كلمة منفعة
المفروض في الإنسان الروحي أن يكون قلبه مملوءًا بالسلام والهدوء.
— سلام القلب
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 4 روميه الإصحاح رقم 4 التبرير بالإيمان العامل بالمحبّة سبق فأعلن الرسول أن الأمم بلا عذر لأن الله وهبهم الناموس الطبيعي، فإذا بهم يكسرونه لا عن ضعف فحسب وإنما عن عمد وفي جسارة. فصاروا مقاومين للحق، عاملين ما هو ضد الطبيعة، مفسدين حتى أجسادهم، فرحين ومتهلّلين بالنفوس الساقطة معهم. الآن يبدأ يفنّد أيضًا حجج اليهود ليؤكّد أن البشريّة كلها خاطئة وتستحق عقاب الموت، فصار الكل متساويًا في حاجته إلى من يبرّره. إن كان اليهودي والأممي قد سقط كلاهما تحت الموت، فهل يفتخر أحدهما على الآخر أو يتمايز الواحد عن الثاني لأن الأول لم يتبرّر بناموس موسى والثاني لم يتبرّر بالناموس الطبيعي؟ تركّزت حجج اليهود في ثلاثة أمور هي: 1. اتكالهم على بنوّتهم لإبراهيم أب الآباء. 2. اتكالهم على تسلمهم الشريعة أو الناموس الموسوي. 3. اتكالهم على أنهم شعب الله المختار دون سواهم. وقد فنّد الرسول هذه الحجج ليُعلن أن هذه الأمور جميعها لا تقدر أن تبرّر أحدًا، وإنما في المسيح يسوع يصير جميع المؤمنين، يهودًا ويونانيين، أبناء لإبراهيم لا حسب الجسد، وإنما خلال التمتّع بإيمانه العملي، وينعم الكل لا بالناموس الموسوي في حرفيته، وإنما في التمتع بغايته أي الالتقاء مع المسيّا مركز الناموس وغايته، وأخيرًا يدرك الكل أنهم مختارون في الرب أبناء الآب. هكذا يخرج الرسول من حواره مع الفكر اليهودي إلى نتيجة هامة، أن البشريّة كلها موضع اهتمام الله وحبّه، حتى وإن اختلفت الوسائل التي قدّمها لهم، وإنها قد سقطت بكاملها عن "البرّ" لكي يجده الكل في المسيح، يجده اليهودي المتنصر كما الأممي بلا تمييز أو محاباة. الأصحاح الرابع إبراهيم دعي في الغُرْلة في الأصحاحات الثلاثة السابقة أظهر الرسول بولس فساد كل البشريّة، يستوي في ذلك اليهود كما الأمم، وصار الكل في حاجة إلى من يخلص ويبرر، والآن يقدّم الرسول مثلين لرجلين بارّين من رجال العهد القديم، أحدهما إبراهيم بكونه أب الآباء وقد تبرّر خلال إيمانه وهو بعد في الغُرْلة قبل ممارسة أعمال الناموس خاصة الخِتان. والثاني هو داود الذي نال الوعد أن من صُلبه يأتي المسيّا الملك، وهو من أهل الخِتان لكنه يقدّم التطويب لمن يتبرّر لا بأعمال الناموس بل بالإيمان. ركّز الرسول بالأكثر على شخصية "إبراهيم" لأن اليهود كانوا يشعرون أنهم أحرار لمجرد انتسابهم له بالجسد. هذه العقيدة دفعتهم إلى العجرفة والكبرياء عِوض أن تدفعهم للحياة بفكر إبراهيم وإيمانه والامتثال به في سلوكه، فجاء الرسول يفنّد هذه العقيدة، مظهرًا أن سرّ قوّة إبراهيم تكمن في إيمانه الحيّ الذي عاشه وهو في الغُرْلة، كما عاش وهو في الخِتان، لذا فهو أب لأهل الغُرْلة كما لأهل الخِتان. 1. إبراهيم والإيمان 1-8. 2. إبراهيم أب جميع المؤمنين 9-16. 3. إيمان إبراهيم وإيماننا 17-25. 1. إبراهيم والإيمان إذ كان الرسول يُعلن عجز أعمال الناموس عن تقديم برّ الله، ليفتح الباب للبشرية كلها فتنعم بهذا البرّ خلال الإيمان، انتقل إلى الحديث عن إبراهيم بكونه أول من نال عهد الخِتان ليوضّح أن إبراهيم أيضًا لم يتبرّر بالخِتان (أعمال الناموس) وإنما بالإيمان، إذ يقول: "فماذا نقول أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد، لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدي الله" [1-2]. ويلاحظ في حديث الرسول عن إبراهيم وارتباطه بالإيمان الآتي: أولاً: "فماذا نقول: أن أبّانا إبراهيم قد وُجد حسب الجسد؟" [1]. كأن الرسول بولس يحدد العلاقة التي تربطهم بإبراهيم كأب إنما هي "حسب الجسد"، الأمر الذي يُضعف صلتهم به ماداموا لا ينعمون بأبوته خلال إيمانه، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:[أنه بهذا يفسح المجال أمام الأمميّين ليدخلوا هم أيضًا في قرابة مع إبراهيم خلال الامتثال بإيمانه.] ثانيًا: لماذا اختار الرسول بولس إبراهيم مع أنه قد سبقه هابيل الذي قيل عنه "أنه بار" (عب 11: 4)، ونوح الذي قيل أنه كان "رجلاً بارًا كاملاً في أجياله" (تك 6: 9)؟ يردّ على ذلك أن الرسول اختار إبراهيم لعدة أسباب رئيسية منها: أ. أن اليهود كانوا يفخرون بنسبهم لإبراهيم كأب للمؤمنين، فحينما حدّثهم السيد المسيح عن الحرّية، "أجابوه: أننا ذُرّية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحرارًا؟" (يو 8: 33). فقد أراد الرسول أن يفنّد هذه الحُجّة. ب. لم يُدعَ هابيل ولا نوح أبًا للمؤمنين، أمّا إبراهيم فقد جاء عنه: "لأني أجعلك أبًا لجمهور من الأمم" (تك 17: 4). ج. لأن إبراهيم يعتبر حلقة الوصل بين أهل الغُرْلة وأهل الخِتان، عاش متبررًا بالإيمان وهو في الغُرْلة، وإذ نال الوعد الإلهي وتمتع بالخِتان كعلاقة للعهد عاش أيضًا متبررًا بالإيمان وهو في الخِتان. بهذا ضمّ المؤمنين من أهل الغُرْلة وأهل الخِتان في شخصه، خلال الإيمان. ثالثًا: لا ينكر الرسول بولس أن لإبراهيم أن يفتخر من جهة الأعمال، لكن ليس لدي الله، لأن ما مارسه من أعمال الناموس كالخِتان لا فضل له فيه إنما هو عطيّة الله له خلال العهد الذي أقامه الله معه، وله أيضًا أن يفتخر من جهة الإيمان، بهذا له أن يفتخر لا متعاليًا على الله، وإنما يفتخر أنه ارتمى في حضن الله، ليغتصب بالإيمان مواعيد الله وعهوده، ويحسب بارًا في عينيه. يقول الرسول: "لأنه أن كان إبراهيم قد تبرّر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله، لأنه ماذا يقول الكتاب: فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا" [2-3]. إن قورن إبراهيم بمعاصريه من البشر فله فخر بأعماله أمام البشر، سواء بكونه أول من اُختتن كعلامة عهد بينه وبين الله أو أعظم معاصريه في الأعمال الصالحة. أمّا أمام الله ففخره الحقيقي أنه اغتصب برّ الله بإيمانه الحيّ العملي، المُعلن خلال طاعته له سواء بالعبادة له وسط جوّ وثني أو بالخروج من أرضه وعشيرته وبيت أبيه (تك 12)، أو عدم محبته للنصيب الأكبر في معاملته مع لوط ابن أخيه (تك 13)، أو حُبّه لإضافة الغرباء (تك 18)، أو شفاعته عن إخوته في البشريّة (تك 18)، أو تقديم ابنه ذبيحة (تك 28) الخ. هذه التصرفات جميعها وغيرها إنما كانت نابعة عن إيمانه بالله وملتحمة به، فجاءت تمجد الله. بمعنى آخر لم يكن لإبراهيم أن يفتخر بأعمال الناموس في ذاتها، إنما بإيمانه الحيّ العملي الذي به حُسب بارًا في عيني الله فاحص القلوب. بهذا نوفِّق بين ما يقوله الرسول بولس هنا وبين ما ورد في رسالة معلمنا يعقوب الرسول: "ألم يتبرّر إبراهيم أبونا بالأعمال، إذ قدّم اسحق ابنه على المذبح؟ فترى أن الإيمان عمل من أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان، وتمّ الكتاب القائل: "آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا، ودعي خليل الله" (يع 2: 21-23). يُعلن الرسول بولس أن إبراهيم لم يتبرّر أمام الله خلال أعمال الناموس، كالخِتان والتطهيرات والغسالات، إنما تبرّر خلال الإيمان الحيُ، ومعلمنا يعقوب يُعلن أن إبراهيم لم يتبرّر خلال إيمان شفهي نظري جامد إنما خلال الإيمان المترجِّم عمليًا كذبيحة اسحق، وكأن الأعمال التي يذكرها القدّيس يعقوب إنما هي أعمال الإيمان وليست خارج الإيمان! يحذّر الرسول بولس من الاتّكال على حرفيّة أعمال الناموس ويحذّر الرسول يعقوب من الاتّكال على الإيمان الخالي من الأعمال، أو الإيمان النظري غير الحيُ، هذه الأعمال التي يسألنا الرسول بولس أن نمارسها بالمسيح يسوع ربنا، إذ يقول: "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمالٍ صالحةٍ قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أف 2: 10). رابعًا: آمن أبونا إبراهيم وأيضًا مارس أعمال الناموس، إذ قبِل الخِتان في جسده كما خَتن ذكور بيته، لكن شتّان بين الإيمان وأعمال الناموس، إذ يقول الرسول: "أما الذي يعمل فلا تُحسب له أجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين" [4]. أيهما أعظم: الأجرة التي ينالها الإنسان مقابل أعمال الناموس، أم النعمة التي ينالها مقابل الإيمان؟ بلا شك البرّ أعظم من الأجرة، لأن البرّ يعني عفو الله عن آثامنًا، ليهبنا برّه عاملاً فينا فننال مجدًا أبديًا. وقد اقتبس الرسول من المرتّل داود العبارة: "طوبى لمن غفرت آثامهم" [7]. وكما يقول القدّيس ذهبي الفم: [لا يقدّم بولس هذه العبارة اعتباطًا، لكنه يودّ القول بأن من غُفرت آثامه بالنعمة نال التطويب، فمن آمن وتبرّر يتأهل بالأكثر للبركة، التي خلالها يُنزع الخزي ليحل المجد.] القول النبوي "طوبى لمن غُفرت آثامهم" يكشف عن بهجة قلب المرتّل بنوال برّ مجّاني لا أجرة عن عمل ناموسي، هذا البرّ هي عطيّة إلهية يهبها الله لمؤمنيه. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [هذه الطوباوية تحلّ على الذين اختارهم الله خلال يسوع المسيح ربنا، لأن "المحبّة تستر كثرة من الخطايا" (1 بط 4: 8). هؤلاء قد اغتسلوا بواسطة ذاك الذي يريد توبة الخاطي لا موته (حز 33: 11).] خامسًا: ما هو هذا الإيمان الذي يبرّرنا؟ + ماذا يعني نؤمن به؟ الإيمان به يعني حبنا له، وتقديرنا لسموه، والذهاب إليه، والإتحاد بأعضائه. + الإيمان بالمسيح هو أن نؤمن به أنه يُبرّر الخاطي؛ نؤمن بالشفيع الذي بدون وساطته لا يمكن أن نتصالح مع الله؛ نؤمن بالمخلص الذي جاء يطلب ويخلِّص ما قد هلك (لو 19: 10)؛ نؤمن بذاك القائل: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). + إيماننا نفسه بالمسيح هو عمل المسيح، إذ هو يعمل فينا، بالتأكيد ليس بدوننا. اسمع الآن وافهم: "من يؤمن بي فالأعمال التي أعملها أنا يعملها هو". يقول: الأعمال التي أفعلها أنا أولاً، ثم يفعلها هو بعد ذلك، فأنا أفعلها لكي يفعلونها هم أيضًا. ما هي هذه الأعمال إلا إقامة الإنسان البارّ من الشرّير؟ + تتبرّر النفس بارتفاعها نحو الله، والتصاقها بذاك الذي يبرّرها... فإنها إذ تتركه تصير شريرة، وإذ تعود إليه تتبرّر. ألا يظهر لك أنه متي وُجد شيء ما بارد واقترب من النار يصير دافئًا؟ وعندما يُنزع من النار يبرد! لو أن شيئًا ما كان مظلمًا واقترب من النور، أمّا يصير بهيًا؟ وإن نُزع عن النور يصير مظلمًا؟ هكذا هي النفس، أمّا الله فليس هكذا! القدّيس أغسطينوس سادسًا: ماذا يعني الرسول بقوله: "وأما الذي لا يعمل، ولكن يؤمن بالذي يُبرّر الفاجر، فإيمانه يُحسب له برًا" [5]؟ هل يحثِّنا الرسول على تجاهل الأعمال لنتبرّر بالإيمان وحده؟ نجيب على ذلك بأن الرسول كان يُحدّث اليهود الذين تشامخوا على الأمم بأعمال الناموس بطريقة حرفيّة قاتلة، فإن هذه لا تبرّر الإنسان، إنما لو حُفظت بطريقة روحية، تدفعهم لإدراك الخلاص والتبرير بالمسيّا، الذي كانوا يتظرونه. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا كمسيحيّين لا نتبرّر بأعمالنا الصالحة كأعمال من عندياتنا، وإلا حسبت "برًا ذاتيًا" تعطل خلاصنا، إنما نمارسها بكونها ثمرة عمل الله فينا، وكما يقول الرسول بولس: "لأن الله هو العامل فيكم" (في 2: 13)، "نحن عاملان مع الله" (1 كو 3 : 9). لهذا يؤكّد الرسول يعقوب "لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضًا بدون أعمال ميت" (يع 2: 26). 2. إبراهيم أب لجميع المؤمنين إذ قارن الرسول بين أعمال الناموس والإيمان في حياة أبينا إبراهيم ليُعلن سموّ الإيمان، الذي به يتبرّر، دون تجاهل لأعمال الناموس التي مارسها إبراهيم وإن كانت عاجزة عن التبرير، الآن يؤكّد الربط بين الإيمان وأعمال الناموس في حياة هذا الأب دون تعارض، قائلاً: "أخذ علامة الخِتان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغُرْلة" [8]. فالخِتان هو علامة جسديّة جاءت لا معارضة للإيمان، بل خاتمة على إيمانه ومؤكدة له، حتى كل من يحملها إنما يلزم أن يلتزم أيضًا بالإيمان. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن العلامة جاءت لاحقة للإيمان، إذ آمن إبراهيم حين كان أولاً في الغُرْلة، وبقيَ مؤمنًا أيضًا وهو في الخِتان، بهذا أعلن أبوته لأهل الغُرْلة أن يقبلوا الامتثال به في إيمانه، وأيضًا لأهل الخِتان أن يفعلوا ذات الأمر. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية مظهرًا أن اليهود لم يأتوا إلا كضيوف لاحقين لأهل الغُرْلة، وأنهم أضيفوا إليهم، أي جاءوا إلى بيت الإيمان مُضافين إلى إبراهيم الذي قبِل الإيمان وهو في الغُرْلة قبل الخِتان، قائلاً: [لأنه إن كان إبراهيم قد تبرّر وكلِّل وهو بعد في الغُرْلة، فقد جاء اليهود بعد ذلك. إذًا إبراهيم هو أب الأمميّين أولاً الذين ينتسبون إليه بالإيمان، كما أنه أب اليهود ثانيًا، أي أب الجنسين... لهذا يستكمل بولس حديثه، قائلاً: "ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغُرْلة كي يحسب لهم البرّ أيضًا وأبًا للختان" [11-12]. هذا وينتسب الأمميّون لإبراهيم لا بسبب غرلتهم، وإنما لإقتدائهم بإيمانه، كذلك اليهود لا ينتفعون ببنوّتهم له لا لكونهم مختونين، وإنما لأنهم لم يؤمنوا... إذن لك الحق في أبوة إبراهيم إن سرْت في خطوات ذلك الإيمان، دون تنازع ولا مشايعة لمناصرتك للناموس.] هذا ويري الذهبي الفم أن الخِتان مجرّد علامة حملها إبراهيم من أجل ضعف اليهود، إذ يقول الرسول "ليكون أبًا للختان"، لا بمعنى أن يحملوا العلامة جسديًا فيصيرون أبناء له، وإنما يحملون ما وراء العلامة ألا وهو إيمانه. لأن هذه العلامة ليست إلاّ ختمًا للإيمان. فإن لم يسعَ اليهود إلى الإيمان مكتفين بالعلامة التي للجسد، تصير هذه نفاية لا ضرورة لها. هكذا أيضًا لا يليق بهم إذ نالوا الخِتان أن يحتقروا أهل الغُرْلة، بل أن يكونوا سندًا لهم، ليكون الكل معًا في ذات الإيمان الواحد. لقد ظنّ اليهود أنهم ورثة إبراهيم في نواله المواعيد الإلهية لمجرد تمتعهم بهذه العلامة، أي ممارستهم لأعمال الناموس، متجاهلين التزامهم بالاقتفاء بأبيهم في إيمانه، لهذا يقول الرسول: "لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة، فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد" [14]. بمعنى آخر إن تمسك اليهود بأعمال الناموس كعلامة لميراثهم ما لإبراهيم، مكتفين بهذه الأعمال عند حرفيتها يسلبون الإيمان عمله، ويفقدون نوالهم الوعد الإلهي الذي أُعطيَ لإبراهيم، أن بنسله تتبارك الأمم. على العكس إن كان أهل الغُرْلة لم يمارسوا أعمال الناموس في حرفيتها، لكنهم بالإيمان صاروا ورثة إبراهيم وحُسبوا أصحاب الوعد كأبناء له. الاتّكال على أعمال الناموس ليس فقط يفقد الإنسان عمل الإيمان الذي لإبراهيم، ويحرمه التمتّع بالوعد الإلهي، وإنما يدخل به إلى غضب الله، لأنه وهو يمارس الأعمال الظاهرة كالخِتان والغسالات يكسر شرائعه السلوكية، كالوصايا العشر، ولو وصية واحدة فيُحسب متعديًا. لذلك يقول الرسول: "لأن الناموس ينشيء غضبًا، إذ حيث ليس ناموس ليس تعدٍ" [15]. فبدون الناموس يخطئ الإنسان، لكن الغضب ينشأ بالأكثر حيث يوجد الناموس، كاشفًا للخطايا التي يرتكبها الإنسان متعديًا الوصيّة، وكما قيل: "ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به" (غل 3: 10). يقدّم لنا القدّيس أغسطينوس تفسيرا لهذه العبارة، قائلاً: [قبل الناموس كان يمكن أن يدعى الإنسان خاطئًا ولم يكن ممكنًا أن يُدعي متعديًا. أمّا وقد أخطأ بعد استلامه الناموس فلم يعد خاطئا فحسب وإنما متعديًا أيضًا. وهكذا أضيف "التعدي" إلى "الخطيّة" فكثرت الخطيّة جدًا.] إن كان اليهود بفهمهم الحرفي لأعمال الناموس فقدوا تمتعهم بالوعد ودخلوا إلى الغضب، لا كخطاة فحسب وإنما كمتعدين، فإنه من الجانب الآخر الإيمان يفتح لهم كما لأهل الغُرْلة التمتّع بالبنوة لإبراهيم المؤمن. "لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل النعمة، ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل،ليس هو من الناموس فقط، بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا" [16]. وكما يقول الذهبي الفم أنه بدون الإيمان لا يخلص أحد، لأن الناموس بالنسبة لأهل الخِتان لا يبرّرهم بل ينشئ غضبًا، إذ سقط الكل تحت التعدي، لذا جاء الإيمان يرفعهم من الخطر وليس كالناموس. كما يرفع أيضًا أهل الغُرْلة، فيحسب الكل أبناءً لإبراهيم. "كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة" [17]. فكما أن الله هو إله الجميع وليس خاصًا بأمّة معيّنة، هكذا بالإيمان حُسب إبراهيم أبًا للجميع حسب الوعد المُعطي له (تك 17: 5). 3. إيمان إبراهيم وإيماننا إن كان الإيمان قد فتح الباب على مصراعيه ليدخل كل الأمم إلى النسب لإبراهيم كأبناء له، فما هي مادة هذا الإيمان؟ "كما هو مكتوب إني قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة، أمام الله الذي آمن به، الذي يحي الموتى، ويدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة" [17]. اقتبس الرسول هذا الوعد: "قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة" (تك 17: 5 الترجمة السبعينية)؛ هذا لا يتحقّق حسب الطبيعة، إذ هو ليس أبًا للأمم حسب الجسد، إنما حسب الإيمان. مادة إيمانه هي أن الله "يحيي الموتى، ويدعوا الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة". من هم الموتى الذين يُحييهم؟ أو ما هي الأشياء الغير موجودة التي يدعوها كأنها موجودة؟ أولاً: مستودع سارة أو أحشاؤها أشبه بالميّت الذي لا يحمل حياة، وقد وهبه الله اسحق حيًا خلال هذه الأحشاء الميّتة، وكما يقول الرسول نفسه: "وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبره جسده، وهو قد صار مماتًا، إذ كان ابن نحو مائة سنة ولا مماتيّة مستودع سارة" [19]. ما ناله إبراهيم من وعد كان "على خلاف الرجاء"، إذ لم ينظر قط إنسانًا قبله نال ابنًا بهذه الطريقة، وإنما صار هو مثلاً لمن جاء بعده. هو ترجّى الله الذي يُقيم من الموت ويهب حياة، فآمن بالله أنه يعطيه نسلاً كما من العدم، فاتحًا باب الرجاء لمن جاء بعده ممن أنجبوا في شيخوختهم خلال زوجات عاقرات. ثانيًا: آمن إبراهيم بتمتعه بالأبوة، ليس فقط لإسحق الذي وهبه الله إيّاه في فترة شيخوخته، وخلال مستودع سارة الذي كان في حكم الموت، وإنما أيضًا لأمم كثيرة، هي بحسب الطبيعة ميّتة لا تحمل بنوّة لإبراهيم حسب الجسد، لكن الله يُقيمها من هذا الموت ويقدّمها لإبراهيم أبناء له. هذا ما أوضحه الرسول بقوله: "فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء، لكي يصير أبًا لأمم كثيرة، كما قيل هكذا يكون نسلك" [18]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه كان على خلاف رجاء البشر في رجاء من جهة الله آمن بالوعد ونال. فكان الإيمان هو سنده، لم يعطِه الله برهانًا، ولا علامة، إنما مجرّد كلمات وعد ومع هذا لم يتردّد، ولا شك مرتابًا مع أن العائق كان عظيما: "ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا للَّه" [20]. بمعنى آخر ليتنا نتعلم أن الله يتمّم مواعيده معنا مهما كانت العوائق أو المعطّلات، إذ "تيقّن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا، لذلك أيضًا حُسب له برًا" [21-22]. نال إبراهيم الوعد، كما قلت، لا بميلاد اسحق كما من العدم، وإنما بأبوّته لأمم كثيرة، لا خلال الجسد وإنما خلال الإيمان. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذه الأمم أيضًا تُحسب تحت حكم الموت وعدم الوجود بسبب وثنيّتها، إذ تقبل الإيمان تنال قيامة من الأموات، يصيّرونها شعب الله الحيّ وكنيسة العهد الجديد المقدّسة، لذلك قيل: "أرحم لورحامة (ليست مرحومة) وأقول للوعمى ليست شعبي أنت شعبي" (هو 2: 23). ثالثًا: إن كانت الخطيّة قد أفقدت الإنسان حياته وجعلته كمن هو غير موجود، فبالإيمان ينعم الإنسان ببرّ المسيح كمن قد أقيم من الموت، أو صار موجودًا بعد فقدانه، كقول الأب عن ابنه الراجع إليه: "لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالا فوُجد" (لو 15: 32). لذلك يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذا الأصحاح سلاحًا روحيًا نلتزم باستخدامه، هو الإيمان باسم ربنا يسوع المسيح وقوة الصليب، قائلاً: [هذا السلاح لا يُخرج الحيّة من جحرها فحسب، وإنما أيضًا يلقيها في النار (أع 28: 5) وتُشفي الجراحات. إن نطق أحد بهذا الاسم ولم يُشف، فبسبب عدم إيمانه وليس عن ضعف في القول ذاته. لأن البعض التفوا حول يسوع وكانوا يضغطون عليه (لو 8: 44-45) ولم ينتفعوا منه، أمّا المرأة نازفة الدم فحتى بدون لمس جسده، وإنما بمجرد لمس هُدب ثوبه أوقفت ينبوع دمها الذي طال أمده. هذا الاسم مخيف للشياطين وللسموم والأمراض. ليتنا نجد فيه سرورًا فنتقوّى به... أي عذر لنا أن نقدّمه، إن كان ظل (الرسل) وثيابهم أقاموا موتى (أع 5: 15)، بينما صلواتنا لا تنزع عنّا الشهوات؟ ما هو علّة هذا؟... فإن طبيعة بولس هي كطبيعتنا، وُلد ونشأ مثلنا، سكن على الأرض واستنشق هواءها مثلنا، لكنه من جانب آخر كان أعظم وأفضل منّا من جهة الغيرة والإيمان والحب. إذن لنقتد به، ولنسمح للمسيح أن يتكلّم خلالنا، فإنه يرغب في هذا أكثر منّا. لقد أعدّ هذا التعليم ويريد ألا يكون ذلك بلا نفع أو معطلاً إنما يودّ أن يستخدمنا... إن تحدّث المسيح فينا وأشرق الروح القدس بنوره فينا نكون أفضل من السماء، إذ لا تظهر الشمس والقمر في جسدنا بل يظهر رب الشمس والقمر والملائكة ساكنًا فينا وعاملاً. لست أنطق بهذا لكي نقيم الموتى ونطهر البرص، إنما لنحقق معجزة أعظم من هذا كله هو إعلان المحبّة. لأنه حيث توجد هذه الممجدة يسكن الابن مع الآب والروح القدس... فقد قيل: "إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون أنا في وسطهم" (مت 18: 20). يتحقّق هذا من أجل الحنو الشديد ورباط الصداقات القوية، أي من أجل من لهم حب بعضهم لبعض....] إذن ليكن لنا كإبراهيم أبينا الإيمان بالوعد الإلهي، فننال لا القدرة على عمل المعجزات، إنما ما هو أعظم ننال "الحب" الحقيقي في الرب، فننعم بسكنى الثالوث القدوس فينا كسُر حياتنا وفرحنا ومجدنا أبديًا. هذه هي القيامة الأولى التي لنفوسنا! ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على العبارة "يدعو الأشياء الغير موجودة كأنها موجودة"، قائلاً: [لقد كنتَ غير موجود فخلقكَ الله ووهبك الوجود، أفلا يهتم بك الآن وقد صرت أنت هكذا، هذا الذي يدعو الأشياء غير موجودة كأنها موجودة؟] أخيرًا، أكد الرسول بولس أن ما كُتب عن إبراهيم من جهة إيمانه بالقيامة من الأموات، إذ آمن بالله الذي يهبه إسحق من مستودع سارة المُمات، وآمن أن يقيمه أبًا على شعوب ليست من نسله حسب الجسد، كما آمن أن الله يهب البرّ كحياة لمن مات بالخطيّة. فإن هذا كله قد كُتب من أجلنا من جهة إيماننا بالمسيح الذي يقيمنا من الموت، ويهبنا برّه كحياة جديدة مقامة نمارسها عمليًا، إذ يقول: "ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له، بل من أجلنا نحن أيضًا الذين سيحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات، الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" [24-25]. هنا يبرز النقاط التالية: أ. غاية الحديث الإلهي عن إيمان إبراهيم هو إعلان طريق البرّ الحقيقي خلال الإيمان. فقد تبرّر إبراهيم بالإيمان لكي نتبرّر نحن أيضًا معه كأبناء له نحمل ذات إيمانه. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم، لئلاّ يقول المستمع، ما لنا نحن بهذا؟ لذلك ربطنا نحن بأبينا إبراهيم، فنتبرّر مثله، لأننا نؤمن بنفس الإله الذي آمن به إبراهيم، ونثق في ذات الأمور التي وثق فيها، فما حدث لإبراهيم ليس خاصًا به وحده، وإنما يُحدّث مع الكل. ب. إن كان إبراهيم قد نال وعدًا بخصوص نسله، يتحقّق هذا الوعد فينا بصلب السيد المسيح وقيامته الذي هو من نسل إبراهيم حسب الجسد. إبراهيم آمن بنيل بركة مستقبلة خلال نسله، إذ يقول السيد: "أبوكم إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56)، أمّا نحن فقد تمتّعنا بهذا الوعد بصلب السيد المسيح وقيامته. يقول العلامة ترتليان: [ها أنتم ترون حكمة الله كيف ذبحَت ذبحها (أم 9: 2)، البكر الابن الوحيد يحيا ويردّ الآخرين للحياة. أقول أن حكمة الله هو المسيح الذي بذل ذاته لأجل خطايانا.] ج. إذ يحدّثنا الرسول بولس عن إيمان إبراهيم، يقدّم لنا ملخصًا لإيماننا، غالبًا ما كان نصًا كنسيًا تسلّمه الرسل وسلّموه، ألا وهو: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" [25]. لقد أسلم للصليب بإرادة الآب (رو 8: 32؛ غل 1: 3) كما بإرادته هو (غل 2: 20؛ أف 5: 2؛ تي 2: 14) ليكفِّر عن خطايانا (3: 25؛ إش 53: 5-6؛ عب 9: 28؛ 1 بط 2: 21-24)؛ وأُقيم ليهبنا برّه عاملاً فينا، إذ نحمل الحياة الجديدة المُقامة. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الرابع في الإصحاحات (4-11) يرد الرسول علي آراء اليهود ومعتقداتهم ويفند حججهم فهم يفتخروا ببنوتهم الجسدية لإبراهيم، وبأن لهم الناموس والشريعة، وأنهم هم الشعب المختار، شعب الله المختار. ومما سبق فهمنا من الرسول أنه علي كل واحد ألا يفتخر إلا بالإيمان بالمسيح، فهذا الإيمان هو الذي يبرره وبالتالي يكون له حياة. وكلام الرسول بهذا، في هذه الإصحاحات (4-11) يعني أن على اليهود ألا يفتخروا بأنهم أبناء إبراهيم بالجسد ولا بناموسهم ولا بكونهم الشعب المختار ولا بالختان.. الخ بل بالإيمان بالمسيح، وبهذا فهم يتشبهون بأبيهم إبراهيم الذي تبرر بالإيمان. ولماذا إختار إبراهيم بالذات؟ ولم يختار نوح أو هابيل… مع أن هؤلاء وغيرهم كثيرين كانوا أبراراً. 1. لأن اليهود كانوا يتفاخرون بإبراهيم (يو33:8). ولكن تفاخرهم هذا أدي لعجرفتهم وكبريائهم دون أن يحاولوا أن يتشبهوا به. 2. الله وعد إبراهيم أن يجعله أباً لجمهور كثير من الأمم، ولم يكن هذا الوعد إلا لإبراهيم. 3. إبراهيم هو حلقة الوصل بين أهل الغرلة وأهل الختان. عاش متبرراً بالإيمان وهو بعد في الغرلة (تك6:15 + تك10:17) وحصل علي الختان كعلامة للعهد. لكنه تبرر قبل الختان، أي بدون ختان. وبدون أعمال الناموس، فلم يكن هناك ناموس أيام إبراهيم. 4. بولس يري أن الفداء والتبرير بالإيمان لم يبدءا بالمسيح ولكنهما بدءا من أيام إبراهيم، حينما كشف له الله أنه يخرج حياة من الموت (من جسده المائت). وكان فداء المسيح هو النهاية التي رأينا فيها أن المسيح يبرر الخطاة الذين هم أموات بالخطية (لو32:15) وهذا التبرير كان بالإيمان الذي بدأ بإبراهيم. إيمان إبراهيم إبراهيم قيل عنه أنه تبرر بالإيمان (تك6:15). وكان هذا قبل الختان بحوالي 25 سنة (تك10:17). وقبل أن يقدم إبنه ذبيحة (تك22).و أيضاً قبل ناموس موسى بحوالي430 سنة. وكان هذا لمصلحة الأمم، فبهذا صار من حق الأمم أن يتشبهوا بإبراهيم الذي تبرر بالإيمان قبل الناموس وقبل عهد الختان، وقبل الأعمال أي تقديم إبنه ذبيحة. ولذلك أسماه الله أب لجمهور من الأمم = إبراهيم. فكل من يشابه إبراهيم في إيمانه يتبرر. وإيمان إبراهيم كان يتلخص في أن الله قادر أن يخرج من الموت حياة. 1. هو خرج من أور أعظم المراكز التجارية أيامها، وكانت علي الخليج، إلي المجهول، خرج بإيمان أن الله سيعطيه حياة. 2. إيمان إبراهيم ظهر في صراع رجاله مع لوط ورجاله، فترك للوط كل ما أراد مؤمنا أن الله يعطيه حياة إذ أن لوط ورجاله إستولوا علي الأراضي الجيدة تاركين الأراضي الصحراوية لإبراهيم. 3. ظهر إيمان إبراهيم في أن الله لابد وسيعطيه إسحق طالما وعد بذلك، حتي مع شيخوخته ومماتية مستودع سارة 4. ظهر إيمانه في تقديم إبنه إسحق ذبيحة، مؤمناً بأن الله سيقيمه إذ أن الله وعده أنه بإسحق يكون له نسل. ومن يتشابه إيمانه الآن بإيمان إبراهيم، أي أن الله قادر أن يخرج من الموت حياة يصير إبناً لإبراهيم بالإيمان. وهذه قصة الفداء. فأي إنسان هو ميت بالخطية، ومن يؤمن بالمسيح ويعتمد يموت إنسانه العتيق مع المسيح في المعمودية ويخرج ثابتاً في المسيح وله حياة المسيح. فهذا هو إيمان إبراهيم، أن الله يخرج حياة من الموت. فإيمان إبراهيم يتطابق مع قصة الخلاص وخطة الله للخلاص. وحتى الآن فمن هو غارق في خطاياه ويريد أن يحيا بدلاً من موته كخاطئ، عليه أن يبدأ بإيمان في أن يحسب نفسه ميتاً عن الخطية فتدب فيه حياة المسيح (رو11:6). فالخاطئ ميت ولكن الله قادر أن يخرج حياة من هذا الموت، كما أخرج حياة من مستودع سارة المائت. بل المسيح أتي من مستودع بلا أمل في خروج حياة منه، إذ هو مستودع عذراء. لكن الروح القدس أعطي جسداً حياً هو جسد المسيح في بطن العذراء. وبنفس الطريقة فالروح القدس يرف علي وجه مياه المعمودية، فيعطي للمعمد حياة، هي حياة المسيح كما كان الروح القدس في القديم يرف فوق المياه فخرجت حياة في العالم (تك2:1). وهذا هو الفارق بين إسحق وإسمعيل في ولادتهم فإسحق هو إبن الموعد أي ليس بحسب الطبيعة كإسمعيل، لكن بحسب ما آمن به إبراهيم، أن الله يخرج حياة من الموت. ومعني كلام بولس هنا أن هذا هو الخلاص أي الإيمان بأن الله يخرج حياة من الموت. وهذا لكل من يؤمن "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو25:11) فمن يؤمن بالمسيح تكون له حياة. والله فرح بإبراهيم لأن إيمانه كان متطابقاً مع خطة الله للخلاص، لذلك جعل الله إبن إبراهيم رمزاً لإبنه الذي سيعطي حياة من الموت، لذلك يقول بولس الرسول نحن أولاد الموعد كإسحق (غل28:4). وكان الختان علامة ظاهرية أو ختم لإيمان إبراهيم. والختم هو تصديق علي معاهدة بين طرفين. لقد ظل إبراهيم سنوات طويلة يؤمن بالله. وجاء الله ليقول لإبراهيم "سأضع علامة في جسدك شاهدة لإيمانك" وهذه العلامة هي الختان. هي قطع جزء من جسدك وتركه ليموت وبهذه العلامة تدخل في معاهدة معي وتصير من شعبي، ومن يدخل في معاهدة مع الله ويصير من خاصته تكون له حياة. وبالتالي فإن هذه العلامة هي نفس إيمان إبراهيم، هي موت (جزء اللحم المقطوع) وحياة (حياة إبراهيم إذ دخل في عهد مع الله) وصار الختان رمزاً للمعمودية التي هي موت وحياة. وهذا ما يعمله الروح القدس، فهو يميت حب الخطية في القلب، وهذا ما أسماه الرسول ختان القلب بالروح (رو29:2 + رو13:8). آية (1):- "1فَمَاذَا نَقُولُ إِنَّ أَبَانَا إِبْرَاهِيمَ قَدْ وَجَدَ حَسَبَ الْجَسَدِ؟" قَدْ وَجَدَ = ماذا إستفاد. حَسَبَ الْجَسَدِ = يقصد حسب أعماله، أي الختان وتقديم إبنه ذبيحة. ولكن لماذا لم يقل حسب الأعمال؟ بدلاً من قوله حسب الجسد. [1] هو يريد أولاً ان يهاجم الإفتخار بالأعمال. [2] هو يريد أن يهاجم اليهود الذين يفتخرون ببنوتهم لإبراهيم بحسب الجسد وكل ما يفكرون فيه هو ميراثهم الأرضي لأراضي كنعان، ولكنهم لا يفكرون في الميراث السماوي، هذا الذي ينالونه بالإيمان، مثل إبراهيم. هو يريد أن يقول لهم، ماذا أخذتم ببنوتكم الجسدية لإبراهيم، حتى تفتخروا بها، أو بأعمالكم. لو كان إبراهيم قد إفتخر بأعماله أمام الله مثلاُ في أنه ترك أور، لكان الله قد حسب هذا ديناً عليه ولأعطاه مكاناً أفخم من أور، ولإنتهي الموضوع بهذا. أما بسبب إيمانه فلقد جعل الله إبراهيم عظيماً في الأرض وفي السماء. ولقد قيل أن الله برره بإيمانه وليس بأعماله (تك6:15). وكلام بولس هذا يفسح المجال للأمم ليؤمنوا فيتبرروا هم أيضاً. أما إصرار اليهود علي أن إنتمائهم لإبراهيم هو بالجسد فهذا يضعف صلتهم به، فالصلة الروحية أقوي وهي باقية في السماء. فَمَاذَا نَقُولُ = بعد أن قلت ما قلته عن الإيمان والتبرير بالأعمال، تعالوا نأخذ مثالاً، أنتم كلكم تحبونه وتعرفونه، ألا وهو إبراهيم أبونا. آية (2):- "2لأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَالِ فَلَهُ فَخْرٌ، وَلكِنْ لَيْسَ لَدَى اللهِ. " إبراهيم قطعاً كان أحسن الموجودين أيامه، ومع هذا فعليه أن لا يفتخر أمام الله لا بختانه ولا بأعماله الصالحة لماذا؟ [1] من ناحية الختان فالله هو الذي أمره بأن يختتن [2] الله هو الذي أعطاه ويعطي كل أحد أن يعمل الأعمال الصالحة (يع16:1،17). وإن افتخر أحد فهو يفتخر بما ليس له، فالله صاحب الفضل (1كو7:4). ومن يفتخر فهو يعرف شماله بما تعمله يمينه.والله هو العامل فينا أن نريد وأن نعمل ( في 2: 13) فكيف نفتخر أمام الله وهو الذي عمل فينا هذا العمل [3] بل عليه أن يفتخر بإيمانه بالله الذي أعطاه كل هذه البركات. ولو قورن إبراهيم بمعاصريه من البشر فهو الأحسن، ولكن إن إفتخر فليفتخر أمام الناس، مثلاً بالختان فهذا معناه أنه في عهد مع الله. أو بأعماله، فالناس يهتمون بالمظاهر، (ولكن الله يهتم بالقلب). ولكن لا يفتخر أمام الله بكل هذا، لأن الله هو مصدر كل عمل صالح. بل يفتخر بإيمانه الذي به إرتمي في حضن الله ليغتصب المواعيد من الله ويحسب باراً في عينيه، الإفتخار عموماً يقود للكبرياء ، والكبرياء بداية السقوط، وهذا هو معنى ماقصده السيد المسيح بأن لا نعرف شمالنا ماتعمله يميننا من أعمال بر، نحن نفتخر بما عمله الله بواسطتنا أو بنا. آية (3):- 3لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا». في (تك6:15) قيل فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا = إيمانه حُسِبَ له كما لو كان قد تمم كل أوامر الناموس. ولكن بالرجوع لرسالة يعقوب (يع21:2-23). نجده يستخدم نفس الآية لإثبات أن إبراهيم قد تبرر بالأعمال ولكن معلمنا يعقوب يقول "أن الإيمان عَمِلَ مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان.." فهل هناك تعارض بين ما قاله يعقوب وما قاله بولس؟! أبداً. فبولس يناقش موضوع مختلف عن الموضوع الذي يناقشه يعقوب. بولس يرد علي اليهود المنتفخين بأعمالهم في بر ذاتي (مثال الفريسي والعشار) وبولس يقول لا تفتخروا علي الله بأعمالكم، فهل يعقل أن يقف اليهودي ليفتخر علي الله بأنه مختون والله هو الذي قال له إعمل كذا وكذا.. إذا أراد أن يفتخر فليفتخر علي جيرانه الغلف (1كو7:4). بالإضافة أنه يجب أن نعلم أن كل عطية صالحة هي نازلة من فوق (يع16:1،17). روحياً، يجب أن نقف أمام الله ونقول كل عمل صالح أنا عملته أنت الذي أعطيتني إياه. وبولس مع أنه مؤمن لم يمتنع عن العمل بل قال "جاهدت الجهاد الحسن.." أما يعقوب فهو يعالج نقطة أخري، فهو يرد علي من قال أنا آمنت وإتكل علي هذا وإمتنع عن أن يعمل أعمالاً صالحة. مثل من يقول "أنا آمنت إذاً أنا دخلت السماء". ومعني كلام يعقوب "لو كان إيمانك صحيحاً لظهر هذا في أعمالك". أمثلة: من يؤمن أن هناك قيامة، لماذا يحزن بيأس علي إنتقال أحد أحبائه. ومن يؤمن بأن هناك ميراث سماوي في المجد لماذا يحزن علي ضياع أشياء أرضية. ومن يؤمن بأن الله موجود لماذا يخطئ كأن الله لا يراه. هذه أمثلة علي الإيمان الحي. فيعقوب يناقش أهمية أن يكون لك أعمال بعد الإيمان، وبولس يقول أن أعمالك مهما كانت فهي لا تخلِّص دون إيمان، بدون إيمان أعمالك بلا فائدة. كلام يعقوب علي أهمية الأعمال نفهمه من المثال الآتي:- طالب دخل كلية الطب (مثل إنسان آمن بالمسيح) مثل هذا لابد أن يذاكر لينجح ويصبح طبيباً (مثل المؤمن يجب أن يعمل بجانب إيمانه، وهذا معني كلام يعقوب. أما الطالب الذي لا يذاكر فسيفشل ويرفت (والمؤمن المستهتر يهلك). إذاً معني كلام بولس ويعقوب أن عليَّ أن أومن أولاً، لكن بعد الإيمان عليَّ ألا أكف عن العمل. فبولس كان مؤمناً وجاهد الجهاد الحسن (2تي7:4،8). وأعمال بولس كانت نابعة عن إيمان، فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (عب6:11). ولكن بعد الإيمان لابد من أن نعمل ونجاهد، وبولس خاف بعد ماعمله من كرازة وجهاد يصير هو نفسه مرفوضاً ( 1كو9: 27) والله أيضاً خاف عليه من أن ينتفخ ويضيع فأعطاه شوكة في الجسد ( 2كو12: 7) . والطبيعة تعلم هذا، فالأرض لا تطرح أرغفة خبز، بل قمحاً يجب أن تجري عليه أعمالاً كثيرة ليتحول إلي خبز. وحينما تكاسل أهل تسالونيكي وإمتنعوا عن العمل، أرسل لهم الرسول يقول لهم "من لا يعمل لا يأكل" (2تس10:3) فالطبيعة تعلمني ان أعمل حتى آكل فلماذا يعلِّم البعض في الناحية الروحية أن النعمة كافية للخلاص ولا داعي للعمل. ويقول بولس الرسول "ليس الزارع شيئاً ولا الساقي لكن الله الذي ينمي" (1كو7:3) لكن الأرض لا تعطي الزرعة بدون أن يزرع أحد ويروي أرضه. وسفر التكوين يعلمنا أن الأرض كانت خربة إذ لم يكن إنسان يعمل الأرض (تك5:2). والله خلق آدم ليعمل الجنة ويحفظها (تك15:2). ونحن كخليقة جديدة في المسيح مخلوقين لأجل أعمال صالحة… (أف10:2). ومن يغصب نفسه (كمن يصلي بالغصب) تنسكب فيه النعمة فيفرح ويتعزي. ولكن علي الإنسان ألاّ يفتخر بعمله فالله هو الذي ينمي. فالفلاح لا يفتخر أمام الله بأن الأرض أخرجت زرعاً فالله هو الذي أخرج الزرع. ربما يفتخر الفلاح علي زميله بأنه أكفأ منه، ولكن ليس علي الله. ولكن هذا يحدث مع البعض منا في وقت التجربة، إذ يقول البعض لله "لقد صليت لك وصمت لك… ومع هذا سمحت بهذه التجربة لي.. أو لم تعطني خيراً كنت أرجوه" مع أن الصلاة ليست تفضلاً منا بل هي تفضل من الله علينا، إذ يسمح بأن نقف أمامه كالملائكة، فنحن الذين نأخذ في الصلاة كرامة ونحن لا نستحق. جميل أن يقول بطرس للسيد "أخرج يا رب من سفينتي فأنا رجل خاطئ" (لو8:5) إذاًً علينا أن نعمل ولكن علينا أن نقول دائماً أننا لا نستحق، ولا نعرِّف شمالنا (الإفتخار بالعمل) ما تعمله يميننا (العمل الخير) ونقول مع داود "يا رب من يدك أعطيناك". وفي (رؤ2:2) الله يقول أنا عارف أعمالك… إذاً لا داعي لأن تذكرني بها حينما أبدأ في العتاب معك. من يفتخر بأعماله يحسبها الله له كدين علي الله ويعوضه كثيراً، فمثلاً إن كان إبراهيم قد إفتخر علي الله بأعماله، لكان الله قد بارك له في ماشيته وأمواله وأولاده ولأنتهت قصته بذلك، لكن إيمان إبراهيم ماذا أعطي له؟ لقد أعطى الله نفسه له "أنا ترسٌ لك" (تك1:15) وبهذا صار إبراهيم يتغني مع عروس النشيد "أنا لحبيبي وحبيبي لي". والإيمان الذي يبرر هو:- 1. حب الله وتقديرنا لسموه والإلتجاء إليه. 2. إيماننا أنه يبرر الخاطئ. 3. أنه الشفيع لدي الآب الذي يصالحنا معه وبأنه المخلص. 4. به نقدر علي كل شئ، وبه نتحول من كوننا أشرار إلي أبرار، فهو يخرج من الموت حياة. 5- الإيمان الذي يبرر هو أيضاً أن أقبل أن أموت مع المسيح عن الخطايا وبهذا تكون لى حياة ، وهذا معنى مَن آمن وأعتمد خلص ( مر16: 16) . وبهذا نرى تكامل أقوال بولس الرسول مع يعقوب الرسول . فبدون المسيح وتبريره وعمله الفدائي ماكانت كل أعمال الدنيا قادرة أن تخلص، فخطية واحدة بحسب الناموس تقود للموت . والإيمان بالمسيح هو البداية للإستفادة من بركات هذا الفداء . وتأتي بعد هذا المعمودية وهى موت وحياة مع المسيح . أما الأعمال فهى أن أقبل أن أحيا كميت أمام الخطية فأنال حياة أبدية بالمسيح (آية 4):- "4أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. " أما الذي يعمل= هل معني هذا أن لا نعمل؟ قطعاً لا. فمن الخطأ أن نمسك آية واحدة ونبني عليها عقيدة. فنسمع في (لو7:10) أن الفاعل مستحق أجرته. وفي (مت42:10) من سقي أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد… لا يضيع أجره. وفي (رؤ13:14) الأعمال تتبع المؤمنين + (رؤ12:20،13) وراجع المقدمة. ولكن المطلوب أن لا نعِّرف شمالنا ما تعمله يميننا. فالرسول يقصد بمن يعمل "الذي يفتخر بأعماله أمام الله، أو الذي يظن أن أعماله تخلصه" (أنظر إلي جمال طقس قداس الكنيسة الأرثوذكسية، فنحن دائماً نردد "يا رب إرحم" بمعني أننا لا نستحق شئ، ولا نطلب سوي رحمتك يا رب). فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ = ولنأخذ إبراهيم كمثال:- إبراهيم كتب عنه في (تك6:15) "فآمن إبراهيم…" ولم نسمع أنه قال لله، أنا عملت كذا وكذا فأين أجري، هو أطاع الله في إيمان ولم يطلب أجراً… لذلك كانت أجرته أكبر من تصور مخلوق، كانت أجرته الله نفسه، فالله يقول له في (تك1:15) أنا ترسُُ لك، أجرك كثير جداً.. وفي ترجمة أخري "أنا أجرك العظيم جداً" + أن الله برره. بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ = مثال:- موظف مرتبه 20ج يومياً. حدثت له مشكلة ما ضايقته، فيقول لله، لقد خدمتك سنين هذه مقدارها (نفس خطأ الأخ الأكبر للإبن الضال لو29:15). فلماذا تسمح لي بهذه التجربة. هنا فالله يحسب له خدمته علي سبيل أن الله مديون له، ويقول كم يوم خدمتني وكم كان أجرك فيهم، وسأعطيك أكثر مما خدمتني به، وسيكون المبلغ عدة جنيهات، وقارن بالأجر الذي حصل عليه إبراهيم، ولاحظ أن العشار الذي صلي بشعور عدم الإستحقاق خرج مبرراً لأنه قال يا رب إرحمني أنا الخاطئ، أمّا الفريسي فلم يتبرر. والفريسي الذي إستضاف رب المجد (وتكلف في المأدبة الكثير) لم يتبرر، والمرأة الخاطئة تبررت. آية (5):- "5وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا. " أَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ = هذه تعني من يعمل ولكنه لا يفتخر بعمله أمام الله، بل يقول لله "أنت يا رب الذي تعمل فيَّ". لكنها لا تعني أنه ليس علينا أن نعمل، وإلا لماذا قال بولس نفسه "جاهدت الجهاد الحسن…" بولس هنا يرد علي اليهود الذين يتشامخون بأعمالهم وناموسهم. ونحن لا نفتخر بل نثق أن الله هو العامل فينا (يو5:15 + في3:2 + 1كو9:3 + يع26:2). يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ = الفاجر في نظر الله ميت، فالخطية تعني موت (لو32:15 + رؤ1:3). ويؤمن بالذي يبرر الفاجر يعني أن الله قادر أن يخرج من الموت حياة، وهذا هو نفس إيمان إبراهيم. فالله قادر أن يحول الفاجر إلي قديس [ قيل عن الفنان العظيم مايكل أنجلو أنه كان ينظر بإعجاب لقطعة من الرخام قائلاً ما أجملها، فتساءل الواقفون عن سر إعجابه بها، وهي مازالت رخام خام، فقال أنا لا أنظر إليها بحالتها الآن، بل ماذا أستطيع ان أعمله بها] فإذا كان مايكل أنجلو قادراً أن يخرج تمثالاً رائعاً من الرخام، فما الذي يستطيعه الله فيَّ. والله أخرج من الأمم الوثنيين شعوباً مقدسة. هذا النوع من الإيمان، أن الله يبرر الفاجر، أو أن الله يخرج من الموت حياة، هو مدخل التبرير (أنظر المقدمة). الإيمان هو الباب الذي ندخل منه لحياة البر. الآيات (6-8):- "6كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَال: 7«طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. 8طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً»." غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ = نري في هذه الآية غفراناً للخطية وستر عليها أي تبرير، فما عادت الخطية ظاهرة. ونري أيضاً أن الغفران والستر لم يحدثا نتيجة أي عمل. الله ستر بكفارته (دم تيس الكفارة عند اليهود). والكفارة هي بدم المسيح الذي يستر علينا بكفارته فأي عمل كان يساوي دم المسيح، لذلك فما أعطاه المسيح لنا كان نعمة أي عطية مجانية أحصل عليها بالإيمان كمدخل. ودم المسيح غطي وستر علي كل خطايانا. ليس معني هذا أنه لا توجد خطية، لا بل هناك خطية، ولكن أيضاً هناك ستر. إذاً التبرير لا يعني محو الخطية من الوجود، بل أن الله لا يحسبها علينا. وداود لا يذكر أي أعمال في مقابل هذا الستر، بل غفرت هذه الخطايا بالنعمة، ونال صاحبها التطويب. فمن آمن وتبرر يتأهل بالأكثر للبركة التي خلالها ينزع الخزي ليحل المجد. وداود في هذا يشير لنفسه، فالله ستر علي خطيته بنعمته، دون أن يكون هذا التبرير في مقابل أعمال صالحة. بل أن تبرير الله مبني علي رحمته وفضله ومحبته، لذلك كم تغنَّي داود بمراحم الله الذي برره ولم يهلكه. الآيات (9-10):- "9أَفَهذَا التَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى الْخِتَانِ فَقَطْ أَمْ عَلَى الْغُرْلَةِ أَيْضًا؟ لأَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّهُ حُسِبَ لإِبْرَاهِيمَ الإِيمَانُ بِرًّا. 10فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَهُوَ فِي الْخِتَانِ أَمْ فِي الْغُرْلَةِ؟ لَيْسَ فِي الْخِتَانِ، بَلْ فِي الْغُرْلَةِ! " إذاً إبراهيم تبرر بالإيمان، قبل الختان بمدة تتراوح بين 14-25 سنة وقبل الناموس بمدة 430 سنة، أي أن التطويب الذي ناله إبراهيم والتبرير الذي أخذه كان وهو في الغرلة، وقبل أن يختتن. إذاً هذا التطويب يخص الأمم كما يخص اليهود. إذاً هو لكل من آمن (راجع مقدمة هذا الإصحاح نقطة رقم 3). الآيات (11-12):- "11وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ، كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ. 12وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ. " أخذ إبراهيم علامة الختان، كعلامة خارجية، كختم يؤكد ويظهر إيمانه، وأنه تبرر نتيجة إيمانه. وإبراهيم آمن وتبرر وهو في الغرلة. وهكذا صار إبراهيم أباً روحياً لكل هؤلاء الذين لم يختتنوا ولكنهم آمنوا. وحُسِب لهم هذا الإيمان براً. وصار أيضاً أباً لليهود الذين لم يقتصروا علي الختان، ولكنهم سلكوا في الإيمان الذي سلك فيه إبراهيم وهو في الغرلة، فلا يدعي اليهود أولاداً لإبراهيم إن لم يسلكوا في خطواته ويعملوا أعماله (يو39:8،44). ونلاحظ بنفس المفهوم أن لا يدعي مسيحياً إلا من يتبع نفس خطوات المسيح. ونلاحظ أن أبوة إبراهيم لمن هم في الغرلة تسبق أبوته لمن هم في الختان. ونري أنه لا تعارض بين أعمال الناموس (الختان) وبين الإيمان. بل جاء الختان كختم مؤكداً الإيمان ولكنه جاء لاحقاً له. الختان صار علامة تميز المؤمن عن باقي الأمم، علامة علي إيمانه، وكل من يحمل هذه العلامة عليه أن يلتزم بالإيمان. ونلاحظ أن الختان يعني أننا ولدنا بطبيعة فاسدة يلزمها الختان الروحي الذي يرمز له الختان الجسدي. وهذا الختان صار بهذا رمزاً للمعمودية. الختان هو علامة في الجسد ولكنها ليست للفخر، بل هى إعلان أن هناك جزء ميت في داخلي وهو شهوة الخطية، وبهذا كل من يحيا هكذا مائتاً عن خطاياه، قابلاً هذا أن يُصلب جسده، أهواءه مع شهواته فهو يحيا. وهذا تعليم القديس بولس الرسول ( غل5: 22- 24) فثمار الروح ( الثمار تكون للإنسان الحى ) هى لمن يصلب جسده. آية (13):- "13فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. " رأينا من قبل أن إبراهيم تبرر بالإيمان وهو غير مختون، وفهمنا من هذا أن الختان لم يكن شرطاً للتبرير. فالختان أتي بعد إعلان الله عن إبراهيم أنه تبرر بالإيمان بحوالي14-25 سنة. وهنا يضيف الرسول في الآيات التالية أن إبراهيم تبرر أيضاً بدون ناموس، فالناموس أعطاه الله لموسى بعد إبراهيم بحوالي430 سنة، أي أن إبراهيم لم يري الناموس أصلاً، وهذا يقوله الرسول رداً علي اليهود الذين يقولون أنه لا تبرير بدون ناموس. ويريدون أن يتهود الأمم قبل أن يصيروا مسيحيين. لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ = الله أعطي وعداً لإبراهيم وهو في الغرلة ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض (تك18:22). وكان هذا الوعد بالبركة لإبراهيم قبل الناموس بـ430 سنة. (ومعني الوعد هو مجيء المسيح الذي فيه يتبارك كل أمم الأرض). ويعلق بولس الرسول في (غل16:3) أن الكتاب قال نسلك ولم يقل أنسال، فهو يتكلم عن واحد فقط وليس كل نسل إبراهيم. ولاحظ في إصحاح 22 من سفر التكوين أن إبراهيم حين آمن بوعد الله، زاد الله الوعد بأن يكون من نسله المسيح. إذاً وعد الله لإبراهيم لم يكن أبداً بواسطة ناموس موسى. آية (14):- "14لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ: الوعد لإبراهيم بأن يرث كان في (تك4:15،5) والوعد بأن يتبارك في نسله كل الأمم كان في (تك18:22). وهذا وذاك قبل الناموس بـ430 سنة تقريباً. ووعود الله كانت بناء علي إيمان إبراهيم فقط، فلو قلنا أن هناك شروطاً أخري لينفذ الوعد مثل الناموس، فمعني هذا أن الوعد ظل معطلاً لمدة 430 سنة حتى يأتي الناموس علي يد موسى، في حين أن الوعد لم يستلزم إلا الإيمان فقط، بل أن حتى الوعد لإبراهيم ما كان إبراهيم قد إستفاد به، إذ لم يكن هناك ناموس أيام إبراهيم بل أنه لم يوجد أي إنسان إستطاع الإلتزام تماماً بالناموس، فهل معني هذا أن وعد الله كان بلا معني وغير قابل للتطبيق، بل حتى موسى نفسه واضع الناموس لم يلتزم بالناموس تماماً. آية (15):- "15لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ. " الناموس كامل ومقدس، وليس هناك عيب في الناموس، لكن بسبب ضعف الإنسان لم يوجد من يلتزم بالناموس، وأصبح من يخطئ مع وجود الناموس فهو يتعدّى علي وصايا الله، ومن يتعدّى علي وصايا الله يغضبه = النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا = إن كسر وصية واحدة كافٍ لإغضاب الله فبدون الناموس يخطئ الإنسان، ولكن الغضب ينشأ بالأكثر حيث يوجد ناموس. فربما مع عدم وجود ناموس يبرر الإنسان نفسه ويقول لا أعلم، ولكن ما عذر الإنسان بعد أن أعطي الله الناموس. فمع وجود الناموس فالخطية بالإضافة لكونها خطية صارت تعدي علي الناموس (غل10:3). ونلاحظ أن الوعود كانت في ظل إيمان إبراهيم وليس الناموس فالناموس مثل القانون، لا يكافئ من لا يقتل، لكنه يعدم من يقتل. آية (16):- "16لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا. " لِهذَا هُوَ = يقصد الوعد (آية 14) مِنَ الإِيمَانِ = الوعد كان بسبب إيمان إبراهيم ، ولكن لماذا أعطي الله الوعد بالإيمان؟ 1. كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ: وليس الدين. فلو أعطي الله لإبراهيم حسب أعماله، لأعطي له غني مادي (ماشية وأموال) تعوضه عن تركه لأور. 2. لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا: فلم يكن عهد الأعمال وطيداً (ثابتاً وراسخاً) بسبب ضعف الجسد المستمر وسقوطه. لذلك:- فإنه خطأ شديد أن نقول أنني سأدخل السماء بسبب أعمالي الجيدة، فلو كانت البركة في مقابل الأعمال، لما كانت ثابتة ووطيدة، فلم يوجد من هو كامل.. لذلك فلنصرخ دائماً قائلين يا رب أرحم… وهذا هو المنهج الأرثوذكسي كما نراه في القداس. 3. لِيَكُونَ لِجَمِيعِ النَّسْلِ = فلو كان بالناموس لكان محصوراً في اليهود (رو4:9) وأما حين يكون بالإيمان فسينتفع به كثيرون من اليهود وكذلك الأمم. ولذلك غيَّر الله إسم إبرام إلي إبراهيم = أب لجمهور من الأمم، (تك3:17-5). أي يكون أباً لكل من يمتثل بإيمانه = أَبٌ لِجَمِيعِنَا. 4. لو كان الوعد بالناموس لجلب غضب ولعنة، فالكل سقط في التعدي فالناموس يبعدنا عن ميراث المواعيد، لذا كان من الإيمان ليُرفع الحظر. آية (17):- "17كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ، الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. " في الآية السابقة قال أن إبراهيم صار أب لجميعنا، وهنا يقول لماذا؟ لأن الله قال له قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ (تك5:17 سبعينية) أَمَامَ اللهِ = أي في إعتبار الله صرنا أولاداً لإبراهيم، الله وهو يقول هذا لإبراهيم جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ = كان الله يضع في إعتباره، أننا سنكون بإيماننا أولاداً لإبراهيم ونرث بركته… هذا لكل من آمن بحسب شكل إيمان إبراهيم = الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى = فهو آمن بأن الله قادر أن يحيي مستودع سارة الميت، وأن يخلق من العدم، ويقيم إسحق بعد أن يقدمه محرقة (عب19:11). والمسيح أقام لعازر من الموت، وأقام الشعوب الوثنية من موت الخطية بالإيمان، وهكذا كل خاطئ فالله قادر أن يقيمه من موت الخطية (قصة الإبن الضال "إبني هذا كان ميتاً فعاش" + (أف5:2، 14:5 + مت9:3) ففي (مت9:3) فالحجارة الميتة يقام منها أحياء. وإن كان الله قد وهبنا الوجود من العدم أفلا يهتم بنا ونحن الآن موجودين. وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ = فكل الأمم الوثنية الميتة التي آمنت قد رآها الله قبل آلاف السنين أنها صارت حية بإيمانها، وصارت أولاداً لإبراهيم، وإبراهيم أباً لها بالإيمان. وكون إبراهيم أباً لأمم كثيرة فهذا يعني الأمم الوثنية وليس اليهود فقط. آية (18):- "18فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ:«هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ»." الله أعطي المواعيد لإبراهيم وإبراهيم آمن وصار له رجاء في أن يكون له نسل من سارة، وهذا الرجاء عكس الرجاء الطبيعي، إذ أن إبراهيم بلغ عمراً يجعله يفقد الرجاء في أن يكون له إبن، وامرأته سارة بلا رجاء طبيعي فمستودعها ميت ولا تصلح للإنجاب. هكذا ليتنا نؤمن بأن الله قادر أن يتمم مواعيده مهما كانت العوائق. والله يفرح حينما يكون لنا رجاء أن نصير قديسين، وليس فقط أن نهزم خطية ما. الله قادر أن يشفي طبيعتنا إن كان لنا إيمان المرأة النازفة الدم التي لمست هدب ثوبه. إن طلبنا بإيمان أكيد فالله يستجيب. آية (19):- "19وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ ­ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ ­ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. " لأنه لم يكن ضعيفاً في إيمانه، فإنه لم يقس الأمور بما يتفق وحالته وإستعداده للإنجاب. هكذا علي المؤمن أن لا يقيس قدرة الله بالمنطق البشري. بل لنلاحظ أن القوة التي أعطاها الله لإبراهيم إستمرت معه فعاد وأنجب من قطورة. إن عدم الإيمان هو الذي يدفع الإنسان للتفكير في المعطلات والمشكلات (المستودع= الرحم). آية (20):- "20وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا ِللهِ. الريبة تأتي من العقل والشكوك التي تملأهُ. وكلمة إرتاب هي خطية (رو23:14 + يع6:1،7). فهي حالة عدم إيمان. وحينما يطرح الإنسان الشك، يأتيه اليقين إتياناً ليملاً الفراغ الذي إحتله الشك. ولاحظ أن القلب المملوء ثقة يمجِّد الله. فالله يتمجد في الإيمان. وإبراهيم لم يعتريه أي شك في وعد الله. تَقَوَّى بِالإِيمَانِ = تعلق فكره وقلبه بالله كمنفذ. ومن يفعل يزداد إيمانه ويتقوي. فمن يبدأ بإيمان ضعيف يقوي الله له إيمانه. آية (21):- "21وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. " حينما تقوي إيمانه إزداد يقينه أن الله سيفعل ما وعده به. آية (22):- 22"لِذلِكَ أَيْضاً: حُسِبَ لَهُ بِرًّا»." لنراجع عناصر إيمان إبراهيم 1. الله يحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة. 2. علي خلاف الرجاء آمن علي الرجاء. 3. لم يعتبر مماتية جسده أو مماتية مستودع سارة عائقاً يمنع وعد الله من أن يتحقق. 4. لم يرتاب في وعد الله بل تيقن أن ما وعد به الله يفعله، هذه الثقة وهذا الإيمان هو الذي يبرر، هو المدخل للتبرير (المقدمة). 5- وبعد هذا قبل أن يقدم إسحق ذبيحة مؤمناً أن الله سيعطى إسحق حياة بعد ذلك، وعاد إسحق حياً. بل أخذ وعداً ونعمة أن يصير أباً للمسيح الذي كان إسحق رمزاً له ( تك22: 15- 18) ، والأعمال المطلوبة منا أن نقبل أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية فيحيا المسيح فينا . فبداية تبرير إبراهيم كانت إيمانه ( تك15) فالمدخل للتبرير هو الإيمان وهذا تعليم بولس الرسول . وبعد ذلك أكمل إبراهيم بأعماله وقدم إسحق ذبيحة ، فإستمرت حياة التبرير لأن إيمانه كان حياًوإتضح هذا في عمل تقديم إبنه ذبيحة مؤمناً أن الله يحييه ثانية ( عب 11: 19) وهذا هو تعليم يعقوب الرسول أن الأعمال هى قبول تنفيذ وصايا الله مؤمنين أن في هذا التنفيذ حياة. وهذا هو الإيمان الحى ( يع 2: 22). آية (23):- 23"وَلكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ. " في ختام الإصحاح يطبق ما قاله عن إبراهيم علينا لنكون أولاداً لإبراهيم ونتبرر بالإيمان. آية (24):- 24"بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. " سَيُحْسَبُ لَنَا = مكتوبة بصورة المستقبل. فكل من يؤمن، كل الأيام وإلي إنقضاء الدهر يتبرر. والتبرير مستمر في الكنيسة. آية (25):- 25الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. الَّذِي أُسْلِمَ = أسلم بإرادة الآب كما بإرادته هو ليكفر عن خطايانا [وقارن مع "ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضاً" يو18:10] وأقيم ليهبنا حياته، وبره عاملاً فينا. القوة التي أقامت المسيح من الأموات هي التي تعمل فينا لتقيمنا من الأموات، موت الخطية الآن ثم من موت الجسد في القيامة العامة. فالمسيح وفَّى ديوننا بموته، وبقيامته وهبنا بره عاملاً فينا إذ نحمل الحياة الجديدة المقامة في داخلنا. من هذه الآية نري أن الخلاص يتم علي مرحلتين، وقارن مع (رو10:5) فالآيتين بنفس المعني. ثم قارن عمل المعمودية بهما (رو3:6-5) المرحلة الأولى المرحلة الثانية 1- أسلم من أجل خطايانا 2- لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت إبنه 3- 3- بالمعمودية نموت مع المسيح 1- وأقيم لأجل تبريرنا 2- فبالأولي كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته 3- وبالمعمودية نقوم مع المسيح 4- 1- (رو25:4) 2- (رو10:5) 3-(رو3:6-5 ) الخلاص يتم علي مرحلتين: 1. غفران الخطايا= كان هذا بأن المسيح أُسْلِمَ للموت عنا ليحمل خطايانا فنتصالح مع الآب. وبالمعمودية نموت مع المسيح فتغفر خطايانا (فمن يموت في أثناء نظر قضيته تسقط عنه القضية) ونحن بموتنا مع المسيح في المعمودية سقطت عنا خطايانا وحكم الموت وتصالحنا مع الله. ولكن هذا الوضع يشبه إنساناً سرق خبزاً ليأكل، فحُكِمَ عليه، وجاء من دفع عنه ثمن الخبز فحصل علي البراءة. لكن إذا خرج من السجن سيسرق ثانية ليأكل بسبب جوعه. لذلك كانت القيامة ليعطينا المسيح حياته لنسلك في البر. 2. التبرير= غفران الخطايا كان هو الحكم بالبراءة. ولكن بالقيامة مع المسيح في المعمودية يعطينا المسيح حياته وبره، فنسلك بالبر ولا نعود نسقط. نحن نقوم في حياة جديدة (رو4:6). المسيح يحيا فيّ (غل20:2) فأصير باراً، بالمسيح الذي يحيا فيّ. إذاً فالقيامة صارت لحسابي فالمسيح أعطاني حياته المقامة من الأموات. والروح القدس الذي نحصل عليه في سر الميرون يثبتنا في المسيح فتثبت فينا حياته فنعمل البر ، لكن هذا لمن يقبل أن يسلم أعضاءه للمسيح الذي فيه ، فالمسيح أعطانا حياته. ومن يسلم أعضاءه للمسيح، تصير أعضاءه آلات بر ( رو6: 13) يستعملها المسيح ، فالآلة يستخدمها إنسان لعمل ما. والروح القدس يبكت لو تركنا أعضاءنا لعدو الخير ليستعملها كالآت إثم، وهذا معنى " يبكت على خطية " وأيضاً " يبكت على بر" كل من لايقبل أن يعطي أعضاءه للمسيح ليستعملها . ومن يستجيب لتبكيت الروح القدس يعينه الروح القدس ( رو8: 26) ويثبته في المسيح فيحيا حياة أبدية . لذلك فالمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح. في الموت نصطلح مع الآب إذ تغفر خطايانا. وبالقيامة يكون لنا حياة المسيح فنخلص بحياته. وهذا ما سوف نراه في الإصحاح الخامس آية (10).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الرَّابِعُ إبراهيم يتبرر بالإيمان    (1) إبراهيم تبرر بإيمانه (ع1-8 ): 1فَمَاذَا نَقُولُ، إِنَّ أَبَانَا إِبْرَاهِيمَ قَدْ وَجَدَ حَسَبَ الْجَسَدِ؟ 2لأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَالِ فَلَهُ فَخْرٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَدَى اللهِ. 3لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ، فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا. 4أَمَّا الَّذِى يَعْمَلُ، فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَة،ٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. 5وَأَمَّا الَّذِى لاَ يَعْمَلُ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِى يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا. 6كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِى تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِى يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَالٍ: 7 طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُـمْ. 8طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِى لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً. مقدمة: فى هذا الأصحاح يعرض القديس بولس دليلاً آخر على فكرة التبرير بالإيمان من خلال حياة إبراهيم نفسه، مؤكداً أن التبرير بالإيمان ليس فكرة حديثة ظهرت مع المسيحية، ولكنها عقيدة قديمة بل وأقدم من الناموس نفسه، وأيضا أقدم من واقعة ختان إبراهيم. وذلك فى محاولة من القديس بولس لعلاج فكرة اليهود الخاطئة، بأنهم أبرار لمجرد انتسابهم لإبراهيم بالجسد، وسيرهم بكبرياء وعجرفة عوض الحياة بفكر وإيمان إبراهيم الحى الذى عاشه وهو فى الغرلة. ع1: وجد: حصل على بر وخلاص. يتساءل بولس الرسول عما جناه إبراهيم من أعماله بالجسد، وهل حصل بها على البر؟.. كلا كما سيجيب فى الآيات التالية. ع2-3: لو كانت أعمال إبراهيم الصالحة هى التى بررته، لكان من حقه أن يفتخر بها أمام الناس. ولكنه فى الحقيقة لم يتبرر فى نظر الله بالإعمال، والله عندما برره لم يذكر أنه برره بسبب أعماله، بل يقول الكتاب أنه عندما آمن إبراهيم بالله، هنا فقط حسبه الله بارًا. وهذه بالقطع نعمة، أن يحسب الله لإنسان أنه بار. ولم يكن إبراهيم محتاجا إلى أعمال الناموس، لأنه لم يكن قد ظهر بعد. فهو يعلن عدم الحاجة لأعمال الناموس حتى يتبرر الإنسان. وهذا بالطبع غير الأعمال الصالحة الناتجة عن الإيمان التى نحيا فيها الآن. يجب ألا ينسينا حديثنا عن إيمان إبراهيم أهمية أعماله؛ فقد قال القديس يعقوب فى رسالته "ألم يتبرر أبونا إبراهيم بالأعمال، إذ قدم إسحق ابنه على المذبح، فنرى أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان" (يع2: 21-23). ع4: الذى يعمل: أعمال الناموس. نعمة : هبة مجانية تعطى الخلاص والتبرير ودخول الملكوت. دين : الله مديون أن يقدم مقابل لتعب الإنسان كأجره له، وهى البركات المادية على الأرض، ولكن لا تغفر خطاياه ولا يدخل الملكوت. يكمل القديس بولس إجابة السؤال فى الآية (ع1)، بقوله أن الذى يتعامل مع الله من منطلق أعماله بالجسد فقط، يأخذ أجرته من البركات المادية كأنه عامل أجير عند سيده الذى يدين له بأجره نظير أعماله، وينتهى الموضوع بلا أى نعمة إضافية أو تبرير، أى يظل خاطئا غير مسموح له بدخول ملكوت السماوات. وإليك أيها الحبيب أمثلة على ذلك. الهندوسيون الذين يعملون بالجسد أعمالا نسكيه عظيمة جدا، يكافئهم الله بأجرة كحسب أعمالهم، ولكنهم لم ينالوا التبرير أو الخلاص، إذ ليس لهم إيمان. الفريسى، الذى عمل كل الأعمال الصالحة مفتخرا بذاته، خرج من أمام الله غير مبرر، بل بالأكثر ساقطا فى خطية البر الذاتى والكبرياء. فالأعمال وحدها لا تبرر، لأنها أمام الله كلا شئ، إذ يقول "متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا أننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا" (لو17: 10)، وإن كانت الأعمال لازمة بعد الإيمان. ع5: لا يعمل : أعمال الناموس أو أعمال يتكل فيها على نفسه وليس لها علاقة بإيمانه بالله مثل أعمال غير المؤمنين. يؤمن: بالمسيح الفادى لكل الخطاة. الفاجر: المتمادى فى الشر. يحسب له برا: تغفر خطاياه وينال بر المسيح ودخول الملكوت. الفاجر الذى غاص فى أعماق الشر وعجزت كل الطرق عن تغييره، هذا إذا ما انسحق أمام الله، معترفا بأخطائه غير ملتمس لنفسه الأعذار، ومعلنا استعداده التام لتغيير طرقه وطاعة سيده، والبدء فى الطريق القويم الجاد مع الله، واثقا من قوته القادرة أن تنزع خطاياه، هذا الإنسان يحسب بارا عند الله. ع6: بدون أعمال: لم تكن له فرصة ليعمل، بل مات سريعا بعد إيمانه. أو المقصود أعمال الناموس التى لم يعملها الأمميون، ولكن لما آمنوا بالمسيح نالوا التبرير. كما يقول داود، طوبى للإنسان الذى يحسب باراً بدون أعمال. وكلمة بدون أعمال لا تعنى عدم أهمية الأعمال، فقد سبق الإشارة إلى أهميتها البالغة فى (ص2: 6)، ولكن يقصد هنا الذى لم تتح له الفرصة للأعمال، كاللص اليمين، الذى عمل كل ما هو مستطاع من إيمان وشهادة للمسيح فى ظل ظروفه، كمقيد معلق على الصليب بلا حيلة، ولكن لم يمتد به العمر أكثر ليصنع أعمالاً خيرة. ذلك وصل للفردوس وغيره كثيرون من الشهداء من أصل وثنى، الذين كانوا عندما يشاهدون معجزات وأكاليل الشهداء المسيحيين، يؤمنون بل ويستشهدون على اسم المسيح، فيموتون قبل أن يمهلهم الزمن لفعل أعمال صالحة، هؤلاء نالوا التبرير بالإيمان ومعمودية الدم بدون أعمال. ع7: يشهد المزمور (32: 1) بسعـادة من غفرت آثامهم وسترت خطاياهم من قبل مراحم الله. ع8: طوبى لمن لا يحسب له الله خطاياه (مز32: 2)، فهو ينساها كأنها لم تكن، بينما المجرم فى العالم تظل جرائمه تلاحقه، مكتوبة دائماً فى سجله، محسوبة عليه حتى بعدما ينال عقوبته كاملة.  كم هى عظيمة نعمة الله، التى تغفر خطايانا فى سر الاعتراف، وتفتح لنا أبواب الصلاة والحديث معه كل حين، وتهبنا كلمته بين أيدينا فى الكتاب المقدس وتعتنى بنا فى كل خطواتنا. لنرفع قلوبنا بالشكر الدائم له، ونتأمل كل حين فى عطاياه الكثيرة. (2) إبراهيم تبرر قبل الختان (ع9-12): 9أَفَهَذَا التَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى الْخِتَانِ فَقَطْ، أَمْ عَلَى الْغُرْلَةِ أَيْضًا؟ لأَنَّنَا نَقُولُ إِنَّهُ حُسِبَ لإِبْرَاهِيمَ الإِيمَانُ بِرًّا. 10فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَهُوَ فِى الْخِتَانِ أَمْ فِى الْغُرْلَةِ؟ لَيْـسَ فِى الْخِتَانِ، بَلْ فِى الْغُرْلـَةِ! 11وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِى كَانَ فِى الْغُرْلَةِ، لِيكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِى الْغُرْلَةِ، كَى يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ. 12وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِى خُطُواتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، الَّذِى كَانَ وَهُوَ فِى الْغُرْلَةِ. ع9: يتساءل بولس الرسول، هل التطويب السابق يشمل الختان (اليهود) فقط، أم الغرلة (الأمم) أيضا؟ بالطبع يشمل الاثنين. ع10: ثم يأتى القديس بولس بالدليل القاطع على عدم أهمية الختان فى التبرير، بتذكير اليهود بحقيقة تاريخية جلية الوضوح، وهى أن إبراهيم قد تبرر بالإيمان وهو فى الغرلة قبل أن يختتن بالجسد بحوالى 14 عاماً، وقبل وجود الناموس المكتوب الذى جاء على يد موسى بعد وعد الله لإبراهيم بأكثر من 430 سنة. ع11: ثم بعد التبرير، جاء الختان كعلامة للتبرير وليس سبباً له، ليكون إبراهيم أباً لكل الذين يسلكون بنفس طريقة إيمانه ولم يختتنوا، أى الأمم الذين آمنوا بالمسيح. ع12: أيضاً ليكون أباً للختان (اليهود) ليس المختتنون بالجسد، بل السالكون على نفس طريقة إيمان إبراهيم حينما كان أممياً، أى قبل أن يختتن.  لعل ما يخصنا مما سبق ألا نتكل على شكل خارجى أو عبادة مظهرية سطحية، أو أعمال خيرية عملناها، أو نفتخر بأننا أولاد الشهداء والقديسين، بل لابد لنا من نقاوة داخلية وقلب مؤمن محب لله، مستعد كل حين للأعمال الصالحة كتقدمه حب لله، وهكذا يفرح الله بنا ويحسبنا أبناءه. (3) الإيمان شرط لنوال البر (ع13-17): 13فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيـمَانِ.14لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ! 15لأَنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ. 16لِهَذَا، هُوَ مِنَ الإِيمَانِ كَى يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِى هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا. 17كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنِّى قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأمَمٍ كَثِيرَةٍ. أَمَامَ اللهِ الَّذِى آمَنَ بِهِ، الَّذِى يُحْيِى الْمَوْتَى، وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. ع13-14: يستمر القديس بولس فى إثبات قضيته، بفتح باب الخلاص للجميع وعدم قصره على اليهود بالناموس، فالوعد بالخلاص وبر الإيمان كان أسبق من الناموس وأعماله، لأنه لو قصر الخلاص على الناموس وأعماله لبطل وعد الله نفسه (حاشا)- "ويتبارك فى نسلك (أى المسيح) جميع الأمم". ع15: جاء الناموس حاملاً معه عقوبات لمن لا ينفذه، وأصبح كل إنسان عالمًا بالناموس محكوماً عليه بالتعدى، أى المخالفة لأحكام الناموس، فكيف ننجو من ذلك التعدى لننال البر؟ ع16: بهذا يمنح الله البشرية كلها، التى تؤمن كإيمان إبراهيم، سواء اليهود أولاده بالجسد أو الأمم، فرصة متكافئة لنوال وعد البر، أى عفو الله عن آثامنا كنعمة وهبة منه، لأننا ننال البر ليس كثمن نظير إيماننا، بل كمكافأة عظيمة أكثر جدا من استحقاقاتنا كبشر. ع17: أمام الله: فى اعتبار الله. الذى أمن به: إبراهيم. يقول الكتاب صراحة أن الله قال لإبراهيم، إننى قد جعلتك أباً لأمم كثيرة، لأن الله يعتبره أباً للأمم واليهود. فإبراهيم ظهر إيمانه بالله فى موقفين: 1- (إن الله قادر أن يحيى الموتى) فعندما أطاع الله بتقديم إسحق ابنه ذبيحة، مد السكين ليذبحه، متيقناً تمام اليقين أن الله سيعيد إسحق إلى الحياة مرة أخرى. 2- (ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة) عندما آمن بأنه سيوجد له نسل (إسحق) حتى قبل أن يولد ويوجد.  ثق فى قوة الله القادرة أن تحول ضعفك إلى قوة، وإن سقطت فى خطايا صعبة يسامحك ويحولك إلى القداسة. فإيمانك سيدفعك فى عمل إيجابى غير متعطل بكثرة خطاياك. (4) كل شئ مستطاع لدى المؤمن (ع18-25): 18فَهُوَ، عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ، لِكَىْ يَصِيرَ أَبًا لأمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ. 19وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِى الإِيمَانِ، لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ، وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. 20وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِى وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا لِلَّهِ. 21وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَـادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. 22لِذَلِكَ أَيْضًا حُسِبَ لَهُ بِرًّا. 23وَلَكِنْ، لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ، 24بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا، الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا، الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ، 25الَّذِى أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا، وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. ع18: إبراهيم، على خلاف الرجاء والمنطق الطبيعى والفكر البشرى، آمن برجاء فى قوة الله وقدرته أن يقيم الأمم من ظلمة الخطية وظلال الموت ليصيروا أبناءً له، عندما قيل له من قبل الله هكذا سيكون نسلك يا إبراهيم كثيراً كرمل البحر ونجوم السماء. ع19-21: كان إبراهيم قوياً فى إيمانه، ولم يعطِ أى اعتبار أو أهمية للحقيقة العلمية التى تقول، أنه لا يمكن للرجل أن ينجب عندما يصير شيخاً، ومماتيه (موت) مستودع سارة (رحم سارة)، أى انقطاع عادة النساء عنها وعدم قدرتها على الإنجاب منذ زمن بعيد، ولم يشك لحظة واحدة فى وعد الله، بل صدقه وقدم مجداً وشكراً حتى قبل أن يتم الوعد.  أيها الحبيب، يا من تشتهى أن تكون صديقاً لله، لا تضطرب إذا تأخرت مواعيده ولا تتشكك، فهى آتية حتماً فى الوقت المناسب. ولا تدع الحسابات المادية والمنطق البشرى يعوق إيمانك، فأنت تتعامل مع إله قادر على كل شئ، والغير مستطاع لدى الناس مستطاع لديه وحده. فثق فيه ولا تخف. ع22-25: هنا فرح الله بثقة إبراهيم فيه، فحسب له أنه بار فى ذلك الموقف أيضا. هذا الكلام لم يكتب ليروى قصة عن إبراهيم انتهت، بل هوذا دعوة الله مفتوحة للبشرية كلها بوجه عام، ولك أنت بالذات بوجه خاص. فليكن لك إيمان بالله العظيم القدير، فالذى أقام المسيح يسوع من الأموات، قادر أن يقيمك من موت الخطية. فالمسيح أسلم للموت ليموت بدلاً عنا بسبب خطايانا، وقام من الأموات ليقيمنا معه من الحياة المادية الأرضية إلى حياة البر والسلوك الروحى، لنصير أبرارًا.  إن حاربك إبليس وسقطت كثيرا، فلا تنزعج بل آمن بالمسيح القائم، وقدم توبة ليغفر لك خطاياك، وواصل جهادك الروحى، بل لتزداد صلواتك وقراءاتك لتعوض ما فاتك وتتقدم خطوة جديدة فى طريق محبة الله.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح