كلمة منفعة
الشخص الروحي يدرك أن حياته على الأرض مسئولية.حياته رسالة. وسيسأله الله كيف كانت حياته مثمرة، ومنتجة، ونافعة لكل من أتصل بها سيسأله الله عما فعل، وعما كان بإمكانه أن يفعله ولم يفعله..
— الإحساس بالمسئولية
الرسالة إلى أهل رومية 6
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 6
روميه
الإصحاح رقم 6
الأصحاح السادس
بنوّة المؤمنين لله
فنّد الرسول بولس حجة اليهود من جهة بنوّتهم لإبراهيم الحرّ جسديًا، موضحًا أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة بالإيمان، كما تبرّر بذات الإيمان وهو في الخِتان، لذا فهو أب أهل الغُرْلة كما هو أب أهل الخِتان، هو أب الجميع. فإن أردنا البنوّة لإبراهيم نلتزم أن نتبرّر معه بالإيمان. الآن يرفعنا الرسول من البنوّة لإبراهيم إلى البنوّة لله نفسه في مياه المعموديّة التي يتمتّع بها الأممي المتنصر كما اليهودي المتنصر، ليعيش الكل كأبناء الله في جدّة الحياة، يمارسون حياة المسيح المُقامة، مقدّمين أجسادهم آلات برّ لله، بعد أن كانت آلات إثم للخطية. هذا هو مفهوم الحرّية الجديد: ليس الانتساب جسديًا لإبراهيم، وإنما ممارسة الحياة المقدّسة بالنعمة الإلهية بروح البنوّة.
1. الحياة الجديدة بالمعموديّة 1-14.
2. الحرّية في المسيح يسوع 15-23.
1. الحياة الجديدة بالمعموديّة
سبق أن تحدث في الأصحاح السابق عن فيض نعمة الله المجّانية التي لا تقف عند غسلنا من الخطيّة ومحو آثارها، أي الموت، إنما تفيض فينا بغنى عطايا إلهية بلا حصر. إذ تهبنا برّ الله، وتقدّم لنا الحياة أبديًا بشركة أمجاد إلهية وميراث سماوي فائق. بهذا أكدّ الرسول ليس فقط تفَّوق آثار النعمة على أثر الخطيّة، وإنما أكدّ التزامنا ونحن نتمسك بالنعمة أن نحيا كما يليق بمن نالها، مقدّسين في الرب. هذا ما عاد ليؤكّده بأكثر وضوح في هذا الأصحاح مبرزًا بنوّتنا لله التي ننالها خلال نعمة المعموديّة، إذ يقول:
"فماذا نقول؟ أنبقى في الخطيّة لكي تكثر النعمة؟ حاشا! نحن الذين مُتنا عن الخطيّة، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟ فدفنا معه بالمعموديّة للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا بجدة الحياة" [1-4].
إن كان الله بكثرة رحمته أفاض بنعمته علينا لينزع عنّا كل أثر للخطية، فتمجّد فينا نحن الخطاة، هذا لا يدفعنا للاستهتار بالخطيّة أو التهاون في الجهاد ضدّها، إنما يليق بنا أن نتركها سالكين كما يليق بنا كأولاد لله، نلنا بنعمته البنوّة له. هكذا يضع الرسول بولس "المعموديّة" أمامنا لندرك مركزنا الجديد خلال النعمة فنحيا في جدة الحياة كأولاد لله.
هذا هو عمل الكنيسة تجاه المؤمنين، كأم نحو أولادها، تأكيد نعمة الله المجّانية كباعثٍ حقيقي للجهاد بلا انقطاع، وتذكير الكل بمركزهم الجديد خلال مياه المعموديّة، ليعيشوا كل زمان غربتهم سالكين بقوّة القيامة كأولاد لله، في جهادٍ غير منقطعٍ.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن المعموديّة قد أماتت الخطيّة فينا، ولكي تظلّ الخطيّة ميّتة يليق بنا أن نجاهد بلا انقطاع، فلا نُطيع الخطيّة بالمرّة، بل نقف أمامها جامدين كالموتى.
+ ماذا يعني"اعتمدنا لموته"؟ يقصد موتنا نحن كما مات هو. فالمعموديّة هي الصليب، وما كان الصليب والدفن بالنسبة للمسيح تكون المعموديّة بالنسبة لنا، ولو أن التطابق ليس تمامًا. لأنه هو مات ودُفن بالجسد، أمّا نحن فنمارس الاثنين (الموت والدفن) بالنسبة للخطية.
لم يقل "متّحدين معه بموته" وإنما قال "بشبه موته" [5]، فإن هذا وذاك هما موت، لكن موضوع الموت مختلف، المسيح مات بالجسد، أمّا نحن فنموت عن الخطيّة التي من عندياتنا.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ واضح أن من يعتمد يُصلب فيه ابن الله، فإن جسدنا لا يقدر أن يطرد الخطيّة ما لم يصلب مع يسوع المسيح.
القدّيس أمبروسيوس
+ لندفن مع المسيح بالمعموديّة لنقوم معه!
لننزل معه لكي نرتفع أيضًا معه!
لنصعد معه، فنتمجّد أيضًا معه!
القدّيس غريغوريوس النزينزي
+ الآن إن كنّا نتمثل بموته، فالخطيّة التي فينا تكون بالتأكيد جثمانًا ميتًا، تُجرح برمح المعموديّة كما ضرب فينحاس الغيور الزاني بالرمح (عد 25: 6-15).
القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص
ويلاحظ في حديثه عن تمتّعنا بالحياة الجديدة في مياه المعموديّة الآتي:
أولاً: يربط الرسول بين الصلب والدفن والقيامة، أو بين الموت مع السيد المسيح والحياة معه بقوّة قيامته. فإن كانت المعموديّة هي دفن، فهي في نفس الوقت قيامة، بهذا نفهم طريق المسيح كطريق كرْب، وفي نفس الوقت طريق مُبهج، لأنه طريق الألم مع المسيح والقيامة معه. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن تمتّعنا بقيامته ليس أمرًا مستقبليًا فحسب، إنما هي حياة حاضرة نعيشها في حياتنا اليومية.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ يلمح هنا عن التزامنا بالسلوك المدقق يُشير إلى موضوع القيامة... فإنه يقصد بكلماته هكذا: أتؤمن أن المسيح مات وقام؟ آمن بهذا من جهة نفسك، فالقيامة كالصلب والدفن هي خاصة بك. إن كنت تشترك في الموت والدفن فبالأولي أن تشترك في القيامة والحياة. إن كانت الخطيّة، الأمر الأصعب، قد أُزيلت فبلا شك يُنزع الموت الأمر الأقل (فتنال القيامة) الآن. إذ يقدّم لنا القيامة فإنه يسألنا أمرًا آخر هو تغيير (تجديد) عاداتنا هنا (بكونها قيامة عاملة فينا). فعندما يصير الزاني عفيفًا والطماع رحيمًا والعنيف مطيعًا، بهذا تكون القيامة عاملة هنا كعربون للقيامة الأخرى. كيف يُحسب هذا قيامة؟ لأن الخطيّة تموت والبرّ يقوم، الإنسان القديم ينتهي، والجديد الملائكي يعيش.]
يكمل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حديثه عن الموت مع المسيح والقيامة معه في جرن المعموديّة، مبرزًا دورنا الإيجابي في "الإماتة". فإن كان السيد المسيح يهبنا أن نموت معه في المعموديّة، إنما ليقدّم لنا إمكانية السلوك والجهاد كل أيام غربتنا بلا توقف، حتى لا نفقد نعمة المعموديّة أو ثمرها فينا، أي حتى لا نفقد تمتّعنا بالموت مع المسيح. يقول القدّيس الذهبي الفم:
[يتحدّث الرسول عن نوعين من الإماتة والموت، الأولي هي عمل المسيح (فينا) في المعموديّة، والثاني نمارسه بشغف بعد المعموديّة؛ فدفن خطايانا السابقة هو هبة منه، لكن أن نبقى أمواتًا عن الخطيّة بعد المعموديّة، فيلزم أن يكون موضع شغفنا لنجد الله نفسه معينًا لنا. فإن سلطان المعموديّة لا يقف عند محو معاصينا السالفة، إنما تهبنا أمانًا من جهة المعاصي اللاحقة. بالنسبة للخطايا السابقة نساهم نحن بالإيمان لكي تُمحى، وهكذا أيضًا بالنسبة للخطايا اللاحقة يلزمك إظهار تغيير نيّتك مؤكدًا أنك لا تدنّس نفسك بعد. هذا هو ما يُشير به عليك الرسول بقوله: "إن كنّا قد اتحدنا (زرعنا) معه في شبه موته نصير أيضًا بقيامته" [5]. ألا تلاحظ كيف يستثير سامعه ليقوده إلى سيده محتملاً آلامًا كثيرة ليصير على شبهه؟ لهذا لم يقل: "اتّحدنا (زُرعنا) معه في موته" لئلاّ تعارضه بل قال: "في شبه موته". لأن جوهرنا لا يموت بل "إنسان الخطيّة" أي "الشرّ" هو الذي يموت.
"إن كنّا قد زرعنا معه"؛ فبإشارته للزرع هنا يلمح إلى الثمر الذي ينتج عنه، فكما أن جسد (المسيح) بدفنه في الأرض قدّم لنا ثمر الخلاص للعالم، هكذا نحن أيضًا إذ ندفن في المعموديّة نحمل ثمر البرّ والتقديس والتبنّي وبركات بلا حصر، كما نحمل بعد ذلك عطيّة القيامة.
نحن دفنا في المياه، أمّا هو ففي الأرض. نحن دُفنا عن الخطيّة، أمّا هو فمن جهة الجسد، لذلك لم يقل: "زُرعنا معه في موته" وإنما "في شبه موته"... لكنه لم يقل: "نصير أيضًا في شبه قيامته" بل "بقيامته" ذاتها.]
ثانيًا: غاية المعموديّة إننا إذ نُصلب مع السيد المسيح ننعم بالحياة المُقامة الجديدة، فنعيش هنا بفكر سماوي متمتعين بعربون الميراث الأبدي.
+ الغنوسي (صاحب المعرفة الروحيّة الحقيقية) لن يضع غايته الرئيسية في الحياة (الزمنيّة) إنما يبقي على الدوام سعيدًا ومطوّبًا وصديقًا ملوكيًا لله.
القدّيس إكليمنضس السكندري
+ يتقبل المعمدون الميراث، هؤلاء الذين يعتمدون بموت المسيح ويدفنون معه ليقوموا معه. لذا فهم ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو 8: 17)، ورثة الله لأن نعمة المسيح توهب لهم؛ وورثة مع المسيح، لأنهم يتجدّدون بحياته، وهم أيضًا ورثة المسيح إذ وهبهم الميراث بموته، كما لو كانوا ورثة للموصي.
القدّيس أمبروسيوس
ثالثًا: إذ أراد الرسول تأكيد حقيقة القيامة لم يقل "نصير أيضًا بشبه قيامته" بل "بقيامته" عينها، قدّم لنا عربون هذه القيامة المقبلة خلال حياتنا الزمنيّة، قائلاً: "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه، ليبطل جسد الخطيّة، كي لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية، لأن الذي مات قد تبرّأ من الخطيّة، فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [6-8]. لنمت هنا عن الخطيّة فنحيا للبرّ. هذه هي القيامة الأولى التي يدعوها الرسول "جدّة الحياة" [4]، عربون القيامة الأخيرة.
"جسد الخطيّة": الذي يبطل هو شرور الإنسان وآثامه التي عاشت فيه فمات روحيًا. بالمعموديّة يموت الإنسان القديم بهذا الجسد، أي "الآثام"، ليُمارس قوّة القيامة كحياة جديدة، بفكرٍ جديدٍ وتسبحةٍ جديدة.
يقول القدّيس جيروم: [حتى التسبحة التي نتغنًى بها جديدة (رؤ 14: 3) إذ نخلع الإنسان القديم (أف 4: 22)، فلا نسير في عتق الحرف بل في جدة الروح (رو 7: 6)... أنه لا يسعفني الوقت لأحاول تقديم كل عبارات الكتب المقدّسة الخاصة بفاعلية المعموديّة شارحًا لك التعاليم السرية الخاصة بهذا الميلاد الجديد الذي هو ميلاد ثانِ لكنه يُحسب الأول في المسيح.]
حاول كثير من الآباء تأكيد أن الذي يموت في المعموديّة ليس "الجسد" إنما "جسد الخطيّة"، مظهرين خطأ بعض الأفكار الغنوسية التي تنظر إلى الجسد (الجسم) كعنصر ظلمة يجب الخلاص منه ومقاومته. فإننا نؤمن بأن الله لم يخلق فينا عنصر ظلمة، ولا شرًا، وأن الجسد بأحاسيسه وعواطفه وقدراته هو من صنع الله الصالح. إنما نحن أفسدناه بانحراف الأحاسيس والعواطف عن غايتها وانحراف الحب إلى الشهوة والدنس. وكما يقول العلامة ترتليان في مقاله عن "قيامة الجسد": [الجسد ليس مضادًا للخلاص بل أعمال الجسد (المنحرفة). عندما تُنزع عنه هذه الأعمال المسببة للموت يظهر الجسد في آمان ويتحرّر من كل علّة الموت.] ويكمل حديثه بإفاضة مؤكدًا أن الذي يصلب مع المسيح ليس هيكل الجسد ولا كيانه الذاتي، إنما سلوكه الأخلاقي (أو الطبيعة الفاسدة) وأحاسيس الخطيّة التي طرأت عليه، مدلّلا على ذلك بأن الرسول لم يقل: "كي لا نعود نستعبد أيضًا للجسد" بل قال: "للخطية" [6]. وأيضًا لم يقل: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الجسد" وإنما قال: "عن الخطيّة" [11]. وقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في مقدّمة كتاب "العفة" للقديس أغسطينوس الذي سبق لي ترجمته ونشره.
رابعًا: إن كنّا نقبل أن نبقي في حالة "موت عن الخطيّة" فما هي المكافأة؟ "فإن كنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه" [8]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه إذ يطلب الرسول منّا أن نقوم بهذا الدور البطولي أن نموت عن الخطيّة، فنصير بالنسبة لها كمن هو مُلقي جامدًا بلا حراك، فلا نشوّه عطيّة الله التي وُهبت لنا في المعموديّة يقدّم لنا الأكاليل: "الحياة مع المسيح"، قائلاً "سنحيا أيضًا معه". [حقًا حتى قبل نوالنا الإكليل، فإن الشرّكة مع سيدنا هي في ذاتها أعظم إكليل.]
خامسًا: لئلاّ يستثقل المؤمن هذا الطريق: "الموت مع المسيح"، خاصة وأنه يطالبنا به كل أيام غربتنا بعد تمتّعنا بالدفن معه في المعموديّة، أوضح الرسول جانبين: الأول أن هذا الموت هو "مع المسيح"، يرافقنا الطريق بكونه الحياة والقيامة، فلا يستطيع الموت أن يحطمنا، والثاني أن المسيح مات مرة واحدة عن خطايانا وقام، فلا يعود يموت ثانية، هكذا يهبنا قوّة القيامة والغلبة على الخطيّة. بهذا لا يكون موتنا عن الخطيّة حرمانًا أو خسارة، بل ممارسة لقوّة الغلبة والنصرة التي لنا بالمسيح غالب الخطيّة والموت. هذا هو ما قصده الرسول بقوله: "عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد، لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله، كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" [9-11].
أكد الرسول أن السيد المسيح لم يمت عن ضعف خاص به، إنما "للخطية"، لكي يحطم خطايانا ويبدّد قوّتها، لهذا لم يعد لها سلطان علينا مادمنا في اتحاد معه. حقًا الخطيّة خاطئة جدًا وعنيفة، بسببها مات المسيح عنّا مرة واحدة، لكنه بموته هدم سلطانها، فلا نخاف من السير معه في هذا الطريق.
لقد مات المسيح مرة واحدة بلا تكرار، لأنه لم يمت عن ضعف بل عن قوّة الحب الباذل، لكي إذ لا يموت مرة أخرى يهبنا أن نشترك معه في موته وأن نشاركه قيامته التي لا يغلبها الموت.
+ هذه هي نعمة الله، وهذه هي طرق الله في إصلاح بني البشر، فإنه تألم ليحرّر الذين يتألّمون فيه،
نزل لكي يرفعنا،
قبل أن يولد حتى نحب ذلك الذي هو ليس (بإنسان مولود عادي)،
نزل إلى حيث (الموت) ليهبنا عدم الموت،
صار ضعيفًا لأجلنا حتى ننال قوة...
أخيرًا صار إنسانًا حتى نقوم مرة أخرى نحن الذين نموت كبشر، ولا يعود يملك الموت علينا، إذ تعلن الكلمات الرسولية قائلة: "لا يسود علينا الموت بعد" [راجع 9، 14].
القدّيس البابا أثناسيوس الرسولي
لقد أكد الرسول أن المسيح مات مرة واحدة عن الخطيّة، لهذا ففي سرّ الإفخارستيا نقبل السيد المسيح الذي مات مرة على الصليب، فنقبل ذات عمل الصليب الذي لا يتكرّر، إنما هو ممتدّ في حياة الكنيسة كسرّ غلْبتها على الخطيّة والموت، ويبقى سرّ تسبيحها الذي لا ينقطع حتى في الأبدية.
مات السيد المسيح مرة واحدة عن الخطيّة، مقدمًا ذبيحة الحب باسمنا، هذه التي يشتهي أن يقدّمها في حياة شعبه وخدامه. يروي لنا القدّيس أمبروسيوس قصة لقاء السيد المسيح مع القدّيس بطرس عند أبواب روما وهو خارج تحت ضغط المؤمنين ليهرب من الاستشهاد، فرأى السيد حاملاً صليبه، فعرف أنه يريد أن يُصلب في شخص خادمه، لهذا عاد إلى روما، وقدم نفسه للموت من أجل المسيح، وتمجّد ربنا يسوع بصلبه.
سادسًا: إن كان المسيح قد مات "للخطية" كي لا يكون لها سلطان علينا، فإنه لا يليق بنا إلا أن نسلِّم القلب عرشًا له، بعد أن ملَكت عليه الخطيّة زمانًا. لنمت عن الخطيّة، فلا تملك علينا بعد. ولنحيا لله بالمسيح يسوع ربنا الذي يملك فينا، ويقيم مملكته داخل قلوبنا، مقدّمين كل أعضاء جسدنا وطاقاتنا وعواطفنا لحساب ملكوته، كآلات برّ لله بعد أن كانت خاضعة للشهوات كآلات إثم للخطية.
هذا ما عناه الرسول بولس بقوله: "كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطيّة ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذن لا تملكنّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته، ولا تقدّموا أعضائكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات، وأعضاءكم آلات برّ لله، فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [11-14].
يوضّح الرسول أن المسيح يسوع ربنا هو الذي يهبنا الموت عن الخطيّة والحياة للآب كأبناء له؛ وهو الذي يحطم الشهوة الشرّيرة لا الجسد ذاته، محوِّلاً أعضاء الجسد من آلات إثم للخطية إلى آلات برّ لله، لهذا وجب أن يملك هو فينا لا الخطيّة.
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في قول الرسول "لا تملكن الخطيّة" إعلانًا عن استعباد الخطيّة لإنسان، إذ تودّ أن تحكمه بالقوّة والقهر. لذا من يعود إليها بعدما تمتّع بنعمة المسيح يكون كمن قذف بالتاج من على رأسه ليحني رقبته لعبودية امرأة مجنونة مهلهلة الثياب وعنيفة. أمّا قوله "في جسدكم المائت" إنما لكي يوضّح الرسول أن الجهاد مؤقت وله نهاية مادام مرتبط بجسدنا الزمني.
فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص ملكية المسيح فينا وملكية الخطيّة علينا:
+ لا يجسر أحد أن يقول: "ملكي وإلهي" (مز 5: 1) إلا ذلك الذي لا تملك الخطيّة في جسده المائت...
أنت تملك فيّ، أمّا الخطيّة فلا تملك، لأنك أنت إلهي!
أنت هو إلهي، لأن بطني ليست إلهًا لي، ولا الذهب ولا الشهوة!
أنت هو الفضيلة، أودّ أن أقتنيك!
أنت هو إلهي، أنت هو فضيلتي!
القدّيس جيروم
+ إنها كرامة عظيمة وشرف كبير أن يكون الإنسان عبدًا للرب لا للخطية.
+ "قلب الملك في يدّ الرب" (أم 21: 1). لنكن ملوكًا فنحكم جسدنا (من الخطيّة) ونخضعه، فيكون قلبنا في يد الله.
القدّيس جيروم
+ هذا هو عملنا الحالي مادامت حياتنا مستترة، ألا نملك الخطيّة أو شهوة الخطيّة في جسدنا المائت، فإننا إن كنّا نطيع شهوتها تملك علينا.
شهوة الخطيّة فينا، لكنّنا لا نسمح لها أن تملك علينا. ورغبتها موجودة، لكن يلزم ألا نطيعها حتى لا تسيطر علينا. فإذ لا نسمح للشهوة أن تغتصب أعضاءنا بل للعفة أن تطلبها كحق لها، بهذا تكون أعضاؤنا آلات برّ لله وليست آلات إثم للخطية. بهذا لا تسودنا الخطيّة، لأننا لسنا تحت الناموس الذي يأمر بما هو للخير دون أن يهبه، بل تحت النعمة التي تحببنا بما يأمر به الناموس، وهي قادرة على السيطرة على (الإرادة).
+ مادامت الخطيّة بالضرورة موجودة في أعضائك فلا تجعل لها سلطان عليك لتملك، وإنما على الأقل اطردها ولا تطع متطلباتها.
هل يثور فيك الغضب؟ لا تُخضِع له لسانك بالنطق بكلمة شريرة، ولا تُخضع له يدك أو قدمك كأن تضرب بهما. ما كان يمكن للغضب غير المتعقل أن يثور فيك لو لم توجد الخطيّة في أعضائك، ولكن اُطرد قوّتها الحاكمة، فلا يكون لها أسلحة لمحاربتك، عندئذ تتعلم هي ألا تثور فيك إذ تجد نفسها بلا أسلحة...
هكذا يليق بكل أحد أن يجاهد إذ يبغي الكمال، حتى إذ تجد الشهوة نفسها بلا استجابة من الأعضاء تقل يومًا فيومًا خلال رحلتها.
القدّيس أغسطينوس
+ "إذن لا تملكن الخطيّة في جسدكم المائت" [12]... لم يقل: "لا تدعها توجد هناك" لأنها هي موجودة فعلاً.
+ ما دمت تحمل جسدًا قابلاً للموت تحاربك الخطيّة؛ لكن ليتك لا تجعلها تملك... أي اقطع رغباتها. فإن بدأتَ تطيعها تملك عليك.
ماذا يعني "تطيع"؟ تخضع أعضاؤك كآلات إثم للخطية.
القدّيس أغسطينوس
سابعًا: مرة أخرى يؤكّد الرسول أن الدعوة للموت مع المسيح لا تعني تحطيم كيان الجسد بل تقديسه، فقد رأينا في الحديث عن المعموديّة أن الإنسان العتيق الذي يُصلب [6] إنما يبطِل جسد الخطيّة لا أعضاء الجسد في ذاتها، والآن إذ يتحدّث عن الجهاد بعد المعموديّة خلال إمكانيات المعموديّة أو خلال "عمل النعمة" فينا يؤكّد أن الدعوة للموت مع المسيح ليست دعوة سلبيّة للخسارة والتبديد، وإنما دعوة إيجابيّة للربح. فالموت هنا هو ربح، إذ فيه تمتّع بالمعيّة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات، القادر لا على تحطيم أعضاء الجسم كآلات إثم للخطية وإنما بالأحرى يقيمها آلات برّ لله، واهبًا إيّاها تقديسًا من عنده.
يقول الرسول: "ولا تقدّموا أعضاءكم آلات إثم للخطية، بل قدّموا ذواتكم للَّه كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله" [13].
والعجيب قبل أن يطالبنا بتقديم أعضاءنا آلات برّ لله يطالبنا بتقديم "ذواتنا لله كأحياء من الأموات"، بمعنى أنه لن تتقدّس أعضاؤنا الجسديّة ما لم يتقدّس كياننا ككل، ونقبل القيامة عاملة في نفوسنا كما في فكرنا وجسدنا الخ...
+ الأعضاء عينها التي اعتدنا أن نخدم بها الخطيّة ونجلب بها ثمرة الموت يريدنا الله أن نستخدمها للطاعة للبرّ فنثمر للحياة.
القدّيس إيريناؤس
يرى القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص أنه إذ يتقدّس الإنسان في كُلّيته، خاصة النفس، تتحوّل الأعضاء الجسديّة من آلات إثم إلى آلات برّ لمجد الله. فتكون النفس كالمرأة التي وجدت الدرهم المفقود (لو 15)، فدعت جيرانها ليفرحوا معها ويشاركونها بهجتها بالدرهم. هكذا أعضاؤنا أشبه بالجيران، ندعوها لتمارس فرحنا بخلاص الرب عمليًا!
ثامنًا: يختم الرسول بولس حديثه عن عمل المعموديّة الملتحم بالجهاد الروحي، قائلاً: "فإن الخطيّة لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" [14]، مؤكدًا الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال النعمة، التي تعمل فينا في مياه المعموديّة كما في جهادنا اليومي، الإمكانيات الواهبة للغلبة والنصرة.
2. الحرّية في المسيح يسوع
إذ ركّز الرسول بولس أنظارنا نحو المعموديّة كأبناء لله، نمارس هذه البنوّة خلال موتنا مع المسيح وحياتنا معه كل أيام غربتنا، أراد أن يصحّح مفهومًا خاطئًا استقر في ذهن اليهود، ألا وهو أنهم أحرار لمجرد انتسابهم لإبراهيم جسديًا، الأمر الذي وضح في حوارهم مع السيد المسيح حين أعلن لهم: "أنكم إن ثبتّم في كلامي، فبالحقيقة تكونون تلاميذي، وتعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31-32)، "أجابوه: إننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟ أجابهم يسوع: الحق الحق أقول لكم أن كل من يعمل الخطيّة هو عبد للخطية، والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أمّا الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرّركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 33-36).
يلاحظ في حديث الرسول بولس هنا عن الحرّية التي صارت لنا في المسيح يسوع الآتي:
أولاً: يستخدم الرسول أسلوب التشجيع، إذ يقول: "فشكرًا للَّه أنكم كنتم عبيدًا للخطية، ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلّمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ" [17-18]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يعود فيُدخل الثقة في نفوسهم بعد أن أزعجهم بالخزي وأرعبهم بالعقاب، مظهرًا لهم أنهم بالفعل نالوا الحرّية من شرورٍ كثيرة بفضل النعمة الإلهية، لذا وجب عليهم تقديم الشكر لله على هذه العطية. بمعني آخر، إن كان الرسول يدعونا للحرية، فإنه يدعونا لحياة نمارسها بالنعمة، يجب أن تزداد وتلتهب فينا.
ثانيًا: بقوله "أطعتم من القلب" يُشير إلى أن الحرّية التي نمارسها لا تتحقق عن اضطرار، إنما تُمارس خلال الحب "من القلب" بكمال إرادتنا. فالحرّية في المسيح هي عبودية للبرّ [18] لكنها عبودية الحب الاختياري وليس عبودية العنف الإلزامي؛ عبودية النضوج والالتزام بلا استهتار أو تسيّب!
+ لا يقل المسيحي أنني حرّ، أفعل ما يحلو لي، ليس لأحد أن يكبح إرادتي مادمت حرًا. إن كنت بهذه الحرّية ترتكب خطيّة فأنت عبد للخطية.
لا تفسد حريتك بالتحرّر للخطية، إنما لاستخدامها في عدم ارتكاب الخطيّة. "فإنكم إنما دُعيتم للحرّية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيِّروا الحرّية فرصة للجسد بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا" (غل 5: 12) .
القدّيس أغسطينوس
ثالثًا: ما هي صورة التعليم التي تسلّمناها لنطيعها من القلب؟ "إذ أعتقتم من الخطيّة صرتم عبيدًا للبرّ"... أي خروج بالنعمة من حالة العبوديّة القاسية التي أذلتنا بها الخطيّة إلى حالة عبودية للبرّ يبتهج بها قلبنا بالحب الداخلي.
رابعًا : يقول الرسول: "أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم" [19]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يتكلّم معهم بكونه إنسانًا، يشاركهم ذات العمل، فهو لا يتحدّث متعاليًا عن أمر عسير صارم، إنما يوصيهم كإنسان يحمل معهم ذات طبيعتهم، وله خبرة عمليّة أنه كان قبلاً يستخدم أعضاءه لخدمة الإثم وقد تحررت، فصارت أعضاؤه متعبدة للبرّ.
خامسًا: يقارن الرسول بين العبوديّة للإثم والعبوديّة للبرّ، فيرى الأولي قاسية ومخزية، إذ يقول "تستحون منها" [21] ونهايتها الموت [21]، أمّا الثانية فعلى العكس تهب تقديسًا ونهايتها حياة أبدية [21]. فإن كانت الأولي تثمر عارًا وموتًا، فالثانية تثمر قداسة وحياة أبدية. ويرى الأب موسى أن الثمر الثاني يحمل مستويين: الهدف النهائي وهو الحياة الأبدية، وأمّا الهدف الحالي فهو "القداسة" التي هي "نقاوة القلب" والتي بدونها لن ننعم بالحياة الأبدية. وكأن العبوديّة للبرّ تسندنا في زماننا الحاضر بثمرها الذي للبرّ حيث تهب القلب نقاوة، فيقدر على معاينة الله، وتدخل بنا إلى العالم الأبدي، إذ تهبنا "الحياة الأبدية".
سادسًا: إذ يتحدّث الرسول بولس هنا عن "الحياة الأبدية" [24] كعطيّة مجّانية للنعمة، يتساءل القدّيس أغسطينوس: كيف يمكن أن تكون "الحياة الأبدية" جزاءً لأعمال صالحة (مت 16: 27) وفي نفس الوقت عطيّة مجّانية للنعمة؟ وقد جاءت إجابته بإسهاب في كتابه عن "النعمة والإرادة الحرة"، نقتطف منها الآتي:
[يبدو لي أن هذا السؤال لا يمكن حلّه مطلقًا ما لم نفهم أنه حتى الأعمال الصالحة التي نجازى عنها بالحياة الأبدية هي من عمل نعمة الله، لأنه عن ماذا قال الرب يسوع: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا"؟ (يو 15: 5)
والرسول نفسه بعدما قال: "لأنكم بالنعمة مخلَّصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطيّة الله، ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أف 2: 8-10) رأي بالطبع أن البشر يمكنهم أن يفهموا من هذه العبارة أن الأعمال الصالحة ليست هامة للمؤمنين، إنما يكفيهم الإيمان وحده، وفي نفس الوقت يرى أولئك المفتخرون بأعمالهم كما لو أنهم قادرون وحدهم على تنفيذها، لهذا وفّق بين هذه الآراء بعضها البعض... مكملاً: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيه"...
اسمع الآن وافهم إن عبارة: "ليس من أعمال" قيلت عن الأعمال التي تظن أن مصدرها هو أنت وحدك. لكن لتفتكر في الأعمال التي يشكِّلها الله فيك. عن هذه يقول: "نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع" "لأعمال صالحة قد سبق فأعدها الله لكي تسلك فيها"...
علي أي الأحوال تُعطى الحياة الأبدية هكذا، كجزاء لأعمال صالحة، لأن الله يعمل أعمالاً صالحة في أناس صالحين، قيل عنهم: "الله هو العامل فيكم أن ترّيدوا وأن تعملوا من أجل مسرّته"، حتى أن المزمور المطروح أمامنا يقول: "الذي يكلّلك بالرحمة والرأفة" (مز 103: 4)، إذ من خلال رحمته تنفذ الأعمال الصالحة التي بها تنال الأكاليل.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح السادس
مقدمة:
نري في هذا الإصحاح عمل المعمودية، وأنها دفن مع المسيح وموت ثم قيامة معه، صلب للإنسان العتيق ليقوم الإنسان الجديد. ويلزمنا هنا أن نضع تعريفات تساعدنا علي الفهم:-
الإنسان العتيق:- يقول داود النبي "بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي" (مز5:51) وفي (رو20:7) نسمع قول الرسول الخطية الساكنة فيَّ، وفي (رو6:6) نسمع تعبير الإنسان العتيق، وكذلك في (كو9:3 + أف22:4). وفي (رو6:6) نسمع تعبير جسد الخطية. من كل هذا نفهم أننا ولدنا بطبيعة خاطئة شريرة وذلك قبل الإيمان والمعمودية. هذه الطبيعة الخاطئة لها دوافع شريرة وتقود الإنسان ليفعل الشر، وهي تستخدم أعضاء جسد الإنسان كآلات إثم، أي لتنفيذ الشر. والإنسان العتيق هذا يموت في المعمودية ويولد بدلاً منه إنسان جديد.
الإنسان الجديد:- (كو10:3) ونسمع في (2كو16:4) عن الإنسان الداخلي "لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يوماً فيوم" الإنسان الجديد الداخلي يقوده الروح القدس.
الإنسان الخارجي:- هو أعضاء الجسم (اليد والرجل والعين… الخ) والله يسمح بأن يتألم الجسد (الإنسان الخارجي) حتى يتجدد الداخلي (2كو16:4) وتشبيه الرسول الخطية بإنسان أو بجسد يعني أنها تمثل كائن حي يتصرف ليسقطنا. ونلاحظ تكرار كلمة عبد في الآيات(15-23) ثمان مرات. وهذا يشير لسطوة الخطية التي تسود الإنسان وتستعبده، هي تستعبد أعضاء الإنسان الخارجي ليطيعها ويصنع الخطية، وتصبح الأعضاء ألات إثم. وبالمعمودية يموت هذا الإنسان العتيق ويولد إنسان جديد يقوده الروح القدس، وهو أيضاً قادر أن يستعبد أعضاء الجسم ويقودها لتصنع البر، وبهذا تصير أعضاء الإنسان الخارج آلات بر. إذاً الإنسان الداخلي، سواء العتيق أو الجديد قادر أن يقود أعضاء الجسم. والمعمودية تعطي موتاً للإنسان العتيق، ولكنه يشبه الموت الإكلينيكي الذي فيه يتوقف القلب، ولكن المخ لا يزال يعمل، وبالصدمات الكهربائية يعود القلب للعمل. وهكذا الإنسان العتيق لو أثرته بالشهوات أو الكلمات أو الصور الخليعة… الخ يعود لينشط. وأيضاً الإنسان الجديد إذا أعطيته غذاؤه ينشط. بعد المعمودية. أنا حُرْ في أن أُنَشِّطْ أي من الإنسانين الداخليين. الإنسان العتيق ينشط بممارسة الشر، وإثارة الشهوات… الخ والإنسان الجديد ينشط بالصلاة والتسابيح ودراسة الكتاب والخدمة… ألخ هذا هو غذاء كل منهما.
قصة:- أب وأم من أمريكا أرادا الذهاب لنزهة لأسبوع فإتصلا بجليسة الأطفال لتأتي لطفلهما الرضيع، فوعدتهما بأن تأتي، فسافرا وتركا طفلهما الرضيع، ونسيت جليسة الأطفال الموضوع، وعادا الأب والأم بعد أسبوع ليجدا إبنهما وإذا به جثة هامدة لماذا؟ لأنهما نسيا أن يطعماه.
ونحن في المعمودية يولد لنا إنسان داخلي فهل نطعمه ونغذيه أم نتركه يموت. أي الإنسانين الداخليين نغذيه. الموضوع في يدنا. فالمعمودية لا تلغي حريتنا. ولكن بالمعمودية المسيح يحررنا من الطبيعة الخاطئة فلا يجوز أن نعود لعبوديتها مرة أخري فإن العبودية لها تقود للموت. ولاحظ أننا إمّا في نمو، والإنسان الجديد ينمو والإنسان العتيق يضمحل أو العكس ننحدر وينمو الإنسان العتيق ويضمحل الإنسان الجديد.
الإنسان العتيق:
الإنسان العتيق
"الخطية"
نحن مولودين هكذا بطبيعة منفتحة علي الشر والخطية والشيطان. طبيعة منحرفة. فيها الإنسان العتيق يستخدم أعضاء الجسد الخارجي كآلات إثم. القائد هنا هو الخطية.
بالمعمودية
الإنسان الجديد
جسد الخطية
مات الإنسان العتيق ووُلِدَ الإنسان الجديد، حياته هي حياة المسيح القائم من بين الأموات. وهذا الإنسان الجديد منفتح علي الله، حواسه مفتوحة علي السماء. ولا يشبعه سوي الله. ويستخدم أعضاء الجسد الخارجي كآلات بر لخدمة الله الذي يحبه، القائد هنا هو الروح القدس هذا يتم بالمعمودية للصغار أو بالإيمان أولاً والمعمودية ثانياً للكبار. بالمعمودية تموت الطبيعة الفاسدة. مثل هذا الإنسان يجد للنعمة سلطان جبار، قادرة أن تحفظه من الخطية بل تقوده لعمل البر بلذة.
ونحصل علي طبيعة الإنسان الجديد كالآتي :
1. من أمن وإعتمد خلص (إيمان + معمودية).
2. أميتوا أعضاءكم… (جهاد سلبي).
3. تغذية هذا الإنسان الجديد (جهاد ايجابي).
"إن كنتم قد قمتم مع المسيح فأطلبوا ما فوق" (كو1:3)
الإنسان الجديد
جسد الخطية
المرتد عن الإيمان (من يثير الإنسان العتيق)
هذا هو من يثير شهواته ويجعل جسد الخطية يستيقظ. ويهمل جهاده (سلبي وإيجابي). فهو يغذي جسد الخطية بخطاياه ويحرم الإنسان الجديد من غذاؤه (إهمال الصلاة والكتاب المقدس ووسائط النعمة..) هنا يعود جسد الخطية ليقود أعضاء الإنسان ويجعلها آلات إثم، مثل هذا الإنسان لا يشبعه سوي العالم ولا يعود يري الله، فلا يطلب الله ليشبعه فهو لا يفهم سوي شهوات العالم هذا الإنسان يجد الخطية سلطان جبار.
يقول بولس الرسول أن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد (غل17:5).
والرسول يقصد بالجسد هنا الشهوة الخاطئة، أو الخطية الساكنة فيَّ والروح يقصد به الروح القدس الذي يقود الإنسان الجديد. ولكن بولس لا يهاجم الجسد الخارجي بأعضائه، بل يهاجم الإنسان العتيق المنفتح علي الشر ويستعبد أعضاء الإنسان الخارجي فتتلذذ بالشر. وحين يكون الإنسان العتيق هو القائد، يكون هذا الإنسان شهواني أما لو كان الإنسان الجديد هو القائد، يكون هذا الإنسان روحاني. والرسول لا يهاجم الجسد بأعضائه الخارجية، فالجسد ليس نجاسة وإلاّ ما كان المسيح أخذ جسداً مثلنا. بل أن عظام إليشع أقامت ميت. وحتى الآن فعظام القديسين تصنع معجزات.
عمل النعمة وعمل الخطية
هناك ظاهرة طبيعية تفسر ما يحدث تسمي ظاهرة الرنين، فهناك آلاف الموجات اللاسلكية تمر في الجو حولنا، ولكن إذا حدث توافق بين دوائر الراديو ودوائر أي محطة إرسال يحدث تقوية لإشارات هذه المحطة ونجد الراديو يذيعها.
هناك عشرات المحطات تبعث بإرسالها ويستقبلها الإيريال بحسب مفتاح إختيار المحطات نوفق دوائر الراديو مع إحدى المحطات. وحينما يحدث توافق تتضخم إشارات المحطة رقم 12 مع الاختيار لمحطة رقم 12 فيذيع الراديو صوت محطة رقم 12.
بنفس الفكرة السابقة حينما تتطابق إرادتي مع إرادة الله تتضخم النعمة داخلي. وحينا تتطابق إرادتي مع إرادة الشيطان تشتعل الشهوات الخاطئة داخلي والموضوع في يدي. الاختيار في يدي. فحينما تكون أعمالي وجهادي لحساب مجد الله تنسكب النعمة داخلي نعمة فوق نعمة (يو16:1) والعكس.
وهكذا إذا حدث توافق بين إرادتي وبين الخطية أجد أن الخطية لها قوة جبارة قاهرة. وإذا حدث توافق بين إرادتي وبين إرادة الله، أجد أن النعمة لها قوة جبارة تجعلني غير قادر علي عمل الشر، بل أعمل البر بلذة. لذلك سأل السيد المسيح المقعد "هل تريد أن تبرأ" (يو6:5) ويقول السيد "كم مرة أردت ولم تريدوا (مت37:23). فمن يغذي الإنسان الجديد بالصلاة والكتاب المقدس "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت4:4). ويغذي إنسانه الجديد بإرادته، فتتفق في هذا إرادة الإنسان مع إرادة الله الذي يريد أن الجميع يخلصون (1تي4:2) إذا حدث هذا الإتفاق، يكون للنعمة قوة جبارة حافظة تمنع السقوط.
الآيات (1-2):- "1فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟ 2حَاشَا! نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟"
سبق بولس وقال أنه حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً. وربما أثار هذا القول بعض الناس فتساءلوا أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ والإجابة حَاشَا = أي لا يجب أن ننطق بهذه الأقوال التي لا ترضي الله. هذا سؤال من لا يعرف الثمن الذي دُفِعَ لتزداد النعمة ألا وهو دم المسيح. وهو سؤال يدل علي عدم فهم لما حدث علي الصليب. فالمسيح لم يمت لأجل خطيته فهو بار بلا خطية، بل هو مات بجسد البشرية كلها، وأنا واحد من هذه البشرية، فهو مات من أجلي. فصار موته موتي= نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا والذي مات هو الإنسان العتيق. ومن يعتمد فهو يموت مع المسيح فتموت خطيته. فالمعمودية أماتت الخطية فينا وأعطتنا أن نكون خليقة جديدة. ولكي تظل الخطية ميتة، علينا أن نستمر في الجهاد بأن نقف أمام الخطية كأموات. المسيح مات بجسد بشريتنا، وأنا أشترك مع المسيح في موته بالمعمودية. وقوة هذا الموت تعمل فينا:
1. بالإيمان.
2. بالمعمودية.
3. بإرادتنا بأن نحسب أنفسنا أمواتاً عن الخطية (رو11:6) وبهذا تظهر حياة يسوع فينا (2كو11:4،12).
وبقوة هذا الموت تموت الخطية في أعضائنا بقوة الروح الذي فينا (كو5:3 + رو13:8). هذا ما عناه بولس الرسول حيث قال مع المسيح صلبت (غل20:2). وفي (غل24:5) نري العمل الإرادي للإنسان بوضوح " ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات"… هؤلاء نجد فيهم ثمر الروح (غل22:5،23) ومن ثمر الروح.. النعمة. لذلك يقول بولس الرسول "أقمع جسدي وأستعبده". ولكن من يعود بإرادته ويعيش في الخطية يثور فيه جسد الخطية مرة ثانية وبقوة. وكل إنسان حر في أن يختار، إذا إختار أن يموت مع المسيح ويحسب نفسه مصلوباً عن عالم الخطية سيجد قوة تعمل في داخله هي قوة موت المسيح، ويجد أن الخطية تضمحل في أعضائه وإذا إختار أن يعيش للخطية لن يختبر هذه القوة بل سيشعر أن الخطية تسود عليه بقوة وتقهره.
فالنعمة هي عمل الروح القدس، والروح القدس يملأ من صلب جسده وهناك سلمَّ قانوني سار عليه المسيح وينبغي أن نسير عليه نحن أيضاً فالروح القدس حلَّ على الكنيسة بعد الصعود. والصعود أتي بعد القيامة والقيامة أتت بعد الموت.. والموت أتي بعد الصلب.
وهذا ما هو مطلوب منا.. فلكي نتذوق الحياة السماوية (الصعود) ينبغي أن نقوم مع المسيح، أي يحيا المسيح فيَّ، أي أحيا بحياة المسيح القائم من الأموات (قيامة) وليتم هذا يجب أن أقف كميت أمام الخطية (الموت) وهذا بأن أحكم علي جسدي بالصلب عن أهوائه وشهواته، هذا معني "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل20:2)، والسيد المسيح يقول "من أراد أن يبني برجاً فليحسب حساب النفقة" والبرج هو أن نحيا حياة سماوية. والنفقة هي جسد مائت مصلوب. ونلاحظ أن المسيح عاش علي الأرض مختبراً حياة الموت، ومن أراد أن يكون له تلميذاً فليحمل صليبه ويتبعه في ممارسة الموت الإختياري. ولقد قبل المسيح المعمودية رمزاً لموته قبل أن يموت علي الصليب، وكان هذا علامة لقبوله الموت بإرادته. وهذا هو معني أن تزهر عصا هرون الميتة. وهذا معني "من أحب نفسه يهلكها". والمرأة التي سكبت الطيب (مر3:14-9). قال عنها المسيح أن عملها هذا سيكون كرازة، لأن الكرازة هي أن يسكب الإنسان نفسه حتى الموت لأجل المسيح. العالم يري أن هذا إتلاف، ولكن الله يستحق أن أترك لأجله كل شئ.
ونلاحظ أن الرسول تكلم من قبل عن بنوتنا لإبراهيم، وهنا يرفعنا لدرجة أعلي هي البنوة لله في المعمودية ليعيش الكل كأبناء لله (أمم ويهود) في جدة الحياة أي الحياة الجديدة المقامة مع المسيح. فنحن بالمعمودية نموت مع المسيح (عن الخطية) ثم نقوم بحياة المسيح (المسيح يحيا فيَّ) يعطيني بره، فأحيا لأصنع براً. وتكون أجسادنا آلات بر. وقوة قيامة المسيح تعمل فيَّ لأصنع البر. هذا هو مفهوم الحرية، أي ممارسة الحياة المقدسة بالنعمة الإلهية، بروح البنوة لله.
ولكن هل يوجد إنسان بلا خطية، نقول لا. فكل منا له خطاياه (1يو8:1،10) لكن أولاد الله يسقطون عن ضعف ويقومون سريعاً مقدمين توبة، يقومون سريعاً كمن هم غرباء عن هذا العمل، ولا يطيقون أن يحيوا في الخطية.
الآيات (3-4):- "3أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، 4فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟"
اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ = هي في أصلها إعتمد في يسوع المسيح اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ = إعتمدنا في موته. صرنا بالمعمودية مشتركين في صليب موته. (هذه تشبه جنين في بطن أمه، لو ماتت الأم يموت الجنين معها) فبالمعمودية أصير في المسيح. وبطن الأم هنا هي المعمودية التي فيها نموت مع المسيح.
إنساننا العتيق قد صلب ومات كما صلب المسيح علي الصليب ومات. المسيح مات ودفن بالجسد، أما نحن فنموت بالنسبة للخطية. فجوهرنا لا يموت، بل إنسان الخطية أي الشر هو الذي يموت. فأنا مت مع المسيح وفيه بجسد الخطية ثم قمت معه. فلا ينسب للمسيح موت دون قيامة فهو القيامة. بِمَجْدِ الآبِ = أي أن بالقيامة ظهر مجد الآب وتحققت كل مواعيد الله ونراها الآن بالإيمان. جِدَّةِ الْحَيَاةِ = أي الحياة الجديدة. نقوم مع المسيح في حياة جديدة فاضلة ونوجه سلوكنا بما يتفق وهذه الحياة الجديدة. هي حياة بإمكانيات جديدة، هي حياة المسيح القائم من الأموات. جدة الحياة هذه في مقابل حالة الموت التي كنا نحياها كخطاة. وجدة الحياة تعني حياة تتجدد ولا تشيخ. هي حياة لها قوانين جديدة وأهداف جديدة ومبادئ جديدة وأصدقاء جدد. ولاحظ قوله 4فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ فالدفن في المعمودية يشير لأهمية عقيدة التغطيس في المعمودية.
ولكن لنلاحظ ان المعمودية لاتحرمني من الحرية التى جبلني الله عليها . الله خلقني علي صورته حرا ولن يعود يحرمني من نعمة اعطاها لي من قبل . اذاً لقد مت في المسيح في المعمودية ، وقمت متحداً به . واتحادي به صارت لي حياة المسيح "لي الحياة هي المسيح" (في 1 : 21 ) لذلك فلقد حصلت في المعمودية علي حياة ابدية ، فالمسيح لن يموت ثانية ، وحياته التي حصلت عليها هي ابدية . ولكن، علي ان اجاهد ان اظل ميتا امام الخطية فتظل حياة المسيح في . ويمكننا ان نقول كل من يجاهد ان يبقي ميتا بحياة آدم سيظل حيا للابد بحياة المسيح . وهذا معني "من آمن واعتمد خلص"(مر 16 : 16 ) فالمعمودية سر يتممه الكاهن ولكن علي ان اجاهد حتي اظل ثابتا في المسيح . لذلك يقول المسيح "اثبتوا في وانا فيكم " . المعمودية ليست طقس يتم وانتهي الامر ، لكن لا بد ان يتبعها قرار باستمراري ميتا امام الخطية ( رو 6 : 11 ) فنظل ثابتين في المسيح ، وبالتالي فالروح القدس الذي انسكب علي المسيح يوم معموديته يملأنا ، وهو الذي يعطى النعمة التي تجدد طبيعتنا وتجعلنا خليقة جديدة . فسر الميرون يسمى سر التثبيت لأن الروح القدس هو الذي يبكتنا ان اخطأنا وهو الذى يعين ضعفاتنا فيعيدنا للثبات في المسيح ان اخطأنا ، والخطية قطعا تفصلنا عن المسيح. وإذا أعادنا الروح للثبات في المسيح تعود لنا الحياة ، لذلك نسمي الروح القدس الروح المحيي.
آية (5):- "5لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ. "
مُتَّحِدِينَ مَعَهُ = المعمودية هي فرصة الإتحاد الحقيقي مع المسيح بِشِبْهِ مَوْتِهِ = لأن المسيح مات بالجسد، أما نحن فنموت عن الخطية، الذي يموت فينا هو الإنسان العتيق. إذاً طريق حياتنا صعب فهو طريق موت. لكنه مبهج، فهو أيضاً طريق قيامة. الخطية تموت والبر يعيش ويقوم ونحيا في حياة سماوية (أف6:2) الإنسان القديم ينتهي والجديد السماوي يعيش. إننا نقوم في هذه الحياة الجديدة لنحيا بحياة المسيح القائم من بين الأموات فنحن إتحدنا معه في موته وفي قيامته، فالحياة التي فيَّ هي حياته المقامة من بين الأموات. ومن يسمع صوته الآن ويتوب يقوم من موت الخطية وهذه هي القيامة الأولي، ومن يعيشها تكون له القيامة الثانية أي يقوم من بين الأموات لحياة أبدية في مجد الله في المجيء الثاني (يو24:5-29). إذاً إن كنا قد إتحدنا معه بالمعمودية التي تشبه موته، فإنه كنتيجة طبيعية لذلك سنصبح أيضاً واحداً معه، مع المسيح، متحدين معه بقيامته، علي أساس أن نظل أمواتاً عن الخطايا، فنظل ثابتين فيه. ونلاحظ أن هناك نوعين من الموت:
[1] الموت [2] الإماتة
الموت:- هو عمل المسيح فينا بدفن خطايانا السابقة. وهذا هو هبة منه.
الإماتة:- فلكي نبقي أمواتاً عن الخطية بعد المعمودية يلزمنا الجهاد حتى الدم (عب4:12). ويكون الجهاد موضع إهتمامنا حتى يعيننا الله (كو5:3 + رو11:6). ونلاحظ أنه لم يقل نصير بشبه قيامته. بل نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ فهو قدم لنا عربون القيامة المقبلة خلال حياتنا الزمنية. هذه هي القيامة الأولي جدة الحياة. إن كان السيد المسيح يهبنا أن نموت معه في المعمودية، إنما ليقدم لنا إمكانية السلوك هكذا، والجهاد كل أيام غربتنا حتى لا نفقد نعمة المعمودية أو ثمرها فينا. فإن المعمودية لا يقف سلطانها عند حد محو خطايانا السالفة، بل تهبنا أماناً من جهة المعاصي اللاحقة، لكن هذا يحتاج لإظهار تغيير النية (إماتة عن الخطايا، وتجديد للذهن) فالمعمودية موت وقيامة بحياة جديدة.
والآن نفهم لماذا ترتل الكنيسة وتقول " بموتك يا رب نبشر وبقيامتك نعترف "بينما كان المفروض ان ما نفتخر به ونبشر به هو القيامة . لكن السؤال هو ... كيف نبشر .. هل يكون هذا بالكلام ؟ هذه أضعف وسيلة للكرازة . لكن الكرازة والبشارة تكون فعالة إذا كنا نحيا بما نتكلم به . فإن رآنا الناس نحيا كأموات امام الخطية . فهذه هي الكرازة ، وبهذا نكون نورا للعالم . والسؤال التالي يكون .. وما الذي يجعلنا نحيا كأموات امام الخطية ؟ ....هذا لأننا نؤمن انه لنا حياة كلها مجد وفرح في السماء ، بعد ان نقوم من الاموات . ولكن هذا يستلزم اولا ان نؤمن بان هناك قيامة من الاموات ، وبان قيامة المسيح كانت لحسابي انا ،أي لكي تكون لي انا قيامة من الاموات . اذاً ان نحيا كأموات للخطية فهذا لاننا نعترف بان لنا حياة اخري سنحياها ، لان المسيح قام من الاموات .
آية (6):- "6عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ. "
لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ = أي شرور الإنسان. ولا يقصد الجسد لذلك قال كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ = ولم يقل نستعبد للجسد فالجسد ليس عنصر ظلمة يجب الخلاص منه ومقاومته فهو من صنع الله الصالح، إنما نحن أفسدناه بإنحراف الأحاسيس والعواطف. وعندما تنزع هذه الأعمال المسببة للموت يظهر الجسد في أمان. وليس الجسد هو الذي يصلب مع المسيح بل السلوك الأخلاقي، أو الطبيعة الفاسدة التي طرأت عليه وأحاسيس الخطية. ولنلاحظ أن شريكنا في الطريق هو المسيح الذي نموت معه، فيعطينا حياة معه ويهبنا قوة وغلبة ونصرة وفكر جديد وتسبحة جديدة. وإذ يموت جسد الخطية فنتحرر من الخطية التي كانت مالكة علينا. ويقوم إنسان جديد يمجد الله، كبذرة زرعت لتخرج شجرة جميلة.
إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ 000 جَسَدُ الْخَطِيَّةِ = هو الطبيعة الشريرة التي ولدنا بها من بطون أمهاتنا، قبل الإيمان والمعمودية. ولما مات العتيق ما عاد قادراً أن يستعمل أعضاء الجسد الخارجي كآلات إثم = ولاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ.
آية (7):- "7لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. "
هذه تعني
1. بالموت تسقط الخطية عن المتهم.
2. بالموت تمت عقوبة الناموس فينا.
3. مات الإنسان العتيق وما عاد قادراً أن يستعمل الأعضاء كآلات إثم. بل صار الجديد يستعملها كآلات بر.
إذاً بالمعمودية يموت الإنسان مع المسيح وبهذا فهو تقبل حكم الموت عن خطاياه. ويقوم مع المسيح متحصلاً علي حكم البراءة من خطاياه (رو25:4) والذي مات يكف عن أن يخطئ ولا يتعرض لسلطان الخطية. بهذا الموت تنقطع الصلة بين الإنسان والخطية، إلا إذا شاء الإنسان من جديد أن يعود بجسده إلي ما كان عليه أولاً، أي يعود به إلي عبودية الخطية.
آية (8):- "8فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. "
خاف بولس أن يستثقل المؤمن الطريق لأنه موت مع المسيح، لذلك يوضح أن موتنا عن الخطية ليس حرماناً أو خسارة بل ممارسة لقوة الغلبة والنصرة التي لنا بالمسيح غالب الخطية والموت. هي حياة سنحياها في نصرة مع المسيح. نحن قمنا معه بإستحقاق بره وقداسته. وأخذنا حياة من حياته، بهذه الحياة ننال الفرح هنا وحياة أبدية هناك.
آية (9):- "9عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. "
المسيح هزم الموت وألغي سلطانه وهو الآن في مجد أبيه وقد أعطانا حياته نحيا بها بالإيمان، ومعني كلام الرسول أنه لو أردنا أن نحيا للمسيح ولا نعود للخطية فهذا ممكن، ولا يكون للخطية سلطان علينا ما دمنا معه. ومع أن الخطية عنيفة جداً إلا أن المسيح هدم سلطانها، فلا نخاف أن نسير معه في الطريق. والآية تعني أنه مادام المسيح لن يعود للموت بعد أن قام، هكذا لا يصح أن نعود للخطية بعد أن قمنا معه وصرنا نحيا بحياة المسيح، فلماذا نحكم علي إنساننا الداخلي الجديد بالموت مع أنه يحيا بحياة المسيح. والآية تعني أن الحياة التي حصلنا عليها بالمعمودية هي حياة أبدية، فحياة المسيح هي حياة أبدية، فهو لن يموت ثانية. ونحن حتى وإن متنا بالجسد فسنعود ونقوم بهذه الحياة الأبدية التي أخذناها وهذا معنى "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو25:11).
آية (10):- "10لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِللهِ. "
مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ = لم يمت المسيح عن ضعف خاص به إنما بسبب خطايانا، لكي يحطم خطايانا ويبدد قوتها ويحل سلطان الخطية فلا يعود لها علينا سلطان ما دمنا في إتحاد معه. وهو مات مَرَّةً وَاحِدَةً ولم يسد عليه الموت بعد. وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِللهِ = بعد أن قام صار يحيا حياته لكي يمجد الله بأن يهب نفوس البشر حياة مقدسة، يعطينا حياته وبره وبهما نمجد الله. يهبنا الموت عن الخطية والحياة للآب كأبناء له. والرسول يريد أن يقول… إن كنا قد حصلنا علي حكم براءة أبدية فبأي منطق نعود للخطية ثانية، هذا يكون كمن يعود للقبر بعد أن قام حياً.
الآيات (11-14):- "11كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. 12إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، 13وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ للهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِرّ ِللهِ. 14فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ. "
نري فيها مفهوم التكريس الحقيقي. فيها يشرح الرسول أننا يجب أن نحسب أنفسنا أمواتاً عن الخطية وأحياء لله في المسيح. إن كان المسيح مات عنا ليبطل لنا سلطان الخطية فإنه لا يليق بنا إلاّ أن نُسَلِّم القلب عرشاً له. إذاً لنمت عن الخطية فلا تملك علينا بعد ولنحيا لله بالمسيح يسوع الذي يملك فينا ويقيم مملكة داخل قلوبنا، مقدمين كل أعضاء جسدنا وكل طاقاتنا لحساب ملكوته كآلات بر بعد أن كانت خاضعة للشهوات كآلات إثم للخطية.
آية 11: أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ = المعني أن تحكم علي نفسك بأنك إنسان ميت أمام الخطية وبلا خوف فلم يعد لها سلطان علينا، بل لقد تبرأنا منها، تبرأنا بما تبنا وإعترفنا عنه. وبعد ذلك نقطع كل صلة لنا بها. وأَحْيَاءً ِللهِ = كما أن المسيح يحيا لله (آية10) هكذا يجب عليكم أن تعيشوا متحدين بالمسيح، بحياة جديدة. بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا = فبدونه لا نقدر أن نعمل شيئاً (يو5:15) فلا يمكن أن نحيا لله بدون المسيح، وفيه نتراءى أمام الله ونعيش أمام الله.
آية 12: وعلي ذلك فلا يجب أن تتسلط الخطية وتملك علي جسدكم الذي مات عن الخطية. أي لا يجب أن نطيعها منجذبين ومندفعين بشهوات هذا الجسد. ومن يفعل ويقرر أن لا يندفع وراء شهواته سيجد أن النعمة تعينه فالروح القدس يجعل الشهوات تهدأ والجسد يكون كميت أمامها. ولكن لو عاد الإنسان وتهاون وبدأ يداعب الخطية تستيقظ حالاً شهواته، فالإنسان كان وسيظل حراً. إذاً خذوا قراركم وإستعملوا القوة والسلطان الذي يعطيه الروح القدس، ولو سقطتم سارعوا بالتوبة. ولاحظ أنه قال لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ = ولم يقل لا تدعها توجد هناك، فهي موجودة بالفعل، مادمنا نحمل جسداً قابلاً للموت فستحاربنا الخطية. ولكن ليتك لا تملكها. هي فقدت قدرتها علي أن تملك، فلا تُمَلكِّهْا أنت فلو بدأت تطيعها ستملك. كأن عبداً قد تحرر بثمن باهظ فنقول له لا تعود تستعبد لأحد ثانية فهو الآن حر لا سيد له. ومن الذي تملك عليه الخطية؟ هو من يجري وراء شهوات العالم فيحيي الإنسان العتيق فتملك عليه الخطية. كثعبان متجمد من الثلج، لو أدفأته في جيبي، فأول ما سيستيقظ يلذعني فأتسمم وأموت. هذا الثعبان المتجمد هو الخطية التي قتلتها النعمة.
آية 13: أَعْضَاءَكُمْ : هي الرجل واليد والعين.. والفهم والذكاء والإرادة بل وكل الملكات الجسدية والنفسية والروحية. فلا تقدموها كآلات ووسائل للإثم، حتى لا تحاربكم الخطية وتنتصر عليكم بواسطة هذه الأعضاء. فلنحذر أن نخضع أي حاسة من حواسنا الجسدانية للخطية… مثال:-
لو غضبت لا تحرك لسانك بالشتيمة ولا يدك للضرب، فحينما لا يكون هناك آلات للخطية ستتلاشي الخطية يوماً فيوم.
والرسول لا يكتفي بمجرد التحذير من الوقوع في الخطية، ولكنه يضيف ناحية إيجابية في حياتنا الروحية. فعلي المؤمنين ليس فقط أن ينقطعوا عن الشر بل يقدموا ذواتهم أي كيانهم كله كتقدمة مكرسة لله. وهو قبل أن يطلب تقديم أعضاءنا آلات بر لله يطالبنا بتقديم ذواتنا كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ. قد حصلنا علي حياة جديدة مقدسة. بمعني أنه لن تتقدس أعضاءنا الجسدية ما لم يتقدس كياننا ككل، ونقبل أن نكون كالمسيح أحياء لله آية10 أي نحيا لمجد الله. ثم نكرس كل عضو من أعضاء جسدنا لله لكي تكون آلات فضيلة، تستخدم في إظهار مجد الله. وذلك بممارسة الأعمال الفاضلة. وهذا معني أن الروح يبكت علي خطية (تموت أعضائنا عن الخطية) ثم علي بر (نصنع براً). والرسول هنا يؤكد أن الدعوة للموت مع المسيح ليست هي دعوة لتحطيم كيان الجسد بل تقديسه [اليد عوضاً أن أستعملها في الضرب والسرقة (آلات إثم) تموت عن الخطية فلا تمارس هذه الأعمال ثم أستخدمها (كآلات بر) في الصلاة ومساعدة المحتاج، وخدمة الله] فالإنسان العتيق هو الذي يُصْلَب لا أعضاء الجسد. والدعوة للموت مع المسيح ليست دعوة سلبية للخسارة والتبديد، إنما هي دعوة إيجابية للربح. فالموت هنا هو ربح إذ فيه تمتع بالمعية مع المسيح المصلوب القائم من الأموات القادر أن يقيم أعضائنا كآلات بر واهباً إياها تقديساً من عندياته. نحن قد تسلمنا من آدم جسداً إنفتحت حواسه وأعضاؤه وملكاته (فكره وإرادته…) علي الشيطان (ولكنها غير مجبرة علي الخضوع له). أما المسيح فجاء ليميت فينا هذه الطبيعة المجروحة المفتوحة علي الشيطان. وأمات الخطية في الجسد ففقدت الخطية تسلطها علي أعضاء الإنسان، وحرر المسيح أعضائنا وجعلها مفتوحة علي الله لتسمعه وتراه.
ألات بر وألات إثم := الالة يستخدمها أحد . والمقصود هنا اعضاء جسدى . فإن أعطيتها للمسيح الذي اعطاني حياته تصبح الات بر وإن تركتها لحياة الانسان العتيق الذي في فهي تصبح الات إثم.
آية 14: وأنتم تستطيعون أن تبلغوا هذه الدرجة من الحياة الروحية لأن الْخَطِيَّةَ لا سلطان لها عليكم= لَنْ تَسُودَكُمْ (لن تتملك عليكم) لأن النعمة سوف تدينها أي تجعلها كامنة داخلي كأنها ميتة (رو3:8). لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ سلطان النَّامُوسِ. الذي كان عمله أن يفصل بين الخير والشر دون أن يهب القوة علي بلوغ حياة البر.الناموس هو مجرد مرآة تظهر العيوب ، لكنه غير قادر علي تغيير شئ . لكنكم الآن أعضاء في مملكة البر، غُفِرَتْ لكم خطاياكم السابقة وأصبحتم بواسطة هذه النعمة قادرين علي السير بأمان في طريق القداسة والفضيلة، وهذا يؤكد علي الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال النعمة التي تعمل فينا في مياه المعمودية كما في جهادنا اليومي. الإمكانيات الواهبة للغلبة.
تَحْتَ النِّعْمَةِ: النعمة هي قوة عاملة فينا تميت فينا محبة الخطية. وهي من عناية الله ورعايته وتدبيره ليقود الإنسان لميراثه الأبدي. ولو خضع الإنسان لتيار النعمة لا تعود الخطية تسود عليه. فالنعمة هنا هي قوة الله السرية الخفية التي تسكن أعضاء الإنسان العائش تحت خضوع النعمة والذي يضبط شهواته ويميت أعضاءه عن الشهوات الخاطئة (رو1:12). والروح القدس يعطي لمن يريد قوة وإقناع (أر7:20) لترك الخطية والحياة في بر (إقناع أولاً ثم قوة للعمل ثانياً (رو26:8).
آية (15):- "15فَمَاذَا إِذًا؟ أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟ حَاشَا! "
أيكون بعد كل ما قيل أن نفهم الحرية في المسيح أنها عودة للخطية. إذا أخطأ إنسان وقال أنا حر فهو بالحقيقة مستعبد للخطية، الحرية الحقيقية هي عبودية لله وفيها يجد الإنسان أن قوة تسانده ليفعل البر، هي عبودية الحب الإختياري وليس عبودية العنف الإلزامي. ولنلاحظ أن النعمة والخطية لا يجتمعان، فلا يقدر أحد أن يخدم سيدين (مت24:6 + يو34:8،36). هناك من أساء فهم ناموس النعمة والحرية وقال نخطئ لأننا أحراراً، ولكن هذا كمن يستغل كرم صديقه بالخيانة والإساءة إليه، فداء المسيح حررني، وعليَّ أن لا أستعبد للخطية ثانية (يو36:8).
آية (16):- "16أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟"
من نوجه حياتنا وذواتنا له نكون عبيداً له ونلتزم بطاعته فلا يوجد سوي سيد واحد. والله كسيد يبرر ويعطي حياة لو أطعنا. أمّا الخطية كسيد فتقود للموت. وبحسب ما رأيناه في مقدمة الإصحاح فالإنسان الداخلي هو الذي يقود الأعضاء الخارجية. ونحن أحرار في أن نجعل أحدهما ينمو والآخر يضمحل أو العكس. ومن هو فيهما القوي سيقود الأعضاء الخارجية. فلو جعلت الإنسان الجديد ينمو، هذا الذي حصلت عليه في المعمودية، فهو سيقود الإنسان الخارجي لطاعة الله وليتبرر. ولو قاد الإنسان العتيق الإنسان الخارجي لقاده للخطية والموت. ولنلاحظ أن هناك من يستعبد لشهواته الخاطئة، وهناك من يستعبد للبر مثال خادم صحته منهكة ولكن مُصِـّرْ علي الخدمة، ولا يستطيع ترك خدمته، أو مريض مُصِـّرْ علي الصيام، ويجد لذته فيه.
آية (17):- "17فَشُكْراً ِللهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. "
أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ = الحرية التي نمارسها ليس عن قوة أو إضطرار إنما تمارس خلال الحب بكمال إرادتنا. صورة = كلمة تفيد طبعة أصيلة للتعليم.
آية (18):- "18وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ. "
إذ تحرروا من الخطية إرتبطوا بالبر، لا يستطيعون إلا أن يعملوا البر كأنهم عبيد للبر، ويجدوا لذتهم في ذلك. فالحرية في المسيح هي عبودية للبر.
آية (19):- "19أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ. "
أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا = أكلمكم بحسب ضعف طبيعتكم التي لازالت جسدية لدرجة أنكم تتكلمون وتعتقدون أن عمل الفضيلة كما لو كان فيه عبودية عِلماً بأن عبودية البر هي في حقيقتها حرية للجسد والروح. فلأنكم لم تنموا بعد في النعمة قد تتصورون أن المسيح أو الكنيسة تريد أن تستعبدكم. وهذا يحدث مع المبتدئين روحياً، فلو قلنا لشاب أن هناك يوم روحي نقضيه في الصلوات والاجتماعات فسيعترض من كثرتها ولكن نقول له بلغته، ليكن، أنت تتصور أن هذه الصلوات والاجتماعات فيها عبودية، ولكنها عبودية للبر، وإذا مارس هذه مرة بعد مرة سيكتشف لذة طريق الله وأنها ليست عبودية بل هي تنمي الإنسان الداخلي فيحيا في السماويات. وهناك من يعترض ويقول أن الكنيسة تستعبدنا بكثرة صلواتها وأصوامها. فنرد عليهم قائلين "موافقين… ولكن أيهما أفضل أن تستعبدك الكنيسة بأصوامها وصلواتها، أم تُستَعبد للخطية بفضائحها، لكن عليك أن تعلم أنك لو إستعبدت نفسك للبر بحريتك فسيقودك هذا للحرية الحقيقية، كما يحدث الآن ويأتي شخص تذوق لذة الصيامات طالباً أن يصوم ويعمل مطانيات في الخمسين المقدسة.
عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ = أي لخدمة الخطية التي تنجس الإنسان. وليس أقسى من أن يستعبد الجسد للخطية أو أحط من أن يُرسَل الإبن ليرعي مع خنازير قَدّ مْتُمْ = أي بإختياركم، فالشيطان لا سلطان له علي إجبارنا. وهذا ما يبرر الله في هلاك الخطاة، فهم يبيعون أنفسهم لعمل الشر.
الإِثْمِ لِلإِثْمِ = إن خطية واحدة تجعل القلب أكثر ميلاً للأخري. وكل عمل خاطئ يُثبِّت ويُقوِّي العادات الخاطئة. فمن يسلك في طريق الخطية تزداد حياته شراً ويزداد قلبه قساوة. ومن يزرع الريح يحصد الزوبعة (هو7:8) هذا يصير عبداً للنجاسة والإثم لخدمة الإثم.
قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَةِ = عندما تكفّ أعضاؤنا عن خدمة الخطية، يجب أن لا تبقي عاطلة بل لتُستخَدم في خدمة الله. وهذا يبدأ بالتغصب فملكوت الله يغصب (مت12:11) ولكن من يفعل يقوده الروح القدس للقداسة، أي يتخصص الإنسان كله لله، وهذا يلازمه السلام والفرح. ولنلاحظ أن العبودية للفضيلة ليست إلاّ حرية.
آية (20):- "20لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ، كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ. "
لما كنتم عبيداً للخطية كنتم تحررون أنفسكم من الإلتزام بمطالب البر وكنتم تسمون أنفسكم أحراراً. ولكنكم كنتم في أشد درجات الإنحطاط وفي النهاية هلاك. في الواقع هذه ليست حرية بل هي حرية مسلوبة. إذاً أيهما الأفضل أن تستعبدوا للبر فنهايته حياة والآن فرح، أم تستعبدوا للخطية وتعيشوا الآن في مرارة والنهاية هلاك.
آية (21):- "21فَأَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ؟ لأَنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِيَ الْمَوْتُ. "
هنا مقارنة بين العبودية للإثم والعبودية للبر. فالأولي قاسية مخزية نهايتها الموت وتثمر عاراً والثانية تثمر قداسة وحياة أبدية. والسؤال هنا لهم ماذا إنتفعتم من حياة الخطية، بل أنتم تستحون الآن من حياتكم السابقة عندما تتذكرونها، بل كنتم معرضين للموت بسبب خطاياكم.
آية (22):- "22وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ، وَصِرْتُمْ عَبِيدًا ِللهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ، وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. "
أمّا الآن حيث أنكم قد تحررتم من الخطية بالمعمودية وأخضعتم أنفسكم لله فإنكم قد إكتسبتم بكل تأكيد نمواً وتقدماً في حياة القداسة= فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ = أنتم الذين تستطيعون أن تحكموا علي ثمركم الآن في ظل حياة القداسة، من ثمركم المرّ أيام الخطية. ولاحظ قول بولس أننا بدون قداسة لن نري الله (عب14:12) والنهاية حياة أبدية.
آية (23):- "23لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. "
لقد كنتم آنذاك عبيداً يائسين. لأنت أجرة الخطية التي تدفعها (اللذة الوقتية) لمن يتعبدون لها هي الموت. أما العطية هِبَةُ اللهِ هي عطية مجانية وليست أجرة، هذه التي يهبها الله لعبيده، وهي حياة أبدية تتحقق لنا بواسطة إتحادنا بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. وكلمة أجرة التي أستخدمها الرسول هنا هي بمعني أجرة زهيدة تعطي لعبد وتأتي بمعني أدام (طعام أو غموس) يعطي للعبد لسد الرمق. وهي كلمة تشير للمتعة الوقتية الزهيدة للخطية ونهايتها الموت. أما هبة الله فهي عطية الله الوفيرة بكل الحب والابتهاج، وهي مجانية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ السَّادِسُ
المعمودية والجهاد لنوال التبرير
(1) دور المعمودية فى التبرير (ع1-10 ):
1فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَنَبْقَى فِى الْخَطِيَّةِ لِكَىْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟ 2حَاشَا! نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟ 3أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا، كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، 4فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ، هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِى جِدَّةِ الْحَيَاةِ. 5لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ 6عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَى لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ. 7لأَنَّ الَّذِى مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. 8فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. 9عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ، بَعْدَ مَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ، 10لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِى مَاتَهُ، قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِى يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا لِلَّهِ.
فى هذا الإصحاح، يوضح القديس بولس دور سر المعمودية فى تطهير الإنسان وتجديد طبيعته الفاسدة من آثار خطية آدم، ومطالبته للإنسان بعدم العودة إلى حياة الخطية مرة أخرى.
ع1: يستنكر بولس الرسول رأى الخطاة، الذين يقولون أنه إن كان الله يزيد نعمته ورحمته على الساقطين فى خطايا شديدة وظروف صعبة حتى يساعدهم على الخروج منها، فلنبق إذًا فى حياة الخطية لننال مراحم الله الكثيرة .
ع2: متنا عن الخطية: بالمعمودية.
ينفى بولس الرسول هذا الرأى، لأنه إن كان الله بكثرة رحمته أفاض علينا بنعمه الجزيلة لينزع عنا كل أثر للخطية، فهذا لا يدفعنا للاستهتار والاستمرار فى الخطية. ثم يوضح أننا بالمعمودية أصبحنا ككائن ميت أمام الخطية، فعندما تهاجمنا لا تجد فينا حواس تُغوى أو أعضاء تنفذ الخطية.
ع3: اعتمد ليسوع المسيح نال المعمودية المسيحية، إيمانا بالمسيح المخلص.
اعتمدنا لموته: الترجمة الأدق هى "اعتمد فى موته"، أى يموت مع المسيح عند نزوله إلى ماء المعمودية ويقوم معه.
قيمة المعمودية عظيمة جدا، لأننا فيها نموت مع المسيح عن خطايانا. فبموته رفع خطايانا وخلّصنا منها.
ع4: بالمعمودية، نشارك المسيح فى موته وقيامته التى تمت بمجد الآب (بقوة الآب)، فندفن ليموت فينا الإنسان العتيق الضعيف أمام الخطية، ثم نقوم كإنسان مولود من جديد، يسلك فى حياة جديدة بسيرة مقدسة. إذًا الحياة بالمعمودية شبيهة بعملية الخلق.
ع5: شبه موته: التغطيس فى ماء المعمودية الذى يشبه موت المسيح على الصليب.
نصير أيضا بقيامته: نحيا حياة القيامة والنصرة على الخطية والتمتع بعشرة المسيح.
عندما اعتمدنا وماتت الخطية فينا فى صورة شبيهة بموت المسيح على الصليب، اتحدنا به اتحادا وثيقا، فصارت ذاتنا واحدة مع ذاته وتمتعنا بفرح القيامة معه. تلك هى القيامة الأولى فى حياتنا، عندما تموت فينا الخطية فنحيا للبر، كقول السيد المسيح عن الابن الضال "ابنى هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد" (لو15: 24).
ع6: الإنسان العتيق: هو الطبيعة الفاسدة القديمة الموروثة من آدم والمائلة للشر.
مات الإنسان العتيق مع المسيح بطريقة سرية، عندما صلب على الصليب. وبموت الإنسان العتيق، أبطل "جسد الخطية"، أى أصبحت الخطية غير سارية المفعول علينا، لأننا متنا بالنسبة لها.
ويذكرنا هذا بقول القديس أغسطينوس، عندما جاءت إليه بعد توبته امرأة، كانت قد تعودت ممارسة الخطية معه فى زمن ماضٍ، فقال لها "أغسطينوس الذى تعرفينه قد مات". وبهذا يتحرر الإنسان من سلطان الخطية عليه، ولا يصير عبداً لها.
ع7: أيضا يتبرأ، أى لا يعود هناك شئ يربطه بالخطية، ولن تعد لها سيطرة عليه وانتهت علاقتها به.
ع8: كما شاركنا المسيح فى الموت عندما دفنا فى ماء المعمودية، هكذا نقوم معه بطبيعة جديدة مقدسة لا تميل للشر، كما قام هو بجسد نورانى.
ع9-10: الذى يجعلنا واثقين من قيامتنا الروحية فى المعمودية هو أننا آمنا أنه توجد قيامة، لأن المسيح قد قام من الأموات ولن يموت مرة أخرى أبدًا، إذ أنه إله قدوس حى لا يموت وإنما مات بإرادته من أجل خطايانا، ثم قام ليحيا فى وحدانية مع الآب. هكذا كل من اعتمد، يموت عن الخطية ويحيا فى البر ليرضى الله.
كلمة مرة واحدة تشير إلى أن المعمودية لا تتكرر، مثلما مات المسيح أيضا مرة واحدة.
تذكر فى بداية كل يوم طبيعتك الجديدة التى نلتها فى المعمودية، لتحيا حياة جديدة للمسيح، تراه أمامك فى كل عمل وكلام لترضيه وتقدم حبا لكل من يقابلك.
(2) الدور الإنسانى فى التبرير (ع11-14):
11كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. 12إِذًا؛ لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِى جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَىْ تُطِيعُوهَا فِى شَهَوَاتِهِ، 13وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ لِلَّهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِرٍّ لِلَّهِ. 14فَإِنَّ الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ، بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ.
ع11: بعدما لفت القديس بولس نظرنا إلى العامل الإلهى فى عملية الخلاص والتبرير، ينتقل إلى العامل الإنسانى، ناصحا لك، بعدما صرت نظيفا لابسا ثياب الخلاص، بعدم العودة مرة أخرى إلى الاتساخ فى طين الخطية، بل فلتصر أعضاؤك أعضاء حيه لتنفيذ إرادة الله فيك.
أنت يا من تحررت من عبودية الخطية، لا تعود لتبيع نفسك لها رخيصا فتصير عبدا لها مرة أخرى، مطيعا لأوامرها على جسدك الذى عاد ليشتهى لذة الخطية. ولماذا بعدما أمات المسيح فيك، فى المعمودية، الشهوات المختلفة تعود أنت لتحييها من جديد، مثيرا ومنشطا إياها بحواسك عندما تعرضها للمؤثرات والمثيرات الخارجية، فتنحدر مرة أخرى إلى قاع الخطية؟
ع12: المعمودية تحررك من سلطان الخطية ولكن لا تعطيك عصمة من الخطأ، فجسدك إن كان ميتاً عن الخطية فلماذا تثيره بالشهوات حتى تملك عليه الخطية مرة ثانية.
ع13: لا تجعل أعضاءك صانعة للخطية. لا تجعل لسانك شتاماً، ولا يدك ضاربة ولا جسدك زانيا وكأنه جسم حيوانى متجرد من العقل والحكمة؛ بل قدم ذاتك، والتى هى نفسك وفكرك وعقلك وقلبك، كإنسان حى مدرك لقيمة نفسك وكابن لله يصنع البر بكل ما وُهِبَ من أعضاء (يصلى/ يخدم...).
ع14: بهذا لن تستطيع الخطية أن تتسلط عليك، لأنك لست فى عصر الناموس القاصر على توبيخ الإنسان على خطاياه دون إعطائه أى قوة للغلبة، بل أنت الآن فى عصر النعمة، نعمة الروح القدس الذى يعمل فيك بقوة سرية، وحب المسيح الذى يحاصرك، وعناية الآب الذى يعينك. وبهذا تتقوى أعضاؤك وتغلب وتنتصر.
(3) عبد الخطية وعبد المسيح (ع15-23):
15فَمَاذَا إِذًا؟ أَنُخْطِئُ لأَنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ؟ حَاشَا! 16أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِى تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِى تُطِيعُونَهُ، إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟ 17فَشُكْرًا لِلَّهِ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلَكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِى تَسَلَّمْتُمُوهَا. 18وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ. 19أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضُعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَنَّهُ، كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ، هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيـدًا لِلْبِرِّ لِلْقَـدَاسَةِ. 20لأَنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيَّةِ كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ. 21فَأَىُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِى تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ؟ لأَنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِىَ الْمَوْتُ. 22وَأَمَّا الآنَ، إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ وَصِرْتُمْ عَبِيدًا لِلَّهِ، فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَةِ، وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. 23لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِىَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ، فَهِىَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.
ع15: الغريب أن البعض فى عصر النعمة أساءوا استخدام فهم الحرية التى فى المسيح، فتحولوا للتسيب. وهنا يستنكر بولس الرسول بشدة على المعُمَد المُطَّهر أن يسلك فى الشر.
ع16: الإنسان كما قال السيد المسيح "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين" (مت 6: 24)، فإما أن يكون عبدا مطيعا للخطية فى أوامرها على جسده، والنتيجة ستكون الموت الروحى له ويصير الإنسان كجسد حيوانى؛ أو يكون مطيعا لوصايا الله، فيصير بارا.
إحذر أيها الحبيب... فطاعتك للخطية هى طاعة لإبليس نفسه، الذى يعطى مسميات خادعة للخطية، ليخفف من وقعها على ضمير الإنسان لئلا يتوب، مثل تسمية الزنا بالخطايا الشبابية، والغضب بقوة الشخصية، والطمع بالطموح... إلخ.
ع17: تسلموها من الرسل: هنا يشير بولس الرسول إلى أهمية التسليم الرسولى كمصدر للتعليم بجوار الإنجيل.
أطعتم من القلب: توضح أن المسيحية ليست وصايا أخلاقية ظاهرية، بل محبة قلبية، تؤدى إلى طاعة وصاياه والسلوك فى الوصية.
صورة التعليم: تؤكد أن التعليم اعتمد على قدوة ترى فى حياة المعلمين، وليس مجرد كلام أو وعظ نظرى.
هنا يشكر بولس الرسول الله، ليس لأنهم عاشوا كعبيد للخطية، ولكن لأنهم تركوا تلك الطريق، وساروا بكل قلوبهم وراء تعاليم المسيح التى تسلموها من الرسل.
ع18: عندما تحررتم من الخطية، صرتم عبيدا بإرادتكم الحرة لله، منفذين وصاياه.
ع19: أتكلم إنسانيا: أى بأسلوب إنسانى سهل بسيط، لتفهمه النفوس الضعيفة نحو الخطية.
للإثم: حبا فيه.
عندما قبلتم العبودية للخطية بسهولة، وكانت أعضاؤكم تصنع النجاسة والإثم حباً فيه، حان الوقت الآن لتصير الأعضاء مقدسة عاملة البر، فتصبحوا قديسين.
ع20: هناك طريقان رئيسيان :
أ- طريق الشر والشهوات، والذى يسير فيه يصير عبدا لإبليس متحررا من وصايا المسيح.
ب- الطريق الروحى، والسائر فيه هو عبد لرئيسه يسوع المسيح ملك السلام، متحرر من أى سلطان للخطية عليه.
يأتى الشيطان أيها الحبيب مخادعاً قائلاً: هيا تحرروا من كل قيود الوصية، فلماذا تتعب جسدك بالصوم؟ ولماذا تحرم جسدك من اللذة والمتعة والخطية؟ ولماذا تصون لسانك من الخطأ؟
فهيا إفعل ما يحلو فى عينيك متحرراً من وصايا الإنجيل المؤدية للبر. ولكنك أيها الحبيب ما أن تحصل على هذه الحرية الزائفة المزعومة، إذا بك تخرج من بر الله الرؤوف المحب للبشر، المعطى السلام على الأرض والأبدية فى السماء، وتدخل تحت سيطرة الشيطان القاسى الكاره للبشر، فيذلك ويحطم حياتك ومستقبلك بل وأبديتك.
ع21: ثم يعود القديس بولس طارحاً سؤالاً، ماذا جنيتم من ثمار نتيجة هذه الحياة السابقة، التى صنعتم فيها شرورًا تخجلون منها الآن؟ ولأنكم تبتم عنها، تخلصتم من الموت الأبدى، أى العقاب من جهنم.
ع22: أما الآن فبعد ما تحررتم من الخطية، وأصبحتم عبيداً محبوبين لله، نلتم ثمار الروح القدس "محبة فرح سلام .... إلخ"، ثم سيكافئكم الله فى النهاية بالحياة الأبدية.
ع23: ثم يأتى القديس بولس إلى خلاصة الحياة: إذا صنعتم الخطايا ولم تتوبوا عنها، ستموتون موتاً أبدياً. أما السالك بالبر فيهبه الله حياة أبدية، تلك التى فتحها أمامنا ربنا ومخلصنا يسوع المسيح.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح