كلمة منفعة
ليس المهم في حياتك أنك تصلي، إنما المهم حقا هو: كيف تصلي؟
— كيف تصلي..
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
رسالة يعقوب - الاصحاح رقم 3 رسالة يعقوب الإصحاح رقم 3 الأصحاح الثالث الإيمان واللسان في هذا الأصحاح يعالج موضوع "الإيمان واللسان" إذ دخلت بعض الأخطاء عن فِرِّيسيَّة اليهود الشريرة ألا وهي حب التعليم وكثرة الكلام بلا حكمة فتحدث عن: 1. حب التعليم 1 - 2. 2. خطورة اللسان 2 - 6. 3. كيف نضبط اللسان؟ 7 - 12. 4. اللسان والحكمة الحقيقية 13 - 18. 1. حب التعليم "لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي، عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم" [1]. الإيمان الميت الذي بلا أعمال يدفع بالإنسان إلى تغليف نفسه بمظهر التعليم، فيُكثِر الكلام والتوبيخ والانتهار بغير انسحاق داخلي. لهذا تُلزِم الكنيسة جميع خدامها ورعاتها أن يكون لهم آباء اعتراف حتى لا ينسوا بنيانهم الروحي في وسط الخدمة والتعليم. وينصح الرسول بولس تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم". وتعلمنا الكنيسة في القداس الإلهي أن يصلي الكاهن من أجل خطاياه قبل صلاته من أجل جهالات الشعب. لهذا يخاف القديس أغسطينوس أسقف هيبو على نفسه فيقول: [إننا نحرسكم في عملنا كوكلاء لله، لكننا نحن أيضًا نود أن يحرسنا الله. إننا كم لو كنا رعاة بالنسبة لكم، لكننا أيضًا في رعاية الله، إذ نحن خراف زملاء لكم. إننا معلمون بالنسبة لكم. لكن بالنسبة لله فهو السيد الواحد، ونحن زملاء لكم في مدرسته. إن أردنا أن يحرسنا الله الذي تواضع من أجلنا وتمجد لكي يحفظنا، فلنتواضع نحن أيضًا فلا يظن أحد أنه شيء، فإنه ليس لأحد شيء صالح ما لم يكن قد أخذه من الله الذي وحده هو صالح.] لكن يدفع الكبرياء بعض الخدام والعلمانيين حتى أنهم ظنوا في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون، لهذا أكمل الرسول قائلاً: "لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا". هذا الفكر الخاطىء (يظن البعض في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون) له جذوره في عهد الرسل، كما في أيام القديس أغسطينوس حيث كتب يوبخ البيلاجيين على هذه الادعاءات، وكتب القديس أمبروسيوس يوبخ القائلين بهذا أيضًا. تؤكد تعاليم الكتاب المقدس وأقوال الآباء شدة الحرب الروحيّة التي يواجهها الرعاة أكثر من غيرهم، لأنه متى أسقطهم الشيطان يشتت الرعيّة معهم. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه حتى رئيس الأساقفة مُعَرِّض للضعفات حتى يترفق بالضعفاء أولاده وإخوته. ويقول البابا بطرس السكندري: [من هم أكثر سُمُوًا من الرسل الذين هم أنفسهم لم يخلوا من ضعفنا؟ لأن أحدهم يقول: "لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا"... لكن عندما نتوب عنها ننال غفرانًا، خاصة إن كانت بغير إرادة أو عن جهل أو ضعف.] 2. خطورة اللسان "إن كان أحد لا يَعْثُر في الكلام، فذاك رجل كامل، قادر أن يُلْجِم كل الجسد أيضًا"[2]. انتقل الرسول من الحديث عن حب التعليم دون التعلم إلى كثرة الكلام المُعثر. فمن لا يلجم لسانه لا يستطيع أن يضبط الجسد كله، أي حياته كلها، أما من يلجمه فيكون رجلاً كاملاً، أي فيه رجولة ونضوج روحي. يقول القديس يوحنا الدرجي: [الثرثرة هي عرش الغرور، ومن هذا العرش تظهر محبة إبراز الذات والمباهاة والافتخار. الثرثرة إشارة إلى الجهل، وباب الاغتياب، وموصل إلى الهزل والضحك، وخادم للكذب والرياء. هي دليل النوم وتشتيت الذاكرة، تُزِيل اليقظة وتبرد الحرارة وتفتر الصلاة.] وقد ضرب الرسول أمثلة على خطورة اللسان فقال: ا. "هوذا الخيل تضع اللُّجُم في أفواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله" [3]. اللُّجُم لا تدير الرأس كله فحسب بل الجسم كله، أي السلوك كله. إذًا فلنقل للرب: "احْفَظْ لفمي كِمامةً فيما الشر مُقابلي" (مز 39: 1) حتى لا يركض جسدنا كالخيل ويُطَوِّح بالنفس البشريّة على الأرض محطمة. ب. "هوذا السفن أيضًا وهي عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدًا إلى حيثما شاء قصد المدير. هكذا اللسان أيضًا هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا" [4-5]. السفن مع ضخامتها يديرها الربان بدفة صغيرة، ومتى أساء الربان استخدامها يفقد السفينة وكل ما عليها. فقد أساء نبوخذ نَصَّر الدفة، أي لسانه ونطق متعظمًا: "هذه بابل العظيمة التي بنيتها... بقوة اقتداري ولجلال مجدي" (دا 4: 30)، فذاق المر سنينًا! وهيرودس بسبب الدفة الصغيرة ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله وصار الدود يأكله، إذ صرخ الشعب قائلاً: "هذا صوت إله لا صوت إنسان" (أع 12: 22). وبطرس من أجل كلمة بكى بمرارة. ج. "هوذا نار قليلة، أي وقود تحرق. فاللسان نار عَالَمُ الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويُضْرِم دائرة الكون ويُضْرَم من جهنم" [5- 6]. شرارة بسيطة كفيلة بحرق غابة ضخمة، لهذا "لا تدع فمك يجعل جسدك يخطيء" (جا 5: 6). فاللسان هو الشرارة التي تُضْرَم من جهنم لكي تُضْرِم الجسم كله، فيفقد الإنسان قدرته على الصلاة ويسبب انشقاقات ويثير الحقد، ويخسر سلام الإنسان الداخلي والخارجي. هذا كله بسبب اللسان أُضْرِم من إبليس. ويقال أن "جهنم" هنا تعني مكانًا كان اليهود يلقون فيه الحيوانات الميتة والقاذورات لحرقها، وكانت النيران لا تنطفيء ليلاً أو نهارًا. 3. كيف نضبط اللسان؟ "لأن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يُذَلَّل، وقد تَذَلَّل للطبع البشري. وأما اللسان فلا يستطيع أحد أن يُذَلِّله" [7-8]. يقول القديس أغسطينوس: [لم يقل الرسول أنه لا يوجد من يُذَل اللسان بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته.] [يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!... يستطيع الإنسان تهذيب كل شيء ما عدا ذاته، فما يقدر عليها! يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها! إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر... فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: "يا رب ملجأ كنت لنا". هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟ إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته... لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون أسواطًا في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له؟] يذكر مكروبياس أن بعضًا كانوا يُرَوِّضون الغربان حتى كانت تنطق قائلة: "السلام عليك يا قيصر الملك الغالب"، وكانوا يقومون ببيعها لقيصر وهو عائد منتصرًا... أفلا يقدر الله أن يروض ألسنتنا لتنطق بالتسبيح للرب الغالب؟ "هو شر لا يضبط مملوء سمًا مميتًا" [8]. عندما أراد الرسول أن يُظهِر شر الإنسان قال: "الجميع زاغوا... حنجرتهم قبر مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سم الأصلال تحت شفاههم وفمهم مملوء لعنة ومرارة" (رو 3: 12-14). وكأن هذا يكفي للكشف عن مقدار ما بلغه الإنسان من زيغان وفساد. وسرّ شره ليس في طبعه لكن في انحرافه عن عمله، فتارة يبارك الله، وأخرى ينحرف ليلعن الناس، وكما يقول الرسول: "به نبارك الله الآب، وبه نلعن الناس الذين قد تَكَوَّنوا على شبه الله. من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة. لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا. ألَعَل ينبوعًا ينبع من عين واحدة، العذب والمر؟ هل تقدر يا اخوتي تينة أن تصنع زيتونًا أو كرمة تينًا؟ ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحًا وعذبًا" [9- 12]. اللسان الذي نبارك به الله في الصلاة، متى استخدمناه في إساءة الناس الذين هم على شبه الله، نوجه الإهانة إلى الله خالقهم، ونستهين بحبه الذي أحب به العالم كله حتى بذل ابنه الوحيد عنهم. جيد للتينة أن تُخرِج تينًا، والزيتونة زيتونًا، ولكن لا يليق بالتينة أن تخرج زيتونًا. هكذا ليُخرِجْ اللسان حسبما يليق بعمل الإنسان ووظيفته، فلا يوبخ الابن أباه، ولا ينتهر الإنسان شيخًا، ولا يدين إنسانًا مخطئًا. هكذا يَلزم بنا أن تكون لنا الحكمة الحقيقيّة حتى نعرف كيف نتكلم؟ ومتى نتكلم؟ 4. اللسان والحكمة الحقيقية "من هو حكيم وعالم بينكم فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة" [13]. لا تظهر الحكمة الحقيقيّة بكثرة المعرفة الذهنيّة، إنما تنكشف خلال: 1. العمل: "فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن". كما يقول الأب نسطور: [إن كنتم مشتاقين إلى الحصول على نور المعرفة الروحيّة، معرفة ليست خاطئة لأجل كبرياء فارغ لتكونوا رجالاً فارغين يجدر بكم أولاً أن تلتهبوا بالشوق نحو هذا التطويب الذي نقرأ عنه "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). وبهذا تنالون ما قاله الملاك لدانيال "والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور" (دا 12: 3)... وهكذا يَلزم المثابرة بالجهاد في القراءة مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العمليّة الاختبارية أولاً أي المعرفة الأخلاقيّة. فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحيّة كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة لا من مجرد التأمل في الشريعة بل كثمرة لتعبهم يتغنون قائلين: "من وصاياك تَفَهَّمْت " (مز 119: 104).] 2. الوداعة: يقول الرسول "في وداعة الحكمة"، إذ المعرفة الحكيمة هي المملوءة وداعة وتواضعًا بلا كبرياء أو عجرفة.ولقد أوضح الرسول علامات الحكمة الرائعة فقال: "ولكن إن كان لكم غيرة مُرَّة وتَحَزُّب في قلوبكم فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق. ليست هذه الحكمة نازلة من فوق، بل هي أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة. لأنه حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء" [14-16]. حيث توجد الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب تكون الحكمة زائفة. فجيد للإنسان أن تكون له غيرة (2كو 11: 2)، لكن لا تكون مُرَّة أي شريرة. لأنها لا تكون مبنية على أساس الحق، بل على التعصب الأعمى والتهور، وذلك كما فعل بطرس حين استل السيف وقطع أذن عبد رئيس الكهنة. هذه الغيرة تفقد الإنسان والذين حوله الحق، وتؤدي إلى تَحَزُّبات، لأنه "حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء"، أي تفقد الإنسان سلامه الداخلي (1كو 14: 33). ويكفي لهذا الإنسان الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب أن يكونا في داخل القلب [14] لكي تفسده. أما مصادر الحكمة الزائفة فهي: ا. أرضية، أي نابعة عن محبة العالم، من يمتلكها لا يرتفع قلبه للسماويات، بل يتعلق قلبه بالأرضيّات. ومع أنه يغير على الحق، لكن غيرته وكرازته يبعثهما حب المادة أو حب الكرامة أو محبة مديح الناس. ب. نفسانية، أي صادرة عن الذات البشريّة، يركز الإنسان خدمته حول الأنا فلا يريد أن تختفي لِيَظْهَر الرب، بل يُخفي الربَّ رغم كرازته بالرب لِيَظهر هو، فيهتم ليس بما للروح بل بما للجسد. ج. شيطانية، أي باعثها الخفي هو الشيطان. فإذ سقط بالكبرياء لا يكفَّ عن أن يبث الكبرياء في البشر تحت ستار الحكمة واللباقة، ولو كان خلال العبادة وتعليم الغير والبحث عن النفوس الضالة. أما الحكمة الحقيقية فمصدرها ومميزاتها هي: "وأما الحكمة التي من فوق أولاً طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة عديمة الريب والرياء. وثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام" [17- 18]. مصدر الحكمة السماوية من فوق نازلة من عرش الله القدوس (حك 9: 4، 9)، يمنحها الله لأولاده المثابرين المتمسكين به. أما مميزاتها فهي: ا. طاهرة، أي نقيّة بلا غرض مُلتوٍ، تَهَب صاحبها قلبًا طاهرًا وحياة عفيفة. فكما أن الله طاهر (1يو 3: 3)، وكلامه طاهر (مز 12: 6)، لهذا فمن يقتني حكمة الله لا يطيق الدنس، بل ينجذب إلى حياة الطهارة متشبهًا بالله. ب. مسالمة، أي مملوءة سلامًا، إذ قيل عنها إن كل طرقها سلام، إذ بالحكمة ينجذب الإنسان تجاه الله، ويمتليء قلبه سلامًا ويفيض أيضًا بسلام خارجي مع الغير حتى أنه لا يطيق أن يرى شجارًا أو يسمع صوتًا عاليًا، بل يُنَفِّذْ على الدوام هذه الوصيّة "فلنعكف إذًا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو 14: 9). ج. مترفقة، إذ يمتليء القلب بالسلام تجاه الغير ويعمل لبنيان الآخرين، يترفق بالكل مهما كانت الأخطاء والضعفات، واضعًا نصب عينيه كيف يربح الجميع. هذا الترفق ليس مظهرًا خارجيًا، بل هو حياة داخليّة، سواء تكلم الإنسان أو صَمَتَ، أدّب أو انتقد... في هذا كله يترفق ويتحنن لكن في حزم. د. مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة، وحيث توجد الطاعة لابد من الثمر الصالح. وكما تدفع الحكمة الزائفة إلى الكبرياء وبالتالي إلى "كل عمل رديء"، هكذا يعلن الرسول هنا عن الحكمة الحقيقيّة أنها عمليّة، إذ تدفع إلى الطاعة والخضوع، وبالتالي إلى الرحمة والأثمار الصالحة. وكما أن الإيمان بدون أعمال ميت، كذلك الحكمة بغير ثمر زائفة، وقد وصفها سفر الحكمة أنها مستعدة لعمل الخير وحب البشريّة (حك 1: 6). وقد أعلن ذلك حكمة الله المتجسد، إذ "جال يصنع خيرًا" (أع 10: 38). إذًا فلنلبس الرب يسوع الحكمة الحقيقيّة لنأتي بثمر كثير (يو 15: 2)، ونجول به نصنع خيرًا. ز. عديمة الريب، أي ثابتة غير متزعزعة ولا منقسمة، لها هدف واحد واضح، تكشف الطريق السماوي بوضوح رغم ما فيه من آلام وأتعاب. الحكمة الحقيقيّة تجعل الإنسان لا يطيق أن ينقسم قلبه بين محبة الله ومحبة العالم، أو يترنح بين الأبديّات والزمنيّات، أو يخلط بين الاتكال على الله والاتكال على ذاته البشريّة، إنما يكون القلب ثابتًا في اتجاهه ومحبته ورجائه. إن عدم الريب يحمل معنى عدم المداهنة للغنى على حساب الفقير. س. عديمة الرياء، أي لا تحمل في خارجها بخلاف ما في باطنها، بل كما يقول الرسول "إننا في بساطة وإخلاص الله، لا في حكمة جسديّة بل في نعمة الله، تصرفنا في العالم" (2كو 1: 12). وقد حَذَّرَ الرب يسوع تلاميذه من خمير الفريسيين الذي هو رياؤهم. ش. تَهَب "ثمر البرّ يزرع في السلام (الأمان) من الذين يفعلون السلام" إذ بالحكمة يحصد الإنسان ثمر البرّ... هذا الحصاد المملوء أمانًا، هو ثمر لزرع السلام، بمعنى أنه بالحكمة يصنع الإنسان سلامًا ويحصد في أمان ثمار البرّ. إنه يزرع سلامًا بخضوعه لروح الرب، وعدم مقاومته له، ويحصد برًا، وهذا من ثمر الروح الذي خضع له وأطاعه وتجاوب مع عمله مثابرًا. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث هنا نرى صورة أخرى للإيمان المريض. الرسول هنا يتكلم عن إنسان يسعده أن يرسم لنفسه صورة الإنسان الذى يعلم، فيعلم كثيراً، ويجادل كثيراً. وتجد مثل هذا لسانه غير منضبط، قد يندفع ويعثر ويثير كثير من المشاكل. أما المؤمن الحقيقى ذو الإيمان الحى فنجده قليل الكلام، قادر على التحكم فى لسانه. واثق فى إلهه. يعرف متى يتكلم ومتى يصمت. فى هذا الإصحاح يحدثنا الرسول عن خطورة اللسان وأخطاء الكلام ومن بعض أخطاء اللسان. 1. حب التعليم. 2. إنفلات اللسان (لسان إنفعالى لا يهدأ ويشعل الدنيا ناراً). 3. لعن الناس. 4. تدنيس الجسم (بكلام خاطىء يثير الشهوات). آية (1):- " 1لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! " لا تكونوا معلمين كثيرين = كانت شهوة اليهودى أن يصبح معلماً وسط إخوته لينال كرامة (رو 2 : 17 – 24). وهذه الشهوة ربما تسللت للمسيحيين. فمع ضرورة التعليم للمؤمنين حتى لا يهلك الشعب من عدم المعرفة، فهناك خطر حب التعليم، فهذا يحمل فى طياته حباً للذات وكبرياء، مع سوء تقدير لواقع النفس التى كثيراً ما تتعثر وتخطىء. والرسول يتكلم هنا عن المعجبين بأنفسهم، الذين يريدون إثبات ذواتهم فى التعليم وليس عمن أعطاهم الله موهبة التعليم ودعاهم لذلك. عموماً فى كثير من الأحيان علينا أن نصمت، ولكن فى بعض الأحيان علينا أن نتكلم لنشهد لله، والله يعطى حكمة متى وكيف أتكلم، حتى يصبح كلامى يصنع بر الله. ولنلاحظ أن الإيمان الميت يدفع بالإنسان إلى تغليف نفسه بمظهر التعليم، فهو يكثر من الكلام والتوبيخ والإنتهار بدون إنسحاق داخلى. ولاحظ فى صلوات القداس الإلهى أن الكاهن يصلى عن خطاياه وعن جهالات الشعب، والجهالات هى درجة أقل من الخطية. لذلك على المعلم أن يتضع ويمارس هو أيضاً سر الإعتراف. والرسول قطعاً لا يقصد الأب والأم والكاهن والمعلم الذين من واجبهم أن يعلموا بل من يريد أن يتباهى بمعلوماته. أننا نأخذ دينونة أعظم = من تواضع الرسول أن يضع نفسه معنا، أى من ضمن الذين يخطئون. والدينونة ستكون لأن كلماتنا ستكون شاهدة علينا يوم الدين إذا لم ننفذ ما نقوله. بل إن من نعلمهم حينما يرون عثرتنا سيدينوننا. آية (2):- " 2لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ، قَادِرٌ أَنْ يُلْجِمَ كُلَّ الْجَسَدِ أَيْضًا." نعثر جميعنا = ها هو يضع نفسه ثانية فى صف الخطاة، لذلك يقول ذهبى الفم أنه حتى رئيس الأساقفة له ضعفاته حتى يترفق بالضعفاء أولاده. ومن أكثر هذه العثرات وقوعاً هى عثرات اللسان التى يقع فيها كل منا. ومن لا يعثر فى الكلام فذاك رجل كامل = وعلى ذلك فالمعلم (بل أيضاً أى إنسان) حتى يكون كاملاً عليه أن يضبط لسانه، حتى لا يتعرض للدينونة. ومن يفعل هذا يكون قادر أن يلجم الجسد أيضاً = ويقصد بالجسد الإنسان كله بكل ما فيه من سلوك وأهواء وشهوات وميول. وقد ذكر كلمة الجسد هنا بالذات لأن الجسد بواسطة حواسه وأعضائه يتعرض أكثر لإغراء الخطية، وبواسطة الجسد تمارس خطايا النفس الداخلية. رجل كامل = فيه نضج روحى ومملوء نمو أخلاقى وصانع سلام يشبه المسيح. الأيات (3-5):-" 3هُوَذَا الْخَيْلُ، نَضَعُ اللُّجُمَ فِي أَفْوَاهِهَا لِكَيْ تُطَاوِعَنَا، فَنُدِيرَ جِسْمَهَا كُلَّهُ. 4هُوَذَا السُّفُنُ أَيْضًا، وَهِيَ عَظِيمَةٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، وَتَسُوقُهَا رِيَاحٌ عَاصِفَةٌ، تُدِيرُهَا دَفَّةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا إِلَى حَيْثُمَا شَاءَ قَصْدُ الْمُدِيرِ. 5هكَذَا اللِّسَانُ أَيْضًا، هُوَ عُضْوٌ صَغِيرٌ وَيَفْتَخِرُ مُتَعَظِّمًا. هُوَذَا نَارٌ قَلِيلَةٌ، أَيَّ وُقُودٍ تُحْرِقُ؟ " هنا أمثلة على أشياء صغيرة (اللجم والدفة) تدير أشياء كبيرة جداً (الفرس والسفينة). فاللجام لا يدير الرأس فقط بل الجسم كله. والدفة توجه كل السفينة. وهكذا اللسان العضو الصغير يدير الجسم أى الحياة كلها أى القلب الذى هو المشاعر والإرادة والقرار أى كل الداخل بل يدير أيضاً السلوك الخارجى (مز 39 : 1). ومن يحفظ لسانه لا يركض جسده كالخيل مندفعاً فيطوح بالنفس البشرية على الأرض محطمة. ومتى أساء الربان إستخدام الدفة الصغيرة تهلك السفينة كلها. فمع إشتداد الموج والرياح هناك وضع سليم توضع فيه الدفة لتوجه السفينة فى الإتجاه السليم وإلا لو وضعت الدفة فى إتجاه خاطىء لإنقلبت السفينة. والدفة هى اللسان والسفينة التى تسوقها رياح عاصفة هى حياتى. والرياح العاصفة هى إشارة لعنف الإنفعالات التى تسيطر على الإنسان. والرجل الكامل يوجه الدفة أى لا يخرج من لسانه سوى كلمات تهدىء الموقف، والعكس فمن يخرج أقوالاً خاطئة منفعلة يشعل الدنيا ناراً، ولا يحيا هو نفسه فى سلام، بل تعتل صحته وتصيبه كثير من الأمراض، بل يمكن أن تضيع حياته كلها إذا وصل الأمر لشجار بالأيدى. ولقد أساء نبوخذ نصر إستخدام لسانه (الدفة) فذاق المر سنيناً (دا 4 : 23). وهكذا هيرودس (أع 12 : 23). فقد تعظم كليهما بألسنتهما. نبوخذ نصر إستخدم لسانه خطأ وهيرودس لم يستخدم لسانه ليعطى المجد لله ، وكبرياء قلبيهما كانت الرياح العاصفة التى قلبت السفينة. والدفة لم تستخدم بطريقة صحيحة أى اللسان لم يستخدم ليعطى المجد لله. هوذا نار قليلة أى وقود تحرق = اللسان وكلماته الخارجة منه هى النار. ولابد من السيطرة على اللسان وإلا فلن يمكن السيطرة على النتائج، كما لا يمكن السيطرة على غابة محترقة. فاللسان هو نار والوقود قد يكون حياتنا أو السلام مع الناس وبين الناس. كلمة خاطئة صغيرة قد تشعل الدنيا ناراً. هنا نرى فى كلام يعقوب أن اللسان يقود القلب والحياة كلها. ولكن السيد المسيح يقول " من فضلة القلب يتكلم الفم (مت12: 34). أى أن القلب هو مصدر ما يتكلم به اللسان. فمن يا ترى يقود من ؟ الإجابة كليهما يقود... كيف ؟ القلب يمكن تشبيهه بخزان (حصالة)، وهذا له ثقوب نضع فيها ما نريده والثقوب التى يتم عن طريقها التحويش فى هذا الخزان (الحصالة) هى الحواس (العين والأذن) واللسان (كل ما نتكلم به) والفكر. وحينما يمتلئ القلب يتكلم اللسان بما هو فى داخل القلب. ولنأخذ أمثلة :- إنسان أصابته تجربة ما فظل يتذمر ويشكو بلسانه طوال الوقت، فهذا يملأ القلب مرارة، والمرارة حينما تملأ القلب تدفع الإنسان لمزيد من الكلام القاسى على الله، وهذا يزيد القلب مرارة بالأكثر. وهكذا ندور فى دائرة رهيبة وتتجه الحياة بالأكثر إلى المرار والشعور بتخلى الله عن الإنسان بل والخصام مع الله بما يستتبعه هذا من شعور بالوحدة والكآبة والحزن. مثال آخر لإنسان لا يستخدم لسانه إلا فى الشكر وفى تسبيح الله وتمجيده، هذا يمتلئ قلبه فرحاً. ومن فضلة الفرح يسبح بلسانه وهكذا تسير الحياة من فرح لفرح. مثال ثالث لإنسان يتكلم كثيراً فى الخطية ويردد نكاتاً جنسية خارجة، هذا الإنسان يشعل شهوته ويمتلئ قلبه نجاسة، ومن فضلة قلبه النجسة لا تجد فى كلماته سوى كلمات خارجة وهكذا تضعف حياة هذا الإنسان ويتعرض للسقوط. وهكذا الإنسان فاقد السلام الداخلى تخرج من فمه كلمات تشعل الدنيا ناراً. والإنسان الذى يطبق وصية بولس الرسول "صلوا بلا انقطاع" (1 تس 5 : 17). حينما ينام سيفكر ويحلم بكلمات الله " أنا نائمة وقلبى مستيقظ (نش5: 2) وكيف يصلح الداخل ؟ هذا يكون بعمل النعمة التى تخلق الإنسان خلقة جديدة والنعمة تحتاج لجهاد. والجهاد المطلوب هو السيطرة على اللسان، بترديد كلمات التسبيح والشكر والصلاة الدائمة وأن نبارك ولا نلعن، ونصنع سلاماً مع الناس.والتغصب على ذلك ، فملكوت السموات يغصب (مت11 : 12) . والجهاد هو التغصب على عمل ماهو مرضى لله . آية (6):- " 6فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ." اللسان هو نار = أى يفعل فعل النار، وله أثره فى حياتنا كما للنار أثر فى الوقود. وهناك طريقتان لإضرام هذه النار. أ) يضرم من جهنم = جهنم كناية عن إبليس كما نقول السماء كناية عن الله. وجهنم معناها أرض إبن هنوم (أرض باليونانية = جى) و كانوا يشعلون النار فى القمامة والحيوانات الميتة فى أرض ابن هنوم، لأنها كانت مكان قمامة وقاذورات أورشليم، وكانت النيران لا تنطفئ فيها ليلاً ولا نهاراً. ومن هنا قيل أن جهنم هى موضع اللهيب وموضع العذاب الأبدى. وإذا أضرم اللسان من جهنم يكون اللسان عالم الإثم = الذى يحوى طاقة كبرى من كافة أنواع الشرور وهو يدنس الجسم بأربع طرق :- 1- إقتراح الخطية على أنفسنا ولمن حولنا. 2- بإرتكاب الخطية كاللعن والتجديف... ألخ. 3- بالدفاع عن الخطية وإلتماس الأعذار لها. 4- بإثارة الشائعات حول الناس. فاللسان يدنس الجسم بما يشترك فيه من أحاديث هدامة. 5- يضرم بالروح القدس = فتكون كلماتنا نارية قادرة أن تشعل التوبة والإيمان فى قلوب السامعين كما حدث يوم الخمسين. فبطرس بلسانه النارى جعل 3000 شخص يؤمنون. لقد أضرم لسانه من الروح القدس. حينئذ نقول أن لسانه كان نار ولكنه نار عالم الكرازة وعالم التسبيح وصنع السلام. والإنسان هو الذى يختار أن يكون لسانه نار عالم الإثم أو نار عالم التسبيح والشهادة لله. والحكيم يقول "لا تدع فمك يجعل جسدك يخطىء" (جا 5 : 6) ويقول القديس أنطونيوس العظيم "لا تدين أخاك لئلا تسلم إلى خطاياك القديمة". وبالرجوع لمثل النيران، فكما تسود النيران ما حولها بالدخان هكذا اللسان يضرم دائرة الكون = كل دائرة الإنسان والعواطف. هو تعبير يصور حياة الإنسان منذ ميلاده إلى نهايته، ودائرة المقصود بها عجلة تدور. وتترجم عجلة الطبيعة والعجلة تبدأ الدوران بالميلاد وتتوقف بالموت. واللسان منذ بداية الحياة إلى ختامها يحدد شكل هذه الحياة. فلو كان شريراً منفلتاً لألهب الكيان بل كل دائرة الحياة البشرية مسبباً شقاقات ونزاعات وكراهية أو أحقاد، مما يجعل الإنسان يفقد سلامه الداخلى والخارجى طوال حياته. ولو كان اللسان لا يتكلم إلا بكلمات شهوة دنسة يشعل الشهوة فى الإنسان. وهكذا كل من يردد الشتائم. كل هذه الألسنة مضرمة من جهنم حيث النار مشتعلة، ويسر الشياطين أن يأخذوا من هذه النار ويشعلوا حياتهم وتكون أداتهم فى ذلك اللسان. عالم الإثم = اللسان صورة للإنسان، يعبر عن حال الإنسان الداخلى، فإن كان الإنسان يحيا فى عالم الإثم، فاللسان يكون تعبيراً عن العالم الذى يحيا فيه. الأيات (7-8):-" 7لأَنَّ كُلَّ طَبْعٍ لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالزَّحَّافَاتِ وَالْبَحْرِيَّاتِ يُذَلَّلُ، وَقَدْ تَذَلَّلَ لِلطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ. 8وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. " الإنسان إستطاع ترويض الحيوانات المفترسة، لكنه لا يستطيع أن يلجم لسانه. لذلك علينا أن نلجأ لله ليروض ألسنتنا، ومتى حدث فلننسب الفضل لله فنحن غير قادرين على هذا دون الحصول على معونة. والله فى بعض الأحيان يستخدم تأديبات لنا وتجارب كما يستخدم مروض الوحوش السوط. هو شر لايضبط. هذا إن لم يروضه الله (رو3: 13، 14) ويكون له تأثير سام قاتل للنفس وللأخرين. الأيات (9-12):-" 9بِهِ نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ. 10مِنَ الْفَمِ الْوَاحِدِ تَخْرُجُ بَرَكَةٌ وَلَعْنَةٌ! لاَ يَصْلُحُ يَا إِخْوَتِي أَنْ تَكُونَ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا! 11أَلَعَلَّ يَنْبُوعًا يُنْبِعُ مِنْ نَفْسِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ الْعَذْبَ وَالْمُرَّ؟ 12هَلْ تَقْدِرُ يَا إِخْوَتِي تِينَةٌ أَنْ تَصْنَعَ زَيْتُونًا، أَوْ كَرْمَةٌ تِينًا؟ وَلاَ كَذلِكَ يَنْبُوعٌ يَصْنَعُ مَاءً مَالِحًا وَعَذْبًا! " اللسان الذى به نبارك الله وقت الصلاة، متى إستخدمناه فى الإساءة للناس الذين هم على شبه الله، نوجه الإهانة إلى خالقهم ونستهين بحبه الذى أحب به العالم كله. والله خلق اللسان ليبارك الله، كما خلق التينة لتخرج تيناً. اما اللسان الشرير فلا يبارك بل يلعن. ومتى أخرج كلمات لعنة يكون مثل تينة أخرجت زيتوناً أى ثمرة مخالفة لما خلقت لتعطيه. المقصود أيضاً أن التينة التى تعودت أن تعطى تيناً لا يمكن أن تأتى يوماً وتعطى زيتوناً، هكذا من تعود لسانه أن يلعن، لا يمكنه أن يبارك الله ولا الناس، بل لن يتمكن من الصلاة أصلاً. الينبوع الشرير = اللسان يتكلم من فضلة القلب، لذلك فالخطر الحقيقى كامن فى الينبوع الداخلى الذى إن طهرته النعمة ، صار الكلام مملحاً، ولكى تطهره النعمة يجب أن يبدأ الإنسان بأتخاذ قراره ويضبط فمه، وهذا ما يسمى الجهاد، أى أن يغصب الإنسان نفسه على ذلك. ومن يفعل يكون حكيماً أية 13. آية (13):- " 13مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ. " المعنى أن أعمالك وتصرفاتك تظهرك فإن كنت تتصرف بوداعة فأنت حكيم أما غير الوديع فهو غير حكيم. فالحكمة الحقيقية تتسم بروح الوداعة وضبط العواطف، والتصرف الحسن الوديع هو إعلان عن الحكمة الإلهية. فالحكمة ليست فى المعارف الكثيرة بل نراها فى الكلمات الهادئة الوديعة المتزنة والتصرفات الحسنة. والحكيم يتحكم فى لسانه ولا ينفعل، ولكن المنفعل غير واثق فى نفسه ولا يعرف كيف يوصل المعلومات التى لديه. ولاحظ أن فى كلمات الرسول إشارة لليهود الذين كانوا يريدون أن يكونوا معلمين (ربيين) والمعلمين يصنفون مع الحكماء. وهنا يطلب ممن يريد أن يعلم غيره أن يتسم بالوداعة عوضاً عن أن يعنف الناس. راجع (سيراخ 41 : 17). الأيات (14-16):-" 14وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقِّ. 15لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. 16لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ." الغيرة المرة = هذه غير الغيرة المقدسة المسيحية الناشئة عن لهيب المحبة لله فى القلب، ومن له هذه الغيرة المقدسة يلتهب إذا أهان أحد الله أو عقيدته أو كنيسته، ولكن مع هذه الغيرة تجده أيضاً يتصرف بوداعة وحكمة. أما الغيرة المرة ففيها تحزب للأراء وفيها إنشقاق وتحزب، هى تعصب أعمى، كما حدث فى كورنثوس إذ إنقسم الناس بين من هو من حزب بولس ومن هو من حزب ابلوس. هذا التعصب فى حقيقته هو ذات متضخمة تعبر عن كبرياء، هو الأنا. وهذا التعصب يصنع مراراً فى النفس ويصنع شقاقات. وبينما المعلمون ذوى الغيرة المرة يقدمون تعاليمهم، إذ بهم يفعلون عكس ما عملوا به بسلوكهم وتصرفاتهم، وبينما هم يزعمون أنهم يتحزبون للحقيقة المسيحية ويغارون عليها، نجدهم يسيئون إليها بتصرفاتهم التى لا تتمشى مع تعاليمهم. لا تفتخروا وتكذبوا على الحق = هذه عن من يفتخر بمعارفه وعلومه فى كبرياء محتقراً معارف غيره، مدعياً أن الحق عنده وليس عند غيره. مثل هذا عنده غيرة مرة أى تعصب لنفسه وهذا يتعارض مع الحق. والإفتخار والكبرياء والذات المتضخمة ضد الحق. جيد للإنسان أن تكون له غيرة (2 كو 11 : 2) لكن تكون لحساب مجد الله، وليس تعصباً أعمى وتهور بلا حكمة وبحث عن الذات. هذه الغيرة مثل غيرة بطرس حين قطع أذن عبد رئيس الكهنة. هذه الغيرة المرة تفقد الإنسان والذين حوله الحق وتؤدى إلى تحزبات وتشويش = كما كان اليهود يفعلون للدفاع عن ناموس موسى فى ثورات عنيفة فى كل مكان، ووصل الأمر لسفك الدماء وتعكير سلام المجتمع = وكل أمر ردىء = كالكراهية والصراع بين الناس. وهذه الحكمة التى تفتخرون بها والتى تؤدى للتحزب والتشويش والغيرة المرة قطعاً هى ليست حكمة إلهية أى نازلة من السماء، بل هى من وحى إبليس ومواصفاتها أنها :- 1. أرضية = ليست سماوية من عند أبى الأنوار، هى نابعة من محبة العالم، من يمتلكها لا يرتفع للسماويات، غيرته مبعثها حب المادة أى تحقيق مكاسب مادية أو شهوانية أو كرامة أو محبة مديح. مثل هذه الحكمة تفكر كيف تخرج بأكبر مكسب من الأرض. أما السماوية فهى لها هدف واضح.. كيف يحيا الإنسان فى السماويات. 2. نفسانية = ليست من الروح القدس، ليست روحية. بل صادرة عن الذات البشرية، من الإنسان العتيق، لذلك تتجه لإرضاء الشهوات. خدمة هذا الإنسان متمركزة حول الأنا، فلا يريد أن يختفى ليظهر الرب، بل يخفى الرب ليظهر هو رغم كرازته بالرب. 3. شيطانية = باعثها الخفى هو الشيطان، فإذ سقط الشيطان فى الكبرياء لا يكف عن أن يبث الكبرياء فى البشر تحت ستار الحكمة والغيرة والتعليم الذى لا يريد مجد الله. ومن المؤكد أن هذه الحكمة نجسة وغير طاهرة فهى من إبليس. آية (17):- " 17وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ. " الحكمة السماوية مصدرها من فوق، نازلة من عرش الله القدوس لمن يطلبها كما طلب سليمان الحكمة ففرح به الله وأعطاها له (1 مل 3 : 5 – 13). إذاً فالله يفرح بمن يطلب الحكمة ويتمسك بذلك ويمنحها له. وهذه الحكمة مميزاتها :- طاهرة = أى نقية من كل ما هو حسى أو شهوانى، بلا غرض ملتوِ، تهب صاحبها قلباً طاهراً وحياة عفيفة، فكما أن الله طاهر يهب لمن يقتنى حكمته أن يكون كارهاً للنجاسة. مسالمة = أى مملوءة سلاماً، صاحبها يمتلىء سلاماً، ويفيض سلاماً على من يسمعه ويصنع سلاماً مع الآخرين. ولا يطيق شجاراً أو صوتاً عالياً (رو 14 : 19). مترفقة = صاحبها يترفق بالكل مهما كانت الأخطاء والضعفات ليربح الجميع. هذا الترفق ليس مظهراً خارجياً بل حياة داخلية. مثل هذا الإنسان لو رأى إنسان يخطىء لا يحتقره بل يقول كان ممكناً أن أكون مثله لولا رحمة الله. مذعنة = مطيعة لوصايا الله، فعمل الروح القدس أنه يعطينا خضوعاً لله ولكلمته ولوصاياه. مملوءة رحمة و أثماراً صالحة = الحكمة الشيطانية تدفع لأعمال رديئة (أية 16) أما حكمة الله حيث الطاعة سيكون لها ثمار صالحة. المملوء حكمة يكون له ثمار صالحة. عديمة الريب = لا تشك فى أحد بل توزع المحبة على الجميع، ثابتة غير متزعزعة ولا منقسمة تقسم قلب الإنسان بين محبة الله والعالم، أو الإتكال على الله وعلى الذات. عديمة الرياء = لا تحمل فى خارجها خلاف ما فى باطنها، بلا نفاق ولا تملق. آية (18):- " 18وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَمَ." هذه الأية هى خلاصة الإصحاح وتعنى، هل تريد أن يظهر لك ثمار بر. إذاً كن حكيماً ولا تفعل شيئاً يفقدك سلام قلبك ، وإصنع سلام مع كل احد ، وتكلم بما يقود للسلام، فالمسيح ملك السلام. وطوبى لصانعى السلام لأنهم ابناء الله يُدْعَوْن. ثمر البر = هو الثمر الروحى، اى لمن يترك الروح القدس يعمل فيه فيثمر للبر والقداسة، الثمار التى تظهر فيمن يحيا فى بر وقداسة. وكيف نترك الروح القدس يعمل فينا ؟ هذا بأن نمتلئ بالروح . فمن يمتلئ من الروح يكون كمن يُحمل من مياه وتدفعه تيارات الماء فى اتجاهها ( راجع تفسير حز 47: 1 – 9). وكيف نمتلئ من الروح ؟ راجع ( اف 5 : 18 – 21 ) . وهنا نرى ان من طرق الإمتلاء ان نخضع بعضنا لبعض . ومرة اخرى هذا ليس بدافع الخنوع ، ولكن حتى لا نفقد سلامنا الداخلى من كثرة النزاعات. ومع السلام الداخلى..... نعطى الروح القدس فرصة لزراعة اثمار البر فينا . من له الحكمة الإلهية يحيا فى سلام ويصنع سلام مع الآخرين، مثل هذا تكون خدمته اى زرع كلام كرازته وتعاليمه فى جو من السلام، مثل هذا سيحصل على ثمار بره وقداسته، ويفرح بثمار خدمته. ولنعلم أن ثمر البر لا يزرع في خصام وتشويش وتحزب بل في السلام. هذه دعوة لأن نحيا في سلام علي قدر ما نستطيع حتي لو تركنا بعض حقوقنا. فالمسيحي الذي تمتع بالحياة في المسيح يجب ان تكون له ثمار، فكل نبات حي له ثمار. ورأي معلمنا يعقوب الرسول ان"ثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام "( يع 3 : 18). ولنفس السبب دعانا المسيح لأن ندير خدنا لو ضربنا وان نسير الميل الثاني . ولكن نفهم الان الحكمة في وصية المسيح ، فهو لا يدعونا ان نكون خانعين بل ان نحاول قدر امكاننا ان نحيا في سلام لكي يكون لنا ثمارا للبر الذي صنعه المسيح وننمو روحيا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث اللسان والحكمة (1) خطورة اللسان ( ع 1 - 8 ) : ع 1 : كان يعقوب الرسول أسقفاً لأورشليم ومن أعمدة الكنيسة ، ومع هذا يقول " لا تكونوا معلمين يا أخوتي " ، لأنه وجد أنَّ البعض يتسابق ليأخذ صورة المعلم والمرشد فيضع نفسه في خطر وذلك لما يلي :0 (1) لأنه يعطي إحساساً كاذباً لنفسه بأنه أفضل من الآخرين . (2) لأنَّ التعليم أصلاً موهبة من الروح القدس فلا يغتصبها أحد بكبريائه . (3) كل معلم يأخذ دينونة أعظم ، لأنه بما يعلم يجب أن يعمل هو أولاً . (4) كل من يُعطِ كثيراً يُطلَب منه أكثر ( لو 12 : 48 ) . (5) كل معلم مُعَرَّض للسقوط ومتى أسقطه الشيطان يشتِّت الرعيَّة . لذلك نجد أنَّ أريوس الذي كان خطيباً بارعاً وضلَّ ، أسقط وراءه الكثيرين . ع 2 : أي إنسان معرَّض للسقوط في الخطية ، ولا يستطيع أحد أن يضبط لسانه تماماً إلاَّ الكامل وهو المسيح . فمن يضبط لسانه يستطيع أن يضبط كل شهواته وأفكاره وحواسه . وحيث أنَّ الإنسان يجاهد ويضبط نفسه بنعمة الله إلى حدٍ ما ، فينبغي أن يكون حريصاً في عدم الإندفاع إلى تعليم الآخرين . + لنحترس إذاً في كل ما نَتَعلّمه ونُعَلِّمه أيضاً . لذلك لابد أن يكون لكل إنسان أب إعتراف حكيم ، يكون مرشداً له حتى تستقيم حياته الروحية ، وبدلاً من أن يعلم الآخرين يهتم أولاً بخلاص نفسه لأنَّ الحرب شديدة على الخدام . ع 3 : يشبه الرسول اللسان بثلاثة تشبيهات :0 1- التشبيه الأول : يشبه اللسان باللجام الذي يوضع في فك الخيل ليديرها الفارس في الإتجاه الذي يريده ، لأنه إن لم يكن للخيل لجام أسقطت وأهلكت قائدها . كذلك من يضبط لسانه يستطيع أن يحرك جسمه كله ، أي سلوكه ، في طريق الحق حتى لا ينفلت الجسم في شهواته كالخيل الذي بلا لجام . + فلندرِّب أنفسنا على ضبط اللسان لنستطيع بنعمة المسيح ضبط شهوات الجسد . ع 4 : التشبيه الثاني : يشبه اللسان بدفة السفينة ، فرغم صغرها يستطيع الربان أن يدير بها سفينة ضخمة إلى الجهة التي يريدها مهما كانت الرياح شديدة . كذلك اللسان عضو صغير يجب أن نتعامل معه بحذر في كل كلمة ننطق بها ، " لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان " ( مت 12 : 37 ) ، فاللسان يمكن أن يدنِّس الجسم كله ويحكم علينا مع أنه في استطاعته من جهة أخرى أن يقود الإنسان في سلام كدفة السفينة . ع 5 ، 6 : التشبيه الثالث : يشبه اللسان بشرارة أي نار صغيرة تستطيع أن تشعل حرائق ضخمة . كما أنَّ شرارة صغيرة تشعل حرائق ضخمة ، كذلك اللسان بكلمة منه تشتعل النار في عالم الخطية والإثم فتحدث الإنشقاقات والبغضة والكراهية بين الناس . وتضرم : أي تشعل الحروب بين الشعوب . ويفتخر اللسان متعظماً أنه يدير الكون كله وهو يقود الإنسان إلى الكبرياء فيدنِّس الجسم كله لأنه يجلب شروراً كثيرة ثم يلقي الجسد كله في جهنم . جهنم : نسبة إلى وادي " هنوم " ويقع في جنوب شرق الهيكل أسفل أورشليم ، وكانت دماء الذبائح تسيل فيه واليهود يلقون به الحيوانات الميتة والقاذُورات لحرقها ولذا فالنيران لا تنطفئ فيه ليلاً ونهاراً ، فيشار به إلى النار الأبدية . ع 7 ، 8 : التشبيه الرابع : يشبه بالسُّم ، لأنه من السهل على الإنسان أن يروِّض وحوشاً أو طيوراً أو زواحف ، أما اللسان السليط الذي تعود على الكلام القبيح فيصعب ترويضه ولكن الله بالطبع يقدر على ذلك . فأحياناً ينطق اللسان بكلمة فتخرج كسم الثعبان المميت وتقضي على علاقة إستغرق بناؤها سنيناً طويلة . لذلك يقول داود في المزمور " اجعل يارب حارساً لفمي احفظ يارب شفتيّ " ( مز 141 : 3 ) . + إن كان لسانك يؤثر على خلاص نفسك وعلاقاتك مع من حولك إلى هذه الدرجة ، فليتك لا تندفع في الكلام لتعطي نفسك فرصة أن تطلب الله وتسمع باهتمام من حولك فيرشدك الله بالكلام المناسب . (2) اللسان بركة ولعنة ( ع 9 - 12 ) : ع 9 ، 10 : يوبخ الرسول من يشتمون غيرهم ، فكيف بلسانهم يباركون الله في صلوات ثم يضايقون الناس المخلوقين على صورة الله بكلماتهم الردية .. فماذا يفعلون ، هل يباركون الله أم يلعنونه ؟! ويعلن أنَّ هذا خطأ شديد لا يصح أن يكون أبداً . ع 11 : التشبيه الخامس : يشبه اللسان بعين الماء ، ويتساءل هل يمكن أن يخرج من نفس العين نوعان من الماء أحدهما عذب والآخر مر ؟! .. وهذا سؤال إستنكاري أي لا يمكن أن يحدث ذلك ، وبالتالي لا يصحّ أن يخرج من نفس اللسان صلوات وكلمات ردية . وهكذا يدعونا يعقوب الرسول للتوبة عن الكلام الردئ . ع 12 : التشبيه السادس : يشبهه بالشجرة ، ويتساءل سؤالاً إستنكارياً ثانياً ، هل يمكن أن تعطي الشجرة ثمراً مخالفاً لنوعها ؟! .. فهل تقدر التينة مثلاً أن تعطي زيتوناً أو الكرمة تعطي تيناً ؟! .. بالطبع لا يمكن . هكذا لسان أولاد الله لابد أن يتكلم بكلمات بركة فقط سواء مع الله في صلوات أو مع الناس بكلام طيب . + لأنك إبن الله فلابد أن يظهر ذلك في كلامك مع الآخرين بالكلمات الطيبة سواء بالتشجيع أو الإعتذار عن أخطائك وإظهار إستعدادك لمساعدتهم والتعاون معهم ، فتقدم محبة الله التي فيك بكلماتك الحسنة . (3) اللسان والحكمة ( ع 13 - 18 ) : ع 13 : يحدث المؤمنين الذين يريدون أن يعلِّموا غيرهم فيقول لهم ، من فيكم له حكمة ومعرفة وعلم حتى يُعلِّم غيره فيلزمه أن يظهر حكمته بأمرين : 1- التصرف السليم في مواقف الحياة المختلفة ، لأنه كيف تعلِّم غيرك الحكمة وأنت تتصرف بطريقة غير سليمة . 2- أن يصحب تصرفاته السليمة وداعة أي هدوء في القلب وكذلك عدم إنزعاج في معاملاته مع الآخرين . ع 14 - 16 : فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق : تظنوا في أنفسكم أنكم معلمون حكماء مع أنكم ساقطون في الخطية ولكم معرفة وحكمة بشرية بعيدة عن الله والحق . يعقد الرسول مقارنة بين الحكمة الأرضية والحكمة السماوية . فالحكمة الأرضية نابعة من محبة العالم فيدوس الأخ على أخيه من أجل المال ، وهي " نفسانية " أي صادرة عن الذات البشرية ( الأنا ) كالتعاليم التي تأخذ شكلاً دينياً ولها تأثير عاطفي إنفعالي وإيحاء للنفس بالقداسة والتقوى ولكنها بعيدة عن الروحيات ؛ أما القديس الحقيقي فيشعر دائماً بأنه خاطئ ومحتاج للتوبة كلما تقدم من العرش الإلهي كإشعياء النبي . فالحياة الروحية غالباً ليس بها قفزات عنيفة ولكنها تنمو بالتدريج كالنبات أو كالطفل عندما تعطيه وجبة فإنه لا يكبر فجأة ، ولكنه ينمو يوماً بعد يوم . والحكمة الأرضية أيضاً " شيطانية " أي باعثها الخفي هو الشيطان ، الذي يوحي للإنسان أنه وحده حكيم فيدخله روح الكبرياء والغيرة وتحدث الإنقسامات والتشويش والإنحرافات والتحزب والمحاباة ، وتقوم الهرطقات تحت ستار هذه الحكمة . ع 17 ، 18 : الحكمة السماوية يمنحها الله لمن يطلب بإيمان غير مرتاب ، ومميزاتها هي :0 1- طاهرة : أي نقية بلا غرض ملتوي ، بعيدة عن المحاباة ، صاحبها متدين ديانة طاهرة تظهر في إفتقاد الأرامل والأيتام . 2- مسالمة : لأنَّ مصدرها ملك السلام وليس كما يعطي العالم سلاماً مؤقتاً ، فهي صانعة سلام فيشيع السلام والهدوء بين الإنسان ونفسه وبينه وبين الله وبينه وبين الناس . 3- مترفقة : بأخطاء الآخرين تحتضنهم وتتحمل ضعفهم وتشجعهم على التوبة ، مثل ترفق المسيح وتشجيعه زكا رئيس العشارين ( لو 19 : 1 - 10 ) والمرأة الخاطئة في بيت سمعان الفريسي ( لو 7 : 36 - 50 ) . 4- مذعنة : تعني الإستعداد لطاعة الوصية الإلهية والكنيسة والوالدين ، كما ذُكِرَ عن المسيح أنه كان خاضعاً لأمه العذراء ويوسف النجار ( لو 2 : 51 ) ، كما تسمع للآخرين ولكن بتمييز دون انقياد وخضوع للآراء الخاطئة . 5- مملوَّة رحمة وأثماراً صالحة : الحكمة السماوية تثمر ثمار رحمة وأعمال صالحة على الضعفاء والخطاة والمحتاجين والفقراء والمرضى وصغار النفوس ، مستندة على الإيمان الحي العامل بالمحبة . 6- عديمة الريب : أي ثابتة في محبة الله والإيمان به ، بعيدة عن الشك والتردد . 7- عدم الرياء : أي ما بداخل القلب هو ما يظهر على الإنسان في سلوكه وتصرفاته . 8- تهب ثمر البر : الحكمة السماوية تزرع السلام فتثمر براً وأعمالاً صالحة ونقية . + ليتنا نتضع أمام الله والآخرين ونطلب منه الحكمة فيعلِّمنا كيف نتصرف ونتكلم مع مَن حولنا محتفظين بالطهارة والتوبة ، لكي يظل يعمل فينا بروحه القدوس ويهبنا حكمته .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح