كلمة منفعة
إن كنت تتكلم لمجرد الكلام، فهذا شيء.وإن أردت أن تصل بكلامك إلى نتيجة، فهذا شيء آخر، يجعل كلامك هادفًا وفعالًا..
— متى تتكلم؟
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة يعقوب - الاصحاح رقم 4 رسالة يعقوب الإصحاح رقم 4 الأصحاح الرابع الإيمان والشهوات بعدما تحدث الرسول عن الحكمة السماوية والحكمة الأرضيّة أراد أن يوجه أنظارنا إلى خطورة الشهوات الأرضيّة على حياة المؤمنين إذ: 1. تفقدنا سلامنا الداخلي 1 - 3. 2. تفقدنا سلامنا مع الله 4 - 10. 3. تفقدنا سلامنا مع الناس 11 - 13. 4. لا تهبنا شيئًا 14 - 17. 1. تفقدنا سلامنا الداخلي "من أين الحروبات والخصومات بينكم، أليست من هنا من لذاتكم المحاربة في أعضائكم؟" [1] تنبع المنازعات والخصومات لا عن مضايقات الغير، بل عن ضعف الإنسان الداخلي وهزيمته في الحرب الخفيّة التي ميدانها النفس. وقد أوضح الأب بيامون أن البناء متى اهتز وسقط لا يكون العيب في الرياح التي هَبَّتْ، بل في عدم تأسيس البناء على أساس قوي، إذ يقول: ]إذا انهزم الإنسان أمام خطأ واشتعلت فيه نيران الغضب، وجب عليه ألاَّ يعتبر أن مرارة الإهانة الموجهة إليه هي سبب خطيّته بل بالحري ظهور ضعفه الخفي. إذًا لا نحتاج إلى البحث عن سلامنا في الخارج، ولا نظن أن صبر الآخرين يفيد عدم صبرنا. لأنه كما أن ملكوت الله داخلنا، كذلك أعداء الإنسان من "أهل بيته" (مت 10: 36)، لأنه ليس عدوًا أكثر من قلبي الذي هو بالحق ألْصَق أهل بيتي إليَّ.[ فأساس المنازعات هي حرمان القلب من السلام الداخلي، لهذا يقول القديس أغسطينوس: ]في الحرب الروحيّة إذا انتصرنا على شهواتنا ننتصر على أعدائنا (الشياطين). لأنه متى قهرنا فينا الشهوات الأرضيّة، نقهر لا محالة العدو الذي يتسلط علينا بهذه الشهوات. فإذا قيل للشيطان (في شخص الحيّة) أن يأكل التراب، قيل للخاطيء (في شخص آدم) أنت تراب وإلى تراب تعود، وبهذا صار الإنسان طعامًا للشيطان. فإن أردنا ألاَّ نكون هكذا يلزمنا ألاَّ نكون ترابًا.[ سرّ الخصومات هو استسلام المرء للذات المحاربة في أعضائنا بغير مقاومة. أما إذا قاوم ولم يستسلم، فإنه وإن ضايقه الجميع، وساءت الظروف المحيطة به، وفَقَدَ كل شيء، لا يفقد سلامه الداخلي ولا يدخل الخوف إلى قلبه. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم ]لا يضرك أحد إن لم تضر نفسك بنفسك. إن كنت لا تخطيء فإن عشرات الألوف من السيوف تهددك، ولكن الله ينتشلك حتى لا تقترب إليك.[ هذا ما تفعله اللذات في حياة الإنسان المستسلم لها... وماذا ينتفع منها؟ يقول الرسول: "تشتهون ولستم تمتلكون". إنها كالسراب تجذب الإنسان ليجري وراءها فيضل الطريق ويزداد عطشًا دون أن ينال شيئًا لأنها لذَّات خادعة. "تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا. تخاصمون وتحاربون، ولستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون" [2]. يحدِّث الرسول أناسًا قامت بينهم خصومات، في ظاهرها من أجل الحق، لكن حقيقة دافعها اللذات المحاربة في أعضائهم أي الكرامة الزمنيّة أو أي دوافع أرضيّة أخرى. هذه اللذات دفعتهم إلى روح الحسد والبغضة. لهذا يقول "تقتلون" أي تبغضون "وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا". وقد دعاهم قتلة بسبب البغضة. وذلك كما في إنجيل متى (5: 22) ورسالة يوحنا الأولى (3: 15)، حيث تُعْتَبَر الكراهية قتلاً، وفي سفر يشوع بن سيراخ (34: 21) يُعتبر من يهضم حق الأجير سافك دم. فكل بغضة هي قتل حتى وإن اختفت وراء الدفاع عن الحق، ولا ينال الإنسان من وراء ذلك شيئًا بل يفقد حتى حياته، كإيزابيل التي قتلت نابوت اليزرعيلي كرمه، فلحست الكلاب دمها ( 1 مل 21: 1-23). "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديًا، لكي تنفقوا في لذاتكم" [3]. لقد سبق الرسول فعلل سبب عدم نوال الشيء بعدم الطلب "لستم تمتلكون، لأنكم لا تطلبون". وما أصعب على الأب أن يرى أولاده محتاجين ولا يطلبون من أبيهم. غير أنه توجد فئة تطلب لكنها لا تأخذ. وليس السبب في الواهب بل في الطالبين، فبينما يرفعون كلماتهم في الصلاة إلاَّ أن قلوبهم مرتبطة باللذات في الأرض، فتكون صلواتهم مَكْرَهَة أمام الرب. إذ نستخدمها وسائل لتحقيق مآرب أرضيّة، وكأننا نقول للآب السماوي: "هب لنا عطايا أرضيّة، لأننا مرتبطون بالأرض، ونريد أن نرتبط بها، ولا نشتاق أن نتهيأ للسماء حيث يكون لنا نصيب معك". ما أثقل على نفس الأب أن يطلب الابن منه عطايا لكي يهرب بها من وجه أبيه، والعروس التي تطلب من عريسها هدايا ولا تطيق أن ترى وجهه! يقول القديس غريغوريوس: ["كل ما تسألون الآب باسمي يعطيكم". أما اسم الابن فهو "يسوع" أي مخلص. فالذي يسأل باسم المخلص هو ذاك الذي يسأل فيما يختص بأمر خلاصه. إذن فلتراجعوا طلباتكم لتنظروا ما إذا كانت باسم "يسوع" أي خاصة بأمور الخلاص، أم يطلب أحدكم عُرسًا وآخر حقلاً وثالث ثوبًا ورابع رزقًا وقوتًا... وهذه يجب أن تُطْلَب من الخالق القدوس لكن الأولى أن نتبع قول الرب: "اطلبوا أولاً ملكوت الله"]. 2. تفقدنا سلامنا مع الله "أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله؟ فمن أراد أن يكون محبًا للعالم، فقد صار عدوًا لله" [4]. يترجمها البعض "أيتها الزانيات Ye Adulteress"، وليس غريبًا أن يستخدم الرسول هذه الصيغة، لأنه في العهد القديم كان يُشبَّه خيانة عهد الله والانحراف عن العبادة بالخيانة الزوجيّة، كما استخدم العهد الجديد نفس التشبيه مُسَمِّيًا هذا الأمر "فسقًا" أي زنا روحيًا، فيه ترفض النفس البشريّة الاتحاد بعريسها (2 كو 11: 2) لتتحد بإله آخر. هذا الإله قد يكون إنسانًا معينًا أو شهوة مادة. لكن يتساءل البعض: لماذا نعتبر محبة العالم عداوة لله وزنا روحيًا، مع أن الله خلق كل شيء من أجل الإنسان؟ الله لا يريد مضايقتنا أو حرماننا، لكن كبعلٍ للعروس أو خَتْنِها السماوي لا يقبل أن تلتصق بآخر. يريدنا أن نستعمل العالم. لكي نَتلَمَّس محبة الواهب دون أن يرتبط قلبنا بحب العطيّة ذاتها متجاهلين صاحبها. فالعالم في خلقته حسن (تك 1: 10)، لكن إذا تمسك الإنسان به، وانشغل عن الله يُقال: "العالم كله وُضِعَ في الشرير" (1 يو 5: 19)، إذ لم يعد قنطرة للعبور إلى الأبديّة، بل تَعَبَّد له الإنسان وارتبط بمغرياته، وهكذا سقط في فخاخه. لهذا يوبخنا الرسول قائلاً: "أم تظنون أن الكتاب يقول باطلاً الروح الذي حلّ فينا يشتاق إلى الحسد" [5]. وكما يقول الله عن نفسه "لأني أنا الرب إلهك إله غيور" (خر 20: 5). فالروح القدس الساكن فينا يشتاق إلى الحسد أو يغير علينا غيرة مقدسة. وكما يقول القديس إيرونيموس ]لو لم يكن الله محبًا للنفس لما غار عليها ولا تَعَقَّبها على حب غيره، كالرجل الذي يتعقَّب عروسه على حبها سواه.[ "ولكنه يعطي نعمة أعظم. لذلك يقول يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة" [6]. إن كان الله يغير علينا فإنه لا يتركنا وحدنا حتى لا نخور في أنفسنا (عب 12: 3) لكنه يَهَب نعمة أعظم للمتواضعين الخاضعين لعمله (أم 16: 18)، أما الذين يتكلون علي ذواتهم فيقاومهم لأنهم ارتبطوا بروح إبليس المعاند. "فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم" [7]. إن كنا نرفض ملكوت إبليس يَلْزَمنا أولاً أن نقبل ملكوت الله بالخضوع له، بعد هذا نقاوم، وعندئذ لا يكون لإبليس سلطان علينا بل يهرب منا. ويُشَبِّه القديس ذهبي الفم الشيطان بكلبٍ لا يبرح ملتصقًا بمائدة صاحبه مادام يُلْقَى إليه بين حين وآخر شيئًا منها. لكن إن كفَّ عن ذلك، فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى. هكذا يَلْزَمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكانًا فينا (أف 6: 11، 13؛ 4: 27). كيف نخضع لله ونقاوم إبليس؟ 1. بالاقتراب منه: "اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم" رأى الأب المحب ابنه الضال راجعًا "فتحنن وركض ووقع على عنقه وقَبَّله" (لو 15: 20). فما أن نرجع إلى الله حتى يرجع هو إلينا (زك 1: 3)، لأنه ليس ببعيدٍ عنا، بل كما يقول "هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ 3: 20). بالتوبة ندخل إلى الله، وبدونها لا ننتفع بالبركات الإلهيّة التي نلناها في العماد، ولا نستحق التناول من الأسرار المقدسة للاتحاد بالرب، ولا نعرف كيف نصلي أو كيف نستمع إلى صوت الله في كتابه، أو كيف ندخل بيته، أو نُرَنِّم له ونسبحه ونشكره، أو نخدمه ونخدم أولاده الخ. 2. "نقوا أيديكم أيها الخطاة" : يقول القديس إكليمنضس الروماني: ]ليتنا نقترب إليه في قداسة النفس، رافعين أيادي نقيّة غير دنسة.[ يَلْزم ألاَّ تكون التوبة كلامًا أو مجرد مشاعر وعواطف بل سلوكًا أيضًا وحياة. لذلك طالب الرسول بنقاوة اليدين، أو نقاوة الأعمال. ويريدنا الرسول بولس أن نصلي رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (1 تي 2: 8)، لأنه "من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين والنقي القلب" (مز 24: 4). ويؤكد الله "إن كَثَّرتم الصلاة لا أسمع". وما السبب؟ "أيديكم ملآنة دمًا" (إش 1: 15). 3. "وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين." [8] : وهنا لم يقل "أيها الخطاة" بل "يا ذوي الرأيين" موضحًا أن طهارة القلب تعني وحدة الهدف، فلا يكون منقسمًا بين محبة الله ومحبة شيء آخر. هكذا عرَّف الأب موسى نقاوة القلب الذي هو ترمومتر العبادة. "اكتئبوا ونوحوا وابكوا ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم" [9]. يقول الأب نيلس السينائى: ]قبل كل شيء اطلب من الله أن يَهبَك دموعًا، فربما تُلَيِّن الدموع الصلابة الكامنة في نفسك، وتكشف لك خطاياك من نحو الله، وبهذا يَهَبك الله عنها غفرانًا. استخدم الدموع كسلاح للحصول على طلباتك من الله، لأن الله القدير يُسَرُّ عندما تصلي بدموع... احذر الوقوع في انفعال عاطفي... فكثير من الناس ينسون الغرض من الدموع.[ ليعطنا الرب أن نرفع أعيننا بالدموع نحوه كالطفل تجاه أمه، فيكون لنا هذا "الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنْشيء توبة لخلاص بلا ندامة" (2 كو 7: 10). جاء في سيرة القديس باخوميوس ]في أحد الليالي إذ عبر باخوميوس ومعه تادرس تلميذه على مقابر فوجدا نسوة يَنُحْنَ ويَبْكِين، فتأثر باخوميوس لهذا المنظر مشتاقًا لو بكى الكل على خطاياهم حتى يقومون... لذلك قال لتلميذه: أما ترى هؤلاء كيف يَسْكُبْنَ دموعهن على أموات ليس لهن قدرة على إقامتهم؟ فكم يَلزمنا نحن المدعوين رهبانًا أن نندب أنفسنا الميتة بزلاتها لكي يقيمها السيد المسيح ويحييها برحمته! على كل حال البكاء ممدوح إن كان بقصد صالح، كما كان يفعل سائر الآباء القديسين. فداود النبي يقول: "أُعَوِّم كل ليلة سريري بدموعي أُذَوِّب فراشي" (مز 6: 5)، فعني بالمساء هذا العالم، والصباح العالم الآتي. ويوسف بكى على إخوته... وناح إرميا النبي نادبًا شعبه.[ 4. "اتضعوا قدام الرب فيرفعكم" [10]. : خشي الرسول أنهم في بكائهم يحسبون أنفسهم أفضل من غيرهم فيفقدون كل جهادهم. لهذا يقول الأب نيلس السينائي [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله.] 3. تفقدنا سلامنا مع الناس رأينا أن محبة الأرضيّات تفقدنا سلامنا الداخلي وسلامنا مع الله، وبالتالي تُفْسِد نظرتنا للآخرين، فندينهم ونرى كأنهم أشرار. لذلك ينصحنا الرسول: "لا يذم بعضكم بعضًا أيها الإخوة. الذي يذم أخاه ويدين أخاه يذم الناموس ويدين الناموس، وإن كنت تدين الناموس فلست عاملاً بالناموس، بل ديانًا له" [11]. إنه يوجه الحديث قائلاً: "أيها الإخوة". فإذ نحن إخوة يليق بنا أن نستر ضعفات بعضنا البعض، مترفقين بالكل. فمن يذم أخاه يذم الناموس الذي أوصانا بمحبة القريب كنفوسنا، ومن يدين الناموس ويرفضه إنما يرفض واضعه مع أنه "واحد هو واضع الناموس، القادر أن يخلص ويهلك، فمن أنت يا من تدين غيرك؟" [12] إنه الديان الوحيد واضع الناموس الحب والرحمة وقادر أن يخلص، وقادر أن يدين، فَمَنْ نحن حتى ندين الآخرين فنسلب الله حقه وعمله؟ ذكر بلاديوس [حدث أن دان إسحق القس التبايسي أخًا على فعل ما، وذلك بعد خروجه من الجماعة ليتوحد في البريّة، فجاءه ملاك يقول له: "الرب يقول لك: أين تشاء أن تطرح نفس ذلك الأخ المخطيء الذي تدينه؟" فلما أدرك خطأه قال "أخطأت، اغفر لي".] ويقول الشهيد كبريانوس [لا يجوز لنا أن نسبق بالحكم مادام الرب نفسه هو الديان، اللهم إلاَّ إذا كان سيصادق على ما نحكم به الآن على الخطاة، حتى إذا وجد فيما بعد توبة صادقة وكاملة منهم.] 4. لا تهبنا شيئًا سِرُّ انجذابنا للشهوات وانشغالنا بالأرضيّات هو عدم إدراكنا لحقيقة غربتنا على الأرض، أو تناسينا لها، لهذا يوبخ الرسول قائلاً: "هلم الآن أيها القائلون نذهب اليوم أو غدًا إلى هذه المدينة أو تلك وهناك نصرف سنة واحدة ونَتَّجِر ونربح . أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد، لأنه ما هي حياتكم، إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل" [13- 14]. ليس العيب في الاتجار، لكن في التحديد بأمرٍ قاطعٍ دون تسليم المشيئة للرب. حَسَنٌ للإنسان أن يدبِّر الأمور، متكلاً على الله، وشَرّ أن يظن أنه قادر على تدبير أموره بحكمته الخاصة. فالرب لا يُعلِّمنا التواكل بل الاتكال، بل يطلب الأمانة في كل عمل، لكن بغير كبرياء، كالغني الغبي الذي جمع الكثير، وظن أنه قادر أن يُشْبِعَ نفسه لسنين كثيرة، فطُلِبَتْ نفسه في ذات الليلة (لو 12: 15-21). "ما هي حياتكم؟" هكذا يستخف الرسول بالحياة الزمنيّة من أجل قصرها، وكما يقول القديس ذهبي الفم: [إن الحياة هنا وأمورها هي مجرد طريق، أما مسكننا فهو أمور الدهر الآتي. أمور هذه الحياة تُشْبِه الربيع، أما الحياة الأخرى فهي كالصخور لا تنهدم] لم يقل الرسول "لماذا تذهبون وتتاجرون"، إنما كان لومه هكذا: "عِوَض أن تقولوا إن شاء الرب وعشنا نفعل هذا أو ذاك. وأما الآن فإنكم تفتخرون في تعظمكم، كل افتخار مثل هذا رديء" [15- 16]. لقد كانت عادتهم أن يذهبوا إلى المدن الجديدة ويقضون عامًا تقريبًا ليتاجروا ويربحوا ويعودوا إلى بلدهم. لم يَلُمْهُمْ على هذا، إنما لامهم لأنهم لم يسلموا المشيئة في يدي الله، بل اتكلوا على ذواتهم وتخطيطاتهم وحكمتهم وتكبروا. "فمن يعرف أن يعمل حسنًا، ولا يعمل، فذلك خطيّة له" [17]. وكأنه يجيبهم على سؤال وجهوه إليه: وهل في هذا العمل خطيّة؟ نحن لم نُؤْذِ أحدًا ولا أسأنا إلى الناموس، فلماذا تلومنا؟ بلا شك عدم الاتكال على الله خطيّة، لكن الرسول أجابهم بصورة أروع. "من يعرف أن يعمل حسنًا" "أي يتكل على الله"، "ولا يعمل، فذلك خطيّة". فماذا يكون الأمر إن كنتم تعرفون ما هو شر وتفعلونه؟ من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الرابع مقدمة :- إنتهى الإصحاح السابق بأن ثمر البر يزرع فى السلام، والذى يعيش فى منازعات لن يكون له ثمار. ويسترسل الرسول فى تفكيره... وما الذى يضيع السلام ؟ ويجيب أنه الخصومات والحروب. ويعود ويتساءل ومن أين تأتى الخصومات والحروب ؟ ويجيب أنه من الشهوات للعالم أو الملذات التى نريد أن نعيش من أجلها. وهذه هى قصة الشهوة مع الإنسان. ما قبل السقوط :- خلق الله الإنسان وله شهوة مقدسة أى مخصصة لله، أى متجهة نحو الله. فكان آدم يحب الله من كل قلبه، ويشتهى لقاءه كما يشتهى الحبيب لقاء حبيبه. فآدم مخلوق على صورة الله. والله محبة. والله يقول " لذاتى مع بنى آدم " (أم 8 : 31). وهكذا لأن آدم على صورة الله، كان يحب الله ويقول " لذاتى مع الله ". وحيثما توجد المحبة يوجد الفرح. لذلك عاش آدم فى فرح. فى جنة عدن (عدن تعنى فرح). ما بعد السقوط :- إتجهت نظرة آدم للأرض، فصار يشتهى ملذات الأرض، بل صار مستعبداً لها. ففقد الفرح الذى كان يحيا فيه، ودخل الهم والغم لحياة الإنسان. ودخل تعظم المعيشة، ولم يعد الإنسان مكتفياً بما عنده، بل يريد أكثر، وفى صراعه هذا على ملذات العالم دخلت الخصومات والحروب، ونسى الإنسان الله. ولاحظ أن لاشىء يشبع الإنسان. فتزوج سليمان من1000 من النساء. ولو كان قد شبع من 999 منهم ما تزوج رقم 1000. ما بعد الفداء :- حل الروح القدس الذى سكب محبة الله فى قلوبنا (رو 5 : 5). وكانت ثمار الروح القدس بهذا "محبة وفرح وسلام..." (غل 5 : 22، 23) وبهذا أصلح الروح القدس ما أفسده الإنسان، فأعاد للإنسان الحالة الفردوسية الأولى. ألا وهى محبة الله التى ينشأ عنها الفرح. وكل من تذوق محبة الله سيحيا فى هذا الفرح. كل من تذوق هذه المحبة وهذا الفرح إعتبر أن العالم نفاية (فى 3 : 8). بل تغيرت الشهوة فبدلاً من أن يشتهى الإنسان المال والعظمة والجنس... يقول بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً" (فى 1 : 23) ويقول القديس أغسطينوس "جلست فوق قمة العالم عندما صرت لا أشتهى شيئاً". علاقتنا الآن مع الله :- المسيح بعد فدائه لنا صار عريساً لنا ونحن عروسه. حدث إتحاد بيننا وبينه. وهذا الإتحاد سيكمل فى السماء حين نصير إمرأته (رؤ19: 7). والمسيح ينتظر هذا اليوم ليفرح بعروسه. وإنتظاراً لهذا اليوم، ونحن مازلنا فى العالم يرسل إلينا تعزياته وذلك لنحتمل ألام هذا العالم (2كو1: 3-5). ويحصرنا بمحبته (2كو5: 14). وكل من يحاول أن يحيا مع الله سيتذوق هذه المحبة وهذه اللذة الروحية. وداود يدعونا إلى ذلك قائلاً " ذوقوا وأنظروا ما اطيب الرب " (مز34: 8). أما من إنشغل بالعالم عن الله، وصار لا يدرك أن الرب قادر أن يشبعه ويفرحه فهو يغيظ الله، إلهنا إله غيور، هو عريس نفوسنا. هل يحتمل عريس أن تقول له عروسه أنها متعلقة بآخر ولا تحبه هو. هذا حال كل من تعلق بملذات العالم وشهواته تاركاً الله، لايعرف أن الله قادر أن يشبعه لهذا قيل هنا إن " محبة العالم هى عداوة لله "(يع4: 4). بل إن طبيعة ملذات العالم أنها كماء البحر لا تروى بل تميت من العطش فهى ماء مالح. لذلك فالله يتعجب من الذى تركه هو ينبوع الماء الحى لينقر لنفسه ابار مشققة لا تضبط ماء (أر2: 13). لذلك سمعنا فى الإصحاح الأول أن الله فى محبته يسمح ببعض التجارب حتى نزهد فى محبة العالم ونرتمى فى أحضانه لنكتشف محبته. ولاحظ أن اللذات التى يعطيها العالم هى لذات حسية أما اللذات التى يعطيها الله فهى لذات روحية وهى تفوق بما لا يوصف الملذات الحسية. ولكن هذا لمن يجاهد أن يلتصق بالله فى حياة صلاة وعبادة وتسبيح، هذا سيكتشف أن العالم نفاية. الروح والجسد يقول بولس الرسول أن الجسد يشتهى ضد الروح.والروح ضد الجسد (غل5: 17). والروح هو الروح القدس.الذى يثير فى شهوات للسماء ولله. والجسد يجذب للعالم وشهواته بإغراءات الخطية التى فى العالم والتى تسكن فى أجسادنا (رو7: 17).فهناك لذات محاربة فى جسدى. ولكن أيهما اقوى ؟ نسمع هنا أن الله يعطى نعمة أعظم (يع4: 6). فالروح القدس يعطى قوة جبارة تساند وهى أعظم من الشهوة التى فى جسدى. حقاً نحن بلا عذر (رو2: 1). ومن إستجاب للروح القدس عاش فى سلام وفرح ولذة روحية لا يريد شيئاً من العالم، جلس فوق قمة العالم. أما من يستسلم لشهوة الجسد يقوده هذا للنزاع والحسد والخصومات والحروب بسبب بسيط هو أنه لا احد يكتفى بما عنده، فأصل جميع الشرور فى الدنيا هو شهوة الجسد. أما من ينتصر على شهوته يقهر إبليس المحارب له، فسلاح إبليس هو ملذات العالم ومن يرفضها يفقد إبليس سلاحه. فالحرب هى فى الحقيقة هى حرب داخلية، ومن ينتصر فيها ويهذب شهواته متعففاً عن شهوات الجسد يحيا فى سلام. ونلاحظ أنه قد قيل لإبليس (الحية) تأكلين التراب. وقيل لأدم إنك تراب. فمن يحيا فى التراب خاضعاً لشهوة الجسد سيكون طعاماً لإبليس. ولاحظ ان ابليس يستعمل سلاح ملذات العالم التى تشبع غرائز الجسد . والروح القدس يعطي اولا العين المفتوحة التى ترى تفاهة هذه الملذات ويعطى تعفف وهذا من ثمار الروح ( غل 5 : 22 ، 23 ) اى هى حالة من الشبع تجد النفس فيها انها لا تريد هذه الشهوات ( النفس الشبعانة تدوس العسل). وانها فى حالة من الفرح الروحي لا تحتاج معه شيئا اخر ( كمن وجد لؤلؤة كثيرة الثمن فباع ما يملكه من لآلئ) ، ولا تريد اي خطأ يحرمها من هذا الفرح . ويعطى الروح معونة تجعل الانسان ينتصر بسهولة على حروب الشهوة ، وهذه المعونة هى النعمة . وهذه النعمة أعظم من قوة الشهوة التى تجذب للخطية . ولكن لنفهم ان ابليس يعرض خدماته حى دون ان يطلبه الانسان ، فهو بلا كرامة وكل همه جذب اكبر عدد ممكن للهلاك معه . اما الروح القدس فهو يعطى لمن يطلب ....اسألوا تعطوا آية (1):- " 1مِنْ أَيْنَ الْحُرُوبُ وَالْخُصُومَاتُ بَيْنَكُمْ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ هُنَا: مِنْ لَذَّاتِكُمُ الْمُحَارِبَةِ فِي أَعْضَائِكُمْ؟ " الحروب = العداء المستمر. الخصومات = المشاجرات. لذاتكم المحاربة = الرغبة فى المسرات الأرضية، وهذه تجذب الإنسان لأسفل عكس الروح الذى يحاول أن يجذب الإنسان للسماويات. وهذه اللذات هى مركز الصراع والحرب بين أمة وأمة وبين إنسان وإنسان بل هى تحارب الإنسان نفسه حرباً داخلية، فهى حين تجذبه بعيداً عن السماويات فهى تفقده سلامه. ولاحظ أن الرسول كان يتكلم فى الإصحاح السابق عن التشويش وعدم السلام. وهنا وضع السؤال، من أين تجئ الخلافات التى تسود بينكم؟ ويرجع الرسول السبب لشهوات الإنسان، وذلك لطبع الشهوة، أنها لا تكتفى بما عندها. فحينما يخضع الإنسان لشهواته ويفسح المجال أمام لذاته، ويعمل على إشباع نزواته تنشأ الخصومات. الرسول يحاول أن يذكرنا أن العلة الأولى للخطية ترجع للإنسان ذاته. فالمنازعات والخصومات تنبع لا عن مضايقات الغير بل عن ضعف الإنسان الداخلى وهزيمته فى الحرب الخفية التى ميدانها النفس. فالإنسان المستسلم لشهواته هو إنسان مهزوم داخلياً. هناك قاعدة عامة، وهى أنه علينا أن لا نبحث عن سلامنا فى الخارج، بل أساس المنازعات هو حرمان القلب من السلام الداخلى، والسبب هو الإبتعاد عن السماويات والروح القدس الذى يجذب للسماويات. وعدم الإستماع للروح القدس يطفئه فيفقد الإنسان سلامه، فالسلام ثمرة للإمتلاء من الروح القدس. وهذا يأتى بالإستسلام للذات الجسد فيفقد الإنسان حياته. اللذات تهاجم الإنسان الجديد المولود فى المعمودية. أما من يقاوم ولا يستسلم (يقاوم شهوات جسده) فإنه وإن ضايقه الجميع وساءت الظروف المحيطة به وفقد كل شئ فهو لن يفقد سلامه الداخلى ولا يدخل الخوف قلبه، ولن يدخل فى حروب مع أحد، إذ هو لا يريد شيئاً. المرض والفشل أيضاً ليسوا أسباب لفقدان السلام، فالسلام هو عطية يعطيها الله ويملأ بها القلب بغض النظر عما فى الخارج. لكن هناك من يتصور أن لذة ما أو حصوله على أموال يضمن بها مستقبله ستاتى له بالسلام، وهذا خطأ. فمن يتصارع مع عائلته وكسب المعركة وأخذ كل الأموال لن يمتلئ سلاماً بهذه الأموال، أما من يترك الأموال لهم، ويرى الفرح فى عيونهم سيمتلئ سلاماً. والسؤال الآن.. هل نأخذ السلام من يد المسيح أو نتصور أن له مصدر أخر أى ما نتصور أن فيه إشباع ملذاتنا. آية (2):- " 2تَشْتَهُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ. تَقْتُلُونَ وَتَحْسِدُونَ وَلَسْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنَالُوا. تُخَاصِمُونَ وَتُحَارِبُونَ وَلَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَطْلُبُونَ." تشتهون ولستم تمتلكون : الرسول هنا يحارب شهوة حب الإقتناء، فالإنسان يظل طوال حياته يسعى ويسعى لكى يمتلك. وإن طال لإمتلك الدنيا كلها لكن : - 1. لا ديمومة للإمتلاك. فما عندى قد يتركنى يوماً ما أو أتركه أنا وأموت. 2. الشهوات كالسراب، تجذب الإنسان ليجرى وراءها فيضل الطريق ويزداد عطشاً دون ان ينال شيئاً فهى لذات مخادعة. ولذلك شبه العالم بالبحر بمائه المالح فهو لا يروى أحد ولا يطفئ عطش مهما شرب منه الإنسان. 3. طبيعة الشهوة أن يشعر الإنسان دائماً بعدم الإكتفاء ويسعى للأكثر. فمثلاً لو أشبع سليمان 999 إمرأة لما سعى لإقتناء المرأة رقم 1000. 4. التفسير السهل للآية أن الإنسان يشتهى ولكنه غير قادر أن يمتلك ما يشتهيه ربما لنقص المال، فيشعر بالحرمان. والعجيب أنه يظل يعانى لأنه محروم من تفاهات هذا العالم، اما من يشتهى الله فيستطيع أن يمتلكه بسهولة لو طلب ذلك، كما قالت عروس النشيد " انا لحبيبى وحبيبى لى (نش 6: 3). ونجد بطرس يقول للمقعد على باب الهيكل " ليس لى ذهب ولا فضة ولكن الذى لى فإياه أعطيك "(أع 3: 6). وما الذى كان لبطرس " بإسم يسوع المسيح الناصرى قم وإمش " والإسم أى قدرة وقوة يسوع. ماالذى يستطيع الذهب والفضة أن يعملاه بجانب إمتلاك قوة يسوع. لو ظهر الرب لأحد الآن وقال له ماذا تشتهى، أخاف أن نطلب شيئاً من نفاية هذا العالم ولا نطلبه هو شخصياً. تقتلون وتحسدون ولستم تقدرون أن تنالوا = فى محاولتكم أن تمتلكوا ما تشتهون تكونوا على إستعداد أن تتقاتلوا، فالمال مثلاً يتصور البعض أنه حق ينبغى أن نتقاتل عليه. فتتخاصمون وتحاربون بعضكم البعض وتسوء العلاقات بينكم وبين الآخرين وتدخلون معهم فى خصام وشجار وحروب. وإن لم يصل الأمر للقتال تكتفون بأن تحسدوا بعضكم أى تشتهون بمرارة وحقد. ويسترسل الرسول أنه مع كل هذا فأنتم غير قادرين أن تنالوا. ربما لأنه صراع يائس للحصول على شىء صعب الحصول عليه، أو ربما حصلتم على شىء ولكن فقدتم سلامكم وفرحكم وكأنكم ما حصلتم على شىء. وكان هناك طريق سهل للحصول على ما تطلبون، أن تطلبوا من الله ما تريدونه = لستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون = فأنتم لا ترفعون صلواتكم إلى الله بما تحتاجون إليه، فالإنسان الذى يفيض قلبه بالكراهية لا يمكن أن يرفع قلبه بالصلاة. ولاحظ أن الله يستجيب لطلباتنا التى نقدمها فى الصلاة إذا طلبناها بإيمان وإذا كانت بحسب مشيئته (1 يو 5 : 14) ومشيئة الله هى خلاص نفوسنا (1 تى 2 : 4) فالله سيعطينا ما لا يمنع خلاص نفوسنا. ما يفرح قلب الله ثقتنا فيه ، وان نطلب بدالة البنين كل ما نريده من الله، ثم إذ لا ندرى الأصلح لنا، نصلي لله بثقة البنين فى أبيهم ...لتكن مشيئتك. فبولس طلب الشفاء بإيمان، والله قال لا.. لأن الشفاء كان يتعارض مع خلاصه. الرسول هنا يعاتب من لا يطلب من الله بل يحاول أن يأخذ حقه بالقوة. ويحدث ما قاله الرسول فى هذه الأية حينما تقوم خصومات فى ظاهرها أنها من أجل الحق، لكن حقيقة دافعها هى اللذات المحاربة فى الأعضاء أى حب الإقتناء أو الكرامة الزمنية أو أى دوافع أرضية أخرى. وهذه اللذات تدفع للبغضة والحسد. وكلمة تقتلون هنا ربما لا تصل للقتل حقيقة بل تفهم بمعنى الكراهية (1 يو 3 : 15) أو قد تصل فعلاً للقتل، كما قتلت إيزابل نابوت اليزرعيلى لتمتلك أرضه... ولكن القصة إنتهت بأن الكلاب نهشتها ولحست دمها. آية (3):- " 3تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ." هنا نرى فئة تطلب لكنها لا تأخذ، فهى تطلب طلبات جسدية، والله لا يستجيب لصلاتهم لأنها ليست بحسب مشيئته وليست للبنيان، بل هى ضارة لمن يطلبها. فهناك من يطلب غنى وكرامة ليزداد تعلقاً بالأرض ولا يرتفع قلبه للسماء. لذلك طلب منا السيد " أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم ". الله يريد أن نهتم بالسماء ونشعر بالغربة فى هذا العالم "إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" (كو 3 : 1). آية (4):- " 4أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا ِللهِ. " أيها الزناة = فى العهد القديم سميت عبادة الأوثان بالزنا، فهى زنا روحى أى خيانة عهد الله. والرسول هنا يستعمل نفس التسمية لمن إرتبط قلبه بالعالم تاركاً محبة الله، كل من يسعى وراء إنسان أو شهوة أو مادة رافضاً الإتحاد بالمسيح عريس النفس فهذا يسمى زنا. وبولس الرسول يشبه الكنيسة بعروس مخطوبة للمسيح (2كو11: 2) وهى عذراء عفيفة إذ لا تقبل محبة العالم وشهواته رجلاً لها مكتفية بالمسيح يسوع عريساً لها. فأى محبة لغير الله هى خيانة لله. وهم زوانى لأنهم أحبوا غير الله. والله قادر أن يشبع النفس لذات روحية، ومن يذهب لغيره يعاديه. الله خلق العالم لنستعمله ولكن لا ننشغل به عن الله نفسه، ويصير هدفاً لنا ونعبده، ونرتبط بمغرياته ساقطين فى فخاخه تاركين الله، ومن يفعل هذا فقد صار عابد وثن. آية (5):- " 5أَمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ بَاطِلاً: الرُّوحُ الَّذِي حَلَّ فِينَا يَشْتَاقُ إِلَى الْحَسَدِ؟ " الكتاب يقول " لأن أنا الرب إلهك غيور" (خر 20: 5 + 34: 14) + (تث 4: 24 + 5: 9 + 6: 15) + (يش 24: 19) + (حز 39 :25) + (زك 8 : 2)، وهذا معنى يشتاق إلى الحسد. فكلمة الحسد صحة ترجمتها الغيرة. باطلاً = على غير أساس. الروح الذى حل فينا = هو الروح القدس الساكن فينا. وهو روح الله الغيور. هنا نرى أن الروح، روح الله عنده رغبة حارة وشوق = يشتاق. هو إشتياق متدفق تجاه الذين إتحدوا بالمسيح. هى محبة تصل إلى حد الغيرة نحو العروس التى خطبها للمسيح. والروح يغير على الإنسان المؤمن من أن يتجه بقلبه للعالم كمنافس للمسيح. الله لو لم يكن محباً للنفس لما غار عليها ، ويشعر بالغيرة ان خطف ابليس النفس. آية (6):- " 6وَلكِنَّهُ يُعْطِي نِعْمَةً أَعْظَمَ. لِذلِكَ يَقُولُ:«يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً». " ولكن يعطى نعمة أعظم = العالم يجذبنا بقوة، ولكن الله فى غيرته علينا لا يتركنا وحدنا حتى لا نخور فى أنفسنا، بل يعطينا نعمة أى قوة جبارة أعظم من قوة جذب العالم. " فإنه حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً (رو 5: 20). ولكن من الذى يحصل على هذه النعمة ؟ هذه لمن يريد ويطلب " اتريد ان تبرأ " + " اسألوا تعطوا " المتضعين = أما المتواضعون فيعطيهم نعمة (أش 57: 15) + (أم 16: 18) + (1صم1: 3، 4، 8، 10) يقاوم الله المستكبرين = هم الشياطين الذين يحاولون خطف اولاد الله منه . أما المتكبرين فهم قد إرتبطوا بروح إبليس المعاند وهؤلاء لا يطلبون الله. المتكبرون هم من يشعروا أنهم مصدر النعمة التى هم فيها وليس الله ، وهم ليسوا فى احتياج لله ، فلا يسألوا الله شيئاً. ماذا نعمل اذاً ؟ يضع الرسول برنامجاً. 1. إخضعوا لله : أطيعوا وصايا الله. 2. قاوموا : إهربوا من الخطية وأماكنها. 3. إقتربوا : التصقوا بالله فى الكنيسة وفى مخادعكم. 4. نقوا أيديكم.. طهروا قلوبكم.. نوحوا : التوبة. 5. إسألوا تعطوا : فلنسأل الله من قلوبنا . ولنفهم ان الشيطان هو بلا كرامة يعرض خدماته ويعرض خطاياه وإغراءات العالم على البشر حتى لو رفضناه ، أما الروح يعطى نعمة أعظم لمن يطلب من قلبه . لذلك سأل المسيح مريض بيت حسدا " أتريد ان تبرأ" آية (7):- " 7فَاخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ. " فإخضعوا لله= بإنسحاق وإنكسار كما خضع الإبن الضال. ومن يخضع لله، لا يكون لإبليس سلطان عليه بل يهرب منه. ولكى ننتصر على إبليس نحتاج أمرين :- 1. أمر سلبى بأن نقاومه بقدر الإستطاعة بالهروب من أماكن الخطية = قاوموا إبليس. 2. أمر إيجابى بأن نقترب لله فنتقوى (أية 8). ويشبه ذهبى الفم الشيطان بكلب لا يبرح ملتصقاً بمائدة صاحبه مادام يلقى إليه بين حين وآخر شيئاً منها. لكن إن كف عن ذلك فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى، هكذا يلزمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكاناً فينا (أف 4: 27). يهرب منكم = هذه تشير لضعف إبليس إذا قاومناه بإيمان. آية (8):- " 8اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ." إقتربوا إلى الله = بالصلاة والتسابيح ودراسة الكتاب وإلتصقوا بالرب سواء فى مخادعكم أو فى الكنيسة. فيقترب إليكم = سامعاً لطلباتكم ومستجيباً لصلواتكم (لنلاحظ أنه يمكننا القول إقتربوا من إبليس يقترب منكم ويسهل لكم طريق الخطية) والإقتراب إلى الله يبدأ بالتوبة نقوا أيديكم.. طهروا قلوبكم ثم بالعشرة والحياة المقدسة المباركة مع الله. وما إن نرجع إلى الله يرجع الله إلينا (زك1: 3) + (رؤ3: 2) والله لا يسمع إلا لمن أيديه طاهرة، وقدم توبة وإستمر فى قداسته. وراجع (1تى 2: 8) + (مز24: 4) + (أش 1 : 15) نقوا أيديكم = من الأفعال القبيحة. هذه التى يراها الناس. طهروا قلوبكم = هذه عن الأفعال الداخلية كالشهوات والأفكار الرديئة. يا ذوى الرأيين = هذه عن من قلوبهم منقسمة بين محبة الله ومحبة العالم (ساعة لقلبك وساعة لربك) بينما الله يطلب القلب كله غير منقسم "ياإبنى إعطنى قلبك". إذاً طهارة القلب تعنى وحدة الهدف وأن يكون الهدف هو الله. أما المنقسم قلبه بين محبة الله ومحبة العالم فهو من يعرج بين الفرقتيين (1مل 18: 21). الأيات (9-10):- " 9اكْتَئِبُوا وَنُوحُوا وَابْكُوا. لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ، وَفَرَحُكُمْ إِلَى غَمٍّ. 10اتَّضِعُوا قُدَّامَ الرَّبِّ فَيَرْفَعَكُمْ." هذه دعوة للتوبة والبكاء بسبب خطايانا وبسبب عدم الإمانة مع الله، ولا شك أن التوبة تتحول إلى بركة، والدموع هى سلاح نحصل به على طلباتنا من الله (مز6: 6) + (نش 6: 5). وهذه الآية ليست دعوة لأن نحيا فى غم، وهى ليست متعارضة مع دعوة بولس الرسول لأن نفرح "إفرحوا فى الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا" (فى 4: 4). بل التوبة بدموع هى طريق الفرح الحقيقى، فنحن لا نفتعل الفرح، بل حينما نبكى على خطايانا يسكب الله الفرح فى قلوبنا. الله يفرح بالتائب ويملأه فرحاً، يحول أحزانه إلى أفراح " فأنتم كذلك عندكم الآن حزن. ولكنى سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم (يو16: 22). إذاً البكاء والحزن على الخطية هما الطريق للفرح الحقيقى الذى يعطيه الرب. والحزن ليس على شئ مادى نفقده، بل حزن توبة، حزن نابع من أن خطايانا سببت حزناً لله. وبدون مشاعر الحزن والنفور من خطايانا لن نتركها. ونحن نحزن إذ نشعر وندرك نتائج خطايانا السيئة. ولاحظ أننا حين نشعر بخطايانا علينا أن ننسحق أمام الله = إتضعوا قدام الرب. فيرفعكم = فى الحياة الحاضرة يهب لنا القدرة على عمل الفضائل ونرتفع عن الرذائل. وفى الحياة الأتية نرث مجداً معداً لنا. والدعوة للتواضع رأيناها فى أية 6 فالتواضع والإنسحاق هما الطريق لله. الأيات (11-12):-" 11لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ. الَّذِي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ النَّامُوسَ وَيَدِينُ النَّامُوسَ. وَإِنْ كُنْتَ تَدِينُ النَّامُوسَ، فَلَسْتَ عَامِلاً بِالنَّامُوسِ، بَلْ دَيَّانًا لَهُ. 12وَاحِدٌ هُوَ وَاضِعُ النَّامُوسِ، الْقَادِرُ أَنْ يُخَلِّصَ وَيُهْلِكَ. فَمَنْ أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ غَيْرَكَ؟ " نصيحة الرسول السابقة أن نتضع قدام الرب، ومن علامات عدم الإتضاع إدانة الإخوة وذمهم. فمن يدين الأخرين يأخذ وظيفة الله وحقه فهو الديان. والإدانة تحمل فى طياتها الكبرياء والكراهية. لذلك فلأنسحق وأدين نفسى لا الأخرين. الذى يذم أخاه يذم الناموس ويدين الناموس = لأن الناموس يوصى بمحبة القريب، فكأنكم بتصرفكم هذا تحكمون على الناموس بأنه خطأ، أو كأن وصية الناموس بالمحبة ليست وصية سليمة. فهل ندين الناموس الذى وضعه الله. وقوله أيها الإخوة = حتى يدركوا أنه علينا أن نحتمل ضعفات بعضنا البعض. ومن يرفض الناموس ويدينه فهو يرفض واضعه لأنه واحد هو واضع الناموس = فلا يصح أن أضع أنا ناموساً خاصاً بى وأنا تراب. واضع الناموس قال أنه على أن أحب الأخرين فلأحبهم ولا أدينهم. ونلاحظ أنه لو ترك للإنسان أن يدين الآخرين فسيهلك الخطاة، ولكن الله بسابق علمه يرحمهم فهو يعرف أنهم سيقدمون توبة فى المستقبل، ومن يضع الناموس هو وحده الذى له الحق أن يدين من يخالف هذا الناموس. الأيات (13-16):-" 13هَلُمَّ الآنَ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ:«نَذْهَبُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا إِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ أَوْ تِلْكَ، وَهُنَاكَ نَصْرِفُ سَنَةً وَاحِدَةً وَنَتَّجِرُ وَنَرْبَحُ». 14أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ. 15عِوَضَ أَنْ تَقُولُوا:«إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا نَفْعَلُ هذَا أَوْ ذَاكَ». 16وَأَمَّا الآنَ فَإِنَّكُمْ تَفْتَخِرُونَ فِي تَعَظُّمِكُمْ. كُلُّ افْتِخَارٍ مِثْلُ هذَا رَدِيءٌ. " سر إنجذابنا للشهوات وإنشغالنا بالأرضيات هو عدم إدراكنا لحقيقة غربتنا على الأرض أو تناسينا لها. بل أن حياتنا هى بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولضعفنا ولأننا مخلوقين علينا أن نحيا حياتنا فى إعتماد وإتكال على الله. ولاحظ أن الرسول يدعو للإتكال على الله وليس التواكل. هنا نرى شهوة الغنى وتعظم المعيشة دون تسليم لإرادة الله. ونلاحظ أنه ليس من الخطأ أن يذهب تاجر ليتاجر ويربح، ولكن الخطأ أنه يكون معتمداً على قدراته وفكره وليس على الله مثل الغنى الغبى (لو12: 16). مثل هؤلاء يتصرفون كما لو كانوا قد أمسكوا زمام المستقبل بأيديهم. ولقد كانت عادة التجار أن يذهبوا إلى مدن أخرى ويقضوا حوالى عام ليتاجروا ويربحوا ثم يعودوا إلى بلادهم. والرسول يطلب منهم أن لا يعتمدوا ويتكلوا على ذواتهم بل يعتمدوا على بركة الرب ويقولوا إن شاء الرب وعشنا وعليهم وعلينا نحن أيضاً أن نقول هذا بالقلب لا بالفم (1كو 4: 19). وذلك بتسليم الإرادة والمستقبل لله قلبياً. فكثيرين منا صاروا يقولون عبارة " إن شاء الله " بالفم دون تسليم المشيئة لله فعلاً، ودون الإتكال عليه بكل القلب. آية (17):- " 17فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ." السبب أن معرفته تكون شاهدة عليه يوم الدين. وهنا الرسول يعطى تعليماً لمن يسمعه أن يسعى لأن يعرف ويعمل الأعمال الحسنة لا أن يكتفى بالمعرفة فقط. الرسول يشرح هنا أن الخطية ليست فقط هى فعل الشر بل الإمتناع عن فعل الخير. وهذه توجه لمن يعتذر عن القيام بخدمة الله. هذه هى المسيحية الإيجابية. الرسول هنا كأنه يقول "لقد علمتكم حسناً. فلتعملوا حسنا لكل واحد بقدر إستطاعتكم حتى لا تخطئوا بسلبيتكم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع الشهوات الشريرة (1) نتائج الشهوات الشريرة ( ع 1 - 6 ) : ع 1 : لَذَّاتكم المحاربة في أعضائكم : الشهوات الشريرة التي تجذب أعضاء الجسد للذة الخطية . تسبب الشهوات الشريرة نتائج خطيرة في حياة الإنسان أهمها :0 (1) مشاكل بين الناس : شهوات الخطية تجعل الناس يختلفون مع بعضهم البعض ويتصادمون ، لأنها تولد أنانية في القلب وبالتالي تسبب خصومات ومشاكل بل حروب عنيفة بين الناس . ع 2 : لأنكم لا تطلبون : لا تطلبون الله والحياة الروحية معه . (2) عدم الشبع : الشهوات الشريرة التي تولد الأنانية في الإنسان فتجعله طمَّاعاً ، فيجري وراء الشهوات ويستخدم كل وسائل الشر مثل خطايا الجسد والخصام والقتل ولكنه لا يشبع من شهوته بل يزداد عطشه إليها ، كمن يجري وراء السراب فلا يرتوي أبداً بل يتوه في برية العالم لأنه لا يطلب الله والروحيات بل شهواته المادية فقط التي تزيد عطشه . ع 3 : (3) فساد العلاقة مع الله : يظهر الرسول أنَّ الإنغماس في الشهوات يفسد العلاقة بالله ، فصلواتهم تتجه إلى الطلبات المادية وتترك محبة الله والآخرين ولذا لا يستجيب الله لهم ، فلا ينالون شيئاً مما طلبوه لأنهم يطلبون شهواتهم الشريرة . ع 4 : (4) عداوة الله : يشبه الكتاب المقدس علاقة الله بشعبه برباط العريس بعروسه ويعتبر محبة المؤمن للعالم زنا روحي ، فيعلن بوضوح أنها عداوة لله ، لأنها تأخذ الإنسان بعيداً عنه فينشغل بمحبة العالم الذي كان ينبغي أن يكون مجرد قنطرة للعبور إلى العرس السماوي . فالله يطلب منا المحبة من كل قلوبنا باعتباره زوجاً ينتظر من عروسه كل قلبها . لذلك يقول بولس الرسول " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح " ( 2كو 11 : 2 ) ، أي أنَّ كل إنسان له حرية الإرادة ليختار إما أن يحب الله ويبغض العالم أو يحب العالم ويبغض الله . ع 5 : الروح الذي حل فينا : الروح القدس الذي حل فينا في سر الميرون . يشتاق إلى الحسد : يحبنا ويغير علينا من تسلط إبليس ويسعى ليردنا إلى محبته . من يحب العالم ويتعلق بالماديات يعادي الله ، والكتاب المقدس كله يعلن محبة الله لنا وغيرته علينا ، والروح القدس الذي حل فينا بسر الميرون يغير علينا إذا تعلقنا بالشهوات والماديات ، فلا يقف ضدنا إذا عاديناه بل بحبه يريد إرجاعنا إليه ويخلصنا من قبضة إبليس بل ويعطينا نعمة لكي نقاوم حروب الشيطان ثم يمتعنا بسلام وفرح وتلذذ بعشرته . ع 6 : (5) الكبرياء : تنتج الشهوات الكبرياء الذي يجعل الإنسان يزداد في الشهوات ويفقد نعمة الله ويقاومه فيغضب عليه لأجل عناده . ومن ناحية أخرى ، من يتضع أمام الله يخلصه من خطاياه ويمتعه بعشرته . + إن كنت مُحَارَباً بأي شهوة ، فتذلل أمام الله في توبة واتضاع ليرفعها عنك ، ولا تنزعج مهما سقطت بل ثابر في جهادك وكن حريصاً في الإبتعاد عن مصادر هذه الشهوات . (2) التوبة والجهاد الروحي ( ع 7 - 12 ) : ع 7 : الإتضاع والخضوع لله بطاعة وصاياه يسندان الإنسان بقوة ليقاوم حروب إبليس فلا يخاف منه ، بل على العكس يخاف إبليس من قوة الله ويبتعد عن هذا الإنسان المجاهد . ع 8 : اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم : إقتربوا إلى الله بالصلاة وقراءة كلامه المقدس والتناول من الأسرار المقدسة ، حينئذٍ تشعرون بقربه منكم لأنه قريب منكم واقترابكم منه هو تجاوب مع محبته ، فتشعروا حينئذٍ أنه يقترب منكم وتتمتعون برعايته وعنايته أكثر من ذي قبل . نقوا أيديكم أيها الخطاة : بالتوبة عن خطاياكم والتي تظهر في سلوككم وأعمالكم المُشَار إليها بالأيدي . طهّروا قلوبكم يا ذوي الرأيين : يا من تتقلَّبون بين محبة العالم ومحبة الله تطهّروا من هذا التقلب وارفضوا محبة العالم لتكونوا برأي واحد وهو محبة الله . يدعوهم للصلاة وقراءة الكتاب المقدس والتوبة عن الخطايا ليسيروا في محبة الله . ع 9 : يدعوهم إلى التوبة العميقة بانسحاق ودموع في ضيق من الخطية بدلاً من الإنغماس في أفراح الشهوات ولذاتها الفاسدة وضحكاتها الشريرة . ع 10 : إذا شعروا بفظاعة خطاياهم سيندمون باتضاع طالبين معونة الله وغفرانه ، وعلى قدر ما يتذلَّلوا أمامه يرفع عنهم خطاياهم ويباركهم بل يمجدهم أيضاً ويمتعهم بمحبته . ع 11 : ينهيهم الرسول عن الإدانة لأنها ليست فقط ضد من يدينونه بل أيضاً ضد الناموس الذي يوصي بمحبة القريب . فمن يدين يكسر الناموس ويصير ضده أي يدينه بسبب أفعاله وهي إدانة غيره . ع 12 : الله هو واضع الناموس وهو وحده ديَّان العالم كله . فكيف تتجاسر أيها الإنسان وتدين غيرك ؟ إنك بهذا تغتصب مكان الله الديان فتعرِّض نفسك لدينونته وعقابه ، فالله برحمته قادر أن يقود إخوتك الساقطين في الخطية ليخلصوا ، أما أنت فتهلك بسبب إصرارك على الإدانة . + إهتم بتوبتك فتلتمس الأعذار لمن يخطئون حولك ، وعلى قدر إتضاعك أمام الله تفيض عليك مراحمه . كن إيجابياً واهتم بتوبتك والجهاد ضد الخطية أما الآخرين الذين يسقطون في الخطية مثلك ، فصلِ لأجلهم ليرحمك الله ويرحمهم . (3) الإتكال على الله ( ع 13 - 17 ) : ع 13 : يوبخ المعتمدين على قوتهم ومنشغلين بمحبة المال ، فيذهبون من مكان إلى آخر للتجارة والربح دون إتكال على الله . فليست التجارة في حد ذاتها خطأ ولكن عدم الإتكال على الله هو الخطأ . ع 14 : ينبههم إلى أنهم لا يعرفون متى ينتهي عمرهم لأنَّ حياة الإنسان قصيرة ، ويشبهها بالبخار الذي يبدو له شكل كبير ولكن سرعان ما يتبدد . فلذا ينبغي إنتهاز فرصة العمر للتوبة عن محبة المال وكل الخطايا والإهتمام بخلاص النفس . أما أعمال العالم فينبغي الإتكال على الله فيها ويظل الله هو الهدف الوحيد للحياة . ع 15 : يوضح الرسول هنا التصرف السليم وهو الإتكال على الله ثم ممارسة أي عمل أو تجارة . فالصلاة أمر أساسي قبل البدء في أي عمل . ع 16 : يوبخ كبرياءهم أيضاً وافتخارهم بقوتهم وأموالهم ، فهذا الكبرياء ردئ ومرفوض من الله بل يجلب غضبه على البشر . ع 17 : لئلا يتكاسل البعض عن العمل ، ينبهنا إلى أهمية القيام بجميع الواجبات الحسنة ، فكل شئ صالح ومفيد لابد من الإلتزام به سواء في الأعمال المادية أو الروحية مع الإتكال على الله فيها ، بل ينبغي إنتهاز كل فرصة لعمل الخير لأنَّ العمر قصير وسينتهي سريعاً ، ولأنَّ الله أعطانا فرصة العمل فكيف نهملها ؟! فالعمل بركة لأنه من أجل الله وليس واجباً ثقيلاً ، وتضييع فرص العمل يعتبر خطية يحاسب عليها الإنسان أمام الله . + كن مهتماً ليس فقط بالإبتعاد عن الشر بل أيضاً بعمل الخير وانتهاز كل فرصة لتشجيع ومساندة من حولك ؛ وإن تهاونت فقدم توبة عن ذلك أمام أب إعترافك ثم قم لتنتهز الفرص الجديدة لعمل الخير .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح