيسة " معسكر القديسين والمدينة المحبوبة " .
3- كانت النهاية سريعة ومروعة إذ أنزل الله ناراً إلهية من السماء ( جام غضبه : ص 16 ) فالتهمتهم جميعاً .
جوج وماجوج : كناية عن الشيطان وأعوانه ، أما في الأصل فهما ملكان للممالك الشمالية التي حاربت وعادت إسرائيل قديماً وتنبأ عنها حزقيال ( حز 38 : 2 ) وعن خرابها الشديد ( حز 38 : 7 - 13 ) .
ع 10 : أما قائدهم الأعلى ومدبر مملكة الشر كلها الذي خدع وأضلَّ الكثيرين وراءه فكان مصيره الهلاك الأبدي في بحيرة النار والكبريت وصاحباه أيضاً أكبر أعوانه في مملكة الشر وهما الوحش والنبي الكذاب . أما مصيرهم فهو العذاب النهائي والأبدي وبلا توقف أو رحمة " نهاراً وليلاً " . وهذا إعلان لنا جميعاً عن أنَّ عدل الله ونقمته من الأشرار آتية .. آتية مهما أطال أناته عليهم . ويلاحظ أيها القارئ العزيز أنه بنهاية هذا المشهد لا يُذكر الشيطان ولا أعوانه ثانيةً . بحيرة النار والكبريت : هي المكان الأبدي المعد لعذاب الأشرار وهو ليس الجحيم وليس أيضاً الهاوية .. فلن يدخل هذا المكان أحد من الأشرار قبل مجئ المسيح ودينونته .
+ إذا عارضك الكثيرون في سلوكك بالبر فلا تنزعج ، وإن ضغطوا عليك سواء المقربين منك أو المسئولين عنك لتخطئ إلى الله فلا توافقهم بل لتطع وصايا الله قبل كل إنسان . ثابر في جهادك عالماً أنَّ كل الشر سيزول وسيكافئك الله في النهاية على أمانتك وأيضاً يسندك في مواجهتك للعالم حتى تُكمِل أيام غربتك بسلام فيه .
(3) الدينونة العامة ( ع 11 - 15 ) :
ع 11 : ثم رأيت : ينقلنا القديس يوحنا بهذا التعبير إلى مشهد الدينونة العامة والأخيرة .. عرشاً عظيماً أبيض : أي عرش المسيح ذاته وقال عنه عظيماً ليميزه عن أي عرش آخر كعروش التلاميذ أو القديسين ( ع 4 ) . والبياض يرمز للطهارة والنقاء المطلق الذي يتميز به الله وحده . هربت الأرض والسماء : زالتا ولم يكن لهما موضع أو حياة ، والسماء هنا مقصود بها سماء النجوم والكواكب . المشهد هنا مخيف ومهيب إذ جلس المسيح نفسه على عرش دينونته النقي والطاهر والعادل بعد أن زالت كل علامات العالم المادي المعروف لدينا ، وصرنا في زمن الأبدية اللانهائية .
ع 12 : ظهر أمام العرش كل الأموات قائمين بأجسادهم الجديدة من كبيرهم إلى صغيرهم فالقيامة للكل حتى للأطفال . إنفتحت الأسفار : أي فُتحت الكتب التي احتوت ورصدت أعمال كل واحد منهم . سفر الحياة : فُتح كتاب آخر كتبت فيه أسماء وارثي الحياة الأبدية . دِينَ الأموات : تمت محاسبة كل واحد على كل الأعمال التي أتى بها في حياته والمكتوبة في الأسفار ، إذ كان كل شئ مدوناً . بحسب أعمالهم : أي ليس بحسب مراكزهم أو مهامهم العظيمة على الأرض بل بحسب أعمالهم الموافقة أو المنافية لوصايا المسيح . يصف القديس يوحنا كيفية إتمام الدينونة ، إذ واجه كل إنسان في يوم الدينونة كل أعماله التي عملها بإدراك ووعي سواء كان صغيراً أو كبيراً ، فكل ما لم يتب عنه الإنسان هو مسجل عليه ومحفوظ ولا يستطيع أن ينكره أو يبرره .
ع 13 : سلّم البحر الأموات : المعنى المباشر هو أنَّ من كان ميتاً بالغرق في البحر وليس مدفوناً قام أيضاً . الموت والهاوية : أي من كان ميتاً ومقبوضاً عليه في الجحيم قام أيضاً من الموت للدينونة . المعنى العام لهذه الآية هو ، حيث أنَّ الله هو وحده صاحب السلطان على الخليقة كلها وأمر ببدء الدينونة ، قامت الأجساد كلها بصرف النظر عن مكان وجودها أو دفنها واتحدت بالأرواح حتى تتم الدينونة بحسب قضاء الله العادل ويعطي كل واحد بحسب عمله . وجاءت هذه الآية تصوِّر البحر والهاوية كأشخاص الحراس الذين أؤتمنوا على الأرواح والأجساد وجاء الآن زمان تسليمهم للدينونة .
ع 14 : لأنَّ الموت والهاوية إرتبطا بالخطية صارا عدوين لله ، كقول القديس بولس " أنَّ آخر عدو يبطل هو الموت " ( 1كو 15 : 26 ) ولأنه بعد القيامة لن يكون هناك موت آخر ولا احتياج للهاوية ( مكان إنتظار الأشرار أو الشيطان ) ، فقد ألقى الله بهما إلى البحيرة أيضاً وهي بحيرة العذاب الأبدي التي ذُكِرت في ( ع 10 ) . هذا هو الموت الثاني : أي هذا هو الموت والهلاك الأبدي الذي ليس بعده حياة أو قيامة ، وهو العذاب الدائم في بحيرة النار والكبريت وهو في غاية الشناعة .
ع 15 : أي من لم يكن له حياة صالحة أو توبة دائمة ورفض بأعماله الشريرة أن يكون إسمه مكتوب في سفر الميراث الأبدي ( سفر الحياة ) صار مرفوضاً ، وتم طرحه في البحيرة مثلما طُرِحَ التنين والوحش والنبي الكذاب وكل أتباع الشر والموت والهاوية ، فالمصير واحد لكل الأشرار .
+ إلهي الحبيب إنَّ مشهد الدينونة لمشهد مرعب جداً ، تهتز له النفس وتهابه ، فاجعله ماثلاً أمامي دائماً يا إلهي حتى لا أتهاون ولا أنصرف إلى حياة الشر واجعلني أصلي دائماً مع كنيستك في صلاة السِتار ( من الأجبية ) قائلاً " إنَّ دينونتك لمرهوبة ، إذ تحشر الناس وتقف الملائكة . وتفتح الأسفار وتكشف الأعمال وتفحص الأفكار . أية إدانة تكون إدانتي أنا المضبوط بالخطايا ، من يطفئ ظلمتي إن لم ترحمني أنت يارب ؟ لأنك متعطف على البشر " .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح