كلمة منفعة
الإخلاص هو نقاوة الحب، وصدق العاطفة، ومشاعر الوفاء يقدمها لك مخلوق تثق بمودته.
— الإخلاص
الرسالة إلى أهل فيلبى 3
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
فيلبى - الاصحاح رقم 3
فيلبى
الإصحاح رقم 3
الإصحاح الثالث
فرح في الرب
في الأصحاح الأول كشف الرسول بولس عن الآلام كمناخٍ طيبٍ للتمتع بالفرح، وفي الثاني الخدمة كمصدر فرح حقيقي، وهنا يعلن عن طبيعة هذا الفرح أنه في الرب المتألم القائم من الأموات، وهو فرح على مستوى سماوي.
يخبرنا القديس بولس أن حياة كل إنسان هي عصب خطة الله، الذي يُسر به كابنٍ وأيقونة له حية متهللة. يلزمني أن أحمل هذه الخطة، التي هي حياتي السماوية في المسيح. هذه الحياة لها تكلفتها السلبية كما الإيجابية:
أولاً: التكلفة السلبية للحياة الجديدة المتهللة
1. الحذر من حرفية العبادة [2-3]، أو التخلص من الشكليات التي بلا روح. كان المتهودون يعلمون بأن المؤمنين يحتاجون للخضوع للناموس الموسوي بطريقة حرفية، خاصة طقس الختان، بدونه لن يتحقق الخلاص. هاجم القديس بولس هؤلاء المتهودين بذات اللقب الذي استخدموه للأمم "الكلاب"، وقارن ختانهم ببعض الممارسات الوثنية لبتر الإنسان أعضاءه ودعاه "القطع". كان يمكن للرسول أن يفتخر بحفظه الناموس الموسوي حرفيًا، لكنه بإرادته تخلى عن هذا لأنه أراد أن يعبر بهم إلى إسرائيل الجديد، كنيسة المسيح، يتعبد لله بالروح.
2. عدم الثقة في الجسد بل في الروح.
3. كل ما في هذا العالم نفاية إن قورن بالسيد المسيح [7-9].
4. نسيان ما هو وراء، أي الأمور الحاضرة [13].
5. مجد هذا العالم عار.
ثانياً: التكلفة الإيجابية للحياة الجديدة المتهللة
1. العبادة بالروح [3].
2. الرجاء في تغيير أجسامنا الواهية إلى شبه جسد المسيح الممجد [21]. فمع الثقة في الجسد لا نستخف بأجسامنا الواهية. لا تتغير مادتها، إنما ستكون لها خبرة المسيح القائم من الأموات، جسده الممجد. تعبر من الانحطاط إلى المجد، وتتقبل عدم الفساد.
3. قبول المسيح كفايتنا [8]، وبرنا [9].
4. النمو في معرفة المسيح المصلوب القائم من الأموات [10-11]. نشترك في آلامه بفرح، ونتشبه بموته، وتكون لنا قوة قيامته. بهذا نصير مثله. الإيمان [10] يهبنا الشركة في حياة المسيح وقيامته. هو انفتاح على عمل الله في حياتنا، فنتقبل المسيح برّنا. أيضًا يليق بنا أن نجاهد دومًا من أجل بلوغ الجعالة السماوية بدعوة الله في المسيح [12-16]. نجاهد دومًا لأننا لسنا بعد كاملين.
5. مواطنتنا هي في السماء [20]. يليق بنا أن نحيا كمواطني أسمى دولة، مملكة السماء. سكن ربنا بالجسد على الأرض أكثر من 33 عامًا، لكن إقامته على الأرض لم تجعل منه مواطنًا أرضيًا متعلقًا بالعالم. ونحن إذ صرنا أعضاء جسمه يلزمنا ألا ننسى أننا اكتسبنا جنسيته. "لا تشاكلوا هذا العالم، بل تغيروا بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2).
1. عجز الناموس عن تحقيق الفرح 1-11.
2. سباق لبلوغ الكمال 12-16.
3. المكافأة: مواطنة سماوية 17-21.
1. عجز الناموس عن تحقيق الفرح
"أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب، كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ ثقيلة، وأمّا لكم فهي مؤمنة" [1].
الآن يكتب الرسول بولس إلى محبوبيه شعب الكنيسة التي في فيلبي مطالبًا إياهم بالفرح في الخدمة. والعجيب أن الكاتب يبعث رسالته وهو مقيد بالسلاسل، ويرسلها إلى كنيسة مع كونها أمينة (مؤمنة) ومنتعشة لكن المتهودين يزعجونها. فالمتاعب سواء من الخارج أو من الداخل لا تقدر أن تفقد المؤمن أو الخادم فرحه في الرب. وقدر ما نتهلل داخليًا نكون بالأكثر مستعدين لقبول الألم من أجله، ولا تقدر قوة ما أن تعزلنا عنه.
"أخيرًا": يقصد بها الرسول إنه سيبدأ استكمال رسالته.
+ لقد هدأ بولس أهل فيلبي الذين كانوا في حالة كآبة شديدة. كانوا في قنوط، إذ لم يكونوا يعرفون كيف سارت الأمور مع بولس. كانوا في كآبة إذ ظنوا أنها قد تفاقمت جدًا بالنسبة له، وبالنسبة للكرازة ولأبفرودتس. لقد أكد لهم وطمأنهم من جهة كل هذه النقاط، وقال:" أخيرًا يا إخوتي افرحوا". يقول لهم: ليس لكم بعد علة للكآبة معكم أبفرودتس الذي حزنتم من أجله، ومعكم تيموثاوس، وأنا نفسي سآتي إليكم، والإنجيل في حالة تقدم. ماذا يعوزكم بعد؟ افرحوا!
القديس يوحنا الذهبي الفم
"يا إخوتي" يستخدم هذا اللفظ للتعبير عن شدة الحب والاعتزاز والأخوة والمشاركة لأهل فيلبي. لقد دعا الغلاطيين "أولادي" (غل 19:4)، أما هؤلاء فدعاهم "إخوتي"، فعندما يهدف نحو تصحيح أمرٍ ما أو إظهار حنوه يدعوهم أولاده، وعندما يخاطبهم بكرامةٍ عظيمةٍ يلقبهم إخوته.
"افرحوا في الرب": الفرح هو الخيط الذهبي الذي يمر بين طيات هذه الرسالة. أما مصدر الفرح فليس النجاح الظاهر، ولا الإمكانيات الخارجية، إنما "في الرب". ليس من حصنٍ آمنٍ للنفس البشرية أكثر من الفرح في الرب "وأما لكم فهي مؤمنة". ما أروع أن يكتب الرسول لهم عن الفرح وهو في شدة الضيق والألم, فالألم يلازمه الحزن، ولكن اجتماع الألم مع الفرح لا يتحقق إلا في الرب.
افرحوا في الرب... لماذا؟
أ- لأن الرب هو ضابط الكل، وهو محب البشر.
ب- لأن الرب هو الذي يهتم بكل أمورنا، ويهبنا كل شيء.
ج- لأننا نطرح تحت أقدام صليبه خطايانا وآثامنا وهمومنا، فيحملها عنا المصلوب برضا ولطفٍ.
د- لأنه ينقذنا من أعدائنا الخفيين والظاهرين، ويحول الشر إلى خير، والضيقات إلى بركات.
و- لأن الفرح بالرب يهبنا القوة في جهادنا الروحي.
هـ- لأنه هو الذي ينير ظلمتنا.
+ "أخيرًا يا إخوتي افرحوا في الرب" يقول بحق "في الرب"، وليس "حسب العالم"، فإن هذا ليس بفرحٍ. يقول أن هذه المتاعب التي بحسب المسيح تجلب فرحًا.
+ "كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليٌ ثقيلة، وأما لكم فهي مؤمنة. احذروا الكلاب". ألا تلاحظوا كيف يتدرع بالصبر لكي يقدم نصيحة في البداية؟ فإنه بعد أن قدم لهم مدحًا عظيمًا، وأظهر إعجابه بهم، عندئذ قدم النصيحة ثم عاد يكرر المديح. فإن هذا الأسلوب من الكلام يبدو أنه كان يحمل صعوبة بالنسبة لهم. لذلك حاول تغطيته من كل جانب.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"انظروا الكلاب، انظروا فعلّة الشر، انظروا القطع" [2].
"انظروا": أي النظر بعيونٍ يقظة وحرصٍ شديدٍ. ويكرر الرسول نفس اللفظ ثلاث مرات للدلالة على أهمية وخطورة الأمر. عندما بدأ بولس كرازته بين الأمم هاج عليه المتهودون، وبذلوا كل جهدهم لكي يربطوا المسيحية باليهودية, وكأنها طائفة جديدة من الطوائف اليهودية.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الذين يفسدون الإيمان بالمناداة بضرورة ممارسة أعمال الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت للدخول في طريق الخلاص يشبهون الكلاب التي تنبح وتهاجم لتؤذي. فهي تشوه الإيمان بالمخلص، وتفقد المؤمنين يقينهم في عمله علي الصليب. هذا ويرى الأب فيكتورينوس بأن الكتاب المقدس يشَّبه المدافعين عن بيت الرب بالكلاب التي في أمانة تحرسه من اللصوص والمفسدين.
+ تتحدث الأسفار المقدسة عن الكلاب النافعة والمدافعة عن الكنيسة، كما يعلمنا داود في المزمور 68 قائلاً بأن هذه الكلاب تلحس دماء الأعداء في هيكل الله. وهنا يتحدث (بولس) عن نوع مضاد من الكلاب. واضح أنه يتحدث عن اليهود (المقاومين للكلمة) لأنهم عاملون بالشر. فإن الأعمال (الناموسية الحرفية) هي عملهم الوحيد في حياتهم دون معرفة الله، ويترجون الخلاص من أعمالهم.
ماريوس فيكتورينوس
"انظروا الكلاب": كان اليهود يدعون الأمم بالكلاب، وهنا قلب الرسول بولس الصورة حتى أن بولس يضع نفسه في مصاف الأمم ويشبه المتهودين بالكلاب. لماذا يدعو المطالبين بالعودة إلى حرفية الناموس كطريق الخلاص بالكلاب؟ لأنهم عوض الكرازة بلغة الحب، واحتضان النفوس بأبوة روحية ينبحون كالكلاب بأصوات مزعجة للنفس، ومقلقة للجماعة، ويؤذون البسطاء بأفواههم التي لا تكف عن أن تعض وتؤذي. بينما يطالب هؤلاء بحرفية الناموس لكي يتطهروا إذا بهم يتدنسوا كالكلاب (تث 23: 18؛ مز 59: 6، 14، 15؛ 2 بط 2: 22). إنهم يحملون عداوة لصليب المسيح، ينسبون له العجز عن المصالحة مع الله بدون حرفية الناموس. كان اليهود يدعون الأمم كلابًا (مت 15: 26)، لكن بعدم إيمانهم فقدوا سمتهم كإسرائيل الحقيقي، فصاروا أممًا، ونُسب إليهم لقب الكلاب الذي دعوا به الأمم.
+ لكن من هم الذين يلقبهم كلابًا؟ كان في ذلك الموضع بعضًا ممن أشار إليهم في كل رسائله، من اليهود...الأردياء والمنحطين الذين يطمعون في الربح القبيح والمغرمين بالسلطة. هؤلاء كانوا يرغبون في جذب كثير من المؤمنين إليهم بالكرازة بخلط المسيحية مع اليهودية في نفس الوقت، مفسدين الإنجيل.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"انظروا فعلة الشر": إذ يحرفون الإنجيل بسلبه عمل الصليب، فصاروا بتعاليمهم "فعلة الشر"، مخادعين، يكرزون ولكن لا لحساب مملكة الله، بل لحساب الظلمة والشر.
+ "احذروا فعلة الشر"... فإنهم يعملون بقصدٍ شريرٍ، العمل الذي هو أشر من البطالة، إذ يستأصلون ما قد وُضع بتدبير صالح ويقتلعونه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"انظروا القطع": عوض قوله "الختان"، يقول: "انظروا القطع". كان الختان علامة في الجسد على قبول العهد مع الله. وإذ رفضوا العهد الجديد، وبالتالي فقدوا سمتهم كإسرائيل الروحي، تحول ختانهم من علامة العهد مع الله إلى مجرد قطع في الجسم لا معنى له ولا قوة. وهو بهذا يكشف عن إساءتهم لمفهوم الختان، إذ جردوه من مفهومه الروحي وهدفه. صار قطعًا في الجسد، لا يختلف عن الممارسات الوثنية، الأمر الذي يمنعه الناموس (لا 21: 5). وكأنهم فيما هم ينفذون الناموس حرفيًا إذا بهم يتعدونه. يرى البعض أن الرسول غالبًا لم يقصد بالقطع الختان. إنما قصد الجراحات الممنوعة على الكهنة للتعبير عن حزنهم على موت أحد أقربائهم. حتى لو أخذنا المعنى الآخر فإن المتهودين افتخروا بقطع جزء من الجسد، كأن هذا الأمر فقط هو الذي سيصيرهم من شعب الله, بينما اغفلوا المعاني الروحية للختان... فالختان هو ميثاق مع الله وتقديس القلب لله.
+ يقول: "احذروا القطع" كان طقس الختان مكرمًا عند اليهود، إذ فتح الناموس له الطريق، وكان السبت يحسب أقل من الختان. فيمكن إتمام الختان مع كسر السبت. فلم يقل أن الختان شر، وأن لا لزوم له، لئلا يرعب الناس. لكنه عالج الأمر بأكثر حكمة، ساحبًا إياهم منه.
+ لم يرد حتى أن يشترك في الاسم، بل ماذا قال؟ إن هذا الختان هو "قطع". لماذا؟ لأنهم لا يفعلون شيئًا سوي قطعًا في الجسد. فإنه إذ يُمارس، ولكن ليس حسب الناموس، لا يكون سوى قطعًا من الجسد. لهذا السبب دعاه هكذا. أو ربما لأنهم أرادوا أن يقطعوا الكنيسة إلى شقين، ونحن ندعو الأمر "قطعًا" في الذين يفعلون هذا عشوائيًا، بلا هدف ولا مهارة. يقول: الآن إن كنتم تطلبون الختان، تجدونه عندنا نحن "الذين نعبد الله بالروح"، أي نتعبد روحيًا. أجبني: أيهما أسمى، النفس أم الجسد؟ واضح ان الأولى أسمى. لهذا فإن ذاك الختان (الذي للنفس) هو أسمى أيضًا، أو بالحري ليس أسمى بل هو الختان الوحيد. فإنه إذ يُوقف الرمز يأتي بحق الأمر كتابة: "انزعوا غرل قلوبكم" (إر 4:4). بنفس الطريقة عالج الأمر في الرسالة إلي أهل رومية قائلاً: "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء (في الداخل) هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالحرف هو الختان" (رو 2: 28-29). أخيرًا نُزع عنه الاسم نفسه إذ لم يعد ختانًا (بل قطعًا) كما يؤكد. فالرمز كان يدعي هكذا (ختانًا) حتى تحل الحقيقة، ولكن متى جاءت الحقيقة لم يعد للرمز ذات الاسم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ "الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف، وهو يخطئ، محكومًا عليه من نفسه" (تي 10:3-11). ليتنا كبحارة حكماء نبحر في إيماننا في المسلك السليم حتى نعبر بأكثر أمانٍ، ونتبع سواحل الأسفار المقدسة.
القديس أمبروسيوس
"لأننا نحن الختان الذين نعبد الله بالروح، ونفتخر في المسيح يسوع، ولا نتّكل على الجسد" [3].
بينما يطالب المتهودون بالختان الجسدي، ليحسبوا من أهل الختان يصيرون أهل الغرلة روحيًا، بينما إذ نمارس ختان الروح نصير نحن أهل الختان "الذين نعبد الله بالروح، ونفتخر (نفرح) في المسيح يسوع، ولا نتكل على الجسد".
وقد ذكر معلمنا بولس ثلاث علامات للختان الروحي الحقيقي:
1- العبادة لله بالروح لا الحرف القاتل: حتى نتمتع بالشركة العميقة مع الله الذي هو روح وحياة. فنقدم له القلب ليقدسه بروحه القدوس ويقيم منه هيكلاً له. ليس معنى عبادة الله بالروح هو إبطال الطقوس والتدبير الروحي, إن كان يساعدنا على عبادتنا الروحية.
2- فرح في يسوع المسيح يسوع:، يهبنا فخرًا واعتزازًا بالرب وصليبه.
3- عدم الاتكال على الجسد: فمع تدبير حياتنا الروحية، لكن خلاصنا يقوم على عمل الروح. لا نمارس العبادة الجسدية التي تخص الجسد دون الروح ولا تتكل على الجسد أي لا تعتمد على الذات في عبادتنا، فلا يكون الدافع لعبادتنا هو إرضاء ذواتنا.
+ كان لابد أن يقول: "اختتنوا للرب" (إر 4: 4). فإن الختان من الجانب الجسدي لم يقتصر علي أهل الختان بحسب شريعة موسى وحدهم، وإنما علي أناس آخرين كثيرين. فكهنة الأوثان المصريين كانوا يختتنون لها (للأوثان)، فكان هذا الختان من أجل الأوثان وليس للرب، بينما ختان اليهود ربما كان للرب. فإذا كنا قد فهمنا معنى اختتنوا للرب بالمعنى الحرفي، فلننتقل إلي معناه الرمزي حتى نعرف كيف يوجد بين المختونين بعضًا منهم مختتن للرب، والبعض الآخر مختتن ولكن ليس للرب.
توجد كلمات أخرى بخلاف كلمة الحق أي عقيدة الكنيسة: فإن الذين يمارسون الفلسفة، قد ختنوا أخلاقهم وقلوبهم، ويمارسون ما يمكن أن نطلق عليه ضبط النفس؛ فإن الهراطقة يمارسون ضبط النفس وهم في الوقت نفسه مختتنين جسديًا، ولكن في هذه الحالة فإن ختانهم ليس للرب، لأن الختان عندهم يُنَفَّذ بموجب عقيدة كاذبة. ولكن حينما تذهب إلي الكنيسة وتتبع تعاليمها الحقة، فإنك لن تكون فقط مختتنًا، وإنما مختتن للرب.
العلامة أوريجينوس
"مع أن لي أن اتّكل على الجسد أيضًا، إن ظن واحد آخر أن يتّكل على الجسد، فأنا بالأولى" [4].
يقدم لنا الرسول نفسه مثالاً على عدم الاتكال على الجسد، بل على عمل الله فيه. فمن جهة إن أراد أحد أن يفتخر بامتيازاته الجسدية الخارجية فلدى الرسول الكثير ليفتخر به، الأمر الذي لا يقدر أن يباريه فيه أحد. فرفضه للافتخار بالأمور الجسدية ليس عن نقصٍ لديه أو عجز عن تحقيقها.
يذكر الرسول بولس سبع امتيازات له (ع4-6)
1- مختون في اليوم الثامن: وهذا إثبات إنه ولد في اليهودية، وليس دخيلاً عليها، لأن الدخلاء يختتنون يوم دخولهم الإيمان اليهودي.
2- من جنس إسرائيل: لأنه لا ينسى الديانة اليهودية التي أسسها الله على جبل سيناء.
3- من سبط بنيامين: بنيامين الابن الوحيد ليعقوب الذي ولد في أرض الموعد من زوجته المحبوبة راحيل, وهو آخر أبناء يعقوب.
4- عبراني: هناك فرق بين الإسرائيلي والعبراني: الإسرائيلي هو إنسان يهودي نال الختان, وليس بالضرورة أن يجيد اللغة العبرية، أما العبراني فيجيد اللغة العبرية كما يعني أن أجداده لم يختلطوا مع الأمم في الزواج كما فعل كثيرون من اليهود الآخرين الذين نزحوا من الأمم.
5- فريسي: أي المفرز والمخصص والمكرس لله. وإنه من الذين يعتنون بممارسة الطقوس والفرائض الدينية.
6- مضطهد الكنيسة: كان شاول غيورًا جدًا على ديانته، فلم يطق أن يرى أحدًا خارج الحظيرة اليهودية. لذلك عندما نشأت المسيحية وجذبت الكثيرين من أبناء جنسه اشتعلت نار الغيرة داخله فأقترف كثير من الآثام ضد الكنيسة وسجن واضطهد الكثير من المؤمنين وكان راضيًا بقتل استفانوس.
7- من جهة برّ الناموس كان بلا لوم: تمم كل مطالب الناموس من وصايا وتقليدات، "ولكن ما كان لي ربحًا، فهذا حسبته من أجل المسيح خسارة".
"من جهة الختان مختون في اليوم الثامن، من جنس إسرائيل من سبط بنيامين، عبراني من العبرانيّين، من جهة الناموس فرّيسي" [5].
من جهة إمكانياته للافتخار والاتكال على الجسد، فقد تمتع بكل الأمور التي كان اليهود يعتزون بها.
+ يشير بهذه الظروف أنه ليس دخيلاً ولا وُلد من والدين دخيلين. ختانه في اليوم الثامن يتبعه أنه ليس بدخيل، وأنه من سلالة إسرائيل، وأن أبواه ليسا دخيلين.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يقول: هويتي اليهودية ليست بأية حال مُلتبس فيها. فإنني لست من أسرة نصف يهودية. إني زرع حر، ابن راحيل المحبوبة التي من أجلها البطريرك (يعقوب) نفسه احتمل العبودية.
ثيؤدورت أسقف قورش
"من جهة الغيرة مضطهد الكنيسة، من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" [6].
إنهم ليسوا أكثر غيرة منه، فقد كان غيورًا على حرفية الناموس وتقليدات آبائه والاعتزاز بأمته، بذل كل جهده لاضطهاد الكنيسة خدمة للناموس وإسرائيل. الأمر الذي لن يقدر أن ينكره أحد من بني أمته. أما عن حياته الشخصية فبحسب الناموس كان فريسيًا مدققًا في حرفية متشددة، يُحسب في أعين اليهود بارًا.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس بعد أن أعلن عن ما كان يمكنه أن يفتخر به، وهي أمور ليست باختياره، إذ لم يختر لنفسه أن يختتن في اليوم الثامن، ولا أن يكون من جنس إسرائيل الخ.، يتحدث عما هو باختياره، إذ كان يمكن أن يكون فريسيًا ولكن غير غيور علي الناموس كما فعل بعض رؤساء الكهنة. باختياره كان غيورًا جدًا فاضطهد الكنيسة، وسلك في البرّ وبلا لوم حسب الناموس.
+ يقول حين كنت أغزو الكنيسة لم أكن مدفوعًا بحب الكرامة والمجد الباطل والغيرة مثل قادة اليهود، بل كنت ملتهبًا بالغيرة علي الناموس.
ثيؤدورت أسقف قورش
+ قبل اهتدائه تمم بولس الناموس بطريقة رائعة، إنما خوفًا من الناس أو من الله نفسه، حتى حين كان يضاد الناموس في مفاهيمه الداخلية. لكنه كان ينفذ الناموس خشيه العقوبة وليس حبًا في البرّ.
القديس أغسطينوس
"لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة" [7].
مع كل ما قد بلغه في أعين إسرائيل القديم، ومع كل ما تمتع به من امتيازات، أدرك الرسول أن هذا كله لن ينفعه شيئًا، وأنه عاجز عن تبريريه لدى الله. ألقى بهذا كله وحسبه خسارة ليربح السيد المسيح القادر وحده أن يبرره. من يلتصق بالحرف الناموسي يسقط في الفقدان والخسارة مادام يفقد المسيح مصدر حياته وشبعه. حسب الرسول الكرامة التي نالها من شعبه بسبب غيرته على حرفية الناموس خسارة لحقت بأعماقه.
+ إنه يسأل إن كنت من جهة نقاوة سلالتي وغيرتي وعاداتي وطريقة حياتي قد فقت الكل، فلماذا أرفض كل هذه الكرامات إلا لأني وجدت أن أمور المسيح أفضل، وأفضل جدًا؟ لهذا أضاف: "لكن ما كان لي ربحًا، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة" [7]... أما نحن فلسنا حتى نستحق بالمال لنربح المسيح، بل نفضل الحرمان من الحياة العتيدة عن الصالحات التي للحياة الحاضرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ هذه الكلمات هي مديح للناموس. كيف هذا، هذا ما يعلنه هنا. لنصغِ بانتباه إلي كلماته عينها. لم يقل "الناموس خسارة" بل "حسبته خسارة". ولكن عندما تحدث عن الربح لم يقل: "حسبته" بل قال: "كان لي ربحًا"... قديمًا كان ربحًا بسبب طبيعته، وأخيرًا صار هكذا بحسب رأيي.
يقول ماذا إذن، أليس الناموس هكذا (ربحًا)؟ إنه خسارة من أجل المسيح.
كيف كان الناموس ربحًا؟ ولم يُحسب ربحًا، بل كان هكذا.
تأملوا كيف كانت عظمته، إنه يجلب الناس الذين كانوا بهيمين في طبيعتهم ليحملوا شكل البشر.
لو لم يوجد الناموس ما كانت النعمة قد أُعطيت. لماذا؟ لأنه صار نوعًا من الجسر، فحيث كانت هناك استحالة للصعود إلى العلى من حالة الانحطاط الشديد جاء في شكل سلم، ولكن الذي صعد لم يعد بعد محتاجًا إلى السلم، دون أن يحتقر السلم، بل هو شاكر له. إذ رفعه إلى هذا الوضع، لم يعد يحتاج إليه...
هذا هو حال الناموس، فقد رفعنا إلى فوق، فكان لنا ربحًا، أما بالنسبة للمستقبل فحسبناه خسارة. كيف؟ ليس لأنه هو خسارة، وإنما لأن النعمة أعظم.
ذلك كما لو أن فقيرًا كان جائعًا، فإذ وجد فضة هرب منه الجوع، أما وقد وجد ذهبًا ولم يُسمح له بالاحتفاظ بالاثنين معًا، حسب الاحتفاظ بالفضة خسارة، مع أنها هي في ذاتها ليست هكذا. وإذ يلقيها يأخذ العملة الذهبية...
إذن الناموس ليس خسارة، وإنما هو هكذا بالنسبة للإنسان الذي يلتصق بالناموس ويهجر المسيح.
الناموس إذن خسارة إن قادنا بعيدًا عن المسيح، أما إذا بعث بنا إليه فهو ليس خسارة. لهذا قال: "من أجل المسيح خسارة"، فإن كان من أجل المسيح، فهو ليس خسارة بطبعه.
لكن لماذا لا يسمح لنا الناموس بالذهاب إلى المسيح؟ يخبرنا (الرسول) نفسه بأن الناموس قد أُعطي ليقودنا إلى المسيح. والمسيح هو مكمل للناموس وغاية الناموس. إنه يقودنا إليه إن أردنا. "لأن المسيح غاية الناموس" من يطيع الناموس يترك الناموس ذاته. إنه يسمح لنا بالذهاب إلى المسيح إن كنا نراعي هذا، وإلا فإنه لا يسمح لنا بذلك. نعم حقًا لقد حسبت كل شيء خسارة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة، من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح" [8].
إذ التقى بالرب ورآه وفتح قلبه لسكناه، سقطت كل هذه الامتيازات كنفاية لا تستحق أن يشغل فكره بها. هذه النفاية لا يليق بالمؤمن أن يحتفظ بها، بل يلقيها خارجًا لتلهو بها الكلاب الضالة. ما كان يعتز به قبلاً صارت نفسه تمقته ليعتز بعار الصليب، وفقر المسيح، وذبيحته الفريدة القادرة أن تفتح أبواب السماء ليدخل كل مؤمن ويستقر في الأحضان الإلهية في مجد أبدي.
"من أجل معرفة فضل المسيح يسوع ربي" بعدما نهض شاول من سقطته بعد سماعه صوت ربنا يسوع عرف جيدًا أن كل ما كان له ربحًا هو في حقيقته خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع.
"من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية"... خسر شاول كل امتيازاته السابقة, وخسر وضعه كشخصٍ مقربٍ من القيادات الدينية, وخسر وضعه كقائدٍ غيورٍ مشهورٍ, وخسر وضعه بين أصدقائه ومعارفه، وخسر وضعه وسط أسرته المتدينة. خسر كل هذه الامتيازات وهو يعتبرها نفاية, والحقيقة أن القديس بولس مارس عملية استبدال، فاستبدل هذه الأرباح الوهمية المؤقتة الزائلة بأرباح حقيقية تبقى معه إلى الأبد.
+ أقول: لماذا يعني هنا الناموس؟ أليس العالم صالحًا؟ أليست الحياة الحاضرة صالحة؟ لكن إن سحبتني هذه عن المسيح أحسب كل هذه الأشياء خسارة. لماذا؟ "من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي". فإنه إذ تشرق الشمس، يحسب الجلوس بجوار شمعة خسارة. فالخسارة تقوم علي المقارنة، علي السمو علي الأمور الأخرى... لاحظوا كيف يدعو كل شيء خسارة، ليس في ذاتها، وإنما من اجل المسيح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لقد قرأ (الرسول) أن إبراهيم إذ اعترف أنه تراب ورماد وجد نعمة الله في تواضعه الشديد (تك 27:18). وقرأ أن أيوب إذ جلس في المزبلة (أي 8:2) استرد كل ما فقده (أي 42-17:10). وقرأ في نبوة داود أن الله يقيم المسكين من التراب والبائس من المزبلة (مز 7:113).
القديس أمبروسيوس
+ إنني لست أهرب منها (وصايا الناموس) كأمور دنيئة، لكنني أفضل ما هو أسمي. فإنني إذ أتذوق الحبوب ألقي النفاية (غطاء البذور). لأن النفاية هي الجزء الكثيف من القش. إنها تحمل الحبوب، لكن ما أن تُجمع الحبوب حتى تُطرح النفاية.
ثيؤدورت أسقف قورش
+ ليس من فقدان لطوباوية الفضيلة بسبب الألم، أيضًا ملذات الجسد لا تضيف شيئًا للمتعة.
+ عظيم هو الربح الذي نقتديه بالصلاح، الذي هو الغنى بالله، وليس الغنى الزائل، إنما بالعطايا الأبدية حيث لا تحارب بل نعمة دائمة لا تنتهي.
القديس أمبروسيوس
+ من منكم يتوقع أن يسمع صوت ملاك يقول له: "الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك عني" (تك 12:22)، أو ابنتك أو زوجتك، ولم تمسك مالك أو كرامة العالم، أو طموح العالم، بل احتقرت كل الأشياء وحسبتها نفاية لكي تربح المسيح. لقد بعت كل شيء وأعطيت للفقراء واتبعت كلمة الله؟ (مت 21:19). من منكم تظنون أنه يسمع كلمة كهذه من الملائكة؟ لقد سمع إبراهيم هذا الصوت.
العلامة أوريجينوس
"وأوجد فيه، وليس لي بري الذي من الناموس، بل الذي بإيمان المسيح، البرّ الذي من الله بالإيمان" [9].
"لكي أربح المسيح وأوجد فيه" [8-9] أي اتحد به. بقوله: "أوجد فيه" يكشف أنه كان ضالاً لم يكن له مكان لراحته واستقراره، فوجده الرب يسوع ودخل به كما إلى أحشاء محبته ليستقر في بيته في أمان. فحين كان يظن أنه بار بحسب الناموس كان بالحقيقة تائهًا وضالاً، وإذ تمتع بالإيمان صار في المسيح مستقرًا ومختفيًا يرتدي بره برًا له. هذا هو الإيمان بالمسيح كعطية إلهية.
+ إن كان ذاك الذي كان له برّه جرى نحو هذا البرّ الآخر، إذ برّه الخاص به هو كلا شيء، كم بالأولى الذين ليس لهم برّ يلزمهم أن يجروا إلى المسيح؟ حسنًا قال: "لي بري"، ليس الذي اقتنيه بتعبي وكدحي، وإنما وجدته من النعمة. إن كان الذي كان بهذا السمو العظيم قد خلص بالنعمة، فكم يليق بنا نحن. كان يبدو أنهم سيقولون بأن البٌر الذي يأتي بالتعب أعظم، لذا أظهر أنه نفاية أن قورن بالبرّ الآخر... وما هو البرّ الآخر؟ الذي من الإيمان بالله، أي يمنحه الله. هذا هو برّ الله. هذا بكليته هو هبة. هبات الله لا تقارن بالأعمال الصالحة التي بلا قيمة الصادرة عن جهادنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لأعرفه، وقوّة قيامته، وشركة آلامه، متشبهًا بموته" [10].
وضع الرسول القيامة قبل الآلام، لماذا؟ لأنه عاين السيد المسيح القائم أولاً في حياته ثم دخل إلى حلبة الآلام. أعلن له السيد المسيح عن أمجاد قيامته أولاً، ثم أخبر حنانيا عن آلام الرسول. لا يوجد فاصل بين لأعرفه وقوة قيامته لأن أهم شيء في معرفة المسيح هي قوة قيامته التي كانت لأجلنا نحن وليس لأجله.
"شركة آلامه": بولس المتألم في سجنه وقيوده وهو بريء يعرف أن آلامه هذه ما هي إلا شركة مع المسيح المتألم.
عوض الانشغال بالحرفيات القاتلة والتي كان يظنها طريق البرّ، دخل في المسيح وحلّ المسيح فيه بالإيمان. بهذا صارت له معرفة فائقة. تعرف عليه، ويبقى ينهل من ينبوع المعرفة والحكمة ليدرك عمليًا قوة قيامته، ويختبر شركة آلامه، ويسعد بالتشبه بآلامه. لا يحتمل أن يفسد وقته بحوارٍ جدليٍ حول ما يخص الجسد، ويترك تمتعه الدائم بمعرفة متجددة لا تنقطع للسماوي القادر أن يبرر الجميع بدمه الثمين وببهجة قيامة المسيح برًا له (رو 4: 25 ؛ 1 كو 17:15).
+ ماذا يعني "بالإيمان لأعرفه" بالإيمان نعرفه، وبدونه يستحيل معرفته. لماذا؟ وكيف؟ بالإيمان نعرف قوة قيامته... فإن كانت قيامة المسيح حسب الجسد تُعرف بالإيمان، كيف يمكن بالعقل إدراك ولادة كلمة الله؟ لأن القيامة أقل من الولادة... لأنه يُوجد للقيامة أمثلة كثيرة، أما الميلاد فلن يوجد له مثيل قط. لم يولد أحد قط من عذراء.
+ هذه الأمور (الولادة من عذراء والقيامة) تهب البرّ، هذا ما يليق بنا أن نؤمن به أنه قادر أن يفعله، أما كيف كان قادرًا هذا ما لا نستطيع برهنته. فإنه بالإيمان ندخل في شركة آلامه، لكن كيف؟ إن لم نؤمن لا نقدر أن نحتمل الآلام. إن لم نؤمن بأننا إن كنا نتألم معه فسنملك أيضًا معه (2 تي 12:2) لما يمكننا أن نحتمل الآلام... من يؤمن أن المسيح قام يسلم نفسه للمخاطر، ويشاركه آلامه. إذ تكون له شركة مع ذاك الذي قام، مع ذاك الحي.
+ الاضطهادات والأحزان والشدة يلزم ألا تجعلنا مضطربين، فإننا بها نتشبه بموته. وكأنه يقول إننا نتشكل بشبهه. وكما يقول في موضع آخر: "حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 10:4). هذا يأتي من الإيمان العظيم. فإننا لسنا نؤمن فقط أنه قام، وإنما حتى بعد قيامته له سلطان عظيم، فنرحل في ذات الطريق الذي سافر فيه، أي نصير إخوته في هذا الأمر أيضًا. كأنه قال: صرنا مسحاء في هذا الأمر! يا لعظمة كرامة الآلام! إننا نؤمن أننا نصير في شبه موته خلال الآلام!
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لعلّي أبلغ إلى قيامة الأموات" [11].
ما يشغل الرسول بولس على الدوام هو انطلاقه اليومي في طريق القيامة خلال شركته مع السيد المسيح في آلامه وصلبه، حيث ينعم بكرامة الشركة معه، والدخول إلى الأمجاد الأبدية.
قيامة الأموات التي يقصدها الرسول هنا هي القيامة الواحدة الوحيدة العامة الشاملة لجميع الأموات، الأبرار والأشرار، وهي تتم في لحظة واحدة يعقبها الجزاء والعقاب.
"لعلي" التي استخدمها الرسول لا يقصد منها الشك في أمر قيامته، لكنه يقصد بها صعوبة الوصول إلى هذا الأمر. إنه يحتاج إلى جهاد العمر كله.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل البشر سيقومون، فماذا يعني الرسول بقوله: "أبلغ إلى قيامة الأموات"؟ [البعض بالحق يقوم ليُكرم، وآخرون لكي يُعاقبوا... ماذا يعني ببلوغ القيامة التي تشير إليها هنا؟ القيامة التي تقود إلى المسيح نفسه.]
+ هذا لأن بولس لا يزال يثابر في شركة الآلام التي كادت أن تكون علي شبه الموت نفسه حتى يقول: "لعلي أبلغ قيامة الأموات". لم يكن لديه أدنى شك أنه يبلغ قيامة الأموات. ولكن ما هو بلوغ قيامة الأموات؟ إنها الحياة الكاملة التامة لكل شخص، والنابعة عن شركة آلام المسيح بكل وسيلة، والتي تتجلى بوضوح في نهاية الزمن عندما تتحقق قيامة الأموات، أي عندما يعود الأموات إلى الحياة.
ماريوس فيكتورينوس
+ يقودنا نشيد الأناشيد الآن إلى الرغبة في التفكير بعمق في الحُسن العظيم. لكن تتألم نفوسنا عندما نعرف أنه لا يمكننا الإلمام بهذا الحُسن. كيف لا يأسف أي شخص عندما يكتشف أن الارتقاء إلى هذا الحُسن صعب المنال، إذ ترتفع النفس الطاهرة النقية بواسطة الحب لكي تشارك في هذا الحُسن، ولكن يظهر أنها للآن لم تتمكن من الحصول على ما تبحث عنه، كما يقول القديس بولس (في 11:3).
القديس غريغوريوس النيسي
2. سباق لبلوغ الكمال
"ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً، ولكني أسعى لعلّي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع" [12].
سرّ قوة الرسول بولس إدراكه عدم بلوغه بعد الكمال، لا بروح اليأس والتهاون، وإنما بالسعي والجهاد مدركًا أن السيد المسيح نفسه يطلبه ويسعى إليه لكي يفديه ابنا له. بينما يود أن يدرك المسيح يعلم تمامًا أن المسيح أدركه. فغيرة الرسول على خلاص نفسه لا تقارن بغيرة السيد المسيح على اقتنائه له.
"أسعى لعلي أدرك" لم ينل بعد الرسول المكافأة، ولا تمتع بعد بكمال المجد، ولا أنهى بعد سباقه، لكن ما يسنده أن السيد المسيح هو العامل فيه بنعمته. يبدأ معه، ويسير معه في طريق جهاده، ويكون هو غايته. فالزمن مقصر، والجهاد طويل، لكن الإمكانيات التي له جبارة وقديرة، لأنها إمكانيات عمل الله فيه. إنه تعبير واضح وقوي عن حياة الجهاد "الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع". لقد أدرك السيد المسيح شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق ممتطيًا جواده، متكبرًا متعجرفًا مملوءً غضبًا وحقدًا ليكمل معصيته باضطهاد يسوع المسيح في شخص أولاده. أدركه فهرب الشر من داخله وفر الكبرياء واختفى الحقد.
+ يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل.
القديس أمبروسيوس
+ نحن جميعًا الآن غير كاملين، هناك سنكون كاملين حيث يصير كل شيء كاملاً. يقول الرسول بولس: "ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً" [12]، فهل يجسر أحد أن ينسب لنفسه الكمال؟ نعم بالأحرى لندرك عدم كمالنا، فننال الكمال.
القديس أغسطينوس
+ يليق بالبشر أن يحتملوا الصراع كله، فيأتوا إلى قيامته. ولعله يقصد إن ظننت إني متأهل لبلوغ القيامة المجيدة، وهي موضوع ثقة علي شبة قيامته، فإني احتمل كل الصراعات. بهذا أكون قادرًا أن أنال القيامة، وأن أقوم في مجدٍ!.. حياتي لا تزال بعيدًا عن النهاية. لازلت بعيدًا عن الإكليل، لازلت أجري وأثابر للبلوغ إلى الهدف. إنه لم يقل "إني أجري" بل يقول "أسعى". فانتم تعلمون بأية غيرة يسعى الإنسان.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ ينبغي أن تتغيّر نفوسنا وتتحوّل من حالتها الحاضرة إلى حالة أخرى - إلى طبيعة إلهيّة، وتصير خليقة جديدة بدلاً من العتيقة، أي تصير صالحة متحننة وأمينة بدلاً كونها في المرارة وعدم الإيمان. وهكذا إذ تصير مناسبة ولائقة تعود وتسكن في الملكوت السماوي. لأن بولس المغبوط يكتب هكذا عن تغييره الذي به أدركه المسيح، قائلاً: "ولكنّي أسعى لكي أُدرك الذي لأجله أدركني أيضًا المسيح يسوع" [12]. كيف أدركه الله إذن؟ يحدث هذا مثلاً حينما يمسك طاغية مجموعة من الأسرى ويسوقهم قدّامه، ثم بعد ذلك يدركهم الملك الحقيقي ويخلّصهم منه. هكذا حين كان بولس تحت سيادة وتأثير روح الخطية الظالم، فإنه كان يضطهد الكنيسة ويتلفها، لكن لأنه كان يفعل هذا عن غيرة لله وبجهل... لهذا فإن الله لم يهمله بل أدركه، إذ أضاء حوله الملك السماوي الحقيقي.
+ يعلّمنا الروح التواضع الحقيقي الذي لا نستطيع الآن أن نصل إليه حتى بالتغصّب، لكن يعلّمنا أن نثمر بالحق أحشاء رأفات (كو 3: 12) وشفقة، وكل وصايا الرب بدون تعب أو تغصّب، كما يعرف الروح نفسه كيفيّّة ذلك حين يملأنا بثماره.
القديس مقاريوس الكبير
+ إني أعجب من أولئك الذين يدعون لأنفسهم الكمال، أولئك الغنوسيين، الذين يُهيأ لهم أنهم أفضل من الرسول. إنهم مغرورون ومفتخرون بينما يقول الرسول نفسه: "ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً..." ومع هذا يحسب نفسه كاملاً لأنه قد انفصل عن حياته الأولى، ساعيًا بلا ملل نحو حياة أفضل، غير مدعٍ الكمال في المعرفة، لكنه كان ساعيًا نحو الكمال. هنا أيضًا يضيف: "فليفتكر هذا جميع الكاملين"، واصفًا الكمال بجلاء أنه ترك للخطية، وتجديد في الإيمان الكامل وحده، نازعين من ذاكرتنا خطايانا السابقة.
القديس إكليمنضس السكندري
"أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت، ولكني أفعل شيئًا واحدًا، إذ أنا أنسى ما هو وراء، وامتد إلى ما هو قدّام" [13].
مع عظمة ما ناله الرسول، لكن بمقارنته بما يعده له الرب من أمجاد يحسب كل ما ناله كلا شيء. ففي كل يوم يتمتع الرسول ببركات كأنها جديدة، فيصرخ: هوذا الكل قد صار جديدًا". ينسى الماضي لأنه مشغول بحاضرٍ مجيد، إن قورن بما يناله غدًا يصير في نظره كلا شيء. إنه في سباق دائم بروح الرجاء المفرح في الرب.
وهب الله الإنسان الاشتياق المستمر للنموّ والتقدّم، فينسى ما هو وراء ليمتد إلى ما هو أعظم. فإن كان قد تمتّع بمجد الكواكب يشتهي خلال النعمة الإلهية أن يبلغ مجد الشمس، إذ يقول الرسول: "إن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد" (1 كو 15: 41)، كما قيل "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت الله" (مت 13: 43). هذا وفي العهد القديم جاء في الشريعة بأن "كل واحدٍ يسير في المحلّة على حسب علامته (رايته)" (عد 2: 2).
"ولكني أفعل شيئًا واحدًا... " [13]. يركز المتسابق كل أفكاره ويجمع كل قواه للوصول إلى الهدف بأقصى سرعة. الذي يركز على شيءٍ واحدٍ يحقق نجاحًا ما أفضل من الذي ينشغل بأمور كثيرة، فهو لا يحقق نجاحًا يذكر. يقدم بولس الرسول هنا صورة مستعارة من سباق عربات الخيل في القرن الأول الميلادي. وكأن المتسابق لابد أن يكون حاصلاً على الجنسية الرومانية. وهكذا نحن المتسابقون يا أحبائي جميعًا قد خرجنا من جرن المعمودية وحصلنا على الجنسية السمائية.
"إذا أنسى ما هو وراء"... أرفض حتى النظر إلى مكان الخطية. النظر إلى الماضي قد يعطل مسيرة الإنسان تجاه الملكوت, فعندما ينظر الإنسان إلى ماضيه ويفتخر بأعماله الصالحة ويعتمد عليها ويشعر إنه إنسان كامل يصاب بالشيخوخة الروحية. قد ينظر الإنسان إلى ماضيه بما فيه من أخطاء وخطايا ويذكر تفصيلات هذه الخطايا فيتعثر فيها ثانية.
"وامتد إلى ما هو قدام"، أي أركز أفكاري وجهدي في الواجب المُلقى على عاتقي ومسئوليتي تجاه إلهي وكنيستي.
في حديثه عن الزواج والبتوليّة يقول القديس أغسطينوس أننّا لا ندين الزواج، فمن تزوّج لا يعود ينظر إلى الوراء حين كان غير متزوّج، بل يتطلّع إلى ما هو قدّام ليحيا بفرح في حياته الزوجيّة مقدّسًا. وأما البتول فإنه إذ جعل الزواج خلفه لا يعود ينظر إلى الوراء، بل يتطلّع إلى الأمام.
+ إذ تطلّعت امرأة لوط إلى خلف صارت جامدة. إلى حيثما بلغ الشخص فليخف لئلاّ يتطلّع إلى الوراء من تلك النقطة. يلزمه أن يسير في الطريق، فليتبع المسيح.
+ بقي الرجاء الذي أظن أنه يقارن بالبيضة. فإن ما نرجوه لم يتحقّق بعد، ذلك مثل البيضة التي لم تصر بعد كتكوتًا... فالرجاء يحثّنا على ذلك: أن نستخفّ بالأمور الحاضرة وننتظر الأمور العتيدة. "ننسى ما هو وراء"، ومع الرسول "نمتد إلى ما هو قدّام".
القديس أغسطينوس
+ ليس للرب نهاية، ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة؛ ولا يجرؤ المسيحيّون أن يقولوا "لقد أدركنا" [13]، لكنهم يظلّون يسعون بتواضعٍ ليلاً ونهارًا.
القديس مقاريوس الكبير
+ إذ يستحيل علي الذين يصعدون ويبلغون القمة أن يتحاشوا الشعور بالدوار، لهذا يحتاجون ليس فقط أن يتسلقوا صاعدين، بل وأن يكونوا حذرين عند بلوغهم الذروة. الحذر شيء وفقدان توازن رؤوسنا عندما نرى المسافة التي تسلقناها شيء آخر، فلنلاحظ ماذا تبقي لنا أن نصعد ونهتم بهذا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ تنقسم الخليقة إلى قسمين واضحين: أحدهما حسًي ومادي والآخر عقلاني وروحي... أما القسم الثاني من الخليقة وهو العقلاني الروحي، فلا قيود عليه وليس له حدود ولا يحصره أي شيء. وإضافة إلى ذلك تمتاز الطبيعة الروحيّة بأن لها ناحيتين:
أولاً: يظل الخالق (الغير مخلوق) ثابتًا دائمًا كما هو. لذلك فهو لا يسمح أن يتغيّر الحق نقصًا أو زيادة.
ثانيًا: أما الناحية الثانية فهي تخص الخليقة، وتنظر دائمًا إلى بدايتها والهدف الأول لها. بالمشاركة فيما وراء الحدود.
تظل الخليقة ثابتة في الخير، ومن وجهة نظر مُعيّنة، فهي خُلقت بينما تتغيّر باستمرار إلى الأحسن في نموها وكمالها. فهي ليست محدودة، ولا يمكن أن نوقف نموّها إلى الأحسن، غير أن حالتها الراهنة من الحُسن حتى ولو كانت عظيمة وكاملة، إلا أنها بداية فقط إلى مرحلةٍ أحسن وتفوّق الحدود. وهكذا فإن كلمات الرسول تتحقّق: "أيها الاخوة إني لا أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئًا واحدًا إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدّام" (في 3: 13). إن الخير الذي هو أعلى مما قد حصلنا عليه يشد انتباه الذين ساهموا فيه، ولا يسمح لهم بالنظر إلى الماضي، لأنهم يتمتّعون بما هو جدير، أما الأشياء الدنيا فقد مُسحت من ذاكرتهم.
+ عندما كتب الرسول العظيم بولس إلى كنيسة كورنثوس عن رؤيته السماوية، لم يكن متأكدًا إذا كان قد رآها بروحه فقط أم بجسده وروحه معًا. وشهد قائلاً: "أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت. ولكنى أفعل شيئًا واحدًا إذا أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" (في 13:3). يتضح من هذا أن بولس وحده كان يعرف ما يوجد وراء السماء الثالثة (لأن موسى نفسه لم يذكرها عندما تكلم عن خلق الكون وأصله). استمر بولس في الارتفاع ولم يتوقف بعدما سمع عن أسرار الفردوس التي لا يُنطق بها. ولم يسمح للسمو والارتفاع الذي وصل إليه أن يحدّ من رغبته هذه وأكد بولس أن ما نعرفه عن الله محدود لأن طبيعة الله أبدية وأسمى مما نعرفه وليس لها حدود. أمّا من يتحدون مع الله فتنمو وتزداد شركتهم معه باستمرار في الحياة الأبدية، ويتفق هذا مع كلمات السيد المسيح: "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 8:5). إنهم سوف يعرفون الله بقدر ما تسمح به عقولهم من فهم، إلا أن الله الغير محدود والغير مدرك يبقى دائمًا بعيدًا عن الفهم. إن مجد الله العظيم جدًا لا حدود له كما يشهد بذلك النبي (مز 5:145، 6). يبقى الله دائمًا كما هو عندما نتطلع إليه ونفكر في علو سمائه. هذا ولقد حاول داود العظيم بكل قلبه أن يرتفع بفكره إلى الآفاق العليا. وكان دائمًا يتقدم من قوة إلى قوة (مز 7:84). وصرخ إلى الله: "أما أنت يا رب فمتعالٍ إلى الأبد". (مز 8:92). بذلك يتضح أن الشخص الذي يجرى نحو الله يصبح أعظم كلما ارتقى إلى أعلى وينمو باستمرار في الخير حسب مستواه في الارتفاع. ويحدث هذا في جميع العصور والله هو الأعظم ارتفاعًا الآن وإلى الأبد ويظهر باستمرار هكذا لمن يقتربون منه فهو أعلى وأسمى من قدرات كل من يرتفعون.
القديس غريغوريوس النيسي
+ لكن ماذا تعني عبارة: "لأننا نسعى وراء أفكارنا (شرورنا)"؟ إن الذين بدأوا بوضع أياديهم على المحراث وكذلك امتدوا إلى ما هو قدام لكي يزرعوا ونسوا ما هو وراء، بهذا أعطوا ظهرهم للأعمال الشريرة. لكن إذا وضع أحد يده على المحراث ونظر إلى الوراء فإنه في هذه الحالة يسعى وراء شروره، لأنه يسعى مرة أخرى إلى الأشياء التي كان قد تحول عنها، ويجئ مسرعًا إلى الخطايا التي تركها.
كل الذين بعدما سمعوا دعوة الرب للتوبة تحولت حياتهم إلى الفساد، سواء كانوا مسيحيين قد تركوا الحياة الوثنية، أو مؤمنين قد تقدموا في الإيمان، ثم بعد ذلك سقطوا ورفضوا التوبة، فإنهم لن يستطيعوا أن يقولوا سوى تلك الكلمات: "لأننا نسعى وراء أفكارنا وكل واحدٍ يعمل حسب عناد قلبه الردئ".
+ الإنسان البار ينسى ما هو وراء ويمتد إلى ما هو قدام؛ أما الإنسان الذي يوجد في وضع مضاد للإنسان البار، فإنه سوف يتذكر ما هو وراء، ولن يمتد إلى ما هو قدام. بتذكره لما هو وراء يرفض سماع السيد المسيح القائل: "فلا يرجع إلى الوراء ليأخذ ثوبه"؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: "تذكروا امرأة لوط"؛ يرفض سماع السيد المسيح القائل: "إن الذي يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء لا يصلح لملكوت الله". وفي العهد القديم مكتوب أيضًا أن الملائكة قالوا للوط بعد خروجه من سدوم: "لا تنظر إلى ورائك ولا تقف في كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك" (تك 19: 17): "لا تنظر إلى ورائك" امتد دائمًا إلى ما هو قدام؛ لقد تركت سدوم، فلا تنظر إذًا إليها، لقد تركت الشر والخطية فلا تعود بنظرك إليهما؛ "ولا تقف في كل الدائرة". فإنه حتى إذا أطعت الأمر الأول "لا تنظر إلى ورائك"، هذا غير كافِ لإنقاذك إن لم تطَع الأمر الثاني أيضًا: "ولا تقف في كل الدائرة".
إن بدأنا التقدم والنمو الروحي، يجب علينا ألا نتوقف في حدود دائرة سدوم، بل نتخطى تلك الحدود ونهرب إلى الجبل. إذا أردت ألا تهلك مع أهل سدوم فلا تنظر أبدًا إلى ما هو وراء، ولا تقف في دائرة سدوم، ولا تذهب إلى أي مكان آخر سوى الجبل، لأنه هناك فقط يمكننا أن نخلص؛ الجبل هو ربنا يسوع الذي له المجد والقدرة إلى أبد الآبدين آمين.
العلامة أوريجينوس
+ بالحق كل الحياة البشرية تقوم هكذا، لا تقتنع بما قد عبر، ولا تقتات علي الماضي كما علي المستقبل. إذ كيف يكون الإنسان في حال أفضل لو أن معدته كانت ممتلئة بالأمس بينما لا يجد اليوم ما يشبع جوعه كما يليق؟ بنفس الطريقة فإن النفس لا تربح شيئًا بفضيلة الأمس ما لم يتبعها سلوك لائق اليوم.
القديس باسيليوس
"أسعى نحو الغرض، لأجل جعالة دعوة الله العُليا في المسيح يسوع" [14].
يرى الغرض بكل وضوح، وتوجد أمامه علامة في سباقه لا تنحرف عينا قلبه عنها. فمن أجل مكافأة دعوة الله له في المسيح يسوع لا يمكن للأحداث الزمنية بمباهجها أو أحزانها ولا الأرض بكل جمالها ومتاعبها أن تسحب قلب الرسول عن السماء، إذ ينعم بعربونها داخله، وهو يجري مع كل نسمة من نسمات عمره ويحمل معه كثيرين في الرب، ليجد الكل موضعًا في المسكن الأبدي.
سباقه هذا هو دعوة عليا (غل 4: 26؛ كو 3: 1)، دعوة سماوية (عب 3: 1). أما الجعالة فهي إكليل البرّ (1 كو 9: 24؛ 2 تي 8:4)، إكليل الحياة (1 بط 4:5)، إكليل مجد لا يفنى".
"أسعى نحو العلامة mark " وكما يقول آدم كلارك "أسعى نحو الخط"، هذا يشير إلى الخطوط البيضاء التي على أرضية الاستاد Stadium من نقطة الابتداء حتى موضع الهدف، الذي يليق بالذين يركضون أن يثبتوا أنظارهم عليها، فإذا خرج أحدهم عن الخط يحسب جريه لاغيًا وغير قانوني، وذلك كي لا يتجمهروا في الطريق بل يلتزم كل منهم أن يسلك في حدود الخطين الموضوعين له.
"أسعى نحو الغرض لأجعل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع". الغرض الذي أسعى نحوه هو المسيح. إن كان السيد المسيح نفسه هو الطريق وهو المكافأة، فإن المكافأة نفسها تدعوني للركوض كي أقتنيها. عندما قيل لديوغنيس Diogenes الكلبي (أحد الفلاسفة اليونانيين يؤمنون بأن الفضيلة هي ضبط النفس): "لقد صرت شيخًا مسنًا فلتسترح من أتعابك" أجاب: "إن كنت قد ركضت في الميدان كل هذا الزمان فهل أتلكأ في السير وقد اقتربت من النهاية، أما يليق بي أن أسرع إلى الأمام بالأكثر؟"
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي تعبير "في المسيح يسوع"، موضحًا تواضع الرسول بولس، فهو يعلم يقينًا أن المكافأة هي في السماء حيث البهاء، والتي لن نبلغها إلا في المسيح يسوع.
+ هذا الألم المؤقت البسيط سيتحول إلى مكافأة كرامة بهية أبدية.
الشهيد كبريانوس
+ رقص بولس روحيًا عندما امتد إلى قدام من أجلنا ونسي ما هو وراء، واضعًا هدفه قدامه، مناشدًا نوال مكافأة المسيح... هذا الرقص يصحبه الإيمان وترافقه النعمة.
القديس أمبروسيوس
+ كان يركض على الأرض، والمكافأة متدليّة من السماء. إذن ركض على الأرض، وبالروح صعد. انظروا فإنه يبسط نفسه إلى خارج، انظروا إنه متعلّق بالمكافأة.
القديس أغسطينوس
+ إن كنتَ تنحني إلى أسفل تسقط وتصير خائرًا. تتطلع إلى فوق حيث توجد المكافأة، فإن رؤية المكافأة تزيد من عزيمة إرادتك. الرجاء في نوال المكافأة يجعلك لا تشعر بالأتعاب، وتجعل المسافة قصيرة. وما هي هذه المكافأة؟ ليست إكليل سعف، فماذا هي؟ ملكوت السماوات، الراحة الأبدية، المجد مع المسيح، الميراث، الأخوة، ربوات الأشياء التي لا يمكن تسميتها. إنه يستحيل وصف جمال المكافأة. من ينالها هو وحده يدركها ويتقبلها. إنما هي ليست من ذهب، ولا مرصعة بالجواهر. إنها أثمن بكثير. يُحسب الذهب وحلاً إن قورن بتلك المكافأة. وتُحسب الحجارة الكريمة قرميدًا إن قورنت بجمالها. إن كان لك هذه المكافأة وأخذت طريق رحيلك إلى السماء تستطيع أن تسير هناك بكرامة عظيمة. الملائكة تكرمك حين تحمل المكافأة، وستلتصق بهم بكل ثقة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فليفتكر هذا جميع الكاملين منّا، وإن افتكرتم شيئًا بخلافه، فالله سيُعلن لكم هذا أيضًا" [15].
هذا الأمر يتفق فيه جميع المؤمنين الحقيقيين الذين بلغوا الكمال، أو النضوج، ولم يعودوا بعد أطفالاً في حياتهم الروحية وسلوكهم المسيحي (1 كو 14: 20) والذين لا يثقون بعد في الجسد. هؤلاء قد وضعوا قلوبهم على الحياة الأبدية، إنهم يسلكون حسب قوانين السباق (2 تي 5:2)، فيتمتعون بالنصرة الكاملة والإكليل الأبدي.
هكذا يليق أن نقتدي بهم، ونسلك على منوالهم فنركض قانونيًا كأناس مجاهدين ناضجين، فلا نكون أطفالاً في الفهم بل رجالاً لنا خبرة عميقة (1 كو 6:2)، ننطق بالحكمة بين الكاملين، الناضجين في المعرفة المسيحية، حتى نبلغ الإنسان الكامل (أف 13:4)، نبلغ إلى النضوج المسيحي (عب 15:5).
"فليفتكر هذا"... ذكرت في الرسالة نحو عشر مرات, وعدد عشرة يعبر عن الكمال وأيضا المسئولية. مسئوليتنا أن يكون لنا الفكر الصحيح، فكر المسيح.
"جميع الكاملين فينا" المقصود بالكاملين هنا هم الناضجون روحيًا، الذين يجتهدون لكي يصلوا إلى حياة الكمال، وقد تعدوا مرحلة الطفولة الروحية.
"وإن افتكرتم شيئا بخلافه" لو انشغلتم بأمور أخرى ليست شريرة ولكنها تعطلكم في السباق الروحي، فماذا يكون الحل؟
"فالله سيعلن لكم هذا": فإن الله سيعلن لكم الحق بروحه الساكن فيكم.
+ أي شيء هو "هذا"؟ إنه يلزمنا أن ننسي ما هو وراء. لذلك فإن من هو كامل لا يحسب نفسه كاملاً...
"الله سيُعلن لكم": أنظروا كيف ينطق بهذا التواضع! الله سيعلمكم، أي يحثكم وليس يعلمكم، لأن بولس يعلم، لكن الله يقودهم. وهو لم يقل "سيقودكم" بل "سيعلن لكم" كمن يُعلن لهم خلال جهلهم. نطق بهذا ليس بخصوص التعاليم (العقائد)، وإنما بخصوص كمال الحياة وعدم ظننا في أنفسنا أننا كاملون، لأن من يحسب نفسه أنه يدرك كل شيء لا يقتني شيئًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال.
القديس أغسطينوس
"وأمّا ما قد أدركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه، ونفتكر ذلك عينه" [16].
لقد خشي الرسول على نفسه كما عليهم أنهم بعد أن قطعوا شوطًا ضخمًا في الركوض يفقدون ما تمتعوا به بعد استمراريتهم في ذات قوانين الركوض والسباق، فينحرفوا عن الخط الأبيض الموضوع لهم. فيليق بهم أن يفتكروا في هذا الخط وتتركز أنظارهم على المكافأة المجيدة المقدمة من الله بالمسيح يسوع.
"وأما ما قد أدركناه"، أي ما قطعناه من مشوار الحياة الروحية... ما سلكنا فيه في أمور روحية... وما وصلنا إليه بصعوبة بالغة، فلنحرص عليه.
"فلنسلك بحسب ذلك القانون"، أي لنسير جميعًا في درب الملكوت في صفوف منتظمة يحكمنا قانون السلوك الروحي، قانون الجهاد الروحي.
"ونفتكر ذلك عينه": نسير أيضًا بنفس الفكر حتى يكون لنا الفكر الواحد في الجهاد الروحي, كل حسب قامته، وكل حسب جهده.
+ يقول: لنتمسك بما نجحنا في نواله: الحب والاتفاق والسلام... انظروا فإنه يود أن يجعل من وصاياه قانونًا لنا، والقانون لا يُضاف إليه شيء ولا يُنقص منه، لأن هذا يفسد كقانون. "بحسب ذلك القانون عينه"، أي بذات الإيمان وفي داخل حدوده.
القديس يوحنا الذهبي الفم
3. المكافأة: مواطنة سماوية!
"كونوا متمثّلين بي معًا أيها الاخوة، ولاحظوا الذين يسيرون هكذا كما نحن عندكم قدوة" [17].
يحسب الرسول نفسه أنه هو الخط الأبيض في أرضية السباق، فيلزمهم جميعًا أن يركضوا معًا في حدود الخط، مقتدين به وبالخدام الذين معه مثل تيموثاوس وأبفرودتس. قدم نفسه والخدام الأمناء أمثلة حية وقدوة [16]. الآن يحذرهم من المعلمين الكذبة الأشرار [18-19]. إنهم يحملون اسم المسيح لكنهم أعداء صليبه. ما يشغلهم هو التهود والتبرير بالطقوس اللاوية، لا بذبيحة المسيح. في تعاليمهم يؤمنون بالصليب، لكن في حياتهم يرفضونه ويقاومونه.
"كونوا متمثلين بي": نافسوا بعضكم بعضًا في الإقتداء بالرسول بولس, لماذا؟
أ- يود أن يوجه أنظارهم إلى المبادئ الروحية التي يكرز بها, ولاسيما إن الإنجيل لم يكن قد كُتب بعد، لذلك يضع الرسول أمامهم الأناجيل المُعاشة المقروءة، متمثلة فيه هو والقادة الروحانيين.
2- لأنه هو شخصيًا يتمثل بالمسيح.
"لاحظوا الذين يسلكون هكذا كما نحن": توجد أمور روحية يجب أن نلاحظها جيدًا ونتأملها, وتوجد أمور جسدية يجب أن نغض النظر عنها. هذه تبني وتلك تهدم. وهنا غيَّر بولس الحديث عن نفسه إلى الحديث عن المجموعة، وكذلك غيَّر الرسول الصورة الإستعارية من صورة السباق إلى صورة المسيرة.
+ قال قبلاً: "احذروا الكلاب"، إذ أراد أن يقودهم بعيدًا عنهم، الآن يحضرهم إلى أولئك الذين يود أن يتمثلوا بهم. إنه يقول: إن أراد أحد ان يتمثل بي، إن رغب أحد في أن يسلك ذات الطريق أن يلتفت إليَّ. فإني وإن كنت غير حاضر، لكنكم تعرفون أسلوب طريقي، أي سلوكي في الحياة. فإنه لم يعلمهم فقط بالكلمات، وإنما أيضًا بالأعمال. وكما في خورس (الموسيقي) وفي الجيش يلزم أن يتمثلوا بالقائد فيتقدموا. كان الرسل مثالاً يُحفظ في شكل نموذجي. لاحظوا كيف كانت حياتهم دقيقة، فيُحسبون نموذجًا ومثالاً وكقوانين حية. ما قالوه في كتاباتهم أعلنوه للكل بأعمالهم. هذا هو أفضل وسائل التعليم، بهذا يقدر المعلم أن يحمل تلميذه. أما إن تحدث كفيلسوف، بينما في تصرفاته يسلك في اتجاه مضاد، فلا يحسب بعد معلمًا. فالفلسفة النظرية سهلة حتى علي التلميذ، لكن الحاجة إلى التعليم والقيادة بالأعمال. هذا يجعل المعلم محترمًا ويهيئ التلميذ للخضوع بالطاعة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لأن كثيرين يسيرون ممّن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا، وهم أعداء صليب المسيح" [18].
العجيب أن السيد المسيح يعلن أن قطيعه صغير (لو 32:12)، بينما المعلمون الكذبة كثيرون. هؤلاء يذكرهم الرسول باكيًا بمرارة، حزنًا على هلاكهم، وفي مرارة من أجل خداعهم للبسطاء.
من هؤلاء الذين يذكرهم الرسول باكيًا؟
1- المتهودون... وكيف صاروا أعداء الصليب؟
أ- نادوا بضرورة الالتزام بأعمال الناموس ولا سيما الختان.
ب- يريدوا أن يقيموا حاجزًا بين اليهود والأمم.
2- الغنوسيون... وكيف صاروا أعداء الصليب؟
أ- اعتقدوا أن المادة شر وخطية, وبما أن الجسد مادي، فإنه سيظل في شره وخطيته.
ب- بما أن الجسد سيظل في شره، لذلك دعوا أتباعهم إلى ارتكاب كافة الخطايا والشرور والآثام وترك العنان للجسد.
ج- نادوا بأن الإنسان كما يجرب الفضيلة وحياة الصلاح يجب أن يجرب الرذيلة وحياة الخطية.
"الذين نهايتهم الهلاك الذين إلههم بطنهم، ومجدهم في خزيهم، الذين يفتكرون في الأرضيات" [19].
"نهايتهم الهلاك": يحزن الرسول بولس على هلاكهم الأبدي، وقد اتسموا بصفات خطيرة:
أ. "إلههم بطنهم": يقيمون من بطونهم آلهة يتعبدون لها، فلا يعيشون من أجل الأبدية، بل يشغلهم شبعهم ولذة الطعام. يفضلون شهوة الطعام على وصية الإنجيل، ويبحثون عن لذة المأكولات المختلفة ولا يشبعون، والمعتاد إن شيطان النهم يتبعه شيطان الزنا.
يرى العلامة أوريجينوس أن الإنسان في حاجة إلى ختان التذوق، حتى إذا أكل أو شرب، يأكل ويشرب لمجد الله (1 كو 31:10)، أما الإنسان غير المختون التذوق فإن إلهه بطنه، يكرس حياته للذة التذوق.
+ ما هو شكل ذي الأربعة أرجل؟ رأسه منحنية نحو الأرض، يتطلع نحو بطنه، ويطلب ما هو لها. أما أنت يا إنسان فرأسك تتجه إلى السماء، عيناك تنظران إلى فوق. لذلك عندما تحط من نفسك بشهوات الجسد، وتصير عبدًا لبطنك وإلى الأجزاء السفلية، تقترب من الحيوانات دون سبب، وتصير كواحدٍ منهم.
القديس باسيليوس الكبير
+ لأننا لا نعترف أنه يوجد إله آخر، فلا نفعل كالنهمين بالنسبة للبطن الذين آلهتهم بطونهم (أف 3: 19)، ولا كمحبي المال بالنسبة للفضة، ولا كالطامعين بالنسبة لعبادة الأوثان.
يجب علينا ألا نقيم إلهًا، ولا أن نؤله شيئًا من الذي يؤلهه الناس، ولكن لنا إله الذي هو فوق كل شيء، الله الذي هو "إله وأب واحد للكل، الذي علي الكل، وبالكل، وفي كلكم" (أف 4: 6).
وبما أن شغلنا الشاغل هو حب الله، إذ يربطنا الحب بالله، فسنقول: "ها قد أتينا إليك لأنك الرب إلهنا".
+ لذلك قال الرب لهم: "كما أنكم تركتموني وعبدتم آلهة غريبة في أرضكم، هكذا تعبدون الغرباء في أرض ليست لكم". أي أن كل إنسان يتخذ له إلهًا من أي شيء كان، فهو بذلك يعبد آلهة غريبة.
هل تُؤلّهِ المأكولات والمشروبات؟ فإن إلهك يكون بطنك (في 3: 19).
هل تحسب فضة هذا العالم وغناه خيرًا عظيمًا؟ إذًا المال هو إلهك، حيث قال عنه السيد المسيح أنه سيد الذين يحبون الفضة، حينما قال: "لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال، لا يقدر أحد أن يخدم سيدين" (لو 16: 12).
الذي يُقّدِر المال ويُعظِم الغنى حاسبًا أنه خير، والذي يُجلِس الأغنياء في صفوف الآلهة ويحتقر الفقراء، يؤله المال.
إذا كان يوجد في أرض الله، التي هي الكنيسة، أناس يعبدون آلهة غريبة بتأليههم لأشياء حقيرة، فسوف يطردون في أرض غريبة، وهناك في تلك الأرض الغريبة فليعبدوا آلهتهم التي كانوا يعبدوها وهم في داخل الكنيسة! فيُطرح الإنسان الجشع خارجًا، خارج الكنيسة! ويُطرح الإنسان النهم خارجًا، خارج الكنيسة!
سوف أقف هنا عند التفسير الرمزي، دون أن أتأمل كيف أن الله في عنايته، بعدما أقام شعبه عبادة في أرض غريبة (أرض الشيطان)، قام بطرده من أرضه الخاصة إلى الأرض التي كتب عنها: "اسمع يا إسرائيل. كيف صرت في أرض عدوّة؟ كيف حُسِبتَ ضمن الهابطين إلى الهاوية؟ أليس لأنك تركت الرب مصدر حياتك. لو كنت قد سلكت في طريق الرب لعشت في سلام إلى الأبد" (با 3: 9-13).
العلامة أوريجينوس
+ يحفظ جنس البشر بعمليّتين جسديّتين (الطعام والزواج)، يخضع لهما الحكيم والقدّيس كأمرين واجبين، وأما الجاهل فيندفع فيهما مقهورًا منقادًا بشهوته... كم من كثيرين يندفعون بشرَهٍ نحو أكلهم وشربهم ويجعلونهما كل حياتهم، كأنهم يعيشون لأجلهما. فبينما بالحق يأكل البشر فليعيشوا، إذا بهؤلاء يظنّون أنه يعيشون لكي يأكلوا. هؤلاء يمقتهم كل حكيم، وبخاصة الكتاب المقدس الذي يدين الشرهين والسكّيرين "الذين إلههم بطنهم" [19]. لا يدفعهم إلى المائدة حاجتهم للقوت بل شهوة الجسد، لذلك ينهمك هؤلاء في أكلهم وشربهم.
القديس أغسطينوس
+ ليس من إنسان تحت هذه السماء يتربى على هذه الممارسات (كثرة الأكل الترف) يمكن أن يصير حكيمًا، مهما كانت عبقريته الطبيعية جديرة بالإعجاب... إنه كمن يدفن عقله في بطنه... أولئك الناس إيمانهم في بطونهم.
القديس إكليمنضس السكندري
يرى القديس إكليمنضس السكندري أن مناداة أفلاطون بعدم المبالغة في الطعام تقوم على معرفته بما فعله داود النبي مع شعب إسرائيل حين قسم على جميع الشعب رجالاً ونساء رغيف خبز واحد وكأس خمر وقرص زبيب (2 صم 6: 17، 19).
ب. "مجدهم في خزيهم": مفاهيمهم خاطئة، فيرون في خزيهم وعارهم مجداً. يبررون الشر ويفتخرون به، ويفعلون الخطية ويتباهون بها متناسين أن الخطية عار.
+ يفتخر أناس بكونهم أبناء حكام، وبقدرتهم على إنزال بعض الكهنة من درجاتهم الكهنوتية، مثل هؤلاء يتعظمون ويتفخرون من أجل أمورٍ تافهةٍ لا طائل من ورائها، وبالتالي فإنه لا يوجد أدنى سبب لتعظمهم هذا. ويوجد من يفتخرون بأنهم يملكون سلطان إعدام الناس، ويفتخرون بأنهم قد حصلوا على ما يسمونه امتياز Promotion يمكنهم من الإطاحة برؤوس الناس: إن مجد هؤلاء الناس يكون في خزيهم (في 3: 19). وآخرون يفتخرون بغناهم، ليس الغنى الحقيقي، بل الغنى الأرضي... لا تستحق كل هذه الأشياء حتى أن توضع في الاعتبار، ولا يليق بنا أن نتفاخر بأي منها.
الأشياء التي تعطينا الحق في التعظم والتفاخر، هي أن نفتخر بأننا حكماء، أو أن نفتخر (بتعقّل) بأننا منذ عشر سنوات مثًلا لم نقترب من الملذات الجسدية والشهوات، أو لم نقترب منها منذ الطفولة؛ أو أيضًا حينما نفتخر بحمل القيود في أيدينا من أجل السيد المسيح، هذه أشياء تدعو للتفاخر عن حق، ولكن حتى هذه الأشياء أيضًا، فإذا حكَّمنا عقلنا بالحق، نجد أنه ليس لنا أن نتعظم أو نتفاخر بها.
كان لدى بولس الرسول ما يدعوه للتعظم بسبب الرؤى والإعلانات والمعجزات والعلامات وبسبب الآلام التي تحملها من أجل السيد المسيح، وبسبب الكنائس التي أقامها في أماكن كثيرة من العالم، في كل ذلك كان لديه ما يدعوه للتفاخر، وبحسب الأشياء الخارجية الظاهرة التي تدعو للفخر، كان سيبدو افتخار بولس الرسول شيئًا طبيعيًا بالنسبة للناس؛ ومع ذلك، وبما أنه من الخطر عليه أن يتفاخر، حتى بالنسبة لتلك الأشياء، فإن الآب في رحمته، كما أعطاه تلك الرؤى، أعطاه أيضًا على سبيل الرأفة به، ملاك الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع؛ ومن أجل هذا الموضوع تضرع بولس إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقه، فأجابه الله: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 7-9).
+ الذين يفتكرون في الأرضيات لا يسمحون بتأسيس الأمور الجديدة، ولا للأمور القديمة أن تُطهر.
+ نفوس الأبرار في يد الله (حك 1:3)، وأما الذين بين الأشرار فيحسبون كلا شيء.
العلامة أوريجينوس
ج. "يفتكرون في الأرضيات": ويتناسون أن محبة العالم عداوة لله. تنشغل أفكارهم دومًا بالماديات والأرضيات، لا موضع للروحيات والإلهيات في قلوبهم وأفكارهم. يعلق العلامة أوريجينوس علي وعد الله لإبراهيم: "وأكثر نسلك تكثيرًا كنجوم السماء، وكالرمل الذي علي البحر" (تك 17:22)، قائلاً بأن الكنيسة - نسل إبراهيم - تضم كثيرين يُقارنون بنجوم السماء في بهائهم الروحي. كما يوجد بها كثيرون يفكرون في الأرضيات (في 19:3)، وبسبب خطاياهم صاروا أثقل من رمل البحر.
+ ليس شيء مناقض وغريب عن شخص المسيحي مثل طلب الحياة سهلة والراحة. الاستغراق في الحياة الحاضرة غريب عن مهنتنا وتجندنا.
سيدك قد صُلب فهل تطلب الراحة؟
سيدك سُمر بالمسامير فهل تعيش في ترفٍ؟
هل هذه الأمور تقيم منك جنديًا شريفًا؟ لذلك يقول الرسول: "لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا، وهم أعداء المسيح". حيث وُجد البعض وقد تظاهروا بالمسيحية، وعاشوا في الطريق السهل والترف، وهذا مضاد للصليب. لهذا تكلم الرسول بهذا.
فالصليب يخص نفسًا في موقع معركة، تتوق أن تموت، لا تطلب شيئًا سهلاً...
هؤلاء وإن كانوا يقولون أنهم لا يزالوا للمسيح، إلا أنهم أعداء الصليب. فلو أنهم أحبوا الصليب لصارعوا كي يعيشوا الحياة المصلوبة.
أليس سيدك علي الصليب؟ لتقتدي به. أصلب نفسك ولو لم يصلبك أحد.
أصلب نفسك، لا بقتل نفسك، حاشًا، فإن هذا شر، بل كما قال بولس: "قد صُلب العالم لي، وأنا للعالم" (غل 14:6).
إن كنت تحب سيدك مُتْ موته!
تعلم عظمة قوة الصليب، وكم من الصالحات يحققها، وافعل هذه فهي أمان لحياتك.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فإن سيرتنا نحن هي في السماوات، التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح" [20].
"فإن سيرتنا" أو موطننا أو جنسيتنا هي في السماويات، فنحن على الأرض غرباء راحلون، فكيف نلتصق بالأرضيات؟ إن كانت الجنسية الرومانية في ذلك الحين لها تقديرها وامتيازاتها الخاصة (أع 28:22)، فكم تكون الجنسية السماوية. من حقوق المتمتع بهذه الجنسية أن عدو الخير لن يقدر أن يلحق بنا أو يتسلل إلينا.
+ "لأن العدو قد طارد نفسي" (مز 3:143)... كيف يمكننا أن نفلت من هذه المطاردة؟ إن وجدنا موضعًا لا يقدر (الشيطان) أن يدخله. تسأل: وما هو هذا الموضع؟ أي نوع هو هذا الموضع سوى السماء؟ ولكن كيف يمكنني أن أصعد إلى السماء؟ أصغِ إلى كلمات بولس التي تكشف عن هذا، وقد التصق بجسدٍ كما نحن، فنقدر أن نحيا هناك. "فكروا في ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" (راجع كو 1:3-2). وأيضًا: "طريق حياتنا يعبر في السماء" (راجع في 20:3).
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر. هناك تكون سيرتنا ولذّتنا وتمتّعنا بالخيرات الروحيّة.
+ رئيس الشرّ الذي هو نفسه الظلام الروحي - ظلام الخطية والموت - وهو ريح عاصف، وإن كان خفيًا، فإنه يهز كل جنس البشر على الأرض، ويقودهم بالأفكار القلقة الطائشة، ويغوي قلوب الناس بشهوات العالم، ويملأ كل نفسٍ بظلام الجهل والعمى والنسيان، ماعدا أولئك الذين وُلدوا من فوق، وانتقلوا بقلوبهم وعقولهم إلى عالم آخر كما هو مكتوب أن مدينتنا هي في السماوات.
+ بالرغم من أنّنا على الأرض فإن "مدينتنا هي في السماوات" [20]. إذ فيما يخص العقل والإنسان الباطن نصرف وقتنا ونقوم بأنشطتنا في ذاك العالم. وكما أن العين الظاهرة - عندما تكون صافية - ترى الشمس دائمًا بوضوحٍ، هكذا العقل المُطهر تمامًا ينظر دائمًا مجد نور المسيح، ويكون مع الرب ليلاً ونهارًا.
+ هذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم يجحد المسيحي هذا العالم ويؤمن بالرب بكل قلبه. في هذه الحالة تستطيع قوة الروح أن تجمع القلب المشتّت في الأرض كلها، وتأتي به غالبًا محبة الرب وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي.
القديس مقاريوس الكبير
+ من أراد بالحقيقة أن يكون تابعًا لله يلزمه أن يمزق القيود التي تربطه بهذه الحياة. هذا يتحقق بالعزل الكامل ونسيان العادات القديمة. فما لم ننتزع أنفسنا من كل من الرباطات الجسدية والمجتمع الزمني وننتقل كما إلى عالم آخر خلال سلوك حياتنا، وكما قال الرسول: "هدايتنا في السماء "، يستحيل تحقيق هدفنا نحو مسرة الله. وكما قال الرب بصورة دقيقة: "فكذلك كل واحدٍ منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذً (لو 14: 33). إذ نفعل هذا يلزمنا أن نلاحظ قلوبنا بكل يقظةٍ، ليس فقط أن نحذر لئلا نفقد فكر الله أو نلطخ ذكرى عجائبه بتخيلات باطلة، وإنما لكي نحمل أيضًا فكر الله المقدس مختومًا على نفوسنا، كختمٍ دائمٍ لا يُمحى، وذاكرة طاهرة.
+ الزهد هو حل رباطات هذه الحياة المادية الزائلة، وتحرر من الارتباطات البشرية حتى نهيئ أنفسنا بالأكثر لنكون على الطريق الذي يقود إلى الله. إنه الدافع الذي لا يُعاق لاقتناء بالخيرات النفيسة جدًا التي هي "أشهى من الذهب والحجارة الكريمة" (مز 19: 10) والتمتع بها. باختصار الزهد هو انتقال من القلب البشري إلى طريقة حياة سماوية، فيمكننا القول: "فإن هدايتنا نحن هي في السماوات". أيضًا إنه النقطة الرئيسية - هو الخطوة الأولى نحو التشبه بالمسيح، الذي وهو الغني افتقر لأجلنا (2 كو8: 9). فإن لم ننل هذا الشبه يستحيل علينا أن نبلغ طريق الحياة حسب إنجيل المسيح.
+ بينما نسحب جسدنا على الأرض مثل ظل، نحفظ نفوسنا في صحبة الأرواح السمائية.
القديس باسيليوس الكبير
+ "بابل كأس ذهب بيد الرب تُسكر كل الأرض" (إر 28: 7). إن أردت أن تعرف كيف أن كل الأرض أصبحت سكرى بفعل كأس بابل، أنظر إلى الخطاة الذين يملأون الأرض كلها. لكنك قد تقول لي أن الأبرار لم يسكروا من كأس الخطاة، فكيف يقول الكتاب أن كل الأرض تسكر من كأس بابل؟ لا تظن أن الكتاب لا يقول الصدق حينما يقول ذلك، لأن الأبرار في الواقع ليسوا أرضًا (ترابًا)، وبالتالي فإن كل الأرض فقط أي الخطاة وحدهم هم الذين يسكرون. أما الأبرار، فبالرغم من وجودهم على الأرض إلا أن سكناهم في السماوات (في 3: 20). بالتالي لا يليق أن يقال للإنسان البار: "أنت تراب (أرض) وإلى التراب تعود"، بل سيقول له الرب، طالما أن ذلك الإنسان يلبس صورة السماوي (1 كو 15: 49): "أنت سماء وإلى السماء تعود". لذلك فإن كأس بابل لن يسكر إلا الذين مازالوا أرضًا.
+ البار ليس أرضًا (إر 28:7). فإنه وإن كان على الأرض، لكن دولته السماء. فلا يسمع: "أنت أرض، وإلى أرض تعود" (تك 19:3) بل بالأكثر يسمع: "أنت سماء وإلى سماء تعود، لأنك تحمل صورة السماوي" (1 كو 49:15)، وتقف ثابتًا.
+ لتخرجوا من كل ما هو ليس مقدسًا ولا مكرسًا لله. نقول إننا نخرج لا من أماكن، بل من أفعال، ليس من أقاليم، بل من أساليب حياة. أخيرًا، نفس الكلمة التي تدعي "مقدس hagios" في اللغة اليونانية تعني أن الشيء خارج الأرض. لأن من يكرس نفسه لله يتأهل أن يظهر خارج الأرض وخارج العالم. يمكن لهذا الشخص أن يقول وهو سالك علي الأرض "لنا طريق حياة في السماء".
+ يُقال عن النفس التي تخطيء: "من شعب الأرض" لأن هذا القول لا ينطبق علي ذاك الذي يقول: "محادثتنا في السماء التي منها أيضًا تنتظر مخلصًا هو الرب يسوع"، لذلك كيف يمكنني بحق أن أدعو هذه النفس: "من شعب الأرض" هذه التي ليس لها شركة مع الأرض، بل هي بالكامل في السماء، تقطن فيها حيث المسيح جالس عن يمين الله (كو 1:3). والتي تشتهي العودة لتكون مع المسيح. فإن هذا أفضل، لكنها تلزم أن تبقي في الجسد لحسابنًا.
العلامة أوريجينوس
+ قلوب المؤمنين هي سماء، يرفعونها يوميًا إلى هناك عندما يقول الكاهن: "ارفعوا قلوبكم"، فيجيبون: "رفعناها عند الرب". وبكلمات الرسول: "مواطنتنا هي في السماء". إن كانت مواطنة المؤمنين هي في السماء، فإنه إذ تكون فيهم المحبة الحقيقية، فإن جذر المحبة يُغرس في السماء. علي النقيض فإن جذر الطمع الذي في قلوب المتكبرين مغروس في جهنم، لأن هؤلاء يطلبون دومًا المقتنيات الأرضية، ويميلون إليها، ويحبونها، ويضعون كل رجائهم في الأرض.
الأب قيصريوس أسقف أرل
"الذي سيغيّر شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده، بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيء" [21].
لقد سبقنا الرأس السماوي وقد حمل طبيعتنا فيه، هذه التي تقدست وتمجدت بقيامته وتهيأت للسماء، حتى إذ نحمل صورة جسد مجده نعبر به ومعه إلى موطننا السماوي. هذا ما يتحقق في يوم الرب العظيم، حيث نقوم بأجساد على صورة جسد المسيح القائم من الأموات. فكما لبسنا صورة آدم الترابي سنلبس صورة آدم الروحاني، فننعم بالجسد الروحاني (1 كو 15: 42-44). الآن ننال القيامة الروحية لنفوسنا كعربون لقيامة الجسد (رو 11:8).
"سيغير"... هذا يذكرنا بجسد السيد المسيح الذي تغير على جبل طابور.
"جسد تواضعنا"... المسيحية لا تحتقر الجسد بل كرمت الجسد جدًا, فبعد تجسد كلمة الله نال الجسد كرامة ما بعدها كرامة. الجسد شريك للروح في رحلة العمر والجهاد لذلك سيشاركها في المجد. لكن لماذا يدعوه الإنجيل جسد تواضعنا؟ لأنه يتعرض للضعف والمرض والسقوط.
"ليكون على صورة مجده"... سيتغير جسد تواضعنا ليصبح مثل جسد المسيح بعد القيامة الذي خرج من القبر وهو مغلق.
"بحسب عمل استطاعته"... إنه يستطيع هذا فقد قام من بين الأموات بذاته وفي اليوم الأخير يقيمنا.
في حديث القديس هيلاري أسقف بواتييه عن الثالوث القدوس يشير إلى هذه العبارة: "يخضع لنفسه كل شيء"، موضحًا أنه يُخضع العدو إبليس تحت قدميه، ويخضع الموت حيث يهب الخلود نازعًا سلطان الموت، كما يخضع الطبيعة البشرية فيبطلها لا ليفني الإنسان بل لكي ما تُبتلع طبيعته في طبيعة جديدة مجيدة.
+ في خضوع أعدائه ينهزم الموت، وإذ ينهزم الموت يتبعه الخلود. يخبرنا الرسول هنا أيضًا عن مكافأة خاصة تُوهب خلال هذا الخضوع، إذ يتحقق خضوع بخضوع الإيمان. إذن يوجد خضوع آخر يحقق التحول من طبيعة إلى طبيعة أخري. إذ تبطل طبيعتنا من جهة حالها الذي نحن عليه الآن، وتخضع له فتصير علي شاكلته. بالإبطال لا يعني نهاية وجودها، وإنما تقدمها إلى حالٍ أسمى، هكذا تدمج في صورة الطبيعة الأخرى التي تنالها، فتخضع لشكلٍ جديدٍ... إننا نخضع لمجد قانون جسده.
القديس هيلاري أسقف بواتييه
+ يقول "جسد تواضعنا"، لأنه الآن متواضع، خاضع للهلاك وللألم، ويبدو كما بلا قيمة، ليس فيه شيء أسمى من الحيوانات الأخرى. "ليكون علي صورة جسد مجده".
ما هذا؟ هل سيشكل جسدنا علي مثاله، ذاك الجالس عن يمين الآب، والمسجود له من الملائكة، والذي تقف أمامه القوات غير المتجسدة، ذاك الذي أعلى من كل نظام وسلطان وقدرة؟
ألا يستحق النحيب، إذ يبكي العالم كله وينتحب الذين سقطوا من هذا الرجاء؟ فإنه إذ أعطي الرجاء في جسدنا أن يصير على مثاله لا يزال يسير مع الشياطين؟ لست أبالي بجهنم هناك، فمهما قيل عنها فإن السقوط من مجدٍ عظيمٍ هكذا الآن وفيما بعد تحسب جهنم كلا شيء بالنسبة لهذا السقوط.
+ "بحسب استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شيءٍ". يقول أن لديه استطاعة أن يخضع كل الأشياء لنفسه، حتى الدمار والموت... لقد أظهر أعمالاً أعظم لسطانه لكي تؤمن بها أيضًا... رجاؤنا هذا (أي التمتع بصورة مجده) فيه الكفاية أن يقيمنا من بلادتنا العظيمة وخمولنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ كل الذين يأتون إليه ويرغبون في أن يصيروا شركاء في الصورة الروحية بتقدمهم يتجددون كل يوم في الإنسان الداخلي (2 كو 16:4)، ذلك حسب صورة خالقهم، حتى يصيروا علي شبه جسد مجده، ولكن كل واحد حسب قدراته.
العلامة أوريجينوس
من وحي فيلبي 3
أنت هو ينبوع فرحي!
+ في وسط آلامي أراك حاملاً الصليب.
فتتهلل نفسي لشركة آلامك .
وفي خدمتي لإخوتي أراك خادم الجميع.
فأشتهي أن أُبذل معك بكل سرور.
+ أنت هو ينبوع فرحي.
أعبدك، لا في شكليات باطلة،
بل بالروح والحق أثبت فيك وأنت فيٌ.
تجدد طبيعتي بروحك القدوس،
فأحمل دومًا طبيعة مفرحة.
أجد فيك كفايتي.
وبك أتبرر أمام الله أبيك!
+ تتهلل نفسي أن تفيض عليٌ بمعرفة أسرارك.
وتدخل بي إلى حجالك.
اختبر وسط الآلام قوة قيامتك.
وترفع نفسي كما إلى سماواتك.
هناك احتمي فيك،
فلن يقدر العدو أن يتسلل إليٌ!
ولا تقدر فخاخه أن تصطادني.
+ حولت حياتي إلى سباقٍ مفرحٍ.
أنسى علي الدوام ما مضى،
مشتهيًا أن أبلغ إليك بروح النصرة.
أنت إكليلي ونصرتي الأبدية.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الأصحاح الثالث
آية (1):- " 1أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي افْرَحُوا فِي الرَّبِّ. كِتَابَةُ هذِهِ الأُمُورِ إِلَيْكُمْ لَيْسَتْ عَلَيَّ ثَقِيلَةً، وَأَمَّا لَكُمْ فَهِيَ مُؤَمِّنَةٌ. "
أخيراً: الأصل اليونانى " أما بالنسبة لما بقى من الكلام" أى أن الجزء السابق أو الحديث السابق قد انتهى وسيبدأ حديث فى موضوع جديد هو تعاليم المتهودين الذين يعلَّمون بضرورة الختان، وباقى الطقوس اليهودية كأمر ضرورى للخلاص. والرسول لا يعتبر أن تحذيراته فى هذا الخصوص هى ثقيلة عليه أو تسبب له ضيقاً لأنها تُؤمَّنْ من يسمعها من الانزلاق فى الخطأ. وهى ليست ثقيلة عليه لثقته فيهم ومعرفته لأخبارهم. وهذا عكس ما قاله فى رسالته لغلاطية ولكورنثوس، حين قال" من حزن كثير ومرارة قلب كتبت لكم"، وهى ليست ثقيلة لأنه مسرور بهم. وقوله إنها ليست ثقيلة لأنه طالما نبههم إلى خطورتها وهو معهم فى فيليبى ولكنه مضطر الآن أن يكتب لهم لخطورة الأمر. إفرحوا: الفرح يعطى قوة (نح10:8). أماّ الفشل والغم فلا يليقا بأولاد الله، لأن إبليس يصطاد مثل هذه النفوس المغمومة:
1. ليشككها فى محبة الله.
2. ليغريها بأن تتعزى بخطايا العالم وملذاته.
ولنرى كيف أن بولس وسيلا كانا يسبحان فى السجن. لو كتب بولس لهم عن الفرح وهو لا يعانى من السجن لما صدقوه وهم فى آلامهم وهناك اضطهاد واقع عليهم، لكنه يكتب لهم كمختبر. والفرح هو لمن يثبت فى الرب (فى4:4)، بل لا يمكن أن يجتمع الألم والفرح إلاّ فى الرب، فالرب وحده هو القادر أن يحوّل الضيق الداخلى الناشئ من الألم إلى فرح داخلى. هذه الرسالة هى رسالة الفرح لذلك يذكرهم بالفرح الذى يريد الرب أن يعطيه لهم، وفى هذا تحذير أن من يرتد وراء الآخرين سيفقد هذا الفرح.
إفرحوا: هنا بولس يعطى أمراً بأن نفرح والمقصود أن اكتشفوا أن الله قادر أن يعطيكم الفرح من خلال العلاقة الشخصية فى المخدع واكتشاف شخص الله الذى يعطى الفرح الحقيقى الذى ينتصر على أى الم. من اكتشف هذا الفرح لا تهزمه تجربة ولا يصاب باكتئاب أو حزن. ومن لم يكتشف طريق الفرح هذا، إن أصابته تجربة مؤلمة، يصطدم مع الله ويكتئب بل هناك من يرفضون التعزية والفرح. وكيف يعطى الله تعزية وفرح لمن لا يريد ومن هم هكذا يصبحون صيداً سهلاً لإبليس والمسيح يحزن جداً على هؤلاء المكتئبين، بعد كل ما صنعه من فداء وانه جعلهم أبناء الله وأعد لهم مكاناً فى السماء وان كل الأمور لخيرهم ليصلوا إلى هذا المكان المعد، فلماذا يكتئبون؟ السبب هو الشك فى محبة المسيح لهم وان ما يسمح به هو للخير. ومن يحيا فى فرح يحيا فى صحة جسدية ونفسية ويحيا فى قوة.
آية (2):- " 2اُنْظُرُوا الْكِلاَبَ. انْظُرُوا فَعَلَةَ الشَّرِّ. انْظُرُوا الْقَطْعَ. "
انظروا: معناه احذروا واحترسوا وافتحوا عيونكم.
الكلاب = هناك كلمتين بمعنى كلاب:
1. الكلاب المدلّلة وهذه تكون مدلّلة فى البيوت. واستخدم رب المجد هذه الكلمة فى حديثه مع المرأة (مت26:15).
2. الكلاب الجربانة الضالة التى تجرى فى الشوارع مُهْمَلَةْ. وهذه هى الكلمة المستخدمة هنا. وهذه الكلمة استخدمها اليهود واليونانيين ككلمة توبيخ، ويقصد بها الرسول توبيخ المعلمين الكذبة من المتهودين، الذين تمسكوا بالتعاليم اليهودية وحرموا أنفسهم من الشبع بالنعمة فى إنجيل الخلاص، وهؤلاء أرادوا اعتبار المسيحية طائفة يهودية، وعلموا بأن الأمم لكى يصيروا مسيحيين عليهم أن يدخلوا من باب اليهودية أولاً. وأسماهم الرسول كلاباً:
1. فهم نبحوا ضد بولس عندما قاومهم، ككلاب مسعورة، بل نبحوا ضد كل من عَلَّم تعليماً صحيحاً. وشبههم بالكلاب فى محاولتهم عض ومهاجمة خدام المسيح الحقيقيين. وهكذا وصف المسيح هيرودس بالثعلب.
2. هم ينهشون جسم المسيح (الكنيسة) ليخطفوا ما يستطيعون اختطافه من المؤمنين.
3. الكلب رمز للنجاسة فى العهد القديم (تث18:23). لأنه يأكل من الزبالة والقذارة. ولذلك أطلق اليهود على الأمم لفظ كلاب لوثنيتهم ونجاستهم التى يحيون فيها، وبهذا فهم منفصلين عن شعب الله وعن الله. ودارت الأيام وها هو بولس كممثل لكنيسة الأمم يرد لهم الاسم فهم أولى به بسبب انفصالهم الآن عن الكنيسة شعب الله وعن النعمة. ولا سبيل للطهارة من النجاسة الا بدم المسيح ، وهم رافضين الايمان بالمسيح ، ولذلك فنجاستهم باقية . ولذلك قال عنهم الرسول انهم كلاب .
4. الكلب منتقم ينهش من الخلف، وهذا ما يفعلونه باضطهادهم لخدام المسيح.
فعلة الشر: هم المتهودين الذين يريدون إفساد التعليم الصحيح وخطف أولاد الله، هم ضد الإنجيل ويشوهون تعاليمه ويضلّلون المؤمنين عن الحق الإلهى الصحيح.
القطع: معنى الكلمة الذين يقطعون أجزاء من أجسادهم، وهى إشارة لأنهم يعلّمون بالختان الجسدى كطريق للخلاص بدلاً من الختان الروحى الذى هو من صميم عمل النعمة فى العهد الجديد. ونادى به أنبياء العهد القديم (لا41:26) + (تث16:10 +6:30) + (إر10:6). والكلمة قد تشير إلى أن هؤلاء بتعاليمهم المنحرفة قد قطعوا أنفسهم من شركة جسد الكنيسة.
آية (3):- " 3لأَنَّنَا نَحْنُ الْخِتَانَ، الَّذِينَ نَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَدِ. "
لأننا نحن الختان = لماذا هم كلاب؟ لماذا هم قطع؟ لأنهم قطعوا أنفسهم عنا نحن كنيسة المسيح المختونين روحياً أى ختان القلب بالروح (رو29:2، 13:8). فالقلب يحب الأقارب مثلاً ولكنه يحب الخطية أيضاً ولكن الروح القدس يعين من يميت أعمال الجسد، فمن يقف ميتاً أمام الخطية يعينه الروح القدس وبولس هنا يقول أيهما له قيمة أكبر: أن يقطع إنساناً جزء من جسده بيد إنسان أو أن الروح القدس يميت حب الخطية من داخلى.
نحن نعبد الله بالروح: العبادة بالروح (رو9:1) هى التى أشار إليها السيد المسيح للسامرية (يو24،23:4). وهذه العبادة بالروح يشترك فيها كل من آمن بالمسيح من اليهود والأمم الذين صاروا من شعب الله.
هناك عبادة بالجسد أى ما كان يمارسه اليهود. يصوم ويصلى ويطالب الله بالأجر (ومازال هناك من المسيحين من يفكر كاليهود فيقول أنا صمت وصليت فلماذا يسمح الله لى بهذه التجربة) وهناك من يدخل فى منافسات من يصوم مدة أطول ليطالب بثمن أكبر. هذا ما يسمى البر الذاتى.
وهناك عبادة نفسانية أى من يصلى إذا وُجد جو مشجع كاجتماع صلاة. أى طالما وُجِدَت قوة دفع يصلى، وإذا لم توجد لا يصلى. مثل هؤلاء يصلون القداس ثم لا يصلون فى مخادعهم لأنهم صلوا في القداس.
أما العبادة بالروح هى أن يقودنى الروح
ولكن هناك سؤال هل الصوم عبادة بالروح أم الجسد مع أن الصوم يقوم به الجسد وهكذا المطانيات هل هى بالجسد أم بالروح. هناك صوم ومطانيات بالروح وصوم ومطانيات بالجسد. الصوم بالروح هو أن الروح القدس يخاطب الروح الإنسانية ويقنعها بما يمليه عليها الروح القدس. والجسد ينقاد لما أملاه الروح القدس على الروح الإنسانية (وهكذا فى المطانيات) وهنا نجد أن الروح القدس أقنع الإنسان بهذه العبادة بأن يبكته على خطاياه ويقنعه بالانسحاق (يصوم ويصلى ويسجد). أو الروح القدس يذكر الإنسان بأن المسيح صلب من أجله ويقنعه قائلاً ألا تترك أكل تحبه لأجل المسيح. هنا يصوم الإنسان ويصلى وينسحق عن اقتناع دون طلب ثمن من الله. هنا لو أتت تجربة على الإنسان ينسحق بالأكثر ويقول هذه بسبب خطاياى، أنا أستحق. هذه العبادة بالروح تجعلنى أقترب بسهولة من الله لذلك حصلت المرأة الخاطئة على الخلاص ولم يحصل عليه الفريسى المتكبر.
أما العبادة بالجسد فهى نوع من إحساس الإنسان بأنه يداين الله بعبادته. ولكن من يداين الله سريعاً ما يدين الله مثل الفريسى الذى قال عن المسيح " لو كان هذا نبياً..".
هذه العبادة بالجسد هى ما أسماه بولس البر الذى بالناموس أى العبادة الجسدية ولكن هناك البر الذى بالمسيح. وهنا المسيح هو الذى فعل كل شئ. أما البر الذى بالناموس ففيه أننى أنا الذى أفعل كل شئ.
ولكن هل معنى أن المسيح هو الذى فعل كل شىء أننى لا عمل لى ولا جهاد لى؟
حل هذه المعادلة كان فى قول المسيح: " إذا فعلتم كل البر فقولوا أننا عبيد بطالون"، ومن يضع فى نفسه أنه عبد بطال كيف يدين الله إن أتت عليه تجربة ويقول لماذا سمحت يارب بكذا أو كذا.... هو سيقول لأجل خطيتى.
المسيح تمم الخلاص ولكن حتى أستفيد بهذا الخلاص.
1. أتمم خلاصى بخوف ورعدة فى جهاد مستمر.
2. أقول دائماً إننى عبد باطل.
لذلك ينقسم المؤمنين إلى فئتين:
1. المجموعة الأولى تشعر بخيرات الله عليها وأن خيراته هى بلا حدود وتنسب الآلام لخطاياها. هذه الفئة هى من تعبد الله بالروح.
2. المجموعة الثانية تنسب الخير لذكائها وتنسب الآلام والشرور لله وهذه الفئة هى من تعبد الجسد.
الفئة الأولى تنسحق أمام الله، فيتعامل معها الروح وتعبد الله بالروح والفئة الثانية كبريائها أعماها فما عادت تعرف كيف تسمع صوت الله وما عادت تستطيع أن ترى يد الله.
المنسحق يفتح الروح القدس عينيه على محبة الله الذى نقشنى على كفه، الذى يحملنى على يده ويدللنى على ركبتيه فيقبل منه كل الأمور فى محبة واثقاً فى محبته. (إش 12:66).
ولاحظ ان بولس الرسول مع كل خدماته يقول: " بعد ما كرزت لآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً". هو فى داخل نفسه يشعر أنه عبد بطال ويقول عن نفسه أنه أول الخطاة والكنيسة تعلمنا أن نصلى دائماً كخطاة لا نستحق شىء قائلين يارب ارحم. أما المتكبر الذى يثق فى نفسه وأعماله إن أتت عليه تجربة تجده يلوم الله، ويقول لماذا يارب.
العبادة بالروح:
ماذا يأخذ من يعبد بالروح؟
1. الروح يشفع فيه أى يجعله مقبولاً أمام الرب (رو26:8). فالمسيح يشفع فينا شفاعة كفارية أمام الآب أى يغطينا بدمه فنصير مقبولين أمام الآب. فبدون دم المسيح نفتضح وتظهر خطايانا فلا نكون مقبولين أمام الآب.
2. فماذا تعنى شفاعة الروح القدس؟ قد يطلب الإنسان طلباً لا يرضى عنه الله، مثلاً شفاءً جسدياً، كما طلب بولس، ويصر هذا الإنسان على طلبه فيكون معانداً لإرادة الله. وهنا يتدخل الروح القدس مع من يعبد بالروح ويقنعه أن هذا ضد إرادة الله، ويستجيب ويصرخ "لتكن مشيئتك" ويصير بهذا مقبولاً لدى الآب. وهذا ما حدث مع بولس إذ سمع أن شفاءه سيكون سبباً فى هلاكه إذ سيرتفع من فرط الإعلانات (2كو11).
3. الروح القدس يُصوَّر لنا من هو المسيح وكيف أحبنا حباً متناهياً. وقد لا نجد كلمات نعّبر بها عن حبنا للمسيح وشكرنا له فنصرخ بأنات للتعبير عن حالتنا هذه .
4. (رو26:8). إذ لا نجد كلمات تعّبر عما فى القلب. يذكرنا الروح القدس بكم صنع بنا الله وحفظنا وستر علينا وأعاننا ويُصوَّر لنا هذه المواقف وكم كنا معرضين لأخطار عظيمة لولا معونة الله. وهنا تخرج عبارة "أشكرك" من القلب وليس من الفم.
5. يُصوَّر لنا الروح القدس عظم خطيتنا وكم أهننا الله بها فنصرخ من القلب "إرحمنا" وليس من الفم.
6. الروح القدس يُصوَّر لنا أمجاد السماء (1كو9:2-12 + 1كو12:13). وكيف أن هذا سيكون مكاننا فنسبح الله من القلب على عظيم محبته ونشكره ونشتهى السماء.
7. الروح القدس يضع كلاماً على أفواه من يعبد بالروح (هو2:14، 3) ولكن هذا يستلزم أن نسكب بعض الوقت أثناء الصلاة وأن ننسحق أمام الله وأن نتغصب فنطيل صلواتنا نتكلم قليلاً ونسكت كثيراً لنسمع.
8. لذلك نصلى دائماً أن نمتلىء من الروح ونقول "روحك القدوس جدده فى أحشائنا" أى إملأنا من الروح وإجعله يعمل فينا ولا ينطفىء. فتكون لنا هذه العبادة الروحية. والروح نفسه لا ينطفىء فإلهنا نار آكلة (عب29:12) ولكن الإنسان الجسدانى لا يعود يسمع صوته مثال من يطفىء صوت الراديو لا يعود يسمع صوته مع أن الموجات الصوتية موجودة فى كل مكان ومتاحة.
نفتخر فى المسيح: شعب الله يفتخرون فى المسيح يسوع وليس بأعمال الجسد مثل الختان الجسدى أو البنوة لإبراهيم. وكلمة نفتخر فى أصلها اليونانى تحمل معنى فكر الفرح والمجد. فالعبادة بالروح تقود للفرح. لذلك فى العهد الجديد لم نسمع عن شخص قوى جسدياً ولا عن امرأة جميلة كما كنا نسمع كثيراً فى العهد القديم لأن القوة والجمال صارا في العهد الجديد فى شخص المسيح فقط. لقد صار المسيح هو فرحنا ومجدنا وابتهاجنا وفخرنا وقوتنا وجمالنا.
لا نتكل على الجسد: فى المفهوم المسيحى، الخلاص عمل يفوق إمكانيات البشر ويقوم به الله لأجل الإنسان. أماّ اليهود فهم يتصورون أن الخلاص هو عمل طبيعى يقوم به الإنسان تجاه الله لذلك فهم يتكلمون عن أعمال بشرية مثل الختان أو سائر الفروض الناموسية كوسائل للتبرير. والمقصود تجنبوا أفكار المعلمين الكذبة، فنحن نعبد الله بأرواحنا الخاضعة لعمل الروح القدس، ونفتخر بالمسيح يسوع الذى يمنحنا البر والقداسة، ولسنا مثلهم نعتمد فى تبريرنا على عمل يعملونه فى الجسد كبر ذاتى لهم. ومن يعبد الله بالروح فى فرح سيفهم أن الله هو الذى يعمل كل شئ. وهو لذلك لا يعتمد على نفسه فى شىء بل على الله. فمن يعتمد على ذاته يحاول أن يرضى ذاته فى عبادته فيتكبر. أما من يثق فى أن الله هو الذى يعمل كل شئ يشعر بضآلته فينسحق، وهذا هو المدخل الصحيح للتعامل مع الله، وهذا ما شعر به بولس الرسول نفسه فقال جاهدت الجهاد الحسن لأنه مخلوق ليعمل (أف 10:2). ولكن فى داخله يشعر إنه أول الخطاة ويقول " أنا أصغر جميع القديسين" (أف 8:3). حقاً الله عمل كل شئ للخلاص لكن على الإنسان أن يجاهد وإذا فعل كل البر يقول عن نفسه أنه عبد بطال ويقول عن نفسه أنه "أول الخطاة" مع بولس. لذلك المسيحى لا يفتخر بنفسه فهو يشعر أنه لا شئ بل يفتخر بالمسيح ويقول عن نفسه أنه عبد بطال هذه حقيقة أولاً. وثانياً فيها حماية من الكبرياء. وثالثاً أننا لا نعتمد على عملنا بل على قوة عمل المسيح.
آية (4):- " 4مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى. "
إن كان أحد من المتهودين يثق فى نفسه بما له من مميزات مترتبة على وضعه كيهودى، وعلى ما له من أعمال بشرية. فأنا أفوقه فى هذه المميزات.
إن ظن: ظن فى أصلها اليونانى تشير لمن يقارن نفسه بالآخرين، فيرى فى نفسه مميزات لا يراها فى الآخرين. وهكذا المتهودين يظنون أنفسهم بسبب يهوديتهم أنهم أفضل من الأمم.
آية (5):- " 5مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. "
الختان: علامة شعب الله فى العهد القديم. إذاً بولس من بيت يهودى وليس دخيلاً على اليهودية. فى اليوم الثامن: كان الدخلاء (الأمم الذين آمنوا باليهودية وأرادوا الانضمام لدين اليهود) يختتنون وهم كبار سناً، أى يوم دخولهم لليهودية. إذاً بولس كان يهودى المنبت وليس دخيلاً.
من جنس إسرائيل: لم يختلط بالأمم، أى من جنس نقى. وارث لبركة إبراهيم وإسحق ويعقوب. من سبط بنيامين: كانت ميزة سبط بنيامين أنه مع سبط يهوذا مولودين فى الأرض المقدسة، وهو ابن راحيل المحبوبة وليس ابن جارية. ولاحظ أن يوسف أيضاً كان ابن راحيل المحبوبة ولكن سبطى افرايم ومنسى ضاعا مع المملكة الشمالية.وكان من سبط بنيامين، أول ملك على إسرائيل. وظلوا ملازمين ليهوذا بعد انقسام المملكة، وعادوا معهم بعد السبى. عبرانى: أى يتكلم العبرانية مع أنه وُلِدَ فى بلاد أجنبية، وهذه ميزة له، فاليهود فى الشتات كانوا يتكلمون اليونانية وأهملوا العبرانية. فريسى: أى مُفرز ومُخصص لله، يحفظ أبسط وأدق تفاصيل الناموس بكل حرص. وعند اليهود كان الفريسيين هم الأعظم فى الأحزاب، فكانوا مثل الحاصلين على الدكتوراه فى الناموس، وكانوا حوالى ستة آلاف شخص أيام المسيح. وقيل عنهم: "كل من يذهب للسماء لابد أن يكون فريسياً". ولكن المسيح كان يهاجمهم لكبريائهم.
آية (6):- " 6مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ."
هو عرف اليهودية فى أضيق مذاهبها وأكثرها تعصباً، كان غيوراً على يهوديته لا يطيق أن يرى أحد خارج حظيرتها. لذلك حرص على أن يلاشى الكنيسة الوليدة. وكان هذا تديناً مريضاً لأنه مرتبط بالقتل. كان كمن يدافع عن الله. والحق أن الله هو الذى يدافع عنا.
بلا لوم: كان مدققاً فى إيفاء كل مطالب الناموس بلا إهمال يُلام عليه فى وصايا أو فرائض الآباء. ومشكلة هذا الشعور أن الإنسان الذى يشعر أنه بلا لوم لن يبحث عن الكمال. ولاحظ أن بولس المسيحى قال الخطاة الذين أولهم أنا.
آيات 6،5: تشرح معنى البر الذى بالجسد، هنا نجد بولس يفتخر بمواصفات معينة جسدية، ويفتخر بنفسه.
آية (7):- " 7لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. "
كل هذه الامتيازات السابقة التى كانت لى قبل المسيح، وتعتبر مكاسب كبيرة من وجهة نظر أى يهودى، رأيتها الآن كخسارة إذا قورنت بما أخذته من هبات فى المسيح. وهى خسارة لأنها لم تفدنى شيئاً فى علاقتى بالمسيح، بل كانت حاجزاً بينى وبينه. البر الذى بالناموس كان السبب فى أننى لم أعرف المسيح إذ كان أمامى واضطهدت تابعيه من المسيحيين، لذلك يكون برى هذا هو السبب فى هلاكى لأننى لم أعرف المسيح. فبولس بعد أن عرف المسيح اكتشف أن بر الجسد صار عائقاً عن بر المسيح، فالبر الناموسى هو نوع من الربح للإنسان بحيث أنه كلما حصل عليه بسلوكه كان له فضل فيه على الآخرين. ولكن الإحساس بالبر الذاتى والإحساس بالفضل على الآخرين يبعدنا عن البر بالمسيح بل فيه كبرياء، والكبرياء يسبب الابتعاد والانفصال عن الله. عموماً كل من يحسب نفسه باراً لن يبحث عن المسيح ليبرره، وما دام الإنسان يحسب نفسه بلا لوم فلماذا السعى وراء الكمال. بل كان الناموس الذى كنت متمسكاً به سبب لعنة علىّ، فالناموس يلعن ويحكم بالموت على كل من يخطئ حتى فى خطية واحدة، ومن هو الذى لا يخطئ. وحتى الآن فهناك من يظن أن طريقاً ما فيه ربح ولكنه فيه خسارة، مثل من ينكر الإيمان. أما من يستشهد فإن العالم يظن أنه قد خسر حياته، وهو قد ربح الملكوت (مر 35:8). بولس كيهودى كان يظل يفكر فى نسبه وما يفتخر به من أعماله فيدخله الكبرياء أما بولس كمسيحى يقول أنه لا يفكر فى الماضى مهما وصل من درجات أو مهما عمل من خدمة بل يظل ينظر للسماء ولدرجات أعلى (آيه 13).
آية (8):- " 8بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ،"
بولس بعد أن رأى المسيح فى طريقه إلى دمشق، ثم عرفه بعد ذلك من خبرته فى حياته فى المسيح، وعرف أن المسيح هو يهوه الإله القوى الذى أحب خاصته إلى المنتهى. فلأجل المسيح الذى تذوق بولس محبته، خسر وضعه كفريسى مقرب للقيادات الدينية وقائد يهودى بارز، بل خسر أصدقاءه ومعارفه اليهود. وامتد بولس بنظره فوجد أن ليس فقط مركزه كيهودى، بل كل ما فى العالم ما هو إلاّ نفاية بجانب معرفة يسوع المسيح، وأن كل شئ فى العالم إن كان سيحرمه من المسيح، أو بالمقارنة مع معرفة المسيح، ما هو إلاّ نفاية.
معرفة المسيح: هناك فرق بين أن أعرف المسيح وأن أعرف عن المسيح. فأعرف المسيح تشير لمعرفة اختبارية اقتناها بولس من خلال حياة الشركة مع المسيح. ومعرفة المسيح هذه هى الحياة الأبدية (يو3:17). وهذه المعرفة تملأ القلب فرحاً وسلاماً ومحبة (راجع مت46:13).
فضل معرفة المسيح: حين تُقارن معرفة المسيح هذه بأى شىء آخر فهى من المؤكد ستكون أفضل بما لا يُقاس. بل إذا لم أعرف المسيح فسيكون كل ما عرفته أو وصلت إليه فى العالم ما هو إلاّ خسارة وعديم النفع. فمعرفة المسيح تعنى الفرح والسلام هنا إذ نعرف بين يدى من نحن، وتعنى المجد فى السماء. أليست إذاً كل الأشياء التى تلهينا عن معرفة المسيح ما هى إلاّ خسارة. والمسيح هو وحده الحق "أنا هو الطريق والحق والحياة" أما العالم فهو باطل كل الأباطيل أى ضياع وبلا جدوى.
معرفة المسيح:
معرفة المسيح هى الأفضل (آية 8).
أوجد فيه (آية 9) أى ثابت فى المسيح.
لأعرفه (آية10).
آدم الرأس المسيح الرأس
أوجد فيه: مثل غصن فى كرمة. هنا فى جسد المسيح، ودم المسيح يسرى فى كل الجسد وكل من هو ثابت فى المسيح سيكون له ثمار (يو15).
أعرفه: فلان عرف زوجته (تك1:4) أى عاشرها وصارا جسداً واحداً، إذاً كلمة أعرفه تعنى صرنا واحداً مع المسيح.
فلان عرف زوجته وأنجبا فلان وفلان (تك1:4) إذاً هى معرفة مثمرة واتحادنا بالمسيح يعطى ثمر بر.
لا أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ومن هو الآب إلاّ الابن (لو22:10)
أنا والآب واحد (يو30:10)
أنا فى الآب والآب فىّ (يو10:14)
وهذه الآيات تشير لوحدة الآب والابن وأن المعرفة تعنى الوحدة. فكون أن الآب يعرف الابن والابن يعرف الآب فهذا يعنى الوحدة، وهذا يظهر من الآيتين الأخيرتين.
وكلمة أعرف المسيح إذاً تعنى أننى أصبحت واحداً مع المسيح وسيكون لى ثمر هو ثمر البر الذى بالمسيح لأن حياة المسيح ستكون فىّ.
وقارن مع الآيات (يو20:17ـ23) فالمسيح صيرنا واحداً فيه.
فلو قلنا أن فلان عرف زوجته فهذا يعنى أنهما صارا جسداً واحداً. فهذا يشير أيضاً إلى أن من يعرف الله يصير معه روحاً واحداً (1كو 6: 17).
ومن يصير روحاً واحداً مع الله يكون كشجرة مغروسة على مجاري المياه فمجاري المياه هي إشارة للروح القدس (يو 7: 37 – 39).
وهذا البر الذى بالمسيح يكون بالإيمان كمدخل لأننا ننتمى لجسد المسيح ونصير فى المسيح بالإيمان ثم المعمودية. والطريق لكى اتحد بالمسيح هو الموت عن العالم. ونلاحظ أنه إذا عرفت المسيح أستطيع أن أترك العالم جزئياً وإذا حدث هذا أعرف المسيح أكثر وحينئذ أفرح به فأتخلى بالأكثر عن العالم ، وهكذا إلى أن يصبح العالم كله بالنسبة لى نفاية. ولكن حتى نعرف المسيح فالثمن هو ترك العالم والموت عن العالم. والمعرفة هنا هى معرفة إختبارية وليست العقلانية النظرية، ومن لا يعرف المسيح معرفة إختبارية يسهل خداعه وبهذا قد ينكر المسيح. وكلما عرفت المسيح يزداد إتحادى به والثبات فيه.
يو21:17 المسيح يطلب أن نكون واحداً، نحيا فى وحدة
يو21:17 ليكونوا واحداً فينا. هنا يطلب المسيح لنكون واحداً مع الله.
يو23:17 أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكملين إلى واحد.
هذه الوحدة خسرناها بالخطية ، والمسيح أتى ليعيد هذه الوحدة. لذلك كانت هذه الآيات آخر آيات قبل الصليب مباشرة والسيد يقول "إثبتوا فىّ وأنا فيكم" وذلك بتحاشى الخطية والالتصاق به فنعرفه عقلياً أولاً ثم بالموت عن العالم تزداد المعرفة الإختبارية ويزداد الفرح وذلك لأن المسيح شخص ممتع وإذا عرفناه سنحبه لأنه يُحّب وبسبب هذا الحب ومن تذوقه، ترك الرهبان العالم وذهبوا للبرية ليتوحدوا مع الله فيستمتعوا بحبه دون عائق.
والمعرفة تزداد هنا على الأرض وتزداد أيضاً فى السماء وكلما ازدادت المعرفة يزداد الفرح ويزداد الثبات أما من يرى الخطية لذيذة يريد أن يقتنصها فهو غصن جاف وورق خريفى أى تجربة تكون ريح تسقطه. (الريح الخفيفة هى التجارب البسيطة) أما من عرف المسيح فيكون كمن بنى بيته على الصخر. هذا لمن يعرف ويعمل (مت24:7-27) فما العمل الذى أعمله لأعرف المسيح وأبنى بيتى على الصخر.
1. عشرة المسيح فى المخدع.
2. الموت عن الخطية والعالم.
3. تنفيذ الوصايا.
أما من انغمس فى محبة العالم تاركاً عشرة المسيح فلن يعرفه لذلك قال يعقوب محبة العالم عداوة لله. (يع 4:4).
لذلك فى آية (18:3)نسمع عن مؤمنين صاروا أعداء صليب المسيح هؤلاء لم يحاربوا المسيح لكنه يقول فى اية (19:3) إنهم إلههم بطنهم لأن كل من يفكر فقط فى شهوات وملذات الدنيا فهذه عداوة لله لأنه بهذا لم يبحث عن متعة معرفة المسيح ولا صار المسيح إلهاً يشبعه.
أعداء الصليب: ما هو الصليب؟ هو الألم
فكيف يقبل الاستشهاد من يرفض صوم الأربعاء والجمعة. من يقبل الصليب هو صديق الصليب ولكن من لا يريد حمله فهو عدو له. هل مستعد أن تموت أولاً عن لذات الطعام فى الصوم أو تحبس نفسك فى صلوات طويلة.
من لا يريد إضاعة وقت فى الصلاة لله كيف يقول أنا أقبل الصليب؟ من يغصب نفسه ويموت عن لذات العالم يتذوق حلاوة عشرة الله وحينئذ يدرك أن العالم نفاية بجانب معرفة المسيح. أماّ من يعرف الله فى الكنيسة بطريقة ظاهرية سيأخذ بقدر ما أعطى.
لأعرفه: معرفة / تلذذ / ثبات / وحدة/ ثمار بر.
وقوة قيامته: بالمعمودية وُلد ولادة جديدة.
بها صار ثابتاً فى المسيح، وصارت فيه بذرة حياة.
شركة آلامه: حينما أرى آلام الحبيب أشتهى الألم معه كأم ترى آلام ابنها فتقول " يا ريتنى كنت أنا" هذا بسبب الحب فمن أحب المسيح يشتهى أن يتألم معه. والمسيح تألم مرة على الصليب ولكنه مازال يتألم بسبب الخطاة والذين ينكرون اسمه.
متشبهاً بموته: عن الخطية وعن العالم.
آية (9):- " 9وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ. "
وأوجد فيه: أوجد فى المسيح أى متحداً به الآن وإلى الأبد، عضواً فى جسده وغصناً فى الكرمة. وهذا سر الفرح والسلام هنا، وهذا هو الطريق الوحيد لأمجاد السماء. وثباتى فى الكرمة أى المسيح هو الوسيلة الوحيدة لكى أتبرر، ويرى الناس بر المسيح فىَّ الذى يثمره الروح القدس كهبة مجانية نتيجة لإيمانى بالمسيح، فالإيمان بالمسيح هو المدخل لكل هذه البركات = بالإيمان... ليس لى برى الذى من الناموس: هذا البر هو ما أصنعه أنا أى تنفيذى لأوامر الناموس، أصنعه أنا من ذاتى. وهذا ثبت أن أحداً لم يستطع أن يتبرر به (أع 10:15) + (غل 16:2). فلو كان الناموس يبرر ما كان هناك داعٍ للمسيح (غلا 21:2). كل من قيل عنه باراً قبل المسيح كان:
1. بطريقة نسبية أى هو بار بالمقارنة لمن حوله.
2. كان بر الناموس طريقاً ليتقابل البار بالمسيح. أما البر الذى بالمسيح فيهيأنا لنتقابل مع الآب فى المجد، ويقبلنا الآب لأننا فى ابنه.
3. لنقارن بين البر الذى يصنعه الله: البر الذى من الله بالإيمان. والبر الذى أصنعه أنا بذاتى (بالالتزام بالناموس). فالفارق بينهما هو الفارق بين السماء والأرض. البر الذى بالمسيح يعطينى السماء ميراثاً. والبر الذى من ذاتى يعطينى أن أتفوق على من هم مثلى على الأرض، ويكون ميراثى أرضياً. وهذا هو حال العهد القديم. والسؤال للمتهودين... ماذا تطلبون... أبراً يصنعه الله أم براً ذاتياً تصنعونه أنتم ؟!
آية (10):- " 10لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، "
لأعرفه: هو سبق وقال إنه حَسِبَ كل شىء خسارة لأجل هذه المعرفة، وبإيمانه بالمسيح أصبح يوجد فى المسيح (الآية السابقة). وصارت له حياة البر، البر الذى من الله. ولذلك حَسِبَ كل ما فى العالم، ما تحت يده وما لا يملكه، كل شىء حسبه نفاية. لذلك انفتحت عيناه وصار يعرف كل يوم عن المسيح أكثر. لقد عرف بولس الرسول شيئاً عن المسيح فى طريقه لدمشق، وما عرفه جعله يترك مركزه اليهودى، وهنا بدأت اختباراته عن المسيح تزداد، وظل يعرف كل يوم شيئاً جديداً عن المسيح، وكلما عرف أكثر أحبه أكثر. ومع زيادة المعرفة احتقر أمجاد العالم بالأكثر. وأدرك أن كل ما كان يعتبره مكسباً ما كان سوى خسارة عطلته عن المسيح، وما هو إلاّ نفاية بجانب محبة المسيح ومجد المسيح.
لقد كانت خسارته لكل المميزات السابق ذكرها هى الطريق الوحيد لمعرفة الرب يسوع، ليس فقط لكى يخلص بل ليعرف الرب معرفة حقيقية، يعرف حبه وحنانه وقوة اقتداره، ومجده، وتواضعه، ووداعته وعذوبته، هى معرفة اختبارية لأن المعرفة العقلية فقط هى معرفة شيطانية. أما من يعرف الرب ويختبره سيحب الرب ويطيعه ويتشبث به ويخدمه. ونلاحظ أن معرفة الله تزداد يوماً عن يوم هنا على الأرض وهناك فى السماء.
1. المعرفة على الأرض تزداد يوماً عن يوم.
2. انتقالنا إلى أمجاد السماء يجعل معرفتنا تزداد جداً.
3. معرفتنا فى السماء أيضاً ستزداد يوماً عن يوم، وبالتالى تزداد أفراحنا إذ نعرف عن الرب أكثر ونحبه بالأكثر وهذه هى الحياة الأبدية (يو 3:17).
وقوة قيامته: لقد اختبر الرسول قوة عمل المسيح فيه من خلال كل ما واجهه من مواقف الحياة، ولقد تلامس واختبر قوة المسيح التى أقامت المسيح من الأموات، ورأى أن هذه القوة نفسها عملت لحسابه، إذ أقامته من موت الخطية. واختبر قوة القيامة هذه التى انتشلت الأمم من وثنيتهم ليصيروا قديسين.
وشركة آلامه: حين تذوق الرسول محبة المسيح، واختبر قوته الموجهة نحوه ونحو كل العالم، صار يشتهى أن يتألم لأجل حبيبه المسيح، فمن تذوق حب المسيح، يسهل عليه قبول الألم. وبولس حَسِبَ نفسه كغنم سيقت للذبح. اختبر بولس أكثر من ذلك أن المسيح لم يتركه فى آلامه وحده، بل كان يعطيه تعزية بقدر الآلام التى يتعرض لها (2كو3:1-10). بل اختبر بولس أن الالام التى سمح بها الله كانت لتنقيته وحفظه من الكبرياء (2كو7:12-10). هنا قال كلمته العجيبة، إنه "وهِبَ لنا أن نتألم لأجله" (فى29:1). وذلك حتى نتذوق التعزيات، وبالآلام نكمل (عب10:2). ونشترك مع المسيح الحبيب فى آلامه ، وهذه وحدها شهوة قلب من يحب محبة حقيقية. وشركاء الألم شركاء المجد (رو17:8).
متشبهاً بموته: قمة الحب للمسيح أن نموت فعلاً لأجله، وهذا تم مع الشهداء، وهذا كان موقف الرسول الذى كان مستعداً للموت لأجل المسيح فى أى لحظة (رو36:8) + (2كو11:4). ولكن بالنسبة لنا فنحن لن نموت فعلاً لكى نتشبه بالمسيح ولكن نموت عن الخطية (رو11:6) + (كو5:3). ونموت عن العالم وكافة الأمور الأرضية. ونصلب أهوائنا وشهواتنا (غل24:5).
وترتيب الأحداث بالنسبة للمسيح كان : الألم ثم الموت ثم القيامة
معرفة المسيح
قوة قيامته
شركة آلامه
الموت
القيامة
(آية 11)
المعرفة الاختبارية وتذوق لذة عشرته فنحتقر العالم.
القيامة من موت الخطية وتغيير كامل للحياة
الحب للمسيح يدفع لقبول الألم لأجله فى فرح لنشترك معه
1- موت عن الخطية
2- لو وصل الأمر للإستشهاد
القيامة العامة من الأموات فى مجد أبدى
وقد يبدو أن الترتيب بالنسبة لنا معكوساً عما للمسيح ولكن لنتأمل
لأعرفه
وقوة قيامته
شركة آلامه
الموت
القيامة
بهذا اتحد بالمسيح يصير لى نفس طريق المسيح
فالمعرفة اتحاد وثبات فى حياة المسيح.
آية (11):- " 11لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ. "
لعلى:
1. هذه تشير لإتضاعه فهو يكمل خلاصه بخوف ورعدة غير واثق فى نفسه، فهو القائل "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1كو 12:10).
2. وتشير لصعوبة الطريق إلى هذه القيامة، وصعوبة الجهاد المطلوب، والحيطة والحذر المطلوبين، فهو القائل: "أقمع جسدى وأستعبده.. حتى لا أصير مرفوضاً" (1كو 27:9). "ويكمل خلاصه بخوف ورعده" (فى 12:2).
3. فيها شهوة للمجد البهى بعد القيامة الذى رأى لمحة منه فى طريقه إلى دمشق. والقيامة فى هذه الآية تتكلم عن القيامة العامة فى اليوم الأخير.
آية (12):- " 12لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. "
لكنى أسعى: معنى الكلمة كمن يجرى فى سباق، وهو تعبير واضح عن حياة الجهاد. ومعنى الآية.. أنا لم أبلغ كمال المعرفة بالرب يسوع، فهذا لن يتحقق لا هنا ولا فى السماء، بل هى حياة تنمو فيها المعرفة هنا وهناك. ولكننى أمسكت بالطريق، وأنمو فى هذه المعرفة كل يوم بقدر ما أسعى كى أحقق الهدف الذى لأجله افتقدنى الرب يسوع فى طريقى إلى دمشق. وكلما أعمل على إماتة ذاتى حاسباً كل الأشياء نفاية، وأشترك فى آلام الرب أزداد معرفة وأمتلىء بحياة المسيح فىّ. أدركنى أيضاً: الله أدركنا لكى يحضرنا إلى السماء، لكى نحصل على كمال بركتنا. وأدركنى أى وصل إلىَّ، وتعامل مع قلبى، لأعرفه وأحبه وأثق فيه فأسلم له قلبى فيمتلكنى، وبهذا يضمن كمال خلاصى، وبأن لا يمتلكنى غيره فيستعبدنى فأهلك.
والله بفدائه وإرسال روحه القدس، الذى يبكت ويعزى ويعلَّم أدركنا. لكن الله له طرق مختلفة تختلف بحسب احتياج الشخص وباختلاف حالته، يجذب بها كل نفس إليه، فمع السامرية يذهب إليها ويحاورها ليعرفها ذاته، ومع الابن الضال يُرسِلْ له الرب مجاعة ليقارن بين حاله فى المجاعة والشبع فى بيت أبيه، ومع مُقعد بيت حسدا يذهب إليه ليشفيه، وهكذا… ومع بولس الرسول يظهر له فى طريقه إلى دمشق. كلٌ له طريقة خاصة يستعملها الله بحكمته التى لا تُدرك. أدركنى: هى تعبير عن المعاملة الخاصة للمسيح مع كل نفس.
الأيات (13-14):- "13أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ،14أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ."
أحسب: الكلمة فى أصلها اليونانى معناها النظرة الفاحصة للماضى، فى نقاش هادىء مع النفس للخروج بنتيجه. ولقد ظن كلاً من الفريسيين والغنوسيين أنهم وصلوا لدرجة الكمال، هؤلاء ببرهم الناموسى، وأولئك بمعرفتهم الفلسفية، وهذا ضد التواضع، فكلما شعروا أنهم وصلوا لدرجة معينة من البر انتفخوا. والكبرياء فيه انفصال عن الله لذلك يقول بولس فى حكمة "أنسى ما هو وراء”: لا يفكر أبداً إلى ما وصل إليه... فهو لم يصل بعد للسماء ولا للكمال. والكلمة اليونانية "أنسى" تشير لتمام النسيان. هو كمتسابق يركض نحو الجعالة، إن التفت إلى الوراء يضيع وقته وقد يخسر السباق. وروحياً من ينظر للوراء يهلك كإمرأة لوط "من يضع يده على المحراث لا يعود ينظر إلى الخلف". فمن يضع يده على المحراث وينظر للخلف يتعوج طريقه.
دعوة الله العليا: دعوة الله لنا هى عليا لأنها تأتى من السماء وهدفها أن نتجه للسماء. معنى كلام الرسول، أننى بنظرة هادئة لماضى حياتى أرى أننى لم أصل بعد للمستوى الذى لا أحتاج فيه إلى مزيد من الجهاد ومزيد من النمو ومزيد من المعرفة ومزيد من الحب، وأشعر أننى فى احتياج للكثير كى أتمم الهدف الذى قصده لى الرب. لذلك أنا أنسى كل ما حصلت عليه (أو وصلت إليه) فى الماضى سواء كان مكاسب أم سلبيات، حتى لا يعوقنى شىء عن الجهاد الإيجابى لمزيد من النمو فى معرفة الرب.
وتذكر الشر أيضاً يهلك. لذلك تصلى الكنيسة "طهرنا من كل دنس.. ومن تذكار الشر الملبس الموت". فتذكار الشر القديم إماّ أنه:
1. يجعلنا نشتهيه مرة أخرى أو،
2. نسقط فى اليأس.
ولكن داود يقول : "خطيتى أمامى فى كل حين" ولكن هذه تعنى أن نذكر خطيتنا:
1. لنتضع ولا ننتفخ.
2. لنذكر رحمة الله الذى غفر لنا فنشكره شكراً بانسحاق.
ولنذكر دائماً أعمال الله معنا وقبوله لنا لنشكره على محبته.
مع أن بولس وصل لمعرفة عالية جداً جعلته يحسب كل الأشياء نفاية إلاّ أنه لو شعر أنه وصل لشىء وصار شيئاً سيمنعه هذا عن السعى للكمال بل سيدفعه للكبرياء والسقوط. بل يظل الإنسان يسعى أى كمن يركض فى سباق بلا توقف.....
الإيجابيات (كل ما وصل إليه من معرفة).
السلبيات (الخطايا السابقة).
الجعالة: هى الجائزة التى ينالها المتسابق أو المتصارع، وهذه فى المسابقات العالمية، وأما لنا فجائزتنا هى الملكوت، هى الإكليل الأبدى (1كو 25:9). هى المسيح نفسه، وهكذا قال الرسول "لكى أربح المسيح" (آية 8). وفى مسابقات العالم واحد فقط من بين المتسابقين يأخذ الجائزة. أماّ روحياً فكل من يجاهد سيكلل(1كو 24:9-27).
أمتد: كما يرمى المتسابق بنفسه فى الميدان ليحصل على المكافأة (الجعالة) هكذا يركز الرسول كل فكره وجهده لكى يرضى الله، يرمى بنفسه فى خدمته وجهاده معتمداً على نعمة الله.
الأيات (15-16):-" 15فَلْيَفْتَكِرْ هذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ افْتَكَرْتُمْ شَيْئًا بِخِلاَفِهِ فَاللهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هذَا أَيْضًا. 16وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذلِكَ الْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذلِكَ عَيْنَهُ."
الكاملين: الكمال نسبى، والمقصود الناضجين روحياً الذين لهم نفس الفكر الذى له، والذى ذكره فى آيات (14،13). أى الذين يسعون للكمال العمر كله معتمدين على نعمة الله وليس برهم الذاتى. ومن تواضع الرسول وضع نفسه معهم فقال الكاملين منا. هؤلاء الكاملين يشعرون أنه مازال ينتظرهم الكثير. وحتى لو افتكر أحد أنه قد بلغ إلى أعلى مستوى فالله سيعلن له الحقيقة إن طلبها وأراد معرفتها، وهذا هو عمل الروح الذى يبكت ويعلم لكل من افتكر شيئاً.
بخلافه: لكل من ضل وانشغل بالعالم، أو ظن نفسه قد ارتفع فى مستواه فيكف عن الجهاد. عمل الروح أن يكشف لهؤلاء ضلال فكرهم. وبولس واثق أن هذا سيحدث لأهل فيليبى لأنه واثق فى محبتهم وإخلاصهم، فالله إذاً لن يتركهم جهلاء. وأما نحن ففى أعلى مستوى نصل إليه يجب أن يكون لنا هذا الفكر الذى أشرنا إليه. فلنسلك بحسب القانون عينه: لنواصل سيرنا فى نفس الطريق أى الجهاد الذى بدأنا به علاقتنا بالرب حتى ننتهى إلى الجعالة العليا التى أرادها لنا الرب. أما ما قد أدركناه: علينا ألاّ نقف مهما كان ما أدركناه من نمو روحى بل نواصل السير والجهاد فى طريق الكمال الذى لا نهاية له ولنذكر قول السيد المسيح : " كونوا كاملين كما ان أباكم الذى فى السموات هو كامل".
آية (17):- " 17كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ. "
1. بولس هنا يضع نفسه أمامهم كإنجيل مُعاش فلم يكن هناك أناجيل مكتوبة.
2. وبولس يطلب أن يتمثلوا به لأنه هو يتمثل بالمسيح (1تس 6:1) + (1كو 1:11). فكأنهم إذا تمثلوا ببولس فهم يتمثلون بالمسيح.
3. بل يطلب منهم بولس أن يتمثلوا بمن هم قدوة كتيموثاوس وأبفرودتس: الذين يسيرون هكذا. والمعنى أيضاً تمثلوا بمن يتمثل بالمسيح، وليكونوا لكم قدوة. لذلك تقرأ لنا الكنيسة فى كل قداس السنكسار لنتمثل بهؤلاء القديسين.
الأيات (18-19):-" 18لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ، 19الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ."
هنا يشير لمن ارتدوا عن الطريق الصحيح وتأثروا بالفلسفات العالمية الإباحية، وهؤلاء اعتبروا أن الجسد مصدر للشرور، لذلك فالخطية مهما كانت لن تزيده شراً فوق شره، وبالتالى لا ضرر من خطيتهم، إذاً فليطلقوا العنان لشهواتهم. وقالوا إن النعمة فيها متسع لجميع الخطايا (رو5:3ـ8). هؤلاء لا يسعون لجعالة دعوة الله العليا، بل لإرضاء شهوات بطونهم (أكل وشرب وجنس). لذلك هم أعداء صليب المسيح: فهم يؤمنون بالصليب نظرياً لكنهم يرفضون حمله وترك شهواتهم، يرفضون صلب الجسد مع الأهواء والشهوات (غل 24:5). فالصليب رمز للتحمل والتضحية بالذات.هؤلاء لا يستطيعون تقبل الصليب لأن المسيح بصليبه أراد لنا التحرر من مطالب الجسد الأرضية، وأعطانا بصليبه أن نعيش وفق الروح الساكن فينا ويملك الله على كل القلب. هؤلاء صارت بطونهم آلهتهم: أى يعملون لإرضائها وتلبية مطالبها ورغباتها، ولا يرفضون لبطونهم طلب. فهم عندهم أن أقصى درجات السعادة هو إشباع الشهوات الجسدية.
مجدهم فى خزيهم: صار مجدهم وافتخارهم بأمور هذا العالم وارضاء شهواتهم، وهم افتخروا بكسرهم للقوانين الأدبية والخلقية والتشريعية وصار تفكيرهم منحطاً ومنصباً فى كل ما يربطهم بأرض الشقاء، ولم يعد لهم أى تطلع للسماء، فشرورهم منعت عنهم معرفة الملكوت الذى أراد الرب أن يؤسسه بالصليب. وكان افتخارهم هذا خزياً لهم. هذه الآيات رد على من يقول أن من آمن قد ضمن الخلاص، فهاهم أناس قد آمنوا ثم إرتدوا فهلكوا.
الأيات (20-21):-" 20فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، 21الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ."
سيرتنا: المقصود فى النص اليونانى مواطنتنا، هى من نفس أصل كلمة "عيشوا" (فى27:1). فمواطنو فيليبى كانوا يُعاملون كالرومان، ولهم نفس مزايا الرومان من أهل روما، وهذا كان يدفعهم للافتخار، لذلك يستخدم الرسول هذه الكلمة ليثير فيهم الاهتمام بالأكثر بمواطنتهم السماوية.
نحن مواطنين سماويين لأن رأسنا المسيح سماوى وأبونا سماوى وأعطانا أن نحيا فى السماويات فهو "أقامنا معه وأجلسنا معهُ فى السماويات" (أف6:2). إذاً فلنسلك كمواطنين سماويين فنحن ننتظر: (فى أصلها اليونانى تعنى التوقع بشوق شديد) نحن ننتظر مجىء مخلصنا الرب يسوع مرة ثانية من السماء. إذاً فما يدفعنا لأن نسلك كسمائيين أن ربنا سيأتى قريباً من السماء حينئذ سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده. وكلمة تواضعنا لا تعنى التواضع، بل الوضيع Lowly Body وتُترجم أيضاً Vile Body بمعنى (تافه / فاسد / حقير / جدير بالازدراء..). وهو صار وضيعاً بسبب الخطية. ونلاحظ أن موسى حين رأى شيئاً بسيطاً من مجد الله وهو مختبىء فى الجبل لمع وجهه، فكم كان لمعان ومجد وجه آدم حين كان فى الجنة وكان يتكلم مع الله دائماً. هكذا خلقنا الله فى مجد وقد خسرنا هذا المجد بالخطية. والمسيح افتدانا ليردنا إلى صورة مجده، لذلك قال: "المجد الذى أعطيتنى.. أعطيتهم" (يو 22:17). هذا ما قاله معلمنا يوحنا : " إذا أُظِهَر ذاك نكون مثله لأننا سنراه كما هو" (1يو2:3). لقد صار جسدنا حقيراً تضربه الأمراض وخاضعاً للآلام والأهواء، وكل هذا سيتغير إلى جسد مُمجد على غرار جسد المسيح الذى قام به من الموت. وفق قوته الإلهية التى بها يعمل فينا، ليقودنا للخضوع الكامل له فنعيش فى مجده. وبعد أن كان جسدنا للهوان سيصير ممجد ونورانى (1كو 42:15-50). بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شئ: إن قوة السيد المسيح غير محدودة، وقد ظهرت تماماً فى قيامته وصعوده مُمجداً. وبنفس هذه القوة هو قادر أن يغير أجساد المؤمنين إلى أجساد مُمجدة مثل جسده، هذه القوة صارت مُوجهة لنا نحن البشر، وبهذه القوة هو قادر أن يجعل كل المخلوقات تخضع للمسيح حتى الطبيعة نفسها. وهنا نقارن بين نهاية أجساد القديسين فى مجد ونهاية الشهوانيين الذين نهايتهم الهلاك (19:3). مخلصاً = أى ينقلنا من هذه الصورة المزرية التى نحن عليها إلى صورة المجد. يفتكرون فى الأرضيات (اية 19) = لا يفكرون فى السمائيات، كل همهم فى التفكير فى الأرضيات . ونحن من المؤكد سنفكر فى الأرضيات فنحن نعيش فى العالم ونأكل ونشرب ولكن علينا أن نفكر فى المكان الذى سنذهب إليه ونهتم به بالأولى فهو مكاننا الأبدى.
المجد والصليب
الصليب والمجد هما وجهان لعملة واحدة فحين يقول الكتاب "لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد" (يو39:7) فهو يقصد بقوله مجد هنا أى صلب أو يمكن فهمها أنه لم يكن قد جلس عن يمين الآب. والسبب أن هناك إتجاهين يسلك فيهما الإنسان. فهو:
1. إماّ ينظر للسماء رافضاً شهوات الأرض ومجدها وهذا هو الصليب، كما يقول بولس الرسول "حاشا لى أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صلب العالم لى وأنا للعالم" (غل14:6). ولكن من ينظر للسماء فهو طالب مجد الله وسيمجده الله.
2. وإماّ ينظر لشهوات العالم كما فعل ديماس الذى قال عنه بولس الرسول " ديماس تركنى إذ أحب العالم الحاضر" (2تى10:4) والعالم هو باطل الأباطيل (عكس المجد).
المجد: أول مرة يذكر فيها كلمة المجد فى الكتاب المقدس كانت بحسب مفهوم البشر، فقد قال بنى لابان عن يعقوب حينما زادت ثروته من الغنم "مما لأبينا صنع كل هذا المجد" (تك1:31) ومازال حتى الأن هناك من يفهم أن المجد هو فى كنوز ومراكز هذه الدنيا. وظل الله يرتقى بالفكر البشرى ليفهموا أن المجد ليس فى الماديات بل فى وجود الله وسطنا، فالمجد هو شىء خاص بالله وليس بالإنسان. "أكون لها سور نار من حولها وأكون مجداً فى وسطها" (زك5:2). فالمجد هو الحالة التى فيها الله. ونحن لن نفهم حقاً ما هى حقيقة هذا المجد، هل هو نور؟ هل هو عظمة؟ هذا "ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان" (1كو9:2) ونحن الآن فى مجد مستتر وذلك لوجود المسيح فى وسطنا (مت20:28) وسيأتى وقت يستعلن هذا المجد فى الدهر الآتى (رو18:8).
الصليب: يعنى الألم وقبول الألم، ورفض هذا العالم وشهواته. وهذا ما فعله المسيح. فلقد:
1. رفض أى شىء من هذا العالم حينما عرض إبليس هذا عليه (مت8:4ـ10) وإنتهى برفض حياته وصلب على الصليب وأسلم الروح (ما بدأه المسيح برفض شهوات العالم انهاه برفضه الحياة كلها) وهذا هو نفس ما قاله بولس هنا أعرفه... وشركه ألامه متشبهاً بموته (فى10:3).
2. هو لمحبته قبل الصليب لأجلنا وكل من أحبه يقبل الصليب لأجله.
3. الألم لم يعد عقوبة للمجرم فالمسيح كان بريئاً بلا خطية، لذلك صار الألم شركة حب مع المسيح وحمل للصليب وراءه وتلمذة له ومن يحمل صليبه يصير تلميذاً للمسيح.
الصليب والمجد متطابقان
من يسعى وراء العالم الباطل وشهواته يصير باطلاً مثله، ومن يرفض العالم الباطل يصير فى مجد، فالصليب وهو رفض العالم والحياة الحاضرة هو الصورة الأخرى لإختياره المجد. لذلك فالمسيح حين أطاع حتى الموت موت الصليب رفعه الله... (فى 8:2، 9). والإنسان مخير بين العالم وشهواته وملذاته وخطاياه وبين رفض العالم وإختيار معرفة المسيح.
1. فإن من طلب معرفة المسيح، إكتشف لذته وتوحد به وأحبه وعاش فى فرح هو عربون الفرح الأبدى، وعاش فى مجد مستتر إنتظاراً لإعلان هذا المجد، وعاش فى تعزية يعطيها الله لمن إختار طريق الألم والصليب، حتى نحتمل ألام هذا العالم. ومهما طالت مدة هذا العالم بألامه، فالمسيح ينظر إلينا مشجعاً ويقول لقد إقتربت أيام الراحة والفرح والمجد... أما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة إن من عرف المسيح وأحبه سيحتقر العالم وما فيه وسيعتبره نفاية.
2. وإن طلب شهوات وملذات هذا العالم، فهو يذهب للعالم بشهواته رافضاً تعزيات الله فهو قد أحب العالم. ومحبة العالم هى عداوة لله (يع4:4). لأننى ألجأ للعالم كإله أخر يكون مصدراً لفرحى ولذتى وأسعى له كمن يرضيه رافضاً طريق المسيح للتعزية وهو طريق الصليب كطريق للتعزية والفرح الإلهى إستعداداً للفرح والمجد الأبدى لذلك يكون من إختار أن تكون بطنه هى إلهه فهو بهذا يكون قد ترك الله كإله له، فهو بهذا يعادى صليب المسيح أى طريق المسيح الذى بدأ بالصليب وإنتهى بالجلوس عن يمين الآب هو بهذا إختار له إلهاً أخر وبهذا يعادى الله وطريقه الذى هو الصليب والمجد الحقيقى، وإختار إلهاً باطلاً عوضاً عن الله وبهذا نفهم أيضاً الآية (فى29:1) "وهب لكم.. أن تتألموا لأجله" فالألم هو شركة مع المسيح فى صليبه وفى مجده (رو17:8) ومن عرف المسيح وأحبه وإتحد به يشتهى أن يتألم معه فالمحب يشتهى أن يتألم مع من أحبه، ولكن من جهه أخرى فمن إختار طريق الألم يكافئه الله بأن يمجده.
فالألم والمجد وجهان لعمله واحدة. ومن رفض الألم فهو يرفض المجد الإلهى فى هذه الحياة كشىء مستتر، وفى الحياة الأخرى بالعيان. فيكون معنى وُهِبُ لكم أن تتألموا يعنى أنه وُهِبُ لكم أن تتحدوا بالمسيح المتألم المصلوب وتكتشفوا عذوبته وتعزياته ومحبته وتعرفوه وتشتهوا أن تشاركوه ألمه وأيضاً بهذا فلقد وُهِبُ لكم أن تتمجدوا معه.
فشركة الآلام والصليب إذاً هى شركة حب وتعزية على الأرض وشركة مجد فى السماء ومن يرفض هذا الطريق ويسير وراء شهواته فلقد سار وراء إله أخر يظن أنه يشبعه ويفرحه ولكنه إله باطل، وبهذا لن يكسب بل أنه سيعادى الله وصليبه بمسلكه هذا.
إن من عرف المسيح وأحبه يعتبر العالم نفاية والعكس من يجرى وراء العالم فهو لم يعرف المسيح ولا أحبه ولا إختبره لذلك يرفض صليبه ويرفض الألم معه. المجد صار للمسيح بالجسد ونحن جسده، لذلك سيصير لنا نفس المجد لذلك يصلى المسيح فى صلاته الشفاعية الأخيرة قائلاً:
"مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم" (يو5:17) ثم يقول: "وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى" (يو22:17) فمن يرفض طريق المسيح ويجرى وراء شهواته لينال لذة وقتية فهو يترك طريق المجد ويترك كل تدبير الله له الذى اعده له ليحيا فى المجد أبدياً وهذا عداوة لله ولصليبه. والإنسان حر فى أن يسلك فى أى اتجاه وهذا ملخص الأيات (فى17:3-21) وفيها يطلب الرسول أن نسلك فى طريق السماء ليكون نصيبنا المجد وليس الهلاك. والمجد هو رفض الخطية والعالم وهذا ما عمله المسيح فتمجد وكل من يسلك هذا الطريق يتمجد. وكل من يسلك فى طريق العالم رافضاً الطريق الذى أعده له الله، ساعياً وراء لذاته، ساعياً وراء العالم فهو يبحث عن إله آخر وبهذا يعادى الله وصليبه. فرفض العالم وملذاته هو الصليب (غل14:6).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث
الجهاد الروحى ورفض التعاليم الكاذبة
(1) التحذير من تعاليم المعلمين الكذبة ع 1 - 3 :
ع 1 : أخيراً فى الأصل اليونانى " أما بالنسبه لما بقى من كلام "0 مؤمنة : تحميكم وتجعلكم فى أمان0 يدعوهم الرسول إلى الفرح الروحى لأنَّ طابع الحياة المسيحية هو الفرح لنعم الله الكثيرة التى أفاضها علينا ، فضلاً عن أنَّ الفرح يهبنا القوة فى جهادنا الروحى0 هذان الأمران أى الدعوة للفرح والأمر الذى يلى وهو التحذير من المعلمين الكذبة لا يتعب بولس الرسول من الإعادة والتكرار فيهما ، لأنها تؤمنهم من الإنزلاق إلى تصديق هذه التعاليم0
ع 2 : اُنظروا : الكلمة اليونانية هنا معناها الأصلى " لاحظوا دائماً وتجنبوا "0 القطع : يقصد المعلمين الكذبة ، وهم المتنصرين من أصل يهودى وينادون بضرورة الختان لنوال الخلاص0 ويُسمى الختان " القطع " أى قطع جزء من الجسد كعمل ظاهرى بدون معناه الروحى0 نعت بولس الرسول المعلمين الكذبة بالكلاب لأنهم ينهشون فى جسم الكنيسة فيسببون الإنقسام ويعملون ضد الإنجيل ، وينادون بالختان ، الذى هو قطع فى الجسد فقط دون معناه الروحى وهو الإبتعاد عن الخطية والذى كان رمزاً للمعمودية0
ع 3 : لا نتكل على الجسد : لا نتكل على أعمال الجسد أى أعمال الناموس بل نعيش معناه الروحى فى إيماننا بالمسيح الذى نفتخر بخلاصه0 لأننا نحن المسيحيين نعيش الختان الحقيقى أى ختان القلب بالروح وهو الإبتعاد عن الشر ، ونطيع الرب فى الكنيسة ولا نتكل على الختان الجسدى وسائر الفرائض الناموسية كوسائل للتبرير0
+ إثبت فى الكنيسة وممارساتها الروحية وتعاليمها ، وحينئذٍ لا تتعرض للإنزلاق فى التعاليم الغريبة التى ينادى بها الخارجون عن الكنيسة ، لأنَّ تعودك الحياة الروحية مع المسيح يفرَّح قلبك بها وسيجعلك تكتشف وترفض أى شئ غريب عنها حتى لا يفصلك عن تمتعك بهذا الفرح0
(2) الإفتخار بالمسيح وليس بالناموس ع 4 - 9 :
ع 4 : يذكر الرسول بولس فيما يلى من أعداد سبعة إمتيازات له فى اليهودية تجعله يفوق مكانه الآخرين الذين يفتخرون بالفرائض الناموسية0 فإن ظن هؤلاء اليهود أنهم شئ لممارستهم تلك الفرائض ، فإنَّ له من الميزات ما يفوقهم جميعاً0
ع 5 : مختون فى اليوم الثامن : كون بولس الرسول مختون فى اليوم الثامن هو إثبات أنه ولد فى الديانة اليهودية وليس دخيلاً عليها ، لأنَّ الدُخلاء يختتنون يوم دخولهم الإيمان اليهودى0 من جنس إسرائيل : هذا يؤكد نقاوة سلالته0 من سبط بنيامين : الذى كانت له مكانة خاصة فى إسرائيل ، فبنيامين هو الإبن الوحيد ليعقوب الذى وُلد فى أرض الموعد ، كما ظل سبطه ملازماً لسبط يهوذا بعد الإنقسام أى متمسكاً بالعبادة فى هيكل أورشليم0 عبرانى : وُلد من أبوين عبرانيين واحتفظ باللسان العبرى بالرغم من أنه وُلد فى بلد أممى0 عبرانيين : أى نسل إبراهيم لأنَّ عابر هو أحد جدود إبراهيم تك 11 : 16 ، ويسمى إبراهيم العبرانى لأنه عبر النهر وترك أهله وعشيرته كما قال له الله ليعيش فى أرض كنعان ويعبده هناك اع 7 : 2 0 فريسى : تعلَّم وتدرب على المذهب الفريسى الأضيق فكان واجبه هو حفظ تفاصيل الناموس0 يُعلن بولس أنه يهودى بالحقيقة مثل سائر اليهود ، فيؤكد ختانه ويوضح نسبه بل أفضليته إذ كان من المدققين فى التمسك بالناموس أى فريسى0
ع 6 : قبل إيمان بولس بالمسيح كان شغله الشاغل هو هدم الكنيسة واضطهاد المسيحيين ، وكان مدققاً جداً فى تنفيذ وصايا الناموس حتى أنه لم يخالف تعاليمه فى شئ طيلة حياته السابقة ، فلا يستطيع أحد أن يلومه على أى تقصير منه0
ع 7 : كل الإمتيازات السابقة والتى يعتبرها الكثيرون من اليهود مكاسب كثيرة ، إعتبرها بولس أنها بلا نفع وكلا شئ إذا عاقته عن معرفة المسيح0
ع 8 : ما خسره بولس الرسول بتركه للديانة اليهودية عندما آمن بالمسيح ، إعتبره لا شئ أمام ما ربحه وهو حياته الجديدة فى الإيمان المسيحى0
ع 9 : إتحادى بالمسيح فى الكنيسة يعطينى الأمان وأنال الخلاص ببنوتى لها ، أمَّا خارج الكنيسة فهو الضياع والهلاك الأبدى ، لأنَّ الناموس عجز عن منح الإنسان البر فالإنسان لا يمكنه أن يتبرر بذاته ولكن بالإيمان بالمسيح يصل إلى حالة البر والقداسة0
+ كل ما قد يعطيه لنا العالم لا يُشبع نفوسنا ، أمَّا معرفة المسيح فتريح قلوبنا وتهبنا سلاماً يفوق كل عقل0 لذلك ليتنا نعطى الأولوية فى وقتنا لله قبل إنشغالات العالم وراحته ولذاته فهى كلها فانية ولا تُشبع نفوسنا0
(3) السعى الدائم من أجل الملكوت ع 10 - 16 :
ع 10 : رفض القديس بولس لكل الميزات السابقة كان من أجل معرفة المسيح معرفة حقيقية ، وإدراك ما حققه من نصرة على قوى الشر جميعها حين أقام نفسه بقدرته الإلهية بعد موت الصليب ، فانتشله من موت الخطية إلى حياة الشرِكة معه ، متقبلاً كل ألم يفرضه عليه العالم ، ليشارك الرب يسوع آلامه لأجل البر ، ويشتهى الإستشهاد متشبهاً بموته0
ع 11 : يتمنى الرسول أن يقوم فى يوم الدينونة العظيم قيامة الأبرار إلى الحياة الأبدية0 ويُبرز هنا صعوبة الوصول إلى هذا الأمر وأنه يحتاج إلى جهاد وحذر0
ع 12 : أراد الرسول أن يعلمنا أنه طالما نحن فى الجسد فلابد أن نجاهد نحو الكمال حتى النفس الأخير ، فهو يُعبر هنا تعبيراً واضحاً عن حياة السعى والجهاد حتى نصل إلى الخلاص والحياة الأبدية ، تلك النهاية السعيدة التى من أجلها بحث عنه السيد المسيح وحوَّله من مضطهد للكنيسة إلى رسول عظيم يدافع عن الإيمان المسيحى0
ع 13 : بعد تفكير القديس بولس فيما قام به خلال حياته ، يرى أنه لم يصل بعد للمستوى المطلوب0 فمازال يلزمه الكثير من النمو ، لذلك فالشئ الوحيد الذى يضعه أساساً لجهاده الحالى هو رفض النظر إلى ماضى حياته بما فيه من أخطاء ، وتركيز أفكاره وجهده فى مسئوليته تجاه ربه وكنيسته0
ع 14 : جعالة : مكافأة0 الغرض الذى يسعى من أجله هو دعوة الله المقدسة لخلاص الجميع وتكليله بإكليل المجد الذى يهبه له فى ذلك اليوم الديان العادل0
+ على قدر ما تشعر بعظمة الوجود مع الله ومجد الملكوت ، تتمسَّك بالجهاد فى الحياة الروحية وترفض كل خطية بالتوبة ، بل تقطع كل مصادر الشر وتثابر فى جهادك بمعونة الله الذى يسندك ويشجعك حتى تصل إلى هدفك0
ع 15 : هذا : أى السعى الدائم فى الجهاد الروحى0 الكاملين : الساعين نحو الكمال0 فليكن لنا نحن الناضجون روحياً هذا الفكر الذى هو فكر المسيح ، أمَّا لو إنشغل بعضكم بفكر آخر خلاف هذا وتعرض لإنحرافات فى الطريق ، فإنَّ الله سيعلن لكم الحق بروحه الساكن فيكم0
ع 16 : ما أدركناه : ممارستنا الروحية السابقة من صلوات وأصوام وعبادات مختلفة0 القانون : النظام الروحى الذى نعبد به الله ونخدمه0 نفتكر ذلك عينه : أهمية الإستمرار فى الجهاد الروحى0 ما مارسناه من جهاد روحى فى حياتنا الروحية الماضية فلنواظب عليه متأكدين من أهمية السعى الدائم نحو الملكوت0
(4) نهاية الأشرار والأبرار ع 17 - 21 :
ع 17 : لأنَّ الرسول يتمثل فى حياته بالمسيح ، فهو يطلب من الفيلبيين أن يتمثلوا به فى حياته وسلوكه أيضاً ، ويتمثلوا أيضاً بمرشديهم الروحيين الذين هم قدوة لهم0
ع 18 : يسيرون : يسلكون فى الشر والبدع الغريبة0 أعداء صليب المسيح : بأفكارهم المنحرفة يضلون الناس عن المسيح المُخلص المصلوب لفدائنا0 هؤلاء الذين إتبعوا التعاليم الغريبة وحذرهم الرسول من أن يتأثروا بآرائهم ، يكرر هنا التحذير منهم برغم حبه لهم وبكائه عليهم0 فالرسول يُبغض شرورهم وخطيتهم وليس أشخاصهم ، فهو يعتبرهم أبناء ضالين0
ع 19 : هؤلاء المعلمين الكذبة مصيرهم الهلاك الأبدى ، فهم دائماً مسرعون لإرضاء نزواتهم ورغباتهم الدنيوية ويفعلون الشر ويتباهون بفعله0
ع 20 : أمَّا نحن فلأنَّ وطننا الأصلى هو السماء ، نسلك روحياً مثل السمائيين ، متوقعين بشوق شديد قدوم المسيح فى مجيئه الثانى ، ومنتظرين وعده ليخلصنا من شقاء العالم الحاضر وتمتعنا بمجده الأبدى0
ع 21 : لأنه هو الذى سيحول جسدنا الضعيف هذا والمُعرَّض للمرض والألم والتشويه والقابل للخطية والسقوط ، إلى جسد ممجد بلا خطية على غرار جسده الذى قام به من الأموات ، فالذى إستطاع أن يقهر الموت بذاته له القدرة على إحياء أجسادنا المائتة0
+ ليتنا ننظر كل يوم إلى هدفنا وهو السماء حتى نسلك بما يليق بالحياة فيها بطهارة وحب لكل أحد ونتأمل دائماً حياة الملائكة والقديسين فى السماء ونتشفع بهم ونقتدى بسلوكهم ، فنتذوق عربون الملكوت ونحن على الأرض وتزداد أشواقنا إليه0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح