سفر رؤيا يوحنا 14
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الرؤيا - الاصحاح رقم 14
الرؤيا
الإصحاح رقم 14
الأصحاح الرابع عشر :
الجانب المفرح للكنيسة
رأينا في الأصحاحين السابقين مقاومة إبليس للكنيسة بكل وسيلة، لهذا يعلن الله للكنيسة في هذا الأصحاح - كعادته - جانبًا مفرحًا مبهجًا حتى تمتلئ قلوب المؤمنين سلامًا وفرحًا في وسط الضيق. وقد تمثل هذا الجانب في ثلاث رؤى:
1. الحمل والمؤمنين حوله 1 - 5.
2. ظهور ثلاثة ملائكة 6 - 13.
3. الحصاد 14 - 20.
1. الحمل والمؤمنون حوله
يا له من منظر مبهج للغاية ومفرح، إذ يقول الرسول: "ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون، ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفًا، لهم اسم أبيه مكتوبًا على جباههم" [1].
يقف الحمل وحوله من ارتبطوا به واتحدوا به بالحب الأبدي أي به بكونه "الحب الحقيقي". وقفوا معه على جبل صهيون، أي في السماء العليا "مدينة الملك العظيم" (مز 48: 2)، يملكون به، وهو يملك عليهم، وتتحقق النبوة القائلة: "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي" (مز 2: 6).
يا له من منظر شهي! من لا يبذل كل جهد، ويقبل كل ألم من أجل أن يكون له هذا النصيب، أن يحيط بالرب ويلازمه ويتحد به ولا يفارقه إلى الأبد؟
"وسمعت صوتًا من السماء كصوت مياه كثيرة، وكصوت رعد عظيم، وسمعت صوتًا كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم. وهم يترنمون ترنيمة جديدة أمام العرش، وأمام الأربعة المخلوقات الحيَّة والقسوس، ولم يستطع أحد أن يتعلم الترنيمة، إلا المئة والأربعة والأربعون ألفا الذين اُشتروا من الأرض. هؤلاء هم الذين لهم يتنجسوا مع النساء، لأنهم أطهار. هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب. هؤلاء اُشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف. وفي أفواههم لم يوجد غش، لأنهم بلا عيب قدام عرش الله" [2-5].
من هم هؤلاء الملتفون حول الحمل؟ يرى بعض آباء الكنيسة الأولى أنهم جماعة الأبكار الذين خصوا أنفسهم من أجل الملكوت، مقدمين بالرب يسوع البتول حياة البتولية السمائية.
وهنا يكشف ربنا للكنيسة في وسط ضيقتها بسبب ضد المسيح عن هؤلاء الأبكار الذين ينعمون بهذا المجد حتى تطمئن نفوس المتألمين أن الله ليس بظالم حتى ينسى تعب المحبة. هذا ولا ننسى أن الكنيسة كلها تدعى "كنيسة أبكار" (عب 12: 23)، لأن من لا ينعم ببتولية الجسد أو بكوريته مع بتولية النفس لا يحرم من كونه بكرًا، بسبب ارتباطه واتحاده بالرب البكر، كعضوٍ حيٍ في جسده.
إننا جميعًا، بتوليين أو متزوجين، أعضاء حيَّة في جسد الرب رأسنا السري، لهذا نوجد قدامه أبكارًا وأطهارًا وبلا عيب في نظره وليس فينا غش.
يليق بالمؤمن الحقيقي أن يذوق ويختبر البتولية الروحية، فيقدم بالرب نفسًا بتولاً وقلبًا وفكرًا وحواسًا. الكل كعذارى متبتلة لا تشتهي، ولا تنشغل، ولا تطلب إلا الرب يسوع العريس الوحيد.
لست بهذا أُقلل من شأن البتولية والبتوليين، لأن من لا يقدر أن يصف أو يعبر عن هذا الحال الملائكي؟ وتلك الدرجة السمائية التي لا يمكن للإنسان الطبيعي أن يقتنيها بفرح وبهجة قلب إلا بربنا يسوع! لكننى في هذا المجال أود أن أوضح أهمية بتولية الكنيسة كلها أيا كان أعضاؤها، فالكل "عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، "كنيسة أبكار" (عب 12: 23) "باكورة من خلائقه" (يع 1: 18)، و هى التي لها أن تسكن في مسكن الرب، كقول المرتل: "يا رب من يسكن في مسكنك، أو يحل في جبل قدسك، إلا السالك بلا عيب... والمتكلم بالحق في قلبه، الذي لا يغش بلسانه" (مز 15).
نعود إلى الرؤيا لنسمع من الرسول أصواتًا كثيرة مفرحة ومنعشة. إنها الكنيسة التي رآها الرسول تصدر منها أصوات عذبة متناسقة كسيمفونية مبدعة للغاية إذ سمع:
1. صوتًا كصوت مياه كثيرة، وهي أصوات الأمم والألسنة، أيًا كان جنسهم، الذين قبلوا الإيمان بالفادي، وصار كل ما فيهم يسبح مبتهجًا به.
2. صوت العريس المبتهج بعروسه، الذي لا يكف عن مناجاتها بعد طول فترة اشتياق متبادل. لقد سمع الرسول صوته "كصوت رعد عظيم"، حتى إذا ما تطلعت الكنيسة في ضيقتها إلى هذا المنظر وخاصة في فترة ضد المسيح تدرك قوة عريسها وإمكانياته الفائقة.
3. صوت كصوت ضاربين بالقيثارة وهو صوت البتوليين. إنه نغم موسيقي ملائكي له عذوبة خاصة وحلاوة من أجل بتوليتهم في الرب.
2. ظهور ثلاثة ملائكة
بعدما كشف للكنيسة عن المجد المعد لها خاصة للبتوليين لتشجيعهم على المثابرة، عاد ليظهر لهم أنه لا يتركهم وهم على الأرض، بل يهتم بهم، إذ يقول الرسول:
"فرأيت ملاكًا آخر طائرًا في وسط السماء، معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب. قائلاً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأنه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه" [6-7].
يقول الأسقف فيكتورينوس أن هذا الملاك هو إيليا النبي الذي يأتي لإعانة الكنيسة، فيكرز ويبشر بين الأمم والقبائل مشجعًا الكنيسة في كل أمة أن تصمد للنهاية. إنه يثبت في المؤمنين مخافة الرب ليعطوا مجدًا له، رافضين السجود للتنين وضد المسيح. ولما كان هذا العمل ضخمًا والوقت ضيق للغاية لهذا يقول الرائي:
"ثم يتبعه ملاك آخر قائلاً: سقطت، سقطت بابل المدينة العظيمة، لأنها سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها" [8].
هذا الملاك الآخر هو "أخنوخ" المرافق لإيليا، كأنه يقول مع النبي: "بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض. من خمرها شربت الشعوب. من أجل ذلك جنت الشعوب. سقطت بابل بغتة وتحطمت" (إر 51: 7-8).
وأن لنا في بابل صورة الكبرياء البشري الشيطاني على الله. وهنا بابل تعني روح ضد المسيح المتعجرف على الرب، فستنهزم قطعًا.
الملاك الأول يشجع المؤمنين ويثبتهم، والملاك الثاني يرهب الأشرار والمنحرفين.
هذا لا يعني أن يقف إيليا عند الحديث عن الرجاء والتثبيت دون أن يوبخ الأشرار، ولا أن يقف أخنوخ عند الحديث بالعنف والتوبيخ دون أن يمزج حديثه بالرجاء. لأنهما يعملان بروحٍ واحدٍ وفكرٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ. لكن الرؤيا تود أن تكشف جانبين من جوانب كلمة الله: الجانب المبهج المفرح للنفس التائبة، والجانب العنيف القاسي للنفوس المستهترة.
ويرافق هذان الملاكان ملاك ثالث: "ثم تبعهما ملاك ثالث، قائلاً بصوت عظيم: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده. فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفًا في كأس غضبه، ويعذب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف. ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين، ولا تكون راحة نهارًا وليلاً، للذين يسجدون للوحش ولصورته، ولكل من يقبل سمة اسمه" [9-11].
هذا الملاك الثالث هو الكتاب المقدس، خاصة النبوات الواردة فيه عن ضد المسيح، فستكون كارزة للحق، منذرة ومحذرة من السجود للوحش أو صورته أو قبول سمته بالنار الأبدية التي سنعود للحديث عنها.
وبالتأكيد لا يقف النبيان وحدهما في الشهادة للحق لكن الله يستخدم كثيرين يعلنون الحق ويظهرونه وينطقون بما جاء في الكتاب المقدس مهما يكن الثمن!
على أي حال نجد أن الملائكة الثلاثة يشيرون إلى ثلاثة جوانب لرسالة الكنيسة المتألمة في عهد ضد المسيح هي:
1. الملاك الأول يتحدث عن المجد المعد للساجدين للرب: "الحياة الأبدية".
2. الملاك الثاني يتحدث عن انهيار مملكة ضد المسيح: "زوال العالم".
3. الملاك الثالث يتحدث عن العذاب المُعد لضد المسيح وأتباعه: "النار الأبدية".
هذه الجوانب أو الرسائل الثلاث يعلنها النبيان ويوضحها الكتاب المقدس، وإذ رأى القديس يوحنا الحبيب الملائكة الثلاثة أدرك ما سيعانيه النبيان وتلاميذهما من ضيق، فطوَّبهم قائلاً: "هنا صبر القديسين. هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع" [12].
يا لسعادة هؤلاء الذين يعاصرون ضد المسيح، لأنهم يحتملون آلامًا أشد مما احتمله المؤمنون في أي عصر آخر، وبالتالي يكون صبرهم أعظم، ويحسب حفظهم للوصية أعمق وإيمانهم بالرب أثبت... فيتأهلون لأكاليل مجد عظيمة فائقة من يقدر أن يصفها؟
لكننا لا نحسدهم، إذ يستطيع كل مؤمن في أي عصر وفي أي مكان وتحت أي ظرف من ظروف الحياة أن ينال التطويب، إذ يقول الرائي: "وسمعت صوتًا من السماء، قائلاً لي: أكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" [13].
"طوبى" لفظ سرياني يعني "يا لسعادة أو يا لغبطة..." يا لغبطة المثابرين في احتمال الألم والصليب لا في عهد ضد المسيح فحسب، ولكن في أي وقت. لأن الألم وتعب الطريق والصليب هذه كلها سمات المؤمن الحقيقي حتى وإن كان متوحدًا لا يرى وجه إنسان.
لقد انتقل القديس أغسطينوس وهو يترنم بمزامير التوبة بقلب منسحق ودموعه تسيل من عينيه. طوباه! وانتقل القديس باخوميوس وهو لا يكف عن الاهتمام بشئون أولاده وتدبير حياتهم رغم اشتداد المرض عليه. طوباه! وفي كل يوم تنتقل شموع منيرة تذوب يومًا فيومًا محترقة بمحبة الله حتى تنتهي!
3. الحصاد
بعدما أعلن للكنيسة عن مجدها السماوي، وكشف لها اهتمامه بإرسال الملائكة الثلاثة، عاد ليطمئنها أن وقت الحصاد قد اقترب، إذ يقول الرسول: "ثم نظرت، وإذا سحابة بيضاء، وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان، له على رأسه إكليل من ذهب، وفي يده منجل حاد" [14].
لا تخاف الكنيسة لأن عريسها آت في سحابة بيضاء، أي في مجد عظيم ناصع، بين ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة محيطين به كسحابة بيضاء. هوذا قادم بالثوب الأبيض حتى الرِجلين على سحابة بيضاء ليستقبل عروسه اللابسة الثوب الأبيض، إذ هي في عينيه طاهرة ونقية ومبهجة، لأنها تحمل انعكاسات جماله الفائق وفضائله السماوية. لم تعد بعد أرضية، ولا يشوبها دنس أو شيء نجس، بل هي عروس الحمل السماوية.
يأتيها "على السحابة جالسًا"، إنه لم يعد بعد "قائمًا" كما رآه الشهيد استفانوس بل استراحت نفسه من جهة كنيسته، لأن زمان جهادها قد انتهي، فجلس ليُجلسها بجواره، بل تشاركه مجده!
تراه "شبه ابن إنسان"؛ حقًا هو "ابن الإنسان"، لكنه شبه ابن إنسان، لأنه من أجل الكنيسة صار إنسانًا ليرافقها وترافقه، ليعلن حبه لها على الصليب وتقبل محبته فيها. لكن في المجد الإلهي تراه "شبه ابن إنسان" بسبب أمجاد اللاهوت وبهاء عظمته. هذه الأمور التي لم تعد كما في مرآة أو لغز، بل تراها الكنيسة وتتمتع بها في كمالها.
"له على رأسه إكليل من ذهب"، إذ هو ملك سماوي، ملك الملوك ورب الأرباب، يأتي ليملك بأولاده إلى الأبد ملكًا سماويًا!
"وفي يده منجل حاد"، إذ حان وقت الحصاد، يجمع بيديه العنب الجيد ويفرح ويُسر بالثمر. لا تنحرف نظراته عن ثمار كرمه أي الكنيسة، لكن المنجل الحاد هو من أجل الأغصان الجافة غير الثابتة التي تُجمع لتحرق في النار الأبدية مع العنب الرديء.
ترى الكنيسة الحقيقية المنجل الحاد، فلا ترتعب منه، لأنه في يد عريسها، أما الأشرار والمجدفون الذين عاشوا عبيدًا لإبليس والخطية فلا يحتملون رؤيته.
يا للعجب! الرب يأتي بنفسه، ويتقدم ليأخذ بيد عروسه حتى إلى سماء السماوات، حتى تستريح فيه، أما بالنسبة للأشرار فيقول:
"وخرج ملاك آخر من الهيكل، يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد، لأنه قد جاءت الساعة للحصاد، إذ قد يبس حصيد الأرض. فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض" [15-16].
لقد خرج يسأل السيد مترجيًا "أرسل منجلك"، إذ هذه هي شهوة الملائكة وشوق الذين في الفردوس (رؤ 6: 10)، وغاية المجاهدين الذين يترجونه في كل صلاة، قائلين: "ليأت ملكوتك"، "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي".
"ثم خرج ملاك آخر من الهيكل الذي في السماء، معه أيضًا منجل حاد. وخرج ملاك آخر من المذبح له سلطان على النار، وصرخ صراخًا عظيمًا إلى الذي معه المنجل الحاد، قائلاً: أرسل منجلك الحاد واقطف عناقيد كرم الأرض، لأن عنبها قد نضج. فألقى الملاك منجله إلى الأرض، وقطف كرم الأرض، فألقاه إلى معصرة غضب الله العظيمة. وديست المعصرة خارج المدينة، فخرج دم حتى لُجم الخيل مسافة ألف وستمائة غلوة" [17-20].
خرج الملائكة الثلاثة مشتاقين ليروا يوم الدينونة المجيد. يروا الأبرار قد تمجدوا وتكللوا، والأشرار وقد انسكب عليهم شرهم، ارتدت إليهم ظلمتهم. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذه الرؤى الخاصة بالثلاثة ملائكة تشير إلى يوم الدينونة حيث يهلك الأشرار عند مجيء الرب.
وإننا نجد الملاكين الأولين خارجين من الهيكل الذي في السماء، يعلنان شوق الملائكة وكل الطغمات السمائية ليوم الدينونة. أما الملاك الثالث فخرج من المذبح، أي من الفردوس، حيث تستريح نفوس المنتقلين تحت المذبح، وله سلطان على النار، أي على إبليس. فخرج ليُعلن أنه قد تم جهاد المؤمنين جميعًا، وجاء الوقت لحصاد عناقيد العنب التي تمايلت ترنحًا مضطهدة القديسين والمؤمنين سافكة دم الشهداء.
وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنهم يُلقون في معصرة غضب الله، ويُداسون خارج المدينة (السماء). وهذا هو جزاء الأشرار.]
سينتقم منهم بسفك الدم كما سبق أن أعلن النبي: "في الدم أخطأت والدم يتبعك" (راجع حز 5: 6).
هكذا سافكو الدم البريء يلقون في معصرة جهنم الأبدية خارج السماء، ويبقون هناك كأنهم مذبوحون، وبلغ الدم إلى رقابهم. لا يهدأون ولا يستريحون، يشتهون الموت والفناء ولا يجدانهما!
خاتمة
في السلسلة الثالثة التالية "سكب الجامات السبعة" يعلن الله تأديبه للبشر خلال التاريخ عامة وفي فترة ضد المسيح خاصة. هذا التأديب، صادر من إله محب تجاه قلوب بشرية قاسية. غايته توبة الإنسان، لهذا نجده متدرجًا في الشدة. ولا يُسكب دفعة واحدة.
وفي نفس الوقت يمهد لها بالإصحاح الخامس عشر كاشفًا عن رؤيتين للرسول حتى يطمئن المؤمنون تجاه محبة الله لهم.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الرابع عشر
آية (1):- "1ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا خَرُوفٌ وَاقِفٌ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَمَعَهُ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، لَهُمُ اسْمُ أَبِيهِ مَكْتُوبًا عَلَى جِبَاهِهِمْ."
وَإِذَا خَرُوفٌ = هو حمل الله الذى يرفع خطية العالم. وهنا نجده خروف حقيقى أى محبته حقيقية تصل حتى بذل الدم، بالمقارنة مع النبى الكذاب الذى هو شبه خروف أى يدعى المحبة لكنه يتكلم كتنين (رؤ11:13).
وَاقِفٌ = مستعد لحماية كنيسته، وواقف أمام الآب يشفع فيها.
عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ = جبل صهيون هو جبل الهيكل، كان فى يد الأمم الوثنية وأخذه داود، وأقيم عليه بعد ذلك هيكل سليمان. والهيكل إشارة لكنيسة المسيح أى جسده (يو18:2-21). والكنيسة سماوية عالية كالجبل وراسخة ، أبواب الجحيم لن تقوى عليها (أف6:2) + (مت18:16). وسر ثبات الكنيسة أن المسيح واقف على جبل صهيون. وسمعنا سابقا أنه ماشى وسط السبع المنائر الذهبية (رؤ1:2) فهو فى حركة وإستعداد دائمين للدفاع عن كنيسته ضد الأخطار المحيطة بها. ولكن بعد أن تنتهى هذه الأخطار نسمع أن المسيح جالس (رؤ14:14) أى بعد أن إطمأن عليها. ووجود المسيح السماوى وسط كنيسته يجعلها سماوية. وكما ملك داود على جبل صهيون وأخذه من يد الأمم، هكذا إشترى المسيح كنيسته بدمه وحررنا من يد إبليس، وملك عليها. والكنيسة سواء على الأرض أو من فى السماء هى كنيسة واحدة. تبدأ هنا على الأرض وتمتد إلى السماء، تسبيح يبدأ هنا ويستمر فى السماء . فرح هنا كعربون وفرح كامل فى السماء. هذا الفرح يتم التعبير عنه بلغة التسبيح. نحيا فى نمو دائم وصعود مستمر فى إتجاه السماويات قائلين هلم نصعد إلى جبل الرب (أش3:2) لذلك فهذه الرؤيا تبدأ هنا على الأرض ولكنها تكمل فى السماء.
وَمَعَهُ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا = هو عدد رمزى = 12×12×1000 = 12 (مؤمنى العهد القديم) ×12 (مؤمنى العهد الجديد) × 1000 (يحيون فى السماويات) ولأنهم كنيسة واحدة تم التعبير عن ذلك بقوله 144 = 12 ×12. فالرقم رمزى ولكن العدد الفعلى لا يحصى ولا يعد (رؤ9:7) ، هم المؤمنين ، خاصة الله فى كل زمان ، الذين يحيون حياة سماوية وصلوا إليها بجهادهم كمن يصعد جبل، وهذا معنى أخر لتشبيه الكنيسة بجبل " هلم نصعد إلى جبل الرب" ولاحظ قول إشعياء الذى ينطبق هنا. ويكون فى آخر الأيام أن جبل بيت الرب (المسيح) ثابتا فى رأس الجبال (المؤمنين) (أش2:2). فالمسيح وسط كنيسته على الأرض ووسط كنيسته فى السماء لذلك هى كنيسة واحدة تتكون من كنيسة مجاهدة وكنيسة منتصرة. والمسيح الذى وحد السمائيين مع الأرضيين واقف فى وسط كنيسته الواحدة.
ولقد سمعنا أن عدد المختومين كان 144000 (رؤ4:7-8). وكان الختم ليحفظهم وسط الضيقات والآن صاروا غالبين. إذاً عدد 144000 يشير للمختومين بالروح القدس (أف30:4) ويعنى أن الله يعرفهم واحدا واحدا. وقد سبق وأعطى ليوحنا قصبة لقياسهم، أما الأشرار فلا يذكر معهم عدد فلقد طرحوا خارجا دون قياس (2:11) . لَهُمُ اسْمُ أَبِيهِ مَكْتُوبًا عَلَى جِبَاهِهِمْ = فى نهاية الإصحاح السابق رأينا تابعى الوحش لهم سمة على أياديهم اليمنى وعلى جباههم بها يشترون ويبيعون، أى أن معاملاتهم فى العالم تجرى بسهولة، أما أولاد الله فسيعانون من ضيقات شديدة فهم لن يستطيعوا أن يشتروا أو يبيعوا فالعالم لا يقبلهم (يو18:15-21). ولكننا نرى هنا كيف تحيا الكنيسة فى سلام وفرح يفتقده أولاد العالم. والسلام راجع لمسيحها الذى يحيا فى وسطها، وهى تعيش فى السماء مسبحة علامة فرحها، ولكن ذلك لمن لهم سمة الآب أو إسم الآب على جباههم وهذا يعنى:-
1. هم ملك الآب أو خاصته والسمة علامة ملكية الآب لهم.
2. الجبهة رمز التفكير. إذا هم دائمى التفكير فى الله فهذا مصدر شبعهم ولذتهم.
إذاً الأشرار لهم سمة الوحش بها يبيعون ويشترون ولكنهم بلا سلام. أما أولاد الله لهم سمة الآب على جباههم يعيشون فى ضيق لفترة محدودة (3.5 زمان) لكنهم يعيشون فى سلام وفرح مسبحين، والمسيح وسطهم سر فرحهم (مت20:28) + (يو22:16).
آية (2):- "2وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَكَصَوْتِ رَعْدٍ عَظِيمٍ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ يَضْرِبُونَ بِقِيثَارَاتِهِمْ،"
صَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ = راجع (رؤ15:17) تجد أن المياه الكثيرة هى أمم وألسنة وشعوب والمياه ترمز للروح القدس العامل فى هذه الشعوب فتسبح، والصوت صوت تسبيح لأنه صادر من السماء. وهؤلاء المسبحين كانوا كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ وسط كل هذه التسابيح ومظاهر البهجة والفرح فى السماء نسمع كَصَوْتِ رَعْدٍ عَظِيمٍهو صوت إنذار أخير للأشرار. والمعنى لماذا الإصرار على طريق الشر الذى نهايته مرعبة، ألا تريدون أن تنضموا لهؤلاء المسبحيين فى فرح. وتفهم الآية أن صوت الكنيسة المسبحة فى السماء بالنسبة للشياطين وأتباعهم هو كصوت رعد فالكنيسة مرهبة كجيش بألوية(نش4:6).
آية (3):- "3وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّرْنِيمَةَ إِّلاَّ الْمِئَةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالأَرْبَعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ."
كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ = من يحيا فى السماويات يشعر أن كل ما يحيط به جديد لا يشيخ، وأنه فى فرح مستمر وكل يوم يعرف جديدا عن الله ويسبح تسبحة كأنها جديدة لأنه إكتشف أعماقا جديدة للكلمات. كلمات الترنيمة لا تشيخ بل تشيع الفرح فى نفسه دائما يكتشف لذتها كل يوم كأنها جديدة. أما حتى من على الأرض الآن فهم يشعرون بملل من كل شىء حتى من خطاياهم.
ولا يستطيع أن يرنم سوى الــ 144000 فغيرهم مستعبدين للخطية ولإبليس، وكل مستعبد لا يستطيع أن يفرح ولا أن يرنم، كما قال المرنم " كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة (هى بابل) (مز1:137 – 4) َلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يرنم إِّلاَّ = لأنها علاقة خاصة مع المسيح فلن يعرفها أحد إلا من يرنم والمسيح فقط. هى كلمات او قل هى مشاعر حب من قلب المرنم الى المسيح . الَّذِينَ اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ = إشتراهم المسيح بدمه الكريم ليحررهم فسبحوا.
آية (4):- "4هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ لأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ. هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ الْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ. هؤُلاَءِ اشْتُرُوا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بَاكُورَةً ِللهِ وَلِلْخَرُوفِ."
لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ = هذه لا تعنى الرهبان أو البتوليون لماذا؟
1. لأن الزواج طاهر ومكرم والمضجع غير نجس (عب4:13).
2. ما جمعه الله لا يفرقه إنسان (مت6:19) فهل يجمع الله رجل وإمرأة فى نجاسة ؟!
3. الذى أسس سر الزواج هو الله (تك24:2).
4. علاقة المسيح بكنيسته مشبهة بعلاقة الزوج بزوجته (أف23:5).
5. إذا كان الـ 144000 هم الرهبان الذين لم يتزوجوا فهل الراهبات الذين لم يتنجسوا مع رجال ليس لهم نصيب فى الـ 144000... سنقول ثانية سفر الرؤيا لا يفسر حرفيا.
وقوله لم يتنجسوا مع النساء هى إشارة للطهارة عموما. والقداسة التى بدونها لن يرى أحد الرب (عب14:12). والنجاسة مع النساء هى الزنا عموما. والزنا نوعين:-
1- زنا جسدى.
2- زنا روحى أى عبادة أحد آخر غير الله وهذا هو المقصود هنا أن الـ 144000 لم يزنوا جسديا، ولا هم تبعوا ضد المسيح تاركين الله وهذا هو الزنا الروحى. والبتولية عموما المقصود بها بتولية الروح وليس بتولية الجسد وهذه ممكنة للجميع بنعمة المسيح، أى يكون الإنسان مرتبط بالمسيح كعريس لنفسه، فى علاقة حب بالمسيح وليس سواه من مغريات العالم، يكون فكره وحواسه وقلبه مكرسة للمسيح، لا ينشغل ولا يطلب سوى المسيح وحده، فهذا ينطبق على أى أحد، حتى لو كان متزوجا... أنه عذراء عفيفة للمسيح (2كو2:11) والآباء والقديسون قالوا "إن التوبة تحول الزانى إلى بتول".
يَتْبَعُونَ الْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ = فى حب تبع يوحنا الحبيب المسيح حتى الصليب فلم يحتاج أن يسمع من المسيح قوله " إتبعنى " أما بطرس حينما قال له الرب أنه سيصلب، إضطر الرب لأن يقول له إتبعنى ليشجعه على قبول الصليب (يو18:21-22). إذاً كلما إزددنا حبا نتبع المسيح حيثما يريدنا أن نذهب بل هو معنا يذهب معنا = حَيْثُمَا ذَهَبَ .
بَاكُورَةً ِللهِ = راجع (خر2:13) ومنها نفهم أن كل باكورة مخصصة لله أى مقدسة لله ومكرسة لله، حتى باكورة الحيوانات وباكورة المحاصيل الزراعية. وبهذا المفهوم كان البكر فى المواليد مخصص لله حتى تم إستبدال الأبكار باللاويين.
وبهذا نفهم أن هؤلاء الـ 144000 هم مقدسين أى مكرسين لله. وهذه تنطبق على المتزوجين أيضا.
وَلِلْخَرُوفِ = ألم يشترهم الخروف بدمه فصاروا ملكه. وهذا ما شرحه المسيح فى (يو10،9،6:17) فهؤلاء المقدسين هم للآب كما للإبن.
آية (5):- "5وَفِي أَفْوَاهِهِمْ لَمْ يُوجَدْ غِشٌّ، لأَنَّهُمْ بِلاَ عَيْبٍ قُدَّامَ عَرْشِ اللهِ."
هؤلاء المقدسين هم أمناء صادقون = فِي أَفْوَاهِهِمْ لَمْ يُوجَدْ غِشٌّ= أى لم يسيروا وراء الشيطان الكذاب وأبو الكذاب (يو44:8). ولم يرددوا كذب وضلال وغش الوحش ولا النبى الكذاب بل شهدوا للمسيح.
بِلاَ عَيْبٍ = كل من هو ثابت فى المسيح يكمله المسيح فيصير بلا عيب قدام الله كما قال بولس الرسول " قد صالحكم الآن. فى جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسيين وبلا لوم ولا شكوى أمامه (كو22،21:1).
الآيات (6-11):- "6ثُمَّ رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ، 7قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«خَافُوا اللهَ وَأَعْطُوهُ مَجْدًا، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ سَاعَةُ دَيْنُونَتِهِ، وَاسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالْبَحْرِ وَيَنَابِيعِ الْمِيَاهِ».
8ثُمَّ تَبِعَهُ مَلاَكٌ آخَرُ قَائِلاً:«سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، لأَنَّهَا سَقَتْ جَمِيعَ الأُمَمِ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا!».
9ثُمَّ تَبِعَهُمَا مَلاَكٌ ثَالِثٌ قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْجُدُ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ، وَيَقْبَلُ سِمَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ، 10فَهُوَ أَيْضًا سَيَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ غَضَبِ اللهِ، الْمَصْبُوبِ صِرْفًا فِي كَأْسِ غَضَبِهِ، وَيُعَذَّبُ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ. 11وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلاً لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلْوَحْشِ وَلِصُورَتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ يَقْبَلُ سِمَةَ اسْمِهِ»."
الله لا يترك الناس تهلك دون إنذار، والله أرسل الأنبياء فى العهد القديم لينذروا الناس، وأرسل يونان لنينوى. وهنا نرى الله يرسل ثلاث ملائكة للإنذار وربما يكونوا رسلا. فكلمة ملاك تعنى مرسل. وقيل أن الثلاثة سيكونوا هم إيليا واخنوخ والكتاب المقدس. المهم ستكون كلمة الله فى أفواه الرسل.
الملاك الأول : الآيات (7،6) :-
هذا الملاك الأول يبشر المؤمنين الصابرين فى الضيق أن يوم النهاية قد إقترب، وأن إحتمالهم للضيق سيكون لوقت قليل ثم يتمجدوا.
طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ = إشارة لأن هذا الرسول سيجول بسرعة فى وسط الكنيسة التى تحيا فى السماويات، يبشرها ليسود الفرح الكنيسة. وليدعو المؤمنين للثبات فى عبادتهم لله قائلا اسْجُدُوا لِصَانِعِ السَّمَاءِ.
الملاك الثانى : آية (8) :-
هذا رسول آخر ينذر بخراب بابل، وبابل فى الكتاب المقدس هى دولة الشر ومقاومة الله فى العالم منذ القديم، فبابل بدأت مقاومة الله ببناء برج بابل منذ القديم، ودولة بابل غرقت فى الوثنية والزنا، ودولة الشر فى العالم خطيتها الأولى والكبيرة هى خطية الزنا، وكثيرين تعلقت شهواتهم بهذه الخطية التى يسهلها إبليس منذ القديم، ويسير المنخدعون كالسكارى وراء خطية الزنا هذه. ولكن هذه الخطية تثير غضب الله = خَمْرِ غَضَبِ زِنَاهَا أى أنهم كمن فقد صوابه، كالسكير يندفع فى طريق الزنا، وهذا يجلب غضب الله عليه. وهذه الخطية تختلف عن أى خطية آخرى كما يقول بولس الرسول (1كو15:6 – 20)
سَقَطَتْ سَقَطَتْ = التكرار بصيغة الماضى يشير لأن الأمر مقرر من قبل الله وأنه مؤكد الحدوث. وبهذا نفهم أن هذا الملاك ينذر ويحذر زناة هذا العالم بسقوطهم وخرابهم إن لم يتوبوا عن أعمالهم.
الملاك الثالث : الآيات (9-11) :-
هذا الملاك ينذر بعدم التبعية للوحش، وإلا سيشرب من يتبعه من خمر غضب الله. الْمَصْبُوبِ صِرْفًا = أى بلا ماء (فالعادة أن يخلط الخمر بالماء لتخفيفه). وفى هذا إشارة لأن غضب الله سيكون غضبا مركزا وبلا رحمة. هم أرادوا أن يشربوا خمر لذة الزنا ولكن الله سيجعلهم يشربون كأس خمر غضبه، ولاحظ تشبيه الخطية بالخمر، وغضب الله بالخمر، فعقوبة الخطية فيها. فالله يريدنا أن نعبده وحده، وعبادة الله تحرر، لكن هناك من يتصور أنه يريد أن يتحرر من الله ويسلك كما يشاء فى حرية مزعومة، لكنه يجد نفسه مستعبدا للشيطان يذله ويذهب عنه سلامه وفرحه. إذا نفهم أن عقوبة الخطية فيها، فالله أعطى الوصية لصالح الإنسان لا ليتحكم فى الإنسان. مثال آخر لنفهم أن عقوبة الخطية فى الخطية، فالله يوصينا بان نحب أعدائنا، فمن لا يريد تنفيذ الوصية ويملأ قلبه حقدا وكراهية ضد شخص آخر يصاب بالأمراض وبفقدان السلام. من هنا جاء تشبيه الخطية وغضب الله كلاهما بالخمر أى بنفس الشىء. ولماذا الخمر بالذات فالخطية تجعل الإنسان يظن أنه فى نشوة كمن يترنح من الخمر. ولكنه سيترنح من غضب الله.
أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ = الملائكة شهود على عدالة الله، فهم أنذروا، والله أرسلهم حتى يتوب الأشرار، إذا فالله لم يقصر معهم.
دُخَانُ عَذَابِهِمْ = الدخان يصعد إذا كان هناك شىء يحترق، والمعنى عدم تلاشى الأشرار، بل أن عذابهم سيكون دائم = نَهَارًا وَلَيْلاً = أى بصفة مستمرة.
آية (12):- "12هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ."
الإشارة للصبر هنا هى نظرا لشدة الإضطهاد فى تلك الأيام. والصبر يدعمه رجاء المجد للأبرار وتأكيد عذاب الأشرار. وإن كنا نصبر فسنملك أيضا معه (2تى12:2).
آية (13):- "13وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ»."
هذه الآية فيها تشجيع لمن يستشهد على يد ضد المسيح بسبب إيمانه. وهنا بعد أن شرح العذاب الأبدى للأشرار والمجد الأبدى للأبرار يطوب كل من مات فى بره عبر الزمان، فلن يلحقه عذاب، بل سيحيا للأبد فى فرح. بالمسيح صار الموت عبور للراحة والفرح ثم المجد. نَعَمْ يَقُولُ الرُّوحُ = هذا هو تعليم الروح القدس الذى يعلمنا كل شىء ويذكرنا دائما بهذا فنصبر على آلام الزمان الحاضر (يو26:14).
وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ = هنا نرى أهمية الأعمال.
آية (14):- "14ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ، وَعَلَى السَّحَابَةِ جَالِسٌ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، لَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي يَدِهِ مِنْجَلٌ حَادٌّ."
هنا نرى السيد المسيح وفى يده مِنْجَلٌ حَادٌّ. فوقت الحصاد قد إقترب، وقصة الحصاد شرحها السيد المسيح بنفسه فى مثل الحنطة والزوان (مت24:13-30).
فالحنطة نما معها الزوان، ولكن فى اليوم الأخير حين ينضج المحصول تجمع الحنطة للبيادر (أى الأبرار يذهبون للسماء) والزوان يحرق (أى يذهب الأشرار للنار الأبدية). وشرحها فى مثل الخراف الذين يذهبون إلى اليمين والجداء إلى الشمال فى ذلك اليوم.
سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ = اللون الأبيض يشير للبر والعدل فهو يحكم بعدل. وكما عرفنا من قبل فالسحاب يظهر دائما مرافقا لمجد الله حتى يحجب نوره ومجده الذى لن نحتمله. لكن كلما كانت السحابة بيضاء تخللتها أشعة الشمس. وهنا نرى سحابة بيضاء والمعنى أن الأبرار بدأوا الآن يشعرون بالأكثر بمجد ونور السيد المسيح، وأيضا غضبه وعدله وإنتقامه صاروا ظاهرين بوضوح للكل.
شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ = لأن مجد لاهوته أعطاه صورة مهيبة (راجع إصحاح 1).
لَهُ... إِكْلِيلٌ = علامة الغلبة النهائية على أعدائه.
فِي يَدِهِ مِنْجَلٌ حَادٌّ= إشارة للملائكة الذين سيجمعون مختاريه مميزين الخراف عن الجداء راجع (مت32:25).
جَالِسٌا = لقد إستراحت نفسه من جهة كنيسته، فزمان جهادها قد إنتهى. قبل ذلك رأيناه ماشيا وسط كنيسته كما رآه يوحنا (رؤ1:2) وذلك ليحميها من أعدائها ورأيناه قائما يشفع فيها كما رآه إسطفانوس (أع56:7).
آية (15):- "15وَخَرَجَ مَلاَكٌ آخَرُ مِنَ الْهَيْكَلِ، يَصْرُخُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ إِلَى الْجَالِسِ عَلَى السَّحَابَةِ: «أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ وَاحْصُدْ، لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتِ السَّاعَةُ لِلْحَصَادِ، إِذْ قَدْ يَبِسَ حَصِيدُ الأَرْضِ»."
خَرَجَ مَلاَكٌ.. مِنَ الْهَيْكَلِ = الهيكل هو مكان القديسين فى السماء. وقد رأينا هؤلاء القديسين من قبل يصرخون بصوت عظيم طالبين من السيد أن ينتقم لدمائهم (رؤ10:6) ومعنى طلبهم هذا أن تأتى النهاية ليلقى كل واحد نصيبه، هم يتمجدوا، ويظهر عدل الله وقداسته فى عقاب الأشرار ويكفوا عن التمرد على الله. وهنا نجد هذا الملاك صارخا مثلهم، فالملائكة لهم نفس شهوة الأبرار. بِصَوْتٍ عَظِيمٍ = كما صرخوا هم. أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ = هذا دعاء ورجاء. لأَنَّهُ قَدْ جَاءَتِ السَّاعَةُ = هم عرفوا من العلامات المذكورة فى الكتاب المقدس أن الوقت قد حان.
يَبِسَ حَصِيدُ الأَرْضِ = نضج وحان الأوان للحصاد. ليذهب القمح إلى المخازن والزوان لحريق النار. ويبس تفهم أن الأشرار إستنفذوا كل فرصة لهم للتوبة. وقوله يبس تشير أنهم بلا ماء (رطوبة) أى أطفأوا الروح القدس (المكنى عنه بالماء).
آية (16):- "16فَأَلْقَى الْجَالِسُ عَلَى السَّحَابَةِ مِنْجَلَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَحُصِدَتِ الأَرْضُ."
الجالس على السحابة هو السيد المسيح. أَلْقَى مِنْجَلَهُ عَلَى الأَرْضِ = أى أعطى أوامره للملائكة لبدء عملية الحصاد.
آية (17):- "17ثُمَّ خَرَجَ مَلاَكٌ آخَرُ مِنَ الْهَيْكَلِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، مَعَهُ أَيْضًا مِنْجَلٌ حَادٌّ."
هذا هو الملاك المكلف بالحصاد خرج لينفذ أوامر المسيح.
آية (18):- "18وَخَرَجَ مَلاَكٌ آخَرُ مِنَ الْمَذْبَحِ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى النَّارِ، وَصَرَخَ صُرَاخًا عَظِيمًا إِلَى الَّذِي مَعَهُ الْمِنْجَلُ الْحَادُّ، قَائِلاً:«أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ الْحَادَّ وَاقْطِفْ عَنَاقِيدَ كَرْمِ الأَرْضِ، لأَنَّ عِنَبَهَا قَدْ نَضِجَ»."
لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى النَّارِ = هذا الملاك يلقى الزوان أى الأشرار فى النار ليحرقوا كما جاء فى مثل الحنطة والزوان.
عَنَاقِيدَ كَرْمِ الأَرْضِ = كرم الأرض أى الأشرار، فالأبرار هم كرم الله (نش12:8) وقد أسماهم من قبل حصيد الأرض اليابس (آية 15).
عِنَبَهَا قَدْ نَضِجَ = كأس غضب الله قد إمتلأت من شرورهم.
الآيات (19-20):- "19فَأَلْقَى الْمَلاَكُ مِنْجَلَهُ إِلَى الأَرْضِ وَقَطَفَ كَرْمَ الأَرْضِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى مَعْصَرَةِ غَضَبِ اللهِ الْعَظِيمَةِ. 20وَدِيسَتِ الْمَعْصَرَةُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ دَمٌ مِنَ الْمَعْصَرَةِ حَتَّى إِلَى لُجُمِ الْخَيْلِ، مَسَافَةَ أَلْفٍ وَسِتِّ مِئَةِ غَلْوَةٍ."
تفهم بطريقتين:- الأولى روحية (دينونة للأشرار) والثانية مادية (حرب) أن الأشرار سيلقون فى معصرة غضب الله خارج المدينة السماوية، أورشليم السماوية حيث يلاقون عذابات أليمة شبهت هنا بقوله فخرج دم من المعصرة. وهؤلاء الأشرار سيكونون كثيرين حتى أن دماءهم إرتفعت حتى إلى لجم الخيل.
أَلْفٍ وَسِتِّ مِئَةِ غَلْوَةٍ = 4×4 ×100 ورقم 4 هو رقم الشمولية لكل جهات العالم الأربعة والمعنى أن الدينونة هى لكل الأرض، كما أن فرص التوبة هى أيضا الآن لكل الأرض.
تفسير آخر:- 1600 = 40×40 ، 40 =هو رقم الإنتظار الذى يأتى بعده إما بركة أو عقوبة وهؤلاء الأشرار إستنفذوا فرصهم، ولقد نفذ صبر الله معهم.
2- قد تشير الأيات لمعركة يحيط فيها الأشرار بشعب الله المكنى عنه بالمدينة.
والأشرار هم من تابعى الوحش، وتأتى عليهم ضربة رهيبة خارج أورشليم أى المدينة، أى أن الضربة تصيبهم ولا تصيب أولاد الله. وهذا معنى ما أتى فى ( رؤ 7:20-9). وهؤلاء الأشرار سيهلكون خارج المدينة. فالضربة موجهة لتابعى الوحش وليس لشعب الله. وقوله أن الدماء حتى إلى لجم الخيل تفهم فى هذا التفسير حرفيا أنها تشير لكثرة عدد القتلى فهم كانوا بحسب (رؤ7:20-9) كرمل البحر.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع عشر
الحمل والمؤمنون ... وحصاد الأرض
مقدمة عامة : أظهر الأصحاحان السابقان مقاومة الشيطان للكنيسة وأبناء الله بكل قوته من خلال التنين والوحشين ، وذلك في كل مكان ( سماء وبحر وأرض ) ... وهنا ننتقل لمنظر مريح يعلن غلبة الخروف وعدل الله مما يزيد من رجائنا في وقت مصاعبنا ...
(1) الحمل وتابعيه ( ع 1 - 5 ) :
ع 1 : ثم نظرت : التمهيد لوصف منظر جديد لا علاقة له بما سبق . خروف : إشارة ورمز للسيد المسيح له المجد فهو الحمل المذبوح من أجل فدائنا . مائة وأربعة وأربعون ألفاً : إشارة لكثرة عدد المفديين التابعين له ( راجع ص 7 : 4 ) . إسم أبيه : كما أنَّ لتابعي الوحش سمة توضح هويتهم وتبعيتهم ، هكذا أيضاً فأبناء الله لهم سمة وإسم الله على جباههم ، وهي هبة مجانية نأخذها هنا بالمعمودية ونثبتها بجهادنا ضد الخطية وتكمل لنا في السماء . ظهر المسيح على جبل صهيون وهو كناية عن الكنيسة ومكانها المرتفع لأنَّ هيكل العهد القديم قد بُنِيَ على هذا الجبل ، وكناية أيضاً عن السماء وارتفاعها ومسكن الله الدائم ( مز 9 : 11 ) ، وظهر معه أيضاً خاصته التي قبلته وآمنت وتمسكت به ... فالله في محبته لأبنائه يشركهم بنعمته في أمجاده .
ع 2 : صاحب منظر ظهور السيد المسيح أصوات مصدرها السماء ، وهي أصوات قوية تعلن نصرته " مياه كثيرة ورعد " وأصوات تسبيح رقيقة تعلن تهليل الخليقة السمائية بالمخلص الفادي " ضاربين بالقيثارة " . راجع أيضاً ( ص 5 : 8 ، 9 ) .
ع 3 : وهم يترنمون : أي المائة وأربعة وأربعون ألفاً مع الخليقة السمائية . ترنيمة جديدة : أي كلمات لم تكن معروفة يعطيها الروح القدس للغالبين ، ويذكرنا هذا بما قاله بولس الرسول عن لغة السماء " لا يسوغ لإنسان أن ينطق بها " ( 2كو 12 : 14 ) . أشتروا من الأرض : أي بدم المسيح ، فالمسيح دفع دمه ثمناً لشراء كل من يقبل فداءه في كل العالم ... توضح لنا هذه الآية العطايا الخاصة التي تُعطَى لأبناء الله فقط دون غيرهم ، فلهم إسم الله ( ع 1 ) ، ولهم الآن لغة تسبيح وترنيمة تخصهم ولا يعرفها سواهم ، وهم الماثلون وحدهم أمام العرش الإلهي متمتعين دائماً برؤية وحضرة الله الغير موصوفة والمدركة للعقل البشري .
ع 4 ، 5 : توضح هاتان الآيتان علة وأسباب تميز هؤلاء ( المائة والأربعة وأربعين ألفاً ) عن باقي سكان العالم في أنهم :
1- عاشوا حياة الطهارة فعريس نفوسهم الأوحد هو السيد المسيح ورغبتهم مرضاته ولم يعيشوا في شهوات الزنا كباقي سكان العالم .
2- يتبعون الخروف : عيونهم وقلوبهم متعلقة به ولا تفارقه فمكانه دائماً هو مكانهم .
3- اشتروا من بين الناس : هم وحدهم الذين قبلوا الإيمان بالمسيح وعاشوا كما يليق بهذا الإيمان في أعمال ترضي قلب الله ، وصاروا قدوة وباكورة لغيرهم .
4- في أفواههم لم يوجد غش : تمثلوا بالخروف إلههم الذي " لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه مكر " ( 1بط 2 : 22 ) ، فكل كلامهم حق وليسوا كأبناء العالم الشرير في خبثهم وضلالهم .
5- بلا عيب أمام الله : وإن كان لا يوجد إنسان بلا خطية أو عيب ولكن لأمانتهم في الجهاد ومحاولة إرضاء الله ، نسب الله إليهم الكمال ، فصاروا أمامه بلا عيب .
+ إلهي الخروف المذبوح عني .. أشتهي دائماً بالرغم من كل ضعفاتي أن أكون بلا عيب أمامك ، ولكني هآنذا لازلت أبعد عنك ... فمتى أتبعك من كل قلبي كهؤلاء القديسين ومتى أسبحك بمثل هذه الترنيمة الروحية ؟ إعطني يا الله أن أكمل أيام غربتي بخوف من أجل مرضاتك ، واجعلني أتمتع بك هنا لأفوز بالأبدية معك هناك على جبل صهيون السمائي .
(2) الثلاثة ملائكة وإعلان الدينونة ( ع 6 - 13 ) :
ع 6 ، 7 : منظر لملاك جديد يطير في وسط السماء ليراه جميع سكان الأرض ، يحمل خبراً مفرحاً أي " بشارة " لجميع منتظريها من سكان الأرض وفي الوقت ذاته هي خبر مخيف لكل من كان يتجاهل ولا يصدق مجئ ساعة الدينونة ، وكان صوته قوياً مدوياً معلناً بداية الدينونة ، ولرهبتها وشدتها لزم السجود والإنسحاق أمام صاحب هذه الساعة وهو الله الخالق للسماء والأرض والبحر وكل ما فيها . بشارة أبدية : خبراً صادقاً لا رجوع فيه . ورأى البعض أيضاً أنه الكتاب المقدس الذي يحمل كل مواعيد الله الصادقة .
ع 8 : ظهر ملاك ثاني يعلن خبراً جديداً وهو سقوط بابل ... !! سقطت سقطت بابل : ترمز بابل إلى مملكة الشر على مر الدهور ، وما أعلنه الملاك هنا هو نفس ما قاله إشعياء النبي في نبوته " سقطت سقطت بابل وجميع تماثيل آلهتها " ( اش 21 : 9 ) . والمعنى ، أنه عند إعلان دينونة الله في مجيئه الثاني يعلن أيضاً زوال مملكة الشيطان بكل جنودها وقوتها ولا قيامة لها مرة أخرى . سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها : هذه أيضاً تتفق مع ما قاله أرميا النبي " بابل كأس ذهب ... تسكر كل الأرض من خمرها شربت الشعوب ... سقطت بابل بغتةً وتحطمت " ( ار 51 : 7 ، 8 ) . والمعنى أنَّ مملكة الشر عملت شروراً مختلفة في كل إتجاه وأعثرت وأسقطت كثيرين ، فالشيطان في غضبه وغيظه أغوى الناس بالزنى الجسدي الفعلي وأغرقهم في شهوات الهلاك أو بالزنى الروحي بمعنى عزلهم وفصلهم عن الله ، وهذا الإعلان في جملته يحمل فرحاً ونصرة بنهاية الشرير الذي أتى يوم دينونته العادلة .
ع 9 ، 10 : جاء الملاك الأول يعلن خلاص المسيح وتمتع المؤمنين به ، والثاني أعلن دينونة الله العادلة وزوال مملكة الشر وسقوطها النهائي .. والآن يأتي الملاك الثالث يعلن إنتقام الله الشديد من كل من تبع الشيطان وصار له خادماً . يسجد للوحش ولصورته : أي من عبد الشيطان عبادة مباشرة أو من إشتغل بالسحر أو دعى الآخرين لترك الله وعبادة الشيطان وكل من إستخدمه الشيطان في إعثار الآخرين . سمته على جبهته أو يده : أنظر ( ص 13 : 16 ) . كل هؤلاء ستكون عقوبة الله عليهم شديدة ومرعبة جداً . خمر غضب الله صرفاً : إعتاد الناس في ولائمهم على تخفيف الخمر بالماء لإضعاف تأثيره ، ولكن كلمة " صرفاً " معناها " شديداً ومُرَّكزاً بلا تخفيف " وهي كناية عن شدة عقوبة الله لكل من تبع الشيطان ، فلا مجال لمراحم الله في الدينونة العامة لمن لم يستغلها هنا في حياته على الأرض . " يعذب بنار وكبريت " : التي أحرقت سدوم وعمورة قديماً ( تك 19 : 24 ) والتعبير يؤكد كل ما سبق في شدة غضب الله وعقابه . أمام الملائكة والقديسين والخروف : كما أنَّ أتباع الوحش سخروا واستهانوا بالسماء والله وكل أبنائه المؤمنين في كنيسته الحية ، يستوجب عدل الله أن يستمتع ملائكته وأبناؤه القديسون بإتمام عدله وهزيمة العدو الشرير الذي أذاقهم الكثير من العذاب والإضطهاد على الأرض ويكون المسيح بنفسه في وسط أولاده معلناً سلطانه ونصرته .
ع 11 : يصعد دخان عذابهم إلى الأبد : كناية عن إستمرار حرقهم بلا توقف وبلا فناء لهم ؛ فالمعروف أنَّ النار بعد فترة تأتي على كل شئ ، وعندما تنتهي ينتهي الدخان أيضاً بعدها بفترة وجيزة .. أما هنا فهو مستمر بلا نهاية . ولا تكون راحة : جرى العرف على إعطاء المُعَذَّبين فترة للراحة ولفظ الأنفاس قبل معاودة تعذيبهم ، أما هنا ، فلا راحة ولا توقف . وتعبير " ليلاً ونهاراً " مجازي إذ لا يوجد ليل ونهار في الأبدية ولكنه يفيد إستمرار العذاب بلا انقطاع .
ع 12 : هنا صبر القديسين : أي في هذا الوقت يعلن الله ويكافئ كل القديسين الذين صبروا واحتملوا كل اضطهاد الوحش ، ويظهر الله لنا مكافأتهم ليشجعنا موضحاً أنَّ سر نصرتهم وصبرهم هو قوة إيمانهم بالرب يسوع وجهادهم في العمل بوصيته .
+ أخي الحبيب إنَّ المشهد المخيف لنهاية الأشرار وكذلك تطويب الله لأبنائه القديسين الصابرين ، ما هو إلاّ رسالة لنا جميعاً تحمل تحذيراً وتشجيعاً ، فالتحذير من دينونة الله الصارمة على الأشرار والتشجيع لنا نحن إن ثبتنا على الجهاد والتمسك بمسيحنا ، فلنتمسك إذاً بجهادنا مهما كان الثمن المدفوع هنا على الأرض وأيضاً برجائنا في خلاص إلهنا وتطويبه لعبيده الأمناء .
ع 13 : سمعت صوتاً من السماء : قد يكون هذا صوت الله أو صوت الملاك المصاحب ليوحنا في رؤياه . يعلن الله تطويبه أي سعادة كل من يترك الحياة على الأرض وينتقل للسماء حيث تبدأ راحتهم وسعادتهم الحقيقية الغير ناقصة . أعمالهم تتبعهم : يشير الله أنَّ عدله يستوجب أن يجازي الإنسان عن كل أعماله التي أتى بها في حياته ، وهذا ما تعلمه لنا كنيستنا في إيمانها بأنَّ خلاص الإنسان يستوجب إيمانه بالمسيح ، وكذلك أعماله الصالحة التي سيجازى عليها في الأبدية بالراحة والسعادة والتطويب .
(3) الحصاد والحساب ( ع 14 - 20 ) :
ع 14 : نظر بعد ذلك القديس يوحنا منظر السيد المسيح ملتحفاً بمجده ، فالسحاب يشير دائماً لمجد الله ونقائه وطهارته ، ولأنَّ هذا المنظر مرتبط بسلطان السيد المسيح في دينونة الأشرار ، رآه القديس يوحنا مكللاً بإكليل من الذهب في دلالة على ملكه الأبدي ، أما المنجل فهو آداة زراعية مقوسة كالهلال تستخدم في حصد المحاصيل ، وهي كناية عن بدء حصد جميع البشر ، والمشهد كله يرمز لبدء الدينونة ؛ ويلاحظ أنَّ هذا المشهد يتفق تماماً مع ما قاله السيد المسيح نفسه عن بدء الدينونة " وأما متى أدرك الثمر فللوقت يرسل المنجل لأنَّ الحصاد قد حضر " ( مر 4 : 29 ) .
ع 15 ، 16 : خرج ملاك من الهيكل : أي خرج من أمام الله وحضرته . يصرخ بصوت عظيم : صوت عظيم وقوي لأنه يتناسب مع الموضوع الذي يتحدث عنه وهو بدء الدينونة . وكلمة " يصرخ " هنا معناها أنه يترجى بلجاجة ولهفة من السيد أن يبدأ ما إشتاقت الملائكة لإتمامه وكذلك كل القديسين الذين يصلّون كل يوم باشتياق " ليأتِ ملكوتك " . يبس حصيد الأرض : إعتاد الفلاح أن يحصد نباتاته بعدما تجف مثل القمح والفول ... أي أنَّ الحصاد صار جاهزاً تماماً وأتت ساعته الموعود بها ... فألقى ... منجله : أي أعلن بدء دينونته ونهاية الحياة على الأرض .
ع 17 : المنجل الذي كان في يد المسيح يمثل إرادته وسلطانه في زمن بدء الدينونة أما الملاك الذي خرج بالمنجل هو إشارة إلى كل الملائكة التي صدر لها الأمر بالتنفيذ .
ع 18 : ملاك آخر : غير الحامل المنجل . من المذبح : حيث كانت صلوات القديسين مع البخور ( ص 8 ) ، وحيث صرخت أيضاً أنفس الشهداء " حتى متى يارب .. لا تقضي ولا تنتقم لدمائنا " ( ص 6 : 10 ) . له سلطان على النار : هذا يشير إلى أنَّ فدائه كان لجمع الأشرار إلى مكانهم وهو النار . عناقيد كرم الأرض : يقصد الأشرار الذين أكملوا شرورهم ورفضوا التوبة فاستحقوا دينونة الأرض . يعلن هذا الملاك المسئول عن مكان العذاب الأبدي ، أي النار ، للملاك الحامل المنجل أن يبدأ الدينونة ليلقي الأشرار في النار الأبدية .
ع 19 : فألقى الملاك منجله : أي الأول المُكلَّف مع الملائكة ببدء العمل . قطف كرم الأرض : أي أنفس البشر وقد حصدها بالموت . معصرة غضب الله : المكان المُعد للأشرار ، وكلمة " معصرة " توحي بشدة العقاب والإنتقام الإلهي العادل .
ع 20 : ديست المعصرة : أي بدأ العقاب ، والمعنى الحرفي بدأت عملية العصير ، وكلمة " ديست " هي التعبير المستخدم لذلك . خارج المدينة : المدينة هنا هي مدينة الله وملائكته وقديسيه ، وخارج المدينة معنى يرمز إلى إستحالة وجود الأشرار في حضرة الله أثناء عقوبتهم فالمكان المقدس لا يقترب منه شرير . حتى إلى لُجُم الخيل : صار الدم الخارج من معصرة الأشرار كمثل إرتفاع الدم من سطح الأرض إلى لجام الخيل الموضوع أعلى أنفه . مسافة ألف وست مائة غلوة : الكلام هنا كله مجازي ولكن المعنى المراد منه هو تأكيد لكل ما سبق في شدة غضب وعقوبة الله للأشرار ، وكأنَّ دماءهم لا يكفيها حوض إرتفاعه أنف الخيل ومساحته مئات من الكيلو مترات ... !!
+ إن كان يوم الدينونة سيأتي حتماً ، فلنسرع بالتوبة ونرفض كل شهوة مهما كانت عزيزة لدينا ونقطع كل مصادرها حتى ننجو من الغضب الإلهي بل نتمتع بمحبته وحنانه .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح