كلمة منفعة
لا يكفى أن يكون العمل الذي نعمله خيرًا في أهدافه وإنما يجب أن تكون الوسيلة التي نعمله بها، وسيلة خيرة وطيبة.
— الوسيلة الطيبة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
غلاطيه - الاصحاح رقم 3 غلاطيه الإصحاح رقم 3 الأصحاح الثالث التبرير بالإيمان يبدأ القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه على هذا الأصحاح بالقول: [هنا يَعبر (الرسول) إلى موضوع آخر؛ ففي الإصحاحين السابقين أوضح أنه رسول لا من الناس ولا بإنسان ولا في حاجة إلى إرشاد رسولي. الآن إذ أكد سلطانه كمعلمٍ يسترسل في الحديث بأكثر ثقة، مقارنًا بين الإيمان والناموس.] يمكن أن يُعفي عن مجرم، لكنه لا يُحسَب بارًا. أما التبرير فهو عمل الله الذي لا يغفر آثامنا فحسب، وإنما يقدم برّ المسيح لحسابنا. يهبنا برًا ليس من عندياتنا بل هو برّ المسيح. الله يبرر الخاطئ التائب ولا يبرر خطاياه. 1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل 1-5. 2. خبرة إبراهيم 6-9. 3. لعنة الناموس 10-14. 4. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم 15-18. 5. غاية الناموس 19-25. 6. أبناء بالإيمان 26-29. 1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل يبدأ القديس بولس حديثه بخصوص الإيمان كمصدر للتبرير بالإشارة إلى خبرة الغلاطيين أنفسهم. لقد دعاهم أغبياء [1]، ليس "باطلاً " مت (22:5). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه بعدما أظهر أنهم رفضوا الإيمان، وحسبوا موت المسيح بلا هدف، قام بتوبيخهم الذي مهما بدا عنيفًا، فهو أقل مما يستحقون!] دعاهم أغبياء لأنهم تجاهلوا خبرتهم الشخصية مع المخلص وعمله الفدائي، وكما يقول القديس أغسطينوس: [نحن ندافع عن الرسول الذي دعا الغلاطيين أغبياء، وقد دعاهم أيضًا إخوة، ذلك لأنه لم يقل هذا باطلاً .] أ. لقد رسُم المصلوب بوضوح أمام عيونهم [1]: بالإيمان يرى الغلاطيون المسيح المصلوب أكثر وضوحًا من كثير من اليهود الذين كانوا في أورشليم منهمكين في أعمال الناموس الحرفية؛ فكيف يقللون الآن من شأن الإيمان في غباوة بقبولهم خداع هؤلاء الذين يتكلمون على أعمال الناموس؟ + لم يصلب (السيد المسيح) في غلاطية بل في أورشليم، ومع هذا يقول: "بينكم" ليعلن عن قوة الإيمان في رؤية أحداث تمت على بعد مسافات (حدث الصلب)... لقد رأوا بعيني الإيمان بأكثر وضوح من بعض الذين كانوا حاضرين ومشاهدين للصلب... هذه الكلمات تحمل مديحًا ولومًا؛ تمدحهم لقبولهم الحق المطلق، وتلومهم لأنهم تركوا المسيح الذي شاهدوه عاريًا، مطعونًا، مسمرًا على الصليب من أجلهم، ولجأوا إلى الناموس، دون أن يخجلوا من هذه الآلام (التي احتملها عنهم).] القديس يوحنا الذهبي الفم ب. لقد اختبروا نعمة الروح القدس [2] بالإيمان وليس بأعمال الناموس. لقد نالوا بالفعل قوة الروح العظيمة ومزاياها في حياتهم اليومية وسلوكهم، فلماذا يتركون هذا ويرتدون إلى الناموس العاجز عن أن يهبهم شيئًا كهذا؟ ج. هم أغبياء، لأنهم بدأوا بالروح، بالأمور العليا، وانحدروا إلى الأسفل، أي إلى أعمال الناموس الخاصة بالجسد [3]. يبدأ الإنسان الحكيم عادة ببدايات صغيرة ثم يتقدم إلى الأمور العليا، أما هم ففعلوا العكس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعدما تتفرسون في الشمس تطلبون شمعة؟ بعدما تأكلون طعامًا قويًا تجرون وراء اللبن؟] د. لقد احتملوا الكثير من أجل إيمانهم، فهل كان هذا عبثًا؟ [4]. لقد تألمتم كثيرًا بسبب إيمانكم، فلا تخافوا من هؤلاء المخادعين، لئلا يجردونكم من إكليلكم ويسرقونه منكم. ه. لقد نلتم الروح القدس الذي يعمل عجائب بينكم، وذلك بخبر الإيمان وليس بأعمال الناموس. + يقول: هل نلتم عطية عظيمة كهذه، وتممتم مثل هذه العجائب، لأنكم حفظتم الناموس أم لأنكم التصقتم بالإيمان؟ واضح أن هذا تحقق بسبب الإيمان. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. خبرة إبراهيم التبرير بالإيمان ليس خبرة جديدة، فإنه حتى قبل الناموس كان لإبراهيم أب الآباء ذات الخبرة. يؤكد القديس بولس خبرة إبراهيم لأن له قدره العظيم عند اليهود، كما يترجى الأمم أن يُحسبوا أولاده بالإيمان وليس حسب الجسد. يقدم القديس بولس البراهين على أن إنجيل الحرية يتفق مع وعود العهد القديم، مبرزًا التناغم الكامل بين تعليم العهد القديم والإنجيل. لقد أساء المتهودون فهم علاقة المسيحية بالعهد القديم، لذلك فهو يلفت الإنتباه إلى الأساس التعليمي لعقيدته بخصوص تحرر الأمم من الناموس الموسوي، مظهرًا أنهم ورثة المواعيد والبركات التي أُعطيت لإبراهيم قبل الناموس وقبل الختان . أ. بحسب التقليد اليهودي نفسه جاء في عظة مدراشية ("مدراش" تعني تفسيرًا) أن إبراهيم حسب بارًا أمام الله بالإيمان [6]. وليس بحفظ طقوس ناموسية. ب. بالمنطق، يليق بأولاد إبراهيم من اليهود أو الأمم أن يتشبهوا به؛ أي أن يعيشوا بالإيمان، فيشاركوه في المواعيد. أبناء إبراهيم الحقيقيون هم فقط الذين يتمثلون بإيمانه. فضيلة الإيمان تأتى بالأمم إلى الالتصاق بإبراهيم أكثر من اليهود نسله حسب الجسد. الذين يتكئون على الإيمان بالمسيح يسوع لتبريرهم سوف يتباركون مع إبراهيم المؤمن. + يعلمنا الرسول بكمال خلال كلماته الواردة في رسالته إلى أهل غلاطية أن إيماننا كان مرموزًا إليه في إبراهيم باعتباره بطريرك (أب) إيماننا ونبيًا له [59]... يعلن الرسول أن هذا الرجل لم يكن نبيًا للإيمان فحسب، وإنما كان أبًا للأمم الذين يؤمنون بيسوع المسيح، لأن إيمانه واحد مع إيماننا. + نحن أبناء إبراهيم بسبب تشابه الإيمان والوعد بالميراث. القديس إيريناؤس + إن كان ذاك الذي كان قبل النعمة قد تبرر بالإيمان مع أنه كان غنيًا بالأعمال، فبالأولى نحن (نتبرر بالإيمان). لأنه أية خسارة لحقت بإبراهيم بكونه ليس تحت الناموس؟ لا شيء؛ فإن إيمانه كان كفيلاً للتمتع بالبرّ. + إذ اعتمدوا كثيرًا على أنهم من نسل إبراهيم، وخشوا من تخليهم عن الناموس لئلا يجعلهم غرباء عنه، لذلك حوٌل بولس ذلك إلى برهان ضدهم، مُثبتًا أن الإيمان على وجه الخصوص هو الذي يربطهم بإبراهيم . القديس يوحنا الذهبي الفم ج. اعتاد المعلمون الكذبة أن يربكوا الغلاطيين بقولهم إن الناموس جاء أولاً ثم الإيمان. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الآن يزيل هذا المفهوم بإظهار أن الإيمان سبق الناموس، كما يتضح في حالة إبراهيم الذي تبرر قبل استلام الناموس.] تبرر إبراهيم قبل وضع ناموس الختان بخمسة عشر عامًا. د. بشٌر مُعطى الناموس إبراهيم بأن الأمم تتبرر بالإيمان [8]. لو أن التبرير يتحقق بأعمال الناموس لبشر الله إبراهيم بإعطاء الناموس، لا بتقديم بركة الإيمان. + "الله" نفسه الذي أعطى الناموس قد وضع أن يتبرر الوثنيون بقبولهم الإيمان. لم يقل "أعلن" بل "بشر بالإنجيل" ليشير أن الأب (إبراهيم) كان مبتهجًا بأسلوب التبرير هذا وكان له رغبة عظيمة لإتمامه (الكرازة بالإنجيل تعنى الكرازة بالأخبار السارة أو المبهجة). القديس يوحنا الذهبي الفم هـ. يتحقق الخلاص من لعنة الناموس خلال السيد المسيح الذي فيه تحققت بركة إبراهيمم [10-14]. 3. لعنة الناموس يشهد الناموس ذاته (تث 26:27) أن الذين يسعون أن يتمموه هم تحت اللعنة، لأنه يطالبنا أن نعمل به مُفترضًا أن ننال البرّ بذلك بينما في الواقع تقودنا هذه الأعمال إلى الكبرياء عندما نُتممها، وهذا هو جوهر الخطية. لا يقدر الناموس أن يهب البرّ بل يجلب موتًا على كل من لا يحفظونه (10:3). اللعنة هي حكم صادر ضد كل كاسرٍ للناموس بينما تحل البركة على كل من يعيش بالنعمة. بمعنى آخر من يحسبون أنفسهم أبرارًا بسبب أعمال الناموس يسقطون في الكبرياء، ويصيرون تحت اللعنة، والذين يعجزون عن تحقيق كل أعماله هم أيضًا تحت اللعنة، والآن كيف ينتشلنا السيد المسيح من هذه اللعنة؟ يمكننا القول بأننا خلال الخطية صرنا تحت اللعنة، بينما صار مخلصنا الذي بلا خطيه لعنة لأجلنا [13]، لا بارتكابه خطية ما، وإنما بتعليقه على خشبة، وهكذا احتضننا ونحن تحت اللعنة، وأنقذنا منها بنعمته. خلصنا المسيح المصلوب من اللعنة، إذ حقق في شخصه كل متطلبات الناموس بالكامل، وفي الوقت نفسه صنع كفارة كاملة وتامة عن كل تعديات اليهود (والبشرية بوجه عام) ضد الناموس. هكذا صار الناموس مرضيًا لا يطالب السيد المسيح ولا بقية الجنس البشري بشيء ماداموا متحدين معه بالمعمودية. يقول القديس يوستين في حواره مع (تريفو اليهودي) أن العائلة البشرية كانت في حاجة أن تُفتدى من اللعنة بواسطة الصليب. [إن ظهر الذين هم تحت الناموس أنهم تحت اللعنة لعدم ملاحظتهم كل متطلباته، كم بالأكثر تكون كل الشعوب التي تمارس الوثنية ويُغوون الشباب ويرتكبون جرائم أخرى؟ إن كان أب الكل قد أراد لمسيحه أن يحمل لعنة الكل من أجل كل البشرية، عالمًا أنه يقيمه بعد صلبه وموته، فلماذا تجادلون بخصوصه هذا الذي خضع للأمم هكذا حسب مشيئة الآب وقبل اللعنة عوض أن تبكوا على أنفسكم؟] + ها أنتم ترون كيف يبرهن أن الذين يلتصقون بالناموس هم تحت اللعنة، إذ يستحيل عليهم أن يتمموه [10-11]؛ ثم كيف جاء الإيمان يحمل قوة التبرير هذه مادام الناموس عاجزًا تمامًا عن أن يقود الإنسان للبر، فالإيمان هو العلاج الفعّال الذي يجعل ما كان مستحيلاً بالناموس ممكنًا (رو 8: 3)... استبدل المسيح هذه اللعنة بلعنةٍ أخرى، "ملعونّ كل من عُلِّق على خشبة". إن كان مَنْ يُعلَّق على خشبة ومن يتعدّى الناموس كلاهما تحت اللعنة، وإنه كان من الضروري لذاك الذي يحرر من اللعنة أن يكون هو حرًا منها، إنما يتقبل لعنة أخرى (غير لعنة التعدي)، لذلك قُبِل المسيح في نفسه هذه اللعنة الأخرى. (خلال التعليق على خشبة) لكي يحررنا من اللعنة... لم يأخذ المسيح لعنة التعدي، بل اللعنة الأخرى، لكي يَنتزع اللعنة عن الآخرين. "على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 9:53). إذ بموته خلص الأموات من الموت، هكذا بحمله اللعنة في نفسه خلصهم منها.] القديس يوحنا الذهبي الفم + عند سماعنا "المسيح قد صار لعنة لأجلنا" [13]، و"لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكُليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمل اللعنة التي علينا (إش 53: 4؛1 بط 2: 24). + كما أن المسيح بذاته لم يصر لعنة، إنما قيل هذا لأنه أخذ على عاتقه اللعنة لحسابنا، هكذا صار جسدًا لا بتحوله إلى جسد، إنما اتخذ جسدًا من أجلنا وصار إنسانًا. + إنه يُرشد اليهود وأهل غلاطية أن يضعوا رجاءهم لا في الناموس بل في الرب مُعطى الناموس. البابا أثناسيوس الرسولي + صار خطية ولعنة لا لحسابه بل لحسابنا... صار لعنة لأنه حمل لعناتنا. القديس أمبروسيوس + كيف يمكن أن يكون خطية ذاك الذي يحررنا من الخطية؟ وكيف يمكنه أن يكون لعنة ذاك الذي يفدينا من لعنة الناموس؟ حدث هذا ليمارس تواضعه إلى هذه الدرجة، ولكي يُشكِلنا نحن بالتواضع الذي يجلب مجدًا. + دُعي لعنة من أجلي، هذا الذي حطم لعنتي... صار آدم الجديد ليحتل مكان آدم الأول، وبهذا فقط يجعل عصياني عصيانه هو بكونه رأس الجسد كله. القديس غريغوريوس النزينزي + صار مطيعًا ذاك الذي "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (راجع مت 8: 17)، فشفي عصياننا؛ إذ بجلداته شَفي جراحاتنا وبموته طرد الموت العام الذي سيطر على كل البشرية. من أجلنا أطاع حتى صار "خطية" و"لعنة" بتدبيره لحسابنا؛ لم يكن هكذا بالطبيعة، إنما صار كذلك من أجل حبه للإنسان. القديس غريغوريوس النيسي + بالناموس صرنا تحت اللعنة، بينما بنعمة المسيح خلصنا منها. + النعمة عادةً تُعلِن عما يفعله الله لأجلنا (1 كو 15: 3- 4)؛ أما الناموس فيُعلن عما يطلبه الله منا (خر 20: 1- 7). + النعمة تهبنا حياة وقوة لكي نطيع الوصية ( يو 14: 23 ) ونتقدس ( رو 6: 14-22 )، أما الناموس فيأمر بالطاعة والقداسة الكاملة (تث 6: 24- 25) وإلا سقطنا تحت الموت (يع 2: 10). + النعمة غالبًا ما تكشف عن حب الله لنا ( يو 3: 16)، أما الناموس فغالبًا ما يأمرنا بحب الله (مت22 : 37). + بالنعمة أُعلِن لنا عن البركات الإلهية (غل 4:3)، بينما أُعلِنت اللعنة ونحن تحت الناموس (غل 3: 10). + النعمة تهبنا الحرية في المسيح (غل 5: 1)، أما تحت الناموس فكنا عبيدً للخطية (غل 4: 1-3). + النعمة هي قوة الله (رو 1: 16)، أما الناموس فقوة الخطية (1 كو 15: 56). + بالنعمة نلنا البنوة للآب (غل 4)، أما الناموس فيحرم الإنسان من الحضرة الإلهية (خر 18: 12-24). + تُعِلن النعمة عن صورة الصالحات عينه، أما الناموس فله ظل الخيرات العتيدة (عب 10: 1). + بنسل إبراهيم (يسوع المسيح) تصير البركة للأمم (14) (تك22: 18؛ 26: 4). 4. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم بعد أن قدم براهين كثيرة تقوم على أساس التقليد اليهودي والكتاب المقدس استخدم الرسول مثلاً بشريًا، بقوله: "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول، ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15]. بمعنى آخر يجب احترام العهود البشرية، فلا يُزاد أو ينقص شيء من شروطها، والآن قد أُقيم عهد مع إبراهيم قبل استلام الناموس بحوالي 430 عامًا، لم يُذكر فيه حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان. فإذا ما أُضيف هذا الشرط (حفظ أعمال الناموس) بعد ذلك يُساء إلى العهد الإلهي. أِستُلِم الناموس بعد نوال وعد الله لا ليبطل الوعد، إنما ليمهد للإيمان. فإن كانت أعمال الناموس هي منبع الخلاص لما أخذ إبراهيم الوعد بالبركة بنسله وإنما باستلام الناموس. + خلال رمز ديمومة العهد الإنساني يدافع الرسول عن العهد الإلهي. العلامة ترتليان + "أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكّن ولو من إنسان أو يزيد عليه" [15]. هكذا يقول: "أيها الإخوة"... لقد دعاهم قبلاً "أغبياء" وها هو يدعوهم "إخوة"، وذلك لتوبيخهم في نفس الوقت... يقول: إن أقام إنسان عهدًا فهل يجرؤ مَن يأتي بعده من يُغيره أو يزيد عليه؟ هذا ما يعنيه بـ "يزيد عليه". بالأولى عندما يُقيم الله عهدًا؛ ومع مَنْ أقام عهدًا؟... أقام الله عهدًا مع إبراهيم، إذ وعده بأن تتبارك جميع الأمم في نسله، هذه البركة لا يمكن للناموس أن يُلقي بها جانبًا... أخذ إبراهيم وعدًا أن تتبارك الأمم في نسله، ونسله حسب الجسد هو المسيح [16-18]. القديس يوحنا الذهبي الفم أعطى الله وعده لإبراهيم ونسله قبل إعطائه الناموس بـ 430 عامًا. هذا الوعد السابق للناموس تحقق في يسوع، نسل إبراهيم. ذكر الرسول 430 عامًا عن الترجوم الفلسطيني (في التعليق على خر 12: 40)، وهي إعادة صياغة (تفسير) للنص الكتابي الذي يُتلى في الخدمات المقامة في المجمع أيام القديس بولس. يقول القديس أغسطينوس: [إن إبراهيم نال وعدًا ليس فقط في المسيح، نسل إبراهيم الذي يبارك الأمم [16]، بل وفي جسده، أي في كنيسة المسيح [28]. إن كان نسل إبراهيم يُفهم عن المسيح وحده، فإنه ينطبق علينا نحن أيضًا، أي على المسيح بأكمله: الرأس والجسد، المسيح الواحد.] 5. غاية الناموس أثُير السؤال الذي في افتتاحية هذا القسم (فلماذا الناموس؟) في سياق البرهان الذي يقدمه القديس بولس؛ حيث لم يُذكر بعد إلا الجانب السلبي للناموس وأعماله (رو 7: 25-27). يرفض القديس بولس فهم الناموس بكونه مضادًا لوعود الله، بل بالأحرى يؤكد أن عمل الناموس هو تحديد الوضع القانوني للإنسان أمام الله، وإن كان عاجزًا عن تقديم البرّ أو تغيير علاقة الإنسان بالله. سلطان حفظ أعمال الناموس الحرفية كأداة فعالة في تحقيق خطة الله محدود حتى يُعلن الإيمان ويأتي المسيح. + "وأما الوسيط فلا يكون لواحدٍ" [20]، ولكن الله واحد. لا انقسام بين الأقانيم كما تعلمنا في الإيمان (لأن اللاهوت واحد في الآب والابن والروح القدس). يصير الرب وسيطًا مرة بين الله والإنسان، فيربط الإنسان باللاهوت به. القديس غريغوريوس أسقف نيصص ما هو هدف الناموس الموسوي [19]؟ السيد المسيح قادر أن يخلص الخطاة، فلا تقدر النعمة أن تبدأ عملها حتى يُبرهن الناموس أننا مخطئون كما تظهر الرسالة إلى رومية لكل واحدٍ منا. يستطيع الناموس فقط "أن يُغلِق على الكل تحت الخطية" [22]، كما في سجنٍ؛ عندئذ جاء السيد المسيح ليهبنا الحرية ويقدم لنا برّه. الناموس روحي، لكنه لا يحمل قوة الخلاص أو إمكانية التبرير. غايته أن يُظهِر للجنس البشري الساقط مدى فساد الطبيعة البشرية الخاطئة التي بلا شفاء. يكشف للإنسان عن خطيته وعماه واستخفافه بالله وأنه ساقط تحت الغضب الإلهي. هكذا يقودنا الناموس إلى السيد المسيح بإبرازه حاجتنا إليه كمخلصٍ وطبيبٍ. + لم يُعْطَ الناموس لشفاء الضعفاء، وإنما للكشف عن ضعفهم وإظهاره... لقد تسلموا الناموس الذي لم يستطيعوا أن يتمموه؛ لقد عرفوا داءهم، والتمسوا عون الطبيب، مشتاقين أن يبرأوا إذ عرفوا أنهم في كربٍ، الأمر الذي ما كانوا ليعرفوه لولا عجزهم على تتميم الناموس الذي تسملوه. القديس أغسطينوس طالما يظن الإنسان أنه بريء، يُصيبه الكبرياء ويحتقر نعمة الله. لهذا فالناموس يذل هذا الكبرياء ويطرحه خارجًا، إنه معلم صالح عمله أن يُقنع المتكبرين بالحاجة إلى إصلاح، ويقود الأطفال كما إلى المدرسة، ويتأكد من تركيز انتباههم، وعند الضرورة يؤدبهم، ويطمئن على سلامتهم سلوكيًا وجسديًا. هذا المؤدب يتعهد الأطفال، فيقودهم في الشوارع ليُحضِرهم إلى المدرسة، ويدربهم على إيجاد متعة في قبول الأخبار السارة (الإنجيل) وخبرة الحياة المسيحية. عمله يتلاءم مع الطفولة حيث يدخل بالمؤمن من الطفولة إلى النضوج الروحي في المسيح (3: 25-29)، الذي يمنحه القدرة على ضبط النفس وإنكار الذات. يُصلح الله قلوبنا باستخدام إبرة حديدية (الناموس) أولاً، ليمد بعد ذلك خيط الإنجيل الدائم والحب والسلام والفرح. في السيد المسيح تحققت كل مواعيد الله. + يقول (بولس) إن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح يسوع... لم يَعُقهم الناموس قط عن الإيمان بإبن الله، لا بل بالأحرى حثهم على ذلك بقوله إنه لا خلاص للإنسان من جرح الخطية القديم إلا بالإيمان به، هذا الذي أخذ شِبه جسد الخطية، وارتفع عن الأرض على خشبة الاستشهاد، جاذبًا الكل إليه (يو12: 32 ؛ 3: 14)، ومقيمًا الأموات. القديس ايريناؤس + إذ لم يدرك اليهود خطاياهم، وبالتالي لم يشتاقوا إلى المغفرة؛ أُعطِي لهم الناموس ليتحسسوا جراحاتهم، لعلهم يتوقون إلى طبيب... الآن لا يتعارض المؤدب (الناموس) مع المعلم (السيد المسيح)، بل يتعاون معه، ينطلق بالشاب الصغير من كل رذيلة، ويُعِدُّه بكل رفق لكي يتقبل إرشادات معلمه. ولكن عندما تتشكل عادات الشاب حينئذ يتركه مُرشده كما يقول الرسول. إذن، كان الناموس مرشدنا، وكنا نحن خاضعين؛ لم يكن عدوًا لنا بل كان عاملاً مع النعمة في تعاون؛ ولكن إن دُفِعْنا إلى أسفل بعد قبول النعمة يصير بهذا مضادًا لنا، لأنه يُقيد أولئك الذين يجب أن يتقدموا في النعمة، ففي هذا تحطيم لخلاصنا. القديس يوحنا الذهبي الفم + إله العهدين واحد؛ في العهد القديم أنبأنا عن المسيح الذي ظهر في العهد الجديد؛ الذي قادنا إلى مدرسة المسيح بواسطة الناموس والأنبياء... إن سمعت أحد الهراطقة ينطق بالشر على الناموس أو الأنبياء، أَجِبْهُ بصوت المخلص قائلاً أن المسيح لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله (مت 5: 17). القديس كيرلس الأورشليمي إذ يقرأ القديس أثناسيوس كلمات القديس بولس أن الناموس المُعْطَى لليهود كمرشدٍ يتضمن الإيمان بالمسيح يوضح أنهم لم يفهموا ذلك ولا استطاعوا التلامُس مع الحق الذي نقتنيه والكامن في الناموس، لأنهم تمثلوا بالحرف ولم يخضعوا للروح. يقول Dom B. Orchard: [الحياة الدينية في العالم - في نظر القديس بولس مَرَّت بثلاث مراحل من أيام إبراهيم مؤسس جنس اليهود: 1. مِنْ إبراهيم إلى موسى: خلال هذه الفترة كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، دون وجود ناموس بالمعنى الإيجابي (ما عدا الختان وحده الذي وُجِد في العهد الإلهي مع إبراهيم - تك17: 11). 2. مِنْ موسى إلى المسيح: خلالها كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، مع الالتزام بحفظ الناموس الذي تسلموه في سيناء بطريقة إيجابية (الذي يبرر هو الإيمان لا الناموس). 3. منذ عهد المسيح: يتحقق التبرير بالمسيح وبحفظ الإنجيل (وهو أسمى من أن يكون مجرد تجديد للتهود).] 6. أبناء بالإيمان مهّد الناموس الطريق للإيمان، وكمرشدٍ جاء بنا إلى السيد المسيح حتى نتبرر بالإيمان [24]. فما هو دور الإيمان في حياتنا؟ إياه يقودنا إلى الإنسان الكامل [25]، فإننا جميعًا أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح. التبرير (dikaiosune)، الذي يعني في نظر القديس بولس عبورًا من حالة العداوة مع الله كثمرة للخطية الأصلية ومِنْ الخطية الفعلية إلى البنوة التي بها نقتني حياة المسيح الإلهية داخلنا، هي دائمًا هبة الله المجانية بمقتضى عطية الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6). "التبني" كلمة قانونية رومانية تعني "احتلال مركز الابن" في وضع شرعي. جاء السيد المسيح ليفتدينا حتى لا نظل بعد عبيدًا تحت الناموس، وإنما نملك كل امتيازات الأبناء والورثة البالغين، فندعو الله "آبا الآب" (4: 6). + لم نعد بعد تحت مؤدب [25]، "لأنكم جميعًا أبناء الله" [26]. يا للعجب! انظر! يا لعظمة الإيمان! ها يوضح الرسول ذلك تدريجيًا! قبلاً أظهر أن الإيمان يجعل منهم أبناءً لإبراهيم... الآن يبرهن أنهم أبناء الله أيضًا... بعد ذلك إذ يقول أنه لأمر عظيم ومدهش يوضح كيفية تبنيهم للَّه: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" [27]... ما دام المسيح هو ابن الله وأنتم قد لبستموه، واقتنيتموه داخلكم، وتشكلتم على مثاله، صرتم أقرباء له واحدًا معه في طبيعته. القديس يوحنا الذهبي الفم + مع أن الكتاب المقدس يشهد بأن ربنا يسوع المسيح هو إبن الله الوحيد، يقول إن المسيح منحنا أن نصير إخوة وشركاء معه في الميراث، بهذا نلنا نوعًا من التبني خلال النعمة الإلهية . + "آبا" بالعبرية تطابق"Pater" في اللاتينية... كما أن العبارة "آبا الآب" تتضمن فكرة الجنسين: (الإسرائيليون والأمم)، فإن كلمة "أب" نفسها بمفردها تشير إلى قطيع واحد يتكون من الاثنين معًا. القديس أغسطينوس البسوا المسيح + لا تسمح لدنس أو غضن يدنس نقاوة ثوب الخلود، بل احفظ قداسه كل أعضائك، إذ تلبس المسيح؛ إذ يُقال: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (أف 3: 27). لتكن أعضاؤكم جميعًا مقدسة فتكون كمرتدية ثوبًا من القداسة والنور. القديس باسيليوس الكبير + قد لبسنا المسيح بواسطة الماء والروح وإن كنا لم ندرك مجده. القديس اسحق السرياني + إذ اعتمدتم في المسيح، ولبستم المسيح، تصيرون على شكل ابن الله. القديس كيرلس الأورشليمي واحد في المسيح! يظهر شمول الإنجيل خلال الإشارات إلى العماد بكونه نتيجة لعمل الإيمان. فالمعمدون الجدد لا يلبسون المسيح فحسب (رو 4:13، أف 24:4)، وإنما يصيرون أيضًا واحدًا معه، يشتركون في صلبه ويتمتعون بالحياة الجديدة معه (20:2). مادام العماد يوّحد كل الأشخاص مع المسيح (1 كو 13:12) كما يربطهم أيضًا ببعضهم البعض، لأن جميعهم إخوة مات "المسيح لأجلهم" (1 كو 11:8؛ 15:14). لجميع المؤمنين رب بلا تمييز بينهم (رو 12:10-13؛ أف 11:2-22؛ كو 11:3). بالمعمودية نلبس المسيح [27] ونتحد كأعضاء معًا كأبناء لله فيه. "ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح" [28]. نصير كلنا واحدًا، لنا ذات الميراث الذي وعد به ابراهيم. "فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة" [29]. + هذا هو هدف السر العظيم من أجلنا. هذا هو غرض الله من أجلنا، هذا الذي صار إنسانًا وافتقر (2كو8: 9)، لكي يُحْيى أجسادنا (رو 11:8)، ونستعيد صورته (1كو15: 48)، ويتجدد الإنسان (كو3: 11) فنصير واحدًا في المسيح، الذي يعمل بكمال في جميعنا حتى إنه هو نفسه يكون حاضرًا، فلا يكون ذكر أو أنثى، بربري أو سكيثي، عبد أو حر، إنما تحمل ختم الله في أنفسنا، الذي به وله قد خُلِقْنا وأخذنا صورته ومثاله لكي نُعْرف بهذا وحده. القديس غريغوريوس النزينزي يقول القديس غريغوريوس النيسي: [إن خلقة طبيعتنا لها معنى ثنائي: طبيعة خُلِقتْ على مثال الله أفسدتها الخطية وجددها ربنا، وطبيعة تنقسم حسب تمايزنا (ذكر وأنثى).] من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث آية (1):- "1أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا! " أيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ= (راجع تفسير الأغبياء فى الصفحة الأولى من المقدمة)، والسيد المسيح حين قال: " من قال لأخيه يا أحمق..." كان هذا بعد قوله: " من يغضب على أخيه باطلاً.."، وباطلاً تعنى أن تهين شخصًا لأسباب دنيوية كأن يهينك مثلاً. وبولس لم يغضب عليهم ويصفهم بالأغبياء باطلاً أى لأسباب شخصية، بل كان له سبب وجيه، هو خوفه على خلاص نفوسهم. حزن بولس وغضبه يرجعان لسرعة اٍرتداد الغلاطيون للعبودية بعد أن تعب معهم وأراهم طريق النعمة وطريق الحرية وطريق الإيمان، بسبب الاخوة الكذبة. رَقَاكُمْ: الرقية هنا هى السحر، أى من كتب لكم تعويذة أو سحرًا، فارتدادهم كان سريعًا بدرجة عجيبة كأن عقلهم فى غيبوبة لذلك أسماهم بالأغبياء. فهم قد عميت عيونهم كأنها بسحر شيطانى، فلم يعودوا يميزون الحق من الباطل. وذهبى الفم يقول إن الرُقية هنا ناتجة ليس عن سحر حقيقى، بل هى ناتجة عن حسد الاخوة الكذبة بمفهوم العين الشريرة الحاسدة، وهم حسدوهم على الحرية التى هم فيها، فأرادوا أن يزعزعوهم عن الحق الذى هم فيه. الشيطان أغواهم لكى لا يطيعوا الحق. قَدْ رُسِمَ: فيها تصوير لقدرة بولس الرسول على شرح عمل المسيح كأنه قدم لهم لوحة مرسومة، فهو أوضح لهم كل صفات المسيح، قوته ومحبته وتواضعه... وأوضح صفة تميز شخص المسيح وتبرز الصفات السابقة كلها هى صليبه (1كو23:1، 2:2) وهذه الصفة هى التى أثرت فى الغلاطيين وألهبت قلوبهم بحب المسيح. ونلاحظ أنه ليس من المهم أن نعرف شكل المسيح جسديًا، فعين الإيمان ترى بوضوح أكثر من عين الجسد، ولنلاحظ ان الروح القدس هو الذى يعطى هذه الرؤية . فبعين الاٍيمان نرى المسيح مصلوبًا بحب وبذل عجيب عنا وهذا لا تراه عين الجسد. فاليهود رأوه بعيونهم الجسدية مصلوباًً ولم يروا حبه، رأوه بالجسد وصلبوه.. رأوه ولم يؤمنوا به ولم يحبوه. وحتى تكون لنا العيون الداخلية التى نرى بها الله والأذان التى تميز صوته، وحتى نتذوق حلاوة عشرته، هذا يستلزم نقاوة القلب ويستلزم القداسة (مت8:5+عب14:12) . آية (2):- "2أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْكُمْ هذَا فَقَطْ: أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟" هذه سخرية من بولس الرسول عليهم. هذه مثل مدرس أجابهُ تلميذ بإجابة خاطئة جدًا فسخر منه قائلاً: " علمنى من أين أتيت بهذه المعلومات الخطيرة ". فهم آمنوا وحل عليهم الروح القدس وابتدأ يعمل فيهم بقوته أعمال إعجازية عجيبة وأعطاهم مواهب ألسنة وشفاء. وهم قد اختبروا كل هذا، فكيف بعد ذلك يصدقون الاخوة الكذبة أن أعمال الناموس لازمة للخلاص. آية (3):- "3أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ! أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟" عمل الروح القدس فينا هو أنه يهدم الإنسان العتيق الذى فينا ويبنى الإنسان الجديد الذى هو على صورة المسيح. وهذا قطعًا لمن آمن واعتمد وحل عليه الروح القدس وكانت له إرادة التغيير التى تظهر فى جهاده " كم مرة أردت.. ولم تريدوا" (مت37:23) وكلما مات فينا الإنسان العتيق وقام الانسان الجديد نَكمُل. وهذا معنى نَكمُل بالروح. ومن يعمل ما عمله الغلاطيون يكون بلا حكمة : أَغْبِيَاءُ: فهم بعدما حصلوا على الروح القدس باعتباره القوة التى تغير طبيعتنا لنصير خليقة جديدة وجدهم الرسول عادوا لأعمال الجسد من ختان وتطهيرات ناموس ليكملوا. ويسميها الرسول هنا ممارسات جسد لأن فرائض الناموس تعتمد على ممارسات ظاهرية وخارجية، ولا تمس أعماق الحياة الباطنية، ولذلك قال عنها أنها لا تستطيع إلا أن تطهر الجسد عب 13:9. هنا الرسول يتعجب منهم كيف يعودون لأعمال الجسد بعد أن إختبروا عمل الروح فيهم. ولاحظ أنه يستعمل كلمة الجسد، فالجسد ضعيف وله شهواته الخاطئة إشارة لضعف الطرق التى إرتدوا إليها. آية (4):- "4أَهذَا الْمِقْدَارَ احْتَمَلْتُمْ عَبَثًا؟ إِنْ كَانَ عَبَثًا. " هم حين آمنوا تحملوا اضطهادات وأتعاب حتى بلغوا الإيمان الصحيح. وذلك من الوثنيين واليهود والإخوة الكذبة الذين يزعجونهم، فهل ما تحملوه كان عبثاً أى بلا سبب. إِنْ كَانَ عَبَثًا: أى هو ليس عبثاً قطعاً فأنتم تلمسون التغيير الذى حدث فيكم والمواهب التى حصلتم عليها . أى لماذا احتملتم ما احتملتوه من آلام، هل أخطأتم حين آمنتم، بل أنتم تخطئون الآن بارتدادكم. آية (5):- "5فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ، وَيَعْمَلُ قُوَّاتٍ فِيكُمْ، أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟" فَالَّذِي يَمْنَحُكُمُ الرُّوحَ: الله هو الذى يمنح الروح : ويعمل قوات فيهم. وهو يعمل هذا، أى أن الله منحهم الروح وبدأ الروح يعمل قوات فيهم بعد إيمانهم، فلم يسمع أن يهودى فى ظل الناموس كان يعمل قوات، وهم كأمم لم يعرفوا القوات (المعجزات والمواهب الروحية ) قبل إيمانهم. فبولس هنا يلجأ للمنطق. وكأنه يقول… قارنوا بين حالكم الآن وحالكم قبل الإيمان. الآن لكم مواهب وتعملون معجزات، وهذا بالإيمان بدون ناموس، واليهود أمامكم لم يكن لديهم القدرة على عمل قوات فى ظل ناموسهم، فلماذا تعودون للناموس، فبماذا سيفيدكم الناموس. وفى هذه الآية نراهم يعملون معجزات وفى الآية السابقة نراهم يحتملون الآلام لأجل المسيح، وهذه درجة أعلى روحياً. آية (6):- "6كَمَا «آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا»." بعد أن قدم الرسول أدلة من اختبارهم الشخصى ها هو يقدم أدلة من الكتاب، وهو هنا يقدم شخصية من الكتاب يمجدها الجميع وهو إبراهيم الذى قيل عنه آمن بالله فحسب له براً تك 6:15 (ترجمة سبعينية). وهذا التبرير حصل عليه إبراهيم قبل أن يختتن بحوالى 15 سنة. فالأمر فى الختان كان فى تك14:17 بل أن إبراهيم قيل عنه أنه تبرر قبل ناموس موسى بحوالى 400 سنة. إذًا إبراهيم قد تبرر دون ناموس ودون ختان. آية (7):- "7اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. " كيف يصير الغلاطيون أبناءً لإبراهيم وهم لم يعرفوه؟ البنوة التى يتكلم عنها الرسول هنا ليست البنوة الجسدية، بل بنوة فيها يتشابه الابن بأبيه ليس تشابه جسدى ولكن فى الصفات. فهم بإيمانهم شابهوا إبراهيم فى إيمانه، فليس من المهم أن يجرى فى عروقهم دماء إبراهيم، بل أن يجرى فى قلوبهم إيمان إبراهيم. وهكذا كل مؤمن هو ابن لإبراهيم. آية (8):- "8وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ»." فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ: قيل فى تك3:12 تتبارك فيك جميع قبائل الأرض. وقيل فى تك18:18 " ويتبارك به جميع أمم الأرض". لقد عاش الأمم فى ظلام دامس ولم تنقذهم فلسفاتهم من الخطايا ومن ألامهم. والناموس كشف لليهود عن خطاياهم ولكنه لم يخلصهم منها. لذلك صار الكل أممًا ويهودًا فى احتياج إلى مخلص الذى هو المسيح. ولو كان بالناموس خلاص لبشر الله إبراهيم بالناموس. ولكن الله بشر إبراهيم أنه سيأتى من نسله من سيكون سبب بركة لكل العالم " ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض" (تك18:22). بَشَّرَ: كلمة يبشر تشير لخبر مفرح. وقوله " لجَمِيعُ الأُمَمِ " يشير إلى علم الله السابق أن الأمم سيدخلون فى الإيمان، فهو هنا قال جميع قبائل الأرض وجميع الأمم، فهو بهذا أدخل الوثنيون مع اليهود فى البركة وفى الموعد، وأنهم بإيمانهم سيصيروا أبناء لإبراهيم. ونلاحظ كون أن إبراهيم يتبرر بالإيمان وأن فى نسله تتبارك الأمم، بهذا يكون الناموس مجرد مرحلة مؤقتة. الآيات (9-10):- "9إِذًا الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ. 10لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ»." هنا نجد الرسول يرسم لهم طريق للبركة وطريق للعنة. فطريق البركة هو الطريق الذى سلكه إبراهيم فتبرر وباركه الله. وكان كل هذا لأنه آمن، أما طريق الناموس فهو يقود للعنة إذ يقول الناموس إن كل من لا يلتزم بالناموس هو ملعون (تث26:27). وهنا سؤال لكل واحد فيهم... هل فيكم من استطاع أن يلتزم بكل بنود ووصايا الناموس، لذلك من يرجع للناموس يجد أن الناموس يحكم عليه باللعنة. وهل كان لإبراهيم خطايا؟ قطعًا كان له خطايا. ولكن نوعية إيمان إبراهيم جعلت الله يبرره بالرغم من خطاياه. والسؤال هنا لأهل غلاطية أى طريق تختارون البركة أو اللعنة.. الإيمان أم الناموس؟!. وإيمان إبراهيم كان يتلخص فى أن الله قادر أن يخرج حياة من الموت، فالله قادر أن يعطيه نسل من مستودع ميت، والله قادر أن يقيم له إسحق بعد أن يقدمه ذبيحة. لذلك كانت العلامة التى أعطاها الله لإبراهيم فيصبح بها فى عهد مع الله ولا يُقطع من شعب الله، أى تكون له حياة، هى علامة الختان. ولماذا الختان بالذات؟ لأن الختان فيه إشارة لنوعية إيمان إبراهيم. فالختان هو قطع جزء من الجسم وتركه ليموت، وبهذا يحيا الإنسان، فهو حياة بعد موت وهذا هو إيمان إبراهيم. ولذلك قال عنه بولس إنه ختم لبر الإيمان (رو11:4 وراجع تك9:17ـ14 وقارن تك4:17 مع رو17:4)، وهل إيماننا بالمسيح فقط يبررنا؟ راجع المقدمة لترى أن الإيمان هو المدخل لطريق التبرير. ولكن علينا أن نجاهد ونحيا حياة التوبة وبهذا نثبت فى المسيح، ومن هو ثابت فى المسيح يحسب كاملاً، فالمسيح جاء ليكمل الناموس عنى، يكمل الناموس الذى لم يستطيع أحد أن يكمله. وحياة التوبة هى أن نجاهد لنحيا كأموات أمام الخطية (رو11:6+ كو5:3) ومن يخطئ عن ضعف يسرع بالتوبة والاعتراف (1يو8:1، 9) وبهذا نظل ثابتين فى المسيح. ختامًا نقول إن الختان كان إظهارًا لنوعية إيمان إبراهيم ولكنه ليس شرطًا للخلاص بدليل أن إبراهيم نفسه تبرر قبل أن يختن. وإيمان إبراهيم كان فى أن الله قادر أن يخرج حياة من الموت. ومن يؤمن بالمسيح القادر أن يعطيه حياة إن مات عن الخطية يتبرر (ليس المقصود أن يحيا الإنسان بلا خطية تمامًا بل أن يجاهد وإن سقط عن ضعف يتوب). آية (11):- "11وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا»." نجد الرسول هنا يلتقط آية من سفر حبقوق هى أن " البار بالإيمان يحيا" ويستشهد بها بأن الإيمان هو طريق الحياة. وهذه الآية من (حب4:2)، وقالها حبقوق بقصد أن المؤمن بالله سينجو من الهلاك الآتى بيد بابل. قطعًا لو استطاع إنسان أن يلتزم بالناموس بالكامل سيحيا ولن يهلك ولأنه لا يوجد هذا الإنسان، دبر الله أن يكون الإيمان بالمسيح هو طريق التبرير وطريق الحياة. آية (12):- "12وَلكِنَّ النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلِ «الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا»." قيل عن الناموس إن الإنسان الذى يفعلها يحيا بها (لا5:18). لكن الناموس هذا يشمل وصايا أخلاقية كما يشمل أعمال تطهير وخلافه كالختان... إذًا نقطة البدء فى الناموس هى الأعمال. النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ: فى المسيحية نقطة البدء هى الإيمان، ومن يؤمن بالمسيح، فالمسيح يعينه فى كل شئ، بل بدونه لا نقدر على شئ (يو5:15 + فى13:4). لذلك الناموس ليس من الإيمان، هو مختلف عنه تمامًا. لأن الناموس **يركز على أن أعمل أنا الأعمال**. أما الإيمان بالمسيح فيعطينى أن المسيح يحيا فىّ فتكون لى أعمال بر أعملها بالمسيح الذى فىَّ، هى أعمال نابعة عن النعمة والتى تأتى كثمرة للإيمان، ودليل على وجوده وفاعليته. ولكن وضع الله الناموس ليعلم الإنسان الطاعة والخضوع لله وكره الخطية والنجاسة، وكل الطقوس والممارسات الشكلية فى الناموس كانت رمزًا للمسيح لذلك نسمع فى آية 24 أن الناموس مؤدبنا إلى المسيح. ولم يستطيع أحد أن يلتزم بالناموس، لكن بالمسيح استطعنا ذلك (رو 3:8، 4). آية (13):- "13اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ»." فى (غل10:3 + تث26:27) نرى أن من لا يلتزم بكل الناموس يكون تحت اللعنة. وفى (غل12:3+لا5:18) من يفعلها يحيا بها. وهذا ثبت استحالته. لذا صار الكل تحت اللعنة. وهذا ما اعترف به الرسل فى أع 10:15. والمسيح افتدانا من هذه اللعنة لما حمل خطايانا فى جسده ومات تحت اللعنة على الخشبة (تث22:21و23) وبنفس المفهوم قيل إنه صار خطية لأجلنا (2كو21:5). فالكهنة اليهود حكموا على المسيح بأنه مخالف للناموس أى خاطئ وأوقعوا عليه لعنة الناموس وحكموا بموته معلقًا على خشبة رمزًا للعنة والعار. والمسيح رضى بالحكم ولم يعترض فهو الحكم الصادر على البشرية التى يحملها فى جسده معتبرًا جسده ذبيحة خطية. واللعنة هى لعنة الله نفسه التى تأكل بنار متقدة المضادين ولقد قبلها المسيح فى نفسه إذ صار هو لعنة وقبل أن تشتعل فيه نار الغيرة الإلهية لتحمل لعنتنا. ويقول البابا أثناسيوس الرسولى إن القول بأن المسيح صار لعنة وصار خطية يشير إلى أنه قَبِلَ اللعنة والخطية (صار المنظر على الصليب، والمسيح خاطئ مدان فهو حمل لعنتنا وحمل خطيتنا ليميتها بموته) وذلك كقولنا صار جسدًا (يو14:1) فهذا لا يشير لتحوله إلى جسد بل أنه لبس جسدًا (اتخذ له جسدًا) مع احتفاظه بلاهوته بلا تحول ولا تغيير. وهكذا هو صار له منظر الخطية واللعنة مع احتفاظه ببره وقداسته. وهو حمل خطيتنا لنأخذ نحن بره . وقوله صار خطية يوسع دائرة تحمل المسيح لخطايا البشرية لتتعدى الزمان والمكان بمعنى أنه صار كفارة أبدية. وهو لحمله خطايا كل البشر صار لعنة بحسب الناموس= فكما رأينا ان الناموس يلعن المصلوب وصار خطية (1بط24:2) وبموته قتل الخطية لينقذنا منها. افْتَدَانَا: قارن مع (1بط18:1ـ20) فهى فدية على مستوى الذبيحة للكفارة + أع28:20 + إش1:43، 3، 4، 14، 25 +6:44، 22ـ24، فالرب اشترانا لنفسه لمحبته. ويمكن أن نقول عن إنه صار خطية وصار لعنة أن المسيح ظهر فى شكل جسد الخطية ومات بجسده ميتة ملعونة ناموسيًا أى الصلب. آية (14):- "14لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ. " وكأن لعنة الناموس ظلت حاجزة بين بركة إبراهيم والنسل الموعود له بالبركة (أى الأمم كلها). وكان لا يمكن للبركة أن تصل لنا إلا بعد أن حمل المسيح اللعنة . وبعد أن حملها حلت على المؤمنين (أولاد إبراهيم بالإيمان) أعظم بركة أى الروح القدس الذى نناله بالإيمان. لقد صار موعد الروح بالإيمان لمن يؤمن بالمسيح عوضًا عن موعد سيناء بالناموس. ولقد صار الإيمان بالمسيح سببًا فى رفع اللعنة عنا. فالصليب أزال اللعنة والإيمان أعطانا التبرير وكلما نجاهد لنسلك فى البر تغمرنا نعمة الروح. لقد كان الناموس هو الخطوة الأولى للتعرف على الله. ثم صار الإيمان هو واسطة نوال موعد الروح. آية (15):- "15أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ أَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ. " أيُّهَا الإِخْوَةُ: سبق وقال لهم يا أغبياء للتوبيخ وهنا يشجعهم بقوله لهم إخوة. فمن الحكمة أن يقسو مرة عليهم، ومرة أخرى يعاملهم برفق ليجتذبهم. وهنا يلجأ بولس الرسول لمنطق واضح جدًا. أنه إذا وعد إنسان إنسان آخر بشئ لا أجرؤ أنا أو غيرى أن نغير وعد هذا الرجل ونضيف شروطًا أخرى عليه. فما بالك بوعد الله لإبراهيم، فالله تعهد لإبراهيم فكيف يجرؤ الإخوة الكذبة على نقض عهد الله بالزيادة أو بالنقصان، فهم يريدوا أن يضيفوا ناموس موسى لوعد الله لإبراهيم؟ 1 ـ إبراهيم يتبرر بالإيمان... راجع آية6... تك6:15 2 ـ فيك تتبارك كل الأمم...راجع آية 8 ... تك3:12 وكانت هذه الوعود لمجرد إيمان إبراهيم فمن من حقه أن يضيف شيئًا آخر كالختان أو الناموس الذين أتوا بعد وعد الله بسنوات طويلة. بولس يريد أن يقول لأهل غلاطية، إن الله وضع شرط الخلاص والتبرير بالإيمان. إذًا عليهم أن لا يضيفوا شيئًا آخر على ما قاله الله لإبراهيم. ونلاحظ أن الناموس أتى بعد الوعد بحوالى430 سنة ولم يذكر فى الوعد شئ عن حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان، فإذا ما أضيف شئ أى حفظ الناموس لوعد الله يُساء إلى العهد الإلهى. فهل يغيّر الناموس الذى أتى بعد الوعد بـ430 سنة وعد الله لإبراهيم؟ قطعًا لا. ووعد الله لإبراهيم بأن يبارك الأمم فيه (تك3:12) شرطه أن يشبهوا أباهم إبراهيم ويؤمنوا مثله ويعملوا اعماله (يو8: 39 ) فيكونوا أولاده فى الإيمان (غل7:3 ،8). فمن يؤمن مثله يتبارك مثله. بِحَسَبِ الإِنْسَانِ: أى سأستعمل تشبيهات بشرية. آية (16):- "16وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ:«وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ:«وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. " الكتاب تكلم عن البركة التى ستكون لأولاد إبراهيم الذين يشبهونه فى إيمانه. فما هى هذه البركة؟ هنا نسمع أنها نسل إبراهيم أى المسيح. ولاحظ بولس الرسول أن الكتاب قال " ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض" (تك18:22) ولاحظ أن نسلك جاءت بالمفرد. وهنا يقول أن الكتاب لم يَقُل " وفى الأنسال" حتى لا يقول اليهود إنهم هم الذين سيباركون العالم كأنسال إبراهيم بالجسد. وعود الله لإبراهيم بدأت فى تك3:12 ثم18:18 ثم18:22 وقارن مع رو13:4. وإبراهيم نال هذه البركة، أنه سيتبارك العالم كله فى واحد من نسله أى من أحفاده. والناموس لا يستطيع أن يلغى هذا الوعد الذى أخذه إبراهيم خصوصًا أنه جاء بعد 430 سنة من الوعد الذى كان فى حاران. آية (17):- "17وَإِنَّمَا أَقُولُ هذَا: إِنَّ النَّامُوسَ الَّذِي صَارَ بَعْدَ أَرْبَعِمِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، لاَ يَنْسَخُ عَهْدًا قَدْ سَبَقَ فَتَمَكَّنَ مِنَ اللهِ نَحْوَ الْمَسِيحِ حَتَّى يُبَطِّلَ الْمَوْعِدَ. " 430 سنة: هى مدة تاريخ الوعد الأول (تك2:12و3) حتى ناموس موسى . من هذه الآية نفهم أن المدة التى قضاها بنى إسرائيل فى مصر لا تتعدى 215 سنة. فالوعد لإبراهيم كان وعمره 75 سنة. وإبراهيم ولد إسحق وعمره 100 سنة. إذًا المدة من الوعد حتى ولادة إسحق = 25 سنة. وإسحق ولد يعقوب وعمره 60 سنة. ويعقوب نزل مصر وعمره 130 سنه. فتكون المدة من الوعد حتى النزول لمصر هى =25+60+130=215 سنة. وبالتالى تكون مدة بقاء بنى إسرائيل فى مصر= 430-215=215 سنة. أما لماذا قال الله إن نسل إبراهيم سيتغرب 400 سنة تك 13:15 فذلك لأن مدة الـ400 سنة تشمل مدة بقاء إبراهيم وإسحق ويعقوب فى أرض فلسطين كغرباء دون أن يمتلكوها. ولاحظ أنه حين يقول 400 سنة فهو يبدأ فى حساب المدة من يوم أهان إسماعيل أخوه إسحق تك9:21 فكلمة يمزح تعنى فى اللغة الأصلية يسخر منه.هذا بالإضافة لأن إبراهيم وإسحق ويعقوب عاشوا فى الأرض التى وعدهم الله بها كغرباء فى خيام( إبراهيم إشتهر بأنه كان له خيمة ومذبح )ولم يمتلك فى أرض الميعاد سوى مقبرة مغارة المكفيلة إشارة لطبيعة حياتنا كغرباء فى هذا العالم (عب 10،9:11) ولكن نسل إبراهيم وإسحق ويعقوب هم الذين إمتلكوا الأرض بعد ذلك. ووعود الله ثابتة للأبد، ووعد الله يتركز فى الإيمان بنسل إبراهيم الواحد والذى فيه تتبارك كل الأمم. وغلطة المتهودين أنهم حسبوا أن الناموس التأديبى قادر أن ينسخ= أى يلغى العهد المجانى لإبراهيم. هؤلاء تمسكوا بناموس يؤدب بالموت واللعنة كل من يتعدى عليه، ويبطلوا عهد الإيمان المجانى بالبركة. هؤلاء لم يفهموا أن الناموس (أى قانون) دائمًا للعقاب أما وعد الله لإبراهيم فيتضمن الميراث المجانى لمن يؤمن (رو17:8). آية (18):- "18لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْوِرَاثَةُ مِنَ النَّامُوسِ، فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلكِنَّ اللهَ وَهَبَهَا لإِبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ. " هذه الآية تعنى ببساطة أن هناك طريقين للوراثة: 1 ـ إما بأعمال الناموس. 2 ـ بوعد من الله. والآن لنرَ ماذا سنرث؟ مجد أبدى وفرح أبدى، ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على بال إنسان. وأجسادنا يصير لها نفس مجد جسد المسيح فنصير مثله (1 كو9:2 + فى 21:3 +1 يو2:3). فإن فهمنا أن الميراث سيكون فى نظير أعمال، فما هو العمل الذى يوازى ما سنحصل عليه فى السماء. الناموس يلزم الخاطئ بتقديم شاة أو غسل يديه، فهل هذه الأمجاد السمائية تناظر شاة. لقد تساءل هذا السؤال ميخا النبى فقال: " بم أتقدم إلى الرب... هل يسر الرب بألوف الكباش. بربوات أنهار زيت" (مى6:6، 7)، ويجيب ميخا عن ما الذى يفرح الرب: أن نصنع الحق ونحب الرحمة ونسلك بتواضع مع الله (مى8:6). إن الله لا يُسرّ بألوف الكباش لأنه قدم ابنه محرقة، ولن أقدم أنا زيتًا لله، فالله هو الذى سكب الروح القدس على الكنيسة وملأنا نعمة لتغير طبيعتنا، وبالطبيعة الجديدة نخلص. أعمالنا لن تخلصنا وإلا ما كان المسيح قد تجسد وصلب. ولكن حتى نمتلئ من النعمة علينا أن نجاهد وهذا ما قاله ميخا: " أن نصنع الحق ونحب الرحمة...". إن من يتصور أنه يرث البركة بسبب الناموس فهو يلغى الوعد بالبركة الذى أعطاه الله لإبراهيم بالإيمان. وبنفس المنطق لا يصح أن أقف أمام الله وأقول: أنا صليت لك وصمت لك وخدمتك... فلماذا تسمح لى بكذا وكذا من التجارب. لا يصح أن نتفاخر بأعمالنا أمام الله فهذا هو البر الذاتى الذى تكلم عنه المسيح: " لا تعلم شمالك ما تفعله يمينك". آية (19):- "19فَلِمَاذَا النَّامُوسُ؟ قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ، مُرَتَّبًا بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ. " هنا يبدأ الرسول فى بحث جديد وهو إذا كان الوعد بالبركة مجانيًا بالإيمان فلماذا الناموس؟ ونفس السؤال أجاب عنه فى رسالة رومية (راجع المقدمة تحت عنوان عمل الروح القدس فى تجديد طبيعة الإنسان ) قَدْ زِيدَ: أى أضيف على الوعد بالإيمان. بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ: بعد سقوط آدم تحجر قلب البشر وصاروا ينحدرون من مستوى إلى مستوى أحط وزادت التعديات. وبعد خروج بنى إسرائيل من مصر، خطط الله ليجعلهم شعبًا مقدسًا فكان أن أعطاهم الناموس عونًا ليسيطر على أخلاقهم الشرسة ويهذبهم. كان الناموس كلجام لهم ليضبطهم حتى لا ينفلتوا فى الشر بسبب عقوبات الناموس وتأديبه. والناموس عَرَفَ الخطية وأدخل الخاطئ تحت عقوبة الموت. وبولس هنا يشرح أن عمل الناموس كان إلى أن يأتى النسل الموعود به الذى ستكون به البركة لكل من يؤمن به. فالفداء وإرسال الروح القدس سيغير طبيعتنا كطريق للخلاص مُرَتَّبًا بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ: بولس يشرح هنا التقليد اليهودى أن الله أعطى الناموس لموسى كوسيط بينه وبين الشعب. وعين الله ملائكة خاصة ليسلموا موسى الناموس ويشرحوه له (أع 53:7 + عب 3،2:2). وربما هذا ما عناه موسى فى تث2:33. وهكذا كان ملاك مرافق ليوحنا فى رؤياه ليشرح له. وهذا الناموس تم تسليمه بيد ملائكة ولم يسلم لإسرائيل رأساً شأن وعد الله لإبراهيم، الذى إستلمه إبراهيم مباشرةً من الله. وكان موسى وسيط بين الله والناس ليُذَكِر بالمسيح الوسيط بين الله والإنسان، المسيح الذى سيأتى فى ملء الزمان. آية (20):- "20وَأَمَّا الْوَسِيطُ فَلاَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ. وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ. " أَمَّا الْوَسِيطُ فَلاَ يَكُونُ لِوَاحِدٍ: فى العهد القديم. الأمر إستلزم أن يكون هناك وسيط بين الله والناس وهو موسى. فالله يعطى الناموس للملائكة والملائكة تعطيه لموسى وموسى يعطيه للشعب. وقوله الوسيط لا يكون لواحد تعنى أنه طالما هناك وسيط، فهذا الوسيط يكون بين طرفين والطرفين هنا هما الله والشعب. وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ: أما فى العهد الجديد فلم يكن هناك وسيط بين طرفين، بل أن الله تجسد وإتحد بالطبيعة البشرية. الرسول يريد أن يقول هل تريدون أن ترتدوا من هذا الوضع الذى صرتم فيه واحداً مع المسيح، إتحدتم به. والمسيح هو الله، لتعودوا للناموس ويكون هناك وسيط بينكم وبين الله. ونلاحظ قول بولس الرسول " لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (1تى5:2). استشعر الإنسان فى العهد القديم غضب الله، فطلب أيوب وسيطًا بينه وبين الله فقال " ليس بيننا مصالح يضع يديه على كلينا، ليرفع عنى عصاه ولا يبغتنى رعبه، إذاً أتكلم ولا أخافه" (أى33:9 ـ35). فهو اشتهى وجود مصالح بين الله وبينه ليرفع الله غضبه عنه. وكمرحلة أولى نجد الله يرسل موسى كوسيط بينه وبين البشر، وناموس موسى كان معاهدة بين الله والشعب اليهودى. ويظل الاتفاق سارى المفعول طالما ينفذ كلا الطرفين بنوده بكل دقائقه وحذافيره. ولكن الشعب اليهودى لم يلتزم ولذلك ثبت بطلان وعدم نفع الناموس الذى كان وسيطه موسى.وفى العهد الجديد كان الوسيط بين الله والإنسان هو الله يسوع المسيح. إذاً لا وسيط آخر بل الله الواحد لذلك ارتفع مستوى العهد الجديد عن العهد القديم الذى استلزم وسيطاً من البشر ومن الملائكة، وفى العهد الجديد لا يوجد طرفى تعاهد، بل يوجد واحد هو الله معطى الوعد، والله الذى اتحد بالطبيعة البشرية، فالله المعطى هو كل شئ وهو الوسيط. والإنسان قابل العطية هو لا شئ. لم يعد هناك طرفان بينهما وسيط، فالله المسيح أخذ جسداً وتأنس واتحد بالبشرية. الله صار هو كل شئ، لم يعد يظهر فى الصورة سوى الله، فالإنسان مهما كان هو لا شئ أمام الله. وهذا هو ما سنصل إليه فى اليوم الأخير حين يكون الله الكل فى الكل (1كو28:15). والكل سيكون خاضع لله. وبهذا المفهوم أيضًا يكون وعد الله لإبراهيم أعلى درجة من وعد الله للشعب بالناموس، إذ لم يكن وسيط بين الله وإبراهيم. ولأن الله الذى اتحد بالبشر واحد، فهو سيجمع اليهود والأمم لأنه إله الجميع يهود وأمم. آية (21):- "21فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ؟ حَاشَا! لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ بِالْحَقِيقَةِ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ. " فَهَلِ النَّامُوسُ ضِدُّ مَوَاعِيدِ اللهِ... هذا سؤال يسأله بولس. لأَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ نَامُوسٌ قَادِرٌ أَنْ يُحْيِيَ، لَكَانَ الْبِرُّ بِالنَّامُوسِ... هذا شرح للسؤال وإجابة هذا السؤال نجدها فى آية 22. والجزء الثانى من الآية هو نفسه تكرار للآية 21:2 " لأنه إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذاً مات بلا سبب". هنا بولس يتساءل. إذا كان وعد الله له كل هذه البركات، والناموس صار سبب لعنة لمن يخالف وصاياه، ولم يوجد من استطاع الالتزام بكل الناموس. فهل الناموس ضد مواعيد الله. ويسترسل بولس ليقول، إننى أسأل هذا السؤال لأنه لو وُجِدَ ناموس يقدر أن يعطى حياة وبر ـ والله يريد أن يعطينا حياة وأن يبررنا ـ لكان الله أعطانا هذا الناموس. فى نظر الرسول أن الناموس مقدس والوصية مقدسة (رو12:7). ولكنه لم يستطع أن يكمل وعد الله لإبراهيم. فالناموس حكم بالموت واللعنة بينما وعد الله بركة وحياة. ولو كان هناك ناموس يعطى حياة لوفر الله على نفسه مشقة الصليب. الناموس لا يقاوم مواعيد الله فكلاهما مصدرهما الله ولكن هذا كنور الشمس (الوعد) وذاك كنور شمعة (الناموس) ومع هذا أفرز الناموس قديسين وأنبياء أطهار، وكان الشعب اليهودى أفضل بمراحل ممن حوله، وهذا دليل على نجاح الناموس. ولكن من استفاد من الناموس هو من لم يبحث عن بره الذاتى وانتفخ. أما فى العهد الجديد فأنا أستطيع تنفيذ الوصايا بالمسيح الذى فىَ. فهل أنتفخ وأتفاخر بنجاح مصدره المسيح الذى فىَ. المسيحى الحقيقى يزداد تواضعاً كلما ازداد بره. فبر المسيحى راجع لأن المسيح يحيا فيه. والمسيح الذى يحيا فى المسيحى هو مسيح متواضع . آية (22):- "22لكِنَّ الْكِتَابَ أَغْلَقَ عَلَى الْكُلِّ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، لِيُعْطَى الْمَوْعِدُ مِنْ إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. " الْكِتَابَ: الأنبياء وبقية الكتاب المقدس (العهد القديم) أَغْلَقَ: أقنع. إذًا الكتاب المقدس بنبواته ووصاياه أقنع الكل أمم ويهود. إن الكل زاغ وفسد ويحتاج لمخلص من السماء هو المسيح. ونسمع فى (رو9:3ـ18) أوصاف فظيعة عن البشر كما يصفهم الناموس، فهذه الأوصاف كلها مأخوذة من الكتاب المقدس. وملخص نبوات الأنبياء أن البشر فى حالة خطية فظيعة، لكن يشير الأنبياء كلهم أن هناك مخلص سوف يأتى لينقذ البشرية. وبهذا فالكتاب أقنع البشر بفسادهم وجعلهم فى وضع انتظار للمخلص الآتى. هذا بالإضافة لأن الناموس بتأديباته وعقوباته كان كمؤدب للشعب اليهودى. وبهذه الآية يجيب الرسول على سؤاله فى آية 21 أن الناموس كان: 1) مؤدب 2) ليعطى البشر أن يكونوا فى حالة انتظار وترقب لمجئ المخلص. ولكن لا يوجد ناموس يعطى حياة. وحتى الآن فإن النعمة لا تعمل فى إنسان ما لم يدرك أنه خاطئ وفى حاجة للمسيح ليبرره، أما من يشعر أنه غير محتاج للمسيح يتقيأه المسيح (رؤ16:3و17) اي لا يعود ثابتا فى المسيح. إذًا الناموس ليس ضدًا للإيمان بل هو يقود إليه. إذًا كل خاطئ الآن ليس ثابتًا فى المسيح والمسيح لا يحيا فيه، هو خاضع للناموس وعليه لعنة الناموس. وحينما يدرك بالناموس خطيته يبحث عن المسيح. إِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: تصديق يسوع المسيح أنه ابن الله وان عمله أدى للخلاص. وهذا عين ما عمله إبراهيم حين آمن بالله أى صدَّق الله فتثبتت له المواعيد. وهكذا بالإيمان نال جميع الأمم فى المسيح يسوع موعد الله لإبراهيم فتباركت فيه كل أمم الأرض حسب وعد الله : لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. آية (23):- "23وَلكِنْ قَبْلَمَا جَاءَ الإِيمَانُ كُنَّا مَحْرُوسِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، مُغْلَقًا عَلَيْنَا إِلَى الإِيمَانِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ. " مَحْرُوسِينَ: تعنى محبوسين كمن فى سجن بأوامره ونواهيه. مُغْلَقًا عَلَيْنَا: فى الحبس. فى الآية السابقة سمعنا أنه قد أغلق علينا تحت الخطية أى صار الكل مقتنعاً بأنه خاطئ نجس يستحق الموت، والكل فى انتظار الموت. وهنا نجد الكل مغلق عليه بأوامر ونواهى الناموس، بأن هذا حلال وهذا حرام، كنا كمن فى سجن الناموس. والناموس أيضا يحكم بالموت على من يخالف وصاياه وأوامره وطقوسه أما الوضع فى المسيحية أننا قد تحررنا من أعمال الناموس وصرنا نطيع وصايا الكتاب بحرية وبدون خوف أو كبت، وذلك بسبب حياة المسيح فينا. فالمسيح حررنى من طقوس الناموس وأعطانى أن أسلك بحسب وصاياه بقوة يعطيها هو لى. أما فى ظل الناموس، كانت طبيعتى هى الطبيعة القديمة المتمردة، وهذه احتاجت لمروض أو مؤدب يقول لها هذا حرام وهذا حلال، ويخيفها بعقوباته. مثال: من ثمار الروح القدس المحبة (غل22:5). فمن هو مملوء بالمحبة لن يحتاج لوصية "لا تقتل". ومن ثمار الروح التعفف، ومن له هذه لن يشتهى شهوة خاطئة ولن يحتاج لوصية "لا تزن". آية (24):- "24إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. " مُؤَدِّبَنَا: الكلمة المستخدمة هنا تعنى العبد المكلف بتربية طفل = ابن البيت ، أى الذى يرافق الابن الحر أينما صار ليعلمه كيف يتحرك ويتصرف وكيف يسلك حسنًا، وله أن يستخدم العصا فى التهذيب كوصية أبيه حتى لا يستخدم الابن حريته فى الباطل. وهذا الوضع يستمر حتى ينضج الابن. لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ: بالإيمان بالمسيح نتبرر بالإيمان، أى تتغير طبيعتنا فنستطيع أن نسلك فى البر ونعمل أعمال بر بحريتنا. والفرق بين الناموس والإيمان بالمسيح، هو أن الناموس هو مثل القانون الجنائى لا يستطيع سوى أن يحاكم القاتل، لكنه لا يستطيع أن يصل لضميره الداخلى ليمنعه أن يشتهى موت عدوه. ولن يستطيع الوصول لداخل القلب والفكر إلا الروح القدس. ووصية مثل لا تشتهى لا يمكن تنفيذها إلا بالروح القدس. آية (25):- "25وَلكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ، لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ. " هنا يؤكد إستحالة الجمع بين العبودية وحرية البنين التى حصلوا عليها بالإيمان. من يرجع للناموس إذًا يكون مثل الرجل الناضج الذى يحن لضرب العصا الذى ذاقه فى الطفولة، ولكن لنلاحظ أن الناموس ليس متعارضًا مع النعمة بل هو كان ممهدًا لها، ويقود لها وهو عاملاً معها. ولكن عليه أن لا يشدنا للوراء فنكون كمن إرتد من نور الشمس لنور الشمعة. آية (26):- "26لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. " الأصل اليونانى لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ في الْمَسِيحِ يَسُوعَ: وفى تعنى أننا صرنا أبناء بالإتحاد بالمسيح، وهذا يتم بالمعمودية (رو5:6). ونستمر بهذا الإتحاد فى حياة التوبة والجهاد. جَمِيعًا: يهود وأمم فالمسيح فدى الكل ولاحظ أنه فى الآيات السابقة كان يقول " كنا، مؤدبنا.." فالناموس كان لليهود وهو منهم. وهو فى هذه الآية يقول " لأنكم ".. يقصد أيها الأمم، أنتم لم يكن لكم ناموس موسى فيما مضى، هو كان لنا نحن اليهود، فمالكم وماله. آية (27):- "27لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. " اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ: = صحتها اعتمدتم فى المسيح. فنحن متنا مع المسيح وقمنا معه كخليقة جديدة قد تبررت وتقدست (رو 1:6-11 +2 كو17:5 +1 كو11:6). لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: صار المسيح يحيا فينا وتكون أعضاءنا أعضاء له يستخدمها كآلات بر. يعطينا بره ويستر عيوبنا وتكون لنا فضائله. المُعمَّد فى المسيح مات عن إنسانه العتيق ولبس إنسانًا جديدًا شكل المسيح، لذلك نكون صورة المسيح. خلع الإنسان العتيق: موت مع المسيح فى المعمودية ولبس المسيح تعبير عن القيامة بجسد مبرر يسلك ببر المسيح لذلك يلبس المُعمّد ثوبًا أبيض. ولكن ليحيا المسيح فىّ، علىّ أن أقبل الصليب (غل20:2). والمعمودية هى سر لأن الروح القدس يُجرى فينا موتًا حقيقيًا وقيامة حقيقية. آية (28):- "28لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. " كما رأينا فى الآية السابقة، ففى المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه لابسين صورته، ولذلك فكل من دخل المعمودية يَهُودِيٌّ أوَ يُونَانِيٌّ. عَبْدٌ أوَ حُرٌّ. رجلٌ أمَ أُنْثَى ، الكل مات، والكل قام بشكل المسيح. وإذا كنا كلنا شكل المسيح فلا فرق بين واحد وآخر (غل19:4). وبولس هنا يركز على أقوال اليهود ويقتبس من كتاب الصلوات الصباحية لهم حين يصلون شاكرين الله أنه لم يخلقهم أمميين ولا عبيد ولا نساء، فهذه تحسب أصل النجاسة. ونلاحظ أن فى الكنيسة لا فرق بين سيد وعبد، فمثلاً فليمون السيد وأنسيمس عبده كلاهما صارا أساقفة. ويكفى المرأة كرامة أن العذراء كانت امرأة. آية (29):- "29فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ. " الوعد لإبراهيم أن تتبارك فى نسله (المسيح)، كل الأمم (نحن) صار لنا بالإيمان، فإبراهيم حصل على الوعد بالإيمان، ونحن نحصل عليه بالإيمان. والميراث السماوى صار لنا لا بالختان بل بالثبات فى المسيح بالإيمان والمعمودية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث التبرير بالإيمان وليس بالناموس (1) توبيخ الغلاطيين لتمسكهم بأعمال الناموس ع 1 - 5 : ع 1 : الأغبياء : يوبخ بولس الغلاطيين على جهلهم الشديد بتصديقهم أنَّ الناموس هو سبب خلاصهم ، فتمسكوا به بعد أن تعمدوا0 وبولس لا يكسر الوصية فى قوله أغبياء لأنه معلمهم وأبوهم المسئول عنهم ويوبخهم على أهم موضوع فى حياتهم وهو خلاصهم ، ولكنه كان محتفظاً بسلامه وليس غاضباً0 رقاكم : أى سحركم وهى من الرقية التى تُستخدم فى السحر ، ويعنى غيَّركم تغييراً كاملاً إلى هذه الدرجة عن الإيمان الصحيح0 تذعنوا : تخضعوا وتطيعوا0 للحق : الإيمان ، لأنَّ المسيح هو وحده المُخلص وليس أعمال الناموس0 رُسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً : هذا يؤكد أنَّ صورة المسيح المصلوب كانت تُعلق فى الكنائس منذ العصر الرسولى ، وهذه الصورة تعنى أنَّ المسيح هو الفادى والمُخلص0 يوبخ الرسول الغلاطيين لتركهم الإيمان بالمسيح المُخلص والعودة للإعتماد على الناموس كمصدر للخلاص0 ع 2 : خبر الإيمان : الوعظ والتبشير بالمسيح المُخلص الذى قاله بولس بينهم0 يتساءل بولس بتعجب مع الغلاطيين عن سبب البركات التى يحيون فيها ، وهى عمل الروح القدس فيهم بكل مواهبه وثماره ، هل هو أعمال الناموس أم إيمانهم بالمسيح المُخلص ؟ وبالطبع الإجابة أنَّ الروح القدس وكل عطاياه نعمة ينالونها بالإيمان0 ع 3 : المفروض أن ينمو الإنسان روحياً ، أمَّا هم فبدأوا بالإيمان وتراجعوا إلى فرائض الناموس الجسدية مثل الختان0 ع 4 : لم يكن إحتمالكم للآلام والإضطهادات من أجل المسيح عبثاً ، إنما العبث هو محاولة الوصول للكمال بأعمال الناموس0 ع 5 : يكرر بولس السؤال ليراجعوا أنفسهم ، هل وصلوا لهذه المواهب والقوات بسبب إلتزامهم بالناموس أم بقوة الإيمان ؟000 فبولس كان يحث دائماً على الثبات فى الإيمان " أمَّا البار فبالإيمان يحيا وإن إرتد لا تُسر به نفسى " عب 10 : 38 " تمموا خلاصكم بخوف ورعدة " فى 2 : 12 0 ولعل هذا الفصل يرد على من يقولون أنَّ المؤمن لا يرتد0 فهؤلاء إرتدوا بعد أن آمنوا بسبب إستماعهم للمعلمين الكذبة0 + فلنراجع أنفسنا باستمرار هل حياتنا الروحية فى تقدم أم تأخر ؟! فإن لاحظنا تأخراً نبحث عن السبب لعله يكون تهاوناً فى خطية معينة أو تقصيراً فى صلواتنا وقراءاتنا ، والتوبة والإعتراف يعيدانا ثانية إلى طريق الملكوت0 (2) إبراهيم مثال التبرير بالإيمان ع 6 - 9 : ع 6 : يقدم بولس الرسول أدلة من الكتاب متخذاً إبراهيم أبو الشعب اليهودى ، مثالاً على أنَّ التبرير بالإيمان وليس بأعمال الناموس0 فلقد آمن إبراهيم فحُسب إيمانه براً ، وكان هذا قبل ناموس موسى وقبل الختان تك 15 : 6 0 ع 7 - 9 : يؤكد الرسول أنَّ الإنتساب لإبراهيم يكون حسب إيمان إبراهيم العامل وليس حسب الإنتساب الجسدى ، ولذلك قال لهم السيد المسيح : " لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم " يو 8 : 39 0 ولأنَّ الله قد سبق فرأى أنَّ الأمم ستؤمن بالمسيح فوعد إبراهيم " وتتبارك فى نسلك ( المسيح ) جميع الأمم "0 تك 26 : 4 0 فمن يسير فى طريق إبراهيم فى الإيمان ينال وعد البركة0 وإيمان إبراهيم كان عملياً ، إذ ترك كل شئ وأطاع وقدم وحيده إسحق ، فقال له الله " بذاتى أقسمت يقول الرب إنى من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تُمسك إبنك وحيدك0 أباركك مباركة وأكثر من نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر " تك 22 : 16 ، 17 0 فالعمل هنا عمل النعمة فى حياة الإنسان كنتيجة للإيمان الحى ولا موضوع للناموس فى وعد الله لإبراهيم0 + ليكن لنا الإيمان العملى فى حياتنا ، فنُدخل الله فى كل أعمالنا ونثق فى قوته المساندة ولا نضطرب من الضيقات لأنه قادر أن يجتاز بنا من خلالها ونخرج أكثر قوة0 (3) مقارنة بين الناموس والإيمان ع 10 - 14 : ع 10 : من يعيش فى الناموس لن يستطيع أن يُكمل كل ما فيه وبالتالى يصير مقصراً وملعوناً لأنه أخطأ بعدم إتمام الناموس0 وسفر التثنية يقرر ذلك تث 27 : 26 كما تذكر هذه الآية التى تعلن ضرورة إتمام كل الناموس وإلا يصير الإنسان ملعوناً0 ع 11 : التبرير إذاً لن يكون بالناموس الذى يلعن كل من يقصر فى واحدة منه ، ولكن يكون بالإيمان كما يذكر حبقوق النبى فى نبوته حب 2 : 4 0 ع 12 : الفرق واضح بين الإيمان وأعمال الناموس ، فالأخيرة لا تبرر من يهملها ولا يوجد أحد يستطيع أن يحيا بكل مطالب الناموس فتكون الحياة والتبرير بالإيمان ، أمَّ الناموس فممهد الطريق للإيمان بالمسيح0 ع 13 : أكمل المسيح الناموس عنا ، فهو الوحيد القادر على ذلك فصُلب لأجلنا0 والصلب علامة العار واللعنة ، أى أنَّ المسيح البار صار لعنة لأجلنا ليرفع عنا اللعنة والحاجة إلى إتمام الناموس ، فقد أكمله عنا لنؤمن نحن به فننال التبرير ولا نحتاج بعد لإتمام أعمال الناموس0 ع 14 : هكذا يُظهر أنَّ التبرير بالإيمان وليس بأعمال الناموس0 فليس فقط اليهود الذين يؤمنون بل أيضاً الأمم ، فينال الكل التبرير بالمسيح ويفيض عليهم عمل الروح القدس بكل مواهبه وثماره0 + إن كان الخلاص متاح لنا إذا آمنا بالمسيح ، فلا نعُد نتكل على أفكارنا الخاصة أو قدراتنا المنفصلة عن الله بل نثق فى المسيح ونتكل عليه فى كل شئ لنفتح الطريق لعمل الروح القدس فينا0 (4) الناموس لا يبطل المواعيد ع 15 - 18 : ع 15 : الإخوة : لأنهم مؤمنون وأعضاء فى جسد المسيح الواحد0 بحسب الإنسان : أى بالمنطق البشرى0 تمكَّن : توثق0 من المعروف أنَّ أى وعد يصدر من أى إنسان يظل ثابتاً ولا يستطيع أحد أن ينقصه أو يزيد عليه شيئاً0 فكم بالأحرى لو كان الوعد من الله ، فإنه يظل ثابتاً0 ع 16 : المواعيد الإلهية كانت لإبراهيم وبالطبع تظل ثابتة ولا يستطيع أحد أن ينقضها ، وقد وعد الله إبراهيم وقال " فى نسلك " وليس الأنسال0 فالمقصود شخص واحد وليس جماعة وهذا الشخص هو المسيح ، الذى جاء من نسل إبراهيم ويقدم الخلاص للعالم كله فيتبارك فيه العالم كله الذى يؤمن به0 ع 17 : ينسخ : يلغى0 يعلن بولس أنَّ الناموس الذى أُعطِىَ لموسى بعد حوالى 430 سنة من وعد الله لإبراهيم لا يمكن أن يلغى وعود الله0 فالوعود هى الخلاص بالمسيح الفادى فلا يستطيع الناموس أن يلغيها ويكون بديلاً لها فى خلاص الإنسان ، بل أنَّ الناموس هو مجرد ممهد الطريق للإيمان بالمسيح0 ع 18 : إنَّ ميراث الخلاص ليس بالناموس بل بوعد الله الذى أعطاه لإبراهيم ويتم فى المسيح0 وإن كان الخلاص بالناموس ، فهو إذاً ليس بوعد الله لإبراهيم ، أى ليس بالمسيح الخلاص0 وبالطبع لا يقبل اليهود إلغاء الوعد الإلهى لإبراهيم الذى لا يكمُل إلا فى المسيح0 إذاً فالخلاص والتبرير بالمسيح وليس بالناموس لأنَّ الميراث بالناموس يُعتبر أجرة له أى لمن يتممه ، أمَّا الميراث بالوعد الإلهى فهو هبة مجانية ، وهذان الأمران متضادان0 فيقرر بولس أنَّ الله وهب الميراث لإبراهيم بوعد وليس بأعمال الناموس ، وهذا الوعد يتم من خلال الخلاص بالمسيح ، أمَّا الناموس فعرَّفنا الخطية وعقوبتها أى كان ممهداً للمسيح الذى نؤمن به فيخلصنا من عقوبتها ونحيا معه وفيه الحياة الجديدة0 (4) غاية الناموس ع 19 - 25 : ع 19 : زيد : أُضيف0 التعديات : الخطايا الكثيرة التى سقط فيها الإنسان بعد وعد الله لإبراهيم0 النسل : المسيح0 ملائكة : الذين أعطوا موسى الناموس0 وسيط : موسى0 يطرح بولس الرسول سؤالاً ويُجيب عليه ، وهو ما دام الناموس لم يبررنا فلماذا أعطاه الله بعد وعده لإبراهيم ؟ والإجابة لأنَّ الناس لم يسيروا بحسب إيمان أبينا إبراهيم فوضع لهم الله قوانين الناموس كلجام يحدهم حتى لا ينزلقوا فى الشر ولكى يقودهم فى تنفيذ الوصية ، فعرَّفهم الخطية وعقوبتها0 ولكن إلى متى ؟00إلى أن يأتى المسيح الذى متى جاء تنتهى مهمة الناموس0 ويعلن بولس الرسول أنَّ الناموس ، بحسب التقليد اليهودى المتوارث ، أعطاه الله لموسى بواسطة ملائكة ليسلموه ويشرحوه لموسى ، كما أشار إلى ذلك القديس إستفانوس " الذى أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه " اع 7 : 53 0 ع 20 : لا يكون لواحد : الوساطة دائماً بين إثنين والناموس وسيط بين إثنين هما الله والإنسان0 الله واحد : هو الذى أعطى الوعد كهبة مجانية دون تدخل الإنسان ، وهذا الوعد يتم فى المسيح المُخلص0 إذاً فالخلاص بالمسيح وليس الناموس0 الوسيط يكون بين طرفين ويمكن أن يُعتبر موسى نفسه وسيطاً حمل ناموس الله للشعب0 فلم يكن الناموس يعتمد على مُعطى الوصية فقط بل أيضاً على حِفظ الإنسان للناموس لأنه عهد بين إثنين ولكنه فشل0 ولا تعارض بين هذه الآية وبين الكلام عن المسيح كوسيط لمصالحة الإنسان مع الله 1تى 2 : 5 ، لأنَّ المسيح ، إذ فشل الناموس فى وساطته بين الله والإنسان ، جاء متجسداً وفادياً للإنسان ليحقق الوعد الإلهى المُعطىَ لإبراهيم0 ع 21 : ينفى بولس بشدة أن يكون الناموس الذى أعطاه الله ضد مواعيده ، لأنَّ الناموس كما ذكرنا يُظهر الخطية وعقوبتها أى ينبه الإنسان إليها ليرفضها ، ولكن الإنسان وحده عاجز عن التوبة والتخلص من الخطية ومحتاج للمسيح المُخلص الذى ينقذه ويُحييه0 إذاً الناموس عاجز عن أن يهب الإنسان الحياة الجديدة لأنه لا يخلصه من الخطية ولا يبرره0 ع 22 : الكتاب : أسفار الكتاب المقدس خاصة الشريعة ، أى الناموس0 أغلق : أظهر ضعف كل البشر وإستحقاقهم للدينونة والموت الأبدى بسبب خطاياهم0 أدان الناموس كل البشر وحكم عليهم بالموت بسبب خطاياهم وتعدياتهم عليه وتقصيراتهم ، فمهد بهذا لعمل المسيح الذى يخلص الإنسان من سجن الخطية ويعطيه حياة جديدة 1بط 3 : 19 0 ع 23 : يوضح بولس أنه قبل تجسد المسيح كان شعب الله فى حراسة الناموس الذى ينبههم للخطية فيحاولون الإبتعاد عنها ، وبالتالى كانوا أفضل من الوثنيين المستبيحين للخطية0 فكان شعب الله مختلفاً فى طباعه وعاداته عن باقى الشعوب إذ حفظهم الناموس وأغلق عليهم حتى لا ينحرفوا باستباحة الخطية0 ولكنهم كانوا عاجزين عن إتمام الناموس كله ، فكان محكوماً عليهم بالموت ومغلقاً عليهم فى سجن الخطية حتى جاء المسيح وحررهم منه بفدائه0 فالناموس حفظ شعب الله حتى يعلن فى ملء الزمان الإيمان بالمسيح المُخلص0 ع 24 : يُظهر بولس الرسول عمل الناموس ليس فقط فى حِفظ شعب الله بل أيضاً تأديبهم ، فهو كمربى أو مؤدب أظهر الأخطاء ليبتعد عنها الناس ولكنه لم يخلصهم ، ففهموا الحق من الباطل وشعروا باحتياجهم للخلاص الذى تم بالمسيح0 ع 25 : إذاً بعد الإيمان بالمسيح الذى يعطينا القدرة لترك الخطية ويدفعنا للحياة الجديدة النقية ، لا نحتاج إلى الناموس الذى إنتهى عمله بمجئ المسيح0 + إقبل التنبيه والتوبيخ من الآخرين والتجئ إلى الله الذى يعطيك بالروح القدس توبة وحياة جديدة فى كنيسته0 وكن خاضعاً لعمل الروح القدس فيك الذى يرشدك دائماً للحياة مع الله0 (6) الإيمان والبنوة للمسيح ع 26 - 29 : ع 26 - 28 : يعلن بولس الرسول أنَّ كل المؤمنين بالمسيح قد صاروا أبناء الله وليسوا عبيداً لأنهم ولدوا من جديد فى المعمودية فصاروا أبناء الله ولبسوا طبيعة جديدة وهبها لهم المسيح المُخلص وصاروا أعضاء متحدين بجسد المسيح أى الكنيسة ، وانتهت فى الإيمان كل الفوارق البشرية مثل أن يكون الإنسان يهودى الأصل أو يونانى أى أممى غير يهودى ، وأنهى أيضاً الفوارق بين العبيد والأحرار إذ رفع الكل إلى مرتبة بنوة لله بالمعمودية0 وكذلك كانت الشعوب القديمة وبعض الأديان حتى الآن تنظر إلى المرأة أنها أقل من الرجل ، فأعلن أنَّ الذكر والأنثى صارا فى مكانة واحدة أى أبناء الله بالمعمودية ولبسا المسيح أى الطبيعة الجديدة ، فكل المسيحيين واحد أمام الله بغض النظر عن الفوارق فى الأصل أو المكانة الإجتماعية أو الجنس أو أى فوارق أخرى0 ع 29 : يصل بولس بالنتيجة النهائية وهى أنَّ الإيمان بالمسيح هو إتمام لوعود الله لإبراهيم فيصير المؤمنون أولاداً لإبراهيم ووارثين للملكوت ، هذه البنوة الروحية بالإيمان والمعمودية هى البنوة الحقيقية وليست البنوة الجسدية التى ظنها اليهود فى أنفسهم وافتخروا بها0 + تأمل النعمة التى تتمتع بها ونلتها بالمعمودية وهى الطبيعة الجديدة المائلة للتشبه بالله0 وإن كنت بالمعمودية لابساً المسيح فلا تتصرف إلا بحسب مشيئته فتكون صورة حية له تجذب الناس إليه ولا تُعثرهم0 وهكذا تكون سائراً بخطى ثابتة فى طريق الملكوت0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح