كلمة منفعة
هكذا قال السيد المسيح: (من له أذنان للسمع، فليسمع) (مت 13: 43) ذلك لأن هناك من لهم آذان، ولكنهما لا تسمعا. وعن أمثال هؤلاء قال السيد: (لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون) فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة (قلب هذا الشعب قد غَلُظَ. وآذانهم قد ثقل سمعها) (إش 6: 10).
— من له أذنان

الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 16

اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
كورنثوس الاولى - الاصحاح رقم 16 كورنثوس الاولى الإصحاح رقم 16 الباب السادس : الجمع لفقراء أورشليم وقبول تيموثاوس الأصحاح السادس عشر الجمع لفقراء أورشليم بعد أن واجه الرسول بولس المشاكل الكنسية والسلوكية والعقيدية والاجتماعية بكل صراحة، في حزمٍ ممتزج بالحكمة والحب، ختم رسالته معلنًا عن مشاعر محبته لهم. لقد بدأ الرسالة بكلمات الحب مع التشجيع وختمها بعواطف مقدسة حتى تحقق الرسالة غايتها. جاء هذا الأصحاح خاتمة لرسالة تعالج الكثير من المشاكل المتنوعة بالحب العملي الصادق في الرب. لهذا وجههم للعطاء للمُضطهدين في أورشليم الذين افتقروا من أجل المسيح [1-4]، وأعلن عن رغبته وشوقه لزيارتهم [5-9]. كما عن إرسال تيموثاوس إليهم، ورغبة أبلّوس لزيارتهم. طالبهم أن يقبِّلوا بعضهم بعضًا بقبلة مقدسة، وأن يقبلوا محبته لهم في المسيح. هذه كلها أعمال محبة متبادلة بين العاملين في الكرم والشعب وبين كل فئة فيما بينها، بهذا تحل بركة الرب وتذوب كل الخلافات وتصير كنيسة المسيح نامية فيه. 1. الجمع للقديسين 1 - 4. 2. زيارة طويلة 5 - 9. 3. العاملون معه 10- 18. 4. الختام 19- 24. 1. الجمع للقديسين يوصيهم بالجمع لاخوة الرب كما أوصى كنائس غلاطّة، فإنهم ليسوا أقل منهم. طلب منهم أن يخزن كل مؤمنٍ طوال الأسبوع ليقدم للرب في أول الأسبوع تسبحة عملية وشكر لذاك الذي وهبنا الحياة المقامة بقيامته من الأموات. "وأما من جهة الجمع لأجل القديسين، فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا أنتم أيضًا" [1]. بسبب انشغالهم بالخلافات والانشقاقات الكنسية لم يقوموا بالجمع لفقراء أورشليم، أو مؤمني اليهودية الذين صودرت ممتلكاتهم بسبب إيمانهم، ولهذا دعاهم "قديسين". واضح من النص أنه سبق فأشار إليهم عن هذا الأمر، لهذا اكتفي هنا بعرض طريقة الجمع بقوله "أوصيت". لا يعني أنه أصدر أمرًا إلزاميًا، وإلا تحوّل الجمع إلى ضريبة مفروضة، وقد تُرك العطاء ليكون اختياريًا وبفرح في كل الكنائس (رو26:15-27؛ 2كو2:9)، لم يدع الرسول أن له سلطان أن يأمر بجمع صدقة. "في كل أول أسبوع ليضع كل واحدٍ منكم عنده خازنًا ما تيسر، حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ" [2]. يُلاحظ في هذه الوصية الرسولية الآتي: 1. يُمارس هذا العمل في اليوم الأول من الأسبوع، أي في السبت المسيحي حيث تحتفل الكنيسة بقيامة الرب في فجر الأحد. هنا يشير الرسول إلى عادة الكنيسة الأولى في ممارسة العبادة في يوم الأحد. يتحقق الاحتفال بقيامة الرب بشركتنا معه، فنتمتع بالحياة الجديدة المملوءة حبًا. 2. يقدم العطاء في أول الأسبوع ليُعطي كل واحدٍ قدر ما وهبه اللَّه من بركات وعطايا في الأسبوع كله، لذا يقول: "ما تيسّر"، فهو يقدم ذبيحة شكر للَّه شخصيًا. 3. العطاء غير قاصر على الرجال العاملين وحدهم، بل يشترك فيه الأطفال وتمارسه النساء غير العاملات حتى الخدم والعبيد، فالعطاء هو تقديم القلب بالحب للَّه خلال اخوته الأصاغر، ومشاركته النفوس المتألمة والمعتازة. 4. لم يطلب أن يتعهد كل عضوٍ بتقديم كمية معينة، فإن الرسول يوصي بتقديم القلب قبل المال. 5. دعَى الفقراء قديسين ليذكرهم أن العطاء مُقدم لاخوة الرب القديسين، أو للرب في أشخاص اخوته. 6. لم يسألهم أن يمارسوا هذا العمل لمدة أسبوعٍ واحد،ٍ بل "في كل أول أسبوع"، فممارسة العطاء فضيلة مستمرة لا تتوقف. 7. بقوله "خازنا ما تيسّر" إما يقصد أن كل شخصٍ يجمع خلال أيام الأسبوع ما قد أراد تقديمه في مخزنٍ حتى يحل أول الأسبوع فيحمله معه إلى الكنيسة، أو يجمعه في ذهنه لكي ما يتمم ذلك عمليًا عند ذهابه أسبوعيًا للعبادة. لماذا تحوّلت العبادة إلى سبت جديد هو اليوم الأول من الأسبوع؟ صارت قيامة السيد المسيح السبت الجديد الذي فيه نجد راحتنا بالتمتع بالحياة المُقامة. فكما أن خروج شعب بني إسرائيل من عبودية فرعون غيّر بدء السنة عند اليهود من الخريف إلى الربيع، هكذا تحرّرنا من عبودية إبليس بقيامة الرب التي أعطتنا بدءً جديدًا في كل يوم وفي كل أسبوع! وقد اعتاد اليهود أن يمارسوا الأعياد السنوية الكبرى في اليوم الأول من الأسبوع: عيد الأسابيع أو البنطقستي (لا 11:23، 15-16، 36)؛ وعيد المظال أو الحصاد؛ وعيد الفصح. + اليوم نفسه فيه الكفاية ليشجعهم على تقديم العطاء, لأن يوم الرب هو اليوم الذي فيه نلنا كل البركات التي صارت لنا الآن. إنه أصل حياتنا الجديدة في المسيح وبدايتها, هذا ليس هو السبب الوحيد ليكون هذا اليوم مناسبًا للعطاء, وإنما هو "يوم الراحة" حيث تجد نفوسنا راحتها من كل متاعبها، فتتفتح لتظهر حنوًا. بالإضافة إلى أن الاشتراك في الأسرار المقدسة (التناول) في ذلك اليوم يخرج عطاءً كما من مخزن الغيرة العظمى التي فينا. + "في أول الأسبوع" أي في يوم الرب "ليضع كل واحدٍ منكم عنده خازنًا ما تيسّر". في ذلك اليوم يكون العمل الجماعي هائلاً والغيرة في الأمور الخالدة عظيمة. في هذا اليوم "ليضع كل واحدٍ منكم"، ليس مجرد هذا الشخص أو ذاك بل "كل واحدٍ"، سواء كان فقيرًا أو غنيّا، امرأة أو رجلاً، عبدًا أو حرًا، ليضع بنفسه في المخزن. القديس يوحنا الذهبي الفم الاتكال والتواكل يقدم لنا الرسول درسًا عمليًا للتمييز بين الاتكال على اللَّه والتواكل، كما عن التنظيم في الخدمة بترتيبٍ ولياقةٍ لكن دون قلقٍ. وكما يقول القديس أغسطينوس أن الرسول بولس يفكر في الغد، لكنه لا يضطرب بالنسبة للغد. يضع خطة لتدبير احتياجات المعوزين بحكمةٍ روحيةِ دون تخوّف. + ينبغي علينا أن ندقق في فهمنا للعبارة "يكفي اليوم شره" لئلا نحكم على أحد الخدام بمخالفته للوصية لمجرد تدبيره هذه الضروريات حتى لا يكون هو ومن يعولهم في عوز. فربنا يسوع الذي تخدمه الملائكة ارتضى أن تكون له صناديق تُستخدم في الإنفاق على حاجياته، كالذي كان مع يهوذا خائنه (يو 6:12). والرسول بولس يفكر في الغد (ولكن دون قلقٍ) بقوله "وأما من جهة الجمع لأجل القديسين فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا أنتم أيضًا. في كل أوَّل أسبوعٍ ليصنع كلُّ واحدٍ منكم عندهُ. خازنًا ما تيسَّر حتى إذا جئْت لا يكون جمع حينئذٍ. ومتى حضرت فالذين تستحسنوهم أُرسِلُهم برسائل ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم. وإن كان يستحقُّ أن أذهب أنا أيضًا فسيذهبون معي. وسأَجيءُ إليكم متى اجتزت بمكدونية..." (1 كو 1:16-8). وقد جاء في سفر أعمال الرسل أنهم كانوا يستعدون للمستقبل لمواجهة المجاعة المحدقة، إذ يقول: "وفي تلك الأيام انحدر أنبياء من أورشليم إلى إنطاكية. وقام واحد منهم اسمه أغابوس، وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع المسكونة. الذي صار أيضًا في أيام كلوديوس قيصر. فحتم التلاميذ حسبما تيسر لكل منهم أن يرسل كل واحد شيئًا خدمة إلى الاخوة الساكنين في اليهودية. ففعلوا ذلك مرسلين إلى المشايخ بيد برنابا وشاول" (أع27:11-30). كذلك عندما أبحر بولس الرسول كان الطعام المُقدم له يكفيه لأكثر من يومٍ واحدٍ (أع10:28). القديس أغسطينوس "حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ" [2]. سألهم ألا يكون جمع متى جاء، لأنه أراد ألا ينشغل أحد إلا بكلمات الكرازة، بسبب ضيق وقته ورغبته في استغلال كل لحظة من لحظات وجوده في وسطهم لبنيانهم في المعرفة الروحية الصادقة والعميقة. "ومتى حضرت، فالذين تستحسنونهم أرسلهم برسائل، ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم" [3]. القائد الروحي الحيّ يعرف كيف يحترم ويقدر مخدوميه، فإنه لم يأمرهم بأن ينتظروا لكي يختار من بينهم من يرسلهم بالعطاء، وإنما يسألهم بدالة الحب أن يختاروا هم من يستحسنوهم، وأما هو فيعطيهم رسائل تذكية لتستقبلهم الكنيسة في أورشليم. إنهم يحملون "إحسانهم" أو "سخاء عطائهم"، يحملون لا المال والعطايا المادية بل قلوب مؤمني كورنثوس المملوءة حبًا وسخاءً في العطاء! + لم يقل "أرسلهم ليحملوا صدقتكم" بل "إحسانكم" ليعني أنهم يقدمون أعمالاً عظيمة، مبرزًا أنهم يقتنون أنفسهم (بالحب). القديس يوحنا الذهبي الفم "وإن كان يستحق أن اذهب أنا أيضًا، فسيذهبون معي" [4]. + مرة أخرى يحثّهم على السخاء بقوله: "وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا"، فإن كان هذا يتطلب حضوره أيضًا فإنه لا يمتنع عن هذا... فيكون جمعهم عظيمًا هكذا حتى يغيّر خطّته ويقوم بشخصه بالرحلة. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. زيارة طويلة كما يضع الرسول بولس خطة حكيمة للجمع للفقراء المُضطهَدين في أورشليم تحمل روح الثقة في عمل اللَّه في قلوبهم، وتبعث روح الحب المتبادل بين الكنائس وبين المؤمنين، هكذا يضع أيضًا خطة عمل للخدمة، مبرزًا رغبته في زيارتهم، وموضحًا غايته من تلك الزيارة. "سأجيء إليكم متى اجتزت بمكدونية، لأني اجتاز بمكدونية" [5]. مكدونية ليست في الطريق من أفسس إلى كورنثوس إذ هي في أعلى نهاية بحر إيجة، بعيدة عن طريقه، لكنه ملتزم بالذهاب إليها قبل حضوره إليهم. ربما يقضي الصيف هناك ويأتي في الخريف إلى كورنثوس حيث يقضي معهم الشتاء. "وربما أمكث عندكم أو اشتي أيضًا، لكي تشيعوني إلى حيثما أذهب" [6]. يكشف الرسول عما في قلبه أنه مشتاق أن يمكث وسط من خدمهم زمانًا طويلاً في كورنثوس، لكن ليس على حساب التزاماته من نحو الكنائس الأخرى. هذا ومن جانب آخر لم يرد أن يعبر بهم في طريقه أثناء رحلاته، وإنما أن يتمم ما هو ملتزم به مع الآخرين حتى يجد الفرصة لبقاء مدة أطول، ربما يقضي الشتاء كله معهم. لم يرد أن تكون زيارة لقاءٍ عاطفيٍ لأناسٍ سبق فخدمهم، بل لقاء أبٍ يعطي وقتًا لأبنائه، ويحقق لهم احتياجاتهم. + "لكي تشيعوني إلى حيث أذهب". هذه علامة الحب، وقوة العاطفة العظيمة. إنه يقول هذا لكي يظهر الحب، ولكي يخيف الخطاة ليس بطريقة مكشوفة بل بتأكيد الصداقة مع الآخرين. + كما نتوقع يخبرهم بكل دقة ويعرفهم بخطته كأصدقاء. فإن هذا أيضًا هو علامة الصداقة أن يظهر لهم السبب لعدم وجوده معهم، ولماذا تأخر عليهم، وأين هو مقيم. القديس يوحنا الذهبي الفم يرى البعض أن تعبير "تشيعوني" يعني أن يقدموا له تكلفة رحلته إلى البلدة التي سيذهب إليها. هنا تلميح يظهر فيه قبوله لمحبتهم ومشاركتهم له في خدمته المسكونية. غالبًا ما يقصد بالشتاء الأشهر الثلاثة: ديسمبر ويناير وفبراير. "لأني لست أريد الآن أن أراكم في العبور لأني أرجو أن أمكث عندكم زمانًا إن أذن الرب" [7]. كان يمكن أن يلتقي بهم وهو في رحلته، لكنه سيكون لقاءً سريعًا لا يحقق الهدف. + إذ كان بولس يعلم أنه ينتظره عمل ضخم في كورنثوس لم يرد أن يعبر بها أثناء سيره إلى موضع آخر, بل أن يقضي معهم زمانًا عندما يأتي إليهم. أمبروسياستر "ولكنني أمكث في أفسس إلى يوم الخمسين. لأنه قد انفتح لي باب عظيم فعَّال، ويوجد معاندون كثيرون" [9]. يوضح لهم الرسول ضرورة بقائه في أفسس زمانًا، فقد فتح له الرب بابًا لقبول الكلمة، كما أثار عدو الخير أُناسًا للمقاومة. فإنه لا يليق به أن يغلق الباب الذي فتحه الرب، ولا يترك الكنيسة في أفسس يفسدها المعاندون. ربما كتب الرسول ذلك وفي ذهنه أبواب مكسيموس الروماني الضخمة التي تُفتح فتنطلق مركبات السباق المتصارعة والمتنافسة. هكذا يفتح الرب الباب لبولس ليدخل في صراع مع مقاومي الكنيسة في أفسس، فلن يقدر أن يترك الساحة ليزور كورنثوس حتى يحقق النصرة في المسيح يسوع. + ماذا يقصد بالباب العظيم؟ أجد مدخلاً متسعًا لي، حيث يوجد كثيرون مستعدون لقبول الإيمان، كثيرون مستعدون للتحول إلى المسيحية. هذا الأمر يحدث الآن إذ اقتربت أذهان هؤلاء لتبدأ بالطاعة للإيمان. لهذا السبب فإن أنفاس الشيطان تفجر عنفًا، إذ يرى كثيرين يتركونه... تحدث بدقة فقد كانت الفرص عظيمة جدًا أن يجد بولس مقاومين كثيرين هكذا. فإبليس يعمل على الدوام عندما يجد أنه في خطر أن يفقد غنيمته. القديس يوحنا الذهبي الفم + أوضح بولس أنه سيقيم في أفسس إذ وجد قلوبًا عطشى إلى نعمة اللَّه, ويمكنه أن يُخزن فيها سرّ المسيح بسرعة. وإذ لا يهدأ إبليس قط معاديًا الذين يشتاقون إلى اللَّه لهذا أضاف بأن أعداءه هناك كثيرون. فكلما بحثوا بالأكثر عن الإيمان يوجد أعداء يقاومونهم ويحاربون تعاليم الرب. أمبروسياستر ينتهز أولاد اللَّه كل فرصة، فإذا انفتح لهم باب يدخلون منه لئلا يُغلق. ففي سفر هوشع (15:2) يفتح اللَّه باب الرجاء أمام شعبه كي يدخل كعروس صبية تتغنّى بالفرح كيوم صعودها من أرض العبودية. ويخبرنا لوقا البشير كيف فتح اللَّه للأمم باب الإيمان على يديّ بولس وسيلا (أع 27:14). وطلب الرسول بولس من أهل كولوسي أن يصلوا لأجله لكي يفتح الرب له ومن معه بابًا للكلام بسرّ المسيح (كو 3:4). وجود كثرة من المعاندين يدفع الرسول بولس إلى البقاء في أفسس. أفمن جانبٍ يلزمه كخادم للرب ألا يهرب من مشاركة الشعب أتعابهم وضيقاتهم. ومن الجانب الآخر فإن وجود المعاندين دليل على حضور الرب في الكنيسة، لأن العدو يقاوم الحق. ربما لا يقصد بالمعاندين المعلمين الكذبة وإنما اليهود والوثنيين. 3. العاملون معه تحدث الرسول هنا عن العاملين معه, فمن جهة أوصاهم بتلميذه تيموثاوس الذي يعمل عمل الرب مثل الرسول بولس, أما أبلوس فقد طلب الرسول مرارًا أن يزورهم لكنه اعتذر إلى حين. وأخيرًا يتحدث عن العاملين في كورنثوس أن يحملوا روح الحب حتى لا يفسدوا طاقاتهم بالانشقاق والتحزبات. "ثم إن أتى تيموثاوس، فانظروا أن يكون عندكم بلا خوف، لأنه يعمل عمل الرب كما أنا أيضًا" [10]. لم تكن رسالة تيموثاوس الرسول بالأمر الهيّن، فإنه لم يُرسل إليهم فقط لكي يوجههم، إنما وهو يعالج مشاكل الانقسام والفساد والأخطاء اللاهوتية والمشاكل الأسرية سيضّطر أن يوبّخ، بل ويكون حازمًا مع المقاومين والمُفسدين للحياة الكنسية. يَعلم الرسول أن من بينهم من هم أغنياء جدًا، ومنهم من يعتدوا بكرامتهم الزمنية؛ كما يوجد بينهم من يفتخرون بمواهبهم الروحية. مهمة الشاب الصغير لمواجهة قادة متعجرفين صعبة للغاية، وتحتاج إلى عون إلهي، وإلى مساندة من الشعب. صغر سنّه وحداثته لا يقفان عائقًا في خدمته، لأنه يعمل عمل الرب كما يعمل الرسول بولس. إنه قادم لا ليحقق رسالة شفوية تسلّمها من الرسول، وإنما لكي يتمم مشيئة الرب ويعمل عمله! ما ورد في أعمال الرسل 21:19-22 يوضح لنا الموقف، فقد ترك تيموثاوس أفسس قبل أن يبعث الرسول رسالته منها، لكنه كان يتوقع أنه سيصل إليهم بعد وصول الرسالة لأنه ذهب أولاً إلى مكدونية، وربما في نيّته أن يذهب إلى كورنثوس. + لئلا خلال تجاسرهم على التلميذ يسيئون أيضًا إلى المعلم ويصيرون في حالة أشر لهذا فهو يضبطهم من بعيد، قائلاً: "أن يكون عندكم بلا خوف"، بمعنى ألا يثور أحد قط من المتهوّرين ضده... لأنه يعمل عمل الرب. يخدم الرب بالرغم مما له من شرف وغنى والحكمة (ومع صغر) السن. القديس يوحنا الذهبي الفم "فلا يحتقره أحد، بل شيعوه بسلامٍ، ليأتي إليَّ، لأني أنتظره مع الاخوة" [11]. لا يليق بهم أن يكرموا القديس تيموثاوس ويسمعوا له في حضرته فحسب, وإنما إذ يستعد للرحيل يليق بهم أن يشيعوه بسلامٍ. + لم يفكر الرسول في هذا كنوعٍ من النقد لتيموثاوس كمن ليس لديه ثقة في النفس, وإنما يكتب بولس من أجل أهل كورنثوس فإنهم إن أخذوا موقفًا مضادًا له يؤذون أنفسهم وحدهم. + "شيّعوه بسلام"، أي بدون خوف، فلا تسببون مخاوف وخصومات وعداوة وكراهية، بل اظهروا كل خضوع له كمعلمٍ. القديس يوحنا الذهبي الفم "لأني أنتظره مع الاخوة": يرى البعض أنه يتحدث هنا عن الاخوة الذين يرافقون تيموثاوس، حيث ينتظرهم الرسول. فقد رافق أرسطوس تيموثاوس في هذه الرحلة (أع 22:19). كذلك أُرسل تيطس إلى كورنثوس (2 كو 17:12-18)، وليس من غير المحتمل أن الرسول كان يطلب من تيطس أن يُحضر معه بعض الكورنثوسيين إلى أفسس. "وأما من جهة أبلوس الأخ، فطلبت إليه كثيرًا أن يأتي إليكم مع الاخوة، ولم تكن له إرادة البتة أن يأتي الآن، ولكنه سيأتي متى توفق الوقت" [12]. سبق فأظهر الرسول بولس اشتياقه لزيارتهم، الآن يؤكد لهم أنه هو والاخوة في أفسس طلبوا من أبلّوس أن يذهب إليهم، فالجميع مهتمون بهم. وضوح الهدف لدى الرسول بولس والقديس أبلّوس جعلهما يعملان معًا في تناغم وتناسق. حين يكتب الرسول لهم عنه يكشف عن حكمة أبلّوس وإخلاصه ومحبته. هكذا يليق بالعاملين في كرم الرب ألا يتشككوا في نيّة بعضهم البعض، ولا يثيروا أية تشكك وسط الشعب. لقد أكد الرسول بولس بتصرفه هذا أنه محب لأبلّوس، وأنه لا يخشى من ذهابه إلى كورنثوس، مطالبًا الفريق الذي ينسب نفسه لبولس أو لغيره من الرسل أن يقبلوا أبلّوس ويطيعوه. بهذه الوصية يلخص الرسول كل ما ورد في الرسالة كلها. فالمحبة المتبادلة بين الخدام هي وصية بسيطة لكنها تحقق كل شيء كما يليق. لعل أبلّوس لم يرد أن يذهب إلى كورنثوس لأنه لم يشأ أن يربط نفسه بالجماعة التي تنسب نفسها إلى اسمه، إذ كانوا معجبين ببلاغته (1كو12:1؛ 4:3). يرى القديس ديديموس الضرير أن أبولس كان أسقفًا لكورنثوس, وأنه ترك الكنيسة بسبب ما حلّ بها من انشقاقات والتصق ببولس. لم يرد أن يرجع ومعه رسالة بولس فإنه لم يشأ العودة إلا بعد معالجة الانشقاقات. وقد أخذ أمبروسياستر بنفس الرأي, وأن أبولس تعمّد عدم العودة مترجيًا أن يعرفوا كيف يشتاقون إلى السلام, فيأتى أبلوس حينما يحل الوفاق بين الجميع. + يبدو أن هذا الإنسان كان أكثر ثقافة وسنًّا من تيموثاوس. فلئلا يقولوا: "لماذا لم يرسل الإنسان الأكبر سنًا وأرسل عوضًا عنه شابًا؟" لاحظ كيف يلطف من هذه النقطة أيضًا بدعوته "الأخ" وأنه "طلب إليه كثيرًا". فلئلا يبدو أن كرّم تيموثاوس أكثر منه ومجده أكثر منه لهذا لم يرسله، فيسبب ذلك حسدًا ينفجر بشدة، لذلك أضاف: "طلبت إليه كثيرًا". القديس يوحنا الذهبي الفم "اسهروا، اثبتوا في الإيمان، كونوا رجالاً، تقووا" [13]. الكلمة اليونانية Greegoreite تعني اليقظة والسهر، وهو تعبير عسكري يُستخدم بالنسبة لحراس المعسكر والمراقبين لتحركات الأعداء. هكذا يحثهم الرسول أن يتيقّظوا لحركات العدو الشرير لئلا يفسد إيمانهم بالتعاليم الكاذبة، أو يفسد حياتهم بالفساد أو سلامهم بالمشاكل الكنسية والأسرية. يطالبهم بالسهر، لأنهم كمن هم في حالة سُبات أو من يقطنون في نومٍ عميقٍ. يلزمهم أن يسهروا، فإن الرجاء في خلاصهم لا يتوقف على أسماء الخدام العاملين في الكرم، بل على جهادهم وسهرهم. يشعر المؤمن أنه كجندي المسيح في حالة معركة دائمة مادام في الجسد وفي العالم. إنه دومًا في خطرٍ، فإن الأعداء متربّصون ضدّه، إبليس وجنوده يود أن يحطّمه. يسألهم أن يتيقظوا لكي يتقبّلوا نعمة اللَّه، وأن يمارسوا الحياة المقدسة في الرب، وأن يحبوا بعضهم بعضًا، ويحرصوا على الوحدة في الإيمان الحق. "اثبتوا في الإيمان"، أي تمسّكوا بالحق الإنجيلي لتتمتعوا بالخلاص، فلا يقدر العدو أن يهزّكم. جاء التعبير في اليونانية مستخدمًا بمعنى احتفاظ الشخص برتبته، وعدم زعزعته عن موقعه. وكأن غاية العدو أن يُفقد المؤمن مكانته الجديدة في الرب، وأن يسحبه من موقعه كابن اللَّه. "كونوا رجالاً"، فلا تسلكوا كأطفال مذبذبين، تهزّكم رياح التعاليم الكاذبة، بل تجاهدوا كجنودٍ صالحين. التعبير هنا andrizesthe يحث على أخذ موقف شجاع بلا جبن، وموقف النضوج. "تقوّوا"، فإن اللَّه وهبكم القوة والطاقة للعمل بروح القوة لا الضعف. يحدثهم هنا بلغة عسكرية كجيش في معركة له التزام اليقظة والحذر مع العمل الجاد بقوة. + يلزمهم أن يسهروا, لئلا يُهاجموا سرًا في إيمانهم. يليق بهم أن يثبتوا, فيتشجعوا على الاعتراف بما تعلموه. أن يكونوا أقوياء في الكلمة والفعل, فإن هذا ارتباط حق للكلمة والعمل لتهب النضوج. أمبروسياستر + يخبرهم بولس أن يكونوا شجعان وأقوياء مثل المصارع وجندي المسيح, يفعلون كل شيء بالحب للَّه ولبعضهم البعض. القديس ديديموس الضرير + يشير إليهم ألا يضعوا رجاءهم في الخلاص في المعلمين بل في أنفسهم، لذا يقول: "اسهروا، اثبتوا في الإيمان". لا في الحكمة التي في الخارج، لأنه بهذا لا يمكن الثبات، بل إذ يُحملوا في الإيمان يثبتوا... "اسهروا" إذ كانوا نيامًا. "اثبتوا" إذ كانوا يتأرجحون هنا وهناك. "كونوا رجالاً" إذ كانوا يمارسون الجبن. "لتصر كل أموركم في محبة" إذ كانوا في خلافات... ولكن ماذا تعني: "كل أموركم في محبة"؟ يقول: متى انتهر أحد أو حكم أو صار تحت قيادة آخر، تعلم أو علَّم، فليكن هذا كله في محبة. القديس يوحنا الذهبي الفم "لتصر كل أموركم في محبة" [14]. إن كان الرسول يطلب منهم الثبات في الإيمان وحفظ الحق وأن يسلكوا كرجالٍ ناضجين وأقوياء، فإنه يخشى لئلا يفقدوا الحب للاخوة وللَّه أثناء جهادهم. لهذا يوصيهم أن تصير كل أمورهم، دون استثناء، في محبة. فالثبات في الإيمان والدفاع عنه لا يعني استخدام العنف أو البغضة. لا نفقد الحب ونحن ندافع عن الحق. + حيث يوجد صراع وانقسام لا يوجد الحب. أمبروسياستر + لو وُجد الحب لما كان الكورنثوسيون ينتفخون, ولما انقسموا إلى فرق, ولما ذهبوا إلى المحاكم أمام الوثنيين بل ولا أمام أية محاكم نهائيًا. لو وُجد الحب في الكنيسة لما أخذ هذا الشخص السيئ السمعة جدًا زوجة أبيه, ولما احتقروا الاخوة الضعفاء, ولما افتخروا بمواهبهم الروحية. القديس يوحنا الذهبي الفم "وأطلب إليكم أيها الاخوة، أنتم تعرفون بيت استفاناس أنهم باكورة اخائية، وقد رتبوا أنفسهم لخدمة القديسين" [15]. نال أهل استفانوس كرامة أول الذين قبلوا الإيمان بالمسيح في أخائية، كما كرّسوا حياتهم لخدمة القديسين. لعلّه لا يقصد هنا خدمة كلمة الكرازة، وإنما تقديم احتياجاتهم المادية. + دعاهم بولس باكورة اخائية, إما لأنهم هم أول من قبلوا الإيمان هناك, أو لأن تقواهم أعظم من الآخرين, أو لأنهم رفضوا السيامة من أجل تواضعهم العظيم، مكرسين حياتهم لخدمة الآخرين (الفقراء). القديس ديديموس الضرير + لم يكن استفاناس وأسرته أول الذين تحولوا إلى الإيمان فحسب, وإنما صاروا أيضًا مثالاً مشرقًا لكل أحدٍ. فالذين يأتون أولاً يلزمهم أن يصيروا مثالاً للآتين من بعدهم, ويقومون بخدمة الآخرين, كما كان هؤلاء بكل وضوح. + لم يقل: "أول من آمنوا" بل قال "باكورة" لتشير أنه مع إيمانهم أظهروا حياة سامية للغاية؛ في كل شيء برهنوا أنهم مستحقون أن يكونوا بكورًا كما في حالة الثمار. لأنه يجب أن تكون البكور أفضل من البقية، لهذا فهم بكور. هذا نوع من المديح نسبه بولس إليهم خلال هذا التعبير. فإنه لم يكن لهم فقط الإيمان الأصيل كما قلت، وإنما أظهروا أيضًا تقوى عظيمة وقمة الفضيلة وسخاءً في العطاء. القديس يوحنا الذهبي الفم "كي تخضعوا أنتم أيضًا لمثل هؤلاء، وكل من يعمل معهم ويتعب" [16]. يطلب الرسول من الشعب أن يخضعوا لمثل هؤلاء الصادقين في إيمانهم وفي خدمتهم وفي سلوكهم. لا يطلب الخضوع لهم كمن هم تحت رئاستهم، إنما خضوع الحب والعمل المشترك وقبول نصائحهم. "ثم إني أفرح بمجيء استفاناس وفرتوناتوس واخائيكوس، لأن نقصانكم هؤلاء قد جبروه" [17]. يرى ثيؤدورت أسقف قورش أن هؤلاء الثلاثة هم الذين حملوا رسالة بولس إلى كورنثوس, ورسالة أهل كورنثوس إليه. "إذ اراحوا روحي وروحكم، فاعرفوا مثل هؤلاء" [18]. قدّموا للرسول تقريرًا شفويًا وتفصيليًا عن حال الكنيسة في كورنثوس، وما حلّ بها من ضعفات ونقائص، قدّموا صورة صادقة للموقف. لهذا فقد استراحت روح الرسول لأنه يقدم العلاج السليم لموقفٍ واضحٍ أمامه، واستراحت نفوسهم لأنهم أدّوا مهمتهم بكل إخلاصٍ. إنهم صانعوا سلام ومحبّون لخلاص اخوتهم وبنيان الكنيسة. اهتمامهم الروحي بعث سلامًا في قلب الرسول كما في قلوبهم. + واضح أن هؤلاء هم الذين أخبروا بولس عن الحالة في كورنثوس على ما فعلوه. هذا هو السبب الذي من أجله يمتدحهم بولس ويحث أهل كورنثوس أن يظهروا لهم كرامة ووقارًا. + كانوا بالطبيعة ثائرين جدًا ضد هؤلاء الأشخاص، إذ جاءوا إليه وكشفوا له عن كل الانقسامات، وقاموا أيضًا بكتابة التساؤلات عن العذارى والمتزوجين. لاحظ كيف هدّأ من ثورتهم في بداية رسالته... وأيضًا في ختامها... لقد أوضح أنهم أراحوا ليس بولس وحده بل وأيضًا الكورنثوسيين إذ حملوا في داخلهم المدينة كلها. القديس يوحنا الذهبي الفم + تنتعش روح الشخص القديس بالتفكير في الأمور التقوية وممارستها, فإن الروح تصارع من أجل ما هو صالح. القديس ديديموس الضرير 4. الختام أبرز الرسول بولس في ختام رسالته حبه وحب الكنائس والاخوة العميق نحوهم حتى يتعلموا كيف يحبوا بعضهم بعضًا بذات الحب الذي يحبهم به الرسول والذي غرسه بالرب في قلوب الكنائس الأخرى من نحوهم. "تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم في الرب كثيرًا أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما" [19]. يبدو أن أكيلا وبرسكلاّ كانا في أفسس (أع26:18). + يشير الرسول إلى الكنيسة في نوعين: العامة والعائلية. واحدة يجتمع الكل فيها ويدعوها عامة, والأخرى التي يجتمع فيها الاخوة معًا كأصدقاء ويدعوها أسرية. كل موضع يحتفل فيه الكاهن بالطقوس القدسية يُدعى كنيسة. أمبروسياستر + يليق بنا ألا نحتقر الكنيسة المنظورة التي تحضر كل واحد كابنٍ. ولا نزدري بكنيسة القلب هذه, متطلعين إلى أنها تقوي كل الذين هم مرضى. ويلزمنا أن نشتاق إلى الكنيسة العليا فإنها تكمل كل القديسين. كاتب سريانى "يسلم عليكم الاخوة اجمعون، سلموا بعضكم على بعض بقبلةٍ مقدسةٍ" [20]. يسألهم أن يُقبّلوا بعضهم بعضًا بقبلة مقدسة أو بإرادة صالحة، وهو في هذا يوبّخهم ضمنًا حتى لا تحمل علاقتهم شيئًا من الخداع والعصبيات والتحزبات، بل يحملون حبًا مقدسًا للكل. القبلة المقدسة هي رمز للحب المسيحي، أو قبلة المحبة ( 1بط 14:5) خاصة في الاشتراك في القداس الإلهي. + القبلة المقدسة هى علامة السلام تطرد الخلافات. أمبروسياستر إذ ربطهم معًا بالحب عاد الرسول يأمرهم بأن يضعوا الختم على اتحادهم بالقبلة المقدسة التي توحّد وتنتج جسدًا واحدًا. + هذه الإضافة "قبلة مقدسة" يصفها هنا فقط. ما هو السبب؟ كانوا على خلاف فيما بينهم بصورةٍ شديدةٍ بقولهم: "أنا لبولس، وأنا لأبلّوس، وأنا لصفا، وأنا للمسيح"، ولأن الواحد يكون جائعًا بينما الآخر يسكر، ولأنه يوجد بينهم منازعات وحسد وقضايا. فإذ يربطهم معًا بحثه هذا، كان طبيعبًا يسألهم أن يرتبطوا معًا بالقبلة المقدسة كعلامة للاتحاد. فإنها توّحد وتقيم جسدًا واحدًا. هذه تكون مقدسة متى تحررت من الخداع والرياء. القديس يوحنا الذهبي الفم "السلام بيدي أنا بولس" [21]. كان الرسول يهتم بتأكيد أصالة الرسائل التي لم يسجلها بالكامل بيديه (2 تس 17:3؛ غلا 11:6).وكما يقول القديس ديديموس الضرير: "لكى ينزع أية شكوك من أنها مزورة وقع بولس على الرسالة بيده". تحمل هذه العبارة نوعًا من التهديد، فإننا نحتاج أحيانًا إلى كلمات التهديد حتى نخاف. فالخوف المقدس نافع للغاية للإيمان المقدس والحياة المقدسة. كما تحمل تأكيدًا أنه باعث الرسالة. كتبها بفمه لكنه ختمها بيده موقّعًا عليها لكي يؤكد أصالتها وأنها غير مزورة. "إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما ماران اثا (تعال يا ربنا)" [22]. ربما يقصد بمن لا يحب الرب يسوع أولئك الذين كانوا يقولون "يسوع أناثيما" (1 كو 3:12) سواء من اليهود الذين جحدوه أو الذين ادّعوا التكلم بألسنة ودخلوا في حالة من الهستريا النفسية. يكشف الرسول بولس عمّا في أعماق قلبه نحو الجميع بلا استثناء، وهو "الحب في المسيح يسوع". يحبهم بكل اخلاصٍ لينعم الكل بالحياة والوحدة في المسيح يسوع. يطلب خلاصهم ومجدهم الأبدي. + الشخص الذي لا يحفظ الوصايا ليس فيه حب للرب. القديس ديديموس الضرير + يشير بولس إلى اليهود الذين صاروا تحت اللعنة، لأنهم قالوا بأن الرب لم يأتِ بعد. أمبروسياستر + بهذه الكلمة الواحدة يبث يولس المخافة فيهم جميعًا. إنه ليس فقط يضرم خوفًا، بل يشير أيضًا إلى طريق الفضيلة وإلى ينبوع الرذيلة، بمعنى متى تكثّفت محبتنا للرب لا يكون وجود لأي شر بل ينطفئ ويُطرد خارجًا بالحب، ومتى كان هذا (الحب) ضعيفًا تبرز الخطية. + ماذا يعني: "ماران آثا"؟ "الرب قادم". لأي سبب يستخدم هذا التعبير على وجه الخصوص؟ ليؤكد تعليم التدبير الإلهي. بهذا يضع براهين لأمور كثيرة يجمعها معًا والتي هي بذار القيامة. ليس هذا فقط وإنما هكذا تبقون على حالكم وتقطنون في الخطية. القديس يوحنا الذهبي الفم يأمر بحرمان من لا يحب الرب يسوع من الجماعة المقدسة، ويؤكد أن الرب قادم، فماذا يكون مصير الذين لم يحبّوه؟ "نعمة الرب يسوع المسيح معكم" [23]. هذه هي طلبة الرسول لهم، فمن أعماق قلبه يسأل لهم نعمة المسيح القادرة أن تسندهم لتحقق كل احتياجاتهم وتهبهم الإمكانية للعمل الروحي. + كانت عادة بولس أن يطلب نعمة المسيح أن تكون مع الذين يكتب إليهم. ثيؤدورت أسقف قورش + هكذا إذ يعلم الرسول بولس أن كل كنوز غنى السماء توجد في المسيح بحق يكتب إلى الكنائس: "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم". لأنه إذ علم بما فيه الكفاية أن اللَّه هو بعينه المسيح، وأن كل مجد اللاهوت مقيم فيه، وكل كمال اللاهوت حال فيه جسديًا، إلا أنه هنا كان بالتأكيد محقًا بالصلاة من أجل نعمة المسيح وحده، دون إضافة كلمة "اللَّه". لأنه إذ كثيرًا ما علم أن نعمة اللَّه هي نعمة المسيح، لذلك فهو بكل كمال يصلّي فقط من أجل نعمة المسيح. إذ يعلم أن نعمة المسيح تحوي كل نعمة اللَّه. لهذا يقول: "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم". لو أن المسيح مجرد إنسان، لكانت في رغبته أن نعمة المسيح توهب للكنائس أراد أن تُعطى لهم موهبة إنسان. وبقوله "نعمة المسيح تكون معكم" عني: نعمة الإنسان تكون معكم، نعمة الجسد تكون معكم، أي نعمة الضعف الجسدي! أو لماذا دائمًا يشير إلى كلمة النعمة إن كانت رغبته هي في نعمة إنسان؟ فإنه ما كان هناك سبب لهذه الرغبة لو كانت غير موجودة، أو كان يجب أن يصلي أن تمنح لهم نعمة ذاك - الذي بحسب فهمكم - لا يملك حقيقة هذه النعمة التي يرغبها! القديس يوحنا كاسيان "محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع. آمين" [24]. تحدث معهم في هذه الرسالة بكل صراحة وأوضح لهم أخطاءهم والتزم أحيانًا أن يكون حازمًا جدًا في معالجة بعض مشاكلهم. لكنه يظهر لهم أن هذا كله ينبع عن حبه للجميع بلا تمييز، يحبهم في المسيح ومن أجل المسيح. + إذ لم يحب الكورنثوسيون الواحد الآخر قدم لهم بولس هذا التعليم من عنده لكي يتعلموا أن يحبوا بعضهم البعض بذات الحب الذي يحبهم به الرسول, ليس حبًا بعواطفٍ جسدية بل في المسيح يسوع. أمبروسياستر + هكذا لكي يمنعهم عن التفكير أنه يتملقهم ختم بقوله: "في المسيح يسوع". ليس في محبته شيء بشري أو جسدي، بل هو حب من نوعٍ روحي وأصيل. هذا هو السبب الذي به يضع الختم عليه باضافة الكلمات: "في المسيح يسوع". القديس يوحنا الذهبي الفم جاء في ختام الرسالة ما يظهر أنها كُتبت في فيلبي، لكن يرى البعض أنها كُتبت في أفسس وأُرسلت من فيلبي، حيث يوجد طريق من أفسس إلى كورنثوس عبر فيلبي. من وحي ا كو 16 لأسلك بالمحبة كل أيام حياتي! + تقدم ذاتك هبة لمحبوبيك, فتقيم منهم كائنات ملتهبة حبًا! أقف قي دهشة, رسولك يقطر حبًا في بدء رسالته لشعب كورنثوس المنقسم, وبالحب يختم أيضًا رسالته. يقتدي بك, فلا يشغله إلا الحب. + يسألهم الحب العملي لفقراء أورشليم. ويعلن حبه وحب زملائه الخدام لهم, فيؤكد شوق الكل لزيارتهم. بالحب يوصيهم بتلميذه تيموثاوس. وبالحب يسألهم أن يقَّبلوا بعضهم بعضًا. بالحب يطلب لهم نعمتك تملأ كيانهم, فيشتهوا يوم مجيئك! هب لي مع رسولك أن أسلك بالحب كل أيام حياتي! من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح السادس عشر نجد هنا وصايا خاصة كثيرة ليكون كلامه شاملاً ولا يفوته أن يذكر ويوصى الكل. آية (1):- "1وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ لأَجْلِ الْقِدِّيسِينَ، فَكَمَا أَوْصَيْتُ كَنَائِسَ غَلاَطِيَّةَ هكَذَا افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا. " المسيحية صيرت الكنيسة جسداً واحداً، وتلاشت الفروق القومية، فعلى مؤمنى كورنثوس مساعدة فقراء أورشليم إذ هم جسد واحد. وكان سبب فقر مسيحيي أورشليم. 1) مجاعة حدثت هناك وتنبأ عنها أغابوس النبي. 2) نهب اليهود لأموال المسيحيين (عب 34:10) 3) المسيحية إنتشرت في أورشليم وسط الفقراء ولاحظ أن الرسول يسميهم قديسين فهم تقدسوا في المسيح يسوع، ويعطيهم الرسول قدوة، كنائس غلاطية. آية (2):- "2فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ، لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ، خَازِنًا مَا تَيَسَّرَ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ لاَ يَكُونُ جَمْعٌ حِينَئِذٍ. " فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ = أي يوم الأحد، يوم الصلاة (وهنا نرى أن الأحد صار بديلاً للسبت) وبهذا يرتبط العطاء بالعبادة. ويقول ذهبي الفم أنه كانت عادة في أيامه أن يضع كل واحد صندوق بجانب فراشه يضع فيه عطاياه بعد أن يصلى، ترديداً للشكر العملي لله على عطاياه. ثم يذهب يوم الأحد للكنيسة ليصلى ويقدم عطاياه التي جمعها طوال الأسبوع . لاَ يَكُونُ جَمْعٌ = لا يضيع الوقت في جمع أموال بل نعلم ونصلى ولا نحرج أحداً. ملحوظة :- لقد غيرت الكنيسة يوم السبت (يوم الراحة) ليصبح الأحد. فبالقيامة التي تمت يوم الأحد صارت لنا الراحة الحقيقية والحياة الجديدة. آية (3):- "3وَمَتَى حَضَرْتُ، فَالَّذِينَ تَسْتَحْسِنُونَهُمْ أُرْسِلُهُمْ بِرَسَائِلَ لِيَحْمِلُوا إِحْسَانَكُمْ إِلَى أُورُشَلِيمَ. " فَالَّذِينَ تَسْتَحْسِنُونَهُمْ = أي تختارونهم كمندوبين، حتى لا يظن أحد أن بولس سيستفيد من هذه الأموال لنفسه. وهؤلاء يرسلهم بولس ومعهم رسائل. آية (4):- "4وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَذْهَبَ أَنَا أَيْضًا، فَسَيَذْهَبُونَ مَعِي. " لكن إن كان ماتجمعونه كثيراً ويستحق فسأذهب مع عطاياكم لفقراء أورشليم ومعنا مندوبيكم الذين إخترتموهم. ومن (رو 25:15، 26) نعرف أن الرسول ذهب فعلاً مع العطية إلى أورشليم (أع 17:24). آية (5):- "5وَسَأَجِيءُ إِلَيْكُمْ مَتَى اجْتَزْتُ بِمَكِدُونِيَّةَ، لأَنِّي أَجْتَازُ بِمَكِدُونِيَّةَ. " هنا وعد الرسول بالزيارة لهم، وقد تمت الزيارة فعلاً والتي إستغرقت 3 شهور في الشتاء التالي. آية (6):- "6وَرُبَّمَا أَمْكُثُ عِنْدَكُمْ أَوْ أُشَتِّي أَيْضًا لِكَيْ تُشَيِّعُونِي إِلَى حَيْثُمَا أَذْهَبُ. " أُشَتِّي = لأن السفر في الشتاء صعب وخطر بل متعذر، لذلك هو سينتظر عندهم حتى تتحسن الأحوال ثم يسافر. هو هنا يرد على إشاعة أنه لا يحبهم، ولا يريد زيارتهم، بل يكتفي بأن يرسل لهم تيموثاوس. لذلك يقول أود أن أمكث عندكم طويلاً. آية (7):- "7لأَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ الآنَ أَنْ أَرَاكُمْ فِي الْعُبُورِ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَمْكُثَ عِنْدَكُمْ زَمَانًا إِنْ أَذِنَ الرَّبُّ. " هنا تأكيد على محبته لهم، حتى لا يحزنوا بسبب قسوة رسالته، أو يظنوا أن إرسال تيموثاوس (آيات 10، 11) لهم هو بديل عن زيارته هو لهم. وهو لم يشاء أن يزورهم مباشرة لأنه يريد أن يمضى معهم وقتاً كافياً. آية (8):- "8وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ،" أَفَسُسَ = حيث يكتب الرسالة. من هنا نستنتج أن الرسول كتب الرسالة من أفسس. إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ = نفهم من هذا أن الكنيسة من الأول إهتمت بيوم الخمسين وإعتبرته يوماً عظيماً. آية (9):- "9لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ، وَيُوجَدُ مُعَانِدُونَ كَثِيرُونَ. " نلاحظ النجاح الذي صادفه الرسول في خدمته، ولكن مع كل نجاح نجد مقاومة من إبليس، وفى أفسس حدث هياج لتابعي الإلهة أرطاميس إضطر بولس لمغادرة المدينة بسرعة ذاهباً لأورشليم ماراً بكورنثوس حيث قضى الشتاء. (فعلينا إن كان هناك مقاومة للخدمة أن لا نضطرب فهذا طبيعي) الآيات (10-11):- "10ثُمَّ إِنْ أَتَى تِيمُوثَاوُسُ، فَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكُمْ بِلاَ خَوْفٍ. لأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ كَمَا أَنَا أَيْضًا. 11فَلاَ يَحْتَقِرْهُ أَحَدٌ، بَلْ شَيِّعُوهُ بِسَلاَمٍ لِيَأْتِيَ إِلَيَّ، لأَنِّي أَنْتَظِرُهُ مَعَ الإِخْوَةِ. " فَلاَ يَحْتَقِرْهُ أَحَدٌ = كان تيموثاوس صغير السن رقيق المشاعر والرسول يوصيهم بأن لا يستخفوا به بسبب حداثة سنه، فهو يعمل عمل الرب مثل بولس. بِلاَ خَوْفٍ = أي تحذير من أن يثور ضده أحد المتهورين. لقد كانت مهمة هذا القائد الشاب وسط أناس متعجرفين يعتزون بمواهبهم، مهمة شاقة. آية (12):- "12وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَبُلُّوسَ الأَخِ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكُمْ مَعَ الإِخْوَةِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ الْبَتَّةَ أَنْ يَأْتِيَ الآنَ. وَلكِنَّهُ سَيَأْتِي مَتَى تَوَفَّقَ الْوَقْتُ. " ربما تساءلوا لماذا لم يبعث الرسول بأبلوس وأرسل لهم تيموثاوس وهنا يجيب على هذا السؤال بأن أبلوس لم يرد أن يأتى، مع أن بولس طلب منه ذلك. ونرى من هذه الآية 1) أن بولس لم يمنع عنهم ابلوس، فنرى محبة بولس إذ لم يشعر بالغيرة نحو ابلوس وهو يعلم أن له حزب قوى في كورنثوس 2) أبلوس يهرب من المجد الذاتي وتعلقهم المريض به ليجعل أنظارهم تتجه للرب فقط ولمنع زيادة الإنشقاق والتحزب 3) لكِنَّهُ سَيَأْتِي = إن تحسنت حالهم وإنتهي شقاقهم، فعلامة أنهم صاروا للمسيح أن تكف الشقاقات. آية (13):- "13اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. " هنا نجد وصايا ونصائح قائد لجنوده فهم في حالة حرب دائمة ضد عدو الخير :- 13اِسْهَرُوا = هو تعبير عسكري يستخدم لحراس المعسكر المراقبين لتحركات الأعداء. والأعداء هم الشياطين الذين يتسللون ويخدعون الكنيسة بأعمالهم، فيسببون إنشقاقات، ويفسدون الإيمان بتعاليم كاذبة كإنكار القيامة. والسهر يكون بالصلاة، فمن هو على صلة بالله تخاف منه الشياطين فالصلاة هي علاقة مع الله. والسهر يكون أيضاً بتنفيذ وصايا المسيح والتمسك بالإيمان الصحيح. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ = ولا تنخدعوا بالبدع الغريبة التي سبق وإنخدعتم بها كما تشككتم مثلاً في حقيقة القيامة. إذاً لا تقبلوا ما هو ضد الإيمان الذي سلمتكم إياه. ولكن الإنشقاق يدخل عادة مع تضخم الذات والكبرياء. كُونُوا رِجَالاً = الصفات التي تنسب للرجولة هي القدرة والثبات أمام الإضطهادات والثبات على الإيمان، فلا يكونوا أطفالاً مذبذبين في عقيدتهم يهتزوا أمام رياح التعاليم الكاذبة. وأن لا يضعفوا أمام المخاطر وأن يتسموا بالشجاعة ولا يرهبوا شيئاً، ويتمسكوا بالحق ويعملوا عملهم بجدية ونشاط تَقَوَّوْا = لا تضعفوا بل إستندوا على النعمة الإلهية في حروبكم ضد إبليس. آية (14):- "14لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ. " عدم المحبة هو سبب الإنشقاق والإنقسام في الكنيسة، بل هو سبب كل ضعف. إذاً المحبة يجب أن تسود في المعاملات والمشاعر والأفكار والسلوكيات أي في كل دقائق حياتنا اليومية، وتكون المحبة هي الدافع لكل عمل وتصرف وأساس علاقتنا مع الآخرين. ولو وجدت المحبة بينهم لما إنتفخوا بمواهبهم على بعضهم البعض، ولما ذهبوا للمحاكم الوثنية، ولما تجرأ أحد على الزنا … الآيات (15-16):- "15وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ بَيْتَ اسْتِفَانَاسَ أَنَّهُمْ بَاكُورَةُ أَخَائِيَةَ، وَقَدْ رَتَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِخِدْمَةِ الْقِدِّيسِينَ، 16كَيْ تَخْضَعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ، وَكُلِّ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيَتْعَبُ. " يشير الرسول للعائلات التي كرست نفسها للخدمة، وهو هنا يشير لعائلة اسْتِفَانَاسَ كبَاكُورَةُ أَخَائِيَةَ (تضم كورنثوس وأثينا). ومن سفر الأعمال نعرف أن ديونيسيوس الأريوباغى ودامرس هما أول من آمن في أثينا. لكن لعل بيت إستفاناس هم أول عائلة كرست نفسها لخدمة الرب مظهرة الإيمان الصحيح. وقارن مع (عب 7:13). خِدْمَةِ الْقِدِّيسِينَ = عطايا الفقراء المادية تَخْضَعُوا = تلتزموا بالخدمة معهم ومساعدتهم فيما يطلبونه منكم للخدمة. الآيات (17-18): - "17ثُمَّ إِنِّي أَفْرَحُ بِمَجِيءِ اسْتِفَانَاسَ وَفُرْتُونَاتُوسَ وَأَخَائِيكُوسَ، لأَنَّ نُقْصَانَكُمْ، هؤُلاَءِ قَدْ جَبَرُوهُ، 18إِذْ أَرَاحُوا رُوحِي وَرُوحَكُمْ. فَاعْرِفُوا مِثْلَ هؤُلاَءِ. " اسْتِفَانَاسَ = هو باكورة إخائية، ومن أفضل العينات فلا تسيئوا معاملته … فَاعْرِفُوا = أي لينالوا محبتكم وإحترامكم لئلا يسئ الكورنثيون معاملتهم إذ تصوروا أنهم شوهوا صورتهم لدى بولس، والرسول أرسل معهم رسالة طلب أن يقرأوها ففيها الردود على أسئلتهم. أَرَاحُوا رُوحِي = هم قدموا تقريراً كاملاً عن حال الكنيسة. وكان حضورهم فيه تعزية لبولس فهم يمثلون الكنيسة كلها التي هي بعيدة عنه، خصوصاً بما حملوه من أخبار طيبة. فكأنه رأى الكنيسة كلها في أشخاصهم. وَرُوحَكُمْ = هو يتوقع أنه بواسطة الرسالة التي سيرسلها معهم سيشعرون بالراحة النفسية والرضى، إذا نفذوا تعاليمه التي أتت في الرسالة. الآيات (19 –21):- "19تُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ كَنَائِسُ أَسِيَّا. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ كَثِيرًا أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ مَعَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا. 20يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ أَجْمَعُونَ. سَلِّمُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ. 21اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُسَ. " كنائس آسيا = مقاطعة آسيا (في آسيا الصغرى) وعاصمتها أفسس. ومن هناك كتب الرسالة. يُسَلِّمُ …. سَلِّمُوا …. بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ = هي رمز للمحبة المسيحية (1 بط 14:5). والمسيحيين مرتبطين بروح واحدة، رابطة واحدة روحية، في جسد المسيح ودمه الأقدسين. والقبلة المقدسة أي التي بلا غش ولا غدر ولا خيانة، أي ليس مثل قبلة يهوذا، بل في طهارة تليق بأولاد الله، لهذا نبدأ القداس بصلاة الصلح وفى نهايتها يقول الكاهن "إجعلنا مستحقين أن نقبل بعضنا بعضاً بقبلة مقدسة " يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرَّبِّ = بولس لا يفهم أي علاقة بين المسيحيين إلاّ إذا كانت في المسيح، أي الكل ثابت في المسيح. فمثل هذا يكون سلامه وقبلته في محبة وبلا غش. أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ = هما من كورنثوس، وذهبا مع بولس إلى أفسس حيث صار بيتهما كنيسة يجتمع فيها المؤمنون، ونراهما يرافقان بولس كثيراً، فهما مثله صانعي خيام. ونراهما في روما (رو 3:16). ثم في أفسس (2 تى 19:4). اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُسَ = كانت هذه عادة الرسول أن يكتب السلام في نهاية رسائله بيده (2 تس 17:3). فبسبب مرض عينيه كان يملى رسائله على أحد ليكتبها. ولكن يكتب كلمات السلام بيده كعلامة (وبحروف كبيرة لضعف نظره غل 11:6). لأنه إنتشرت رسائل مزورة نسبت إليه فأثارت بلبلة (2 تس 2:2). آية (22):- "22إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! مَارَانْ أَثَا. " أَنَاثِيمَا = محروم. إذاً علامة المسيحي هو أنه يُحِبُّ الْمَسِيحَ = فالمحبة هي نتيجة الإمتلاء من الروح القدس. ومن لا يحب المسيح هو خالي من الروح القدس، والروح القدس هو الذي يشكلنا لنصير خليقة جديدة، وهذه هي التي تدخل السماء. بل محبة المسيح هي الأساس في أن نقيم علاقات محبة مع الآخرين، فمحبتنا للآخر هي صدى ونتيجة لمحبتنا للمسيح. مَارَانْ أَثَا = أي الرب آتٍ وهى كلمة السر بين المسيحيين، ليتذكروا أن مجيء الرب قريب، فشعار المسيحي هو ترقب مجيء المسيح بإشتياق. فنحذر السقوط في ما قد يسقطنا تحت الدينونة. ويبدو أن هذه العبارة " ماران آثا " كانت معروفة ومتداولة مثل كلمة آمين. ولأنها أتت هنا وراء لعن بولس لمن لا يحب المسيح (أناثيما) فنفهم أن الرب حين يأتى سيطرد كل من لا يحبه. آية (23):- "23نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. " نعمة = هي الحافظة لنا حتى نحب المسيح فلا نصير محرومين، فهنا الرسول لا يود أن ينهى رسالته باللعن بل بكلمة النعمة. آية (24):- "24مَحَبَّتِي مَعَ جَمِيعِكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. آمِينَ. " هو يبدأ الرسالة بقولـه بولس المدعو رسولاً وينهيها بمحبته لهم في المسيح ليكون الرب يسوع هو محور وهدف وأساس دعوته وخدمته وكرازته وبذلـه ومحبته للرعية (فلا محبة حقيقية سوى في المسيح) وليرى الناس في محبة الرسول صورة لمحبة المسيح. وهذا حتى لا يفهموا أن لهجته الشديدة في بعض أجزاء الرسالة كانت عن كراهية، بل كانت عن حب صادق لهم وخوف وحرص على خلاصهم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس عشر التوصيات الأخيرة والسلام (1) الجمع للفقراء ع 1 - 4 : ع 1 : كان المؤمنون فى كنيسة أورشليم فى حاجة إلى المساعدة ، فيوصى بولس الرسول كنيسة كورنثوس ، كما سبق وأوصى كنيسة غلاطية ، أن يجمعوا التبرعات لتوفير إحتياجات فقراء أورشليم0 ع 2 : يطلب منهم بولس الرسول أن يجتهد كل من يستطيع منهم أن يختزن فى أول الأسبوع ، أى يوم الأحد ، القدر الذى تسمح له به إمكانياته ، حتى لا يضيع الوقت فى الجمع عند حضوره إليهم0 وهذا يوضح أنَّ العطاء كان فى يوم الأحد أى يوم الرب حينما كانوا يصلون القداسات0 ع 3 ، 4 : متى حضرت إليكم إختاروا من بين الذين تثقون فيهم مندوبين عنكم ليحملوا إحسانكم موفدين برسائل منى إلى أورشليم ، وأنا مستعد أن أرافق المندوبين إذا كان ما جمعوه كثيراً ويحتاج لعناية أكبر فى توصيله0 + إنَّ الكنيسة واحدة فى كل مكان ، فلا تمنع إحسانك بإخوتك المحتاجين فى أى كنيسة أخرى غير كنيستك لتساعد قدر طاقتك ليس فقط بالمال بل بكل ما تستطيع من مساعدات0 واهتم بالفقير لأنَّ المسيح دعاه أخوه ، فأنت تقدم محبة للمسيح نفسه حينما تساعد محتاج0 (2) خط سير بولس الرسول إليهم ع 5 - 9 : ع 5 : سآتى إليكم بعد مرورى بمكدونية لأننى قررت أن أمر عليها أولاً0 ع 6 : بحسب بعض الباحثين ، كتب بولس الرسول رسالته إلى أهل كورنثوس فى عيد الفصح لسنة 57م ، فمعنى هذا أنَّ الشتاء الذى سيمكثه الرسول فى كورنثوس هو شتاء 57 - 58م 0 ع 7 : خطط بولس الرسول لزيارة كورنثوس بحيث لا تكون مجرد عبور وقتى إلى جهة أخرى ، بل أراد أن يمكث معهم وقتاً كافياً و لا يكتفى بمجرد المرور عليهم ، ربما لكثرة المشاكل التى كانت موجودة عندهم0 ولكنه هنا يضع مشيئة الرب أولاً لأنه يعلم أنَّ الرب يرتب رحلاته التبشيرية0 وهذا مثال لنا لكى نضع مشيئة الرب قبل إرادتنا ، ونعلم أنه هو الذى يرتب لنا كل أمورنا وفق مشيئته0 ع 8 : لكننى أمكث فى أفسس إلى يوم الخمسين ، الذى هو عيد حلول الروح القدس وهو بعد عيد القيامة بخمسين يوماً0 ومن هنا نعلم أنه كتب رسالته هذه فى أفسس وكان زمن كتابتها قبل حلول يوم الخمسين0 ع 9 : يُشير الرسول إلى النجاح الذى صادفه فى الكرازة ، وكيف أتت خدمته بنتائج عظيمة وأثمار طيبة0 على أنَّ هذا النجاح قد أثار الأشرار ضده0 + وجود مشكلات فى الخدمة لا يدفع لليأس بل لعله علامة على أنَّ الخدمة فعالة وقد تحرك الشيطان لمقاومتها0 فلنستمر إذاً فى جهادنا وكذلك فى حياتنا الروحية ، وإن سقطنا لا ننزعج بل نقاوم إبليس فيهرب منا وفى النهاية يُعد لنا الله بركات وأكاليل كثيرة0 (3) توصيات بخصوص بعض الخدام ع 10 - 18 : ع 10 : كان تيموثاوس فى مكدونية آنذاك وكان فى طريقة حسب أمر الرسول له ، إلى كورنثوس عند وصول تلك الرسالة إلى أهلها0 فطلب الرسول منهم أن يساندوه ضد المُعلمين الكذبة الذين يهيجون بعض الناس عليه ، لأنَّ تيموثاوس يعمل العمل الذى أمر به الرب أى التبشير كما يفعل بولس0 ع 11 : أوصاهم بولس الرسول ألاَّ يستخفوا به لحداثة سِنة ، فيرجع إليه بسلام مع مرافقيه بعد إتمام العمل الذى أرسله لأجله0 ع 12 : رغم تشجيعات بولس لأبلوس ، لم يشأ أن يأتى الآن إلى كورنثوس أى حتى كتابة هذه الرسالة ولكنه وعد بذلك عندما يرى أنَّ الوقت مُناسب0 ولعل ذلك لتجنب الخصومات بين الأحزاب التى تكونت فى كورنثوس ، حيث هناك من يقول أنا لبولس وآخر أنا لأبلوس0 فأراد تأخير زيارته حتى تهدأ الأمور وتزول الخصومات0 ع 13 : فى هذا العدد أربعة أوامر موافقة لأصول كنيسة كورنثوس : الأول : وهو إسهروا : فعلى الكنيسة أن تسهر دائماً حتى تكون يقظة لهجومات عدو الخير ، والتحذير من الشرور التى ذُكرت فى هذه الرسالة وهى التحزب ، الخصومات ، سوء التصرف ، والمُعلمين الكذبة0 الثانى : وهو إثبتوا فى الإيمان : أى يثبتوا فى الحق الذى سمعوه منه وقبلوه واعترفوا به ، وخاصة التمسك بعقيدة القيامة التى أنكرها البعض0 الثالث : كونوا رجالاً : أى شُجعاناً فى الصمود أمام أعداء الحق لإبطال حجج علماء اليهود وفلاسفة الأمم0 الرابع : تقووا : لإحتمال المشقات والإضطهادات0 ع 14 : يطلب منهم أن تمتلك المحبة قلوبهم وتكون الأساس لكل تصرفاتهم فى بيوتهم واجتماعاتهم الروحية0 إنَّ حاجة كنيسة كورنثوس إلى هذا النصح واضحة لما ذكر عن أنباء الخصومات وما يحدث منهم حتى فى تناول العشاء الربانى0 وقد أسهب بولس الرسول فى موضوع المحبة بالأصحاح الثالث عشر0 ع 15 : أخائية : المنطقة الجنوبية من اليونان0 القديسين : أى المؤمنين0 يُشير الرسول إلى بيت إستفانوس الذى تميز بأنه عائلة كاملة كرست نفسها للرب0 ويقصد بكلمة " باكورة " أنَّ بيت إستفانوس كان أول العائلات التى أظهرت حياة الإيمان الصحيح الذى يُثمر خدمة للآخرين0 ع 16 : يوصيهم بولس الرسول أن يتعاونوا مع هؤلاء ومع من يخدم معهم ويُجاهد فى كرم الرب0 ونجد مثيلاً لهذه الوصية فى الرسالة إلى العبرانيين ، حيث يقول الرسول " أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم " عب 13 : 17 0 ع 17 : حضور إستفانوس وفرتوناتوس وأخائيكوس من كورنثوس إلى أفسس حيث كان الرسول ، فيه تعزية له بسبب بعده عن أهل كورنثوس0 فقد خففوا بعض الشئ من شوقه وقلقه عليهم0 ع 18 : الأخبار الطيبة التى حملها هؤلاء أراحت نفس الرسول وملأت قلبه بالطمأنينة ، وهو يتوقع أيضاً أنه بواسطة هذه الرسالة التى سيرسلها لهم الرسول سيشعرون هم أيضاً بالراحة النفسية0 ويوصيهم بعد ذلك أن يكرموا هؤلاء الخدام ويعرفوا قدرهم0 + ليتنا نُكرم من يخدموننا حتى تكون خدمتهم لنا بفرح فنستفيد منها أكبر إستفادة ، لأننا بهذا نُكرم المسيح الذين هم صورة له0 وإذ نتضع نتعلم منهم أكثر وننال بركات من الله أوفر ، حتى تنمو الخدمة وتستريح نفوس كثيرة فى المسيح0 (4) السلام والتحية الختامية ع 19 - 24 : ع 19 : أكيلا و بريسكلا : رجل وإمرأته آمنا على يد بولس فى كورنثوس وخدما معه وكانت حرفتهم مثل بولس وهى صناعة الخيام ، فكان يعملها معهما لتدبير إحتياجاته ورافقاه فى رحلاته التبشيرية0 المسيحيون يرتبطون معاً برابطة روحية ، وبموجب هذه الرابطة يشعرون بوحدتهم فى المسيح ويبلغون تحيات المحبة بعضهم لبعض0 وهذا ما فعله المسيحيون فى آسيا ( تركيا حالياً ) مع أهل كورنثوس0 ويبدو من هذا العدد أنَّ بيت أكيلا وبريسكلا أُستخدم ككنيسة للمؤمنين ، إذ لم يكن من السهل إقامة كنائس لكثرة الإضطهادات0 ع 20 : الإخوة أجمعون يُرسلون تحياتهم0 سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة : نفس هذا التعبير يُنادى به الشماس جمهور المصلين فى القداس الإلهى ، وهذه القبلة المقدسة تُجسِّم المحبة الكامنة فى قلوب المؤمنين بعضهم لبعض0 ع 21 : السلام بيدى أنا بولس : تعنى أنه كتب هذه العبارة بيده رغم أنَّ ضعف بصره كان يجعله يُملى رسائله على آخر0 كذلك فإنَّ هذه العبارة تؤكد أنَّ الرسالة صحيحة وأنها كُتبت بواسطة بولس الرسول0 ع 22 : اعتبر الرسول أنَّ محبة المسيح هى أهم الصفات التى تميز المسيحى وحكم بأنَّ عدم وجودها هو أكبر الخطايا وتُدين من لا يتصف بها0 أناثيما : كلمة يونانية معناها يُسلم للهلاك0 ماران آثا : معناها الرب آتٍ0 فلنترقب مجئ الرب باشتياق ، ونحذر السقوط فى الخطايا0 ع 23 : يطلب بولس الرسول لأهل كورنثوس أن تكون نعمة الرب يسوع معهم0 فطلبة الرسول هذه تشمل كل بركة زمنية وأبدية0 ع 24 : أراد بقوله لهم " محبتى مع جميعكم " ، أن يتحقق الكورنثيون من شدة محبته وإخلاصه لهم ، مع أنه مضطر أن يوبخهم على بعض أعمالهم لأنَّ محبته لهم هى فى المسيح يسوع0 بذلك يكون من واجبه أن ينبههم إلى كل ما يمكن أن ينحرف بهم عن طريقه0 آمين : معناها فليثبت الله ما قلته فى هذه الرسالة0 وعندما تقول الكنيسة هذه الكلمة فمعناها إعتراف بصحة التعاليم المُعلنة ، وأنَّ هذه التعاليم هى موضوع إيمانهم ورجائهم0 + أفضل ما تقدمه للآخرين هو محبتك ، التى تظهر ليس فقط فى شكل مادٍ بل أولاً فى كلمات طيبة واهتمام بمشاعرهم ، فيروا المسيح فيك ويطمئنوا فيستعيدوا سلامهم فى وسط ضيقات الحياة0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح