كلمة منفعة
هناك فرح تافه بأمور العالم الزائلة، ومتعها..ومثلها فرح سليمان بكل تعبه الذي تعبه تحت الشمس (جا 3)، ومثلها فرح يونان باليقطينة بينما لم يفرح بخلاص نينوى. ومن هذا النوع فرح الابن الكبير بقوله لأبيه "وقط لم تعطني جِديًا لأفرح مع أصدقائي" (لو 15: 29)..
— فرح.. وفرح
الرسالة إلى أهل رومية 5
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 5
روميه
الإصحاح رقم 5
الأصحاح الخامس
بنوّتنا لآدم الواحد
إذ يعالج الرسول بولس موضوع انتساب اليهود لأبينا إبراهيم حسب الجسد أبرز أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة كما وهو في الخِتان خلال إيمانه، ليحمل أبوة صادقة روحية لكل مؤمنٍ حقيقيٍ. والآن يودّ الرسول بطريقة غير جارحة أن يظهر رجل الإيمان الأعظم إبراهيم، أنه ابن آدم، أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت مملكة الموت بسبب عصيان آدم، فكان محتاجًا إلى من يبرّره. بمعنى آخر خلال الظلام والرموز تبرّر إبراهيم نفسه ببرّ المسيح، إذ بدون إيمان لم يكن ممكنًا أن يتبرّر، وكما قال القدّيس جيروم: [قبل مجيء المسيح كان إبراهيم في المواضع السفلية بينما بعد مجيئه صار اللص في الفردوس.]
كأن الرسول يودّ أن يوجّه أنظار الكل، اليهود والأمم، إلى برّ المسيح الذي اشتهاه إبراهيم نفسه (يو 8: 56) عِوض الافتخار بالانتساب لإبراهيم حسب الجسد.
بدأ الأصحاح بالكشف عن ثمر برّ المسيح، ليحدّثنا عن حالنا كأبناء لآدم، من بيننا إبراهيم نفسه، ثم عن حالنا خلال آدم الثاني أو الجديد.
1. ثمار برّ المسيح 1-11.
2. آدم وبنوه تحت الموت 12-14.
3. آدم الثاني والنعمة 15-21.
1. ثمار برّ المسيح
كعادة الرسول بولس قبل أن يبرز الجانب السلبي وهو خضوع آدم وبنيه تحت حكم الموت بسبب العصيان، بما فيهم رجل الإيمان إبراهيم، أبرز في إيجابيّة ثمار برّ المسيح التي يتمتّع بها كل أبناء إبراهيم الروحيين، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أ. التمتّع بالسلام مع الله [1].
ب. نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي [2].
ج. ارتفاع فوق الضيقات [3-4].
د. عطيّة الروح القدس واهب الحب [5].
ه. اختبار محبّة الله بالصليب [6-11].
ويلاحظ في هذه الثمار الفائقة الآتي:
أ. ننعم بلقاء الثالوث القدوس، ونختبر حُبّه وعمله فينا: (سلام مع الله الآب، انسكاب الحب بالروح القدس الساكن فينا، اختبار للحب الإلهي بصليب ربنا يسوع المسيح).
ب. ثمار على مستوي أبدي، إذ ننعم بمصالحة أبدية ومجد أبدي. لكنّنا ننال العربون حاضرًا الآن في حياتنا: "هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون" [2].
الآن في أكثر تفصيل نتحدث عن هذه الثمار:
أولاً: التمتّع بالسلام مع الله
"فإذا قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " [1].
يبدو لي أن "السلام مع الله" هنا يحمل معنى غير السلام من الله (رو 1: 7) أو "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (في 4: 7)، فإن السلام الإلهي الذي ننعم به إنما هو "سلامنا الداخلي" الذي يهبه الله كعطيّة روحية، يعطي للإنسان انسجامًا في الغاية والسلوك، فيعمل الإنسان بنفسه كما بجسده بسلام الله لحساب الملكوت، كما يهبه سلامًا مع الآخرين مشتاقًا أن يبذل كل حياته لحسابهم في المسيح يسوع؛ أمّا "السلام مع الله" فيعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة التي كنّا فيها إلى حالة بنوّة وحب وصداقة. أو تعني انطلاقنا من حالة الانحدار التي بلغناها بسبب خطايانا وعصياننا، لندخل خلال الدم إلى حالة مصالحة مع الآب، فنُحسب بالمسيح يسوع الابن الوحيد أبناء له، موضع سروره ورضاه. هذا هو أول ثمر "برّ المسيح"، إننا نختفي فيه لنُحسب أبرارًا فيه، ومصالحين، نحيا كأبناء في سلام حقيقي مع الآب. بذات الفكر يقول معلمنا بطرس الرسول: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البارّ من أجل الآثمة، لكي يقرّبنا إلى الله" (1 بط 3: 18).
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني "لنا سلام"؟ يقول البعض: ألا نكون على خلاف بارتكاب معاصي ضد الناموس، أمّا بالنسبة لي، فأظن أن ما جاء هنا يخص مناقشتنا، لأنه بعدما تحدّث كثيرًا عن موضوع الإيمان، وقد وضعه قبل البرّ بالأعمال، فلئلا يظن أحد أن ما قاله يُحسب أساسًا للتهاون، لذلك قال: "ليكن لنا سلام"، بمعنى "ليتنا لا نخطيء بعد"، "ليتنا لا نعود مرة أخري إلى حالنا القديم"، إذ يسبّب هذا حربًا مع الله. كيف يمكن تحقيق هذا؟ إن كنّا ونحن نحتمل خطايا كثيرة هكذا نتحرر منها جميعًا بالمسيح، فإننا بالأكثر نستطيع أن نبقى على هذا الحال بالمسيح. فإن ثمة فارق بين تقبلنا السلام حيث لم يكن موجودًا، وبين احتفاظنا به حين يكون لدينا، لأن نواله أصعب من الاحتفاظ به بالتأكيد، ومع هذا فإن ما هو أصعب صار ميسورًا وتحقق. لذلك يلزمنا أن نسعى وراء ما هو أسهل بالتصاقنا بالمسيح الذي وهبنا ما هو أصعب... إن كان قد صالحنا في الوقت الذي كنّا فيه في حرب مع الله، فمن المعقول أن نبقى في حالة المصالحة...]
بمعنى آخر نحن الذين كنّا في حالة عداوة مع الآب صرنا في سلام معه بربنا يسوع، فكم بالأكثر وقد تصالحنا معه أن نبقى هكذا، لكن ليس بجهادنا الذاتي وإنما بربنا يسوع نفسه. لنبقى في "سلام" كعطيّة إلهية، وفي نفس الوقت دخول في علاقة قربى معه! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان قد أحضرنا إليه لنكون قريبين منه عندما كنّا بعيدين، كم بالأكثر يحفظنا الآن ونحن قريبون؟]
ثانيًا: نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي
"الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون، ونفتخر على رجاء مجد الله" [2].
لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى "برّ المسيح"، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك "بالنعمة الإلهية" متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على "رجاء مجد الله". هكذا لم يعد الزمن بالنسبة لنا مرعبًا ولا مفقودًا، الماضي حاضر بالنسبة لنا، والحاضر عربون المستقبل، والمستقبل حال خلال عربون الحاضر.
الإيمان بالمصلوب فتح لنا بالـ "النعمة التي نحن فيها مقيمون"، نعمة البنوّة التي نلناها في مياه المعموديّة بالروح (يو 3: 5)، خلالها نختبر أحداث الصلب والقيامة كحياة واقعية حاضرة ونعتزّ بالتمتّع بمجد الله الأبدي، بكوننا "ورثة الله، ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17).
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية قائلاً:
[اسمحوا لي أن أسألكم أن تتأمّلوا كيف يؤكّد الرسول في كل موضع نقطتين: جانب الله وجانبنا، فمن جانب الله، كيفما كان، توجد أمور كثيرة، عديدة ومتنوّعة، إذ مات من أجلنا وصالحنا وجبَلنا إليه ووهبَنا نعمة لا ينطق بها. أمّا نحن فمن جانبنا نقدم إيمانًا (حيًا) فقط، لذلك يقول: "بالإيمان إلى هذه النعمة". اخبرني: أيّة نعمة هذه؟ أنك حُسبتَ أهلاً لمعرفة الله، وانتزعت عن الخطأ وتعرفّتَ على الحق ونلتَ كل بركات المعموديّة؟ لأن غاية إحضارنا إليه هو تقبُّل هذه العطايا. فإننا لم ننل غفران الخطايا فحسب لنكون مُصالحين، وإنما لننال بركات لا حصر لها.
لم يقف عند هذا الحد إنما وعدنا ببركات أخرى، بركات لا يُنطق بها، تفوق الإدراك واللغة، لهذا لم يحدّثنا عنها. فبإشارته للنعمة أوضح ما نلناه حاليًا، وبقوله: "ونفتخر (نبتهج) على رجاء مجد الله" [2]. يكشف عن كل الأمور العتيدة.
حسنًا قال: "التي نحن فيها مقيمون" [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر... لهذا يقول: "نبتهج على رجاء مجد الله"، لكي تتعلم ما هي النفس التي يليق بالمؤمن أن تكون له. ليس فقط نعرف ما هي العطايا التي تقدّم وإنما لمن تقدّم، فنمتلئ ثقة أنها قُدِّمت فعلاً، إذ يبتهج الإنسان بكونه قد نالها فعلاً... وقد دعاها "مجدًا"؛ إذ هي شركة في مجد الله.]
هكذا يركّز القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "مقيمون فيها" علامة استمرارية عمل نعمة الله في حياتنا متى خضعنا لها وقبلّناها متجاوبين معها، ولا يقف الأمر عن الاستمرارية، وإنما تزداد قوّة فينا وبهاءً مع الزمن حتى متى بلغنا الخروج من هذا العالم ننعم بالشركة في المجد الإلهي.
ثالثًا: الارتفاع فوق الضيقات
ربّما يتساءل البعض: إن كان الإيمان بالمسيح يدخل بنا إليه لنحمل برّه فينا فننعم بالسلام مع الله، وإذ نقيم في هذه النعمة ينفتح قلبنا على رجاء المجد الإلهي، فما هو عمل هذا البرّ في حياتنا وسط الضيقات التي لا تنقطع؟
يجيب الرسول على هذا التساؤل معلنًا أن السيد المسيح ببرّه الذي يهبه لنا لا ينزع عنّا الضيقات، بل يرفعنا فوق الضيقات، فنجتازها أو تعبر هي بنا، ونحن في اعتزاز نراها سرّ تزكيتنا أكثر فأكثر، فلا يتحطم رجاؤها باليأس، بل بالعكس يلتهب رجاؤنا في المجد، خلاص صبرنا في الضيقات، إذ يقول: "وليس ذلك فقط بل نفتخر (نتمجد) أيضًا في الضيقات، عالمين أن الضيق ينشىء صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء" [4].
كأن عمل المسيح لا يمس المجد الأبدي فحسب وإنما يمس حياتنا اليومية لا بتغيير الظروف المحيطة بنا لننعم بسلامٍ زمنيٍ، وإنما بتغيير القلب الداخلي والفكر، فنسمو فوق الآلام، إذ نراها طريق الشرّكة مع المسيح المتألم، وسبيل التمتّع بالتزكية خلال الصبر. وكما يقول القدّيس بطرس: "لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1بط 1: 7)، ومعلمنا يعقوب: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة" (يع 1: 12).
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:
[فإنه حتى في الضيقات الحاضرة تعطينا (نعمة الله) القدرة على تلألؤ ملامحنا، وتجعلنا بالأكثر مستحقّين لمكافأتنا...
الآن، لنتأمل عظمة الأمور المقبلة، فإنه حتى بالنسبة للأمور المسبّبة الحزن نفرح. عظيمة هي عطيّة الله، ليس فيها شيء كريه، لأنه في الخيرات الخارجية يسبّب الجهاد من أجلها تعبًا وألمًا وضيقًا كمرافق لها، لكن الأكاليل والمكافآت تردّ البهجة معها. أمّا هنا فالحال مختلف، لأن نكهة الضيقات فيها بالنسبة لنا لا تقل عن نكهة المكافآت. ففي هذه الأيام توجد تجارب ثانوية، لكن يوجد رجاء في الملكوت؛ يحل الرعب الآن لكن يوجد توقع للخيرات... أنه يعطي جزاء هنا قبل نوال الأكاليل بالقول أنه يجب أن "نتمجد (نفتخر) بالضيقات"... مقدمًا نفسه مثلاً لهم لتشجيعهم... يتمجّدون فيها ليس فقط من أجل الأمور المقبلة، وإنما أيضًا من أجل الحاضر، فإن الضيقات صالحة في ذاتها، كيف هذا؟ لأن الضيقات تعطينا مسحة "الصبر"، لذلك بعد قوله أننا نتمجّد بالضيقات قدّم السبب هكذا: "عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا"...
"والصبر تزكية، والتزكية رجاء". فالضيقات التي هي (بالطبيعة) بعيدة عن الرجاء تصير تزكية للرجاء ومؤكدة له. فإنه قبل نوال الأمور المقبلة ينشئ الضيق ثمرًا عظيمًا جدًا هو "الصبر"، فيجعل من الإنسان المُجرٌب صاحب خبرة؛ وفي نفس الوقت يساهم إلى درجة ما في الأمور المقبلة، إذ يهب رجاءً ملتهبًا فينا، فإنه ليس شيء يجعل الإنسان يميل إلى الرجاء في البركات مثل الضمير الصالح... نعم يهب رجاءً، لكنه ليس رجاءً بشريًا غالبًا ما يزول، ويُخزى من يتوقعه... لا، فإن نصيبنا ليس هكذا، إنما رجاؤنا أكيد وثابت، لأن مقدم الوعد حيّ إلى الأبد، ونحن الذين نتمتع به، وإن كنّا نموت لكنّنا سنقوم ثانيًا، فلا يخزى رجاؤنا.]
يشعر القدّيسون ببركة الضيق في هذا العالم، إذ يمجّدهم داخليًا في عيني الله، لكي يتجلّى هذا المجد بالأكثر في الحياة العتيدة، لذلك يقول القدّيس جيروم: [لا يطلب القدّيس الراحة بل الضيق.]
إن رجعنا إلى كلمات القدّيس يوحنا الذهبي الفم نلاحظ نظرته الإنجيليّة العجيبة لتعبير "الصبر"، فإنه لا يتطلّع إليه كجهادٍ بشريٍ مجرّد أو قُدرة إنسانية على احتمال الضيق، وإنما يراه "مكافأة"... كيف يكون هذا؟ لأن "الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب 12: 2-3). مرة أخرى يقول الرسول: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبّة الله وإلي صبر المسيح" (2 تس 3: 5). إذًا فالصبر هو عطيّة إلهية، أو هو شركة في "صبر المسيح" تعطي عذوبة للنفس وسط الآلام، أو قل مجدًا خفيًا وسط الضيقات. هذا ما أكّده القدّيس يوحنا الحبيب بقوله: "شريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤ 1: 9).
إذن الضيق ينشىء صبرًا، هو شركة في صبر المسيح!
رابعًا: عطيّة الروح واهب الحب
إن كان السيد المسيح يُعلن برّه فينا برفعنا داخليًا فوق الآلام وجعلها مصدر مجد حتى في هذا الزمان الحاضر، لنحتمل الضيقات بصبر المسيح على رجاء المجد الأبدي، فإنه من جانب آخر يهبنا بروحه القدوس "محبة الله" منسكبة في قلوبنا لكي تسندنا فلا يخزى رجاؤنا. بمعنى آخر صبرنا في التجارب واحتمالنا للألم لا يقف عند قوّة عزيمتنا أو إمكانيّاتنا البشريّة، إنما على عمل الله فينا، إذ يسكب حُبّه بفيض على المجاهدين روحيًا لأجل اسمه وبقوّة نعمته.
يقول الرسول: "والرجاء لا يخزى لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" [5]. سرّ القوّة في الضيق، وانفتاح الرجاء في قلوبنا عطيّة الروح القدس الساكن فينا، إذ يهبنا محبّة الله غير المتغيّرة بفيض، قائلاً: "انسكبت" وكأنها تُعطى بلا حساب كمن تنسكب من السماء لتملأ القلب.
+ لم يقل الرسول "قد أعطيت" بل قال: "انسكبت في قلوبنا" ليظهر فيضها.
هذه العطيّة هي العظمى، فإنه لم يهبنا السماء ولا الأرض ولا البحر، إنما ما هو أثمن من هذه كله، جعلنا نحن البشر ملائكة، نعم بل أبناء الله وإخوة المسيح. لكن ما هي هذه العطية؟ الروح القدس!
لو لم يكن يريد أن يقدّم لنا أكاليل عظيمة على جهادنا لما وهبنا مثل هذه العطايا القادرة أن تسندنا في جهادنا. هنا يُعلن دفء محبته التي يكرمنا بها لا تدريجيًا ولا شيئًا فشيئًا، وإنما يسكبها بفيض بكونها ينبوع بركاته، وذلك قبل صراعنا.
هكذا وإن كنت لست مستحقًا بالمرة، لكنه لم يزدرِ بكَ، بل وهبكَ حب ديّانك كمعين قدير يسندك، لهذا يقول الرسول: "والرجاء لا يخزي"، ناسبًا كل شيء لمحبّة الله وليس لأعمالنا الذاتية الصالحة.
بعدما أشار إلى عطيّة الروح القدس عاد ليتحدّث ثانية عن الصليب.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ كأنه يقول أن محبّة الله قد انسكب في قلوبنا بالروح القدس الساكن فينا...
سامية هي فضيلة الحب المبجّلة، إذ يُعلن الرسول الطوباوي يوحنا أنها ليست فقط تُنسب لله بل هي الله: "الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه" (1يو 4: 16) .
الأب يوسف
+ بهذا (القول الرسولي) نفهم أن الروح القدس ليس عملاً وإنما هو المدبر وينبوع الحب الإلهي الفائض.
القدّيس أمبروسيوس
+ كما أن جسدك إن صار بلا روح، أي بدون نفسك يكون ميتًا، هكذا نفسك بدون الروح القدس، أي بدون المحبّة، تُحسب ميّتة.
+ إن كان حب الله المنسكب في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا يجعل النفوس الكثيرة نفسًا واحدة، والقلوب الكثيرة قلبًا واحدًا، فكم بالأحرى يكون الآب والابن والروح القدس الله الواحد، النور الواحد، والبدء الواحد؟
+ إذ نكون أعضاء تربطنا الوحدة معًا؛ ما الذي يقيم هذه الوحدة إلا الحب الذي يربطنا معا؟
+ ليكن لك حب فيكون لك الكل؛ وبدونه كل ما يمكن أن يكون لك لا ينفعك شيئًا. إنما ما يجب أن تعرفه هو أن الحب الذي نتكلم عنه يُشير إلى الروح القدس. اسمع ما يقوله الرسول: "محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا".
القدّيس أغسطينوس
+ [عن عمل الروح القدس في قلوب الشهداء بسكب حب الله فيهم.]
لقد جعلهم شهداءه بالروح القدس الفعُال فيهم، إذ يجعلهم يحتملون أتعاب الاضطهادات من كل نوع، ويصيرون متلألئين بالنار الإلهية، فلا يفقدون دفء محبتهم للكرازة.
القدّيس أغسطينوس
+ إنه يقول: "محبّة الله المنسكبة في قلوبكم"؛ ولكي لا يظن أحد أن محبّة الله هي من عندياته يضيف: "بالروح القدس المُعطى لنا". لذلك لكي تحب الله دعْ الله يسكن فيك، فيكون "الحب" ذاته فيك، بمعنى أن محبته تحركك وتلهبك وتنيرك.
+ لا تتقبل الملائكة ولا البشر الحكمة إلا بالشركة في هذه الحكمة التي نتّحد بها بالروح القدس الذي يسكب الحب في قلوبنا.
القدّيس أغسطينوس
+ [الحب الإلهي المنسكب في قلوبنا بالروح القدس يهبنا لا قدرة على تحقيق الوصايا الناموسية فحسب وإنما لذّة في تحقيق الوصايا الإنجيليّة التي تبدو صعبة ومستحيلة:]
"لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس" (رو 5: 5).
بهذا يُنزع عنّا كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب (المؤمن) في صنع ما هو ممنوع منه، أو يهمل فيما قد أُمر به. لكن إذ يكمل كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ولا يطلب حتى الأمور المسموح له بها.
فتحت الناموس يسمح بالزوجات الشرّعيات، وهذا فيه قمع للذّة والخلاعة مكتفيًا الإنسان بامرأة واحدة، لكنه لا يبطل بهذا وخزات الشهوة الجسدانيّة، ويصعب إطفاء النار المتقدة والتي تُمون بوقود دائم، حتى لا تخرج إلى الخارج... أمّا الذين تضرمهم نعمة المخلص بحب الطهارة المقدس، فإنهم يهلكون كل أشواك الشهوات الجسديّة بنار الحب الإلهي...
كذلك من يقنع عند حد دفع العشور والبكور... بالتأكيد يخطئ في طريقة التوزيع أو كميته... أمّا الذين لم يزدروا بنصيحة الرب بل تركوا كل ممتلكاتهم للفقراء، وحملوا صليبهم، وتبعوا مانح النعمة لا يكون للخطية سلطان عليهم، إذ لا يساورهم القلق من جهة طعامهم اليومي... فالشخص الذي يدفع العشور والبكور... يستحيل عليه أن يتخلص من سلطان الخطية، وأما الذي تبع نعمة المخلص، فإنه يتخلص من حب الامتلاك.
الأب ثيوناس
خامسًا: اختيار محبة الله بالصليب
إذ يتحدث الرسول عن "برّ المسيح" يربط عمل الأقنوم الثاني أي كلمة الله المتجسد (السيد المسيح) بعمل الأقنومين الأول والثالث، فخلال برّ المسيح يعمل الأب إذ يهبنا روحه القدوس (الأقنوم الثالث) ساكنًا فينا، يسكب الحب الإلهي في أعماقنا. بمعنى آخر "الإنسان" هو موضوع لذّة الله الواحد المثلّث الأقانيم، يعمل فيه بلا انقطاع ليبلغ به إلى أمجاده كابن وحبيب وصديق نحيا معه أبديًا.
هكذا يعمل الثالوث القدوس فينا فيسكب حب الله في قلوبنا، الذي تجلّى في كمال أعماقه خلال عمل المسيح الخلاصي، إذ يقول الرسول:
"لأن المسيح إذ كنّا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفُجّار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربّما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت، فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب. لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه، فبالأولي كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته. وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به المصالحة" [6-11].
هذا هو ما يعلنه الروح القدس فينا: محبّة الله الفائقة لمصالحتنا خلال الصليب؛ ويلاحظ في هذا الإعلان الآتي:
أ. يسمى الرسول هذا الإعلان "سكب محبّة الله في قلوبنا". يوجد فارق بين المعرفة الفكرية للصليب التي يمكن أن نتمتّع بها خلال دراسة الكتاب المقدس، خاصة خلال شهادة الناموس والنبوّات التي مهدت أفكارنا لإدراك سرّ الفداء، أو سرّ محبّة الله بالصليب، وبين معرفة الخبرة التي يهبها الروح لأعماقنا في الداخل، حيث ينطلق بالنفس إلى الصليب لتلتقي بعريسها المصلوب، وتدرك حُبّه لها شخصيًا، فتلتهب بنيران المحبّة الحقيقية، وتشتهي أن ترد الحب بالحب.
ب. هذه المحبّة التي يسكبها الروح فينا ليست بجديدة بالنسبة لله، فهي في تدبيره الأزلي، لكنه حقّقها في الوقت المناسب لخلاصنا، أو "في الوقت المعيّن"، أو في "ملء الزمان"، إذ قيل: "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي" (غل 4: 4-5).
ج. قدّم الله هذا الحب من أجلنا، وقد دعانا "ضعفاء"، "الفُجّار"، فمن جهة كنّا ضعفاء مغلوبين بالخطيّة ساقطين تحت سلطان عبوديّتها. وفي نفس الوقت دعانا "فُجّارا" إذ لم نستسلم لها عن ضعف فحسب وإنما التهبت فينا، فصرنا نمارسها بعنف بكمال حريتنا، عن معرفة أيضًا وفي تهوّر.
كخطاة نشعر أننا ضعفاء في حاجة إلى طبيب يعالج ضعفنا، واهبًا إيّانا القوّة عِوض الضعف؛ وفُجّار نحتاج إلى القدوس يهبنا الاتحاد معه لينزع فسادنا وتجبُّرنا ممارسين قداسته فينا.
د. أراد إظهار عظمة محبّة الله لنا، إذ قدّم السيد المسيح حياته لنا ونحن ضعفاء وفُجّار، فبحسب المنطق البشري بالجهد أو بالكاد يمكن لأحد أن يموت عن بار، وربما يجسر أحد ويخاطر بحياته من أجل صالح، أما أن يموت أحد عن فاجرٍ شريرٍ، فهذا يبدو مستحيلاً!
ما الفارق بين البارّ والصالح؟ جاء في كتب ربانيي اليهود أن البارّ هو من يقول لجاره كل ما هو لي فهو لي وكل ما هو لك فهو لك، وأن الصالح يقول لجاره كل ما هو لك فهو لك وكل ما هو لي فهو لك. بمعنى آخر البارّ يسلك بالعدل، فيعطي كل إنسان حقّه، متمسكًا بحقّه هو أيضًا، أمّا الصالح فيسلك بالحب يودّ أن يعطي ماله للآخرين. أمّا في مفهومنا المسيحي فالبار هو من يحمل برّ المسيح فيه، والصالح هو من يحمل صلاح المسيح فيه؛ وكأن البرّ والصلاح في حياتنا هما تجلّي سمتا المسيح في حياتنا.
لم يمت السيد المسيح من أجل صالحين وأبرار، وإنما من أجل الخطاة المقاومين له، الذي حملوا له العداوة.
+ إن كان من أجل إنسانٍ فاضلٍ لا يسرع أحد بالموت عنه، فتأمل محبّة سيّدك إذ صُلب لا من أجل أناس فضلاء، بل من أجل خطاة وأعداء.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ أحبّنا ونحن نمارس العداوة ضده، ونرتكب الإثم، ومع ذلك فبحق كامل قيل: "يا رب أبغضت جميع فاعلي الإثم" (مز 5: 5). بهذا فإنه لأمر عجيب وإلهي أنه حتى حيث يبغضنا يحبنا، إذ هو يبغض فينا ما لم يخلقنا عليه... يبغض ما لم يصنعه فينا، ويحب ما خلقه فينا (يبغض الشرّ ويحب النفس مشتاقًا إلى خلاصها).
القدّيس أغسطينوس
هـ. إذ يحدثنا الرسول عن " برّ المسيح " الذي تُعلن مكافأته بكمالها في الحياة العتيدة الأبدية، يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول أراد في هذا الأصحاح تأكيد التمتع بالوعود الإلهية الخاصة بالمجد الأبدي، وذلك بالبراهين التالية:
* الإيمان بالله الذي وعد، أنه قادر أن يحقق وعده [1].
* النعمة التي وهبت لنا ونحن مقيمون فيها فعلاً [2].
* الضيقات التي تقدم لنا رجاء [3- 4].
* عطية الروح القدس الذي نلناه، يسكب حبًا في قلوبنا [5].
* أخيرًا موت المسيح بطريقة مملوءة حُبا، فقد مات، ومات من أجل الخطاة لا الأبرار، مات ليصالحنا ويخلصنا ويبررنا فيجعلنا خالدين وأبناء وورثة، دون حاجة إلي أن يموت مرة أخري.
هكذا ينتقل بنا الرسول من برهان إلي آخر، تارة خلال إيماننا بالله الذي وهبنا سلامًا معه فصرنا قريبين إليه، وأخري خلال نعمته العملية التي نقيم فيها فتفتح بصيرتنا للرجاء في السماويات، وثالثة خلال عمله معنا وسط الضيق، فيحوله إلي مجد نتذوق عربونه، ورابعًا خلال روحه القدوس الساكن فينا يعلن حب الله بلا حدود، وأخيرًا خلال التأمل في جراحات الرب وصلبه! هذه البراهين كلها تدفعنا نحو الثقة الكاملة في مواعيده الإلهية للتمتع بشركة أمجاده.
و. لا يقف الأمر عند اليقين بنوال الأمجاد الأبدية، إنما يقول الرسول: وليس ذلك فقط بل نفتخر (نفرح) أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة" [11]، ماذا يعنى هذا؟
يري القديس يوحنا الذهبي الفم أننا ليس فقط ننعم ببركات الخلاص هنا ونترجى الأمجاد الأبدية إنما يصير الله نفسه مجدنا وفخرنا وفرحنا. تعامل معنا كصديق مع أصدقائه، وحبيب مع محبوبيه، فنفرح به أكثر من الملكوت (لو أن الملكوت أمر غير الله)، نريد شخص الله ذاته. بمعنى آخر نلنا المصالحة لا لننعم بشيء إنما ما هو أعظم أننا صرنا أحباء الله، ليس فقط نقف بجوار مجده كالقوات السمائية المُحبة له، إنما نحمله ساكنًا فينا جالسًا علي العرش!
ز. إذ يتأمل القديس كبريانوس في محبة الله هذه كما وردت في هذه العبارات الرسولية، يقول: [إذ نتأمل محبته ورحمته يليق بنا ألا نكون قساة ولا عنيفين ولا صارمين في تبكيت الأخوة بل نحزن مع الحزانى، ونبكي مع الباكين، ونرفعهم قدر ما نستطيع خلال عون وتعزية حبنا لهم، فلا نكون قساة جدًا ومتشبسين معهم نصدهم في توبتهم كما لا نكون متراخين جدًا ومتساهلين بتهور في قبول الشركة.]
2. آدم وبنوه تحت الموت
حديث الرسول بولس عن البنوة الجسدية لإبراهيم نقلنا إلي حاجة إبراهيم نفسه إلي برّ المسيح خلال الإيمان، موضحًا ثمر برّ المسيح في حياة المؤمن. والآن يوضح الرسول خضوع كل بنى آدم، بما فيهم إبراهيم طبعًا، للموت، لكي يعلن حاجة الكل إلي نعمة المسيح وبره، إذ يقول:
"من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس إذ أخطأ الجميع. فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم، على أن الخطية لا تحسب، إذ لم يكن ناموس. لكن قد ملك الموت من آدم إلي موسى، وذلك علي الذين لم يخطئوا علي شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي " [12-14].
في هذا الحديث أوضح الرسول الآتي:
أولاً: فضح علة دخول الموت إلي البشرية وسلطانه عليها لكي يبرز بعد ذلك قوة تبريرنا بالسيد المسيح غالب الموت. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما يبذل أفضل الأطباء كل الجهد لاكتشاف مصدر الأمراض ويبلغون أصل الداء عينه هكذا فعل الطوباوي بولس أيضًا، فعندما قال أننا قد تبررنا، مؤكدًا ذلك خلال البطريرك (إبراهيم)، والروح (القدس)، وموت المسيح (لأنه ما كان ليموت إلا ليبرر)، أخذ بعد ذلك يؤكد ما سبق أن أوضحه بإسهاب خلال مصادر أخرى، محققًا هدفه ببرهان آخر مضاد، أي الموت والخطية.]
كأن الرسول يسأل: متى دخل الموت؟ وكيف غلب؟، فيجيب: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ أخطأ الجميع" [12]. لقد أظهر أن الخطية بدأت بالإنسان الأول، وتملّك الموت غالبًا إياه، وقد صار الكل مخطئين وإن لم يسقطوا في ذات المعصية. صارت الخطية منتشرة في الطبيعة البشرية لكنها غير مُكتشفة حتى جاء الناموس، فظهرت بعصيان الإنسان لوصايا معينة: "فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس" [13].
دبت بذار الموت مع الخطية منذ آدم، لكن الموت لم يكن ثمرة عصيان للناموس بل ثمرة عصيان أبينا آدم. ملك الموت علي الذين لم يخطئوا بعصيان الناموس إنما خلال شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي [14].
+ في آدم سقطت أنا، وفيه طُردت من الفردوس، وفيه مت، فكيف يردني الرب إلا بأن يجدني في آدم مذنباً، إذ كنت هكذا، أما الآن ففي المسيح أتبرر أنا.
القديس أمبروسيوس
+ لذلك يقول: " افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33).
هذا قاله كمصارع لائق ليس بكونه الله فحسب، وإنما بإظهار جسدنا (الذي التحف به) كغالبٍ للألم والموت والفساد.
لقد دخلت الخطية إلي العالم بالجسد، وملك الموت بالخطية علي جميع الناس، لكن دينت الخطية بذات الجسد في شبه (شبه جسد الخطية)، فقد غُلبت الخطية، وطرد الموت من سلطانه، ونُزع الفساد بدفن الجسد وظهور بكر القيامة، وبدأ أساس البرّ في العالم بالإيمان، والكرازة بملكوت المسوات بين البشر، وقيام الصداقة بين الله والناس.
القديس غريغوريوس صانع العجائب
+ حتى الأطفال الذين لا يخطئون في حياتهم الشخصية إنما حسب الجنس البشري العالم يكسرون عهد الله، إذ أخطأ الكل في واحد.
القديس أغسطينوس
ثانيا: يري القديس إيريناؤس أنه بالخطية "ملك الموت من آدم إلي موسى" [14]، أما وقد جاء الناموس في العصر الموسوي، انفضحت الخطية، وظهرت أنها خاطئة، وأُعلن أن الموت ليس ملكًا حقيقيًا إنما هو مُغتصب ومجرم يمثل ثقلاً علي الإنسان.
ثالثا: ماذا يقصد بعبارة "آدم الذي هو مثال الآتي" [14]؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كما بواحدٍ صار الحكم علي الكل بواحدٍ أيضًا صار البرّ لكل المؤمنين. كما سقط الكل تحت الموت مع أنهم لم يأكلوا مع آدم من الشجرة، هكذا قُدم الخلاص للعالم دون فضل من جانبهم، إنما يرجع الفضل لبرّ المسيح الذي يهبه خلال شجرة الصليب.
يؤكد القديس الذهبي الفم أنه لا يفهم من هذا أن الخطية والنعمة متساويان، ولا الموت والحياة عديلان، لأن الشيطان والله ليسا متساويين.
رابعا: إن كان الموت قد ملك علي البشرية بسبب آدم، فقد جاء كلمة الله متجسدًا كآدم الثاني لينزع عن الإنسان هذا السلطان القاتل:
+ من آدم إلي موسى ملك الموت، لكن حضور الكلمة حطّم الموت (2 تي 1: 10). لم يعد بعد في آدم يموت جميعنا (1كو 15: 22)، إنما صرنا في المسيح نحيا جميعنا.
القديس البابا أثناسيوس
+ منذ القديم: "تسلط الموت من آدم إلي موسى"، أما الآن فالصوت الإلهي يقول: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 43). إذ يشعر القديس بهذه النعمة يقول: "لولا ان الرب كان معي لهلكت نفسي في الهاوية"(مز 94: 17) .
القديس البابا أثناسيوس
+ إذ أخطأ الإنسان وسقط صار كل شيء في ارتباك بسقوطه، وتسلط الموت من آدم إلي موسى، ولعنت الأرض، وانفتح الجحيم، وأُغلق الفردوس، وتكدرت السماء، وأخيرًا فسد الإنسان وتوّحش (مز 49: 12) بينما تعظم الشيطان ضدنا. لذلك فإن الله في حبه الحاني لم يرد للإنسان الذي خُلق علي صورته أن يُهلك، فقال: "من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟" (إش 6: 8). وإذ صمت الكل قال الابن: "هأنذا أرسلنى"، عندئذ قيل له: "اذهب" وسُلم إليه الإنسان، حتى إذ صار الكلمة جسدًا، فبأخذه الجسد أصلح الإنسان بكليته. لقد أُسلم إليه الإنسان كما إلي طبيب ليشفيه من لدغة الحية، فيهبه الحياة، ويقيمه من الموت، ويضئ عليه، وينير الظلمة. إذ صار جسدًا جدّد الطبيعة العاقلة وردّ كل الأشياء إلي الصلاح والكمال.
القديس البابا أثناسيوس
3. آدم الثاني والنعمة
إذ عرض لآثار الخطية الأولى التي ارتكبها آدم الأول، فملك الموت علي الكل، حتى على الذين هم بلا ناموس مكتوب حيث لا يوجد عصيان ضد وصية معينة معلنة، يعود فيعرض لآثار النعمة الإلهية التي يقدمها آدم الثاني ليخلص العالم من موت الخطية ويهب المؤمنين الحياة الأبدية، مظهرًا الفارق بين فاعلية الخطية وفاعلية النعمة.
"ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة، لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولي كثيرًا نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين" [15].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما يقوله هو هكذا: إن كان للخطية آثارها البعيدة المدى هكذا وهي خطية إنسان واحد، فكم بالأولى تكون النعمة، نعمة الله، التي هي نعمة الآب والابن أيضًا يكون لها فيض؟ ربما معاقبة إنسان من أجل خطأ ارتكبه آخر يبدو غير مقبول، لكن ما هو أكثر قبولاً ومنطقيًا أن يخلص إنسان بسبب آخر.]
"وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية، لأن الحكم من واحد للدينونة، وأما الهبة فمن جري خطايا للتبرير" [16].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[للخطية قوتها إذ تجلب الموت والدينونة، وأما النعمة فلا تبرر خطية واحدة فحسب إنما الخطايا التي تبعتها أيضًا. ولئلا يُفهم من الكلمتين "كما"، "هكذا" تساوى البركات مع الشرور، ولئلا عند سماعك "آدم" تظن أن الخطية التي ارتكبها آدم هي وحدها التي تُغفر، لذلك يقول: من جري خطايا كثيرة للتبرير فقد تحقق التبرير بعد ارتكاب خطايا بلا حصر بعد الخطية التي أُرتكبت في الفردوس.
حيث يوجد البّر تتبعه بالضرورة الحياة بكل وسيلة، ويرافقه بركات بلا حصر، وذلك كما أنه حيث توجد الخطية يحدث الموت. البرّ هو أكثر من الحياة، وهو أصل الحياة
سبق فقال أنه إن كان بخطية واحد مات الكل فبالأولي نعمة الواحد لها سلطان أن تخلص عاد فأوضح أن النعمة ليست فقط تنزع الخطايا وإنما تهب البرّ. فالمسيح لم يقدم خيرًا بقدر ما جلب آدم من أضرار، وإنما أكثر جدًا بما لا يُقاس.]
إن كنا قد ورثنا عن آدم عصيانه، إنما حملنا هذه الطبيعة فينا، لذا جاء السيد المسيح بنعمته يقدم لنا "طاعته" لنحياها، فنحمل طاعة المسيح فينا، لا كفضيلة خارجية وإنما كطبيعة تمس كياننا، إذ يقول الرسول: "لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا" [19]. هذه الطبيعة المتبررة الجديدة، طبيعة الطاعة للآب بابنه، تحمل انعكاسا علي كل تصرفاتنا فنشتهي الطاعة لو أمكن للجميع، وكما يقول القديس إمبروسيوس: [إذ كان هو مطيعًا، ليتهم يقبلون تدبير الطاعة، الأمر الذي نلتصق به، قائلين للذين يثيرون الشر ضدنا من جهة الإمبراطور: "نحن نعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". نقدم الجزية لقيصر ولا ننكرها، وننتمي للكنيسة التي لا تخص قيصر، فإن هيكل الله لا يمكن أن يكون من حق قيصر.]
عاد ليؤكد مرة أخري أنه لا وجه للمقارنة بين الضرر الذي أصابنا من الخطية مهما بلغ بالنسبة للخير الذي ننعم به خلال برّ المسيح ونعمته، إذ يقول: "لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولي كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة، وعطية البرّ سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح" [17].
يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة موضحًا أن الرسول لم يقل هنا "النعمة" بل "فيض النعمة"، لأننا لم ننل بنعمته زوال الخطية فحسب وإنما نلنا ما هو أكثر:
أ . نلنا التحرر من العقاب.
ب . التحرر من الشر.
ج . الميلاد الجديد من فوق (يو 3: 3).
د. القيامة أو الحياة المقامة.
وهبنا الخلاص والتبني والتقديس، فصرنا إخوة للابن الوحيد الجنس، وشركاءه في الميراث، وحُسبنا جسدًا له وهو الرأس، وهكذا اتحدنا به.
هذا كله دعي الرسول بولس أن يقول: " فيض النعمة" مظهرًا إن ما نلناه ليس مجرد دواء لتضميد الجراحات وإنما للتمتع بالصحة والسلامة والكمال والكرامة والمجد، الأمور التي تفوق طبيعتنا. كل عطية من هذه كفيلة أن تنزع عنا الموت، أما كونه يهبنا هذا كله، فهذا يعنى أنه لم يعد للموت أدنى أثر أو ظل.
يقول القديس الذهبي الفم أننا في هذا نشبه إنسانًا مدينًا بعشر وزنات وإذ لم يكن له ما يوفي الدين سجن هو وزوجته وأولاده، فجاء آخر لا ليسدد الدين فحسب، وإنما ليهبه عشرة آلاف وزنة ذهبية، ويقوده من السجن إلي العرش، ويهبه سلطانًا عظيمًا، ويجعله شريكًا معه في الأمجاد العلوية وكل عظمة، حتى لم يعد بعد يذكر موضوع الدين. هكذا يدفع لنا السيد أكثر مما علينا، نعم قدر ما يتسع محيط بلا حدود مُقارنًا بحفرة صغيرة.
لقد غطت هبات الله علي موضوع الخطية والموت، فصار يشغلنا عظم فيض نعمته الخاصة بالحياة الأبدية.
يحدثنا القديس جيروم علي بركات فيض نعمة المسيح أو عمل إنجيله الذي يهدم موت الخطية، قائلاً: [أما تحت المسيح ـ أي تحت إنجيله ـ ففُتح لنا باب الفردوس وصار الموت مصحوبًا بالفرح لا بالغم.]
قدم لنا الرسول مقارنة بين أثر الخطية وأثر النعمة الإلهية لنجد أنفسنا وقد قدم لنا السيد المسيح فيض نعمته فلا نعود نخاف الخطية، ولا نرهب الموت كأثرٍ لها، بل ننشغل بالأمجاد التي أعدتها لنا نعمته الفائقة. عاد ليقارن بين الناموس والنعمة، قائلاً: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدًا، حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا" [20- 21].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن الناموس قد أُعطى بحق لكي ينقص العصيان ويتدمر لكن النتيجة جاءت عكسية، لا بسبب طبيعة الناموس وإنما بسبب إهمال الذين قبلوه. جاء يكشف المعصية ويدين العصاة متهمًا إياهم بالأكثر. لكننا لا نخاف، لأن الناموس لم يُوضع لكي تزداد عقوبتنا، وإنما لكي نتقبل النعمة التي ازدادت جدًا، إذ لم تقدم لنا إعفاءً من العقاب فحسب وإنما وهبتنا الحياة. صرنا أشبه بإنسان كان محمومًا فلم يُشف من مرضه فحسب، وإنما نال جمالاً وقوة وكرامة، كما نشبه إنسانًا جائعًا لم ينل غذاء ليقوته فحسب، وإنما تمتع بغنى عظيم وسلطان.
ربما يتساءل البعض: كيف كثرت الخطية بالناموس؟ لأنه قدم وصايا كثيرة بلا حصر وقد عُصيت، فازداد العصيان.
كشف الناموس أيضا أصل الموت والحياة، إذ أظهر أن الخطية تسلحت بالموت لتبيد البرّ، لكن النعمة حطمت سلاح الموت، ووهبتنا البرّ علي مستوي الحياة الأبدية الخالدة.
يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لازدياد الخطية بالناموس، إذ يقول:
[جاء الناموس لكي تكثر المعصية، لأن المنع جعل الشهوة تزداد، وصيرها عنيفة (رو 7: 7). وهكذا صارت المعصية التي لم تكن بدون الناموس رغم وجود الخطية (حتى قبل الناموس) "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ" (رو 5: 20). وهكذا زادت قوة الخطية، وذلك بالناموس، مع عدم مساعدة النعمة، والمنع من الخطية، لذلك يقول الرسول "وقوة الخطية هي الناموس" (1 كو 15: 56).
إذن لا عجب إن كان ضعف الإنسان يجعل من الناموس الصالح ما يزيد من الشر، مع أنه قد عهد إليه به لينفذ الناموس.
حقا إذ هم جاهلون ببرّ الله (رو 10: 3) الذي يهبه للضعفاء، ويريدون أن يقيموا برّهم الذاتي، الأمر الذي يتجنبه الضعفاء، صاروا غير خاضعين لبرّ الله وفاسدين ومتكبرين. لكن الناموس كمعلمٍ يقود الذين صاروا مجرمين إلي النعمة، طالبين "الطبيب" لأن بهم جراحات خطيرة، فيعطيهم الرب عذوبة في عمل الخير عوض لذة الشهوة المهلكة، حتى تكون لهم بالعفة بهجة أعظم، وتعطى أرضهم ثمرها (مز 135: 12) الذي منه يقتات الجندي (الروح) الذي يهزم الخطية بمساعدة الرب.]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الخامس
آية (1):- "1فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
فَإِذْ = إذاً هذه الآية عائدة علي ما قبلها. وآخر آية في الإصحاح السابق كان عن أننا تبررنا. تَبَرَّرْنَا = (راجع المقدمة). بِالإِيمَانِ = هذا هو المدخل. لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ = هناك سلام من الله وهو سلام داخلي يفوق كل عقل. (في7:4). ولكن السلام مع الله فهذا يعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة إلي حالة البنوة والصداقة والحب. نختفي في المسيح لنحسب أبراراً فيه ومصالحين وهذا يعني المصالحة مع الله "الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو19:5) صرنا نحيا كأبناء في سلام حقيقي مع الآب. مثال:- زوجة خائنة طردها زوجها وصارت في الشارع، بل سلمها للقضاء لتأديبها (هذا كان حالنا قبل المسيح) وبرأتها المحكمة (هذه تساوي أُسْلِمَ لأجل خطايانا 25:4). ولكنها مازالت مشردة. فإذا أعادها زوجها لبيتها وأولادها ومركزها السابق لعاشت في سلام مع عائلتها (= سلام مع الله) وكان هذا عن طريق قيامة المسيح (أقيم لأجل تبريرنا). فبالقيامة إتحدنا بالمسيح. وصرنا أبناء لله. بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ = كل ما حصلنا عليه كان بفداء المسيح. فإن كان المسيح قد فعل كل هذا وإذا كنا قد آمنا، فلماذا يوجد البعض في حالة خصام مع الله، لماذا لم يثبت الكل في هذا البر وهذا السلام؟ الإجابة ببساطة أن الإيمان هو المدخل لكن بعد الإيمان هناك جهاد مطلوب. جهاد سلبي بأن لا نعود لحياتنا السابقة ولخطايانا القديمة. وجهاد إيجابي في صلوات وأصوام. لنحافظ علي حالة السلام.
آية (2):- "2الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. "
الزمن لم يعد مرعباً. فالماضي.. نحن نذكر موت المسيح عنّا. والحاضر… نحن في سلام. والمستقبل.. نحن نحيا على رجاء مجد الله. وبواسطة الإيمان حملنا المسيح وأدخلنا إلي حالة النِّعْمَةِ = أتحاد مع المسيح/ حلول الروح القدس/ مجد معد في المستقبل ومجد غير مرئي الآن/ سلام مع الله أي صرنا من أهل بيت الله (الكنيسة).
الدُّخُولُ إِلَى = تعني أننا لم نكن في هذه الحالة قبل الإيمان وذلك أننا قد ولدنا بالطبيعة أبناء للغضب (أف3:2). والمسيح نقلنا من حالة الغضب والمعصية التي ولدنا فيها إلي النعمة التي صرنا إليها.
مُقِيمُونَ = تعني إستمرارية هذه النعمة هنا وفي السماء، هي حق مكتسب في هذه الحياة وللأبد، لقد أصبحنا أولاد الله ولن يطردني من هذه البنوة سوي تركي أنا لبيت أبي. هي حق لن يستطيع أحد أن ينزعه مني، لا الموت ولا الشيطان، بل أن الموت سيؤكد هذه النعمة إذ سنشترك في المجد الإلهي.
وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ = هذه الحالة التي نقيم فيها الآن والتي هي موضع فخر للمؤمنين، لأننا ننتظر علي أساسها ونرجو ما سوف يهبه الله من مجد للمؤمنين فيما بعد. وبهذا ينتهي التبرير والتقديس للتمجيد.
الآيات (3-5):- "3وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، 4وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، 5وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا. "
بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيقَاتِ = لاحظ أنه كان يتكلم علي المجد، لكن قبل أن نتصور أننا وصلنا المجد، نجده يذكرنا بأننا مازلنا علي أرض الشقاء (كانت خيمة الاجتماع وهي رمز للكنيسة علي الأرض، حوائطها وسقفها في منتهى الجمال، ولكن أرضيتها تراب. وهذا يعني أننا ونحن في الكنيسة الآن حينما نتأمل السماء نفرح بجمالها، ولكننا نعود نذكر أننا مازلنا علي الأرض بآلامها، ولكن التأمل في السماء يعطي فرحاً وتعزيات، أما السماء فيمثلها الهيكل وأرضياته من ذهب، فلا ألم في السماء). والمعني أنه لابد أن تكون هناك ألام ونحن علي الأرض. ولكن لماذا نفتخر في الآلام؟ هب أن الله أعطاني موهبة ما، وبها فرحت، فأنا لابد وسأشكر الله علي محبته. والضيقة والألم هما أيضاً علامات حب الله لي فمن يحبه الرب يؤدبه (عب6:12). وهذا التأديب هو لإعدادي للسماء، لذلك نفتخر بالضيقات فهي علامة حب ولنفهم أن الله صانع خيرات، لا يمكن أن يسمح إلا بما هو خير. إذاً فالضيق خير حتى لو لم نفهم الآن لكننا سنفهم فيما بعد (يو7:13) مثل إبن فاشل أتي له أبوه بعصا للتأديب ونجح وصار رجلاً لامعاً مثل هذا الرجل سيظل يفتخر بهذه العصا العمر كله، فهي السبب فيما هو فيه من مجد. وبنفس المفهوم فأيوب الآن في السماء يذكر آلامه بكل فخر، فهي السبب في دخوله للمجد. لذلك علينا بالإيمان الآن أن نفتخر ونشكر الله علي الضيقات فهي طريق المجد، هي تنشئ ثقل مجد أبدي (2كو17:4) عموماً:- الله لا يسمح بأي شئ في حياتي إلا لو كان لازماً لخلاص نفسي (1كو21:3،22). لذلك فنحن نشكره كصانع خيرات. والضيقات بهذا المفهوم هي خير نشكره عليه.
عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا = الصبر هنا ليس هو بالتمرين ولا شجاعة إنسانية ولا هو برود أعصاب أو إنتظار لعوض مادي. بل هو عطية إلهية. فالله لا ينزع الضيقات، بل يعطينا أن نرتفع فوقها، الله يُغيِّر الفكر والقلب فنتقبل الضيقات، إذ نراها لازمة للخلاص، بل هي طريق الشركة مع المسيح المتألم، أما أولاد العالم فكثرة الضيق تضيع صبرهم. ولكن متي تأتي عطية الصبر وسط الضيق؟
1. عليَّ أن أفكر هكذا: إذا كنت أنت يا رب قد إحتملت كل هذا لأجلي فلأحتمل معك يا رب لنكون شركاء ألم، وشركاء الألم هم شركاء مجد (رو17:8). فلنكن كأم يتألم إبنها وتقول "يا ليتني كنت أنا بدلك" لذلك علينا في ضيقاتنا أن نتأمل في ألام المسيح ونقول يا ليتني كنت أنا.. وبهذا نحتمل الألم. فكلما زاد الحب يزداد إشتهاء الألم مع المسيح. وهذا ما دفع الشهداء للألم، وبعد أن إنتهى عصر الإستشهاد بدأ عصر الرهبنة حباً في مشاركة المسيح الألم. ولاحظ أن الله مازال يتضايق ويتألم بسبب خطايا البشر.
2. إذا فهمنا أن الله يستخدم الألم كأداة تطهير وإعداد للسماء سنفهم أن الألم هبة من الله كما قال بولس الرسول (في29:1). فالألم هو أداة خير، ولخلاص النفس وشركة مع المسيح المتألم في الألم وفي المجد.
3. عليَّ ألاّ تخرج كلمة تذمر من فمي، بل شكر دائم، فالألم علامة محبة من الله (عب6:12). عليَّ أن أصمت وأحتمل الألم دون كلمة تذمر واحدة. ومن يفعل تنسكب العطية الإلهية وهي الصبر في داخله كنعمة إلهية بالإضافة لإصلاح الفساد الداخلي، الذي سمح الله بسببه بهذا الألم.
مثال:- مريض محتاج لعملية جراحية، يجب أولاً أن يخدروه حتى تنجح العملية، أمّا لو أجروا له العملية وهو مستيقظ فلسوف تفشل العملية. هذا المريض هو أنا، فالله يريد أن يشفيني من مرض روحي، وذلك يكون بالألم الذي يسمح به الله، فإن صمت بدون تذمر (يكون هذا مثل من خدروه) ينجح العلاج. والعكس. وليس فقط الإمتناع عن التذمر بل الشكر وسط الضيقة. وهذا هو الإيمان بأن الله لا يسمح إلاّ بالخير.
4. إذا فهمنا كل هذا فلُنسَلِّم حياتنا لله، أي لا نعترض علي ما يسمح به وهنا تأتي نعمة الصبر.
يوحنا شريككم في الضيقة وفي ملكوت المسيح وصبره (رؤ9:1 + 2كو3:1-8) وردت كلمة التعزية 10مرات، وكلمة الضيقة والألم 10مرات بمعني أن الله يعطي العزاء وسط الضيقة وبقدر الضيقة. وهذا معني الآية شماله تحت رأسي (الضيقة) ويمينه تعانقني (التعزيات) (نش6:2 + مثال الثلاث فتية في أتون النار (سفر دانيال) فالله طريقته هي أن لا يخرجني من الضيقة، بل يأتي ليحمل الصليب معي وتكون هذه هي التعزية. وبهذا يعني الصبر الثبات والإحتمال.
ومن يري أولاد الله في تعزياتهم وسط الضيقات قد يقول أنهم غير متألمين. هذا كمن يطلب من شخص أن يحمل شخصاً آخر في الماء حينئذ سيقول لا أستطيع لأنه لا يفهم قانون الطفو. أما لو حاول فسيحمله بسهولة لأن الماء يحمل معه. وهكذا فمن يري أولاد الله وسط ضيقاتهم لا يفهم كيف يحتملون الألم، من أين هذا الصبر؟
والإجابة أن المسيح يحمل معهم، أو بالأحرى هو يحملهم. إذاً هو قوة غير مرئية للآخرين لكن يشعر بها المؤمن الذي يتألم لكن بشكر. وإذا أتت التجربة قد يخاف الإنسان، أو قد نخاف الآن أن تأتي علينا تجربة. ولكن هذا الشعور طبيعي. كشعور العطش إذا نقص الماء في الجسم، ولكن شعور العطش يدفعني للبحث عن الماء، فأحيا. وشعور الخوف يدفعني للإلتجاء لله ليحميني فأجد التعزيات. ولكن بدون الإلتجاء لله لن تأتي التعزيات. راجع(2كو5:12-10). الله دائماً يخرج من الجافي (الألم) حلاوة (التعزيات والصبر)، بل وإصلاح طبيعتي كإعداد لي لدخولي السماء.
وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً = التزكية هي نجاح المرء في امتحان وإجتيازه له بنجاح. وفي العالم من يجتاز إمتحاناً بنجاح يرتقي لدرجة أعلي، أي يزداد ويعلو في مستواه. وهكذا من يصبر علي الألم ينجح في إمتحانه، ويتخلص من شوائبه التي بسببها سمح الله بالتجربة، فالتزكية تعني التخلص من الشوائب، كتزكية الذهب بالنار. فمن يقابل الضيقات بثبات دون تذمر يعطيه الله الصبر والتعزيات، وإذا صبر علي آلامه يتزكي أي يتنقى ويرتفع بهذا مستواه الروحي. ويظل يرتفع بالضيقات حتى يشترك مع المسيح في مجده.
لذلك فأبناء الله يفهمون أن الخلاص من الضيقة ليس هو إنتهاء الضيقة بل إرتفاعهم فوقها، وبالتعزيات التي تملأهم يجتازون في الضيقة بكل ثقة أنها لخيرهم، ويرافقهم فيها تعزيات المسيح. بل أن من يتألمون بصبر ينالون أعظم الإختبارات هذه التي لا يختبرها الذين هم بلا تجربة. ولهذا دعيت الضيقات إمتحان، فهي كما يُمتَحن الذهب بالنار ليتنقي
وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً = مع الألم تزداد التعزيات ويزداد النقاء، ومن يتنقي يري الله (مت8:5) لذلك قال الأنبا بولا "من يهرب من الضيقة يهرب من الله". وبزيادة التعزيات، ومع النقاوة نستطيع أن نري الله أي نشعر بمحبته وأبوته (وهذه لا يختبرها غير المتألم). وبهذا يزداد الرجاء. لذلك يطالبنا معلمنا يعقوب بالفرح في التجارب (يع2:1،12). والتزكية ليست أساس الرجاء، بل هي رفيق له. وكلما إزدادت التزكية، أي كلما تنقي الإنسان إنفتحت عيناه وإزداد رجاؤه. وكلما تنقي الإنسان تزداد عطايا الروح فالإيمان والمحبة والرجاء يزدادوا. وهذا الرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ..= قد يسأل إنسان.. وكيف لنا أن نعرف أن الله مازال سخياً في عطاياه، أو ما الدليل أن الله سيدخلني السماء؟ نحن في داخلنا رجاء، فما الذي يؤكده؟ الإجابة هنا واضحة أن الرجاء لن يخزي إذا إمتلأ القلب محبة لله، بل أن الإنسان قد إكتشف محبة الله، "فنحن نحبه لأنه أحبنا أولاً" (1يو19:4). وهذا عمل الروح القدس، الذي يشهد للمسيح (يو14:16). ويعطيني أن أفهم مقدار حبه لي، ويعطيني أن امتلئ من حبه، فهو يسكب حبه سكيباً داخل القلب. فإذا وجدنا هذا الحب يملأ القلب فرجاؤنا لن يخزينا، لأنه من المؤكد أن لنا نصيب في السماء، فالمحبة لا تسقط أبداً (1كو8:13) وهذه المحبة تتحول إلي فرح يملأ القلب يطغي علي أي ألم، ويتحول الحب ليس فقط لله، بل لكل إنسان حتى أعداءنا، ويتحول لشهوة أن نقضي كل أيامنا وأوقاتنا مع الله، وفي طاعة وصاياه. والله يعطي هذه المحبة بفيض= إنسكبت= فهي محبة تلهب قلوبنا، محبة نارية لله. وهذه المحبة تعطي ثقة في وعوده، وهذا يزيد الرجاء. هذه المحبة هي التي دفعت الشهداء للإستشهاد حباً في المسيح. هذا الحب يعطينا لذة في تنفيذ الوصايا الصعبة وإحتمال الآلام، ولكن هذا هو معني قول السيد إحملوا نيري فهو خفيف، فالمسيح الذي نحبه يحمل كل الحمل عنا. هذه المحبة وهذا الرجاء عكس الإطمئنان الزائف الذي عند بعض الناس، الذين يقولون أننا سنخلص لأننا مسيحيين. فإنتمائي بالإسم للمسيح لا يكفي. والمحك… هل نحتمل الضيقة بصبر، هل القلب يستمر في محبته مع فقدان الخيرات المادية، هل نطيع الوصايا، هل لمحبتنا في المسيح نحن علي إستعداد لترك شرور وملذات العالم؟ مثل هؤلاء لا يتذوقون الحب الناري، بل هم من قال عنهم الكتاب أنهم مطمئنين علي غير سبب للاطمئنان (أش10:47،8 + دا 25:8). إذاً من لا يزال متمسكاً بشره، ليس له الحق في الإطمئنان.
لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا
1. الله محبة (1يو8:4) وهذه تعني أن المحبة هي جوهر الله وهو يشعها في كل مكان وفي كل إتجاه. ولكل الخليقة.
2. وقبل أن تكون هناك خليقة كان الآب يفيض هذا الحب للإبن لذلك نسمع في (أف6:1) أن الإبن هو "المحبوب".
3. والروح القدس هو روح المحبة، يحمل الحب من الآب للإبن.
4. بالتجسد والفداء، إتحد المسيح بنا وصار الروح القدس الذي يحمل المحبة من الآب للإبن، يحمل هذه المحبة لمن إتحدوا بالإبن وصاروا أبناء.
5. حين إنسكبت محبة الله في قلوبنا بالروح القدس. صرنا نحب الله كما عبَّر بولس الرسول عن ذلك في (رو35:8-39).
6. وعلامة هذا الحب حفظ الوصية (يو15:14-21).
7. المحبة في القلب تحوله من قلب حجري إلي قلب لحمي (حز19:11).
8. وبذلك فبدلاً من أن تكتب الوصايا علي ألواح حجرية كما في العهد القديم صارت تكتب علي القلوب بالحب (أر31:31-33). لذلك فمن يحب الله يحفظ وصاياه. وهذه تشبه زوجة تحب زوجها، هذه لا تحتاج لمن يقول لها وصية لا تزني (غل23:5) فهي لمحبتها لزوجها، لا يمكن أن تفكر في خيانة زوجها.
ونلاحظ عمل الثالوث معنا فالآب يعطينا الحب الأبوي "أبانا الذي في السموات" والإبن هو عريس نفوسنا وهو كأخ بكر وسط إخوته. إذاً الآب والإبن يعطياننا كل أنواع الحب التي تحتاجها النفس. أما الروح القدس فيعطينا أن نحب الله بشدة. وبهذا تكون أسوياء. فعلم النفس يقول أن الشخص لا يكون سوياً إلاّ بأن يُحِّب ويُحَّب. وهكذا نفهم كيف يحيا الراهب في وحدته.
تعليق:
الروح القدس يعطى:
1. أن نحب الله.
2. أن نشعر بمحبة الله لنا.
وبالنسبة للأولى قال بولس الرسول "من سيفصلنا عن محبة المسيح..." (رو35:8).
وبالنسبة للثانية قال بولس الرسول:
1. "محبة المسيح تحصرنا" (2كو14:5).
2. "ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخاً يا آبا الآب" (غل6:4).
ومن تبادل هذا الحب مع الله يقوى رجاءه أى أمله فى الخلاص وبالتأكيد فإن رجاءه هذا لا يخزى.
آية (6):- "6لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. "
في آية 5 رأينا الروح القدس يسكب محبة الله فينا. وهنا نري عمل الروح القدس كيف يسكب المحبة. فالروح القدس يفتح أعيننا فنري بشاعة خطايانا، وكلما شعرنا بها سنشعر بما قدمه لنا المسيح، الذي مات لأجل فجار ليغفر لهم ويجعلهم محبوبين لدي الله. ومن يغفر له أكثر يحب أكثر (لو47:7). فالروح القدس لا يقدم معرفة فكرية فقط، بل معرفة إختبارية، بها نختبر حب المسيح، فنحبه لأنه أحبنا أولاً. وطريقة الروح القدس هي الإقناع (أر7:20)، فهو يقنع المؤمن بأن المسيح أحبه بأنه يفتح عينيه علي خطيته، وعلي صليب المسيح الذي غفر به كل خطايانا فيلتهب القلب بمحبته ونشتهي أن نرد الحب بالحب.
لأَنَّ الْمَسِيحَ = تترجم وبالأكثر المسيح. إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ = عاجزين عن إنقاذ أنفسنا من الخطية التي لها سلطان ساحق علينا (كمثال لهذا… الشعب في مصر لا أمل لهم في النجاة من عبودية فرعون وأرسل الله لهم موسى، والعبودية لفرعون هي رمز للعبودية للشيطان). هكذا أرسل الله لنا المسيح في أرض عبوديتنا. مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ = أي في ملء الزمان حينما أتم الناموس مهمته، وحينما ظهر فشل اليهود في الإلتزام بالناموس. بل لاحظ أن الناس وصلوا في خطيتهم أن صاروا فجار. ومع هذا مات المسيح عنهم.
آية (7):- "7فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. "
تعريف يهودي:- البار= هو من يقول لصاحبه ما هو لي فهو لي وما هو لك فهو لك (أي يحكم بالحق). الصَّالِحِ = من يقول ما هو لي فهو لك، فهو بذلك قادر علي العطاء. التعريف المسيحي= البر هو بالمسيح والصلاح هو بحمل المسيح فينا. ومعني الآية أنه من الصعب وبالجهد يموت أحد لأجل صالح أو بار. ولكن المسيح بين محبته في أنه مات عنا ونحن خطاة فجار.
آية (8): "8وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. "
هل هناك حب أعظم من هذا أن يموت المسيح لإسترضاء الآب نحو هذا العالم والإنسان الخاطئ (1يو10:4).
آية (9):- "9فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! "
المعني لا تستصعبوا الخلاص الآن، فهو الآن أسهل بعد الصليب. فأيهما أسهل، خلاص روما التي كانت تقدم البشر للوحوش للتسلية، أم خلاصها الآن. وبنفس المفهوم فخلاصي أنا الآن أسهل. علينا ألا نصدق الشيطان الذي يوحي لنا بأن الخلاص صعب، فإذا كان الله حَوّل وحوش روما إلي قديسين فهل لا يحولني أنا الآن إلي قديس. لقد مات المسيح عن فجار لم يسمعوا عنه من قبل ليبررهم ويخلصهم، أفلا يبحث عن خلاصي أنا الآن.
نَخْلُصُ = الخلاص عند بولس عمل مستمر بدأ بالصليب ولا ينتهي، لذلك فهو يستعمل 3أفعال في صيغ الماضي والحاضر والمستقبل للتعبير عن الخلاص:-
1 الماضي:- لأننا بالرجاء خلصنا (رو24:8).
2 المضارع الدائم: بالنعمة أنتم مخلصون (أف5:2،8).
3 المستقبل:- هذه الآية + (رو13:10 + 1كو 5:3).
فعمل الخلاص بدأ بميلاد المسيح وينتهي بالمجيء الثاني. وخلاصي أنا بدأ بالمعمودية أو بالإيمان لمن يتعمد كبيراً وسيستمر حتى نلبس الجسد الممجد في السماء (رؤ10:12).
آية (10):- "10لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ! "
أنظر تفسير الآية (رو25:4). جاء المسيح ليصنع الصلح مع الله بأن أرضي الله بطاعته حتى الموت فصولحنا مع الله بموته، إذ بالمعمودية نموت معه وبدمه ستر خطايانا. ونحن أيضاً نخلص بحياته أي بقيامته من الأموات وصعوده للمجد مع أبيه. ونَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ تعني:-
1. أعطانا حياته التي أصبحت هي القوة لنا لنسلك في البر. وحياته هذه هي التي إنتصر بها علي الخطية وعلي الموت. صار يحيا فينا ونحن نمتلئ بنعمة حياته. وكلما نسلِّم أنفسنا للموت تظهر حياته فينا (عب24:7،25 + غل20:2 + في21:1 + 2كو11:4).
2. المسيح قائم أمام الآب ليشفع فينا، ليحملنا فيه إلي حضن الآب.
3. هذه الحياة هي حياة أبدية فالمسيح لن يموت ثانية، وبهذا فإن متنا بالجسد فسنقوم فحياته التي أعطانا إياها هي حياة أبدية (كبذرة تدفن في التربة لكنها بعد فترة تخرج كشجرة جميلة).
آية (11):- "11وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ. "
صار الله موضوع حبنا وفخرنا، نفرح به أكثر من فرحنا بالملكوت، نفرح بالله أكثر من عطاياه. ولكن لا يمكن لأحد أن يصل لهذا إلا لو إمتلأ قلبه حباً لله. وهذا يأتي:-
1. بالتأمل في محبته وفدائه لي أنا الخاطئ.
2. بالعشرة الطويلة معه لنعرفه.
3. بتنفيذ وصاياه.
4. بطلب الروح القدس ليملأني وبلجاجة.
آية (12):- "12مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. "
كَأَنَّمَا = يقولها بولس بتواضع إعلاناً منه بأنه غير فاهم تماماً لكل أثار الخطية، هو لا يري أمامه سوي إنتشار الخطية والموت (راجع الدراسة عن فكر بولس الرسول عن الخلاص في المقدمة)
نقول في القداس الباسيلي "يا الله العظيم الأبدي… الذي جبل الإنسان علي غير فساد" ونفهم من هذا أن الخطية غريبة عن الجنس البشري… ثم دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ بإنسان واحد هو آدم. وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ = لأن الخطية إنفصال عن الله. فلا شركة للنور مع الظلمة. ونحن ورثنا من آدم طبيعة منفتحة علي الخطية وعلي الشيطان أي صرنا نميل للخطية. صار إحتمال الخطية وارد ولكنه ليس حتمي، بدليل وجود شخصيات بارة كإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وأيوب، والله دعا إبراهيم وإسحق ويعقوب أحياء. ولكن آدم سلَّمنا طبيعة تعرف الخير والشر وتميل للشر، وليس لها قوة كبيرة علي مقاومته. ولاحظ قول بولس إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ = فالكل أخطأ ويموت بمسئوليته الشخصية والمعني الموجه لنا.. لا داعي أن نقول أن آدم هو السبب فيما حدث لنا من موت لأن الكل قد أخطأ. ونلاحظ أن الإنسان لم يرث طبيعة محتم عليها السقوط وإلا لما كان يدينه. ولذلك قال الله لقايين عن الخطية "إليك إشتياقها وأنت تسود عليها" (تك7:4). ونلاحظ أننا نموت لا بخطية آدم، بل بطبيعة آدم وبسبب خطايانا التي نصنعها بإرادتنا نحن. فنحن نخطئ بطبيعة آدم وبإرادتنا نحن. وبذلك صارت الخطية منتشرة في الطبع البشري. وفي آدم سقطت أنا ومُتْ. وكما أنه بخطية واحد دخل الموت للجميع هكذا ببر المسيح وفدائه صارت حياة لكل من يؤمن.
آية (13):- "13فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. "
قبل الناموس كانت الخطية موجودة وقاتلة، ولكن كان يمكن للإنسان أن يعتذر بأنه لا يعرف. ولكن بعد الناموس صارت الخطية تعدي، فصارت تميت:
[1] لكونها خطية. [2] أنها تعدي علي ناموس الله.
كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ = أي لا تحسب أنها تعدي، قبل الناموس كانت الخطية منتشرة لكنها غير معروفة أو محددة بناموس مكتوب وجاء الناموس ليحاصرها. ولكن حتى قبل الناموس كان الموت يسري علي الجميع بسبب خطية آدم وأخطاء الجميع. فالموت هو نتيجة طبيعية للخطية، ولكن بعد الناموس صارت العقوبة أكبر بسبب الخطية + التعدي، لهذا قيل عمن يرفض دعوة التلاميذ "ستكون لسدوم وعمورة حالاً أكثر إحتمالاً يوم الدين" (مت15:10). كمثال: ربما يأتي إبني بتصرفات خاطئة تنشئ غضباً ولكن إذا قلت له يوماً لا تفعل كذا ثم خالف سيكون الغضب أكثر جداً. أو السيجارة كانت خطأ (أن يحرق إنسان أمواله علي لا شئ)، ولكن الآن بعد أن عرف أن السجائر تسبب السرطان فصار من يدخن ليس فقط يحرق أمواله، بل أيضاً صحته، صار كمن ينتحر. وإكتشاف الطب لضرر السجائر مشابه لعمل الناموس الذي شخص الخطية وحددها.
آية (14):- "14لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي. "
قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ = لكونهم حاملين طبيعة قابلة للموت. مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وسيكون حساب هؤلاء بحسب ناموس الطبيعة (الضمير) الذي وضعه الله في كل إنسان. ولكن حتى لو وُجِدَ من لم يخطئ فهو أيضاً يموت بسبب طبيعته التي حملها من آدم. قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ = كان الناس يعيشون في مملكة إسمها مملكة الموت والقانون الذي يسود فيها هو الخطية. وجاء المسيح ليؤسس مملكة الحياة ويسودها قانون البر.
وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ = هذه تعني:-
1. أي علي كل البشر الذين لم يسقطوا في نفس خطية آدم.
2. بل حتى علي الأطفال الذين لم يعرفوا خطية، هؤلاء ماتوا بالرغم من أنهم لم يتعدوا علي شريعة الله كآدم.
3. تعني أن الناس صارت تخطئ نظراً لطبيعتها الخاطئة، ولأن الخطية صارت ساكنة فيهم (رو20:7) أما آدم فلم تكن الخطية ساكنة فيه قبل أن يسقط.
الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي: أي هو مثال ليسوع المسيح الذي سيأتي بالجسد:-
1. المسيح أخذ جسداً كآدم.
2. آدم صار رأساً للبشرية والمسيح صار رأساً للكنيسة.
3. كان آدم مثالاً للمسيح إذ قضي فترة من عمره بلا خطية، لم تكن الخطية ساكنة فيه قبل السقوط، فشابه المسيح الذي بلا خطية. ولاحظ أنه نوح كان أكثر شبهاً بالمسيح، فنوح صار رأساً للخليقة الجديدة (رمز الكنيسة الخارجة من مياه المعمودية). ولكن نوح من يوم ميلاده كانت الخطية ساكنة فيه لذلك أخذ الرسول هنا آدم كرمز للمسيح إذ قضي آدم فترة بلا خطية.
4. كما بواحد الذي هو آدم صار الحكم علي الجميع، هكذا بواحد الذي هو المسيح صار البر لكل المؤمنين. وكما سقط الكل مع آدم مع أنهم لم يأكلوا معه. هكذا مع المسيح تبرر الجميع دون فضل منهم.
آية (15):- "15وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ! "
خطية آدم إنتقلت أثارها لكل البشرية. وفداء المسيح إنتقل أثره لكل المؤمنين. ولكن عطية المسيح لم يكن من الممكن أن تساوي خطية آدم. ولكن عطية المسيح فاقت بكثير أثار خطية آدم:-
1. لم يعد البشر لما كان عليه آدم، فمثلاً لو رجعنا لنفس وضع آدم، لكان الأمر يحتاج لفداء جديد لكل خطية.
2. ولكن فداء المسيح صار غفراناً لكل خطايا الناس، ولكل زمان، ولكل مكان… لكل من يؤمن ويعتمد. آدم لم يكن إبناً لأنه لم يكن متحداً بالمسيح، فالمسيح لم يكن قد تجسد بعد ولكن بعد تجسد المسيح إتحدنا به فصرنا أبناء.
3. بالخطية خسرنا حياة آدم وصرنا نموت، وبالنعمة صارت لنا حياة المسيح، لقد صارت حياتنا هي حياة المسيح فينا (غل20:2 + في21:1).
4. كان آدم يحيا في الأرض، والآن نحن نحيا في السماء (أف6:2).
5. خطية واحدة لآدم، كان الحكم عليه بسببها الموت، أما الآن فالتوبة والإعتراف يمحوان أي خطية من خطايانا المتكررة. فدم يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية (1يو7:1-10). الغفران صار مستمراً لكل تائب.
6. بالخطية خسرنا جسداً ترابياً قابل للموت وبنعمة المسيح سيصير لنا جسداً ممجداً له حياة أبدية هى حياة المسيح وهذه نحصل عليها بالمعمودية.
7. بالخطية خسرنا الفردوس وهذا الفردوس ما هو إلا حديقة على الأرض وبنعمة المسيح صار لنا مكاناً فى عرش المسيح (رؤ21:3).
8. بالخطية خسرنا جسداً معرضاً للخطية لأنه معرض لتجارب إبليس وبنعمة المسيح صارت الخطية بلا سلطان على الإنسان لأننا تحت النعمة ولسنا تحت الناموس (رو14:6). بل أنه فى السماء لن تدخل الشياطين إلى أورشليم السماوية فابوابها لن يدخل منها شيئا دنس (رؤ27:21).
الموضوع يشبه انسان كان يسكن فى الدور العاشر وبالخطية هبط إلى الشارع وجاء المسيح ليرفعه للدور المئة.
مَاتَ الْكَثِيرُونَ = يقصد مات الجميع (ماعدا إيليا وأخنوخ). ولكنه يقول الكثيرون:
1. فالكل قد يكونوا قليلون
2. ليظهر بشاعة الخطية وأثرها الرهيب.
آية (16):- "16وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. "
معني الآية بترجمة أبسط "ولكن العطية التي حصلنا عليها من المسيح لا تعادل الدينونة التي وقعت علينا بسبب آدم، فالدينونة التي وقعت علينا هي الموت. ولكن ما حصلنا عليه هو المجد والميراث والحياة الأبدية والبنوة.. الخ". لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ = الواحد هو آدم والموت هو الدينونة وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ = أمّا الهبة التي أعطاها المسيح كانت لغفران خطايا كثيرة (بل هي خطايا كل البشر في كل مكان وكل زمان) وذلك ليتبرر الإنسان، ويصير باراً (ليس غفران الخطايا فقط بل إمكانية صنع البر) إذاً النعمة والخطية ليسا متشابهان لأن المسيح والشيطان ليسا متساويان. الموت دخل بسبب خطية واحد، ولكن هبة المسيح صارت لغفران كل خطايا العالم.
آية (17):- "17لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ! "
قدم المسيح خيراً كثيراً، أكثر بكثير مما سببه سقوط آدم والخطية:-
فَيْضَ النِّعْمَةِ =
1. نلنا التحرر من العقاب.
2. نلنا التحرر من الشر.
3. الميلاد الجديد.
4. الحياة المقامة.
5. صرنا إخوة للإبن وشركاء الميراث.
6. إتحدنا به.
7. صرنا أبراراً.
8. صارت لنا حياة المسيح.
9. غَرَسَ النعمة في حياتنا.
10. الله لم يمنح البراءة فقط من الخطية بل التبرير (راجع المقدمة عن التبرير).
11. صرنا هياكل للروح القدس ومنزلاً للآب والإبن.
آية (18):- "18فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. "
بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ هي خطية آدم صار الموت للكل وهكذا بِبِرّ وَاحِدٍ أي المسيح صارت الحياة لكل المؤمنين. لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ = ننال حياة مبررة في المسيح، حياة لا تتبع الخطية والموت والدينونة. بِرّ وَاحِدٍ = طاعة المسيح حتى الصليب.
آية (19):- "19لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا. "
لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ = أي آدم الذي سلم لذريته الطبيعة التي زَلَّت، الطبيعة الفاقدة النعمة والقابلة للموت، وكان الموت الجسدي صورة منظورة للموت الروحي. والله سمح بهذا الموت أن يسود علي الإنسان ليخاف ويتهذب وينصلح حاله، وفي حالة تأدبه يصلح أن يتقدس فيتحصن من السقوط والموت الأبدي. جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هو يقصد الكل ولكنه يقول الكثيرون، لأن الخطية ليست عملاً إلزامياً فحرية الإرادة هي التي تجعل الإنسان خاطئاً، وكذلك حرية الإرادة هي التي ستجعل طالب البر باراً. مَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ = المعصية هنا هي التعدي علي وصية الله التي سلمها لآدم.
هكَذَا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ = أرسل الله المسيح ليحمل طبيعة الإنسان ليرتقي بها إلي فوق الطبيعة الخاطئة التي للإنسان الساقط. فغرس في طبيعة الإنسان النعمة عوضاً عن الخطية. ووهبها روح الحياة الأبدية والقداسة لتقوي علي سلطان الموت وتدوسه. كان هذا كله بإطاعة الواحد، أي إطاعة المسيح حتى الموت موت الصليب (في8:2). ولنلاحظ أن الطبيعة المبررة التي فينا تعطينا أن نطيع الوصية كما أطاع هو. فالنعمة لا تنزع الخطايا فقط، بل تهب البر. نحن ورثنا عن آدم عصيانه وحملنا هذه الطبيعة فينا. لذا جاء السيد المسيح بنعمته، يقدم لنا طاعته لنحياها ونحمل طاعة المسيح فينا.
آية (20):- "20وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. "
وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ (الترجمة الأدق التعدي) وقوله دخل يشير إلي أنه وقتي وليس أصيلاً (غل23:3) ولكن ما الذي جعل الخطية تكثر:-
1. الممنوع مرغوب والمنع جعل الشهوة تزداد. وهذا بسبب طبيعة العصيان التي صارت فينا (هذه عكس طاعة المسيح).
2. الخطية كانت غير معروفة، ولكنها صارت معروفة ومحددة، بل صارت تعدي علي ناموس الله وكسر لوصايا وضعها الله.
ولم يكن السبب لعيب في الناموس بل لإهمال من قبلوه، وكان لابد لله أن يعلن عن الخطية ليتحاشاها الإنسان ولا يهلك. ولنلاحظ أن الناموس كان كالمرآة، فالمرآة لا تسبب العيب الذي في وجه الإنسان بل هي تكشفه. هي تكشفه لكن لا تصلحه، وهذا هو الفارق بين الناموس والنعمة.
وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا = كان هذا بمجيء المسيح في عالم ساده الإثم والخطية. ومعني الآية أنه في الأماكن التي تكثر فيها الخطية يزداد عمل الله وتزداد النعمة جداً. وحيث كثر عمل الشيطان فان الله لا يترك له المجال، بل يزداد عمل الله جداً ليسند الإنسان بقوة وليحفظ الله أولاده. ولنلاحظ تركيب الآية.
حيث كثرت الخطية…. إزدادت النعمة جداً.
لو كانت الخطية 5وحدات…. لكانت النعمة 10وحدات.
لو كثرت الخطية إلي 10 وحدات لإزدادت النعمة إلي 100وحدة.
آية (21):- "21حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْمَوْتِ، هكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ، لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا. "
تقريباً هي نفس المعني في (آية17)
أمامنا هنا مملكتان. مملكة تسودها الخطية ونهاية شعب هذه المملكة الموت. ومملكة يسودها البر ونهايتها حياة أبدية. في المملكة الأولي الخطية تملك علي الناس (رو12:6). والثانية تملك النعمة علي الناس فيها. وهم يعيشون في بر (رو14:6). ولاحظ كم هي مرعبة هذه الخطية فهي تملك كمَلِك يتسيد (تسودكم14:6) وهي تقتل (رو11:7). فهي تقود الناس إلي الموت. لو كانت الخطية سهلة لما كان الأمر يستدعي تجسد المسيح وفدائه. فالخطية تعمل للموت، والناموس يساندها، ويحكم علي الخاطئ بالموت. أما بعد المسيح وبعد أن قَدَّم المسيح نعمته، لم نعد نخاف الخطية ولا نرهب الموت، بل ننشغل بالأمجاد المعدة لنا. بر الله ألغي الموت فإنكسرت شوكة الخطية وفقدت سلطانها الذي تحصنت فيه. والعكس فالنعمة أورثت الروح مُلْك الحياة الأبدية ببر الله. وهكذا تماماً كما ملكت الخطية وسيطرت علي الجنس البشري، وظهر سلطانها ومُلْكَها في الموت- فدولة الموت هي دولة الخطية- هكذا أيضاً تملك النعمة بواسطة عطية البر حتى تسود الحياة الأبدية بواسطة يسوع المسيح ربنا. فالنعمة تقود للحياة الأبدية. ودولة البر (التبرير) هي دولة الحياة الأبدية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الخَامِسُ
بر المسيح يخلصنا من الخطية ويهبنا ثمارا صالحة
(1) ثمار بر المسيح (ع1-5 ):
1فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ، لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 2الَّذِى بِهِ أَيْضًا، قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ، بِالإِيمَانِ، إِلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِى نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ. 3وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِى الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، 4وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، 5وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِى، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِى قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا.
ع1: عندما نلنا التبرير بالإيمان، والذى هو غفران الخطايا بالمعمودية، وبدء حياة القداسة بالروح القدس فى مسحة الميرون، أصبحنا فى حالة سلام مع الله، وهذا الصلح تم بربنا يسوع المسيح. والإيمان هنا هو إيمان المُعَمَد إن كان كبيراً، أو إيمان أبويه إن كان صغيراً.
ع2: بالمسيح أيضا "صار لنا الدخول". وكلمة صار تعنى أننا تحولنا من موقف الخاطئ المرفوض المطرود، إلى المبرر المحبوب المدعو للدخول إلى حظيرة المسيح بالإيمان، للتمتع بنعمة الفداء فالتبرير فالسلام.
وكلمة (نحن مقيمون) تعنى استمرارية التمتع بالنعمة، وذلك بواسطة سر التوبة والاعتراف، الذى هو تجديد للمعمودية.
ونفتخر ونفرح أيضاً بما ننتظره من المجد، الذى يعده الله لنا فى السماء.
ع3: الضيقات بدلاً من أن تكون مصدر إحساس الإنسان المسيحى بالقهر والظلم، أصبحت مصدر فخر ومجد للإنسان، فلماذا؟ لأن الضيقات تدربنا على الصبر والاحتمال.
ع4-5: الصابر يتذكى أى ينجح فى امتحان الإيمان، إذ أنه لم يشك فى الله أثناء التجربة، والناجح له رجاء أنه سيرث الحياة الأبدية، وكل من وضع رجاءه فى المسيح لن يخيب ظنه. والذى يجعلنا نحتمل الضيقات هو أن الروح القدس المسكوب فى قلوبنا، يؤكد لنا على الدوام حب الله لنا، لذا لا نخشى أى شر.
لا تنظر أيها الحبيب إلى مرارة الضيقة، بل إلى يد الله الحانية المتحكمة فى الضيقة، فلن يصيبك منها إلا ما هو لخيرك على الأرض، ولمجدك فى السماء.
(2) المسيح البار فادى الخطاة (ع6-11):
6لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. 7فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. 8وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ، وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ، مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. 9فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا، وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ، نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ. 10لأَنَّهُ، إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ، قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. 11وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللَّهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِى نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ.
ع6: قد عرفنا حب الله لنا بالأكثر عندما مات المسيح لأجلنا، إذ لضعفنا تمادينا فى الخطية.
ع7: البار: النقى ومغفورة خطاياه
الصالح: نقى ويعمل أعمالا صالحة.
يعلمنا المنطق البشرى أنه بالكاد قد يموت إنسان من أجل إنسان بار منشغل بالعبادة والتقوى، أو ربما يموت شخص من أجل إنسان صالح (وهو أكثر تفوقاً من الإنسان البار فى خدمته وأعماله الخيرة وبذله لنفسه من أجل الآخرين). ولكن من ذا الذى يموت ويضحى بحياته من أجل فاجر، غير مستحق للحياة أصلاً؟!!
ع8: هنا يبين المسيح عظم محبته للبشر، عندما مات وهو البار من أجل خطاة مثلى ومثلك.
ع9: كما بدأ المسيح خلاصه لنا بقوة عندما كنا خطاة، فبالأولى سيكمل خلاصنا على المستوى السماوى، فنعفى من العقاب فى يوم الغضب (الدينونة)، وذلك بشرط سلوكنا فى حياة البر والتقوى.
ع10: هنا يصل بنا القديس بولس إلى فكرة منطقية، وهى أنه بما أن المسيح عندما كان ميتاً بالجسد كان سبب صلحنا مع الآب نحن الخطاة، فبالأولى بعدما نلنا الصلح، ننال الخلاص بالنمو فى محبته والالتصاق به.
نخلص بحياته: يكشف القديس بولس عن جزء هام من عمل الخلاص، وهو حياة السيد المسيح نفسه وتشمل:
حياته بالجسد التى عاشها فى الأرض، والتى فيها أكمل كل بر عنا، فصار مرضياً للآب نيابة عن بشريتنا، كما صار لنا مثالاً لنتبعه.
حياته فى جسدنا، فعندما نتناول من جسده ودمه الأقدسين، يثبت فينا ونحن فيه. وعندئذ يعمل فينا وبنا أعمالاً حسنة مرضية للآب، تكون سبب خلاص لنا.
ع11: هكذا نفرح ونفتخر بمصالحتنا مع الله، المدبر لحظة خلاص البشرية من خلال ابنه الذى بذله لأجلنا. وهنا يلفت القديس بولس نظرنا إلى أن الخلاص ليس عمل الابن فقط، بل هو من تدبير الآب أيضا، لنفرح ونفتخر بالآب والابن.
إن كنت يا أخى قد اصطلحت مع الله، فاستغل محبته بأن تقيم علاقة قوية معه، فتهتم بصلواتك وتأملاتك فى كلامه والذهاب إلى بيته (الكنيسة)، لتثبت علاقتك به، بل وتختبر أعماق جديدة من محبته. وليكن لك طموح متجدد كل يوم نحو الله.
(3) خطية آدم وبر المسيح (ع12-21):
12مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. 13فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِى الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. 14لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّى آدَمَ الَّذِى هُوَ مِثَالُ الآتِى. 15وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هَكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِى بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ. 16وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هَكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. 17لأَنَّهُ، إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِى الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. 18فَإِذًا؛ كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. 19لأَنَّهُ، كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا. 20وَأَمَّا النَّامُوسُ، فَدَخَلَ لِكَىْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلَكِنْ، حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ، ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا. 21حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيَّةُ فِى الْمَوْتِ، هَكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَةُ بِالْبِرِّ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.
ع12: عندما أخطأ آدم بأكله من شجرة معرفة الخير والشر، واستهان بتحذير الله الواضح "يوم تأكل منها موتاً تموت"، أدخل الخطية إلى العالم لأول مرة، لأنها كانت من قبل مجهولة، وبالتالى نال عقوبة الموت. وأورث آدم لذريته الطبيعة الفاسدة العارفة بالشر والضعيفة فى مقاومته، واجتاز الموت كأجرة للخطية إلى جميع الناس. وفى ترجمة أخرى وهى الترجمة اليسوعية عن النص اليونانى تقول "بالذى جميعهم خطئوا فيه" بدلاً من إذ أخطأ الجميع، أى أن كل البشر كانوا فى صُلب آدم عندما أخطأ، فخطئوا فيه، مثل عبد تزوج جارية فيلدوا عبيداً.
ع13: لا تحسب: لا يظهر ويحدد جرمها إلا بالناموس، لأن الإنسان عوج الناموس الطبيعى الذى داخله، وهو الضمير، بابتعاده عن الله. فلم يعد قادرًا على تمييز الخطأ من الصواب.
بالطبع كانت الخطية موجودة فى العالم منذ آدم وحتى مجىء الناموس، بدليل وجود الأشرار كقايين وأهل سدوم... إلخ. وقد ظن الأشرار أن الله لن يحسب لهم خطاياهم، لأنه لم يكن قد أنزل الناموس (القانون) بعد، الذى سيحاسبهم بمقتضاه. فسلكوا بقانون الغابة، واستحقوا الموت، مع أنهم كان ينبغى أن يسلكوا بصوت الله داخلهم، وهو الضمير.
ع14: شبه تعدى آدم: نفس خطية آدم، وكانت خطاياهم أقل.
مات الأبرار أيضا، الذين لم يخطئوا مثل آدم المتعدى على الله. ولعلك أيها القارئ تتساءل، ما ذنب الأبرار مثل نوح وإبراهيم إذًا، وهم الذين أرضوا الله وخطاياهم كانت قليلة ومحدودة؟
هنا يطمئنا القديس بولس أن عدل ورحمة الله سيصححان الأوضاع بمجىء الآتى (المسيح)، الذى هو مثل آدم من حيث فاعليته وتأثيره على البشرية كلها. فآدم الأول أورثنا الموت بالخطية، والمسيح أورثنا الحياة بالبر.
فى الآيات (15 - 19) سيعقد بولس الرسول مقارنة بين خطية آدم وبر المسيح، وخلاصتها أن البركات التى جلبها لنا المسيح (آدم الثانى) تفوق بآلاف المرات الموت بالخطية، الذى جلبه لنا آدم "الإنسان الأول".
ع15: إن كانت خطية آدم قد سرت فى الجنس البشرى كله، فنعمة المسيح تبرر المؤمنين به وتملأ حياتهم بالقداسة. أى أن نعمة المسيح فائضة ومشبعة لكل من يؤمن به.
ع16: إن كان آدم قد أورث خطيته للبشر، فنعمة المسيح تغفر ليس فقط الخطية الجدية، بل كل ما صنعه البشر من خطايا، وينالون طبيعة جديدة نقية فى المعمودية، بل وتغفر خطاياهم مرات كثيرة بعد ذلك فى سر التوبة والاعتراف.
ع17: ملك الموت: الجميع ماتوا بسبب خطية آدم.
سيملكون بالواحد: ينالون الملكوت بالمسيح.
جلبت خطية آدم الموت على كل البشر، أما نعمة المسيح فتهب المؤمنين أن يملكوا إلى الأبد مع المسيح بالسماوات.
ع18: كما انتشرت خطية آدم فى الجنس البشرى، فبر المسيح يحررهم من الدينونة الأخيرة ويهبهم السعادة الأبدية.
ع19: ورث الكل الخطية بخطية آدم، أما طاعة المسيح فتهب النقاوة والحياة الجديدة لكل المؤمنين.
لا تخضع للخطية، فهى أمر دخيل علينا. ولنتب ونتمتع ببر المسيح، ونواصل جهادنا فى سلوك روحى حتى نملك إلى الأبد فى السماوات.
ع20: بهذا يظهر أن المسيح له الدور الكامل فى التبرير، وليس للناموس أى دور. فلماذا إذًا جاء الناموس؟
لقد جاء (لتكثر الخطية) أى تتضح، ويبطل حجة البشر بأن الخطية لا تحسب إذ لم يكن ناموس (ص5: 13). فقد جاء الناموس حاملاً قائمة طويلة من الممنوعات بلا أى ثغرات، ليسد على البشر فرصة السقوط فى الخطايا بحجة عدم معرفتهم أنها خطايا. إذًا الناموس كان كمرآة كشفت للبشرية بشاعة وكثرة خطاياها. ولكن كما كثرت أسماء وأشكال وأنواع الخطايا بالناموس، كثرت وفاقت وفاضت نعمة ربنا يسوع المسيح، لتستطيع أن تغفر وتمحو كل إثم مهما عظم.
إن كنت تحيا فى ظروف صعبة تحاول إبعادك عن الله، فلا تضطرب. إهرب منها قدر ما تستطيع، وثق أن قوة الله تساندك وتحفظك بمعونة أكبر من الذى يحيا فى ظروف عادية. أى لا تلقِ باللوم على الظروف عندما تخطئ، بل تب وأطلب معونة الله، فتنتصر على الخطية مهما كانت صعبة أو مسيطرة.
ع21: الخلاصة هى، إن كنت أيها الإنسان حزيناً لأن خطية آدم جلبت لنا الموت بالجسد بعد شقاء الحياة، بالرغم من عدم مسئوليتنا المباشرة عن أكل آدم من الشجرة، فها المسيح مات لأجلنا بلا ذنب لكى نرث الحياة الأبدية، إن سلكنا فى حياة البر بالإيمان والأعمال مستندين على نعمة المسيح.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح