كلمة منفعة
قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..!
— الانقسام
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 8 روميه الإصحاح رقم 8 الأصحاح الثامن ناموس الروح وبرّ المسيح أبرز الرسول في الأصحاح السابق دور الناموس كفاضحٍ للخطية دون معالجة لها، ثم قدّم لنا صورة قاتمة للغاية من جهة ناموس الخطيّة كمفسدٍ لحياتنا كلها، ومثير لشهوات الجسد ضد كل اشتياقٍ روحيٍ. والآن إذ ينتقل بنا إلى السيد المسيح الغالب وحده لهذا الناموس، يشرق علينا بالإمكانيات الإلهية التي تعمل في حياة المؤمن. لهذا إن كان بعض الدارسين يحسبون هذه الرسالة في كُلّيتها هي "كاتدرائية الإيمان المسيحي"، فيرى البعض في هذا الأصحاح "قُدس الأقداس" أو المذبح الروحي، عليه يقدّم المؤمن الحقيقي ذبيحة الحب والفرح والشكر وسط صراعه ضد الشرّ وضيقاته الزمنيّة. قدّم لنا هذا السفر بقوّة إمكانيات الحياة المقدّسة في الرب، أو تمتّعنا ببرّ المسيح غالب ناموس الخطيّة، فاتحًا باب الرجاء في المجد الأبدي، ملهبًا القلب بمحبة المسيح الفائقة. 1. المسيح وناموس الروح 1-17. 2. تجديد الخليقة وعمل الروح 18-27. 3. المسيح المبرر 28-34. 4. محبتنا للمسيح المبرر 35-39. 1. المسيح وناموس الروح سيطرت الخطيّة على الإنسان؛ سكنت فيه، وأخضعته لناموسها، فصار الإنسان جسديًا (7: 14)، يسلك بنفسه كما بجسده تحت مذلة شهوات الجسد وحُسب مبيعًا للخطية. فجاء السيد المسيح، لا لينتزع ناموس الخطيّة من أعماقنا فحسب، وإنما ليُقيم "ناموس روح الحياة" [2]، الذي يعطي للمؤمن إمكانية "السلوك ليس حسب الجسد، بل حسب الروح". فيُحسب الإنسان في كُلّيته، بجسده ونفسه، إنسانًا روحانيًا أو روحيًا. أزال السيد المسيح ناموس الخطيّة المستعبد للإنسان، ليُقيم فيه ناموس روح الحياة واهب الحرّية! أعطانا روحه القدوس ساكنًا فينا [11] يهب حياة للنفس والجسد معًا، حياة برّ عِوض موت الخطيّة، حياة البنوّة لله عِوض العبوديّة للخطية! حقًا أعطانا إمكانية الحياة وسط الآلام لكي ننعم بالروح على الميراث مع مسيحنا. هذا هو موجز حديث الرسول بولس عن "المسيح وناموس الروح"، والآن، لنتبع كلماته الرسولية: أولاً: الانعتاق من الدينونة: "إذًا لا شيء من الدينونة، الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [1]. إن كان ناموس الخطيّة يحطم نفسيتنا ويرعبنا، فإن نعمة المسيح ترفعنا لندرك أننا بالمسيح يسوع مُبرّرون، إن سلكنا حسب الروح لا حسب الجسد. لأن برّ المسيح لا يعمل في المتهاونين، الذين يستسلمون مرة أخري للحياة الجسدانيّة. يقول الأب ثيوناس معلقًا علي هذه العبارة: [نعمة المسيح تحرّر جميع القدّيسين يومًا فيومًا من ناموس الخطيّة والموت، هذا الذي يخضعون له قسرًا، بالرغم من توسّلهم الدائم إلى أن يصفح الله عن تعدياتهم.] يميز القدّيس يوحنا الذهبي الفم بين ثلاثة أنواع من النواميس: ناموس موسى، وهو روحي لكنه لا يهب الروح ولا يبرر؛ وناموس الخطية العامل في جسدنا وهو يدخل بنا إلى الموت الأبدي؛ وناموس المسيح أو ناموس الروح وهو يهب الروح ويقدم لنا الحياة الأبدية ببرّ المسيح، وبه لا نسلك فيتراخٍ حسب الجسد، بل في قوة الروح. [كحقيقة واقعة، يسقط كثيرون في الخطيّة حتى بعد المعموديّة ممّا يسبّب صعوبة في الأمر، لذلك أسرع الرسول ليواجه هذا الأمر، لا بقوله "في المسيح يسوع" فحسب، وإنما يضيف "السالكين ليس حسب الجسد"، مظهرًا أن هؤلاء يتركون تراخينا. الآن لنا القوّة للسلوك "ليس حسب الجسد"، بعد أن كان هذا عملاً صعبًا. وها هو يقدّم برهانه على كلامه هذا، بقوله: "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني" [2]. فكما دعا الخطيّة "ناموس الخطيّة"، ها هو يدعو الروح "ناموس الروح". لقد وصف ناموس موسى بأنه روحي (7: 14) فما هو الفرق بينهما؟ الفرق عظيم وبلا حدود، فإن ذاك روحي، أمّا هذا فناموس الروح. ما هو التمييز بينهما؟ الأول مجرّد أُعطي بواسطة الروح، أمّا هذا فيهب الذين يتقبّلونه الروح بغير حدود. لذلك دعاه "ناموس الحياة" مقابل ناموس الخطيّة لا ناموس موسى. فعندما يقول أنه أعتقني من ناموس الخطيّة والموت لا يقصد ناموس موسى... نعمة الروح القدس توقف الحرب الخطيرة بذبح الخطيّة، فيصير المُقاوم لنا سهلاً بالنسبة لنا، وتُتوِّجنا منذ البداية عينها، وتسحبنا للصراع بعد أن تمدّنا بعونٍ عظيمِ.] إذًا ناموس المسيح، الذي هو ناموس الروح، هو تمتّع بعطيّة الروح، الذي يحطّم فينا عنف الخطيّة ويسندنا في صراعنا ضدها، واهبًا إيّانا روح الغلبة والنصرة، فنكلّل! لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول هو يتحدّث عن السيد المسيح واهب ناموس الروح يوضح أنهذا العمل هو عطيّة الثالوث القدوس محب البشر، الآب أرسل ابنه مبذولاً لأجلنا، والابن قدّم نفسه فِدْية ليدين خطايانا في جسده، والروح القدس يسكن فينا ليعمل بناموسه فينا. هذا هو عمل الثالوث القدوس الذي أعلنه الرسول في العبارة: "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة، ولأجل الخطيّة دان الخطيّة في الجسد" [3]. يلاحظ هذا في النص الآتي: أ. يرى القدّيس يوحنا ذهبي الفم أن الرسول لم يستخف بالناموس بقوله "لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه"، فإنه لم يقل أن الناموس شرّ، وإنما وهو متفق مع السيد المسيح يودّ صلاحنا، لكنه يعجز عن التحقيق. هذا العجز لا يقوم على عيبٍ فيه، وإنما على فسادنا نحن الذين صرنا جسدانيّين، إذ يقول: "كان ضعيفًا بالجسد"، هنا لا يقصد "الجسم الإنساني" إنما الحياة الجسدانيّة. ويرى القدّيس جيروم أن سرّ العجز في الناموس هو عدم قدرتنا على تنفيذه، إذ يقول: [فقد عجز الناموس، لأنه لم يستطع أحد أن يتمّمه سوى الرب القائل: "ما جئت لأنقض (الناموس) بل لأكمل" (مت 5: 17) .] + كان الناموس يعمل ليجعل الناس أبرارًا، لكنه لم يستطع، فجاء (المسيح) وفتح طريق البرّ بالإيمان، وبهذا حقّق ما اشتهاه الناموس؛ ما لم يستطيع الناموس أن يحقّقه بالحرف حقّقه هو بالإيمان. لهذا السبب يقول: ما جئت لأنقض الناموس. القدّيس يوحنا الذهبي الفم ب. لم يقل "دان الجسد"، وإنما قال: "دان الخطيّة"، فصار الجسم مقدسًا مع النفس، يحمل برّ المسيح وقوة الروح، قادرًا على الغلبة ضد الخطيّة. ج. يقول الرسول: "أرسل ابنه في شبه جسد الخطيّة"، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم ليس لأنه لم يأخذ جسدًا مثلنا، وإنما لأنه أخذ جسدنا بدون الخطيّة. + جاء في الجسد، أي في جسد شبه الخطيّة، لكن ليس في جسد خاطىء، إذ لم يخطئ قط، لذلك صار ذبيحة حقيقية عن الخطيّة إذ هو بلا خطيّة. + أرسل الله ابنه لا في جسد خاطيء بل في شبه جسد الخطيّة، وأرسل الابن هؤلاء الذين وُلدوا بجسد خاطيء لكنهم تقدسوا به من دنس الخطيّة. القدّيس أغسطينوس + لم يقل "في شبه الجسد"، إذ أخذ المسيح جسدًا حقيقيًا، وليس شبه جسد، ولا قال "في شبه الخطيّة". لأنه لم يخطيء، إنما صار خطية لأجلنا. جاء فى شبه جسد الخطية... قيل "في شبه" لأنه مكتوب: "هو إنسان من يعرفه؟" (إر 17: 9 الترجمة السبعينية). حسب الناسوت إنسان، في الجسد، حتى يمكن أن يُعرف، لكنه في القوّة هو فوق الإنسان لا يمكن أن يُدرك. أخذ جسدنا لكنه ليس له سقطات الجسد. القدّيس أمبروسيوس + جاء من هذا الجسد، لكنه ليس كسائر البشر، لأن العذراء لم تحبل به بالشهوة وإنما بالإيمان. جاء في العذراء هذا الذي هو قبل العذراء. اختارها الذي أوجدها، خلقها ذاك الذي سبق فاختارها. وهبها الإثمار ولم ينزع عنها طهارتها التي لم تمس. القدّيس أغسطينوس د. جاء في تعليقات القدّيس أثناسيوس الرسولي وغيره من الآباء تأكيد علّة قبوله "شبه جسد الخطيّة"، ألا وهو اتحاده بطبيعتنا لننعم بالاتحاد معه، ونتمتع بعمله فينا بكوننا أعضاء جسده. + صار إنسانًا ليؤلهنا فيه. وُلد من امرأة، من عذراء، ليغير جيلنا الخاطي، فيصير جنسًا مقدسًا، شركاء في الطبيعة الإلهية، كما كتب الطوباوي بطرس (2 بط 1: 4). + بسبب حسن مُسح الرب الذي بطبيعته غير المتغيّرة هو محب للبرّ ومبغض للإثم، وأُرسل دون أن يتغير حاملاً الجسد المتغير ليدين فيه الخطيّة، ويؤكّد له الحرّية والقدرة، محققًا برّ الناموس فيه، بهذا يمكننا أن نقول: لسنا في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فينا (رو 8: 9). البابا أثناسيوس الرسولي ثانيًا: التمتّع بالبرّ لم يقف الأمر عند حدود العتق من الدينونة، وإنما نحمل البرّ الذي يشتاق الناموس أن نتمتع به لكنه يعجز عن تقديمه. يقول الرسول: "لكي يتم برّ الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" [4]. ماذا يعني أن يتحقّق برّ الناموس فينا؟ يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" هنا لا يعني مجرّد عدم وجود خطيّة، وإنما [البر بالنسبة لنا هو التمتّع بالنصرة]، وأن البرّ لا يعني مجرّد الامتناع عن الخطيّة، وإنما التزيّن بالصلاح أيضًا، فلا يقف عند السلبيات، إنما يجب ممارسة الإيجابيات. مرة أخرى يؤكّد القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن "البرّ" حياة ديناميكية مستمرّة، وعمل روحي غير متوقف، لذا يقول: [في هذه العبارة يظهر بولس أن المعموديّة لا تكفي لخلاصنا ما لم نمارس حياة لائقة بهذه العطيّة بعد نوالها.] ثالثًا: الانشغال باهتمام الروح لا باهتمام الجسد "فإن الذين هم حسب الجسد فيما للجسد يهتمون، ولكن الذين حسب الروح فيما للروح، لأن اهتمام الجسد هو موت، ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام، لأن اهتمام الجسد هو عداوة الله، إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لا يستطيع، فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله، وأمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، أن كان روح الله ساكنًا فيكم..." [5-9]. يلاحظ في حديث الرسول بولس عن اهتمام الروح واهتمام الجسد الآتي: أ. لا يقارن الرسول هنا بين جوهر الجسد أي الجسم بأعضائه وبين الروح، وإنما بين اهتمام الجسد واهتمام الروح، فيقصد باهتمام الجسد شهوات الجسد واهتماماته واشتياقاته الجسدانيّة، ويقصد باهتمام الروح اشتياقات الروح واهتماماتها الروحيّة. مرة أخرى نؤكد أن الإنسان بجسده وروحه يمثل وحدة واحدة، إن ترك لجسده العنان يتلذّذ بشهوات جسدانية، يتعدّى الجسد حدوده فيُحسب جسدانيًا، إذ يسلك الإنسان ككل بفكره ونفسه وجسده، بطريقة جسدانيّة، وكأنه قد صار جسدًا بلا روح. وعلي العكس إن سلّم حياته كلها تحت قيادة الروح القدس تتقدّس روحه الإنسانيّة، ويتقدّس جسده بكل أحاسيسه وعواطفه، فيسلك الإنسان ككل، كما لو كان روحًا بلا جسد، إذ يتصرف حتى الجسد بطريقة روحية. خلال هذه النظرة يمكننا أن نعرف اهتمام الجسد، بمعنى ترك الإنسان الجسد على هواه ليتعدّى حدوده، فتخضع حتى النفس لتحقيق هوى الجسد، أمّا اهتمام الروح فيعني خضوع الإنسان لروح الله، فيسلك كإنسان روحي، يحقّق هوى الروح. الأول يثمر موتًا للنفس والجسد على مستوى أبدي، والثاني يهب حياة وسلاما أبديًا [6]. الأول يخلق عداوة لله [7] إذ يطلب الإنسان ملذاته على حساب صداقته مع الله، أمّا الثاني فيجد رضّا في عيني الله. بهذا الفهم يفسّر القدّيس يوحنا ذهبي الفم العبارة: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" [8]، قائلاً: هل نقطع جسدنا إربًا حتى نرضي الله، هاربين من طبيعتنا البشريّة؟ هذا التفسير الحرفي غير لائق، فهو لا يقصد الجسم الإنساني ولا جوهره، إنما يعني الحياة الحيوانيّة العالميّة المستهترة التي تجعل الإنسان جسدانيًا، حتى النفس تصير جسدانية، فتتغيّر طبيعتها ويتشوّه نبلها. وأيضًا حين نسمع: "أمّا أنتم فلستم في الجسد بل في الروح"، لا نفهم بهذا أننا خلعنا الجسم الإنساني، لكنّنا ونحن في هذا الجسم قد تركنا تيّار الشهوات الجسدانيّة، فصرنا كمن هم بلا جسد من جهة الشهوات. استخدم السيد المسيح نفسه هذا التعبير حين قال لتلاميذه: "أنتم لستم من هذا العالم"، بمعنى أنهم لا يحملون فكر العالم الأرضي وشهواته الزمنيّة بالرغم من وجودهم في العالم. بنفس المعنى يقول القدّيس إيريناؤس: [بهذه الكلمات لا يجحد مادة الجسم، وإنما يظهر ضرورة أن يكون الروح القدس منسكبًا فيه. فهو بهذا لا يمنعهم من الحياة وهم حاملون الجسد، إذ كان الرسول نفسه في الجسد حين كتب لهم هذا، إنما كان يقطع شهوات الجسد التي تجلب الموت للإنسان.] كما يقول: [لا يتحقّق هذا بطرد الجسد وإنما بشركة الروح، لأن من يكتب إليهم ليسوا بدون جسد، إنما تقبّلوا روح الله الذي به نصرخ: "أبا الآب" (8: 15).] ويرى القدّيس إكليمنضس السكندري أن التعبيرين "في الروح" و"ليسوا في الجسد" إنما يعني أن الغنوسيّين أي أصحاب المعرفة الروحيّة الحقّة يرتفعوا فوق أهواء الجسد: [إنهم اسمى من اللذّة، يرتفعون فوق الأهواء، يعرفون ماذا يفعلون. الغنوسيّيون أعظم من العالم.] ب. إن اهتمام الروح ليس من عنديّاتنا، إنما هو ثمر سكنى السيد المسيح فينا، الذي بسكناه يُميت الحياة الجسدانيّة الطائشة، فيحيا الإنسان بكلّيّته، جسمًا ونفسًا، في انسجام كعضو في جسد المسيح، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم، فالجسد ميّت بسبب الخطيّة، وأمّا الروح فحياة بسبب البرّ [10] السالك بالروح القدس إنما ينعم بالمسيح أيضًا ساكنًا فيه، إذ يقول الرسول: "وإن كان المسيح فيكم..." وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ينطق (الرسول) بهذا لا ليؤكّد أن الروح هو نفسه المسيح، حاشا، وإنما ليُظهر أن من له روح المسيح، يكون له المسيح نفسه. فإنه لا يمكن إلا حيث يوجد الروح يوجد المسيح أيضًا، لأنه حيث يوجد أحد الأقانيم الثلاثة يكون الثالوث القدوس حالاً، لأن الثالوث غير منقسم على ذاته، بل له وحدة فائقة للغاية... الآن تأمّل عظمة البركات التي ننعم بها بنوالنا الروح: بكونه روح المسيح، يكون لنا المسيح نفسه، ونصير مناظرين للملائكة، وننعم بالحياة الخالدة، ونتمسّك بعربون القيامة، ونركض بسهولة في سباق الفضيلة.] يكمل القدّيس الذهبي الفم تعليقه على العبارة الرسولية مظهرًا أن الجسد الذي لم يكن خاملاً فحسب بسبب الخطيّة بل كان ميتًا، ها هو بالمسيح الساكن فينا صار رشيقًا يركض بسهولة في ميدان الفضيلة لينال الجعالة... الجسد بذاته ميّت بالخطيّة لكن بالله الروح تمتّع بالحياة التي لا تنحلّ، وصار له برّ المسيح. هكذا إذ يتحدّث عن سكنى المسيح فينا يُعلن عن "برّ المسيح" الذي لا يقف عند إماتة الحياة الشهوانيّة الجسدانيّة وإنما ينعم بتجلّي الحياة بحسب الروح [10]... يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يشجّع السامع معلنًا عن البرّ كمصدر للحياة، لأنه حيث لا توجد خطيّة لا يوجد الموت، وحيث لا موت تكون الحياة غير قابلة للانحلال. رابعًا: التمتّع بالقيامة إن كان ناموس الخطيّة قانونه الموت الأبدي، فإن ناموس الروح الذي يهبه لنا المسيح قانونه القيامة من الأموات، على مستوى أبدي. يهبنا السيد المسيح روحه القدوس ساكنًا فينا، الروح الذي أقام السيد المسيح من الأموات، إذ هو قادر أن يقيم طبيعتنا الساقطة، فينزع عنها ناموس الخطيّة أو الحياة الجسدانيّة الشهوانيّة ليهبنا الطبيعة الجديدة، الطبيعة المُقامة في المسيح يسوع، يسودها ناموس القيامة والحياة. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات، سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [مرة أخرى يمسّ (الرسول) نقطة القيامة بكونها أكثر الأمور تبعث الرجاء في السامع، وتهبه ضمانًا لما يُحدّث له في المسيح، فلا تخف إذن لأنك مثقّل بجسد مائت. ليكن لك الروح فستقوم ثانية لا محالة... حقًا سيقوم الكل، لكن لا يقوم الكل ل لحياة، إنما يقوم البعض للعقاب والآخرون للحياة (يو 5: 29)... أنه لا يعاقبك إن رأى روحه يشرق فيك، بل يوقف العقاب... ويدخل بك إلى حِجال العرس لتكون هناك مع العذارى (تك 25: 12). ليتك إذن لا تسمح لجسدك (الحياة الجسدانيّة) أن يعيش في هذا العالم، لكي يعيش جسدك هناك. ليمت كي لا يموت! فإن احتفظت به هنا حيًا لا يعيش، وإن مات يحيا. هذا هو حال القيامة بوجه عام. إذ يجب أن يموت أولاً ويدفن، عندئذ يصير خالدًا. ولكن هذا يُحدّث في جرن المعموديّة، حيث يتحقّق الصلب والدفن وعندئذ القيامة. هذا أيضًا ما حدث بالنسبة لجسد الرب، إذ صُلب ودفن وقام. ليحدث هذا أيضًا بالنسبة لنا، فتكون لنا الإماتة المستمدة عن أعمال الجسد. لا أقصد موت جوهر الإنسان، فإن هذا بعيد عن قصدي، إنما موت ميوله نحو الأمور الشرّيرة، فإن هذا هو الحياة أيضًا، بل ما هو هذا إلا حياة.] يرى القدّيس أمبروسيوس في هذه العبارة الرسولية: "سيحيّ أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم" [11]، تأكيدًا لوحدة العمل بين الثالوث القدوس، فإن الآب يحيي من يشاء، وأيضًا الابن (يو 5: 21)، كذلك الروح القدس. وقد جاء في حزقيال: "هلم يا روح من الرياح الأربع وهبّ على هؤلاء القتلى ليَحيوا... فدخل فيهم الروح فحَيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" (حز 37: 9-10). خامسًا: الشعور بالدين للروح "فإذن أيها الإخوة نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد، لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون" [12-13]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة هكذا: [بعد أن أظهر عظم مكافأة الحياة الروحيّة إذ تجعل المسيح ساكنًا فينا، وتُحيي أجسادنا المائتة، وتهبها أجنحة لتطير بها إلى السماوات، وتجعل طريق الفضيلة سهلاً، بلياقة، يحثنا لتحقيق هذا الهدف. لم يقل: "يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد"، وإنما قال هذا بطريقة أكثر إثارة وقوة هكذا: "نحن مدينون للروح". هذا ما عناه بقوله. "نحن مدينون ليس للجسد". في كل موضع يؤكّد أن ما يقدّمه الله لنا ليس على سبيل الدين وإنما مجرّد نعمة (مجّانية). ولكن بعد هذا يوضّح أن ما نفعله نحن ليس بتقدمة اختياريّة، إنما هو دين (مقابل معاملات الله لنا)، إذ يقول: "قد اُشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدًا للناس" (1 كو 7: 23)، كما يكتب: "إنكم لستم لأنفسكم" (1 كو 6: 19)، وفي موضع آخر يثير ذات الفكر في أذهانهم بقوله: "وهو مات لأجل الجمع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم" (2 كو 5: 15). لقد أراد أن يثبت هذا بقوله: "نحن مدينون"... بقوله: "نحن مدينون ليس للجسد"، ولئلاّ تظن أنه يتحدّث عن طبيعة الجسد قال: "إن عشتم حسب الجسد"... يقدّم لنا هنا تعليمًا... وهو أنه يلزمنا ألا نعيش حسب الجسد، بمعنى ألا نجعله سيِّد حياتنا، إنما ليكن الجسد هو التابع لا القائد، ليس هو الذي يدبِّر حياتنا، بل ناموس الروح هو الذي يدبرها. بإبرازه هذه النقطة، وتأكيده أننا مدينون بالروح، وإظهاره منافع هذا الدين الذي علينا للروح، لا يتحدّث عن الأمور الماضية بل عن الأمور المقبلة... فإن نفع الروح لا يقف عند هذا فقط، إنه حرّرنا من خطايانا السابقة، بل يهبنا حصانة ضد خطايانا المقبلة، ويحسبنا أهلاً للحياة الخالدة (ستحيون).] + وهبك المخلص الروح الذي به تميت أعمال الجسد. القدّيس أغسطينوس سادسًا: التمتّع بروح البنوّة ركّز الرسول بولس في هذا الأصحاح وهو يتحدّث عن "ناموس الروح، وبرّ المسيح"، عن شعورنا أننا مدينون للروح القدس الذي يعتقنا من الدينونة مادمنا نسلك حسب الروح، ويهبنا روح الغلبة والنصرة فنواجه حرب الخطايا بقوّة، ونركض في ميدان الفضيلة، منطلقين نحو السماء كما بأجنحة الروح. أخيرًا، يكشف لنا الرسول عن عمل هذا الروح الإلهي فينا، لا بتقديم إمكانيات إلهية إلينا فحسب، وإنما بتجديد مركزنا بالنسبة لله، فيعتقنا من العبوديّة لنحتل مركز البنوّة الفائق الذي به نصرخ نحو الآب قائلين: "يا أبّا الآب"، نُحسب بالحق أولاد الله، لنا حق الميراث مع المسيح. "لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله، إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبنّي الذي به نصرخ يا أبّا الآب؛ الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [14-16]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العطيّة بقوله: [الآن فإن هذه أيضًا أعظم كرامة من الأولى. ولهذا لم يقل "لأن كثيرين يعيشون بروح الله"، إنما يقول "لأن كثيرون ينقادون بروح الله"، مظهرًا أنه يستخدم سلطانًا على حياتهم (يقتادهم) كربانٍ يقود سفينة، أو سائق مركبة على زوج من الفرس، فهو لا يقود الجسد فقط وإنما النفس أيضًا، يملك عليهما... ولأنه يخشى بسبب الثقة في عطيّة جرن المعموديّة يهملون في رجوعهم بعد نوالهم العماد، لذا يود أن يقول لهم أنكم وإن نلتم المعموديّة ولا تنقادون للروح فإنكم تفقدون الكرامة التي نلتموها وسمو بنوّتكم.] يرى ذات القدّيس أن قول الرسول: "لم تأخذوا روح العبوديّة" يُشير إلى العهد القديم حيث لم ينل اليهود روح البنوّة، إنما بنوالهم الناموس مجردًا عاشوا تحت تهديدات العقوبة في خوف كعبيدٍ، أمّا في العهد الجديد فلم تعد مكافأة الوصيّة أمورًا زمنية ولا عقابها زمنيًا، إنما قُدمت الوصيّة للبنين، ليكون الله نفسه هو مكافأتنا، ننعم به أبًا أبديًا، نناديه "أبًا"، وهي كلمة أرامية توجه لمناداة الأب. يُعلّق القدّيس أغسطينوس على القول: "روح العبوديّة أيضًا للخوف"، قائلاً: [يوجد نوعان من الخوف ينتجان صنفين من الخائفين. هكذا يوجد نوعان من الخدمة يقدّمان نوعين من الخدام. يوجد خوف يطرده الحب الكامل خارجًا (1 يو 4: 18)، كما يوجد نوع آخر من الخوف هو طاهر ويبقى إلى الأبد (مز 19 : 9). يُشير الرسول هنا إلى الخوف الذي ليس للمحبّة... كما يُشير في موضع آخر إلى الخوف الطاهر، بقوله: "لا تستكبر، بل خف" (رو 11: 20).] بهذا الروح نحمل لغة البنين في حديثنا مع الله كأب لنا، فنصرخ بالروح القدس الساكن فينا، واهب البنوة، لنقول: يا "أبًا". هذا الصوت الذي نصرخ به كما يقول القدّيس جيروم: [لا يخرج من الشفاه بل من القلب، ففي الحقيقة يقول الله لموسى: "مالك تصرخ إليّ؟" (خر 14: 15)، وبالتأكيد لم ينطق موسى بكلمة.] + بالحري يجدر بهم أن يفهموا أنهم إن كانوا أبناء الله، فبروح الله ينقادون ليفعلوا ما ينبغي فعله. وعندما يفعلون هذا يقدّمون الشكر لله الذي به فعلوا... وهذا لا يعني أنهم لم يفعلوا شيئًا (أي لا يحرمون من نسبة هذه الأعمال إليهم). + إنه يعني عندما تميتون بالروح أعمال الجسد فتحيون [13] مجدوا الله، اشكروه، قدّموا له التشكرّات، ذاك الذي تنقادون بروحه، لكي تقدروا على السير في هذه الأمور لتظهروا كأبناء الله. القدّيس أغسطينوس يحدّثنا القدّيس كبريانوس عن التزاماتنا كأولاد الله، قائلاً: [إن كنّا أولادًا لله، إن كنّا بالفعل قد بدأنا أن نكون هياكله، إن كنّا نقبل روحه القدوس، يلزمنا أن نحيا بالقداسة والروحانيّة. إن كنّا نرفع أعيننا عن الأرض نحو السماء، إن كنّا نرفع قلوبنا، ونمتليء بالله (الآب) والمسيح بالعلويات والإلهيات، فليتنا لا نفعل إلا ما يليق بالله والمسيح، كما يحثّنا الرسول، قائلاً: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض، لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 1-4). ليتنا نحن الذين في المعموديّة متنا ودفنا عن الخطايا الجسديّة التي للإنسان القديم وقمنا مع المسيح في التجديد السماوي نفكر في أمور المسيح ونمارسها.] هذا ويروي القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص إن عطيّة البنوّة التي ننالها بالروح القدس هي عطيّة السيد المسيح نفسه، هذا الذي حمل مالنا ليهبنا ما له، فحمل موتنا ولعنتنا وخطايانا وعبوديتنا لينزع هذا كله عنّا، فلا نُحسب بعد عبيدًا بل أبناء وأحباء. ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على تعبير "أبًا الآب"، قائلاً أن كلمة "أبا" تقابل في اللاتينية Pater وهي تعني أيضًا "الآب"، وكأن الكنيسة تكرر الكلمة، إذ تصرخ بلغة اليهود "أبًا" وبلغة الأمم "الآب"، فهي كنيسة واحدة تضم أعضاء من اليهود والأمم يشعر الكل بأبوة الله لهم بلا تمييز. يشهد بهذه البنوّة الروح القدس نفسه الذي يسكن فينا واهبا إيّانا "كرامة البنوّة"، إذ يقول الرسول: "الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله" [16]. سابعًا: التمتّع بالميراث إذ ننال روح البنوة، نُحسب أبناء الله لنا حق الميراث الأبدي، وكما يقول الرسول: "فإن كنّا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح" [17]. ظن اليهود أنهم كأصحاب للناموس هم ورثة المواعيد دون سواهم، لكن الرسول بلطفٍ يكشف لهم أن الأمم إذ نالوا روح البنوّة بالمعموديّة صاروا ورثة الله، وكما قال السيد المسيح نفسه: "أولئك الأردياء يهلكهم هلاكا رديًا ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين" (مت 21: 41)، كما قال: "وأقول لكم أن كثيرون سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق في ملكوت السماوات، وأمّا بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية" (مت 8: 11-12). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أضاف إلي قوله إننا ورثة الله "وارثون مع المسيح". لاحظ طموحه، فإنه يريد أن يقترب بنا إلي السيد. فحيث أنه ليس كل الأبناء ورثة أظهر أننا أبناء وورثة أيضًا. ولما كان ليس كل الورثة ينالون ميراثا عظيمًا أبرز هذه النقطة بكوننا ورثة الله. مرة أخرى إذ يمكن أن نكون ورثة لله ولكن ليس ورثة مع الابن الوحيد أظهر أن لنا هذا أيضًا.] ثامنا: الشركة مع المسيح المتألم والممجد إن كان الروح القدس يهبنا الميراث كأبناء لله، نرث الله مع المسيح فإن هذا الميراث هو عطية مجانية لا فضل لنا فيها، لكنها لا تُقدم للخاملين بل للجادين في الشركة مع المخلص، الذين لهم شركة في آلامه يتمتعون بشركة أمجاده " إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه " [17]. 2. تجديد الخليقة وعمل الروح سبق فحدثنا عن "ناموس الروح" مبرزًا عمل الله فينا، أنه يعتقنا من الدينونة إن سلكنا بالروح القدس وليس حسب شهوات جسدنا، ويهبنا اهتمام الروح الذي هو الحياة والسلام، وننعم بسكنى السيد المسيح فينا فيهبنا برّه، وننعم بعربون القيامة عاملاً فينا، ونشعر بالدين نحو الروح الذي يهبنا البنوة لله والميراث مع المسيح والشركة معه. الآن يحدثنا عن عمل الروح فينا وأثره حتى على الخليقة غير العاقلة، مبرزًا ترقب العالم المخلوق من أجلنا لعودتنا إلي الأحضان الإلهية كأبناء لله بعد أن تركناه زمانًا فسببنا للأرض اللعنة وللخليقة فسادًا. هذا من جانب، ومن جانب آخر إذ نعود الآن لنختبر عربون الروح بقيامة نفوسنا من موت الخطية تتمتع أيضا أجسادنا بهذه القيامة مترقبة يوم الرب العظيم بصبرٍ ليعيش الإنسان بكليته، نفسًا وجسدًا، في كمال قوة القيامة أبديًا. ولئلا يستصعب المؤمن هذا أكدّ دور الروح القدس نفسه، واهتمامه بنا، لتحقيق هذا العمل فينا. أولاً: بدأ الرسول حديثه بالقول: "فإني أحسب أن الآم الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]. وضع هذه العبارة كخاتمة للحديث السابق وافتتاحية للحديث الجديد، فإنه إذ كان يتحدث عن "برّ المسيح" وارتباطه بناموس الروح، كاشفًا عن عمل الروح فينا، خاصة البنوة لله والتمتع بالميراث أراد أن يوضح أن حياتنا مع الله ليست هروبًا من الضيق والألم الحاضر، وإنما هي ارتفاع على الآلام الحاضرة خلال انفتاح القلب علي المجد الأبدي. وكأن الرسول بعد أن عرّفنا علي عطايا الله غير المدركة إذا به يقودنا بثقة وسط آلام هذا الزمان وأخطاره، معلنًا أن اتحادنا مع الله بروحه القدوس في ابنه لا يغير الظروف المحيطة بنا بل يهبنا اتساعًا في القلب والفكر وقوة للنفس لتجتاز كل الظروف بنبلٍ من أجل الأمجاد الأبدية. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة قائلاً: [لاحظ كيف يهدئ روح المصارعين ويرفعها في نفس الوقت، فإنه بعد ما أظهر أن المكافآت أعظم من الأتعاب، يحثهم لاحتمال متاعب أكثر دون أن يستكبروا، إذ لا يزالوا يغلبون لنوال الأكاليل كمكافأة لهم. في موضع آخر يقول: "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجًد أبديًا" (2 كو 4: 17). هنا لم يقل إن الآلام خفيفة، لكنه يربط الآلام بالراحة خلال إعلان المكافأة بالصالحات العتيدة. "فإني أحسب أن الآلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا" [18]... لم يقل "المجد الذي سيكون لنا" وإنما "يُستعلن فينا"، كما لو كان المجد فينا فعلاً لكنه لم يستعلن بعد... هذا أوضحه أكثر في موضع آخر: "حياتنا مستترة مع المسيح في الله" (كو 3: 3)... هذه الآلام ـ أيًا كانت ـ مرتبطة بحياتنا الحاضرة، أما البركات القادمة فتبلغ عصورًا بلا حدود.] هذا الحديث الرسولي عن المجد الأبدي الذي يُستعلن فينا خلال الآلام الزمنية المؤقتة ألهب قلب المؤمنين للانطلاق بالحب الإلهي على مستوى سماوي يرفع نفوسهم فوق كل ألم وضيق أو طلب خير زمني أو بركة مؤقتة: + المحبة لا تجد شيئا ثقيلاً؛ الغيور لا يعرف عملا صعبًا. تأمل ما احتمله يعقوب من أجل راحيل المرأة التى وُعد بها، إذ يقول الكتاب المقدس: "فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (تك 29: 20). لقد أخبرنا بنفسه بعد ذلك عما احتمله: "كنت في النهار يأكلني الحرّ في الليل الجليد" (تك 31: 40). هكذا يليق بنا أن نحب المسيح ونطلب على الدوام قبلاته، وعندئذ يبدو كل صعب سهلاً لنا، وما هو طويل يصير قصيرًا. لنُضرب بسهام حبه (مز 120: 5) فنقول في كل لحظة: "الويل لي فإن غربتي قد طالت عليّ" (مز 120: 5). + إن تطلعت أن ترث خيرات العالم لا تقدر أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث. + إنك طماع للغاية يا أخي، إذ تود أن تبتهج بالعالم هنا وتملك مع المسيح هناك. القديس جيروم + [إلى المُقدمين للاستشهاد في المناجم:] إنكم تنتظرون كل يومٍ بفرحٍ يوم رحيلكم المنقذ. ها أنتم قد تركتم العالم بالفعل، وتسرعون نحو مكافاءات الاستشهاد، نحو المنازل الإلهية، لكي تروا بعد ظلمة العالم هذه النور اللائق، وتتقبلون مجدًا أعظم من كل الآلام والأحزان. الشهيد كبريانوس + "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" [18]. أنظر فإن النير هين والحمل خفيف (مت 11: 29). فإنه وإن كان عسيرًا علي القليلين الذين اختاروه، لكنه سهل بالنسبة للذين يحبونه. يقول المرتل: "علي حسب كلامك شفتيك لزمت طرقًا وعرة" (مز 26: 4). القديس أغسطينوس ثانيًا: إذ يعلن الرسول أن الروح لا ينزع عن المؤمن الآلام والضيقات إنما يهبه مجدًا خفيًا في الداخل وسط الآلام الخارجية، يُستعلن هذا المجد في يوم الرب العظيم، ينتقل من حياة المؤمن الداخلية إلي الخليقة عينها، قائلا:"لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله" [19]. ماذا يقصد بالخليقة التي تترقب في شوقٍ إعلان بنوتنا لله؟ يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يقصد بالخليقة هنا العالم كله بما فيه من جمادات. فإن كان الله قد خلق العالم كله من أجل الإنسان ليحيا سيدًا فيه يحمل صورته الإلهية ومثاله، فإن فساد الإنسان انعكست آثاره حتى علي الخليقة، فعندما سقط آدم جاء الحكم: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك" (تك 3: 17-18). قاوم الإنسان إلهه، فأثمرت مقاومته مقاومة الخليقة له، لكنها حتى في هذه المقاومة كأنها تترجى عودته إلى حضن الله كابن له فتعود هي متهللة من أجل الإنسان الذي خلقت لأجله. صوّر الرسول بولس الخليقة كشخصٍ يئن ويتمخض معًا يترجى صلاح الحياة كلها. غير أن هذا لا يُفهم بصورة حرفية مادية وإلا توقعنا أن تعود البشرية كما مع آدم في الفردوس الأول الأرضي المادي ويبقى الفردوس خالدًا، الأمر الذي يتنافى مع فكر المسيح وروح الإنجيل، إنما أراد الرسول أن يبرز فاعلية عمل السيد المسيح في حياة الإنسان، حتى تكاد الخليقة غير العاقلة أن تنطق متهللة من أجل المصالحة مع الله وعودته إلى الأحضان الأبوية. في أوضاع استثنائية سمح الله للطبيعة العنيفة أن تخضع للمؤمن، كملاطفة الحيوانات المفترسة الجائعة للشهداء في الساحات الرومانية، وعدم فاعلية السم علي بعضهم، وسكنى بعض المتوحدين والسواح مع الحيوانات البرية، وإعالة البعض في الصحراء بواسطة غربان الخ. هذا كله لم يكن قاعدة عامة إنما تحققت بفيض خاصة في عصور الضيق الشديد لمساندة الإيمان بطريقة ملموسة، ولتأكيد العطايا الإلهية الداخلية غير المنظورة والأمجاد السماوية المترقبة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يجعل (الرسول بولس) من العالم كله أشبه بشخصٍ، كما سبق ففعل الأنبياء عندما قدموا الأنهار تصفق بالأيادي (مز 98: 8)، والتلال تقفز، والجبال تتحرك، لا لنتخيل هذه الكائنات الجامدة أشخاصًا حية، فننسب لها قوة العقل، وإنما لكي ندرك عظمة البركات وكأنها قد أثارت الخليقة غير الحسية أيضًا. يستخدمون ذات الأسلوب أيضا في الظروف المؤلمة حيث يصورون الكرمة تنتحب والخمر يبكي والجبال وعوارض الهيكل تصرخ، لندرك مدي بشاعة الشر. هكذا امتثل الرسول بالأنبياء فجعل من الخليقة هنا أشبه بكائن حي يئن ويتمخض، لتظهر عظمة الأمور المقبلة ما معنى أن الخليقة أخضعت للباطل [20]؟ لماذا صارت فاسدة؟ وما هو السبب؟ بسببك أنت أيها الإنسان، فإنك إذ حملت جسدًا ميتًا قابلا للآلام تقبلت الأرض لعنة وأنبتت شوكا وحسكًا. حتى السماء إذ تبلى مع الأرض ستتحول إلي حالة أفضل، اسمع ما ينطق به النبي: "من قدم أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك؛ هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، كرداء تغيرهن فتتغير" (مز 102: 25ـ26). ويعلن إشعياء ذات الأمر، بقوله: "ارفعوا إلى السماوات عيونكم وانظروا إلى الأرض من تحت، فإن السماوات كالدخان يضمحل، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون (مثلها)" (إش 51: 6). ها أنت ترى بأي معنى سقطت الخليقة في عبودية الباطل، وكيف تتحرر من حالة الفساد؟... لقد حاصرها الشر لأجلك وصار مفسدًا، مع أن (الخليقة) لم ترتكب خطأ من جانبها، ولأجلك أيضًا سيحدث عدم الفساد. هذا هو معنى "علي الرجاء" [20]. عندما يقول أنها أخضعت "ليس طوعًا" لا ليظهر أن ما قد حدث لها وإنما لكي نتعلم عناية المسيح للكل، فإن إصلاح الخليقة لا يكون من ذاتها.] الآن، ما هو رجاء الخليقة؟ "لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله" [21]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الآن، ما هي هذه الخليقة؟ إنها لا تعنيك أنت وحدك، وإنما معك أيضًا الخليقة الأدنى، التي لا تشترك معك في العقل أو الحس، هذه تشاركك بركاتك. يقول "ستعتق من عبودية الفساد"، بمعنى أنها لا تعود تصير فاسدة، وإنما تتمشى جنبًا إلي جنب مع الجمال الذي يُوهب لجسدك. فكما أنه عندما صار جسدك فاسدًا فسدت هي أيضًا، هكذا الآن إذ صار جسدك غير فاسد تتبعه هي أيضًا. وإذ يعلن الرسول هذا يبلغ إلي النتيجة: "إلى حرية مجد أولاد الله"، فتتحقق حريتها. إنه يشبه مربية تربي ابن ملك، عندما ينال الابن سلطان أبيه تتمتع هي معه بالخيرات، هكذا أيضًا بالنسبة للخليقة معنا. ها أنت ترى في كل الأمور أن الإنسان يحتل مركز القيادة، فمن أجله خُلقت كل الأشياء. انظر كيف يلطف (الرسول) المصارع، مظهرًا محبة الله غير المنطوق بها من نحو الإنسان، إذ يود أن يقول: لماذا أنت مرتبك عند تجاربك؟ فإن كنت تتألم من أجل نفسك فإنه حتى الخليقة تتألم بسببك. وليس فقط يلطف، وإنما يظهر أيضًا أن ما ينطق به أمر ذو أهمية. لأنه إن كانت الخليقة التي أوجدت بكاملها لأجلك هي "علي رجاء" فكم بالأولى يليق بك أنت أن تكون علي رجاء، يا من مِنْ خلالك ستتمتع الخليقة بتلك الخيرات؟ كما أن الآباء إذ يرون الأبناء في طريقهم لنوال كرامة يُلبسون الخدم ثيابًا بهية من أجل مجد الابن، هكذا يلبس الله الخليقة عدم الفساد من أجل مجد حرية الأبناء.] ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الخليقة التي تئن علي رجاء هي جماعة السمائيين الذين كمن هم يئنون من أجل الإنسان ليفرحوا بتمتعه بالبنوة، وكما قال السيد المسيح إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو 15). ويرى القديس إيريناؤس أن "الخليقة" هنا تعني "الجسد"، إذ يقول: "[من العدل أنه في ذات الخليقة التي فيها تعبوا وتألموا متزكين بكل طرق الاحتمال أن يتقبلوا مكافأة أتعابهم، وأنه في الخليقة التي فيها ذُبحوا من أجل محبتهم لله، فيها ذاتها ينتعشون مرة أخرى. الخليقة التي احتملوا فيها العبودية يملكون. فإن الله غنى في كل شيء، وكل شيء هو له. يليق إذن أن تُعاد الخليقة عينها إلي حالتها الأولى فتصير بلا مقاومة تحت سلطان البرّ كما أوضح الرسول في الرسالة إلى أهل رومية.] ثالثا: الخليقة توبخنا برجائها كما بأنينها: إن كانت الخليقة التي تتمتع بالخيرات من أجلنا إذ سقطت تحت الفساد بسببنا تترجى مجدنا كأولاد لله لتلبس عدم الفساد، فإنها في هذا الانتظار كمن في حالة ولادة مستمرة تنتظر "جديدًا"، إذ يقول الرسول: "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" [22]. هذا هو حال الخليقة التي أُوجدت من أجلنا فكم بالحري يليق بنا أن نئن نحن أيضا ونتمخض بالآلام من أجل تمتعنا بكمال مجد البنوة لله ؟ رابعا: إن كانت الخليقة التي لم تنل شيئا قد امتلأت رجاءً وصارت كما في حالة ولادة تئن وتتمخض، فكم بالحري يليق بنا نحن الذين تمتعنا فعلاً بعمل الروح القدس في نفوسنا، فنلنا باكورة المجد في داخلنا لنترجى كمال عمله حين تخلص أجسادنا أيضا بقيامتها في يوم الرب العظيم، فتنعم مع النفوس بذات المجد، إذ يقول الرسول: "وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا نئن في أنفسنا، متوقعين التبني فداء أجسادنا" [23]؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن باكورة الروح الذي نلناه يدفعنا لهذا الأنين الداخلي المملوء رجاءً. هذه الباكورة عظيمة للغاية لا تقف عند غفران الروح لخطايانا، وإنما أيضا تهبنا البرّ والتقديس، وقد ظهرت هذه الباكورة في عصر الرسول بإخراج الرسل للشياطين وإقامة الموتى خلال ظلهم (أع 5: 15) وثيابهم (أع 19: 12). هذه هي الباكورة، فماذا يكون كمال الروح؟ إذن لنتوقع التبني كقول الرسول. كيف يكون هذا ونحن قد نلنا البنوة لله فعلاً؟ إننا نتوقع كمال مجد البنوة بقيامة الجسد من الأموات، كقول الرسول: "الذي سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون علي صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته، أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 21)، "لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت" (1 كو 15: 53). إذًا ما نلناه كباكورة الروح إنما يفتح باب الرجاء للإنسان ليجاهد بالصبر حتى يبلغ كمال الروح الذي يمجّد الإنسان بكليته نفسًا وجسدًا، علي مستوى أبدي، لذلك يكمل الرسول حديثه عن الرجاء لنوال كمال الروح قائلاً: "لأننا بالرجاء خلصنا، ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا؟ وإن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" [24ـ25]. أ. ماذا يعنى: "بالرجاء خلصنا"؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذا يعنى أننا لا نطلب كل شيء لنا في هذه الحياة، وأن يكون لنا رجاء أيضًا، مؤمنين أن ما وعدنا به الله يحققه لنا، بهذا نحن خلصنا؛ فإن فقدنا الرجاء نفقد كل ما نلناه... يود أن يقول: أتساءل، ألم تكن أنت خاضعًا لخطايا بلا حصر؟ ألم تكن يائسًا؟ ألم تكن تحت الحكم؟... ما الذي خلّصك إذن؟ الرجاء في الله وحده، وثقتك من جهة مواعيده وعطاياه، فإنه ليس لك شيء آخر تقدمه له. إن كان هذا هو الذي خلصك، فلنتمسك به الآن أيضًا. فمن قدم لك بركات عظيمة هكذا لا يمكن أن يخدعك في البركات المقبلة. لقد وجدك ميتًا ومحطمًا وسجينًا وعدوًا، فجعلك صديقًا وابنًا وحُرًا وبارًا ووارثًا معه، مقدمًا لك أمورًا عظيمة هكذا لم يكن يتوقعها أحد. هل بعد التمتع بمثل هذه العطايا بسخاءٍ وحبٍ يخونك في الأمور المقبلة؟... هذا الطريق (الرجاء) خلصك من البداية؛ إنه العربون الذي أحضرته وحده إلى العريس. فلنتمسك به ولنحتفظ به، فإنك إن طلبت شيئًا في هذا العالم تفقد صلاحك الذي به صرت بهيًا، لهذا يكمل الرسول: قائلا: "ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا؟"] يقول القديس أغسطينوس: [وإذ ننتظر خلود الجسد وخلاص نفوسنا في المستقبل نتسلم العربون فيُقال إننا قد خلصنا.] يشبه القديس أغسطينوس هذا الرجاء بالبيضة التي تحمل في داخلها حياة تقدمها خلال دفء الضيقات والآلام، إذ يقول: [إنها بيضة، وليس بعد (كتكوت). إنها مغلفة بقشرة، لكن لا تنظر إليها هكذا بل انتظر في صبر، ولتجعلها في دفء فستقدم حياة. اضغط عليها.] ب. إن كانت باكورة الروح تدفعنا للتمسك بالرجاء لنوال كمال المجد الذي يهبه الروح للأبناء، فإن هذا الرجاء ليس بالعمل السلبي، بمعنى آخر يلتزم المؤمن أن يمارس دورًا إيجابيًا باحتماله الأتعاب الكثيرة والآلام من أجل رجائه في غير المنظورات، إذ يقول الرسول "نتوقعه بالصبر" [25]. هذا ما يؤكده الرسول علي الدوام: إبراز عمل النعمة الإلهية المجانية، لكن دون سلبية من جهة المؤمن! ج. إن كان المؤمن في رجائه بالتمتع بكمال عمل الروح ليُعلن مجد أبناء الله أبديًا وذلك خلال الصبر، فإن هذا الصبر عينه هو عطية إلهية نقتنيها بالله نفسه، إذ يسندنا الروح القدس نفسه في جهادنا، حتى في الأمور البسيطة والضعفات، وكما يقول الرسول: "وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا" [26]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكي تعرف أنه ليس بأتعابك وحدها والمخاطر التي تواجهها إنما تقف النعمة بجانبك، حتى في الأمور التي تبدو هينة للغاية، إذ يعمل معك، وفي كل الأحوال يقوم بدوره في الاتحاد.] د. إذ يتعرض الرسول بولس لعون الروح القدس لنا في جهادنا حتى في الضعفات البسيطة كي نلتهب بالرجاء ونثابر بالصبر، يبرز عملاً رئيسيًا للروح القدس في حياتنا، بقوله: "لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" [26ـ27]. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن "الروح" هنا الذي يشفع فينا إنما يعنى القلوب الملتهبة بالروح القدس خلال "موهبة الصلاة "، إذ يعطى الروح القدس للبعض موهبة الصلاة عن الآخرين... فالروح يقترح علي النفوس المقدسة ما تصلي به من أجل إخوتها، لأنها لا تعلم ما تصلي لأجله كما ينبغي، فقد صلى بولس طالبًا أن يرى روما، وصلى موسى مشتهيًا رؤية فلسطين (تث 3: 26)، وطلب إرميا عن اليهود (إر 15: 1) وتشفع إبراهيم عن أهل سدوم (تك 18: 23)، ومع ما لهذه الصلوات من قيمة كبرى تكشف عن قلوب مقدسة محبة للآخرين، لكنها في رأي القديس يوحنا الذهبي الفم لم يكن هؤلاء يعرفون ما يصلون لأجله كما ينبغي، فالإنسان مهما بلغت قداسته يحتاج إلى عون الروح ليرشده حتى في الصلاة عن الآخرين. الروح يسند ليس فقط في الصلاة عن الآخرين وإنما حتى من أجل الإنسان نفسه، لأنه كما يقول الأب إسحق تلميذ القديس أنبا أنطونيوس: [أحيانًا نسأل أمورًا تضاد خلاصنا، وبواسطة عنايته الإلهية يرفض طلباتنا، لأنه يرى ما هو لصالحنا بحق أعظم مما نستطيع نحن. وهذا ما حدث مع معلم الأمم عندما صلى أن ينزع منه ملاك الشيطان الذي سمح به الرب لأجل نفعه. "من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي: تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 8-9) .] يعلق القديس أغسطينوس علي أنّات الروح القدس فينا، قائلاً: [لا يئن الروح القدس في ذاته مع نفسه في الثالوث القدوس، في جوهره الأبدي... إنما يئن فينا، أي يجعلنا نئن. فإنه ليس بالأمر الهين أن الروح القدس يجعلنا نئن، إذ يهبنا أن ندرك أننا غرباء نسلك في أرض غربتنا، ويعلمنا أن ننظر نحو وطننا، فنئن بشوق شديد.] 3. المسيح المبرر إدراك تدبير الله لمحبيه أبرز الرسول بولس حاجة المؤمن لإدراك خطة الله الخلاصية في حياته هو شخصيًا، إذ يقول: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده" [28]. خطة الله بالنسبة لنا فائقة، فهو لا يغير مجرى الأحداث والظروف حسب أهوائنا الشخصية، إنما يحّول كل الأمور بلا استثناء لبنيان نفس المؤمن الحقيقي، فتعمل حتى الظروف المضادة لمجده. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة، قائلاً بأنه يليق بالمؤمنين ألا يختاروا لأنفسهم الحياة حسب فكرهم حاسبين أن هذا نافع لهم، إنما يقبلون ما يقترحه الروح القدس، لأن أمورًا كثيرة تبدو للإنسان نافعة تسبب له مضارًا كثيرة. كمثال قد يظن الإنسان أن الحياة الهادئة التي بلا مخاطر ولا متاعب نافعة له، لذلك طلب الرسول ثلاث مرات أن يرفع الله عنه التجربة، فجاءته الإجابة: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 8-9). بمعنى آخر لنترك كل الأمور في يديّ الروح ليحولها لبنيان نفوسنا. مرة أخرى يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم إن كل الأمور التي تبدو مؤلمة تعمل لخير الذين يحبون الله، أما الذين لا يحبونه فحتى الأمور التي تبدو صالحة ومقدسة تعمل ضدهم إن لم يرجعوا إليه بالحب. ضرب أمثلة منها لم ينتفع اليهود بالناموس الصالح بل وتعثروا حتى في السيد المسيح. + حتى الضيقات أو الفقر أو السجن أو المجاعات أو الميتات أو أي شيء آخر يحلّ بنا يستطيع الله أن يحول كل الأمور إلي نقيضها. + كما أن الأمور تبدو ضارة تكون نافعة للذين يحبون الله، فإنه حتى الأمور النافعة تصير ضارة للذين لا يحبونه. القديس يوحنا الذهبي الفم + بالنسبة للكاملين والحكماء يُقال: "كل الأشياء تعمل للخير للذين يحبون الله"، أما بالنسبة للضعفاء الأغبياء فقد قيل أن كل شيء ضد الشخص الغبي (أم 14: 7)، فلا ينتفع من النجاح ولا ينصلح شأنه من المصائب إذ ينهزم الإنسان بأكثر سهولة بالنجاح أكثر من الفشل، لأن الفشل يجعل الإنسان أحيانًا يقف ضد إرادته، وينال تواضعًا، خلال حزنه المفيد يقلل من خطيته وينصلح شأنه، أما النجاح فقد يدفع بالإنسان إلي الكبرياء العقلي والعظمة الكاذبة. الأب تادرس + ماذا يعنى بـ "كل الأشياء" إلا تلك الآلام المرعبة القاسية التي تحل بنا؟ فإنه بالحق يصير حمل المسيح الثقيل خفيفا بالرغم من ضعف محبتنا. القديس أغسطينوس يقدم لنا القديس جيروم أيوب مثلاً حيًا لمن تتحول الأضرار بالنسبة إلى خيره، فلم يترك العدو شيئا في أيوب غير مضروبٍ سوى لسانه لعله يجدف به على الله، لكن هذه كلها آلت إلى خيره، فقد جاء إليه الله وتحدث معه علي مستوى الصديق مع صديقه. يعلق كثير من الآباء على تسمية الذين يحبون الله هكذا: "الذين هم مدعوون حسب قصده" [28]، نقتطف الآتي: + لو أن الدعوة وحدها كانت كافية فلماذا لم يخلص الكل؟... ليست الدعوة وحدها تحقق الخلاص، وإنما نِيَّة المدعوين. فالدعوة ليست ملزمة لهم ولا هي قهرية، إذ الكل مدعوون لكن لا يطيع الكل الدعوة. القديس يوحنا الذهبي الفم + يقول المخلص نفسه:"إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" (يو 8: 31). هل يحسب يهوذا من بين تلاميذه مادام لم يثبت في كلامه؟ هل يحسب من تلاميذه الذين قيل عنهم: "فعلم يسوع إن تلاميذه يتذمرون علي هذا، فقال لهم: أهذا يعثركم؟ " (يو 6: 59-66)؟ ألم يلقبهم الإنجيل "تلاميذ"؟ ومع هذا لم يكونوا تلاميذ حقيقيين، لأنهم لم يثبتوا في كلمته، كقوله: "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" (يو 8: 31). فإذ ليس لهم المثابرة بكونهم ليسوا تلاميذ حقيقيين، ليسوا أبناء حقيقيين حتى وإن ظهروا هكذا أو دُعوا هكذا. إذن نحن ندعو الناس مختارين وتلاميذ المسيح وأولاد الله، لأنهم هكذا يدعون إذ يتجددون (بالمعمودية) ونراهم يعيشون بالتقوى، ولكن هذا يصير حقيقة إن ثبتوا فيما دعوا فيه. القديس أغسطينوس اهتمام الله بمجدنا إن كان الروح الإلهي يحول حتى الأمور التي تبدو لضررنا لخيرنا، لأنا مدعوون حسب قصده، فما هو هذا القصد الإلهي؟ قصد الله من جهة الإنسان أن يرفعه إلى المجد؛ فالله ليس في حاجة إلى تعبده أو خدمته إنما يحبه كابن، يوده شريكًا في المجد. هذا هو الأمر الذي في ذهن الله من جهة مختاريه الذين سبق فعرفهم لذلك عينهم، "ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين"[29]. + انظر سمو هذه الكرامة! فما هو للابن الوحيد بالطبيعة ينالونه بالنعمة. إنه لم يكتف بهذه الدعوة أن يكونوا مشابهين له، بل يضيف نقطة أخرى: "ليكونوا بكرًا بين إخوة كثيرين" [29]... هكذا يستخدم كل وسيلة ليقيم العلاقة بوضوح شديد. القديس يوحنا الذهبي الفم + استخدم الرسول الملهم هذا التعبير "بكرًا" في أربع مناسبات: مرة يدعوه "بكر كل خليقة" (كو 1: 15)، وأخرى: "بكرًا بين إخوة كثيرين" (رو 8: 29)، وأيضًا "بكر من الأموات" (كو1: 18). وفي مناسبة أخرى يستخدم التعبير بطريقة مطلقة دون ربطه بكلمة أخرى، قائلاً: "وأيضًا متى أُدخل البكر إلى العالم يقول: ولتسجد له كل ملائكة الله" (عب 1: 6) فبأي معنى صار بكرًا بين إخوة كثيرين؟ بالتأكيد هذا واضح أنه من أجلنا نحن الذين بالميلاد جسد ودم وُلد بيننا واشترك هو أيضًا في اللحم والدم (عب 2: 14)، لكي يغيّرنا من الفساد إلى عدم الفساد بميلادنا نحن من فوق بالماء والروح. لقد قاد بنفسه طريق هذا الميلاد منزلاً الروح القدس على المياه بعماده، حتى يصير في كل شيء بكرًا للذين يولدون روحيًا معطيًا اسم "إخوة" للذين يشتركون معه في الميلاد ويتشبّهون به بعمادهم بالماء والروح. القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص + لنفهم هذه الكلمات "مشابهين صورة ابنه" [29] عن الإنسان الداخلي، لذلك يقول في موضع آخر: "ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2). قدر ما نتغير عن شكل هذا الدهر نتشكل كأبناء لله. يمكننا أيضًا أن نفهم هذه الكلمات هكذا، أنه كما تشكّل بنا فظهر كمن هو مائت هكذا نتشكّل نحن به بعدم الموت، وهذه الحقيقة ترتبط بقيامة الجسد. القدّيس أغسطينوس + في الجسد يصير الرب قائدنا (بكرنا) إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه، قائلاً: أنا هو الطريق، والباب، ومن خلالي ينبغي أن يدخل الكل (يو 14: 6، 10: 9). البابا أثناسيوس الرسولي يعالج الرسول بولس موضوع اختيار الله لنا أو تعيينه لمختاريه، مؤكّدًا أنه لا يوجد قهر ولا إجبار في قبول نعمة الله، إنما يعين الله الذين يعرف أنهم يقبلون نعمته في كمال حريتهم، إذ يقول: "الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم... والذين سبق فعيّنهم فهؤلاء دعاهم، والذين دعاهم فهؤلاء برّرهم أيضًا، والذين برّرهم فهؤلاء مجّدهم أيضًا" [29-30]. ويلاحظ في هذا النص أن الله. "سبق فعرف الذين له"، فاختياره وتعيينه لهم، لا على أساس محاباة، وإنما على أساس معرفته السابقة لهم، لا بمعنى أن لهم الفضل في شيء إلا قبولهم لدعوته وتجاوبهم لعمله فيهم بالمثابرة والجهاد. الله هو الذي يدعو وهو الذي يُبرّر وهو الذي يمجّد، لكن ليس في سلبيّة من جهتنا! يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تبرير الله وتمجيده لنا بالقول: [لقد برّرهم بتجديد جرن المعموديّة، والذين برّرهم مجّدهم بالعطيّة أي بالتبنّي.] + كثيرون دُعوا فعلاً وتبرروا (بالمعموديّة خلال الإيمان)، ومن يبقى إلى النهاية فهؤلاء "مجّدهم أيضًا"، وهذا لم يتم بعد. بالرغم من أن هذين الأمرين، أي دعاهم وبرّرهم، لم يتحقّقا بعد في كل من قيل عنهم، إلا أنه لايزال يوجد كثيرون إلى نهاية العالم سيدعون وسيتبرّرون. وقد استخدم صيغة الماضي - حتى بالنسبة للأمور المستقبلة - كما لو كان الله قد سبق فأعدّها منذ الأزل. القدّيس أغسطينوس مرافقة الله لنا في الجهاد الروحي إذ تحدّث عن عطيّة الله لنا أنه عيّننا عن معرفته السابقة لنا بأننا نقبل عمله فينا، ودعانا، وبرّرنا بالمعموديّة، ومجّدنا بالبنوّة لنصير مشابهين صورة ابنه، يقف معنا كل أيام جهادنا، لنقول مع الرسول: "فماذا نقول لهذا: إن كان الله معنا فمن علينا؟" [31]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [إن كان الله نفسه قد صار (للمؤمن) فحتى الأمور التي تبدو ضده تتحوّل لحسابه... المؤمن الذي يهتّم بنواميس الله لا يقف أمامه إنسان ولا شيطان ولا شيء ما! فإن سلبْته ماله تصير بالأكثر صرّافًا لمكافأته. وإن تحدثت ضده بشرّ يُحسب هذا الشرّ مصدر بهاء جديد في عيني الله. إن حرّمته حتى من الطعام يتمجّد بالأكثر وتعظم مكافأته. إن قدمته للموت، الذي هو أقسى ما يقع على الكل، فإنك تربطه بإكليل الاستشهاد. أي طريق حياة مثل هذا؟ هذا الذي لا يقدر شيء ما أن يقف ضد هذه حتى أن الذين يدبِّرون مكائد له يكونون بالنسبة له ليس أقل من الذين يخدمونه! لهذا يقول: "إن كان الله معنا فمن علينا"؟] الفداء، أعظم عطيّة! بلا شك أن حب الله الفائق الذي خلاله بذل ابنه الوحيد عنّا يسحب كل المشاعر ويمتص كل الأحاسيس ليقف الإنسان في عجز، ماذا يطلب بعد؟ يقول الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذل لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟" [32] قدّم ابنه مبذولاً ونحن بعد أعداء لمصالحتنا، فماذا يحجبه عنّا بعد المصالحة؟ أو كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الذي وهب الأمور العظيمة لأعدائه، أفلا يهب الأمور الأقل لأصدقائه؟] يقول الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين" [32]. وكأن الأب هو الذي قدّم الكأس للابن، لكن الابن أيضًا بحبّه أراد أن يشرب الكأس، فالبذل مشترك: "الآب بذل ابنه الحبيب، والابن بذل ذاته"، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [واضع هذا الكأس واحد مع شاربه، إذ يقول الرسول نفسه: "أحبّنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة" (أف 5: 2).] كما يقول القدّيس أمبروسيوس: [يُظهر الإناء المختار بوضوح وحده الحب الإلهي، فإن كلاً من الآب والابن قد بذلا، الآب بذل إذ لم يشفق على ابنه لأجلنا أجمعين (رو 8: 32)، والابن بذل إذ "أسلم ذاته لأجلي" (غل 2: 20).] على أي الأحوال إن التطلع إلى الصليب يسحب قلب المؤمن بالحب، إذ يرى في الله "الحب الباذل"، فيخجل أن يطلب بعد شيئًا، إلا أن يرتفع بالصليب إلى الحضن الأبوي بالروح القدس ليبقى فيه أبديًا ينعم بأبوته الإلهية الفائقة. حقا إن التطلع إلى الصليب يسحب القلب ليبقى في حالة شكر وتسبيح بلا انقطاع، الأمر الذي يزداد قوّة وبهاءً عندما نرتفع إلى السماوات لندرك بالأكثر فاعلية هذا الحب، حين نوجد مع الله أبناء له وأحباء! هناك يبقى الصليب تسبحتنا السماويّة غير المنقطعة. رعاية حتى النهاية إن كان الفداء الإلهي هو قمّة ما قدّمه الله للإنسان، معلنًًا كمال حُبّه لا بالكلام والعواطف، وإنما بالبذل حتى الصليب، يبقى الصليب حدثًا فوق الزمن، ويبقى المصلوب حتى بعد صعوده إلى السماء يرعى البشريّة، مشتاقًا أن يسحبهم إلى مجده الأبدي. رعايته دائمة وهو في السماوات لا تنقطع حتى يدخل بنا إلى حيث هو قائم. هذا العمل الإلهي يعطي الرسول الجرأة ليقول: "من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر. من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضًا، الذي هو أيضًا عن يمين الله، الذي أيضًا يشفع فينا" [33-34]. + إنه لا يترك رعايته لنا، بل لا يزال يشفع فينا محتفظًا بذات الحب لنا. + إن كان الروح نفسه يشفع فينا بأناّت لا ينطق بها [26]، والمسيح مات ويشفع فينا، والآب لم يشفق على ابنه من أجلك وقد اختارك وبررّك، فلماذا تخاف بعد؟ القدّيس يوحنا الذهبي الفم + إنه يشفع فينا كل يوم غاسلاً أقدامنا، ونحن أيضًا نحتاج إلى غسل أقدامنا يوميًا بسلوكنا بالحق بخطوات روحية، فنعرف الصلاة الربانية، قائلين: "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا" (مت 6: 12) . + ليُصلِ كل واحد منّا عن الآخر كما يشفع المسيح عنّا. القدّيس أغسطينوس هذا وقد وجد القدّيس أمبروسيوس في هذه العبارات الرسولية باب الله مفتوح لكل نفس ترجع إليه، فاستخدمها في الرد على أتباع نوفاتيانوس الذين أغلقوا الباب على الراجعين بالتوبة لله، بعد إنكارهم للسيد المسيح أو سقوطهم في خطايا بشعة، مثقّلين النير عليهم باليأس. 4. محبتنا للمسيح المبرر إذ انتقل الرسول بولس من الناموس الموسوي فاضح الخطيّة دون معالج لها (ص 7) إلى ناموس روح الحياة في المسيح يسوع كاشفًا عن عمل الروح القدس فينا خلال عمل المسيح الفدائي، إذ يرفعنا من اهتمام الجسد إلى اهتمام الروح، وعوض العبوديّة يهبنا رح البنوّة لله مقدسًا نفوسنا وأجسادنا، واهبًا إيّانا القيامة الداخليّة ورجاء قيامة الأجساد أيضًا، يسندنا في كل جهادنا حتى في الضعفات، محوّلاً كل الأمور لخيرنا ليحقّق غايته فينا، ألا وهو "مجدنا السماوي"... أمام هذا العمل الإلهي العجيب الذي جاء ثمرة مجيء المسيح وبذل حياته عنّا، لم يعرف الرسول إلا أن يردّ الحب بالحب إذ ينشد لحن محبته للسيد المسيح، قائلاً: "من سيفصلنا عن محبّة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب: إننا من أجلك نمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح. ولكنّنا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا.فإني متيقّن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة، ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربنا" [35-39]. سحبت هذه التسبحة قلب الكنيسة ليشتهي أبناؤها الألم كل يوم من أجل المحبوب، ليقدّموا حياتهم ذبيحة حب لذاك الذبيح الذي سبق فبادر بالحب مقدمًا حياته مبذولة عنّا. لم تعد الآلام والضيقات تحطم النفس، بل علّة الدخول إلى موكب الغلبة والنصرة تحت قيادة المسيح يسوع المتألم والمصلوب. + "من أجلك نمات كل النهار"... من الواضح أننا سنرحل ومعنا أكاليل كثيرة إذ نعيش أيامًا كثيرة، أو بالحرى ننال أكاليل أكثر من الأيام بكثير، إذ يمكن أن نموت في يوم واحد لا مرة ولا مرتين بل مرات كثيرة. لأنه من كان مستعدًا لهذا يبقى ينال مكافأة كاملة على الدوام. + لقد أظهر (الرسول) أيضًا أن أجسادنا قد صارت ذبيحة، فيليق بنا ألا نرتبك ولا نضطرب عندما يأمر الله بتقديمها. + لأنه بالحقيقة لأمر عجيب، ليس فقط أننا غالبون وإنما غالبون بذات الأمور التي وُضعت كمكائد لنا. نحن لسنا غالبين فحسب وإنما "أكثر من غالبين"، إذ نمارس الغلبة بسهولة بلا تعب ولا مشقة، لأن الله يصارع بجوارنا، فلا تشك، فإننا وإن ضُربنا نحسب أفضل من الضاربين، وإن طردنا نغلب الذين يضطهدوننا، وإن متنا يبقى الأحياء (الذين يقتلوننا) في صراع... أنهم لا يحاربون البشر بل يقاومون القدير الذي لا يُغلب! القدّيس يوحنا الذهبي الفم + العبارة "ذبحت ذبحها" (أم 9: 2) تعبر عن الشهداء في كل مدينة حيث يذبحون يوميًا من أجل الحق بواسطة غير المؤمنين، صارخين بصوت عالٍ: "إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح". القدّيس هيبوليتس + ليس شيء من هذه الأمور يقدر أن يفصل المؤمنين أو ينزع الملتصقين بجسده ودمه... الاضطهاد هو اختبار للقلب وفحص له. الله يسمح به لنا لكي نمحص ونتزكى، إذ يودّ أن يزكي شعبه على الدوام، لكن معونته لا تقصر عن مساعدة المؤمنين في كل وقت وسط التجارب. الشهيد كبريانوس + هنا تعبير "كل النهار" يعني كل الزمان الذي فيه تحتمل اضطهادات ونذبح فيه كغنم. هذا النهار لا يعني نهارًا يحتوي على اثنتي عشر ساعة إنما كل الزمان الذي فيه يتألم المؤمنون في المسيح يموتون لأجله. القدّيس إبريناؤس ربّما نتساءل: هل يمكن للملائكة أو القوات أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع؟ + لم يقل هذا كما لو كانت الملائكة تحاول هذا أو القوات الأخرى، حاشا! إنما أراد أن يظهر عظم الحب نحو المسيح. فإنه لا يحب المسيح من أجل الأشياء الخاصة بالمسيح (ولو كانت السمائيين)، وإنما من أجل المسيح يحب الأشياء التي له. فيتطلّع إليه وحده، ويخاف أمرًا واحدًا هو السقوط عن محبته للمسيح. هذا الأمر في ذاته أكثر رعبًا من جهنم، أمّا التمتّع بالحب فيشتاق إليه أكثر من الملكوت. القدّيس يوحنا الذهبي الفم هذا وقد لاحظ القدّيس أمبروسيوس في هذا الحديث الرسولي، أن الرسول لا يميّز بين محبتنا للآب ومحبتنا للمسيح [35، 39]، علامة وحدة اللاهوت، مقدّمين كل شيء فداء حبنا لله. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثامن آية (1):- "1إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. " إذاً= الحالة الجديدة في المسيح بعد المعمودية. رأينا في ص7 صراع مرير بين الروح والجسد. ورأينا في (1:5) السلوك بالروح يهب سلاماً. لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح حياة وسلام (6:8). وهنا نرى أن بولس الرسول يستعلن قوة الروح القدس العامل في الإنسان لفكه من رباطات الخطية وإعطائه النصرة. لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ = ومما سبق وقلناه من أننا قد مُتنا للناموس (4:7) إذاً تمت الدينونة، نستنتج أنه لم يعد هناك أي نوع من الدينونة على الذين قد إتحدوا مع المسيح وهم ثابتين فيه= عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ = بالرغم من أني أنا جسديٌ ومبيع تحت الخطية، أي أن ناموس الخطية مازال يعمل فيّ، ومعنى هذا أنني معرض للسقوط إلاً أن ناموس الحرية أيضاً يعمل فيَّ. ومع جهاد المؤمن يضمحل ناموس الخطية فيزداد الفرح والسلام، وبهذا يشتاق المؤمن للفرح الكامل في السماء وهذا يعني إختفاء ناموس الخطية بالكامل وموت الإنسان العتيق بالكامل وحصولي على التبني الكامل، وهذا ما أسماه الرسول "التبني فداء الأجساد" (رو23:8) وهذا لن يكون إلاّ في السماء. ومعنى هذا أنه طالما نحن مازلنا في الجسد على الأرض فنحن معرضين للسقوط ولكن السالك في النور يقوم من خطيته تائباً بسرعة. فالمستعد للتوبة باستمرار هو سالك بالروح لأنه يستجيب للروح الذي يبكت على خطية (يو8:16) وهو يستجيب لإقناع الروح الذي يقود للتوبة "توبني فأتوب لأنك أنت ربي" (أر18:31) إذاً السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ = هم الذين لا يسيرون وراء شهوات الجسد خاضعين للإنسان العتيق بلا تفكير في التوبة. فبر المسيح لا يعمل في المتهاونين الذين باستسلامهم مرة أخرى للشهوات الجسدية الخاطئة يوقظون الإنسان العتيق. بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ = أي الذين يلتزمون بوصايا الروح القدس ومطالبه، وحين يبكتهم على خطية يقدمون توبة سريعة. فالمسيح علمنا أن نصلي وإغفر لنا ذنونبا. إذاً لابد من وجود خطايا وذنوب حتى للقديسين. وهذا السالك بالروح من سماته النمو في الروح، وترك الخطايا الجسيمة. هو ربما يسقط في خطايا بسيطة وسريعاً ما يتوب عنها. ويكون واضحاً إنقياده للروح القدس، محباً للصلاة والكتاب المقدس والتسابيح. ولنعلم أن نعمة المسيح تحرر جميع القديسين يوماً فيوم لمن يخضع ويسلم حياته للروح القدس. ولكن علينا أن نتمم خلاصنا بخوف ورعدة، نضع دائماً خطايانا أمامنا فنتواضع. نحن لا نخاف من أن الله يتركنا ولكن نخاف من ضعفي أنا إذ أن الإنسان العتيق يمكن أن ينفجر في أي لحظة مع إهمالي الجهاد، وإنسياقي وراء شهواتي. يرجى مراجعة تفسير الآيات (أف1 : 4 + كو1 : 28) . فمن هو ثابت فى المسيح يعتبر كاملاً وبلا لوم ولا دينونة عليه . آية (2):- "2لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ. " لأن= هي رد علي سؤال "لماذا لا دينونة؟" في الآية السابقة. نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ. راجع (المقدمة) وكلمة نَامُوسَ = قانون بلا شواذ، مثل قانون الجاذبية وهو كل جسم تتركه يسقط علي الأرض إن لم يكن هناك قوة تسنده. وهذا يحدث في أي مكان في العالم. وهكذا ناموس الخطية ، ففي أي مكان في العالم، لو أهين إنسان ستشتعل في داخله انفعالات الغضب والكراهية والمرارة وحب الانتقام. وحتى لا يسقط الجسم المتروك علي الأرض بفعل قانون الجاذبية يحتاج لمن يسنده. وهكذا روحياً فناموس روح الحياة، الذي جعله الله كناموس آخر يعمل ضد ناموس الخطية والموت. فناموس موسى لا قدرة له أن يسندني، هو فاضح للخطية وليس معالج لها، وأما ناموس الروح فيظهر المسيح الغالب الذي يشرق علينا بالإمكانيات الإلهية التي تعمل فيمن يؤمن. وهذا لا يتم بالإجبار بل بروح الإقناع (أر7:20)الروح يسكن فينا ويفتح حواسنا، ويدعم إرادتنا ويبكتنا علي خطايانا. إذاً هذه القوة تسند المؤمن حتى لا يسقط. هي قوة النعمة التي تزداد بالجهاد. فالخمس عذارى ملأن مصابيحهن بالزيت (النعمة ) ومسئولية الملأ هي مسئولية كل مؤمن، أن يجاهد لكي يمتلئ. لقد قدم لنا هذا السفر قوة إمكانيات الحياة المقدسة في الرب وتمتعنا ببر المسيح غالب ناموس الخطية فناموس روح الحياة يعطي للمؤمن أن يسلك بحسب الروح لا بحسب الجسد. فيحسب الإنسان بكليته (جسداً ونفساً وروحاً) إنساناً روحياً . نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ = هو نَامُوسَ = أي قانون، فكل من يعتمد يحصل علي هذه القوة. رُوحِ = هذه القوة ناشئة من الروح القدس الساكن فينا بسر الميرون. الْحَيَاةِ = فهو يعطينا حياة للنفس والجسد والروح . حياة بر عوضاً عن موت الخطية، حياة بنوة عوضاً عن حياة العبودية للخطية، فنحن بالمسيح حصلنا علي غفران للخطايا + خليقة جديدة وطبيعة جديدة. الروح القدس محيي ويعطي حياة للنفس والجسد معاً للمتحدين مع المسيح، هذه القوة قد حررتنا من ناموس الخطية، ومن قوة الخطية وجذبها ومن الموت. فناموس الروح هو تمتع بعطية الروح ، لأنه يحطم فينا عنف الخطية ويسندنا في صراعنا ضدها. ما عجز عنه موسى (عبور الأردن) تممه يشوع= ما عجز عنه الناموس تممه يسوع المسيح. ما الفرق بين ناموس موسى الذي اسماه الرسول روحي (14:7) وناموس روح الحياة ؟ الأول أعطاه الروح القدس ليدين والثاني يهب الذين يتقبلونه الروح بلا حدود . ولذلك هو ناموس حياة، يحرر ويحيي ويبرر ويعين ويعطي قوة للمؤمن ليسلك روحياً ويصارع الخطية ، ويعطي قوة لعمل الخير ويدعم إرادة الإنسان فلا يتعرض المؤمن للدينونة والحكم. أَعْتَقَنِي = أعطاني قوة اغلب بها نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ فأتحرر من عبوديتي للخطية التي حتماً ستقودني للموت. آية (3):- "3لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ." لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ = الناموس كان هدفه أن يحيا الإنسان في بر، ولكنه عجز عن أن يتمم هذا، لا لعيب في الناموس ولكن بسبب ضعف الإنسان، ضعف جسد الإنسان = فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ. فلم يستطع أحد أن يلتزم بالناموس ويتممه إلاّ الرب يسوع وحده. أمّا سبب ضعف الإنسان كان أن الخطية سكنت فيه وإستعبدت أعضاءه أمّا ناموس روح الحياة فقد حررني فيما عجز عنه ناموس موسى، لأن ناموس موسى لم يعطى الروح القدس لأحد. والروح القدس هو الذي يستطيع أن يتغلب وينتصر علي اهتمامات الجسد، فهو يعين ضعفاتنا (آية26) فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ = لما عجز الناموس عن أن يبرر الناس، أرسل الله ابنه ليعمل عمل الفداء، ثم يرسل الروح القدس، يعطي نعمة نتبرر بها. فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ = أي جسد كامل مثل جسدنا، ولكن لاحظ دقة بولس فهو لم يقل في شبه جسد إنسان، فهو كان كاملاً كإنسان، ولكن بلا خطية ومثال لهذا الحية النحاسية فهي تشبه الحية الحقيقية ولكنها بلا سم يقتل. وكما كانت الحية النحاسية قادرة علي الشفاء، هكذا المسيح استطاع أن يبرر المؤمنين. دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ = المسيح حمل كل خطايا البشرية في جسده، ومات بجسده ليحكم علي الخطية ويميتها ويدينها. وبقدر جهاد الإنسان في أن يميتها تساعده النعمة في ذلك، لذلك يطلب الرسول قائلاً "احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية" (رو11:6) وبهذا يبرأ الإنسان وكلما كانت الخطية ميتة فيَّ فهذا علامة علي أنني مملوء نعمة وجهادى مقبول وكلما كانت الخطية متفجرة فيَّ فهذا علامة علي أنني محتاج لجهاد كثير لأمتلئ من النعمة. وإذا كانت الخطية ميتة داخلي فلا دينونة عليَّ (آية1) وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ = أرسل الله المسيح ليكسر شوكة الخطية فيَّ. موت الخطية في الإنسان المعمد هذا ما لا يستطيعه الناموس لكن هذا عمل النعمة. آية (4):- "4لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. " لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا = بر الناموس حسب ترجمة اليسوعيين والترجمة الإنجليزية. فالناموس كان هدفه أن يتبرر الإنسان، ولما عجز الناموس أرسل الله ابنه ليدين الخطية أي يميتها في المؤمن فيتبرر، وبهذا يتحقق ما أراده الناموس أن لا نصنع الشر ونفعل البر. هذا الذي أصبح بإمكاننا أن نعمله بالروح القدس الساكن فينا. آية (5):- "5فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ." الرسول هنا لا يقارن بين الجسد كأعضاء بين الروح. ولكن بين إنسان عتيق يقود الأعضاء وبين إنسان جديد مولود من المعمودية يقوده الروح القدس. الأول أسماه الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ (من أيقظ إنسانه العتيق وأهمل جهاده فإنكمش إنسانه الجديد). والثاني أسماه الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ (هذا الإنسان يجاهد ويستجيب للروح القدس) الأول صار كأنه جسد بلا روح يسلك بحسب شهوات جسده فصار جسدانياً شهوانياً والثاني صار كمن هو روح بلا جسد. واهتمامات الجسد هي الملذات والكرامة والشهوات. واهتمامات الروح هي إرضاء الله والتفكير في الروحيات والخدمة لحساب مجد الله والاهتمام بالأبدية. آية (6):- "6لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ." لأَنَّ = هذه عائدة على آية 3 ليكون المعنى أن الله أرسل إبنه ليدين الخطية التي فينا أى بفدائه وبعمل الروح القدس (النعمة ) تضمحل الخطية في أعضاءنا فتتحقق غاية الناموس فينا أى أن نسلك بالبر (آية 4) فقد كنا سالكين بحسب شهواتنا الجسدية بسبب الخطية الساكنة فينا قبل المسيح والمسيح أرسل الروح القدس ليكون لنا إهتمامات روحية بدلاً من الخطية ( آية 5) اهْتِمَامَ الْجَسَدِ = إرضاء الشهوات والمتع والملذات، هذا ينطبق أيضاً علي من يهتم بعمله كل الوقت، ولا وقت عنده لله. ولكن مثل هذا الإنسان ينفصل عن الله، فيموت= اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ. ولاحظ أن هذا الإنسان لا يهتم سوى بما سوف يفني، فكل ما للجسد سوف يفني. ولو ترك الإنسان شهواته تقوده تموت نفسه ثم جسده (1تي6:5) ثم يخسر أبديته. وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ = من يهتم بأن يرضي الله ويعمل من أجل أبديته يفرح بالصلاة والصوم، فالروح يسكب فيه فرح وسلام ويصير حياً أمام الله، يختبر سلام الله الذي يفوق كل عقل ثم تكون له حياة أبدية، إذ بجهاده هذا ظل ثابتاً في المسيح، والعلامة أن الروح سكب فيه سلام (رو1:5). آية (7):- "7لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ." لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ = الجسد ليس عدواُ لله، فالله حين خلقه وجده حسنٌ جداً. لكن المقصود هو الإنسان العتيق، واهتمام الجسد أي تغذية الإنسان العتيق بإثارة شهواته وعدم الاهتمام بغذاء الإنسان الجديد، الذي يتغذى علي كلام الله. ولكن عدو الله هو هذا العالم ورئيسه (الشيطان). والجسد إذا إنحاز للعالم صار عدواً لله بالتبعية . فالله خلقني في العالم لأستعمل العالم ولا أنسي تبعيتي لله فأظل أعبده، أمّا لو تحول العالم إلى هدف وصارت الشهوة وإرضاءها، أو المال والمقتنيات إلهاً، يصير من يتبع هذا الإله أداة في يد الشيطان يهين بها الله، ويتعدى علي وصاياه ويصير في عداوة مع الله، لذلك سمعنا أن محبة العالم هي عداوة لله (يع4:4) ولكن هل معني هذا ألاّ نأكل ونشرب ونعمل؟ لا بل نعطي لقيصر ما لقيصر وما لله لله. المهم أن يكون هناك نصيب للروح. فالجسداني الذي هو في عداوة مع الله ينسى الروحيات لانشغاله بالجسديات. والإنسان الروحي يصوم لا لعيب في الطعام، بل هو يضغط علي نفسه ويمنع نفسه مما يحبه وذلك حتى ينمو في الروح. لذلك طلب الله من البدء أن يعمل الإنسان 6 أيام ويتفرغ لله يوماً واحداً. إذاً المطلوب التوازن. وعدم الاهتمام بأمر وترك باقي الأمور. فشعب تسالونيكي حينما قالوا نهتم بالروحيات ونترك أعمالنا غضب بولس الرسول وقال "من لا يشتغل لا يأكل" (2تس10:3). ولذلك قيل في آية (6) اهتمام الجسد هو موت لماذا؟ لأن هذا هو عداوة لله. مثال: لماذا اٍعتبر السيد المسيح المال إلهاً يعبد؟ علي الإنسان أن يعمل ليتكسب ويعيش، ويدخر ليزوج أولاده. لكن بدون هَمْ، وبدون أن يضع في قلبه أنه كلما زادت أمواله إطمأن قلبه علي المستقبل، بهذا هو خلط بين المال كأداة أعيش بها، أو هو هدف أسعى وراءهُ. أمّا الروحي فهو يعلم أن المال قد يضيع في لحظة، والله هو الضامن للمستقبل، الله وحده. إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ = أي أن الإنسان العتيق لا يستطيع أن يخضع لناموس الله فطبيعته عاصية متمردة. لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ = فالجسد بدون الروح القدس مستحيل أن يخضع لله ولوصاياه. وكيف نمتلئ من الروح؟ هذا بأن نهتم بالروح بالصلاة والصوم ودراسة الكتاب، واجتماعات الكنيسة والقداسات والتسابيح والمزامير..الخ . آية (8):- "8فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ. " الَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ = ليس لهم الطبيعة الجديدة، خاضعين لإنسانهم العتيق، يسعون وراء شهوات الجسد. فهذا قد أطفأ الروح وجعل إنسانه الجديد ينكمش، هذا الذي يقوده الروح القدس. وهذا أيقظ الإنسان العتيق الذي هو بطبيعته متمرد علي الله. هذا لا يستطيع أن يرضي الله فمن هو في الجسد فهو ليس في الروح ولا هو ثابت في المسيح. آية (9):- "9وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ." الذين تركوا تيار الشهوات العالمية يصيروا كروح بلا جسد وَأَمَّا أَنْتُمْ 000 فِي الرُّوحِ = اعتمدوا وحل عليهم الروح القدس (بالميرون ) ابتعدوا عن تيار الشهوات. هؤلاء يهتمون اهتمامات روحية وبهذا يضرمون الروح القدس فيهم ويمتلئوا منه (2تي6:1) وبهذا يصيروا خاضعين للروح القدس. المهم أن يسأل كل إنسان نفسه، هل أنا باٍهتماماتي الجسدية أطفئ الروح، أم هل أنا باٍهتماماتي الروحية أضرمه ومن يضرم الروح يسكن فيه الروح ويقوده. وكيف نعلم هل نحن في الجسد أم الروح = إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فهذا يكون مملوء من الروح القدس. فهدف الروح القدس أن يجعلنا نلبس المسيح وأن يتصور المسيح فينا (غل19:4+ رو14:13) فمن له صفات المسيح من محبة ووداعة وتواضع..(هذا معني روح المسيح) فهذا إنسان يسكن فيه روح الله. آية (10):- "10وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ." وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ = إن كان المسيح متحداً بنا وثابتاً فينا. وهذا طبعاً لن يحدث إلاّ لمن يسلك بالروح ويميت الجسد (أي الإنسان العتيق) فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ = هذه تعني: [1] الإنسان العتيق ميت بالمعمودية. [2] الإنسان يميت نفسه، أي يمارس أعمال الإماتة، منع كل الشهوات + أصوام + مطانيات. [3] الله يعمل من ناحيته علي إذلال الجسد حتى لا تثور الشهوات كما سمح لبولس بشوكة في الجسد + إن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يوماً فيوم (2كو16:4) + فاٍن من تألم في الجسد كُفَّ عن الخطية (1بط 1:4). [4] يظل الجسد في ألم وضيقات وأخيراً يموت الجسد. ولكن هل معني هذا أن الإنسان الروحي مات نهائياً؟ قطعاً لا لأن الروح ستكون حية، لأنه عاش في بر= تبرر= وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ ولماذا يسمح الله بكل هذا الألم؟ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ = حتى لا تثور شهوات الجسد. ومن هو ثابت في المسيح ستكون شهواته الخاطئة ميتة. لذلك نسمع في القسمة (رقم19) في الخولاجي "فالتناول يثبتنا في المسيح" "وعند اٍصعاد الذبيحة علي مذبحك تضمحل الخطية من أعضائنا بنعمتك" ولكن حتى يعمل التناول فينا هذا العمل علينا أن نميت أنفسنا عن الخطية. أَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ = أي الإنسان الجديد القائم مع المسيح من الأموات. ومن هو حي بالروح حين يأتيه موت الجسد ينتقل من حياة إلى حياة أبدية. ولاحظ أننا نبدأ حياتنا الأبدية هنا علي الأرض حينما تكون لنا حياة المسيح. آية (11):- "11وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ." هل تتصور أن موضوع القيامة صعب؟ هذا ما يصوره لنا الشيطان. خصوصاً القيامة من موت الخطية والرسول هنا يؤكد أن الذي أقام المسيح من الأموات قادر أن يقيمك من موت الخطية أولاً، ثم في القيامة العامة سيقيمك بجسد ممجد. ونفس الفكرة نجدها في (أف19:1) أى أن نفس القوة التي أقامت المسيح من الأموات قادرة أن تعمل فيكم لتقيمكم في القيامة الأولى والقيامة الثانية سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ = لذلك نسمي الروح القدس الروح المحيي . ملخص: ماذا أعطاني ناموس الروح : 1) أعطاني روح الغلبة والنصرة فنواجه حرب الخطايا بقوة. 2) اعتقني من الدينونة إن سلكت حسب الروح فتكون لي حياة أبدية. 3) صرنا أبناء بعد أن كنا عبيد. المسيح حمل مالنا (موت وخطية وعبودية) وأعطانا ما لهُ (صرنا أبناء وأحباء). وبهذا صار لنا الميراث. 4) صار لنا الروح القدس معيناً. لذلك اعتبرنا الرسول مديونون للروح القدس وليس للجسد. آية (12):- "12فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ." رأينا ماذا يعطينا الروح، أما الجسد فيعطيني لذة لحظات يعقبها كآبة وتعب. لذلك ومن أجل عظم ما أعطاه لنا الروح فنحن مديونون للروح. والذي يشعر انه مديون للروح ماذا يعمل [1] يستعمل وزناته ليمجد إسم الله (الوزنات= الصحة /المال /الذكاء..) [2] أن لا نجعل الشهوات تسودنا ثانية، ونخضع للروح القدس. آية (13):- "13لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ." إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ = أي إن عشتم عبيداً لشهوات أجسادكم فإنكم ستتعرضون للموت الأبدي (الانفصال الأبدي عن الله). إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ هذا عمل النعمة هذا قراري وهذا هو جهادي والنعمة تعمل مع من أن أميت أعضائي (كو5:3) يجاهد + (رو11:6) النعمة= الروح يعين ضعفاتنا. أمّا جهادى أنا أن أقف أمام الخطية كميت. وهذه الآية تساوى تماماً قول الرسول ختان القلب بالروح (رو29:2) والجهاد المطلوب[1] سلبي (نحسب أنفسنا أمواتاً عن الخطية) [2] اٍيجابي (صلاة وتسبيح وصوم ومطانيات..) وهناك طريقين للجهاد: 1. بالعزيمة وقوة الإرادة تزيد كل يوم الأصوام والصلوات.. ولكن هذه عبادة بالجسد، تشبه الفريسية. وسنطالب الله بالأجر. 2. عبادة الروح (راجع تفسير رو9:1) أن نتسمع صوت الروح القدس في هدوء يطالبنا ويقنعنا بما نعمل، فلا نطالب بأجر بل نجد لذة فيما نفعله. ولكن علينا أولاً أن نغصب أنفسنا، فملكوت السموات يغصب (مت12:11) ثم نطلب المعونة من الروح فيبدأ الإقناع فنصوم ونزهد في الملذات لأننا نجد لذة وتعزيات في العبادة بالروح. آية (14):- "14لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. " نحن نحصل علي البنوة بثباتنا في المسيح الابن، ونحن نتحد بالابن في سر المعمودية، وننفصل عنه بالخطية ونعود للثبات بسر التوبة والاعتراف والتناول من جسد الرب ودمه، وكل الأسرار، فاٍن العامل فيها هو الروح القدس. والروح أيضاً هو الذي يبكتنا لو أخطأنا ًومن ينقاد بروح الله يظل ثابتاً في المسيح، ويظل أبناً لله بالتالي. آية (15):- "15إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ»." رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ = كان هذا في ظل الناموس. كان الإنسان يمتنع عن الشر خوفاً من عقوبة الناموس، وإذا عمل شيئاً صالحاً يطلب الأجر عنه فالعبد يعيش خائفاً، طالباً الأجر، بل هو يعمل من أجل أجر زهيد يعطيه له سيده نظير عمله. وهناك من يعيش مع الله هكذا، يطلب من الله طلبات متواضعة كالمال والصحة.. الخ. وإذا لم يأخذ طلباته يذكر الله بأعماله طالباً أجره عنها. والآية السابقة حدثتنا عن أن من ينقاد بالروح يصبح أبناً لله رُوحَ التَّبَنِّي = ماذا يفرق الابن عن العبد؟ الابن يعمل في محبة، ولا يطلب من الله نظير عمل عمله بل بدالة البنوة وطلباته لأبيه ليست متواضعة فهو يطلب مجد السماء، بل هو يطلب الله نفسه "أنا لحبيبي وحبيبي لي". في العهد القديم كان العقاب زمنياً والمكافأة زمنية أيضاً. والآن صارت لنا مكافأة هي الله نفسه ننعم به أباً أبدياً، والروح القدس يشهد في داخلنا بهذه البنوة. وبهذه الروح، روح البنوة نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ». آبا= بالعبرية abba (آبا) الآب pateir(باتير)= أي يا بابا الذي هو الآب. وهي عبارة تشير لوحدة اليهود والأمم (اليونانيين) فكلمة آبا تشير لبنوة اليهود لله وكلمة باتير تشير لبنوة الأمم لله. فالبنوة صارت لكليهما فاليهود يخاطبون الله بقولهم abba واليونانيين يخاطبونه pateir . رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْخَوْفِ = هناك نوعان من الخوف: 1. خوف مقدس طاهر وأمثلته: طالب يخاف من الفشل وهذا يدفعه لمزيد من الجهد لاستذكار دروسه. 2. خوف مرضي مثل من يدخل الامتحان ولا يجيب أسئلة الامتحان بسبب خوفه الفظيع، مع أنه يعرف الإجابة. وروحياً: [1] خوف مقدس طاهر قيل عنه تمموا خلاصكم بخوف ورعدة ( في12:2) + لا تستكبر بل خف (رو20:11). هنا نخاف الله ولكن ليس عن فزع بل خوف المحب الذي يخاف أن يحزن قلب محبوبه، هو خوف يدفع للجهاد.[2] خوف مرضي قيل عنه أنه يُطرَد بالحب الكامل (1يو 4: 18). آية (16):- "16اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ." الروح القدس يعطي لقلوبنا وأرواحنا أن تشعر بالبنوة، هذه الشهادة المعزية لا تعطي إلا لمن لهم طبيعة البنين، أي ثابتين في المسيح. والروح القدس يعطينا الإحساس بأن محبة المسيح تحصرنا فنتحمل الألم. ولكن حتى نسمع صوت الروح القدس فهذا يحتاج لجلسة هادئة مع الكتاب المقدس، والصلاة بهدوء والسكوت بعض الأحيان. وإذا فعلت هذا في ألمك ستسمع صوت الروح قائلاً "أنا جانبك فلماذا تخاف أنت إبن الله، فهل يترك الله أولاده ويتخلي عنهم لا تخف وتشدد". آية (17):- "17فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ." نرث الله لأننا صرنا أبناء له، ونرث ماذا.. نرث مجده ونرث مع المسيح حيث أنه قد وضع نفسه كأخ لنا (يو22:17،24،26) آية عجيبة. أن نرث الله ونرث مع المسيح ولكنها تفسر ما قاله الرسول في (عب2:1) فالمسيح تمجد بجسده هذا معني صار وارثاً لكل شيء وذلك لحسابنا، فنحن جسده. وهو الذي قال حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً" (يو3:14) وقال أيضاً من يغلب يجلس معي في عرشي (رؤ21:3) بل سيصير لنا صورة مجده (في21:3 +1يو2:3) هذه الأمجاد لا يمكن تصورها أو تخيلها فهناك "ما لم تره عين.." حقاً من يفتح الله عينيه علي ما هو معد في السماء فسيدرك أن العالم وما فيه ما هو إلا نفاية (في8:3). ولقد حسب اليهود أنهم وحدهم ورثة، وبولس في هذه الآيات يؤكد أن الميراث لكل البنين الذين يقولون يا آبا الآب وهم ظنوا الميراث أرضي زمني ، لذلك فالرسول يقول بل هنا آلام. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ = قبل أن نعيش في أفكار المجد والميراث، يذكرنا هنا الرسول، بأننا مازلنا علي الأرض وفي الجسد، ومادمنا في الجسد فهناك قطعاً آلام. ولكن يُكْمِلْ لمن يحتمل الألم بشكر، أن الألم.. لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ = لشرح هذا لنذكر قصة داود الهارب المطارد من شاول الملك وهو في آلام فظيعه وكان يرافقه بضعة أصحاب صدقوا وآمنوا بوعد الله لداود، أنه سيصبح الملك، فلازموا داود طوال فترة آلامه. وحينما تمجَّد داود مجَّدهم معه، فكان منهم القادة والوزراء..الخ، فهل نصرّ علي ملازمة المسيح في فترة آلامنا علي الأرض. والميراث هو لمن يتألم مع المسيح وبشكر. ولنعلم أن الله يسمح بالألم لنكف عن الخطية (1بط1:4). آية (18):- "18فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. " الآلام الحاضرة هي لا شيء ولا تُذكَر بجانب الأمجاد المعَّدة لنا: 1. مهما كان الألم فهو بسيط جداً بجانب المجد المعد. 2. زمن الآلام أيام والأمجاد فهي للأبد، بلا نهاية. 3. الآلام هنا هي حتى نكمل، وهي شركة آلام مع المسيح، ويصاحبها تعزيات (2كو3:1-8) حتى أن من تذوق الآلام مع التعزيات إشتهي الآلام، لذلك اعتبرها بولس الرسول هبة (في29:1) ولكن لنعلم أن التذمر يوقف التعزيات. وهذا ما جعل السيد المسيح يقول "احملوا نيرى (الآلام التي أسمح بها + الوصايا التي آمركم بها) فهو خفيف (مت29:11،30). 4. كلما ازداد الألم إزداد المجد "لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً (2كو17:4). الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا = الْعَتِيدِ = الآتي. يُسْتَعْلَنَ = أي المجد الذي نحن فيه الآن غير مرئي، وأما في الأبدية سيصير مرئياً. فنحن حَلَّ علينا الروح القدس وهو كألسنة نار، فهل يري أحد هذه النار. والتناول من الجسد والدم المتحدان باللاهوت، هذا في وسطنا يومياً، لكن هل يري أحد اللاهوت؟ إذاً نحن في مجد لكن غير مستعلن ، وسيستعلن في الأبدية ولنرجع لقصة داود مع شاول فلقد كان شاول في مجد ظاهري (جيش وخدم وخضوع الناس له، وقوة ظاهرية..) وداود كان في ضعف ولكنه في مجد، لأن الروح كان يملأ داود، وأما شاول فقد نُزِعَ منه الروح القدس. ثم مات الملك شاول وجاء داود فإستعلن المجد الذي كان فيه خفياً. آية (19):- "19لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ." الخليقة هي العالم بكل ما فيه من جمادات فالله خلق العالم لأجل الإنسان، والله خلقه فوجده حسن ، كان العالم جميلاً جداً. لكن حينما فسد الإنسان إنعكس فساده علي الأرض لذلك سمعنا قول الله "ملعونة الأرض بسببك.. شوكاً وحسكاً.." (تك17:3،18) وحين قاوم الإنسان إلهه قاومته الخليقة، كما إظلمت الشمس حين صُلِبَ رب المجد. فالفيضانات المدمرة والتصحر المهلك، والزلازل المدمرة القاتلة عكست فساد الإنسان بل أن وحشية الناس ( قايين /شعب روما بملاعبه التي يعذبون فيها العبيد..) انعكست علي الحيوانات فصارت وحوشاً تأكل بعضها. صارت الخليقة كالمرآة تعكس حال الإنسان. وعكس هذا فقداسة برسوم العريان انعكست علي الثعبان ففقد وحشيته. وبسبب الأنبا بولا قيل إن الله يفيض مياه النيل. لهذا تصور بولس الرسول هنا إن الخليقة تنتظر أن يستعلن مجد أبناء الله فينعكس هذا عليها، وتستعيد صورتها الجميلة الأولى وبهائها. اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ = حين يعلن المجد المستتر الآن في أبناء الله. وهذا لن يحدث إلاّ في الأبدية حينما يعود الإنسان للأحضان الإلهية. آية (20):- "20إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ ­ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا ­ عَلَى الرَّجَاءِ. " لقد استعبدت الخليقة للبطل VANITY أي صارت بلا قيمة صارت كسراب، مهما كنز الإنسان، فهو إمّا يضيع أو يتركه الإنسان ويموت. ولكن كان هذا علي رجاء، أن هذا الوضع سينتهي. وكان ما حدث مع الشعب حينما ذهبوا لسبي بابل رمزاً لما حدث مع الخليقة فالله وعد الشعب بأن يذهبوا للسبي تحت عبودية لملك بابل نبوخذ نصر ولكن كان ذلك لمدة محدودة هي 70 سنة، وبعدها يتحرروا بيد كورش ملك فارس. والخليقة والبشر إستعبدوا في يد إبليس (نبوخذ نصر) لكن لمدة محددة حتى يأتي المسيح (كورش) الذي يحررها من يده. ولكن ستظل الخليقة في صورتها الحالية حتى إستعلان مجد أولاد الله وهذا لن يحدث إلاّ في المجيء الثاني. وكما أصدر الله أمراً بأن يستعبد الشعب لملك بابل ولكن علي رجاء العودة، أصدر الله أمراً بإخضاع الخليقة للباطل (إبليس) مع رجاء في فك سبي الإنسان وتجديد الخليقة ( أر8:25-12) وهذا الأمر وذاك كانا بسبب الخطية ومن يعود للخطية يستعبد ثانية. ونلاحظ أن سليمان النبي أكد علي هذه الحقيقة أن العالم هو باطل الأباطيل فبسبب الخطية فقدت الخليقة صورة الحق والجمال لكن على رجاء، فإذا كانت الخليقة الجامدة لها رجاء أن تتجدد صورتها، فهل يتركني أنا الإنسان المخلوق علي صورته. وراجع (2بط10:3 + مز25:102،26 + إش6:51 + رؤ1:21)، ومن كل هذا نفهم أن الأرض ستزول وتنحل العناصر محترقة، ولكن هذا يفهم بأنه كما يموت الإنسان قبل أن يكتسب صورة الجسد الممجد، هكذا ستنتهي صورة العالم الحالي الملعونة، تمهيداً لكي يستعيد بَهاءَهُ. آية (21):- "21لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ." الرجاء الذي تنتظره الخليقة أنها هي ستعتنق وستتحرر من عبودية البطل والفساد ولا تعود فاسدة. سيكون لها نصيب في حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ = أي ستنتهي صورة العبودية التي تعاني منها = حُرِّيَّةِ. وستنتهي حالة الفساد= مَجْدِ. كل هذا من أجل خاطر أولاد الله. إذ قال الآباء، إن الأب يلبس المربية وخدام البيت ملابس جديدة يوم ميلاد الابن، أو في عيد ميلاده أو عرسه وهذا لا يفهم منه أن الأرض ستعود فردوساً يحيا فيه الإنسان كما أيام آدم، فهذا ضد فكر الكتاب المقدس (فملكوت السموات ليس أكلا ًولا شرباً رو17:14) وهناك لا يزوجون ولا يتزوجون (مت30:22). ولا جوع ولا عطش (رؤ16:7) ولكن الرسول يريد أن يظهر فاعلية عمل المسيح، فالخليقة ستتجدد والإنسان سيتمجد، فهل نرتبك بألام الحياة والطبيعة لها رجاء، بل هي ستتجدد من أجلك أنت يا ابن الله.؟ ولكن نحن لن نعيش في الأرض ثانية بل في السماء، لكن الله خلق الأرض والسماء ولن يستغني عنهما بل سيكون لهما صورة جديدة. المهم أن الصورة الحالية للأرض ستختفي، ولن نعرف ماذا سوف يحدث تماماً، ولكن هناك صورة جديدة للخليقة سوف تولد وهذا معني تئن وتتمخض (آية22) ولكننا لن نحتاج لنور الشمس مثلاً، فالمسيح بنوره سينير لنا، ولن يكون هناك ليل (رؤ5:22). آية (22):- "22فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ." بولس الرسول يصور الخليقة الجامدة علي أنها شخص وهذا قد فعله الأنبياء في العهد القديم، فهم صوروا الطبيعة كأن لها أحاسيس تعبر بها عن بركات الله في فرح وتهليل، أو تئن وتتألم مع غضب الله. وهذا ما يسمي بالتصوير الشعري أمثلة:- الأنهار تصفق بالأيادي (مز8:98) والتلال تقفز والجبال تتحرك.. المعني أن بركات الله كأنها أثارت الخليقة غير الحسية فتهللت (حب11:2 + أي38:31). ولكن هناك أحداث فعلية فغضب الله مثلاً يظهر في الطبيعة (طوفان /حريق سدوم وعمورة /إظلام الشمس يوم الصليب..). ورأينا الطبيعة تطيع الله، بل ورجال الله. فالبحر والريح أطاعا المسيح (مر39:4). والشمس والقمر أطاعا يشوع (12:10،13). بل الوحوش أيضاً كان للقديسين سلطان عليهم (دانيال ) والسواح سكن بعضهم مع الوحوش، والغربان عالت البعض. وهذا ليس قاعدة عامة بل الله يسمح بهذا ليساند الإيمان ولتأكيد عطاياه الإلهية والأمجاد المرتقبة. تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ = تئن بسبب فسادها والذي هو انعكاس لآلام البشر بسبب فسادهم. ولكن من وسط هذا الفساد ستولد صورة جديدة لذلك يشبه الخليقة بأم علي وشك الولادة (المخاض هو آلام الوضع) والذي سيولد هو صورة الخليقة الجديدة التي ستكون بلا نقائص (زلازل وبراكين..). فأولاد الله حينما يكونون في مجد سينعكس هذا أيضاً علي الخليقة فالخليقة كمرآة تعكس حالة أولاد الله. والله أسلمنا للباطل لنئن في آلام نتنقى بها ونتأدب حتى نليق بحالة المجد المرتقب. كما سلم الله اليهود لنبوخذ نصر ليتأدبوا، فلما عادوا، عادوا وقد شفوا من الوثنية تماماً. آية (23):- "23وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا." ليست الخليقة وحدها هي التي تئن، بل نحن أنفسنا علي الرغم من أننا قد أخذنا بَاكُورَةُ الرُّوحِ = بنوة / محبة / سلام / فرح.. إلاّ أننا بسبب الخطية التي مازلنا نعاني منها، وبسبب فساد طبيعتنا التي لم نتخلص منها كلية، وبسبب فساد العالم حولنا، مازلنا نئن خصوصاً بعد أن تذوقنا العربون، صرنا نشتهي كمال عطايا الروح في السماء. حينما تتحرر أجسادنا بالكامل من الفساد، ونحصل على كمال التبني بعد أن تقوم أجسادنا من الموت، فالمسيح بدمه أمَّنَ خلاص نفوسنا وأجسادنا لتشترك أجسادنا في مجد أولاد الله. وإن عبارة فِدَاءَ أَجْسَادِنَا تعني قيامة الأجساد من الموت، وبلا موت بعد ذلك. بل نقوم بأجساد ممجدة في حالة تبني كامل ( بلا خطية 1يو9:3) في فرح كامل. سيكون لنا صورة جسد المسيح الممجد (1كو42:15،53+ في21:3+ 1يو2:3). الآيات (24-25):- "24لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ 25وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ." لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا = بدأت قصة الخلاص بميلاد وفداء المسيح وستنتهي بحصولنا علي الجسد الممجد في السماء. وبالنسبة لي تبدأ فصول عمل الخلاص بالمعمودية وتنتهي بحصولي علي الجسد الممجد. وهذا الخلاص وهذا التبني الكامل، والأجساد الممجدة هي حالات أخروية لن تعلن إلاّ في الدهر الآتي، وما نحياه الآن في قصة الخلاص نحياه بالإيمان الذي به نبدأ طريق الخلاص. وبالرجاء نبدأ نتذوق هذه البركات، وهذا العربون، فالرجاء يفتح القلب لمعاينة هذا الخلاص. ولكن دون أن نرى شيئاً محسوساً. كل ما حصلنا عليه هو عربون مثل اضمحلال الخطية في جسدنا هو عربون الحياة بلا خطية في الجسد الممجد في السماء، شهادة الروح القدس فينا بالبنوة هي عربون البنوة الكاملة في السماء. الإيمان يتطلع إلى الوعد، والرجاء يتطلع إلى الموعود به. وبعض الناس يفسرون هذه الآية أنه تم لنا الخلاص، لكن كيف؟ فلو كان الخلاص مؤكداً ما كان هناك معني للرجاء، فهل سمعنا طالب في كلية الطب يقول لي رجاء أن ادخل كلية الطب. ولو كان الخلاص مؤكداً، هل كان بولس الرسول يقول تمموا خلاصكم بخوف ورعدة (في12:2) فالخلاص بدأ ومستمر وسيكمل، لذلك يستعمل بولس فعل الماضي والحاضر والمستقبل للتعبير عن الخلاص (راجع تفسير رو9:5). ولكن قوله خلصنا أن المسيح تمم عمل الخلاص ونحن بدأنا، لكن علينا أن نكمل العمل بخوف. الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً = لو كان الخلاص منظوراً ما كان هناك معني للرجاء. لكننا مع وجود الرجاء (الأمل) وهذا يعطينا فرح، فهناك آلام يسمح بها الله لنَكْمُلْ ونصلح للسماء، فالعالم هو الضيقة العظيمة (رؤ14:7) ونحن نصبر بسبب الرجاء، نتحمل الألم لأن عيوننا تثبتت علي ما نرجوه والصبر هو عطية من الله أيضاً= فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ. آية (26):- "26وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا." رأينا في الآية السابقة ان الله يعطينا الصبر لإحتمال آلام هذا العالم، بينما عيوننا مثبته في رجاء نحو الخلاص المعد في السماء. ولكن الله لا يعطينا الصبر فقط بل أرسل لنا الروح القدس ليرافقنا في خلال رحلتنا في هذا العالم وحتى نصل للسماء، ويعيننا في ضعفاتنا. فيماذا يعين الروح ضعفاتنا:- 1. هو الروح المعزى في وسط الضيقات، لمن يشكر. ولكن من يتذمر يتقسى قلبه ويحرم نفسه من التعزيات والبركات السماوية. 2. هو روح النصح (2تي7:1) نحتاجه وسط مشاكل هذا العالم، ليعطينا نصيحة مناسبة. 3. يبكت علي خطية بأن يقنعنا علي تركها، ولو إقتنعنا يعطي قوة ننتصر بها علي ضعفات الجسد وشهواته. ثم يبكت علي بر، أي يقنعنا بعمل البر وحينما نقتنع يعطينا قوة نسلك بها في حياة البر. 4. يذكرنا دائماً بإحسانات الله فنشكره عليها، وبعقاب الأشرار المعد لهم فنخاف خوفاً مقدساً علي أبديتنا، ويذكرنا بكل تعاليم السيد المسيح ويعطينا قوة علي التنفيذ ( مثل محبة الأعداء وعدم الانتقام..). 5. يعطينا قوة نجابه بها المخاطر، ويعطينا كلمة أمام الملوك والرؤساء. 6. إن توانينا في عبادة الله وتكاسلنا فهو ينشطنا ويشدد عزيمتنا. 7. هو يعطينا ما نصلي به (هو1:14،2) فالروح يعطينا كلاماً نقوله لله وإذا طلبنا طلبات ليست في مصلحتنا أو لا يوافق الله عليها.. أمثلة (طلب بولس الشفاء لنفسه وهذا ليس في مصلحته/ طلب خيرات زمنية قد تبعدنا عن الله/ طلب مجد كطلب ابني زبدى أو طلبهم ناراً تحرق من رفضوا المسيح ظناً منهم أن هذا يمجد الله والله لا يرى أن هذا يمجده/ قد يطلب أحد الرهبنة وهذا ليس طريقة..) يكون دور الروح القدس أن يقنع المؤمن أن ما يطلبه ليس بحسب مشيئته ( أقنعتني يا رب فإقتنعت (أر7:20 + إن طلبنا شيئاً بحسب مشيئته فإنه يستجيب لنا (1يو14:5). بل قد يقنعني الروح القدس بما يريده الله فأطلبه، أو يقنعني بأن طلبي ليس في مصلحتي فأتخلى عنه. عموماً سواء هذا أو ذاك سأصلى من قلبي لتكن مشيئتك. الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا = ولكنه كمن يرى رجلاً يحمل حملاً فيتقدم ليعينه. فالروح لن يعين سوى من يحاول ويجاهد في العمل. لا أن نجلس كسالي نطلب المعونة ونتوقع أن الروح القدس يتمم كل شيء. فبدون الله لا نقدر أن نفعل شئ. وبدوننا لا يريد هو أن يفعل شيء. ولنلاحظ أنه يعين حتى في أتفه الأمور ويقوينا ويشدد قوانا الطبيعية الضعيفة. وكلمة يعين في أصلها اليوناني هي "يساعد مع" فالروح لا يعين من لا يرفع يده بالصلاة فمعونة الروح متوقفة علي إرادة وجهاد وتغصب الإنسان في الصلاة، فمن يغصب نفسه يعينه الروح بأن يعطيه لذة في الصلاة. لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ = لاحظ أن المتألم يصلي لكي تحل مشكلته أو يشفي من مرضه، آية25 انتهت بأننا نصبر وسط آلام هذا العالم وآية26 رأينا فيها الروح القدس يعين ضعفاتنا. ثم نسمع عن الصلاة وسط الألم فكيف يعين الروح القدس من يصلي؟ الروح يرشد من يصلي عن طريق الإقناع مثلاً كما حدث مع بولس أن الشفاء ليس في مصلحته وانه ضد إرادة الله التي هي الخير بالنسبة له، فهو صانع خيرات. ولكن نحن لا نعلم هذا الخير، ولا نعلم ما يجب أن نطلبه في صلواتنا. فهناك قديسون صلوا ليس بحسب مشيئة الله، فبولس صلي طالباً أن يري روما، وموسى اشتهي أن يري فلسطين. وأرمياء طلب عن اليهود، وصموئيل عن شاول وابراهيم عن سدوم، هنا نجد قلوب مقدسة تحب الآخرين، ولكنهم لا يعرفون ما يصلون لأجله، وقد نصلي لأمور ضد خلاصنا، كما صلي بولس حتى تنزع منه الشوكة (المرض). حسناً قال السيد المسيح ليعقوب ويوحنا "لستما تعلمان ما تطلبان" فغموض المستقبل يجعلنا لا نعرف ما نصلي لأجله، ونصلي لأجل طلبات قد يكون فيها ضرر كبير لنا. وعمل الروح القدس في داخلنا أنه يقودنا في الصلاة ليعطينا ماذا نقول ويقنعني بإرادة الله أو بأن ما أطلبه ليس في مصلحتي فاسلم بإرادة الله، وقد يبدأ الإنسان صلاته بأن يطلب طلب ما، ومع استمرار الصلاة يقنعه الروح القدس بقبول إرادة الله فيقول لتكن مشيئتك، وحين يسلم الإنسان أموره لله يصير مقبولاً أمام الله. فالصلاة لا تغير مشيئة الله بل هي تغير مشيئتي بعمل الروح القدس حتى تتطابق مشيئتي مع مشيئة الله. ولكن حتى نسمع صوت الروح القدس مطلوب أن نهدأ ونسكت لنسمع. لا تتكلم طول الوقت أثناء الصلاة، بل إهدأ لتسمع صوت الروح القدس. يقول السيد المسيح "كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه" (مت22:21). فهل لو طلبت شيئاً خطأ، أو ليس في مصلحتي يعطيه الله لي؟ لا. لكن علينا أن لا نتعامل مع آية واحدة. وضع أمامك هذه الآية "وهذه هي الثقة التي لنا عنده إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا" (1يو14:5). فالله لن يستجيب إلا لو كانت صلاتنا متطابقة مع مشيئته. وكيف نعرف مشيئته؟ هذا هو عمل الروح القدس الذي يقنعني بالتسليم الكامل له. وبهذا أصير مقبولاً لدي الله. وهذه هي شفاعة الروح القدس. فحينما نقول أن المسيح شفيع لنا لدي الآب (1يو1:2)، فهذا ليس معناه أن المسيح يطلب من الآب عنا، فهذه شفاعة توسلية وهذا عمل السمائيين، أما المسيح فشفاعته كفارية، بمعني أننا بسبب خطايانا فنحن غير مقبولين أمام الآب، لكن المسيح غطانا بدمه (كَفَّرَعنا) فصرنا مقبولين أمام الآب. وبنفس المنطق فإختلاف مشيئتي عن مشيئة الآب يجعلني غير مقبول لديه، أمّا الروح القدس الذي يقنعني بأن أسلم مشيئتي للآب فهو بهذا يجعلني مقبولاً لدي الآب، وبهذا فهو يشفع فيّ لدي الآب= الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا: الذي يئن هو أنا فالروح لا يئن، فالروح يضع فينا مشاعر حب وشكر لله واشتياق وحنين للسماء، ويعطينا ما نقوله في الصلاة. والروح لا يخلق البلاغة والفصاحة في صلواتنا بل الاشتياق لله. والنفس قد تكون متألمة بسبب تجربة تلم بها ويقف صاحب التجربة ليصلي، ويعطيه الروح أن يضع كل ثقته في الله الذي يحبه بالرغم من التجربة، بل أن التجربة هي طريقه للسماء، ويلتهب قلبه بالحب لله ولا يجد ما يعبر به نحو الله، يعبر به عن مشاعره، لا يجد كلمات تعبر عن هذه المشاعر فيئن. والله يسمع هذه الأنات التي تعبر عن تجارب النفس مع الروح القدس. الله يسمع هذه الأنات المقبولة (آية 27) كما سمع صراخ موسى دون أن يصرخ ودون أن يتكلم كلمة (خر15:14) وسمع صراخ إسمعيل في عطشه دون أن يفتح فاه (تك17:21) وسمع أنات أم صموئيل (1صم13:1)، والله يسمع أي يعرف من يتجاوب مع الروح القدس. وفي آية27 "نسمع بحسب مشيئة الله" فعمل الروح القدس يجعل مشيئتي تتطابق مع مشيئة الله. ونلاحظ أن هذا هو ما حدث مع المسيح. ففي وقت التجربة أصرخ لله أياماً وشهور والروح القدس يقنعني خلال كل هذه المدة أن أسلم مشيئتي لله. وكلما تقدم الإنسان روحياً يختزل هذا الوقت جداً. ومع المسيح إختزل هذا الوقت إلى لا شيء يذكر، ولاحظ صلاة المسيح "إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس. ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت". وكما اختزل الوقت بين طلبتي وبين تسليم مشيئتي بالكامل لله كلما ارتفعت قامتي روحياً. فالمؤمن يبدأ صلاته وهو مُصِّرْ علي طلب ما وينهي صلاته وقد سَلَّمَ الأمر تماماً ليدي الله في ثقة ويذهب وقلبه مملوء سلاماً. والروح يشفع فينا أي يعطينا أن نكون مقبولين أمام الله فتنسكب فينا بركاته ومنها السلام الذي يملاً القلب فمعني أن الروح يشفع هو أنه يجعلنا نتصل بالله بطريقة صحيحة (والاتصال هو الصلاة) . كيف يعمل الروح القدس داخلي: 1- قد أبدأ الصلاة في حالة ضيق من أمر ما، وأطلب من أجل تغييره. 2- الروح يتكلم في داخلي، وهذا لمن صارت حواسه مدربة ( عب5: 13) ويقنعني بأن مايحدث هو خير . 3- قد يحاربني عدو الخير بأن مايحدث لىّ علامة قسوة الله في أحكامه ضدي. 4- الروح يجيب صارخاً في داخلي كيف يقسو الله عليك وهو أبوك . وهذا معنى:( أ ) يعطينا أن نصرخ ياآبا الآب ( آية 15) ( ب) مثل السيد المسيح أن الأب لايعطي لأولاده ثعبان أو عقرب . فالروح هنا يتكلم في داخلي عن طريق وضع فكرة في داخلي يقنعني بها أن الله أب لىّ فأستريح وينتهي الضيق . 5- المرحلة التالية هى بأن يضع في داخلي مشاعر تجاه أبي السماوى هذا الذي يدبر كل الخير لى بما ظننته ضرر لى. وهذه المشاعر هى مشاعر حب لايمكن التعبير عنها ( وهذا معنى الأنين ). إذاً الروح يتكلم داخلنا عن طريق ( أ ) الإقناع بالفكر ( أر 20: 7) ( ب ) المشاعر تجاه الله ( رو5: 5) آية (27):- "27وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ. " الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ = الله هو فاحص القلوب والكلي (رؤ23:2) أي هو عارف بكل ما في قلبي. يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ = الروح القدس هو الذي يعطي الإقناع كما قلنا بشيء معين. وهو وحده الذي يعرف هل اقتنعت قلبياً بما حاول أن يقنعني به أم لا. لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ. أي أن الروح القدس يحاول مع الإنسان الروحي أن يغير قراره في الصلاة، ويغير طلبته لتتطابق مع مشيئة الله وهذه هي الشفاعة فصلاتي لن تغير مشيئة الله، بل تغير مشيئتي لتتطابق مع مشيئة الله فأصير مقبولاً لدي الله. يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ = عمل الروح القدس هذا لن يجدي مع الإنسان الجسداني فهذا لا يسمع أصلاً للروح القدس. ملحوظة: ليس المهم أن نتكلم كثيراً في الصلاة بل أن نتسمع صوت الروح القدس في داخلنا، ونئن بما يمليه علينا. آية (28):- "28وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ." نعم إننا نئن ولكننا من ناحية أخرى نعلم أنه بالنسبة لهؤلاء الَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ فإن كل شيء يتعاون ويتضافر ويعمل معهم من أجل خيرهم وصلاحهم ولبنيان نفس المؤمن الحقيقي. حتى ما نراه من أمور معاكسة أو مضادة، وحتى المؤلم منها (كشوكة بولس الرسول) فهي تعمل لأجل خلاص نفس المؤمن. وهذه الآية متعلقة بالسابقة. فالروح يقنعني في وقت ضيقتي بأن ما يحدث في حياتي فهو للخير فأقول لتكن مشيئتك. نَحْنُ نَعْلَمُ = أي هذه أمور بديهية لا تحتاج إلى إثبات أن الله صانع خيرات، ولا يستطيع أن يعمل شراً لأولاده. وحتى ما أراه شراً فالله قادر أن يخرج من الجافي (الألم) حلاوة (خلاص نفس1كو22:3). تَعْمَلُ مَعًا = الشيء وحده قد يبدو سيئاً وغير مفهوم بسبب غرابته وقسوته (نقصد الألم) ولكن حينما يضاف إلى الأعمال الأخرى والظروف الأخرى التي أتت والتي سوف تأتى فإن كل هذه الظروف معاً تعمل لأجل هدف واحد، تعمل للخير بإنسجام، وما هو الخير= خلاص نفسي. تأمل علمي لشرح الآية :- حينما تؤثر عدة قوي علي جسم يتحرك هذا الجسم في إتجاه محصلة القوي. وهذه لها طريقة لحسابها . والمؤمن الذي يحب الله يتعرض لمجموعتين من القوي:- الأولى= أعمال إحسانات الله وخيراته الزمنية والروحية. الثانية= أعمال مقاومات إبليس والتجارب والضيقات ولكنها بسماح من الله (قصةأيوب) وإحسانات الله هدفها جذب المؤمن لله. وإبليس حين يهاجم بتجاربه فهو يقصد أن يبعد الإنسان عن الله، لكن الله يسمح بها لينقي المؤمن:- 1. شوكة بولس هي من إبليس..... والله سمح بها ليحميه من الكبرياء (2كو7:12). 2. آلام أيوب كانت من إبليس..... والله سمح بها ليشفيه من بره الذاتي. 3. خاطئ كورنثوس حَكَمَ عليه بولس بان يُسلم للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع (1كو4:5). لاحظ أن إبليس يوجه ضرباته وتجاربه للمؤمن حتى يتذمر علي الله ولكن الله في محبته يسمح بهذا من أجل خلاص نفس المؤمن. وكل الأمور التي تجري في حياتي هدفها أن أسير في إتجاه (المحصلة) وهي لها إتجاه واحد هو خلاص نفسي، هو الخير دائماً لمن يحبون الله. مثال: لو كانت كل عطايا الله خيرات زمنية (مال /صحة /أمجاد زمنية ..) لتعلقنا بالأرض ولرفضنا فكرة الموت. ولو كانت عطايا الله كلها خيرات روحية (تلذذ بالصلاة /مواهب شفاء..) لإتتفخ الإنسان وتكبر ولفقد خلاص نفسه. لذلك نقول. أن إبليس هدفه من التجارب التي يصيب بها المؤمن أن يفصله عن الله، والله يسمح بها فهو وحده الذي يعلم ما الذي يحتاجه الإنسان ليخلص، وهو وحده الذي يعلم كيف يحمي أبنائه من أي انحراف حتى لا يهلكوا. والله وحده هو الذي يعلم تفسير كلمة معاً كيف يوجه الإحسانات والتجارب كليهما في اتجاه خلاص نفس أحباؤه. لذلك يوجه الشيطان ضرباته ليفصل المؤمن عن الله، والله يستهزئ به ويضحك عليه، إذ أنه بهذا يتمم ما أراده الله بالضبط (مز1:2-4) وحتى وقت الضيق فالله لا يترك أولاده وحدهم، بل يعطيهم تعزيات ليجتازوا الضيقة بسلام "شماله تحت رأسي (الضيقات) ويمينه تعانقني (تعزياته)" (نش3:8) "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي" ( مز19:94). الَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ = أمّا الذين لا يحبون الله فهناك قانون آخر يحكمهم هو "ملعونة الأرض بسببك" فهم يعانون ويتألمون بلا فائدة كثمرة لخطاياهم، وبسبب لعنة الأرض. وما يفسد عمل الله هو التذمر علي ما يسمح به الله، فهذا قد يوقف التدبير الإلهي، بل قد يرفع الله عن الإنسان التجربة التي كانت لخلاص نفسه ولبنيانه، ويرتد المتذمر إلى مشيئة نفسه، وتتخلى عنه العناية الإلهية. ويضيع من أمامه طريق الترقي لبلوغ القصد الإلهي الأسمى. فكل ما نراه في حياتنا من الأمور التي يقال عنها شر، هي إمّا تفطمنا عن العالم أو تقربنا للسماء وتؤهلنا لها. ونلاحظ في (حز13:10) أن كل البكرات (الظروف التي تؤثر في حياتنا ومصيرنا) كأنها بكرة (يعني وحدة الهدف والتناسق والإنسجام والتعاون معاً) والهدف الواحد لمن يحبون الله هو خلاص نفوسهم. الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ = الذين يحبون الله، قد دعوا واختيروا بحسب علم الله السابق. حَسَبَ قَصْدِهِ = قصد الله نراه في آية29 "ليكونوا مشابهين صورة ابنه". فإن كان الله قد دعاهم وهذا هو قصده فكيف لا تعمل كل الأمور من أجل صالحهم وخيرهم. آية (29):- "29لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. " سبق فعرفهم= إذاً إختيار الله ودعوته ليسا عن محاباة، بل هو يعرف من سيقبله كمخلص، ويقبل دعوته، وبمعرفة الله الكاملة عرف استحقاقاتهم. سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ = عينهم لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ = أي يكتسبوا نفس الصورة الروحية والأخلاقية التي للابن. المسيح شابهنا في موتنا لنشبهه في حياته. نشبهه في صفاته وقداسته، بل ومجد حالة ابن الله. إذاً هو الذي يدعو وهو الذي يبرر، وهو الذي يمجد ولكن ليس في سلبية من جهتنا. فالله يدعو الكل (1تي4:2) ولكن قد يريد الله ولا يريد الإنسان فلا تكمل إرادة الله "أنا أردت.. لكنكم لم تريدوا" (مت37:23). فماذا نعمل لنشابه صورة ابنه؟ يقول بولس الرسول في (رو2:12) "تغيروا عن شكلكم.. ولا تشاكلوا هذا الدهر" إذاً بقدر ما نتغير عن شكل هذا الدهر نتشكل كأبناء لله، نشبهه في قبوله للألم والصليب، وفي قداسته وطهارته ورفضه للخطية فنشبهه في عدم موته. إذاً من تم اختيارهم، أختيروا للقداسة أي لمشابهة المسيح، فليس هنا مجال لأن يقول أحد طالما أنا مختار فلأخطئ كما أريد (2تس13:2). ونحن قد وُلدنا علي صورته في المعمودية بموت العتيق فينا وقيامة الجديد مع المسيح.. وعمل الروح القدس فينا أن يُصوِّر المسيح فينا (غل19:4). فنحن نتغير إلى صورة المسيح المتألم علي الأرض لنأخذ صورة جسد مجده في السماء (2كو18:3+ كو10:3+ 1كو49:15+ في21:3+ 1يو2:3). لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ = [1] بكر أي هو الابن الوحيد القدوس للآب، هو عقل الله وحكمته (1كو24:1). هو به كان كل شيء وبغيره لم يكون شيء ممّا كان (يو3:1) فهو أول ومؤسس الخليقة كلها. المسيح البكر آدم البكر [2] كلمة بكر تعني فاتح رحم أمه العذراء ولا تعني بالضرورة وجود إخوة يكون هو بكراً لهم. [3] هو بكر الخليقة الجديدة مات وقام، ونحن بالمعمودية نموت ونقوم معه، فنحن ندخل الخليقة الجديدة به وفيه (كو15:1). فهو مؤسس وأول الخليقة الجديدة. وهو السابق لنا في دخول السماء في الأمجاد، هو أول من دخلها. هو البكر لأنه هو الأول كإبن لله ونحن تاليين له باتحادنا به وتشابهنا معه في صورته. [4] هو بديل آدم البكر، بكر الخليقة، فالمسيح صار آدم الأخير ونحن صرنا أبكاراً باتحادنا بالمسيح. صرنا وارثين كأبكار (عب23:12). [5] هو بديل إسرائيل ابن الله البكر، فلقب البكر انتقل إليه، إذ فقد إسرائيل بكوريته بسبب خطيته. وكذلك فإسرائيل حمل لقب البكر لأن المسيح سيأتي منه ويصير هو البكر الحقيقي وسينوب عنه. آية (30):- "30وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا." سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ = هو يُعَيِّنْ الذي يعرف أنهم يقبلون نعمته في كمال حريتهم. كما قال الله لأرمياء "قبلما صورتك في البطن عرفتك" ("ر5:1). دَعَاهُمْ = بواسطة الكرازة للإيمان والآن هذه الدعوة هي دعوة داخلية ومن يقبلها يتبرر ومن يتبرر يتمجد. آية (31):- "31فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟ " فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا = هذه كلمة تعجب. فأشياء العالم متي عرفناها ينتهي تعجبنا، أمّا محبة الله فكل ما نعرفها نزداد عجباً. إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا = يسكن فينا روحه القدوس ومتحدين بالمسيح، فالله يساندنا، يحفظنا ويحرسنا هو في صفنا. فمن يمكنه أن يعمل ضدنا، ولا حتى الشيطان يقوي علي هذا. فَمَنْ عَلَيْنَا = لا أحد يستطيع أن يؤذينا طالما نحن في حمايته وحصانته. بل إن كان الله معي فحتى الأمور التي هي ضدي تتحول لحسابي. إن سلبت مال المؤمن تصير بالأكثر صرافاً لمكافأته، وإن تحدثت عنه بشر يُحسب هذا الشر مصدر بهاء جديد في عيني الله، وإن حرمته من الطعام أشبعه الله من تعزياته، وإن قدمته للإستشهاد فسينعم بإكليل الحياة الأبدية. آية (32):- "32اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" إن الله الذي وهبنا إبنه الوحيد وقدمه للموت من أجلنا، كيف لا يهبنا معهُ جميع العطايا والنعم التي يحتاجها خلاصنا. إن كان الله قد وهبنا المسيح فكيف لا يهبنا معه كل ما نحتاجه لكي يتحقق خلاصنا. وإن كان الله بذله عنا ونحن أعداء، فهل يحجب الخلاص الآن عن التائب. ولكن مازال إبليس يخدع البعض كما فعل مع الأخ الأكبر للإبن الضال، الذي إشتكي من أن أبيه لم يعطه جدياً بينما الميراث كله له، فمازال إبليس يصنع نفس الشيء معنا ويصور لنا أن الله لا يحبنا إذ قد حرمنا من أشياء مادية (مال /صحة /مركز /ترقية..) ونبدأ نشتكي مرددين ما وضعه الشيطان في أذاننا من شكوي علي الله. والرسول هنا يتعجب من هذا!! هل نتخاصم مع من أعطانا إبنه! هل نشتكي أنه لم يعطنا كذا وكذا وهو أعطانا إبنه لنحصل بهذا علي ميراث السماء! هل من أعطانا إبنه يبخل علينا بأي شيء يكون فيه فائدة لنا! لكن لنفهم أنه يهبنا كل شيء يعدنا للسماء، أما ما يبعدنا عن السماء فلن يعطيه لنا لمحبته لنا. وهذا الإيمان بمحبة الله وهذا الفكر بأنه يعطينا ما يجعلنا نصل للسماء سيعطينا النصرة علي الآلام والمضايقات. بعد هذا الحب يجب أن نقبل أي صليب، بل نطلب أن نرتفع بصليبنا إلى الأحضان الأبوية. ولا نطلب شيئاً آخر، فنحن أمام هذا الحب وبسبب خطايانا نخجل أن نطلب أي شيء. آية (33):- " 33مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اَللهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ. " الشيطان هو المشتكي (رؤ9:12،10) اَللهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ = أي يمنح أولاده بره الخاص أي نعمته المجانية. حينما يبرر الناس أنفسهم تبقي الشكوى قائمة، ولكن حين يبرر الله يستر تماماً، وتبطل كل شكوي، الله يغفر تماماً كل خطايا الذين بررهم. آية (34):- "34مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا." نحن هنا أمام صورة محكمة.. المتهم هو أنا.. الذي يدين (القاضي) وهو المسيح فالآب أعطى الدينونة للإبن (يو22:5) والذي يشتكي (المدَّعي /النيابة) هو الشيطان (رؤ9:12،10). الذي يشفع فينا (المحامي) هو أيضاً المسيح الذي مات عنّا وقام، فلو لم يقم لكنا قد بقينا حيث نحن، وهو ممجد عن يمين العظمة الإلهية ويتشفع أمام الله لأجلنا. فحبيبنا الذي يشفع فينا هو نفسه القاضي الذي يديننا. الذي يحكم علينا هو نفسه الذي غسلنا بدمه. هذا المشهد جعل بولس الرسول ينشد نشيد المحبة الآتي. آية (35):- "35مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ " أمام كل ما عمله المسيح من تجسد وفداء وألام لتبريرنا وإرسال الروح القدس وإعطائنا ناموس روح الحياة لم يجد في نفسه إلاّ تسبحة الحب هذه ليرد الحب بالحب. مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ = محبتنا نحن للمسيح. أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ = ظهر هذا في تسليم الشهداء أنفسهم للموت حباً في المسيح. (لما أتى الجنود ليحرقوا القديس بوليكربوس وجاءت له فرصة للهرب، طلب منه شعبه أن يهرب، فقال، المسيح كان معي 86سنة لم أرى فيها منه خيانة فهل أخونه أنا الآن بعد 86سنة). الشدائد موجهة لنا حتى نترك المسيح، ولكن الروح القدس يسكب محبته فينا لله فنجوز في الضيقات التي تفرض علينا كل يوم منتصرين بسبب هذه المحبة. لم تعد الضيقات ولا الآلام تحطم النفس بل سبباً لدخول موكب الغلبة والنصرة تحت قيادة المسيح المتألم. آية (36):- "36كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ».." هذه الآية مأخوذة من (مز22:44) كُلَّ النَّهَارِ = يعني كل الزمان الذي نحياه ونتألم فيه. نُمَاتُ = قد تعني موتاً نحن معرضون له من أعداء المسيح بسبب تمسكنا بالمسيح، وهذه الصورة لأننا نحن نتعرض علي الدوام للمخاطر والموت من الذين يضطهدوننا وينظرون إلينا كأننا غنم معدة للذبح= حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ. وقد تفهم علي أننا نقدم أنفسنا كذبائح حية في خدمة، وأصوام وصلوات غير مبالين بآلام الجسد بل نخدم الله حتى النفس الأخير. آية (37):- "37وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. " يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا = في ترجمة أخرى "أعظم من منتصرين". هذه طريقة غريبة للانتصار تشبه إنتصار المسيح، الذي إنتصر علي الرياسات بالصليب. طريقة العالم في الانتصار هي الانتصار بالنار والسيف، أمّا طريق المسيحي في الانتصار هي عن طريق احتماله النار والسيف بإيمان وصبر، بل بهذا يصبح أعظم من منتصر، فكل ما يكسبه منتصر في معركة عالمية يخسر أمامه شيء، أمّا نحن فماذا نخسر؟! بعض الآلام.. ولكن هذه الآلام هي النار التي تنقي الذهب. حتى خسارة الجسد فهي ليست خسارة فهو تراب وأرضي. فالخسائر قليلة جداً والمكاسب ثقل مجد أبدي ومجد وكرامة وسلام هنا علي الأرض. إن من يحاربنا يحارب الله نفسه. تأمل في الحسد:- هل نخاف من الحسد؟ حسد الناس لا يضر لأنني محفوظ في يد الله. (يو11:17،12). فمن يحفظه الآب والابن هل يقدر أحد أن يؤذيه. ولكننا نصلي في صلاة الشكر.. "كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان" فكل نعمة نحصل عليها تزيد حقده ضدنا، ويدبر المؤامرات ضدنا والله يسمح بهذا ولكن نخرج من هذه المؤامرات بمكاسب عظيمة، وما يشرح هذه الفكرة ما حدث مع الملك يهوشافط راجع القصة في (2أي20) فهو لقداسته أهاج الشياطين التي أهاجت أعداؤه ضده، لكن ماذا كانت نتيجة المؤامرة؟! غنيمة عادوا بها وظلوا ينقلونها عدة أيام هذا معني أعظم من منتصرين. ولكن نحن بتواضع نقول لله "لا تدخلنا في تجربة"، أمّا لو سمح الله بتجربة فسنعود أعظم من منتصرين وهكذا تواضع الأنبا أنطونيوس أمام الشياطين. الآيات (38-39):- "38فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، 39وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا." لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ = صار الموت غير مخيف فهو انتقال إلى أحضان القديسين في رفقة الملائكة. فأهوال الموت أو ملذات الحياة غير قادرة أن تفصلنا عن محبة المسيح. لن ننفصل عنه لا في هذه الحياة ولا بعد الموت. وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ000= الرؤساء والقوات هم رتب للملائكة. والملائكة نوعان: [1] أبرار وهؤلاء لا يريدون أن يفصلونا عن محبة المسيح. [2] أشرار وهم الشياطين وهؤلاء لا يقدرون أن يفصلونا. الأبرار يفرحون بتوبتنا والأشرار مقيدين بالصليب. وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً = فالله ضابط الكل، حياتي في يده وهو يحبني وفداني. وَلاَ عُلْوَ = علو النجاح والرخاء والمجد الكاذب (لأنه غير دائم) والمناصب. وَلاَ عُمْقَ = عمق الشدائد والخزي والعار. وقد يشير العلو لما في السماء من عواصف وأنواء. وقد يشير العلو لما في السماء من عواصف، والعمق لما في أعماق البحار أو أعماق السجون. لا شيء يرفعنا إلى فوق أو ينزل بنا إلى اسفل قادر أن يفصلنا عن محبة المسيح. وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى = حتى إن وجدت خليقة أخرى لا نعرفها فلن تقدر علي هذا مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا = ثباتنا في المسيح هو الذي أعطانا هذه المحبة لاشيء إذاً يفصلنا عن محبة الله.. إلاّ شيء واحد.. الخطية بلا توبة. فالخطية تطفئ الروح القدس الذي يسكب الحب فيَّ، وتنطفئ حواسي الروحية فلا أعود أرى المسيح، وبالتالي أفقد محبته. الروح القدس الذي قال عنه الرسول أنه يسكب محبة الله في قلوبنا (رو5:5) هو الذي سكب كل هذا الحب في قلبه. تعليق على الإصحاحات السابقة كيف كان آدم يعيش فى جنة عدن؟ آدم مخلوق على صورة الله (تك27:1) والله محبة (1يو8:4). فكان آدم يُحِبْ الله. وكانت لذة آدم فى حبه لله، لأن الله لذاته فى بنى آدم (أم31:8). ومرة ثانية كان هذا لأن آدم على صورة الله. ولما كان آدم يُحِب الله من كل قلبه، كانت طاقة الحُبْ فى آدم مُقدسة أى مُكرسة ومُخصصة لله. وهذا كان يؤدى إلى أن آدم كان فى حالة فرح عجيب لا يعرفها إنسان الآن، وهذا معنى كلمة عَدْنْ التى هى كلمة عبرية تعنى فرح وبهجة. إذا كانت هذه هى إرادة الله فى خلقة الإنسان... أن يحيا الإنسان فى فرح أبدى والمحبة طاقة جبارة داخل الإنسان تجعله فى إتجاه دائم نحو الله، وكلما إتجه الإنسان لله يزداد فرحه. ماذا بعد الخطية والسقوط؟ كان آدم فى الجنة كما قُلنا له هدف واحد، هو الله. والهدف الواحد يعنى كما تُشير كلمة بساطة فى الكتاب المقدس (بالإنجليزية) SINGLE HEARTED، أى أن القلب كله كان مُتجها لله، لا هدف له سوى الله، ومن قوانين المحبة أنك تُصدِّق ما يقوله لك من تُحبه وتثق فيه وفى محبته. وكانت سقطة آدم أنه صدّق الشيطان وكذَّب الله الذى يُحبه، فتغيَّر إتجاه قلب آدم ولم يَعُد بسيطاً. وكانت بساطة قلب آدم تعنى فرحه الدائم وفرح الله به. وتعنى أن آدم كان جسده نيِّراً (مت22:6). وتشوَّهت طاقة الحُب التى كانت فى آدم، بل إتجهت لشهوات فاسدة ولم تَعُدْ مُقدسة ففقد الفرح والحالة النورانية. ملأت الشهوات الفاسدة قلبه. وورث هذه الحالة عنه كل بنى آدم، وهذا معنى طرده من الجنة أى خسارته لهذا الوضع الذى كان فيه، بل مات آدم ونسله (راجع تك5) لترى أن كل أولاد آدم، ولأنهم على صورة آدم ماتوا مثله. وفقد أولاد آدم طبيعتهم النورانية والفرح الأبدى الذى أراده الله لهم. دخل إلى حياتهم عَكَارة طينية، صاروا مثل كوب به ماء شفَّاف ودخلت فيه هذه العَكَارة فتعكَّرت المياه وفقدت شفافيتها، وهذه هى ما نُسميها الخطية الأصلية أو الجدِّية التى ورثناها كأولاد آدم. وإنتشرت الخطية فى العالم، وقال بولس "أن الجميع زاغوا وفسدوا" (رو12:3) ومات البشر وضاعت فرحتهم وحزن الله على هذا. حزن على عدم طاعة آدم، فالطاعة دليل المحبة. فكانت محبة الله تتضح فى عطاياه لآدم (جنة وفرح عجيب...). وفى المُقابل كانت محبة آدم لله تظهر فى طاعته. فلما أظهر عدم طاعة حزن الله على ذلك، وحزن الله على أن البشر خسروا حالة الفرح والحياة الأبدية التى أرادها لهم. ومع أن الإنسان سقط إلا أن الله حتى يُساعده بقدر الإمكان أن يفرح طلب منه فى وصاياه :1) لا تشته (الوصايا العشر)، 2) حِبْ الرب إلهك من كل قلبك (تث5:6)، ومن يحاول أن يفعل ستعود إليه حالة الفرح جزئياً. هل تكون هذه هى النهاية؟ لا يمكن على الإطلاق أن الله تكون له خطة ثم تفشل هذه الخطة نتيجة لحسد إبليس... وكان الفداء... وكانت المعمودية التى بها نُدفن مع المسيح ونقوم معه متحدين به (رو5:6)، فتكون لنا حياة أبدية هى حياة المسيح الذى إتحدنا به (رو8:6) وهى أبدية لأن المسيح لن يموت ثانية (رو9:6). لكن لابد من الجهاد، والجهاد هنا هو: 1) أن نَغْصِب أنفُسنا على أن نظل أمواتاً عن الخطية (رو11:6) ولقد صار لنا سلطان قوى على الخطية بسبب النعمة (قوة عمل الروح القدس فينا) (رو14:6) وإن أخطأنا فالروح القدس يبكِّتنا على خطيتنا (يو8:16). 2) أن نظل فى حالة إتجاه دائم نحو المسيح (صلاة، تسبيح، ترديد مزامير، صلاة بلا إنقطاع) وإن أخطأنا نُقدِّم توبة ونعود. ودم يسوع المسيح يطهر من كل خطية. ولنلاحظ أننا لابد وسنخطئ لأننا مازلنا فى هذا الجسد الذى تسكن فيه الخطية (رو20:7)، ولكن دائماً هناك حل وهذا من بركات الفداء، فإن إعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل فيغفرها لنا. إذاً التوبة هى إتجاه دائم نحو الله (1يو1 :6-10). وهذا الإتجاه الدائم نحو الله هو مايُسميه الكتاب البساطة ((single hearted لذلك يقول العريس لعروسه فى سفر النشيد "يا حمامتى يا كاملتى" (نش2:5) فالحمام له صفة البساطة، أى الإتجاه دائماً إلى المكان الذى خرج منه (فلك نوح، برجه، الحمام الزاجل) وحياة التوبة هى خروج دائم من الشر وإتجاه دائم نحو المسيح. وهذا هو ما يُفرِح قلب المسيح فنقول يا حمامتى (التى تتجه دائماً إلىَّ) يا كاملتى (فنحن نُحسب كاملين فى المسيح) ومن يتجه دائماً للمسيح فى توبة تاركاً خطيته تثبت فيه حياة المسيح، والعكس من يترك المسيح ساعياً وراء خطيته يفقد حياته الأبدية فلا شركة للنور (المسيح) مع الظلمة (السلوك فى الخطية التى يعرضها علينا إبليس) ومن يثبت فى حياة المسيح، تكون له أعمال صالحة، أعمال بِرْ، وتكون أعضاؤه آلات بِرْ (رو13:6)، وتكون أعماله الصالحة تمجد الاب السماوى، فهو يُعطينا حياته لنسلك فى بِرْ لمجد إسم الله. ومن لا يسلك فى البِرْ يبكته الروح القدس على بِرْ لا يسلك فيه (يو8:16) وهذا هو ما يُسمى الجهاد الإيجابى. بالخطية ولدتنى أمى(المزمور الخمسون): نحن نولد هكذا بالخطية = العكارة الطينية تملأ كوب الماء الشفَّاف. فنكره ونشتهى... بركات الفداء : غفران الخطايا / البنوة لله / حلول الروح القدس فينا / الفرح والسلام نتيجة المحبة التى يسكبها روح الله فينا (رو5:5) / نُحْسَب كاملين فى المسيح / النعمة التى تُعطينا السلطان على الخطية / ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو / نسلك فى بِرْ ونمجد الله / نحيا حياة سماوية / نرث الله نرث مع المسيح فى حياة أبدية ومجد أبدى وفرح أبدى... الخ. هل تحقق هذا كله؟ : هذا كله قد تحقق... ولكن نحن ما زلنا فى الجسد الذى تملأه العكارة الطينية. وعمل إبليس دائماً هو أنه يأتى ليُحَرِك المياه لإثارة العكارة فتظهر الشهوات والحِقد والبغضاء وتَمَنِّى الشر للآخرين... ألخ، لكن لنعلم أن إبليس ليس له سلطان علينا بل هو مجرد قوة فكرية فقط. هو يعرض علينا الخطية ومن يقبلها وينجذب يعود ويُصدِّق الشيطان أن هناك لذّة وسعادة فى الخطية فينخدع من شهوته (يع14:1)، وبهذا فهو يكرر سقطة آدم الذى كذَّب الله وصدَّق إبليس ففقد فرحه، الفارق بيننا وبين آدم هو أن آدم حينما سقط لم يكن هناك وسيلة لغفران خطيته أو تجديد طبيعته، فمات. وجاء المسيح بدمه ليُكفِّر أى يُغطى على خطيتنا ويُعيد لنا الحياة. حقاً بسبب هذا لم نحصل على بركات الفداء بعد. نحن حصلنا على مايُسمى العربون (أف14:1). بدأنا فى تذوُّق نعمة الإنتصار على إبليس وعلى الخطية وعلى الشهوة. وبدأنا فى تذوُّق الفرح والتلذُّذ بالبنوة. ولكن بقية بركات الفداء سنحصل عليها فى السماء حينما نلبس الجسد الممجد وهذا مايُسمى التبنى فداء أجسادنا (رو23:8) وهذا ما نتوقعه. وهنا الفرح الكامل والسلام الكامل والمجد الأبدى. فالإبن الكامل لا يستطيع أن يُخطئ (1يو9:3). ولكننا مازلنا نُخطئ كما قال الكتاب "الصديق يسقط فى اليوم سبع مرَّات ويقوم" (أم16:24)، ويوحنا يقول "إن قُلنا أنه ليس لنا خطية نُضل انفسنا... ونجعله كاذباً" (1يو8:1،10). ونحن نسقط فى الخطية بسبب إثارة الشيطان للعكارة التى فينا، وبهذا نفقد حالة الفرح الكامل... وهذا ما جعل بولس الرسول يقول "ويحى أنا الإنسان الشقى، من ينقذنى من جسد هذا الموت" ( رو24:7) وذلك ليحيا حياة الفرح الكامل حينما يترك جسده. ناموس روح الحياة : حقاً هناك مايُسمى ناموس الخطية (رو23:7) وهذه هى العكارة الطينية التى ورثناها عن أبونا آدم. وبالفداء أرسل المسيح الروح القدس يسكُن فى داخلنا ليُعطينا قوَّة قادرة أن تكتم هذه العكارة إلى أسفل الكوب فيعود الماء شفَّافاً وهذا ما أسماه بولس الرسول هنا "دان الخطية فى الجسد" (رو3:8)، وكلما جاهدنا (جهاد إيجابى وسلبى) تزداد النعمة فى داخلنا وتدين الخطية أى تُعيد العكارة ساكنة أسفل الكوب ويعود الماء لشفافيته ويعود لنا الفرح والشعور بالبنوة والإحساس بمحبة الله (رو31:8-39). وهذا هو ناموس روح الحياة أى هو قانون (ناموس) جديد وضعه فينا الروح القدس (روح الحياة) فهو يُعيد لنا الحياة الأبدية بأن يُثبتنا فى المسيح حينما نترك الخطية ونتجه ناحية المسيح. حمامتى كاملتى: رأينا أننا نُحسب كاملين إذا كان إتجاهنا دائماً نحو المسيح كما يتجه الحمام دائماً إلى بيته، وكما عادت حمامة نوح إلى الفُلك. لذلك رأينا أنه من ضمن بركات الفداء التبنى (البنوة لله). ولكن كما قال يوحنا أن الإبن الكامل لا يستطيع أن يُخطئ ولكن نحن مازلنا نُخطئ. إذاً ما معنى عربون البنوة؟ هو أننا بالتوبة والإعتراف أى بالإتجاه دائماً للمسيح نستعيد بنوتنا وذلك بثباتنا فى المسيح، عن طريق غفران خطايانا فنكون الحمامة الكاملة التى وإن خرجت من برجها أى بيتها تعود إليه دائماً. ولاحظ جمال الآية وترتيبها فى الرسالة الأولى ليوحنا: دم يسوع المسيح إبنه يُطهرنا من كل خطية... وهل هناك من لا يُخطئ؟ إن قلنا إنه ليست لنا خطية نُضِل أنفسنا... وكيف الرجوع؟ إن إعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا. ولا حظ أنه فى يوم معمودية السيد المسيح إبن الله كان الأب فرحاً بعودة أولاده (نحن) إلى حضنه = هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت، وكان الإبن فى الماء إعلاناً عن قبوله الموت وفى خروجه كان إعلاناً عن قيامته (الفداء). وكان عماده تأسيساً لسر المعمودية. فنحن حصُلنا على البنوة بفداء المسيح الذى كان سيتم بالصليب وعن طريق المعمودية التى كان يؤسسها يوم الأردن. وكان الروح القدس على شكل حمامة يحل على جسد المسيح الذى هو كنيسته، وشكل الحمامة هذا لأن عمل الروح القدس أنه يثبتنا فى المسيح (بالمعمودية وسر الميرون والتوبة والإعتراف والإفخارستيا أى الأسرار عموماً) التى تثبتنا فى جسد المسيح وهو الذى يملأنا محبة تجعل لنا الإتجاه الواحد نحو المسيح، وذلك عن طريق أنه يملأنا من محبة المسيح وإذا خرجنا (بالخطية) نعود بعمل الروح. فنكون فى حالة رجوع دائم للمسيح. فلابد أن نخطئ طالما كنا فى الجسد، ولكن المهم الرجوع الدائم مثل الحمام الذى يخرج من بيته لكنه يعود إلى بيته دائماً يسكُن فيه فنصير فى المسيح دائماً. وهذا يستمر حتى نحصل على فداء أجسادنا الكامل أى حصولنا على الجسد الممجد الذى لا يستطيع أن يُخطئ، ولا يأتى إليه إبليس، وهذا معنى أن أورشليم السماوية لها أبواب (رؤ13:21) فنحن ندخل ولا نخرج. وإبليس لا يدخل "لا يدخلها شئ دنس ولا ما يصنع رجساً وكذباً إلاَّ المكتوبين فى سفر حياة الخروف" (رؤ27:21) أى من إستطاعوا أن يثبتوا فى المسيح الذى هو الحياة الأبدية. أما ما يعرضه علينا الشيطان من ملذات الخطية فهو خداع فهو "كذاَّاب وأبو الكذَّاب" (يو44:18). الروح القدس يسكُب محبة الله فى قلوبنا (رو5:5): كانت محبة الله تملأ قلب آدم فى الجنة وتشوَّهت بالخطية فأحب العالم ومافيه وتقلصت محبة الله فى قلبه. وبالفداء إنسكبت فينا محبة الله بالروح القدس المُعطى لنا. لكن كيف؟ 1) الروح يأخذ مما للمسيح ويُعطينا، أى يحكى لنا عن المسيح فنحبه (يو14:16). 2) يدين الخطية التى فينا أى يكتم الشهوات التى فينا فتكون كأنها ميتة فيعود لكوب الماء شفافيته = يعود حُبْ الله ويملأ القلب. 3) هذا التحول فى حالة القلب هو ما يُسمى قلب لحمى عوضاً عن قلوبنا الحجرية التى تحجرت عن حب الله (حز19:11). هذا ما أسماه ارميا "أجعل شريعتى فى داخلهم وأكتبها على قلوبهم" (ار33:31). وكتابة الشريعة على القلب اللحمى معناها أن الإنسان يُنفِّذ وصية حبيبه لأنه يُحبه. فالمرأة التى تُحِب زوجها لا يمكن أن تُفكِّر حتى فى خيانته، وهذا ما قاله السيد المسيح (يو23:14). لذلك أطلق أرميا على هذا "العهد الجديد" (أر31:31) عهد الحُبْ، القلب الذى شعر بمحبة الله فأحب الله وحفظ وصاياه. هذا هو الحُبْ الذى ملأ الروح القدس قلوبنا به، هذا هو ناموس روح الحياة. لذلك فمن إمتلأ قلبه حباً للمسيح يطيع المسيح عن حُبْ وليس تنفيذاً لأوامر الناموس (غل22:5، 23) ومن إمتلأ قلبه من محبة المسيح يتجه إتجاه دائم للمسيح، ومهما إبتعد بسبب الخطية فهو يشعر بغربة فى مكان الخطية ويعود سريعاً للمسيح كالحمامة، يساعده على هذا الروح القدس، لذلك نسمع قول العريس (المسيح) فى سفر النشيد لعروسه (النفس البشرية) أو الكنيسة "إرجعى إرجعى" (نش13:6) فنحن فى هذه الحياة فى رحلة رجوع دائم إلى الله. وحينما نلبس الجسد الممجد لا نعود نخرج ثانية إلى خارج.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الثَّامِنُ المسيح المحب يدبر حياتنا ويهبنا الأبدية    (1) لا دينونة للسالكين حسب الروح (ع1-17 ): 1إِذًا؛ لاَ شَىْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ، لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ، بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. 2لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ، قَدْ أَعْتَقَنِى مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ. 3لأَنَّهُ، مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ فِى مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللَّهُ، إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِى شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ دَانَ الْخَطِيَّةَ فِى الْجَسَدِ، 4لِكَىْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا نَحْنُ السَّالِكِينَ، لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ، بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. 5فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ، فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. 6لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلَكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. 7لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ؛ 8فَالَّذِينَ هُمْ فِى الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ. 9وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِى الْجَسَدِ، بَلْ فِى الرُّوحِ إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلَكِنْ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَـذَلِكَ لَيْسَ لَهُ. 10وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. 11وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِى أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِى أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِى أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ. 12فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، نَحْنُ مَدْيُونُونَ، لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ. 13لأَنَّهُ، إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ، فَسَتَحْيَوْنَ. 14لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. 15إِذْ لَمْ تَأْخـُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَـوْفِ، بَلْ أَخَـذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّى الَّذِى بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَّا، الآبُ! 16اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. 17فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا، فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَىْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. ع1: ها قد وصلنا مع القديس بولس إلى قدس أقداس الرسالة، وهو أن المتحدين بالمسيح يسوع قد أُنقِذوا من الدينونة وفتح لهم أخيرا باب الفردوس، بشرط سلوكهم سلوك روحى، خاضعين لوصايا المسيح وغير منقادين وراء الشهوات والأهواء الجسدانية. ع2: ناموس روح الحياة: وصايا العهد الجديد المسنودة بقوة الروح القدس. ناموس الخطية والموت: الطبيعة المائلة للشر والتى تؤدى إلى هلاك الإنسان. لماذا لا توجد دينونة على أولاد العهد الجديد؟ لأن الناموس الجديد الروحى المؤدى إلى الحياة الأبدية لهؤلاء المتحدين بالمسيح قد حررهم من سلطان الخطية أى ناموسها عليهم، وبالتالى حررهم من الموت كأجرة للخطية. وكيف ذلك؟ بالمسيح الذى لم يكتفِ بالوصايا والتعاليم، بل أعطاهم الروح القدس الذى به يستطيعون أن ينفذوا تلك الوصايا وينتصروا على الخطية. لاحظ أيها الحبيب أن بولس الرسول ذكر كلمة الروح فى هذا الأصحاح 20 مرة، فى مقابل ذكره كلمة أنا المغلوب 20 مرة فى الأصحاح السابق، ليبرز عجز الأنا فى مقابل الانتصار بالروح فى هذا الإصحاح. ع3: عاجزا عنه: عاجزا عن مساندة الإنسان لتنفيذ الوصية. ضعيفا بالجسد: أى الجسد الضعيف أمام الخطية ومائلا إليها. شبه جسد الخطية: تجسد المسيح بجسد إنسانى كامل ولكن غير مائل للخطية، لذا يسميه "شبه" لأنه نقى وغير مائل للخطية. لأجل الخطية: لينتصر على الخطية ولا يسقط فيها. دان الخطية: أظهر شرها، فقد استعبدت الإنسان طوال العهد القديم، أما الآن فبتجسد المسيح ينال الطبيعة الجديدة فى سر المعمودية، فيميل للخير ويرفض الشر. أظهر الناموس الصلاح، ولكن عجز عن مساعدة الجسد المائل للشر، فكان الإنسان يفعل الشر. ولكن عندما تجسد المسيح ليحررنا من الخطية، أعطانا طبيعة جديدة مائلة للخير، فأظهر خطأ الخطية وشرها وأصبح الإنسان لا يريدها ما دام ملتصقا بالله. ع4: بهذا نستطيع أن نتمم حكم الناموس أى بره، فنكون أبرارا فى نظر الناموس ولا يكون له ما يشتكى به علينا، لأننا أصبحنا سالكين ومنقادين بروح الله فى حياة روحية. لاحظ أيها الحبيب أنه لا تعارض بين وصـايا ناموس موسى ووصايا المسيح، كما قال السيد المسيح نفسه "لا تظنوا إنى جئت لأنقض الناموس والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل" (مت5: 17) ع5: إن الذين لا زالوا تحت سلطان الجسد، نجد كل اهتماماتهم وأحاديثهم منحصرة فى الأمور الجسدانية، ماذا سنأكل، ماذا سنشرب، ماذا سنلبس أو بماذا نستمتع؟ هؤلاء لا تجد للأمور الروحية أى مكان فى حياتهم. فهم فى الجسد وللجسد يحيون. أما الإنسان الروحى المحب لله والواضع هدفه الأول إرضاءه، فيهتم بالروحيات كالصلاة والقراءات الروحية والأصوام والقداسات، وتجد اهتماماته الجسدية معقولة متزنة ومنضبطة أى محكومة بالروح. ع6: الجسد ليس شرًا فى حد ذاته، بل الاهتمام والانغماس فى الشهوات الجسدية هو الخطأ المؤدى إلى الموت الروحى والانفصال عن الله. أما الروحى فيمتلئ قلبه بالسلام، وتحيا نفسه من موت الخطية. ع7-8: ما يطلبه الجسد متنافى مع ما يطلبه الروح، والمبدأ الذى وضعه هنا القديس بولس واضح، أن من ركَّز كل اهتماماته على جسده فقد خرج من دائرة الله إلى دائرة العالم المعادية لله، ولا يستطيع أن يخضع لناموس الله حتى إن أراد، لأن جسده المدلل يجذبه للشهوات المختلفة، مانعاً إياه من تنفيذ الوصايا المرضية لله. فكيف للجسد المتراخى أن يسهر فى الصلاة، وكيف للجسد المتخم بالأطعمة أن يصوم، وكيف للذات المتضخمة أن تتضع، وكيف للزانى أن يحيا حياة القداسة؟ ع9: أما إن كان روح الله ساكناً وحياً فينا، فلا يقال عنا أننا جسدانيون بل روحيون، نعيش فى العالم ولا يعش فينا، كأننا زوار غرباء عنه، نستعمل من العالم ما هو ضرورى فقط لحياتنا بقناعة ورضا دون طمع وتعظم معيشة. إذا هذه الآيات السابقة كلها تدل على أن المعمودية لا تكفى وحدها لخلاصنا، ما لم نمارس حياة لائقة بهذه العطية بعد نوالها. والذى ليس له حب واقتناع بطريق المسيح، وغير خاضع للروح القدس، معطلا عمله وكأنه ليس له روح المسيح فى داخله، فهذا لا سلام له ولن تكون له حياة أبدية. ع10: إن سلكنا بالروح واتحدنا بالمسيح، ففى نهاية حياتنا على الأرض سيخضع الجسد للموت الطبيعى كنتيجة للخطية الأصلية، أما الروح فستكون لها حياة أبدية بسبب حياة البر التى عشناها بمساندة الروح القدس الساكن فينا. وكذلك عندما يتحد المسيح بنا، يموت الجسد عن الخطية، أى يرفضها ويتنافر معها، أما الروح التى يعمل فيها المسيح فتحيا للبر بنعمة الروح القدس. ع11: الروح الذى أقام يسوع : الروح القدس الذى أقام المسيح: الله الآب. سيحيى أجسادكم المائته : إن كان الجسد لابد أن يموت، لكنه سيقوم فى اليوم الأخير بشكل جديد روحانى يتحد بالروح ليتمجد معها. روحه الساكن فيكم : الروح القدس. إذًا فالله قادر أن يقيم أجسادنا فى اليوم الأخير، ليتمتع كل من الجسد والروح (الجسد الروحانى المقام) بملكوت السماوات مع المسيح.  هذه الآية تعطى أيضا رجاء لكل نفس، بأن المسيح قادر أن يقيمها من سقطات الخطية مهما كانت بشعة، إن أرادت التوبة وأصرت على الجهاد. ع12: بعد كل عطايا الله المجانية السابقة، إذا فنحن مديونون له بحياتنا وأرواحنا ولا يصح أن نحيا عبيدا للجسد وشهواته، كأننا مديونون للجسد بشىء. ع13: لأننا إن عشا نعمل أعمال الجسد التى هى الشهوات الشريرة (غل5: 19، 20)، فالنتيجة موتا أبديا. ولكن إن قاومنا أعمال الجسد بالشبع الروحى، نستطيع بسهولة أن ننتصر، وعندئذ نستمتع بالنعيم الأبدى مع المسيح. ع14: ينقادون: يقبلون تدابير الله فى حياتهم. هنا يبين الرسول عمق الحياة الروحية مع الله. فالإنسان الذى يسلم حياته بثقة لقيادة الله، متقبلا منه كل أحداث حياته، شاكرا إياه على الحلو منها وصابرا على المر فيها، فهذا يدعى ابن الله. ع15: أبا: كلمة سريانية معناها أب. الآب: كلمة عربية معناها الأب. من حنان الله، أنه لم يجعل علاقتنا به علاقة العبيد الخائفين عقوبة سيدهم، ولكن علاقة بنوة له. إذ جعلنا نناديه بدالة البنين قائلين له "أبا" بحسب لغة اليهود، أو الآب بحسب لغة الأمم. أى أن بولس يؤكد البنوة فى تكرار دعوته الله بأب، فكأنه يقول يا بابا الآب. ع16- 17: ورثة الله: ما دام الله أبونا، فهو يهبنا الميراث الأبدى أى ملكوت السماوات. وارثون مع المسيح : المسيح بكر بين إخوة كثيرين. فقد دخل الملكوت كنائب عنا، لكى ندخل نحن أيضا فى اليوم الأخير ونتمتع معه بعطاياه فى الملكوت. فنحن لا نقول أبونا بالفم، ولكن روح الله داخلنا يؤكد لنا هذا الإحساس أننا بالحقيقة أولاده المحبوبون، وبالتالى ورثة للملكوت مع ابنه يسوع المسيح، الابن الوحيد الجنس. وإن كان الله يسمح لنا بآلام على الأرض، فذلك لأنه يحب المجاهدين الصابرين؛ وقد سبق أن سلك السيد المسيح طريق الآلام ثم المجد، وهكذا نحن أيضا نتألم أولا ثم نتمجد مجدا أبديا.  الله يهبك يا أخى نعمة البنوة وميراث الحياة الأبدية إن عشت روحيا، فكيف تتنازل عن مكانتك العظيمة وتنشغل بشهوات الجسد الزائلة؟! إنك أسمى من باقى المخلوقات بسلوكك الروحى، فكيف تتدنى إلى السلوك الحيوانى؟... لتكن لذتك هى الوجود مع الله، وارفع عينيك نحو الأبدية مكانك الطبيعى، وإن سقطت فى شهوة ردية قم سريعاً وسيساعدك الروح القدس أن تحيا كابن لله. (2) تجديد الخليقة ورجاء المجد الآتى (ع18- 25): 18فَإِنِّى أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. 19لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. 20إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ، لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِى أَخْضَعَهَا، عَلَى الرَّجَاءِ. 21لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. 22فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. 23وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِى أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّى فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. 24لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟ 25وَلَكِنْ، إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ، فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ. ع18: من ذا الذى يستطيع أن يضع آلام الزمان الحاضر المحدودة فى مقارنة مع المجد العتيد المزمع أن يظهر فينا ونناله فى الأبدية اللانهائية. فاحتمال آلام هذا العالم له مكافأة غير محدودة من الفرح والسعادة الأبدية، ولذا اشتهى القديسون الآلام ليزيدوا من رصيدهم فى المجد العتيد الأبدى. ع19: الخليقة: كل المخلوقات، غير الإنسان، التى خلقت لأجله ولعنت بسبب خطيته وستتغير فى الأبدية عندما يتمجد الإنسان. الأبدية التى تكتمل فيها عودتنا للأحضان الإلهية لنتمتع بكمال البنوة لله، هى موضوع انتظار الخليقة كلها. ع20-21: أخضعت الخليقة للبطل، أى حلت عليها اللعنة عندما أخطأ آدم "ملعونة الأرض بسببك" (تك3: 17)، وكلمة "ليس طوعاً" أى ليس نتيجة خطأ صدر من الطبيعة، بل كأمر من الله قد أخضعها للدمار ولكن لها رجاءً أن تتجدد وتتحرر من الفساد واللعنة التى حلت بها، مثلما سيتحرر أولاد الله. ولكنها لن تتمجد لأن المجد خاص فقط بالكائنات العاقلـة، بل تتغير لتصير روحية وليست مادية عندما تظهر السماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤ21: 1)، التى يحيا فيها الإنسان إلى الأبد فى ملكوت السموات. ع22: لا زالت الخليقة إلى الآن تئن متألمة، إذ أنها لا زالت مسرحاً لحروب ومذابح ومجاعات بسبب شر الإنسان، ولا زالت متمخضة (كأنها رحم يتوجع لخروج الجنين) بزلازل وبراكين وسيول وحرائق، منتظرة متى تنتهى تلك الأحداث المؤلمة، وعندها ستصير الطبيعة إلى حال أفضل متناسب مع استعلان الإنسان كابن لله فى الأبدية، أى تتحول كما قلنا إلى سماء جديدة وأرض جديدة. ع23: باكورة الروح: ذقنا عربون الأبدية فى عشرة الله تمهيدا للعشرة الكاملة فى السماء. نئن فى أنفسنا: الآلام التى يعانيها أولاد الله على الأرض. التبنى : البنوة الكاملة لله التى ننالها فى الأبدية. فداء أجسادنا: عندما تتغير الأجساد من الطبيعة المادية والتراب إلى أجسام روحية، هذا نناله كنعمة من المسيح الذى فدى أرواحنا وأجسادنا. إن كان القديس بولس بتشبيه بليغ، صور لنا الطبيعة وكأنها إنسان يشعر ويحس، فكم بالأولى نحن البشر نئن بالرغم من تذوقنا لبعض بركات الروح القدس بشكل جزئى كعربون للدهر الآتى، إلا أننا نشتاق إلى الكل لا الجزء. فكمال البنوة لا يتم إلا بعد قيامة الأجساد من الموت، تلك التى فداها المسيح. ع24-25: كلمة بالرجاء خلصنا لا تعنى أننا نلنا بالفعل الخلاص، بل تعنى أننا فى يقين أن الله سيحقق لنا وعده بالخلاص فى الحياة الأبدية، لأن وعود الله مضمونة إذ أنه صادق. فالخلاص والقيامة وكمال البنوة هى حالات آخروية لا تأخذ وجودها الحقيقى العلنى إلا فى الدهر الآتى، أما ما نتمتع به الآن هو فقط عربون للدهر الآتى الغير منظور. لذلك أعطانا الله الرجاء الذى به نثق أننا سننال الحياة الأبدية الغير منظورة الآن. فالرجاء أيها الحبيب أشبه بشيك فى يديك الآن، ولكن ميعاد صرفه والانتفاع به هو بعد خروجك من الجسد، وسلاحك الوحيد فى صرفه هو المحافظة عليه من الضياع، والصبر لحين ميعاد صرفه فى نهاية حياتك.  إن كانت آلام الحياة مؤقته فلا تنزعج منها مهما تكاثرت، بل تستطيع أن ترتفع فوقها إن نظرت إلى المجد السماوى الذى ينتظرك، وحينئذ ستنال معونة إلهية وتشفق على من يسيئون إليك وتصلى لأجلهم. وإن كنت ترى الآلام بعينيك، إلا إنك تكاد لا تشعر بها من فرط نعمة الله المساندة لك. (3) شفاعة الروح القدس (ع26-27): 26وَكَذَلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّى لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِى. وَلَكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. 27وَلَكِنَّ الَّذِى يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِى الْقِدِّيسِينَ. ع26: كيف نتحلى بالصبر وسط آلام الحاضر وخلاص غير منظور نصلى لأجل نواله ولا ندرك طبيعته، فنحن بهذا لا نعلم ما نصلى لأجله، أى الملكوت، فيتدخل الروح القدس ليسندنا فى جهادنا ويهبنا نعمه ويعيننا فى ضعفنا، وليس ذلك فقط بل يشفع من أجلنا ويعلمنا كيف نصلى، أى يوحى ويلهم الإنسان بصلاة قلبيه يعجز اللسان البشرى عن التعبير عنها، ويهب قلوبنا عمق فى فهم وإدراك أسرار الله مما يعجز العقل البشرى عن إدراكه. ونحن كبشر ضعفاء، كيف نقف أمام الله العظيم القدوس ونتكلم معه؟ هنا يتدخل الروح القدس ويعطينا المشاعر التى نتقدم بها إلى الله ويعلمنا كيف نتكلم معه. ع27: القديسين: أولاد الله المقدسين فيه، فكل من آمن يتقدس ويتخصص للمسيح. الروح يفحص أى يدرك قلب كل إنسان على حدة، معطيا إياه ما يتناسب مع مستواه. فأهم شئ عند الروح هو كمال خلاص الإنسان، لذلك فهو ينقى صلواتنا من الطلبات الضارة بخلاصنا ويستجيب فقط للطلبات التى حسب مشيئة الله وهى بالتأكيد تحمل الخير لنا.  إن كنت لا تعرف ماذا تقول فى الصلاة، أو يحاربك إبليس بالكسل أو طياشة الفكر أو الملل، فلا تنزعج، بل قف للصلاة وأطلب معونة الله فيسندك ويعلمك كل شئ. وما تصنعه بصعوبة الآن، سيصبح سهلا ومعزيا لقلبك، بل تشتاق للصلاة ولا تريد أن تنهيها، وكل هذا بعمل الروح القدس الساكن فيك. (4) المسيح المدبر والشفيع (ع28-34): 28وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. 29لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ، سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. 30وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا. 31فَمَاذَا نَقُولُ لِهَذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا؟! 32الَّذِى لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَىْءٍ؟ 33مَنْ سَيَشْتَكِى عَلَى مُخْتَارِى اللهِ؟ اللَّهُ هُوَ الَّذِى يُبَرِّرُ! 34مَنْ هُوَ الَّذِى يَدِينُ؟ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِى مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِىِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِى هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِى أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا! ع28: خطة الله بالنسبة لنا فائقة، فهو يحول كل الأمور بلا استثناء لبنيان نفس المؤمن، فتعمل لخيره سواء على الأرض أو لمجده فى السماء. وكلمة "تعمل معا" تعنى أن بعض الأحداث الفردية فى حياتنا تبدو سيئة وقاسية وغير مفهومة، ولكن حينما تضاف إلى أحداث أخرى، تعمل معا فى انسجام، فتكتمل الصورة النهائية لخير وصالح الإنسان. وما يبدو ضررا الآن، يحمل فى داخله خيرا فى المستقبل. ولكن هذا الامتياز هو فقط لمحبى الله، الذين بعدما دعاهم الله تجاوبوا معه بحب وطاعة وتسليم، وعاشوا حياتهم متممين قصد الله، أى مشيئته فى حياتهم.  لاحظ أيها الحبيب أن دعوة الله وحدها لا تحقق الخلاص، إنما نية المدعوين وطاعتهم لله بعد الدعوة. فالدعوة ليست ملزمة أو قهرية كما قال السيد المسيح "كثيرون يدعون وقليلون ينتخبون" (مت20: 16). فإن شجعك الله على صلاة أو قراءة أو أى خدمة، فلا تتكاسل أو تضع العراقيل، بل أسرع للاستجابة لتصير ابنا حقيقيا له. ع29-30: بكرا بين إخوة كثيرين: المسيح بعد قيامته صعد إلى السماء ليعلن إمكانية دخول الإنسان إلى الأمجاد فى الملكوت. فهو بكر لكل المؤمنين به، الذين يعتبرهم إخوة، أى سيشاركونه المجد فى الملكوت بعد أن يتمموا جهادهم الروحى فى هذه الحياة. الذين دعاهم: هذا يؤكد أن كل إنسان له استعداد أن يؤمن، سيدعوه الله وينال الخلاص الأبدى. فلن يوجد إنسان لم تصله الدعوة للحياة مع الله والإيمان، إلا الذين ليس لهم استعداد للحياة مع الله، ويعرفهم الله بسابق علمه. قصد الله هو أن يحب الإنسان كابن له، فيهبه مجدا مشابها لمجد ابنه يسوع المسيح البكر. واختيار الله للبعض وتعيينهم كأبناء له لا تتم على أساس محاباة، بل على أساس معرفته السابقة لهم (سبق فعرفهم) أنهم سيتجاوبون مع دعوته، والمتجاوبون مع الدعوة قد بررهم الله بالمعمودية. فهؤلاء الثابتون فى الحب والجهاد لهم فى النهاية المجد السماوى الأبدى المعد لهم من قبل إنشاء العالم. ع31: إن كان الله معنا، أى يساندنا ويعيننا فى ضعفنا، فمن من الأشرار أو العوامل المعاكسة أو القوى المضادة تقدر أن تخرجنا من دائرة حب الله ما دمنا متمسكين به؟ ع32: لا يمكن أن نشك فى محبة الله، إذ أنه من أجلنا قدم أغلى ما عنده وهو ابنه الوحيد يسوع المسيح. إذًا فبديهى أن يهبنا كل العطايا والنعم اللازمة لخلاصنا. ع33: إن كان الشيطان يشتكى علينا بخطايانا أمام الله كل يوم، فهوذا المسيح يبررنا بتوبتنا. ع34: إن كان الأشرار الكاذبون يدينوننا فى العالم بافتراء، مثلما أدانوا الشهداء والقديسين، فما قيمة إدانتهم بينما الدينونة الحقيقية قد وُضعت فى يد المسيح، ذاك الذى مات وقام وجلس عن يمين الآب، يشفع فينا بدمه شفاعة كفارية تنجينا من الدينونة. (5) لا شئ يفصلنا عن حبنا للمسيح (ع35-39): 35مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْىٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ 36كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُـلَّ النَّهَارِ. قَـدْ حُسِبْنَا مِثْـلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. 37وَلَكِنَّنَا، فِى هَذِهِ جَمِيعِهَا، يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِى أَحَبَّنَا. 38فَإِنِّى مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً 39وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِى فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. ع35: حيث أن محبة الله لنا لا نهائية ولا تشكيك فيها، فمحاولات الشيطان موجهة نحونا بالتجارب والضيقات المرهقة وهدفها منعنا نحن من حب الله، وكثيرًا ما ينجح الشيطان فى ذلك. ولكن القديس بولس يصرخ بثقة مع المختارين الثابتين فى حبهم لله قائلا: أن لا شئ يفصل بيننا وبين الله، سواء كان شدة وهى الضغط والظلم، والضيق وهو أعنف من الشدة، اضطهاد أى إلحاق الأذى والتحطيم، أما الجوع فهو انقطاع كل موارد الحياة، والعرى أى نقصان الكساء الضرورى، ثم الخطر والسيف أى تهديد حياة المسيحى حتى الموت. ع36: التاريخ يشهد بكثرة الشهداء، الذين يذبحون طوال النهار أى على مدى الأيام، كالأغنام، من أجل حبهم للملك المسيح. وكل مسيحى يقبل الموت طوال حياته لاحتمال الآلام، سواء فى الجهاد ضد الخطية أو النسك أو الخدمة الباذلة وبالأكثر فى عذابات الاستشهاد لأجل محبة المسيح. ع37: هكذا ننتصر انتصارًا عظيمًا على الشيطان وأعوانه، وندخل فى المجد الأبدى، بعد أن استنفذ الشيطان كل حيله من ضيقات وموت لعله يبعدنا عن حبنا للمسيح، بل نحن غالبون بذات الأمور التى وضعت لمكائدنا، وإن ضُربنا نُحسبَ أقوى من الضاربين لأن الله يصارع معنا. ع38-39: يعود القديس بولس ليؤكد أن حبنا للمسيح، الذى أحبنا أولاً، لا يقدر الخوف من الموت أو حب الحياة على إضعافه. أما ذكره للملائكة وبعض طغماتهم من (رؤساء وقوات)، فالمقصود بها أننا نحب المسيح لا لأجل تمتعنا المستقبلى بحضرة الملائكة، بل من أجل شخصه الحبيب. ويحكى لنا البستان أن راهباً رأى ملاكاً حقيقياً وهو يصلى، فاستمر فى صلاته غير ملتفت للملاك. ولا تستطيع إغراءات العالم فى الحاضر والمستقبل، التى تعلو وتهبط فى تقلبات كثيرة، أو أى خليقة أخرى، مهما كانت، تقدر أن تفصلنا عن حبنا للمسيح؛ فغاية حياتنا أن نحبه ونستمتع بحبه لنا، ومرحبا بالموت إن كان يقصر طريقنا للقاء عريسنا السماوى. إفحص نفسك فى نهاية كل يوم ماذا عطلك عن التمتع بمحبة المسيح، ومهما كان غاليا لا تتركه يحرمك من هدف حياتك. إفسح وقتاً أكبر وتنازل ليس فقط عن الشهوات الشريرة أو قلق واضطرابات الحياة، بل عن أى انشغال يحرمك من حياتك الروحية.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح