كلمة منفعة
الذي يجب الحق، ويدافع باستمرار عن الحق..ينبغي قبل أن يأخذ حق الله من الناس، يأخذ حق الله أولًا وقبل كل شيء، من نفسه هو.
— الحق
سفر القضاة 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الباب الثاني
عصر القضاة
ص ٣-١٦
1. عثنيئيل بن قناز [ص ٣].
2. إهود بن جيرا
[ص ٣].
3. شمجر بن عناة [ص ٣].
4. دبورة القاضية وباراق [ص ٤ - ٥].
5. جدعون (يربعل) [ص ٦ - ٨].
6. رئاسة أبيمالك
[ص ٩].
7. تولع بن قواة [ص ١٠].
8. يائير الجلعادي
[ص ١٠].
9. يفتاح الجلعادي
[ص ١١ - ١٢].
10. إبصان
[ص ١٢].
11. إيلون الزبلوني
[ص ١٢].
12. عبدون بن هليل
[ص ١٢].
13. شمشون بن منوح
[ص ١٣-١٦].
الأصحاح الثالث
عثنيئيل بن قناز
بعد المقدمة السابقة (ص ١، ٢) بدأ بصُلب السفر يعلن انحراف الشعب المتكرر وسقوطهم تحت الضيق وإرسال الله قضاة لإنقاذهم:
١. إنحراف الشعب
[١ - ٧].
٢. استعبادهم لكوشان [٨].
٣. إقامة عثنيئيل قاضيًا [٩ - ١١].
٤. إقامة إهود قاضيًا [١٢ - ٣٠].
٥. إقامة شمجر قاضيًا [٣١].
١. إنحراف الشعب:
"فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان، إنما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب" [١-٢]
يبدأ صُلب السفر بتقديم بيان عن الأمم الذين تركهم الرب لامتحان إسرائيل، حتى تتدرب الأجيال الجديدة كيف تحارب، وهنا نلاخظ أن الإسرائيليون قد تهاونوا في طرد الأمم، فسمح الله ببقائهم في وسطهم، ليكونوا أداة لتدريب الأجيال على الحرب، لا بالمفهوم العام للتدريب العسكري، إنما ليختبروا كيف يغلبون وينتصرون خلال الحياة التقوية والاتكال على الرب، فيرون أعماله معهم لنصرتهم، هكذا يخرج الله حتى من ضعفاتنا خيرًا!
يعلق الأب دانيال على هذه العبارة، قائلاً: [ترك الأمم لا لينزع سلام الشعب ولا ليصيبهم ضرر، إنما لعلمه أن في هذا خيرهم. فإذ يضايقهم الأمم بالهجوم يشعرون باحتياجهم إلى العناية الإلهية. لهذا يستمرون متطلعين إلى الله، طالبين معونته، ولا يتهاونون في كسل ولا يفقدون فضيلة الإحتمال والعمل، مجاهدين في الفضيلة[28]].
قدم بيانًا بأسماء هؤلاء الأمم:
أولاً: أقطاب (أمراء) الفلسطينيين الخمسة، وهم حكام المدن الفلسطينية الرئيسية الخمس: جت وأشدود وغزة وأشقلون وعقرون. كان الفلسطينيون في ذلك الحين شعبًا عظيمًا ذا بأس، ومدنهم حصينة، إحتكروا صناعة الآلات والأسلحة الحديدية (١ صم ١٣: ١٩ - ٢١). بعد موت يشوع أخذ يهوذا غزة وأشقلون وعقرون (١: ١٨)، وضرب شمجر ٦٠٠ رجلاً منهم بمنساس البقر (٣: ٣١)، إلاّ أن الفلسطينيين استردوا هذه البلاد وسقط العبرانيون في قبضتهم (١٠: ٦-٧)... وصارت هناك عداوة مستمرة بين بني إسرائيل والفلسطينيين.
ثانيًا: جمع الكنعانيين[29]، والصيدونيين، والحويين[30] سكان جبل لبنان والحيثيين[31]، والأموريين[32] والفرزيين[33] واليبوسيين[34] (سكان أورشليم أو يبوس).
أما علامة الإنحراف فهي: "اتخذوا بناتهم لأنفسهم نساءً وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم" [٦]. هذه هي العلامة المزدوجة: الارتباط بغير المؤمنين خلال العلاقة الزوجية، وعبادة الآلهة الغريبة، والعجيب أنه يبدأ بذكر الزواج بغير المؤمنين قبل عبادة الآلهة الأخرى، لأن الأولى هي العلة والسبب والثانية هي ثمرة طبيعية للإنسان الشهواني الذي يقبل الزواج خارج دائرة الإيمان، لهذا يحذرنا الرسول، قائلاً: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي إتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!" (٢ كو ١٤-١٥).
٢. استعبادهم لكوشان:
إذ ارتبطوا مع الأمم خلال علاقات زوجية سقطوا معهم في عبادتهم للبعليم والسواري (أعمدة تقام كتماثيل للآلهة)، ولهذا باعهم الرب لكوشان رشعتايم ملك آرام النهرين، لمدة ثمان سنوات [٨].
"كوشان" إسم سامي يعني "يختص بكوش"، و "رشعتايم" تعني "ذي الشرين"، فإن كان الشعب قد إرتكب شرًا مزدوجًا: الزواج بأُمميات، وعبادة الأوثان؛ لهذا أسلمهم للملك (ذي الشرين) ليكون علة تأديبهم لمدة ثمان سنوات بالكيل الذي به يكيلون يُكال لهم!
٣. إقامة عثنيئيل قاضيًا:
"وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام الرب مخلصًا لبني إسرائيل فخلصهم: عثنيئيل بن قناز أخو كالب الأصغر. فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل، وخرج للحرب فدفع الرب ليده كوشان رشعتايم ملك آرام واعتزت يده على كوشان رشعتايم، واستراحت الأرض أربعين سنة" [٩ - ١١].
اختيار عثنيئيل قاضيًا لم يأتِ جُزافًا، فقد أراد الله أن يكون أول القضاة ليعلن أن سرّ الغلبة والخلاص يكمن في الله نفسه، إذ كلمة عثنيئيل تعني "استجابة الله"[35] أو "قوة الله"[36]. فما يتحقق من خلاص لا يتم بقوة بشرية إنما هو إستجابة الرب الذي يسمع صرخات أولاده ويعمل فيهم بقوته الإلهية.
عثنيئيل هذا إستولى على قرية سفر (كتاب) وتزوج بعكسة أبنة كالب أخيه (يش ١٥: ١٥ - ١٩؛ قض ١: ١٣ - ١٥). فهو يمثل الإنسان الروحي الذي ملك قرية الكتاب أي تعرّف على إسرار كلمة الله بطريقة روحية في حياة تقوية[37]، فتأهل لخدمة الرب، وأمكنه أن يغلب كوشان رشعتايم أي يغلب الشر المزدوج الذي استعبد البشرية، وبه تستريح الأرض أربعين سنة. بمعنى آخر التمتع بكلمة الله هو طريق الغلبة على الشر وتحطيم سلطانه واستعباده كما هو طريق الراحة الحقة بنزع العار والذل. في هذا يقول المرتل: "دحرج عني العار والإهانة لأني حفظت شهاداتك" (مز ١١٩: ٢٢).
ويؤكد الكتاب المقدس أن سرّ القوة في عثنيئيل: "كان عليه روح الرب" [١٠]، معلنًا أن فضل القوة لروح الرب الحالّ عليه وليس في ذاته.
إذن في أول القضاة أعلن الله قوته واستجابته لصلوات شعبه خلال إسمه "عثنيئيل" وأظهر أنه رجل الكتاب خلال تصرفاته "إستولى على قرية سفر" وأكد أن روح الرب حالّ عليه ويقوده ويرشده. ما أحوج الكنيسة في كل عصر إلى مثل عثنيئيل الذي يأتي مدعوًا من الله، يحمل قوته وروحه، مفصلاً كلمة الحق باستقامة!
به استراحت الأرض أربعين سنة [١١]؛ فإن كانت الأرض تُشير إلى الجسد ورقم ٤٠ يُشير إلى الحياة الزمنية المطوّبة[38]، فانه إذ حملنا في داخلنا نفسًا تسلك كهذا القاضي بروح الرب وتنعم بكلمة الله يستريح جسدنا في الرب ويكون مقدسًا في عينيه كل أيام زماننا. ليكن عثنيئيل قائدًا في داخلنا فنستريح ونمتلئ سلامًا فائقًا!
٤. إقامة إهود قاضيًا:
في المرة الأولى باعهم الرب لكوشان رشعتايم ملك أرام لمدة ثمان سنوات، أما الآن إذ رجعوا إلى الشر فسلمهم لعجلون ملك موآب لمدة ثماني عشر سنة حتى يتأدبوا بالأكثر... إننا إذ نكرر السقوط لا يقسو الرب علينا وإنما كطبيب يقدم دواءً أكثر فاعلية حتى وإن بدا أكثر مرارة لشفائنا.
"عجلون" تعني (عجل سمين) أو (مثل العجل)، كناية عن قوته وغضبه الوحشي، هذا بجانب أنه كان رجلاً سمينا جدًا [١٧]. "شدد الرب عجلون" [١٢]، لا بمعنى أنه ألقى القسوة في قلبه، إنما رفع يده الإلهية التي كانت تعوقه عن طبيعته الوحشية نحو اليهود، فتشدد للحرب مستعينًا ببني عمون، إذ كان بنو موآب وبنو عمون متجاورين، أرض موآب شرقي القسم الجنوبي من بحر لوط وبنو عمون إلى جهة الشرق منهم؛ كما تحالف أيضًا مع عماليق وهم قبائل بدوية متوحشة حملوا عداوة لإسرائيل ظهرت أثناء عبور الأخير في البرية (خر ١٧: ٨؛ عد ١٣: ٢٩؛ ١٤: ٢٥). تحالف الثلاثة معًا وضربوا إسرائيل بالسيف وامتلكوا أريحا "مدينة النخل" [٣].
إن كان "الصديق كالنخلة يزهو" (مز ٩٢: ١٢)، فالكنيسة هي مدينة النخل، إن تركت إلهها وانحرفت إلى العالم تسايره في حياته وأفكاره يسمح الله بتأديبها بموآب وعمون والعمالقة ولكن إلى حين حتى تتأدب وترجع إليه. وما أقوله عن الكنيسة هنا أقصد الكنيسة على مستوي القلب (المؤمن) أو على مستوى كنيسة البيت أو العائلة أو جماعة المؤمنين في بلد أو آخر الخ... إن العدو لا يقدر أن يقترب إلى مدينة النخيل مادام ليس له موضع فيها، لكن إن حملت مدينة النخيل سمات الأمم الوثنية تنحني بالعبودية لهم وتنكسر أمامهم، ويسلمها الرب لهم حتى تصرخ لتتقدس به وتنزع الآلهة الغريبة عنها، بمعنى آخر لا يستطيع عجلون وحلفاؤه أن يدخلوا إلى حياتك ويسيطروا على قلبك وفكرك مادام ليس لهم موضع فيك، لكن إن قبلت أفكارهم أو مارست عباداتهم أو سلكت حسب هواهم تتفتح أبواب قلبك أمامهم ليدخلوا ويملكوا عوض الرب!
إذ صرخ إسرائيل بعد ثمان عشرة سنة: "أقام لهم الرب مخلصًا أهود بن جيرا البنياميني رجلاً أعسر" [١٥]. يرى البعض أن كلمة أهود إختصار لكلمة "أبيهود" التي تعني (أبي مجد أو جلال)[39] بينما يرى آخرون أن أهود تعني (متحد)[40]. فإن كان القاضي الأول يُدعى "إستجابة الله أو قوته"، بكونه ثمرة الصراخ والطلبة لله القدير، فإننا هنا نجد القاضي يعني (أبي المجد أو جلال)، وكأنه ثمرة أبينا السماوي الذي يغير على مجده وجلاله فينا فيرسل لنا خلاصًا من عندياته؛ أو يعني (متحد) إذ ننعم بالخلاص خلال إتحادنا مع الله في إبنه يسوع المخلص الحقيقي.
كان أهود رجلاً أعسرًا أي يعمل بيده اليسرى، وقد جاء الأصل العبري بمعنى أنه (رجل مغلق اليد اليمنى) أما الترجمات الأخرى فتعني أنه يعمل بيده اليسرى بمنزلة اليمنى. يقول المؤرخ يوسيفوس أن أهود كان ماهرًا في إستعمال يده اليسرى تكمن فيها كل قوته. وفي مناظرات القديس يوحنا كاسيان قدم لنا الأب تادرس مفهوما روحيًا لاستخدام اليد اليسرى، إذ يقول: [(الرجل الكامل) يشبه في الكتاب المقدس بالأشول... يستخدم يده اليسرى كما لو كانت اليمنى. ويمكننا أن ننال هذه القوة باستخدامنا الأشياء السارة إستخدامًا سليمًا ومفيدًا، هذه التي هي لليمين، واستخدامنا الأشياء المؤلمة التي هي لليسار استخدامًا حسنًا "سلاحًا للبر" كقول الرسول: الإنسان الداخلي له جانبان، أو بمعنى آخر "يدان"، فلا يستطيع أي قديس أن يعمل من غير أن يستعمل يده اليسرى و بهذا يظهر كمال الفضيلة. فالإنسان الماهر يقدر أن يحوّل كل يد له إلى "يد يمينية"... أستطيع أيضًا أن أقول بأن يوسف كان رجلاً أشولاً، ففي أفراحه كان عزيزًا جدًا عند والديه، محبًا لإخوته، مقبولاً لدى الله؛ وفي ضيقاته كان عفيفًا، مؤمنا بالله، وفي سجنه كان أكثر شفقة على المسجونين، متسامحًا مع المخطئين، صافحًا عن أعدائه... إن هؤلاء الرجال (أيوب ويوسف وغيرهما) وأمثالهم بحق يُدعى كل منهم رجلاً أشول، إذ يقدرون أن يستخدموا كل يد لهم كأيدٍ يمينية، قائلين بحق: "بسلاح البر لليمين واليسار، بمجد وهوان، بصيت ردئ وصيت حسن..." (٢ كو ٦: ٧-٨). ويتحدث سليمان في سفر نشيد الأنشاد عن اليد اليمنى واليد اليسرى في شخص العروس، قائلاً: "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني" (نش ٢: ٦). وبينما يظهر أن كليهما مفيد إلاَّ أنها تضع إحداهما تحت الرأس لأنه ينبغي أن تخضع الضيقات لمراقبة القلب فتصير نافعة لأنها تهذبنا إلى حين، وتؤدبنا لأجل خلاصنا، وتهبنا الكمال في الصبر. أما اليمينية فتأمل أن تلتصق بها لكي ما تلاطفها فتنال المعانقة المباركة التي للعريس، وفي النهاية تضمها إليه. وهكذا يُحسب كل منا "أشول" عندما لا يؤثر فينا الرجاء ولا العوز. فلا يغوينا الرخاء ولا يدفع بنا نحو الإهمال الخطير، كذلك لا يجذبنا العوز إلى اليأس والشكوى (التذمر) بل نقدم الشكر الله في كل شيء[41]]
نعود إلى هذا القاضي لنجده يحمل سيفًا ذا حدين تقلده تحت ثيابه على فخذه اليمنى ليقتل به عجلون ملك موآب بعد أن يقدم له هدية يحملها كثير من الرجال؛ يقتله بعد أن يصرف الرجال حاملي الهدية ويتصرف معهم، ليعود ويلتقي مع الملك على إنفراد في علية برود، وهي علية خاصة بعجلون في أعلى القصر يجلس فيها كمظلة صيفية ليتبرد من الحرّ. قتله أهود بالسيف في عقر داره ومكان أمانه بعد أن قام عجلون عن كرسيه ليعود فيسقط على الأرض في دمائه ولا يجلس على كرسيه بعد. ترك أهود السيف في بطن عجلون ولم يسحبه وانطلق من الرواق وأغلق أبواب العلية على القتيل. وإذ خرج العبيد ورأوا الأبواب مغلقة قالوا: إنه مغطٍ رجليه في مخدع البرود، وهو تعبير متأدب عن دخوله إلى المرحاض... وإذ طال إنتظارهم خجلوا، فأخذوا المفتاح وفتحوا ليجدوه قتيلاً على الأرض. وإذ هرب أهود جمع بني إسرائيل في جبل أفرايم وأعلن أن الرب دفع إليهم أعداءهم، فنزلوا وراءه وأخذوا مخاوض الأردن إلى موآب وتمكنوا من قتل نحو عشرة آلاف رجل كل نشيط وكل ذي بأس ولم ينج أحد.
هذه القصة كما عرضتها في إختصار شديد تحمل صورة رمزية رائعة لعمل المخلص الحقيقي يسوع المسيح خلال الصليب، إذ نرى فيها الآتي:
أولاً: إسم المخلص أو القاضي "أهود" وقلنا أنه يعني (أبي مجد أو جلال)، كما تعني (متحد)، ففي المسيح يسوع المخلص الحقيقي تمجد الآب كقول السيد في ليلة آلامه: "مجّد إبنك ليمجدك إبنك أيضًا... أنا مجدتك على الأرض" (يو١٧: ١، ٤). كيف مجّد الإبن الآب؟ يقول القديس أغسطينوس: [إذ تمجد الإبن خلال قيامته بواسطة الآب، مجّد هو الآب بالكرازة بقيامته[42]]، وكما يقول: [تحقق هذا بإنجيل المسيح بمعنى أن الآب صار معروفًا للأمم خلال الإبن وبهذا مجّد الإبن الآب[43]]، [يمجدك الإبن، بمعنى إنك تصير معروفًا لكل جسد أنت أعطيته إياه[44]].
هكذا خلال الصليب مات الإبن بالجسد فمجده الآب بقيامته، ومجّد الإبن الآب خلال الكرازة بالقيامة وسحب قلب الأمم إلى خبرة معرفة الآب.
إما المعنى الثاني لكلمة أهود أي (المتحد)، فإن هذا الإسم ينطبق على السيد المسيح بطريقة فريدة إذ هو واحد مع أبيه. وقد جاء إلى الصليب لكي يجعلنا نحن أيضًا متحدين معًا فيه، ففي صلاته الوداعية يقول: "أيها الآب القدوس إحفطهم في إسمك، الذين أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن... ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" (يو ١٧: ١١، ١٢).
ثانيًا: يظهر أهود حاملاً سيفًا ذا حدين تقلده على فخذه اليمنى ليقتل به عجلون، وكأنه بالسيد المسيح الذي قيل عنه: "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك" (مز ٤٥: ٣). وكما يقول القديس أغسطينوس: [ماذا يعني بقوله "سيفك" إلاَّ "كلمتك"؟! فهذا السيف بدد أعداءه، وبهذا السيف إنقسم الإبن ضد أبيه والإبنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها. نسمع في الإنجيل: "ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا" (مت ١٠: ٣٤)... إن أراد أحد الشبان أن يكرس حياته لخدمة الله فيقاومه أبوه يصيران منقسمين ضد بعضهما البعض. فالواحد يعد بالميراث الأرضي والآخر يحب السماوي؛ واحد يعد بشيء والآخر يطلب شيئا آخر. لا يظن الأب أنه مخطئ مع أنه يجب أن يُفضَل الله عنه[45]]. هكذا تقدم السيد المسيح بسيفه أي وصيته على فخذه أي على جسده، إذ جاءنا متجسدًا يتحدث معنا وجهًا لوجه.
يصف سفر القضاة سيف أهود بأنه ذو حدين، وكما يحدثنا الرسول بولس عن كلمة الله أنها كسيف ذي حدين (عب ٤: ١٢)، بالحد الأول يعمل في قلب الكارز وبالثاني في قلوب المستمعين، إذ كلمة الله تعمل في الرعاة والرعية كسيف يبتر الشر ويعزله حتى يُقدَم القلب نقيًا للرب.
ثالثًا: أخذ أهود لعجلون هدية يحملها قوم من عنده، وكأنه السيد المسيح الذي قبل الصليب فرأى الشيطان في ذلك العمل هدية له، عملاً مفرحًا به يتخلص من السيد. وقد حمل سمعان القيرواني مع السيد صليبه، وكأنه كان حاملاً معه للهدية. عند قتل عجلون كان أهود وحده، إذ إجتاز السيد المسيح المعصرة وحده ولم يكن معه أحد من الشعوب كما قيل بإشعياء النبي (٦٣: ٣).
رابعًا: كان عجلون في علية برود كمن يستجم من الحرّ، وهكذا التقى السيد المسيح مع عدو الخير خلال الصليب حين ظن العدو أنه كمن يستجم من نيران كرازة المسيح وحرارة أعماله الفائقة، فبينما كان يظن في نفسه أن يستريح إذا به يُقتل.
خامسًا: قتل أهود عجلون بعد أن قام من كرسيه الملكي، فسقط على الأرض قتيلاً، وكأنه إبليس الذي فقد سلطانه (كو ٢: ١٥) وسقط من السماء كالبرق (لو ١٠: ١٨).
سادسًا: أغلق أهود على عجلون القتيل الباب حتى لا يفتحه إلاَّ خدامه أو عبيده، وهكذا إذ نزع الرب عن إبليس بالصليب سلطانه جعله كقتيل ليس من يلتقي به إلاّ من أراد أن يكون له خادمًا وعبدًا. رجوع الإنسان إلى مملكة إبليس إنما يتحقق بمحض إرادة الإنسان، إذ لا يحمل إبليس سلطانًا عليه يلزمه بالخضوع له. هذا ما أكده القديس يوحنا الذهبي الفم في كثير من مقالاته[46].
سابعًا: بعد قتل عجلون على يدّي أهود، قتل الشعب عشرة آلاف جبار بأس من الموآبيين، فإن كان إبليس قد تحطم تمامًا على يدي السيد المسيح على الصليب، فإن عمل الكنيسة، شعب المسيح، ألاَّ تبقي شيئًا من أعمال إبليس داخل قلبنا. السيد المسيح غلب لحسابنا وخلص البشرية، لكي لا يتوقف المؤمنون به عن الجهاد الروحي ضد الخطية أعمال إبليس وجنوده حتى النهاية.
٥. إقامة شمجر قاضيًا:
قام شمجر بعد أهود، ولا يعني هذا أن أهود قد مات، إذ يرى البعض أن شمجر حارب في أيام أهود وكان عمله محليًا.
ربما لم يجد شمجر آله للحرب فاستخدم منساس بقر، وهي أشبه بعصا في طرفها حديدة حادة تستخدم في رعاية البقر. على أي الأحوال الله يعمل بالقليل كما بالكثير. إنه يستخدمنا للعمل الروحي حتى وإن كنا لا نملك من المواهب والطاقات إلاّ منساس بقر.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثالث
الآيات (1-7):- "1فَهؤُلاَءِ هُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الرَّبُّ لِيَمْتَحِنَ بِهِمْ إِسْرَائِيلَ، كُلَّ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا جَمِيعَ حُرُوبِ كَنْعَانَ 2إِنَّمَا لِمَعْرِفَةِ أَجْيَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِتَعْلِيمِهِمْ الْحَرْبَ. الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوهَا قَبْلُ فَقَطْ: 3أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْخَمْسَةُ، وَجَمِيعُ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالصِّيْدُونِيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ سُكَّانِ جَبَلِ لُبْنَانَ، مِنْ جَبَلِ بَعْلِ حَرْمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ. 4كَانُوا لامْتِحَانِ إِسْرَائِيلَ بِهِمْ، لِكَيْ يُعْلَمَ هَلْ يَسْمَعُونَ وَصَايَا الرَّبِّ الَّتِي أَوْصَى بِهَا آبَاءَهُمْ عَنْ يَدِ مُوسَى. 5فَسَكَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، 6وَاتَّخَذُوا بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً، وَأَعْطُوا بَنَاتِهِمْ لِبَنِيهِمْ وَعَبَدُوا آلِهَتَهُمْ. 7فَعَمِلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَنَسُوا الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَعَبَدُوا الْبَعْلِيمَ وَالسَّوَارِيَ.
يعلن هنا عن إنحراف الشعب المتكرر وعلامة هذا زواجهم بالوثنيات وعبادة الألهة الوثنية. وهنا يبدأ بالزواج بالوثنيين أولاً قبل أن يشير لعبادة الأوثان وذلك لأن الزواج بالوثنيين يقود للعبادة الوثنية (هذا ما حدث مع سليمان الملك) ونلاحظ إهتمام إبراهيم بزواج إسحق إبنه من إمرأة تعرف الله.
ليمتحن بهم إسرائيل = هذا لا يعنى بالقطع أن الله ينتظر نتيجة هذا الإمتحان ليحكم على الشعب هل يعبد الله أم الألهة الوثنية فالكل مكشوف لله ، الماضى والحاضر والمستقبل ولكن كلمة يمتحن هنا معناها ان الله يكشف للشعب عن حالهم فإذا هم إنجرفوا لهذه العبادات الوثنية وسقطوا فى الضيق يعرفون سبب الضيق الذى هم فيه ألا وهو وثنيتهم فيصرخون لله والله يستجيب وينقذهم وبهذا يعرفون قوة الله. إذاً من هؤلاء الأعداء سيعرف إسرائيل هل الله معهُ أم لا، إن كان الأعداء خاضعين لهم فالله معهم وإن تقوى عليهم أعدائهم فالله قد تخلى عنهم وهم محتاجين للتوبة ليعود لهم. وبهذا يستمرون متطلعين إلى الله طالبين معونته ولا يتهاونون فى كسل. وبهذا نفهم معنى لتعليمهم الحرب = فالله لا يهتم بالتدريب العسكرى، إنما ان يختبر شعبه كيف يغلب وينتصر خلال الحياة التقوية والإتكال على الرب فيرون أعماله معهم لنصرتهم. وهكذا يخرج الله حتى من ضعفاتنا خيراً. وأيضاً نفهم أن كل الذين لم يعرفوا حروب كنعان انهم هم الذين أهملوا أن يعرفوا ما صنع الرب. والله إذن ترك هذه الشعوب ليتعلم الصغار الحرب، هؤلاء الذين وُلدوا بعد موت رجال الحرب. فالله يريد تعليم شعبه وليس ضررهم.
الآيات (8-11):- "8فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ، فَبَاعَهُمْ بِيَدِ كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ مَلِكِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ. فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ. 9وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ، فَأَقَامَ الرَّبُّ مُخَلِّصًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَخَلَّصَهُمْ، عُثْنِيئِيلَ بْنَ قَنَازَ أَخَا كَالِبَ الأَصْغَرَ. 10فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، وَقَضَى لإِسْرَائِيلَ. وَخَرَجَ لِلْحَرْبِ فَدَفَعَ الرَّبُّ لِيَدِهِ كُوشَانَ رِشَعْتَايِمَ مَلِكَ أَرَامَ، وَاعْتَزَّتْ يَدُهُ عَلَى كُوشَانِ رِشَعْتَايِمَ. 11وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَمَاتَ عُثْنِيئِيلُ بْنُ قَنَازَ. "
كوشان رشعتايم = كوشان = يختص بكوش، رشعتايم = (ذى الشرين) فلأن الشعب أخطأ فى شرين (الزواج بوثنيات وعبادة أوثان) أسلمهم الله لذى الشرين أرام النهرين = فى سوريا بين دجلة والفرات، أى الحرب كانت من الشمال. إذاً فالله أتى لشعبه بملك من بعيد ليؤدبهم. فعبد إسرائيل كوشان = أى أذلهم وأدبهم وصار لهم سيداً يستعبدهم. وصرخ بنو إسرائيل = هذه هى فائدة التجربة. فهم قبلاً لم يكونوا يصلوا والأن هم يصرخون. وأرسل الله لهم عثنيئيل = فكان أول قاضٍ. وأول مخلص من سبط يهوذا "كان أسداً خرج من سبط يهوذا" ليشير للمسيح. كلمة عثنيئيل = إستجابة الله أو قوة الله. فما يتحقق من خلاص لا يتم بقوة بشرية إنما هو إستجابة الرب الذى يسمع صرخات أولاده. وعثنيئيل هو الذى إستولى على قرية سفر وتزوج بعكسة إبنة كالب (يش 15 : 15-19). وسر قوة عثنيئيل = كان عليه روح الرب (2كو 4 : 7). وقرية سِفٌر تعنى كتاب. وهنا نفهم دور كلمة الله فى كتاب الله فى أنها تعطى قوة لمن يقتنيها (مز 119 : 22). إستراحت الأرض 40 سنة = يتكرر رقم 40 كثيراً وهو يشير لفترة زمنية يعطيها الله لنا، إن نجحنا فى إجتيازها يكون لنا البركة والعكس. والله يعطيهم هنا 40 سنة راحة وللأسف إرتدوا للشر فسقطوا فى عبودية عجلون.
آية (12):- "12وَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَعْمَلُونَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، فَشَدَّدَ الرَّبُّ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ عَلَى إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُمْ عَمِلُوا الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. "
هم ظنوا ان العدو الأول كوشان قد إنتهى وأصبحوا الأن فى أمان فبدأوا فى شرورهم ثانية ولم يفهموا أن الله لديه أدوات تأديب كثيرة. والأداة الحالية هى عجلون. وخطير إذا مّرت فى حياتنا أيام سلام وصحة وثروة فنشعر بالأمان ونخطىء فالأمان الحقيقى لا يكون إلا بالحياة فى المسيح فهو وحده ملك السلام، وكل ما عداه فهو كالسراب، شىء زائل غير مأمون ولا ضمان لإستمراره. ومعنى إسم عجلون = عجل سمين أو مثل العجول ربما إشارة لسمنته (آية 17) أو قوته الوحشية فى الحرب وغضبه القاتل وقسوته وعجلون هذا هو الذى خلف بالاق ملك موآب.
الآيات (13-14):- "13فَجَمَعَ إِلَيْهِ بَنِي عَمُّونَ وَعَمَالِيقَ، وَسَارَ وَضَرَبَ إِسْرَائِيلَ، وَامْتَلَكُوا مَدِينَةَ النَّخْلِ. 14فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. "
نرى حلف مؤآب وبنى عمون وعماليق أعداء إسرائيل الذين لم يكن لهم سلطان على إسرائيل ولكن بسبب شرور إسرائيل صار لهم سلطان الآن عليها. وإمتلكوا مدينة النخل = هى أريحا. ولكن إذا فهمنا أن الصديق كالنخلة يزهو فتكون مدينة النخل (مز 92 : 12) هى إشارة للكنيسة التى إن تركت مسيحها وإنحرفت لتسير كالعالم يسمح الله للعالم أن يسود عليها. وأعدائها الذين كانوا يعجزون عن أن يسيطروا عليها، صار لهم الأن سلطان عليها بل أقام عجلون مقره فى مدينة النخل (وهو المقر الذى ضربه فيه أهود).
آية (15):- "15وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ، فَأَقَامَ لَهُمُ الرَّبُّ مُخَلِّصًا إِهُودَ بْنَ جِيرَا الْبَنْيَامِينِيَّ، رَجُلاً أَعْسَرَ. فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدِهِ هَدِيَّةً لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ.
أهود = قد تكون إختصار ابيهود = أبى مجد أو جلال. أو تعنى متحد. ومعنى الإسم أن الله يستجيب لصراخنا إن إتحدنا به لأنه يغير على مجده. رجلاً أعسر = أى لا يجيد إستخدام يده اليمنى. (الله يحول ضعفاتنا إلى قوة لو إستلم حياتنا) هدية = علامة صداقة وود وقبول للخضوع لعجلون. وأخذ الهدية أهود ومعهُ بعض الرجال.
الآيات (16-18):- "16فَعَمِلَ إِهُودُ لِنَفْسِهِ سَيْفًا، ذَا حَدَّيْنِ طُولُهُ ذِرَاعٌ، وَتَقَلَّدَهُ تَحْتَ ثِيَابِهِ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى. 17وَقَدَمَّ الْهَدِيَّةَ لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ. وَكَانَ عِجْلُونُ رَجُلاً سَمِينًا جِدًّا. 18وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى مِنْ تَقْدِيمِ الْهَدِيَّةِ، صَرَفَ الْقَوْمَ حَامِلِي الْهَدِيَّةِ،
صرف القوم = إنصرف أهود مع القوم بعد تقديم الهدية ثم عاد وحده وذلك:
1) ليحمى قومه من إنتقام عجلون لو إكتشفوا خطته.
2) يعد طريق فراره.
3) هو لا يستطيع أن ينفذ خطته فى وجود كل حراس عجلون فهو إكتسب ثقة عجلون أولاً ثم عاد ليدخلوه وحده.
آية (19):- "19وَأَمَّا هُوَ فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ الْمَنْحُوتَاتِ الَّتِي لَدَى الْجِلْجَالِ وَقَالَ: «لِي كَلاَمُ سِرّ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ». فَقَالَ: «صَهْ». وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ جَمِيعُ الْوَاقِفِينَ لَدَيْهِ. "
المنحوتات = هى مقاطع الحجارة التى يأخذوا منها حجارة لأصنامهم وكانت الجلجال مركزاً لهذه الأصنام فحولها اليهود لمكان مقدس. وأهود إنصرف مع قومه ثم عاد لعجلون ثانية وأقنعه بأن هناك سراً، والملوك يهتمون بالأسرار فصرف جنده بعد أن وثق فى أهود وهو غالباً ظن أن أهود سيخون شعبه ويخبر الملك بسر مؤامرة ضده، أو كيف يملكه أجزاء أخرى فى إسرائيل لذلك أخرج الكل.
الآيات (20-23):- "20فَدَخَلَ إِلَيْهِ إِهُودُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي عُلِّيَّةِ بُرُودٍ كَانَتْ لَهُ وَحْدَهُ. وَقَالَ إِهُودُ: «عِنْدِي كَلاَمُ اللهِ إِلَيْكَ». فَقَامَ عَنِ الْكُرْسِيِّ. 21فَمَدَّ إِهُودُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْ فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَضَرَبَهُ فِي بَطْنِهِ. 22فَدَخَلَ الْقَائِمُ أَيْضًا وَرَاءَ النَّصْلِ، وَطَبَقَ الشَّحْمُ وَرَاءَ النَّصْلِ لأَنَّهُ لَمْ يَجْذُبِ السَّيْفَ مِنْ بَطْنِهِ. وَخَرَجَ مِنَ الْحِتَارِ. 23فَخَرَجَ إِهُودُ مِنَ الرِّوَاقِ وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْعِلِّيَّةِ وَرَاءَهُ وَأَقْفَلَهَا. "
إلتقى إهود بعجلون على إنفراد فى علية برود = أى غرفة خاصة فى أعلى قصره يجلس فيها الملك تحت مظلة ليتبرد من الحر. كلام الله إليك = ظن عجلون أن أهود وهو راجع من عند المنحوتات أن الألهة الوثنية أرسلت رسالة لعجلون بيد أهود فقام عن الكرسى = إحتراماً للألهة الوثنية التى أوحت بالرسالة. وغالباً كان عجلون مقيماً فى مدينة النخل وأقام له مقراً مع رجاله ليتسلط منه على إسرائيل والمسافة لم تكن كبيرة بين الجلجال (حيث المنحوتات) وبين أريحا (مدينة النخل).
الآيات (24-27):- "24وَلَمَّا خَرَجَ، جَاءَ عَبِيدُهُ وَنَظَرُوا وَإِذَا أَبْوَابُ الْعِلِّيَّةِ مُقْفَلَةٌ، فَقَالُوا: «إِنَّهُ مُغَطّ رِجْلَيْهِ فِي مُخْدَعِ الْبُرُودِ». 25فَلَبِثُوا حَتَّى خَجِلُوا وَإِذَا هُوَ لاَ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْعِلِّيَّةِ. فَأَخَذُوا الْمِفْتَاحَ وَفَتَحُوا وَإِذَا سَيِّدُهُمْ سَاقِطٌ عَلَى الأَرْضِ مَيْتًا. 26وَأَمَّا إِهُودُ فَنَجَا، إِذْ هُمْ مَبْهُوتُونَ، وَعَبَرَ الْمَنْحُوتَاتِ وَنَجَا إِلَى سِعِيرَةَ. 27وَكَانَ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنَّهُ ضَرَبَ بِالْبُوقِ فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ، فَنَزَلَ مَعْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْجَبَلِ وَهُوَ قُدَّامَهُمْ. "
مغطٍ رجليه فى مخدع البرود = هو تعبير مهذب عن دخوله المرحاض.
الآيات (28-30):- "28وَقَالَ لَهُمُ: «اتْبَعُونِي لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَفَعَ أَعْدَاءَكُمُ الْمُوآبِيِّينَ لِيَدِكُمْ». فَنَزَلُوا وَرَاءَهُ وَأَخَذُوا مَخَاوِضَ الأُرْدُنِّ إِلَى مُوآبَ، وَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَعْبُرُ. 29فَضَرَبُوا مِنْ مُوآبَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ نَحْوَ عَشَرَةِ آلاَفِ رَجُل، كُلَّ نَشِيطٍ، وَكُلَّ ذِي بَأْسٍ، وَلَمْ يَنْجُ أَحَدٌ. 30فَذَلَّ الْمُوآبِيُّونَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَحْتَ يَدِ إِسْرَائِيلَ. وَاسْتَرَاحَتِ الأَرْضُ ثَمَانِينَ سَنَةً. "
أخذوا مخاوض الأردن = المخاوض هى التى تعبر سيراً بالأقدام وكانت خطة إهود السيطرة على هذه المخاوض لمنع الموأبيين من الهرب عن طريقها إلى موآب، وأيضاً فهذا يمنع وصول أى نجدة من موآب لتأتى لحماية الجيش المحاصر فى إسرائيل. وبعد أن حاصروا جيش موآب فى غرب الأردن ضربوهم وقتلوهم (آية 29 10.000 رجل).
رموز إهود للمسيح:
1. فى إسمه فهو "أبى مجد" والمسيح مجّد الأب على الأرض والأب مجده (يو 17 : 1). ومعنى إسمه متحد = فهو واحد مع أبيه وهو جاء ليعطينا وحدة (يو 17 : 11، 21).
2. يظهر إهود حاملاً سيفاً ذا حدين تقلده على فخذه الأيمن ليقتل به عجلون = (مز 45 : 3) والسيف يشير لكلمة الله (عب 4 : 12). وكلمة الله سيف ذى حدين تعمل فى قلب الراعى والرعية. ومعنى حمل السيف على الفخذ، أى إشارة لتجسده يحمل وصيته (سيفه) على فخذه (جسده).
3. هدية إهود لعجلون التى أفرحته أولاً = الصليب الذى قبله المسيح فإبتهج الشيطان أولاً وهناك بعض الرجال ذهبوا مع أهود لتقديم الهدية كما حمل سمعان القيروانى الصليب مع المسيح لكن معركة الصليب كانت للمسيح وحده، كما ذهب إهود وحده ليقتل عجلون.
4. قتل إهود عجلون بعد أن قام عن كرسيه الملكى. والمسيح هزم الشيطان وحرمه من رياسته. وأفقده سلطانه (كو 2 : 15 + لو 10 : 18).
5. أغلق إهود على عجلون ولا يفتح عليه إلا عبيده وخدامه والمسيح قيّد لنا إبليس ولا يذهب لإبليس إلا كل من يريد أن يكون لهُ عبداً وخادماً. فرجوع الإنسان لإبليس لا يتحقق إلاّ بمحض إرادة الإنسان.
6. بعد أن قتل إهود عجلون قتل الشعب 10.000 رجل. وبعد هزيمة إبليس بواسطة يسوع يقوم شعب الله عبر العصور خلال جهادهم الروحى بغلبة إبليس (رؤ 6 : 2).
آية (31):- "31وَكَانَ بَعْدَهُ شَمْجَرُ بْنُ عَنَاةَ، فَضَرَبَ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سِتَّ مِئَةِ رَجُل بِمِنْسَاسِ الْبَقَرِ. وَهُوَ أَيْضًا خَلَّصَ إِسْرَائِيلَ. "
شمجر كان عملهُ محلياً أى محصوراً فى مكان معين فقط. ولم يقم شمجر بعد موت إهود بدليل قوله فى آية (4 : 1) بعد موت إهود ولم يقل موت شمجر. فشمجر خدمته فى حياة إهود لكن فى مكان آخر. وفى أيام شمجر إعتاد الفلسطينيون أن يقطعوا الطريق على شعب الله ويضربونهم ويسرقونهم " وهذا ما قالته دبورة 5 : 6،7 " أن الطرق إستراحت. ويبدو أن شمجر كان يحرث الأرض وفى يده منساس البقر = وهى عصا فى طرفها قطعة حديد حادة تستخدم فى رعاية البقر، وبينما هو فى عمله ظهر الفلسطينيون قطاع الطرق فأرشده الله أن يضربهم بما فى يده والله قادر أن يستخدم القليل كما الكثير. والله قادر أن يستخدمنا مهما كانت إمكانياتنا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح