كلمة منفعة
في فترة الصوم يليق بك أن تتدرب على ضبط النفس، كما تدرب نفسك على ضبط جسدك..
— تداريب في ضبط النفس
سفر رؤيا يوحنا 17
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 17
الرؤيا
الإصحاح رقم 17
سقوط بابل
+ بابل والوحش ص 17.
+ سقوط بابل ص 18.
+ نصرة السماء ص 19.
مقدمة
إذ كان هذا السفر سفرًا مفرحًا ومبهجًا، لهذا أعقب الحديث عن الجامات السبعة بدمار بابل مركز تدابير الوحش، معلنًا نصرة الرب عليه وتهليل السمائيين لذلك. أما عن "بابل" فلها قصة خاصة بها في الكتاب المقدس تتلخص فيما يلي:
أولاً: قصة بابل التاريخية
جاء في (تك 10: 9) أن نمرود هو منشئ مدينة بابل، وهو رجل جبار عاصي، قاد كثيرين إلى عصيان الله. تشتهر هذه المدينة بعبادة الأصنام، خاصة إلهها الأعظم مرودخ. ويظهر عنادها مع الله منذ نشأتها إذ دُعيت بابل: "لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض" (تك 11: 9) حينما أرادوا أن يقيموا لأنفسهم برجًا يحتمون فيه من الله متى أراد الانتقام منهم.
وقد كانت بابل بالنسبة لكنيسة العهد القديم موضوع رعب. وكان الرب يستخدمها لتأديب اليهود فسبتهم وأذلتهم في مراحل كثيرة. من هنا صارت كلمة "بابل" تشير إلى معاندة الله ومحبة العالم والقسوة على البشر.
ثانيًا: سرّ بابل
ظهرت "بابل" في سفر الرؤيا كامرأة زانية وكمدينة عظيمة. والمرأة في الكتاب المقدس تشير إلى نظام معين أو جماعة معينة. فالمسيح له المجد له عروس حقيقية هي الكنيسة (أف 5: 23-32). إنها امرأة مقدسة بلا دنس ولا غضن. وضد المسيح أيضًا له عروس هي "بابل"، هي جماعته التي تعمل ضد الإيمان وتعاند الله وتحث على النجاسات.
والمدينة تشير إلى السكنى، فأورشليم المقدسة تشير إلى سكنى الله بين البشر لذلك دعيت مقدسة. ويمكن أن نقول أن كل نفس أيضًا هي أورشليم المقدسة، لأن الله يسكن في داخلها. وبابل العظيمة تشير إلى سكنى "ضد المسيح" بين البشر، لذلك دُعيت "عظيمة" إذ هو عنيف. ويمكن أن يسمح لهذا الضد أن يستخدم أية مدينة سواء أكانت هذه بابل فعلاً أو غيرها، فلا يهمنا التفصيل، ولكن يمكننا أن نقول أيضًا إن كل نفس معاندة للرب هي بابل لأنها مسكن إبليس.
إذن من هي بابل؟
1. يجيب القديس أغسطينوس وطيخون الإفريقي أنها تشير إلى جماعة الأشرار، أي ترمز إلى محبي العالم ومجده وغناه ولذاته، المتعلقين به.
2. ويرى أغلب الآباء الأولين أنها تشير إلى مملكة ضد المسيح وعمله الشيطاني، إذ يُعاد بناء بابل وتكون مركزًا إداريًا للتخطيط الشيطاني المعاند. غير أنه ليس من الضروري أن تكون بابل في نفس الموقع القديم، ولا حاجة لأن تدعى "بابل" حرفيًا . وإن كان البعض يرى أنها تدعى حرفيًا، وتقوم في نفس مكان بابل القديمة.
3. يرى البعض أن بابل هذه صورة استعارية للشكل الذي يقوم عليه نظام ضد المسيح الديني والسياسي بما يحمله من كل آلات للشر يمكن أن يستخدمها إبليس في مقاومة الرب.
فهى مجرد تعبير للكشف عن حالة العداوة القائمة ضد الله بصورة أو بأخرى، دون أن نبحث في التفاصيل والكيفيات، حتى لا نشوه السفر، ونفقد مفاهيمه وغاياته التي يريد أن يقدمها لنا لأجل خلاصنا، لنعيش بها، وليس لكي نهتم بمعرفة دقائق الحوادث المقبلة، كمن يريدون أن يقيموا أنفسهم أنبياء لأمور ليس لنا أن نبحث عنها.
الأصحاح السابع عشر
بابل والوحش
يتحدث هذا الأصحاح عن بابل الزانية وعلاقتها بالوحش:
1. سماتها 1 - 6.
2. سر المرأة والوحش 7 - 18.
1. سماتها
"ثم جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة جامات، وتكلم معي قائلاً: هلم فأريك دينونة الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة" [1].
انتقل الرب بيوحنا إلى رؤية جديدة، إذ جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معه السبعة جامات. ومجيء هذا الملاك بالذات ليريه هذه المرأة الزانية، إنما ليكشف لنا مدى قسوة قلب الإنسان الشرير، خاصة ضد المسيح نفسه وأتباعه. ويليق أن يقوم بهذا الدور أحد الملائكة الذين يسكبون الجامات السبعة حتى لا نتهمهم بالعنف أو القسوة عن غيرهم.
أما سمات بابل فهي:
1. "الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة". إذ يقدم الله نفسه عريسًا للنفس البشرية، لهذا يطلب القلب كله. وكل انحراف للقلب خارج الرب يُحسب خيانة زوجية وبالتالي يدعى "زنا روحي". لهذا يسمى الكتاب المقدس عبادة الأصنام ومحبة المال زنا.
أما جلوسها على مياه كثيرة فكما نعلم أن المياه تشير إلى الشعوب، أي يسيطر روح العداوة، روح ضد المسيح، على شعوب كثيرة. هذا الوصف سبق أن اتسمت به بابل القديمة التي خربت، إذ نقرأ عنها "أيتها الساكنة على مياه كثيرة" (إر 51: 13).
2. "التي زنى معها ملوك الأرض، وسكر سكان الأرض من خمر زناها" [2]. أي تشترك بلاد وممالك أخرى معها في شرها وتجديفها، ويكون ذلك خلال انحراف ملوكها. وبسقوط الملوك تستهوي أفكارهم شعوبهم، فينجذبون معهم في تجديفهم بلا تعقل ولا تفكير كالسكرى.
3. جلوسها على وحش قرمزي: "فمضى بي بالروح إلى برية، فرأيت امرأة جالسة على وحش قرمزي، مملوء أسماء تجديف، له سبعة رؤوس وعشرة قرون" [3]. نقله الروح إلى موضعها "إلى برية" فهي تعيش في قحل روحي وجفاف، فالعالم الذي يحتضنها مهما بدا بخيراته ولذاته هو برية قاحلة لا يشبع النفس ولا يرويها.
هذه المرأة تخفي تحتها وحشًا، هو الشيطان العامل فيها، الذي تتربع عليه كل معاداة الله، كعرش يحتضن الإثم وفاعلي الإثم. يرى ابن العسال أن هذا الوحش هو جيش ضد المسيح الذي يستند عليه في مقاومة الكنيسة، والذي يعمل بروح الشيطان. أما لونه القرمزي فيشير إلى سفك الدماء. وامتلاؤه بأسماء تجديف يشير إلى ما يفكر فيه وهو أنواع (أسماء) من التجديف. والرؤوس السبع والقرون العشرة سبق الحديث عنهما، وسيأتي الحديث عنهما في نفس الإصحاح.
4. تزينها وتجملها: "والمرأة كانت متسربلة بأرجوان وقرمز، ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها، مملوءة رجاسات ونجاسات زناها" [4]. إنها عروس الوحش، كيف لا تتزين حتى تخدع الناس وتجذبهم إلى سمومها؟! إنها "متحلية بذهب"، أي أن جمالها ليس طبيعيًا بل صناعي مخادع. ما أبعد هذه العروس عن عروس المسيح الكنيسة المتزينة (رؤ 12)!
هذه تتزين بالزمنيات للخداع، وتلك تزينها السماء، فتتسربل بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من إثنى عشر كوكبًا. هذه تمسك في يدها كأسًا مملوء رجاسات ونجاسات زناها، وتلك حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة. إنها تسير في طريق الصليب. هذه تقدم كل لذات العالم لأبنائها، وتلك لا تجد لها موضعًا، فيعد الله لها موضعا لكي يعولها (12: 6). هذه تتربع على عرش إبليس، وتلك يقف منها التنين موقف الحاسد الذي يريد افتراسها.
5. وقاحتها: "وعلى جبهتها اسم مكتوب: سرّ. بابل العظيمة أم الزواني ورجاسات الأرض" [5]. يقول العلامة ترتليان إن الزانيات في القديم كن يكتبن أسماءهن على أبوابهن حتى يأتي إليهن من يهواهن. وعلى هذا فإن هذه المرأة بلغت بها وقاحتها لا أن تكتب اسمها على بابها بل على جبهتها افتخارًا بالشر وتجاسرًا وتشبثًا بأعمالها. أما كلمة "سرّ" فلم تأت مضافًا و"بابل" مضافًا إليه، بل هي كلمة اعتراضية تعني أن لها معنى رمزيًا، هذا المعنى هو: "بابل" أي معاندة الله. إنها مأوى الأشرار المقاومين لله.
فكما أن الكنيسة تدعى "أورشليم" و"صهيون" بكونها صارت مقدسة للرب، هكذا مملكة ضد المسيح تدعى "بابل" مدينة إبليس، رمز للزنا الروحي والعناد.
6. مقاومتها للرب: "ورأيت المرأة سكرى من دم القديسين، ومن دم شهداء يسوع، فتعجبت لما رأيتها تعجبًا عظيمًا" [6]. تعجب أن هذه المرأة المتزينة والمتحلية التي تُظهر كل رقة وعذوبة في حقيقتها سافكة دم الأبرياء القديسين، لا يلذ لها إلا مقاومة ربنا يسوع بقتل شهدائه.
2. سر المرأة والوحش
"ثم قال لي الملاك: لماذا تعجبت؟ أنا أقول لك سرّ المرأة والوحش الحامل لها، الذي له السبعة الرؤوس والعشرة قرون. الوحش الذي رأيت كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الجحيم، ويمضي إلى الهلاك" [7-8].
واضح أن هذا الوحش هو الشيطان الذي كان، أي كان له سلطان على البشر ويشتكي عليهم ويأسرهم، "وليس الآن"، لأنه لم يعد له سلطان علينا، إذ بالصليب صار ملكوت الله في داخلنا، وصرنا نتمتع بحرية أولاد الله الغالبين الذين لا سلطان لإبليس أو جنوده أو أعماله عليهم، لهذا يقول الكتاب أنه رجع السبعون بفرح قائلين: "يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم: رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 17-19). وقيل: "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب. إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 14-15). الكتاب المقدس وأقوال الآباء وسير القديسين، الكل مشحون بما يؤكد انهيار قوة الشيطان بالنسبة للمؤمن. لهذا يقول عنه سفر الرؤيا "كان وليس الآن"، لأنه قد تحطمت قوته ودخلنا بالرب معه في الملكوت الألفي كعربون للملكوت الأبدي الذي هو امتداد للملكوت الألفي لكن ليس في هذا العالم ولا كمن هم في لغز بل في أمجاد علنيّة أبديّة.
وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ومع الصلاة ارشم نفسك بالصليب على جبهتك وحينئذ لا تقترب إليك الشياطين، لأنك تكون متسلحًا ضدهم.]
أما قوله: "وهو عتيد أن يصعد من الجحيم، ويمضي إلى الهلاك" فهو إعلان عن صعود سلطانه مرة أخرى في شخص ضد المسيح كما رأينا، لكنه سرعان ما يمضي إلى الهلاك الأبدي إلى جهنم. لهذا يقول: "وسيتعجب الساكنون على الأرض، الذين ليست أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة منذ تأسيس العالم، حينما يرون الوحش أنه كان وليس الآن، مع أنه كائن" [8]. سيتعجب أتباع ضد المسيح الأرضيون الماديون في تفكيرهم، إذ يرون الوحش، أي إبليس الذي كان له سلطان وقد انتزع منه قد صار كائنًا، عادت إليه قوته وصار كأنه لا يُقهر ومملكته لا تزول، يسكب من الأرضيات بسخاء على أتباعه.
"هنا الذهن الذي له حكمة السبعة الرؤوس هي سبعة جبال عليها المرأة جالسة. وسبعة ملوك خمسة سقطوا وواحد موجود وآخر لم يأت بعد ومتى أتى ينبغي أن يبقى قليلاً. والوحش الذي كان وليس الآن فهو ثامن وهو من السبعة ويمضي إلى الهلاك" [9-11].
يرى الأب أيبوليطس أن الخمسة رؤوس الذين سقطوا هم خمسة ملوك وهم يمثلون دولاً عظيمة ملكت وسيطرت على العالم:
1. بختنصر الكلداني.
2. قورش المادي.
3. دارا الفارسى.
4. إسكندر اليوناني.
5. الأربعة الذين ملكوا بعده.
6. مملكة الرومانيين وهى الدولة التي كانت أثناء كتابة السفر.
7. مملكة ضد المسيح التي ستأتي في آخر الأزمنة.
ويرى القديس ايريناؤس أنهم يمثلون جمهورًا من الملوك الظالمين الذين اضطهدوا المؤمنين عبر القرونK دون التقيد بأسماء معينة أو عدد معين، وأن الموجود حاليًا (أثناء الكتابة) هو دومتيانوس المضطهد للكنيسة والآتي هو ضد المسيح.K والكل قد سيطر على قلبهم الشيطان.
أما الثامن أي الوحش، وهو من السبعةK أي له نفس الروح العدائيّة التي للملوك الظالمين السابقين. فقد ذكره بمفردهK كأنه يقول إن كل ما مر على الكنيسة منذ آدم إلى يوم مجيء ضد المسيح من اضطهادات ومضايقات، هذا كله يوضع في كفة وما يثيره ضد المسيح يوضع في كفة أخرى. هذا ما يكشفه لنا الوحي عن ضد المسيح فسيكون في شره يفوق مجموع كل الشرور التي أثيرت ضد الله منذ نشأة البشرية.
"والعشرة القرون التي رأيت هي عشرة ملوك لم يأخذوا ملكًا بعد، لكنهم يأخذون سلطانًا كملوك ساعة واحدة مع الوحش. هؤلاء لهم رأي واحد ويعطون الوحش قدراتهم وسلطانهم. هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك والذين معه مدعوون ومختارون مؤمنون" [12-14].
يقول القديس إيرونيموس في تفسير الأصحاح السابع لدانيال ما يقوله ابن العسال أنه يخضع لضد المسيح عشرة ملوك يسلمونه كل إمكانيتهم وطاقاتهم لمحاربة الحمل. وأن العشرة منهم سبعة يقبلونه ويرضون به، وأما الثلاثة فيقاومونه أولاً فيغلبهم. وبهذا يسيطر ضد المسيح على الجميع.
والعجيب أن الحمل لا يتركهم، هكذا بل يغلبهم، ليس من أجل نفسه، بل من أجل الذين معه، إذ هم "مدعوون ومختارون ومؤمنون" فلا يتركهم إلى النهاية.
وكيف يغلب الحمل؟
يقول الرائي: "وأما العشرة القرون التي رأيت على الوحش، فهؤلاء سيبغضون الزانية، وسيجعلونها خربة وعريانة، ويأكلون لحمها ويحرقونها بالنار. لأن الله وضع في قلوبهم أن يصنعوا رأيًا واحدًا، ويعطوا الوحش ملكهم حتى تكمل أقوال الله. والمرأة التي رأيت هي المدينة العظيمة التي لها ملك على ملوك الأرض" [16-18].
هذه بداية الغلبة للحمل وأتباعه أنه يترك الشر يفسد نفسه بنفسه، فلا نعرف ماذا يحدث. فربما ينقلب الملوك العشرة ليبغضوا بابل الزانية، أي مركز عمل الوحش الشيطاني، أي يحدث انشقاق بين السلطانين الزمني والروحي (الشيطاني) لضد المسيح وأتباعه، فيقوم الملوك عليها ويجعلونها خربة، أي يجردونها من كل حيوية، فلا يطيق البشر التطلع إليها ولا يقبلونها. وعريانة، فتصير في خزي وعار لأن من كانوا يسندونها صاروا أعداء لها. ويأكلون لحمها، وهنا يكشف مقدار السُعر الذي يحل بهم في الفتك بها. ويحرقونها بالنار حتى لا يتركوا لها أثرًا، وهذه هي عادة الملوك عند افتتاح مدن عظيمة.
وكل ما يفعلونه يصنعونه لحساب المسيح، حتى وإن كانوا يفعلونه بدافعهم الشخصي، لكنهم من غير أن يدروا "الله وضع في قلوبهم أن يصنعوا رأيه" أن تقاوِم التخطيطات المدنية الشيطانية، أولئك القائمين بالتخطيطات الروحية الدنسة، وينتهي الأمر إلى تحطيم بعضها البعض.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الآصحاح السابع عشر
أجل الوحى الحديث عن معركة هرمجدون التى سمعنا عنها فى نهاية الإصحاح السابق، ليعود ويحدثنا عنها فى نهاية الإصحاح التاسع عشر. أما فى هذا الإصحاح فيحدثناعن توقيت ظهور الوحش ثم فى الإصحاح الثامن عشر يحدثنا عن خراب مملكة الشر فى العالم، لإظهار غلبة المسيح على أعدائه وهى نهاية محتومة. وفى بداية إصحاح (19) نرى تهليل السمائيين بغلبة المسيح وظهور مجده وقداسته وعدله وإنتصاره، وفرح شعبه معه فى السماء.
أية (1):- "1ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمُ السَّبْعَةُ الْجَامَاتُ وَتَكَلَّمَ مَعِي قَائِلاً لِي:«هَلُمَّ فَأُرِيَكَ دَيْنُونَةَ الزَّانِيَةِ الْعَظِيمَةِ الْجَالِسَةِ عَلَى الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ،"
ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ الْمَلاَئِكَةِ = هؤلاء الذين يسكبون جامات الغضب. هذا أتى ليوحنا ليريه أن الاشرار المكنى عنهم بالزانية العظيمة، هم يستحقون هذه الضربات. ويسميها هنا بالزَّانِيَةِ = لأنها تنحرف بالناس بعيدا عن الله. ويسميها الْعَظِيمَةِ = من فرط قوة تأثيرها على الناس. والكتاب يسمى عبادة الأصنام زنا روحى. الْجَالِسَةِ عَلَى الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ = من (أية 15) نفهم أن المياه الكثيره هى شعوب وجموع وأمم وألسنة بخيراتها التى وهبها لها الله لتمجده، فإستخدمت الخيرات لتستمتع بها بعيدا عن الله، بل إستخدمتها فى الشر هذه الزانية هى مانسميه فى الروحيات العالم، فالله خلق العالم لنستخدمه، فصار:
1. إلها نتعبد له كالمال والجنس.
2. صار إستخدامنا له فى الشر.
أية (2):- "2الَّتِي زَنَى مَعَهَا مُلُوكُ الأَرْضِ، وَسَكِرَ سُكَّانُ الأَرْضِ مِنْ خَمْرِ زِنَاهَا»."
الَّتِي زَنَى مَعَهَا مُلُوكُ الأَرْضِ = ربما يعنى بملوك الأرض، الملوك فعلا، فهم أكثر إنغماسا فى الملذات، ولكن غالبا فالمقصود بمُلُوكُ الأَرْضِ = الناس الاشرار الذين يستمتعون بالخطايا المحرمة. وقارن هذا بأولاد الله الذين أسماهم ملوكا وكهنة (رؤ6:1) فملوك الأرض هؤلاء إمتلكوا ملذات وشهوات العالم الخاطئة وظنوا أنهم إمتلكوا كل شىء، وفى الحقيقة هم إمتلكوا أوهام فالعالم باطل الأباطيل...
أما أولاد الله الملوك الحقيقيين هم إمتلكوا إرادتهم وتحكموا فى شهواتهم فما عادت هذه الشهوات تستعبدهم، بل هم ككهنة قدموا أجسادهم ذبيحة حية وصلبوا أهوائهم فحصلوا على الحرية الحقيقية التى للملوك، وما عادوا عبيدا لملذات وشهوات الأرض. هم كملوك ما عاد يسيطر عليهم شىء من شهواتهم. سَكِرَ سُكَّانُ الأَرْضِ مِنْ خَمْرِ زِنَاهَا= فالخطية كالخمر ينتشى بها الإنسان للحظات ثم يكتشف أنها دمرت حياته.
آية (3):- "3فَمَضَى بِي بِالرُّوحِ إِلَى بَرِّيَّةٍ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً جَالِسَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ مَمْلُوءٍ أَسْمَاءَ تَجْدِيفٍ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ."
فَمَضَى بِي بِالرُّوحِ إِلَى بَرِّيَّةٍ = هنا يحدثنا عن مملكة الشر فى العالم ويصورها كإمرأة موجودة فى برية أى قحط روحى وجفاف وخراب، فالعالم مهما بدا أنه حافل بالملذات والخيرات إلا أنه برية قاحلة لا يشبع النفس أو يرويها.
وقارن مع (رؤ1:12) تجد أن عروس المسيح أى الكنيسة مشبهة هى الأخرى بإمرأة. وحين رآها يوحنا قال " ظهرت آية عظيمة فى السماء متسربلة بالشمس ".
جَالِسَةً عَلَى وَحْشٍ قِرْمِزِيٍّ = الكنيسة كانت متسربلة بالرب يسوع، هو نورها ولها سماته، هى قد لبست الرب يسوع. وهى تحيا فى السماء. أما مملكة الشر فهى جالسة على الشيطان، يوجهها ويحملها ويدعمها وهو العامل فيها. وهو قرمزى، لأن الشيطان كان قتالا للناس منذ البدء (يو44:8).
مَمْلُوءٍ أَسْمَاءَ تَجْدِيفٍ = فهو يدعى الألوهية، وهو مقاوم لله ويسب ويجدف على الله.
لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ = هى سبعة ممالك كبيرة فى التاريخ، قاومت الله.
وَعَشَرَةُ قُرُونٍ = هم 10 ملوك يأتون فى آخر الزمان ليؤيدوا الوحش (ضد المسيح).
آية (4):- "4وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ مُتَسَرْبِلَةً بِأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، وَمُتَحَلِّيَةً بِذَهَبٍ وَحِجَارَةٍ كَرِيمَةٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَمَعَهَا كَأْسٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِهَا مَمْلُوَّةٌ رَجَاسَاتٍ وَنَجَاسَاتِ زِنَاهَا،"
الأُرْجُوانٍ وَالقِرْمِزٍ والذَهَبٍ = هو لباس الملوك. فعروس الوحش تتزين لتخدع البسطاء وتجذبهم إلى سمومها، تتزين بالزمنيات فهى بلا جمال حقيقى، عكس الكنيسة التى تتزين بالرب يسوع نفسه (فهى متسربلة بالشمس).
مَعَهَا كَأْسٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِهَا = تروى منه أتباعها ماء مالحا من يشرب منه يعطش، هى تقدم الملذات لتابعيها ولكنها لا تستطيع أن ترويهم.
مثال:- أغنى بلاد العالم نجد فيها الجنس مباح تماما، ولكننا نجد بها أعلى نسبة للإنتحار والأمراض النفسية. فالإنسان ليس جسدا ونفس فقط. بل الإنسان له روح وهى نفخة من الله وبهذا فهو لا يرتاح راحة حقيقية سوى بمعرفته لله وبعده عن الخطية. فهؤلاء نسوا أن فيهم روح وظنوا أن فى إشباع أجسادهم الكفاية، لكنهم لم يشبعوا أو يرتووا، بل إنتحروا. وعلى العكس نرى رهبانا تركوا العالم وعاشوا فى البرارى دون طعام أو شراب ودون عواطف بشرية ودون ملذات حسية، لكنهم فى قمة الفرح، مملوئين سلاما، فالروح مرتوية بالله.
آية (5):- "5وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ:«سِرٌّ. بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ»."
وَعَلَى جَبْهَتِهَا سِرٌّ بَابِلُ = كانت العاهرات فى المجتمع الرومانى يحملن أسمائهن مكتوبة على جباههن كنوع من الدعاية لأنفسهم. وفى هذا منتهى الوقاحة وهذا ما نراه الآن فما عاد الأشرار يخجلون من زناهم ولا من شذوذهم الجنسى بل يفتخرون به. وقوله سِرٌّ أى أن إسم بابل هو إسم رمزى لمملكة الشر فى العالم، المعاندة لله، فكما أن الكنيسة تدعى أورشليم أو صهيون بكونها مدينة الرب، هكذا صارت بابل رمزا لمدينة إبليس ورمزا للزنا الروحى والعناد مع الله.
هناك عريسين وعروستين :-
العروس الأولى هى الكنيسة وعريسها هو الرب يسوع تلتحف به
العروس الثانية هى بابل = مملكة الشر وعريسها الذى يحملها هو إبليس
أُمُّ الزَّوَانِي = أى ينبوع الرذائل.
آية (6):- "6وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ. فَتَعَجَّبْتُ لَمَّا رَأَيْتُهَا تَعَجُّبًا عَظِيمًا!"
سَكْرَى مِنْ دَمِ الْقِدِّيسِينَ = هى إضطهدت شعب الله وقتلتهم وهذا بطريقتين :
1. من كانوا قديسيين وأغوتهم فسقطوا وهلكوا، وصارت مسئولة عن دمائهم، وهى الآن سكرى أى فرحة من دمائهم أى بسقوطهم.
2. قتل وإضطهاد القديسيين = وَمِنْ دَمِ شُهَدَاءِ يَسُوعَ.
تَعَجَّبْتُ =
1. من طول أناة الله على هذه المرأة الشريرة بابل.
2. ممن أغووا بغوايتها وهم عالمين بنهايتهم المؤلمة.
الآيات (7-8):- "7ثُمَّ قَالَ لِي الْمَلاَكُ:«لِمَاذَا تَعَجَّبْتَ؟ أَنَا أَقُولُ لَكَ سِرَّ الْمَرْأَةِ وَالْوَحْشِ الْحَامِلِ لَهَا، الَّذِي لَهُ السَّبْعَةُ الرُّؤُوسِ وَالْعَشَرَةُ الْقُرُونِ: 8الْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتَ، كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الْهَاوِيَةِ وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ. وَسَيَتَعَجَّبُ السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، حِينَمَا يَرَوْنَ الْوَحْشَ أَنَّهُ كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، مَعَ أَنَّهُ كَائِنٌ."
الْوَحْشِ= هو الشيطان
كَانَ = كان له سلطان على البشر، وكان يشتكى عليهم ويأسرهم، ويأخذ نفوسهم للجحيم عند موتهم
وَلَيْسَ الآنَ = فالمسيح بصليبه قيده ألف سنة (رؤ2:20) وما عاد له سلطان علينا بعد أن حررنا المسيح بفدائه (لو17:10-19) + (كو15،14:2). إذا المؤمن الآن صار له سلطان على إبليس، وليس لإبليس سلطان عليه وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الجحيم = فى نهاية الألف سنة لابد أن يحل إبليس زمانا يسيرا (رؤ3:20) وسيكون هذا فى مدة ضد المسيح والنبى الكذاب.
وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ = حين يطرح فى البحيرة المتقدة بالنار (رؤ10:20).
سَيَتَعَجَّبُ = أولاد الله لهم سلطان على إبليس وعلى شهواتهم ويحتقرون ملذات هذا العالم. وهذا الموقف سيجعل الآخرين = الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ = هؤلاء سيتعجبون من هذا السلطان، فمن لا يعرف سر الصليب سيتعجب من سلطان أولاد الله.
آية (9):- "9هُنَا الذِّهْنُ الَّذِي لَهُ حِكْمَةٌ! اَلسَّبْعَةُ الرُّؤُوسِ هِيَ سَبْعَةُ جِبَال عَلَيْهَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةً."
اَلسَّبْعَةُ الرُّؤُوسِ هِيَ سَبْعَةُ جِبَال = هذه السبعة رؤوس هى سبعة ممالك قوية عبر التاريخ، إضطهدت شعب الله. لكن رقم 7 هو رقم كامل. والمعنى أنه ربما نستطيع أن نحدد أسماء سبع ممالك فعلا قامت بإضطهاد شعب الله. ولكن المعنى أن شعب الله دائما مضطهد عبر العصور وفى كل مكان... "فجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى فى المسيح يسوع يضطهدون" (2 تى 12:3).
عَلَيْهَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةً = أى أن هذه الممالك دعمت الشر وإضطهدت شعب الله. وسمعنا أن هناك شيطان كان مخصصا لملك فارس ليغويه على الشر (دا13:10).
وكان إسمه رئيس مملكة فارس. ولا حظ قوته فهو قاوم جبرائيل الملاك 21 يوما إلى أن أتى ميخائيل لمعاونته. وتشبيه الممالك بالجبال كان لأنها راسخة وقوية كالجبال، ولكن يأتى عليها وقت وتنهار ليأتى غيرها مكانها.
آية (10):- "10وَسَبْعَةُ مُلُوكٍ: خَمْسَةٌ سَقَطُوا، وَوَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَمَتَى أَتَى يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً."
سبعة ملوك خمسة سقطوا وواحد موجود = الممالك هى :-
1. مصر :- التى أذلت شعب الله.
2. أشور :- التى سبت عشرة أسباط سنة 722 ق.م.
3. بابل :- التى سبت يهوذا سنة 586 ق.م.
4. فارس:- التى عطل بعض ملوكها بناء الهيكل.
5. اليونان :- أشهر ملوكها الذى إضطهد شعب الله إضطهادا عنيفا ودنس الهيكل وذبح خنزيرة عليه كان هو أنطيوخس إبيفانيوس.
ووقت الرؤيا التى رآها يوحنا اللاهوتى كان هؤلاء الملوك الخمسة قد سقطوا فهذه الرؤيا كانت فى أيام الدولة الرومانية التى قامت على أنقاض الدولة اليونانية، كما قامت كل دولة من الدول الخمسة السابقة على أنقاض من كان موجودا قبلها.
6. الرومان :- هؤلاء من قيل عنهم وواحد موجود فالرؤيا كانت أيامهم.
والرومان كان لهم 10 ملوك إضطهدوا المسيحية بعنف.
7. والآخر لم يأتى بعد ومتى أتى ينبغى أن يبقى قليلا = على أنقاض المملكة الرومانية قام ملك آخر، غالبا هو حكم الملوك الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية السيد المسيح وإضطهدوا الكنيسة إضطهادا عنيفا، وهذا الإضطهاد سيستمر فترة طويلة. وهو مستمر للآن فى هرطقات مثل شهود يهوه والأدفنتست ( هؤلاء المسيح فى نظرهم ليس هو يهوه) .
آية (11):- "11وَالْوَحْشُ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ الآنَ فَهُوَ ثَامِنٌ، وَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ، وَيَمْضِي إِلَى الْهَلاَكِ."
المملكة الثامنة هى مملكة الوحش الذى يدعمه إبليس = الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ الآنَ وَهُوَ مِنَ السَّبْعَةِ = أى له نفس الروح العدائية لشعب الله أى الكنيسة، والشيطان يحركه كما كان يحرك السبعة وذكره وحده فيه إشارة إلى أن إضطهاده للكنيسة سيكون أعنف وبصورة لم تحدث مع السبع الممالك الأخرى.
آية (12):- "12وَالْعَشَرَةُ الْقُرُونِ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ عَشَرَةُ مُلُوكٍ لَمْ يَأْخُذُوا مُلْكًا بَعْدُ، لكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ سُلْطَانَهُمْ كَمُلُوكٍ سَاعَةً وَاحِدَةً مَعَ الْوَحْشِ."
سيقوم عَشَرَةُ مُلُوكٍ أيام الوحش ليدعموه.
سَاعَةً وَاحِدَةً = أى مدة قليلة، فلقد إقتربت الأيام.
آية (13):- "13هؤُلاَءِ لَهُمْ رَأْيٌ وَاحِدٌ، وَيُعْطُونَ الْوَحْشَ قُدْرَتَهُمْ وَسُلْطَانَهُمْ."
لَهُمْ رَأْيٌ وَاحِدٌ = أى يعقدون حلفا مشتركا سياسيا وعسكريا.
وَيُعْطُونَ الْوَحْشَ قُدْرَتَهُمْ = يساندون الوحش عسكريا، ويقاوم الجميع الكنيسة.
آية (14):- "14هؤُلاَءِ سَيُحَارِبُونَ الْخَرُوفَ، وَالْخَرُوفُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ»."
من المؤكد أن النصرة ستكون للمسيح ولكنيسته، فالمسيح يحارب لأجلها ولن يتركها للنهاية... ولكن كيف يغلب الحمل هؤلاء المتحالفين ضد كنيسته؟.
هذا ما سيشرحه فى الآيات القادمة.
الآيات (15-18):- "15ثُمَّ قَالَ لِيَ:«الْمِيَاهُ الَّتِي رَأَيْتَ حَيْثُ الزَّانِيَةُ جَالِسَةٌ، هِيَ شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ. 16وَأَمَّا الْعَشَرَةُ الْقُرُونِ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى الْوَحْشِ فَهؤُلاَءِ سَيُبْغِضُونَ الزَّانِيَةَ، وَسَيَجْعَلُونَهَا خَرِبَةً وَعُرْيَانَةً، وَيَأْكُلُونَ لَحْمَهَا وَيُحْرِقُونَهَا بِالنَّارِ. 17لأَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ يَصْنَعُوا رَأْيَهُ، وَأَنْ يَصْنَعُوا رَأْيًا وَاحِدًا، وَيُعْطُوا الْوَحْشَ مُلْكَهُمْ حَتَّى تُكْمَلَ أَقْوَالُ اللهِ. 18وَالْمَرْأَةُ الَّتِي رَأَيْتَ هِيَ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي لَهَا مُلْكٌ عَلَى مُلُوكِ الأَرْضِ»."
هؤلاء الملوك العشرة تصوروا أن تحالفهم مع ضد المسيح سيكون سببا فى زيادة غناهم ومجدهم ولكنهم سيدخلون حروبا مدمرة تخرب مدنهم. سَيَجْعَلُونَهَا خَرِبَةً وَعُرْيَانَةً= ولاحظ أن هذا بسماح من الله ضابط الكل. اللهَ وَضَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ يَصْنَعُوا رَأْيَهُ = الله سيترك الشر يفسد نفسه بنفسه. يَأْكُلُونَ لَحْمَهَا وَيُحْرِقُونَهَا بِالنَّارِ= إشارة لشدة التدمير الذى سيحل بهذه الممالك. ولاحظ أن كل ما يفعلونه سيكون لحساب المسيح وكنيسته، حتى وإن كانوا يفعلونه بدوافع شخصية. وَيُعْطُوا الْوَحْشَ مُلْكَهُمْ = هم تضامنوا مع الوحش وسخروا له كل قدراتهم العسكرية. وكان تضامنهم مع الوحش سبب خرابهم.
الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ =
8. قد تكون بابل مملكة الشر فى العالم.
9. وقد تكون أورشليم التى بوجود الوحش فيها خضع لها ملوك العالم = لَهَا مُلْكٌ عَلَى مُلُوكِ الأَرْضِ.
مقارنة:
قيل عن المرأة المتسربلة بالشمس أن المرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكى يعولوها ويقصد بالبرية أنه مكان معلوم ومعد من الله. أما هذه المرأة الشريرة بابل فهى فى برية وبدون (ال) التعريف فالمقصود بها كل مكان فى هذا العالم يحيا فى الخطية. والخطية خراب ودمار وتيه كما سنرى فى الإصحاح القادم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع عشر
بابل الزانية والوحش
مقدمة عامة : الثلاث الأصحاحات القادمة تتناول فكرة واحدة وهي سقوط بابل وإعلان نصرة السماء ، فنجد الأصحاح السابع عشر يصف بابل الشريرة وعلاقتها بالوحش ، ونجد الأصحاح الثامن عشر يصف سقوطها والأصحاح التاسع عشر يعلن نصرة السماء .. ولعل الكثيرين يتساءلون لماذا بابل وما قصتها وما هي رموزها ؟! .. فإليك أيها القارئ العزيز بعض المعلومات عن بابل وقصتها في الكتاب المقدس ...
1- دعيت بابل " لأنَّ الرب هناك بلبل لسان كل الأرض " ( تك 11 : 9 ) حينما أرادوا بناء برجاً بعد الطوفان للإحتماء فيه والوصول إلى السماء . فهي مكان يرمز للكبرياء والتحدي واستحق عقوبة الله .
2- أنشأ هذه المدينة إنسان إسمه نمرود ( تك 10 : 9 ) ووصفه الكتاب بالشدة وقاد كثيرين لمعصية الله .
3- إشتهرت هذه المدينة بعبادة الأوثان والأصنام وكان أشهر آلهتها " مردوخ " الرامز للشيطان .
4- كانت أحد المدن التي سُبِيَ إليها شعب الله واستعبدته زماناً في إشارة قوية لمملكة الشيطان التي تحارب وتأسر الكثيرين من أولاد الله .
5- كما كانت أورشليم مدينة عظيمة لأنها تشير إلى سكنى الله مع البشر ، صارت أيضاً بابل مدينة عظيمة كما وصفها سفر الرؤيا لأنها تمثل سكنى الشيطان العظيم في الشر مع كل قواته وتابعيه من البشر الأشرار .
والخلاصة فإنَّ بابل ترمز إلى الشيطان ( الدَّجال ) ومملكته ، كذلك ترمز إلى جماعة الأشرار محبي العالم وشهواته وغناه الزائف والزائل ، وفي كل الأحوال فهي ترمز لحالة العداوة الدائمة مع الله ..
(1) وصف بابل ( روحياً ) ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : الزانية العظيمة : إشارة إلى بابل مملكة الشر ، والزنا هنا كناية عن الإبتعاد عن الله وخيانته بعبادة العالم والشيطان . الجالسة على المياه : تأكيد على أنَّ المقصود هنا بابل إذ تقع على نهر الفرات العظيم ( ار 51 : 13 ) ، وككلمات المزمور " على أنهار بابل جلسنا " ( مز 137 : 1 ) ، والمعنى الروحي سيأتي تفسيره في ( ع 15 ) . تحدث أحد الملائكة السبعة الذين حملوا جامات غضب الله إلى القديس يوحنا داعياً إياه لرؤية نهاية ودينونة مملكة الشر وكل تابعيها الذين يرمز إليهم بالمياه الكثيرة ، وسوف يأتي الحديث المفصل عن ذلك في ( ع 15 ) .
ع 2 : ملوك الأرض : كل القيادات والرئاسات التي ساهمت ودعت شعوبها بصورة مباشرة أو غير مباشرة لترك الله وعبادته . في وصف جديد " لبابل " ، يصفها الملاك بالمرأة الزانية التي أغوت شعوباً كثيرة للزنا الروحي واستخدمت كل وسائل الإغراء الممكنة ، فيترنح ويسقط معظم سكان الأرض في الشر والتجديف كالسكارى فاقدي الوعي والإرادة .
ع 3 : إلى برية : إشارة إلى الفقر والقحط الروحي اللذين تعيش فيها مملكة الشر . قرمزي : إشارة إلى دموية الشيطان وشراسته . مملوء أسماء تجديف : أي تجديف على الله إما بأن ينسب صفات الله لنفسه أو بأن يتهجم ويسخر من الله وصفاته . أخذ الملاك القديس يوحنا إلى منظر جديد في رؤياه " مضى بي بالروح " ورأى برية قافرة موحشة ورأى مملكة الشر ( المرأة بابل ) وهي جالسة على سر قوتها وسندها وهو الشيطان الذي يحمل مملكته ، معلناً عن شراسته من خلال لونه الدموي وعن كراهيته لله من خلال تجديفه وتطاوله على إسمه القدوس . سبعة رؤوس وعشرة قرون : سبق شرح ذلك في ( ص 12 : 3 ، ص 13 : 1 ) وهي تشير إلى كثرة أفكاره وقوتها .
ع 4 : أرجوان : لون أحمر لبسه الملوك قديماً وهو كالثوب الذي ألبسه الجنود الرومان للسيد المسيح إستهزاءً به . قرمز : لون أحمر دموي . في زهو وكبرياء أخذت بابل الزانية منظر الملوك لتعلن عن عظمتها وسلطانها ، فهي تلبس مثلهم وتفتخر بلونها القرمزي لأنها سفكت دم الكثير من القديسين وشربت من دمائهم ، وتحلت بالرذائل والخطايا التي إشتهاها أتباعها كالذهب واللؤلؤ والأحجار الكريمة ، وأمسكت في يدها كأس خمر لذتها التي تنتعش وتتلذذ وتسكر به ، وفي إشارة لشدة شرها يعلن لنا الله أنَّ محتوى هذه الكأس هو الزنا والنجاسات التي تذيق منها الأمم والشعوب ولهذا سُمِّيَ " خمر زناها " ( ع 2 ) ، ويلاحظ أيضاً أنَّ وصف بابل بهذه الصورة يأتي مطابقاً تماماً لوصفها كما جاء به أرميا في ( ار 51 : 7 ) .
ع 5 : سر : أي أنَّ إسم بابل هنا رمز وليس الحديث عن مدينة بابل الحقيقية . أم الزواني : أصل كل شر وفسق . بلغت وقاحة وجرأة بابل في شرها ، أنها لم تستحِ من خطيتها المشينة بل إفتخرت بما ترتكبه وأعلنت عن نفسها ، ببجاحة الزناة في الإعلان عن إسمهم ومهنتهم لإجتذاب الآخرين والإيقاع بهم ، إذ وضعت إسمها على جبهتها . وكان وصفها بأنها أصل كل خطية " أم الزواني " الداعية والمحرِّضة لكل أنواع الزنا الروحي وخيانة إسم الله القدوس والتجديف عليه .
ع 6 : إستكمالاً للمنظر كانت المرأة في حالة من حالات نشوة السكر ، وسر سعادة ونشوة سكرها أنها إرتوت ولازالت ترتوي ( مملكة الشر ) من دم أبناء الله الأمناء الذين رفضوها وقاوموها ، فأقامت عليهم الإضطهاد والعذاب ولم يخضعوا أو يستسلموا وقدَّموا حياتهم حتى الموت ولهذا صار إسمهم عظيماً إذ دعوا " شهداء يسوع " . فتعجبت تعجباً عظيماً : أي إحترت ولم أجد تفسيراً ، وهذا التعجب يعتبر مقدمة لما سيوضحه الملاك ليوحنا في الأعداد القادمة .
+ كان الكاهن قديماً في شريعة موسى يضع على جبهته لافتة صغيرة مكتوب عليها " قدس للرب " أي مخصص لخدمة الله ؛ في إعلان واضح لهويته وانتمائه ؛ وكذلك وضع الأشرار إسمهم الشرير على جباههم ليعلنوا أيضاً إنتمائهم لمملكة بابل الشيطانية ، وكثير من الناس لا يعرفون ماذا يضعون على جباههم " مخصصون للرب أم نحيا في بابل " ... فهل حددت أمرك يا أخي وعرفت أي عنوان تضعه ، ولأي مملكة تنتمي ... ؟!
(2) تفسير الرؤيا السابقة ( ع 7 - 14 ) :
ع 7 ، 8 : حمل تعجب القديس يوحنا من المنظر السابق إنزعاجاً أكثر منه تعجباً وذلك من سماح الله للمرأة ( بابل ) من التلذذ والسكر من دم أبناء الله الشهداء ، فجاء كلام الملاك له " لماذا تعجبت " كمقدمة لكشف السر المزمع أن يعلنه للقديس يوحنا . الوحش الذي رأيت : هو الوحش البحري المذكور في ( رؤ 13 : 1 - 3 ) الذي هو أحد صور الشيطان . كان وليس الآن : إشارة واضحة لتقلص سلطان الشيطان ومملكته . عتيد أن يصعد من الجحيم ويمضي للهلاك : أي سوف ينتقل يوم دينونة الرب العظيمة من مكان إنتظار الأشرار إلى الهلاك الأبدي في الهاوية إلى الأبد . والمعنى العام هو أنَّ الوحش الحامل للمرأة ما هو إلاّ الشيطان الذي كان له سلطان على الإنسان ، ولكن بصلب المسيح وفدائه لكل البشر ، إنحسر هذا الشيطان مثل قول السيد المسيح لتلاميذه " رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء . ها أنا أعطيكم سلطاناً ... " ( لو 10 : 17 - 19 ) وكقول بولس الرسول " إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه " ( كو 2 : 14 - 15 ) . ويظهر من هذه الآية أنَّ الشيطان يستقر في الجحيم ويظل يحارب البشر في حدود ما يسمح له الله به إلى أن يُلقى مع كل جيوشه في العذاب الأبدي . سيتعجب الساكنون على الأرض : أي أتباعه حاملين سمته وعلامته . ليست أسماؤهم .. في سفر الحياة : أي لا نجاه ولا خلاص لهم وهي نتيجة طبيعية لمن تبعه . يضيف الملاك في حديثه إلى ما سبق أنَّ أتباع الشيطان أو الدَّجال ستأخذهم الدهشة والندم على من وضعوا رجاءهم فيه بلا فائدة ولا طائل ، فقد صار مصيرهم واضحاً أنه الهلاك وفقد ميراث الملكوت " سفر الحياة " . كان وليس الآن : يدرك الأشرار أنَّ سلطان الشيطان الذي كان يحارب به أولاد الله في العالم قد إنتهى . مع أنه كائن : مع أنَّ الشيطان موجود في العذاب الأبدي ولكنه عاجز عن أي شئ .
ع 9 : " هنا الذهن الذي له حكمة " : جملة إعتراضية الغرض منها حث القارئ أو المستمع على التركيز لما هو آتٍ . السبعة رؤوس .. سبعة جبال : ذهب كثير من المفسرين إلى أنَّ المشهد هنا كناية عن روما في اضطهادها القاسي للمسيحية إذ أنَّ روما مشيدة بالفعل على سبعة جبال . عليها المرأة جالسة : أي مارست سلطانها واضطهادها من خلال هذه المدينة .
ع 10 : سبعة ملوك : إجتهد الكثير من المفسرين في التحدث عن من هم هؤلاء السبعة ، ولكن تمشياً مع رمزية السفر كله ، نرى أنَّ رقم سبعة هنا يرمز لكمال أيام مملكة الشر والشيطان على مر التاريخ دون التقيد بزمن محدد . خمسة سقطوا : أي أكثرهم ذهبوا ومضت أيامهم . وواحد موجود : أي في زمن كتابة هذا السفر . والآخر لم يأتِ : نبوة بإتيان مملكة أخيرة للشر قبل نهاية الأيام . في هذه الآية توضح لنا الرؤيا تسلسل ممالك الشر إلى نهاية الأيام ، فالخمس ممالك الأولى هي التي قاومت الله وشعبه بأوثانها وحروبها وهي ممالك :
1- مصر ، التي إستعبدت شعب الله .
2- آشور ، التي رفعت عينيها على قدوس إسرائيل ( اش 37 : 23 ) .
3- بابل ، التي أذلت كل الأرض ( ار 50 : 23 ) .
4- فارس ، التي تنبأ عنها دانيال ( دا 10 : 13 ) .
5- اليونان ، آخر ضلالة وثنية دنَّست أورشليم وقاومها المكابيون .
أما المملكة الموجودة وقت كتابة السفر فهي المملكة الرومانية أي السادسة والتي أذاقت المسيحية أسوأ أنواع العذاب والتنكيل .. وتبقى مملكة أخيرة هي مملكة ضد المسيح والذي يشير إليه الملاك أنه ينبغي أن يبقى قليلاً ، أي سوف تستمر مملكته وحروبه فترة قليلة من الزمن .
ع 11 : الوحش الذي كان : أي الشيطان ( ع 8 ) . هو ثامن : أي آخر كل شر ... من الواضح أنَّ الممالك سبعة وليست ثمانية ، ولكن التصريح بأنَّ الشيطان ثامن معناه سيطرة الشيطان على كل الممالك السابقة كأنَّ جميعها تحمل سمته ، وللدلالة على أنه لا توجد مملكة ثامنة يصرح الملاك بأنَّ روحه ( الشيطان ) هي السارية والعاملة في السبعة ممالك . وفي نهاية مطمئنة لأولاد الله وإعلان صريح ، يؤكد الملاك للمرة الثانية لنا وللقديس يوحنا نهاية مصير الشيطان وهو الهلاك الأبدي .
ع 12 ، 13 : في تفسير لمنظر العشرة قرون ( ع 3 ) ، يوضح الملاك في حديثه أنها رمز لعشرة ممالك أو عشر ملوك ( رؤساء أمم ) يعطيهم الشيطان سلطاناً ، لكنهم في شرهم ليسوا في قوة الممالك السابقة إذ يأخذون سلطان " ساعة واحدة " أي سلطان ضئيل ، وإن كانوا سيسخرون كل قوتهم وفكرهم وسلطانهم في خدمة الشيطان .
ع 14 : هؤلاء الرئاسات أو الممالك أو الحكومات تعلن تحديها الواضح للرب يسوع " الخروف المذبوح " فتحاربه وتقاوم سلطان ملكوته على قلوب البشر ... ، ويعلن الملاك لنا النتيجة النهائية لهذه الحرب وهي هزيمة الشيطان وكل تابعيه ، وإعلان الغلبة للمسيح مَلِك الملوك ورب الأرباب الذي سيقود في موكب نصرته كل أبنائه المختارين والمدعوين والمؤمنين بإسمه ( 2كو 2 : 14 ) .
+ أشكرك يا إلهي أنك تعلن لنا عن نصرتنا في إسمك المبارك فتتجدد ثقتنا في خلاصنا من خلالك ، وانتصارنا على الشيطان بقوة إسمك المبارك وعلامة صليبك المحيية . أشكرك وأطلب منك يا مخلصي أن تكمل عملك فيّ إلى النهاية حتى لا أنزعج من حروب الشيطان وأكمل جهادي بطمأنينة لأنك أنت معي .
(3) إنقسام الشر ( ع 15 - 18 ) :
ع 15 : المياه التي رأيت : هي نفس المياه التي ذكرها في ( ع 1 ) ولكنه هنا سيقوم بشرحها . يعود الملاك بالقديس يوحنا لبداية المشهد الذي رآه في هذا الأصحاح ويشرح له بعض من رموزه ، فالمرأة ( بابل ) كانت جالسة ، أي تسيطر وتحكم بشرها على شعوب العالم من كل الأجناس واللغات .
ع 16 ، 17 : جاءت أحداث هذين العددين بغير ما نتوقع جميعاً ؛ فالمرأة كانت جالسة على الوحش ، أي أنه كان يخدمها ويسخر قوته لها ... ولكن لننظر ماذا يحدث ؟ لقد إنقلب الشيطان على مملكته وحدث الغضب والتخريب والقتل وبدأ الشيطان بنفسه يحرق مملكته وأتباعه في إشارة إلى قرب نهايته وزواله نهائياً ، فأي مملكة تنقسم على ذاتها تخرب ( لو 11 : 17 ) ، وقبل أن يتساءل القديس يوحنا كيف يحدث هذا ؟! ... يتدخل الملاك ويكشف لنا السر فيما حدث وهو أنَّ " الله وضع في قلوبهم " أي أنَّ هذا هو أمر الله وإرادته النافذة حتى على مملكة الشر بكل قواتها وأنظمتها ، فالرأي الأول والأمر الأخير له وحده مهما صبر وأطال أناته على مملكة الشر . يعطوا الوحش ملكهم حتى تكمل أقوال الله : أي أنَّ كل الرئاسات والسلاطين والممالك أعطت كل قوتها وإمكانياتها لخدمة الشيطان للقضاء على بابل أي مملكة الشر ، ولإيضاح الفكرة بأمثلة تقرب لأذهاننا أيضاً كيف يحدث هذا ، نقول أنَّ الله إستخدم كثيراً بعض ممالك الشر للإنتقام من ممالك شريرة سبقتهم ، فأتى اليونانيون على الفرس والأشوريين ، وأتى الرومان على اليونانيين وهكذا قامت ممالك الشر ( الوحش ) على بعضها ( بابل ) حتى قضت عليها وعلى سلطانها كله .
ع 18 : والمرأة التي رأيت : أي المرأة موضوع الحديث في الأصحاح كله ، التي جلست على الوحش وعلى المياه الكثيرة ( ع 1 ) . في نهاية الأصحاح يلخص لنا الملاك شخصية المرأة فيقول أنها " المدينة العظيمة " أي عاصمة الشر في مختلف الأزمان ، فكانت مرة ( بابل ) التي أذلَّت شعب الله قديماً ومرة أخرى روما التي أذاقت المسيحيين أشد درجات العذاب ، ومرة ثالثة هي قوى الشر والإلحاد في العالم المعاصر ، وفي كل وقت خضع لها معظم ملوك ورئاسات الأرض وتبعوا ما أمرتهم به .
+ يا إلهي تترك الشر كثيراً يهيج على أولادك بين الحين والآخر ونتعجب لماذا يارب كثر الذين يحزنوننا !؟! ولكن نشكرك يا إلهي أنك تعلن لنا وتعلمنا أنَّ كل هذا إلى حين ، وعلينا أن نثق في حكمتك وتدبيرك للأزمنة ولكن ما تعلنه لنا الآن يريح أنفسنا ويظهر لنا بالأكثر حماقة الشيطان الذي صار بلا حكمة ولا سلطان على أفعاله ، فهو في نهاية الأمر ينهي نفسه بنفسه كمختل أغفل ظن نفسه حكيماً !!! .. فلنسبح إسمك القدوس ونشكر حكمتك السامية الآن وكل أوان .. آمين .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح