كلمة منفعة
هناك أشخاص يركزون جدًا في كلامهم، تركيزًا شديدًا يحتاج إلى مزيد من التوضيح والشرح ليفهم السامع.
— كثرة الكلام
الرسالة إلى أهل رومية 2
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 2
روميه
الإصحاح رقم 2
الباب الثاني : الجانب التعليمي
الأصحاح الثاني
حاجة اليهودي للخلاص
إن كان الأممي قد سقط في شرور كثيرة ونجاسات، مقاومًا الناموس الطبيعي، فإنه لا يليق باليهودي أن يدينه، لأن الأول أخطأ بدون الناموس المكتوب، أمّا الثاني فبالناموس تعدى الوصيّة، وكأنه لم يخطيء فقط ولكنه أيضًا "تعدّى"، فصارت مسئوليته أعظم وعقابه أشد. وبهذا فإن الناموس لا يُبرّر من يسمعه بأذنيه، وإنما من يمارسه ويحفظه ويحياه [13]. اليهودي ليس يهوديًا في الظاهر [28]، ولا الخِتان في اللحم ختانًا، إنما اليهودي من عاش بالحق رجل الله الروحي، وكأن قلبه لا جسده مختونًا بالروح.
هذا ما أوضحه الرسول في هذا الأصحاح، وهو حديث نافع لنا نحن كمؤمنين، لأنه إن كان اليهودي الظاهر يُدان على حرفيته القاتلة بدون روح، فبالأولى المسيحي أن تمسّك بالشكل والاسم دون الحياة، يكون أشر من اليهودي وأبشع، مستهينًا بالدم الكريم.
هذا الحديث يمس بالأكثر حياة الخدام والرعاة، إذ يقدّم تحذيرًا لهم لئلاّ يسحبهم المجد الزمني وتلهبهم الكرامات عن الحياة الداخليّة الملتهبة بالروح والحق.
1. الناموس وإدانة الآخرين 1-11.
2. الناموس والحياة العمليّة 12-16.
3. الناموس والتعليم 17-29.
1. الناموس وإدانة الآخرين
يعالج الرسول بولس موضوع اعتداد اليهودي بنفسه لأنه مستلم الناموس دون سواه من بقية الأمم، ولم يدرك أن الناموس هو مرآة تفضح الخطيّة وتكشف عن الضعف. للأسف بدلاً من أن يستخدمه اليهودي لاكتشاف ضعفاته، فيصرخ إلى الله بالتوبة، طالبًا عمل المخلص، تقسّى قلبه مستخدمًا الناموس لفضح خطايا الآخرين. هكذا بدلاً من أن يدخل به الناموس إلى التوبة اغتصب مركز الديّان، وأقام نفسه لمحاكمة الآخرين، تحت دعوى معرفة إرادة الله ومشيئته. استخدم الناموس لطلب المتكآت الأولى، ليُقيم نفسه ديّانًا للغير.
إدانة الآخرين هي في ذاتها إعلان عن التعب الداخلي، كما فعل اليهود عندما أمسكوا بالزانية فأرادوا أن يتشفّوا فيها برجمها، أمّا الديّان فستر عليه بحبه، لكنه لم يتركها في خطيتها، إنما خلال محبته الحازمة أوصاها: "ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطيء أيضًا". هكذا شتان بين تصرف الإنسان الذي يدين أخاه مع أنه مشترك معه في الضعفات، وبين حكم الله الذي يطيل أناته علينا، لعلّنا نتوب فنفلت من الديونة.
هكذا يربط الرسول بولس بين إدانتنا نحن للآخرين وإدانة الله الديّان لنا، مبرزًا النقاط التالية:
أولاً: إذ نقيم أنفسنا ديّانين للإخوة ونحن مشتركون معهم في الضعف، نحكم على أنفسنا بأنفسنا خلال حكمنا على الغير، إذ يقول: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين، لأنك في ما تدين غيرك تحكم على نفسك، لأنك أنت الذي تدين تفعل تلك الأمور بعينها... أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله؟" [1-3].
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كأن منطقه يُعلن: يا مَن تدين الزاني وأنت نفسك ترتكب ذات الخطيّة، ألست تدين نفسك بنفسك، حتى وإن لم يدنك أحد؟... أن كنت تعاقب إنسانًا يرتكب ذنبًا أقل منك، فكيف لا يأخذك الله بجريرتك ويدينك بقسوة، خاصة وأنك تحكم على نفسك بنفسك؟]
ثانيًا: بحكمك على أخيك ليس فقط تحكم على نفسك بذات تصرفك، وإنما غالبًا ما تخطئ أنت في الحكم، لأنك تحكم حسب الظاهر ولا تعرف أعماق الآخرين ودوافعهم، أمّا الله فيحكم عليك بحق، لأنه عالم بكل أسرارك. بمعنى آخر حتى أن حسبت نفسك أبرّ من أخيك فتحكم عليه وتدينه، فغالبًا ما يكون هذا الحكم ظالما، أمّا الله فهو وحده يدين البشر عن حق، إذ يقول الرسول: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه" [2].
هذا وقد أبرز الرسول بولس سمات دينونة الله التي تختلف تمامًا عن إدانتنا نحن للآخرين، ألا وهي:
أ. أنها "حسب الحق" [2]، لأنه هو "الحق" عينه.
ب. أنه لا يودّ العقوبة، إنما في غنى لطفه وإمهاله وطول أناته يودّ أن "يقتادك إلى التوبة" [4].
ج. إنها عادلة [5].
د. "سيجازي كل واحد حسب أعماله" [6].
هـ. بدون محاباة [11].
د. ليست حسب ما يعلمه الإنسان بل حسب ما يعمله ويحياه [13].
ز. يدين الأعماق الداخليّة للضمير والفكر، أي سرائر الناس [15-16].
ط. حسب حقيقة الإنسان الداخلي، لا مظهره كمتدينٍ أو كمعلمس [17-29].
ثالثًا: أخطأ اليهود، خاصة قادتهم من الكتبة والفرّيسيّين أولاً بتحويل الناموس لا إلى مجال للحياة والعمل الروحي، وإنما لنقد الناس وإدانتهم بروح العجرفة والكبرياء، وثانيًا بكونهم إذ أدركوا لطف الله وطول أناته أساءوا استخدام هذه المعرفة. بمعنى آخر بينما هم يقسون على الآخرين ويدينونهم إذا بهم يستهينون بحب الله وصلاحه، إذ يقول الرسول: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة" [4]. لكن طول أناة الله علينا بالرغم من تسرّعنا نحن في الحكم على الآخرين لا يعني إعفائنا من العقاب، إنما حفظه للوقت المعيّن "ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب، واستعلان دينونة الله العادلة، الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله" [5-6].
الله يطيل أناته لعلّنا نتوب، فإن تمسكنا بالشر زاد العقاب حيث يمتلئ كأس شرّنا، لهذا يرتعب الآباء من عدم التأديب في هذا العالم، حاسبين أن عدم تأديبنا هنا، إنما يحمل غضب الله في يوم الدينونة، عِوض العلاج الخفيف والسريع في هذا العالم بالتأديبات الزمنيّة.
+ ليت الذين يحبون حنوه يهابون أيضًا حقه (عدله)، فإن "الرب صالح (حلو) ومستقيم (حق)" (مز 25: 8).
إنك تحب فيه أنه صالح (حلو)، فلتخشه بكونه الحق...
الرب لطيف، طويل الأناة، حنان، وهو أيضًا البارّ والحق.
منحك فرصة للإصلاح، لكنك تحت تأجيل الدينونة أكثر من إصلاحك طرقك. هل كنت بالأمس شريرًا، فلتكن اليوم صالحًا!
القدّيس أغسطينوس
+ كثيرًا ما أحدثكم عن صلاح الله، لا لتستهينوا به وتفعلون ما هو على هواكم، وإلا صار صلاحه هذا مؤذٍ لخلاصنا، وإنما لكي لا نيأس من خطايانا بل نتوب.
صلاح الله يقودك للتوبة لا لصنع شر أعظم، فإن فسدت بسبب صلاحه تهين الله أمام الناس.
+ طول الأناة تقدّم لنا منافع فإن لم نستفد منها نسقط تحت دينونة أشد.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ [يستخدم الله أحيانًا التأديب وتارة الرحمة لحساب الصالحين:]
طول أناة الله تدعو الأشرار للتوبة، كما أن تأديب الله يدرب الصالحين على الاحتمال.
تحتضن أيضًا رحمة الله الصالحين لتثقيفهم كما أن حزم الله يصد الأشرار بسقوطهم تحت العقوبة.]
القدّيس أغسطينوس
بمعنى آخر إن كان الإنسان يميل بطبعه إلى القسوة على أخيه، حتى أن قدّم الله له كل حب وطول أناة فيدين الغير ويعنفه، فإن الله على النقيض يودّ خلاص الجميع ويطيل أناته لعل الكل يرجع إليه بالتوبة.
لعلّه أيضًا أراد أن يؤكّد أن الله إن كان يطيل أناته عليهم فليس ذلك علامة رضاه عنهم، وإنما علامة صلاحه ينتظر توبتهم.
رابعًا: إن كان الله هو الديّان، لكنّنا نحن الذين "نذخر لأنفسنا غضبًا"... إذ يريد الله الرحمة مقدمًا كل وسيلة لعلّنا نقتنيها، أمّا الإنسان غير التائب فيحفظ لنفسه الغضب. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظوا دقة التعبير: "تذخر لنفسك غضبًا"، موضحًا أن الدينونة لا تصدر عن الديّان إنما هي نتيجة لعمل الخاطيء، إذ لا يقول "يذخر الله لك" وإنما "تُذخّر لنفسك"... أنه يحاول اجتذابك بكل وسيلة، فإن ظللت على عنادك تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة. ولكن لا يتبادر إلى ذهنك أن غضبه انفعال عنيف إنما هو العدالة، هو "استعلان"، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه.]
خامسًا: إذ يتحدّث عن دينونة الله للبشر يبدأ أولاً بالحديث عن الصالحين الذين يكافئون بالحياة الأبدية، وبعد ذلك يتحدّث عن الذين يسقطون تحت الغضب، إذ يقول: "وأما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فبالحياة الأبدية، وأمّا الذين هم من أهل التحزب ولا يطاوعون للحق بل يطاوعون للآثم فسخط وغضب، شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشرّ، اليهودي أولاً ثم اليوناني. مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح، اليهودي أولاً ثم اليوناني" [7-10].
كأن الله يودّ أن يتمتّع الكل بنوال الحياة الأبدية خلال صبرهم في العمل الصالح، فينالون مجدًا وكرامة وخلودًا مع سلام أبدي، لذلك بدأ بهذه الفئة، أمّا الفئة الثانية التي تسقط تحت السخط والغضب التي تئن من الشدة والضيق فهي تحكم على نفسها بهذا خلال إطاعتها للإثم، الأمر الذي يودّ الله ألا يسقط أحد تحته. في هذا يختلف حكم الله عن حكم الناس، الله يتطلّع أولاً إلى الصالحين والأمور الصالحة، أمّا الإنسان فينظر الشرّ أولاً ويحكم سريعًا على الآخرين متطلعًا بالأكثر إلى عيوبهم.
لاحظ القدّيس إيريناؤس أن الرسول بولس قد ركّز على حريّة الإرادة الإنسانيّة في هذه الرسالة (رو 2: 4-5، 7)، لذلك يعطى الله خيرات للذين يعملون الصالح، كما يقول الرسول، فينالون المجد والكرامة لأنهم يمارسون العمل الصالح مع أنه كان في سلطانهم ألا يفعلوه فيسقطون تحت حكم الله العادل.
سادسًا: يؤكّد الرسول أن الله في حكمه لا يحابى: "لأن ليس عند الله محاباة" [11]، فإن كان يكافئ اليهودي أولاً سواء في الخير أو الشرّ، فلأن الله يدين بالأكثر من نال معرفة أوفر أو احتمل مركز القيادة والخدمة. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من العدل أن من يستمتع بنصيب أوفر من المعرفة ينال نصيبًا أشد من العقاب أن تعدى الناموس. ومن ثمة، يكون عقابنا أشد كلما ازددنا في الحكمة والسلطان. إن كنت غنيًا يُطلب منك العطاء أكثر من الفقراء، وإن كنت صاحب حكمة أوفر تلتزم بالطاعة أكثر من غيرك، وإن نلت سلطانًا يلزمك تقديم أعمال أكثر بهاءً.]
المحاباة هي من سمات البشر، الذين ينحرفون عن الحق في الحكم مراعاة لحسب الإنسان أو نسبه أو غناه أو طلبًا لمنفعة ما، إذ يقول الرسول: "يحابون بالوجوه من أجل المنفعة" (يه 16)، وقد كان ذلك محظورًا على القضاة (لا 19: 15؛ تث 10: 17). يحذرنا الرسول يعقوب منها، قائلاً: "لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة" (يع 2: 1)، أمّا الله فيستحيل أن يحابى أحدًا (أف 6: 9؛ كو 3: 25). وقد ظهر عدم محاباة الله على الصليب، إذ "هكذا أحب الله العالم (بلا محاباة) حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16)، كما يقول الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32).
2. الناموس والحياة العمليّة
تحوّل الناموس في حياة اليهود عن غايته الإلهية، فعِوض أن يكون علّة إدراكهم لخطاياهم وشعورهم بالحاجة إلى عمل الله الخلاصي، تحوّل إلى تشامخ وكبرياء بأنهم عارفو الحق ومعلموه، فصاروا ديّانين للأمم، الأمر الذي أسقطهم تحت دينونة الله. إذن فالناموس ليس غاية في ذاته، إنما يليق أن نحتضنه ونحفظه لا خلال المعرفة الفكرية النظرية، وإنما خلال معرفة الحياة العمليّة والخبرة المُعاشة يوميًا، فيصير علّة تكليلنا، لهذا يقول الرسول:
أولاً: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان" [12].
الناموس ليس مجالاً للافتخار بل للعمل، فإن كان الناموس يهب معرفة لوصية الله وإرادته، يلتزم أصحاب الناموس أن يمارسوا الوصيّة، وإلا سقطوا بالناموس تحت الدينونة، فيصيروا ليس كالأمميّين الذين يخطئون بدون الناموس يهلكون وإنما أشر منهم لأنهم يخطئون بمعرفة وهم تحت الناموس. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا لا يُظهر المساواة بين اليهودي والأممي فحسب، وإنما يوضّح كيف أثقل الناموس كاهل اليهودي. لأن الأممي يُدان بدون الناموس؛ هنا "بدون الناموس" تعبير عن تخفيف للعقوبة، إذ لا يقف الناموس شاهدًا عليه... إنما ينال جزاءه بناءً على منطق الطبيعة والعقل. أمّا اليهودي فيُدان بالناموس، أي تكون محاكمته بالطبيعة والمنطق وبجانبهما الناموس، لأن ما ناله من عناية يزيد من مسئوليته. تأملوا إلى أي مدى يجعل اليهودي يسرع بالضرورة نحو النعمة يستنجد بها. لأنهم أن احتجّوا بأنهم يكتفون بالناموس بلا حاجة إلى النعمة، يظهر لهم أنهم في حاجة إلى النعمة أكثر من الأمميّين، لأنه بالناموس يكون عقابهم أشد.]
يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين لم يسمعوا الكلمة (كلمة الإنجيل) يدانون بطريقة غير التي يُدان بها الذين يسمعونها ويستخفون بها.]
يقول أيضًا أن الذين هم بلا ناموس يهلكون، الأمر الذي له صداه المرهب، أمّا الذين تحت الناموس، فيُدانون بمعنى أنهم بلا عذر، وتكون دينونتهم هي الهلاك، بهذا فدينونتهم أصعب.
ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تكون العقوبات واحدة في كل الخطايا بل هي متعددة ومتنوعة حسب الأوقات والأشخاص ورتبهم وفهمهم وظروفهم... فإن ارتكب كاهن زنًا تكون عقوبته مضاعفة جدًا بسبب الكرامة التي نالها.]
ولعلّ الرسول قصد بذلك سقوط الكل تحت الدينونة، الأمم واليهود، ليُعلن حاجة الكل إلى الخلاص.
ثانيًا: من يُخطي في الناموس تكون عقوبته أشد، لأن الناموس أو المعرفة تشهد عليه في يوم الدين، لذلك فالناموس لا يُبرّر الإنسان لمجرد سماعه أو حفظه، وإنما بتنفيذه كله، الأمر الذي يحسب مستحيلاً على البشر، "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبرّرون" [13].
لاحظ دقّة حديث الرسول بولس، إذ يقول: "هم أبرار عند الله"، فإن كثيرين يسمعون الناموس ويتلونه على لسانهم فيتبرّرون أمام الناس كمتديّنين، لكن الله لا يدين الإنسان حسب مظهره، إنما حسب برّ قلبه الداخلي. فبسماعنا للوصية يمكننا أن نخدع إخوتنا وربّما أنفسنا، لكن هل نقدر أن نتبرّر أمام الله؟
لقد طالبت الشريعة بالطاعة الكاملة (تث 4: 1؛ لا 18: 5)، وهو أمر مستحيل إذ لا يوجد إنسان بلا خطيّة... إذن فالحاجة ماسة إلى الذي يبرّر.
ثالثًا: في الوقت أظهر فيه الناموس كثقلٍ على اليهودي، إذ يكون شاهدًا عليه يوم الدين، معلنًا أن الاستماع له بالأذن دون القلب والعمل لن يبرّره أمام الله، رفع من شأن الأممي الذي لم ينل الناموس المكتوب، وإنما خلال الطبيعة جاهد ليمارس ما جاء فيه، إذ يقول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" [14-16].
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:
[كأنه يقول: أنا لا أرفض الناموس، لكنني بسببه أبرّر الأمميّين... مظهرًا أنهم أفضل منهم، بل يمتازون عنهم بعملهم الصلاح، مع أنهم لم يأخذوا الناموس الذي يتشامخ به اليهود. في هذا كان الأمميّيون جديرين بالإعجاب، لأنهم تمّموا صلاح الناموس بأعمالهم لا بكلمات سمعوها... انظروا إذن كيف يلوم اليهود هكذا هادمًا غرورهم، مظهرًا أن الأمميّين الذين سعوا باجتهاد لإتمام الناموس، مع أنهم بدون الناموس، هم أولى بالكرامة منهم. هنا تزداد عجبًا بحكمة الرسول الذي أظهر تفوق الأممي على اليهودي دون أن ينطق بذلك صراحة.]
[ولكي يزيد من مخاوفهم لا يكتفي بالقول: "خطايا الناس" بل يقول: "يدين الله سرائر الناس"، كي لا تظن أنه في مقدورك الهروب من دينونة الله... لأن الناس يقيمون القضاء لمحاكمة الأعمال العلنية (أما الله فيدين السرائر)... إذن ليدخل كل إنسان إلى أعماق ضميره ويحاسب نفسه بكل تدقيق، "لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32)، لأن تلك المحاكمة رهيبة، وذلك الكرسي مخوف، والحساب يكون مرعبًا، لأن "الأخ لا يفدي" (مز 49: 8)،... ماذا يكون شعورنا حينما نقف أمام العالم بأسره وتعلن كل سرائرنا في مسرح مُضاء فسيح يضم من نعرفهم ومن لا نعرفهم؟]
ويرى ابن كاتب قيصر أنه يقصد بالأمم الذين ارتفعوا، بحياتهم مع الله، فوق اليهود هم "الآباء السابقون" قبل استلام الناموس الموسوي على يديّ موسى مثل إبراهيم وأيوب ويوسف، آمن إبراهيم بالله وقدّم ابنه ذبيحة مُحرقة، وقرّب أيوب عن بنيه ذبائح، خشية أن يكون أحدهم قد نطق بكلمة باطلة، أو أضمر في داخله ما يغضب الله (أي 1: 5)، ويوسف مارس حياة الطهارة ممتنعًا عن الشرّ لئلا يخطيء قدام الرب (تك39 : 5)... [هؤلاء عملوا بالطبيعة ما بالناموس ولم يحتاجوا إلى ناموسٍ مكتوبٍ، إذ لم يدعوا نيّاتهم تبكّتهم بل عملوا بما توجبه من الصلاح، وتركوا ما تنكره من القبائح، وهم في هذا ليسوا مثلنا نحن الذين تبكّتنا نيّاتنا وكتبنا.]
يُعلّق أيضًا ابن كاتب قيصر على العبارات السابقة موضحًا أن أفكارهم مشتكية [15]. بمعنى أنها توبّخهم أن فعلوا أمرًا غير حسن، إذ كانت تقوم مقام الناموس.
ويرى الأب سيرينوس في هذه العبارة تأكيدًا لسلطان الإنسان على فكره، وإلا ما كانت أفكارنا وضمائرنا تشتكي علينا، إذ يقول: [إذا ما جاهدنا كبشر ضد الاضطرابات والخطايا، تصير هذه تحت سلطاننا وفق إرادتنا، فنحارب أهواء الجسد ونهلكها، ونأسر حشد خطايانا تحت سلطاننا، ونطرد من صدورنا الضيوف المرعبين، وذلك بالقوّة التي لنا بصليب ربنا، فنتمتع بالنصرة التي نراها في مثال قائد المئة (مت 8: 9) روحيًا.]
ويرى الأب يوسف في هذه العبارة إعلانًا عن [أن نية الإنسان هي التي تجعله يُكافأ أو يعاقب.]
ويُعلّق العلامة أوريجينوس على التعبير: "حسب إنجيلي" [16]، قائلاً: [الآن ليس لدينا عمل كتابي لبولس يدعى إنجيلاً، وإنما كل ما كرز به وما قاله هو الإنجيل، وما كرز به وما قاله كان أيضًا في حكم المكتوب؛ وما كتبه كان الإنجيل. وإن كان ما كتبه بولس إنجيلاً، فإن ما كتبه بطرس أيضًا هو إنجيل؛ وفي كلمة كل ما قيل أو كُتب ليُخلِّد معرفة حلول المسيح على الأرض، ويهيء لمجيئه الثاني أو ليقدّم ذلك كحقيقة قائمة في تلك النفوس التي تريد أن تتقبّل كلمة الله الواقف على الباب يقرع ويطلب أن يدخل فيها.]
3. الناموس والتعليم
عرض الرسول بولس في الأصحاح السابق شرور الأمم مؤكدًا حاجتهم لنعمة الله المجانية لكي تسندهم وتدخل بهم إلى خلاص الله. أمّا في هذا الأصحاح فإذ يوجّه الحديث لليهود يكشف لهم أنهم أكثر احتياجًا إلى النعمة الإلهية من الأمم، إن صح هذا التعبير. فإن الناموس الذي وُهب لهم لمعاونتهم استخدموه في إدانة الآخرين لا في توبتهم، وعِوض العمل به اكتفوا بالاستماع إليه، الأمر الذي جعل بعض الأمميّين المجاهدين داخليًا في ممارسة الحياة النقيّة يسبقونهم، إذ فعلوا خلال الطبيعة والمنطق بما هو في الناموس، فظهر الناموس مكتوبًا في قلوبهم وضميرهم وأفكارهم، بينما بقي أصحاب الناموس يسمعون له بآذانهم دون قلوبهم أو سرائرهم الداخليّة. والآن لكي يوضّح الرسول بشاعة ما بلغ إليه اليهود، يُعلن أنهم عِوض أن يكرزوا بالناموس حيًا في حياتهم، صاروا معلّمين به بالكلام ومقاومين له بالعمل. حسبوا أنفسهم قادة الفكر الروحي، ونورًا للعالم، ومهذِّبين للأغبياء، ومعلِّمين للأطفال، لهم صورة العلم والحق في الناموس، بينما تُقدّم حياتهم وسلوكهم خلاف هذا تمامًا.
ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:
أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يستخدم أسلوبًا يناسبهم كأناس يدعون العلم والمعرفة، ويقيمون أنفسهم كمعلِّمين للعالم، يتهكَّمون بالكل ويسخرون بهم، إذ يقول:
[إنه لا يقول: "هوذا أنت يهودي"، إنما "هوذا أنت تسمى يهوديًا"، "وتفتخر بالله" [17]، أي تظن أنك محبوب لدى الله، ومكرم فوق جميع الناس. يُخيَّل إليّ أنه هنا يسخر برفق بقلّة منطقهم، وجنون شهوتهم وراء المجد، إذ أساءوا استخدام هذه العطية، فعِوض استخدامها كوسيلة لخلاصهم جعلوها علّة للتشامخ على الآخرين والازدراء بهم... كما يقول: "تثق أنك قائد للعميان"، وهنا أيضًا لا يقول: "أنت قائد" بل "تثق أنك قائد" بمعنى أنك تنتفخ، وهذا لأن كبرياء اليهود كان متشامخًا جدًا. يستخدم معهم ذات الكلمات المتداولة بينهم، والتي كانوا يردّدونها في زهوِهم. اسمعوا ما يقولونه في الإنجيل: "في الخطيّة وُلدتِ أنت بجُملتك وأنت تعلمنا" (يو 9: 34). بهذا الاستخفاف المتعالي كانوا يتطلّعون إلى جميع الناس.]
[يستخدم الرسول ذات كلماتهم: "قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلم للأطفال"، الألفاظ التي كان اليهود يطلقونها على من يتتلمذون لهم. تكراره هنا للعبارات هدفه أن يدركوا أن ما زعموه ميزة يفتخرون به هو علّة دينونتهم بالأكثر.]
ثانيًا: إن كان يليق بالمعلم الروحي أن يكون بالحق قائدًا للعميان، ونورًا للذين في الظلمة، ومهذبًا للأغنياء، ومعلمًا للأطفال، لكنه لا يمارس هذا بذاته، بل بالله نفسه الذي يعمل في خدامه، إذ يدخل إلى قلوب المخدومين فيقودها بنفسه ويضيء في داخلها ويهذّبها ويدرّبها كأطفال صغار. وقد جاء السيد المسيح متجسدًا ليقوم بهذا الدور التربوي الروحي، لا خلال تقديم وصايا فحسب، وإنما بتغيير القلب وتجديده على الدوام.
+ معلم الأطفال الكامل صار طفلاً بين الأطفال لكي يهب حكمة للأغنياء.
القدّيس كيرلس الأورشليمي
ثالثًا: لا يقف الرسول عند استخدام تعبيراتهم ذاتها لتوبيخهم، لأنهم احتلّوا مركز المعلِّمين للعالم الوثني وهم لا يمارسون شيئًا ممّا يعلمون به، وإنما انتقل بهم إلى اتهامهم أنهم يهينون الله نفسه الذي يظنون أنهم يعلمون الآخرين عنه. إذ يقول: "فأنت إذن الذي تعلم غيرك، ألست تعلم نفسك؟ الذي تكرز ألا يُسرق، أتسرق؟ الذي تقول أن لا يُزنى، أتزني؟ الذي تستكره الأوثان، أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تهين الله؟" [21-23].
اهتم معلمو اليهود بالوعظ دون الحياة، ففقدت الكلمة قوّتها، لهذا يحث الرسول بولس تلميذه تيموثاوس الأسقف: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبّة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة، إلى أن أجيء أعكف على القراءة والوعظ والتعليم... لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1 تي 4: 12-13، 16).
+ من يقوم بدور قيادي يلزم أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
رابعًا: لا يقف الأمر عند إهانتهم لله خلال تعليمهم بشيءٍ وسلوكهم بآخرٍ، وإنما يستند الرسول إلى الأنبياء ليكيل لهم اتهامًا جديدًا: "لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم" [24] (إش 52: 5؛ حز 36: 20، 23؛ 2 صم 12: 24).
وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [اليهود لا يتوقحون على الله فحسب، بل يدفعون الآخرين على ذلك... يدفعونهم إلى التجديف.]
ولكي لا نسقط نحن في ذات هذا الخطأ علمنا ربنا يسوع أن نصلّي قائلين: "ليتقدّس اسمك"، فإنه لا يوجد حلُ وسط إمّا أن يتقدّس اسم الله فينا، أو يجدف عليه بسببنا.
+ اسم الله قدوس بطبيعته، قلنا أو لم نقل، لكنه أحيانًا يتدنس بين الخطاة... لذلك نصلّي أن يتقدّس اسم الله، لا بأن يصير مقدسًا كما لو كان غير مقدَّس، وإنما أن يتقدّس فينا عندما نتقدّس نحن ونعمل ما يليق بالقداسة.
القدّيس كيرلس الأورشليمي
خامسًا: ما هي غاية اليهودي في تعليمه الأممي؟ أن ينزعه من الغُرْلة لينقله إلى أهل الخِتان، ومن إنسان بلا ناموس إلى إنسان تحت الناموس. هذا الهدف يحقّقه اليهودي لكن في شكليّة بلا روح. هذا ما أعلنه الرسول بولس كاشفًا عن نوعين من الخِتان، ونوعين من الغُرْلة، وأيضًا نوعين من الناموس. فاليهودي يهتم بنزع غُرْلة الجسد لا الروح، وممارسة ختان الجسد لا الروح والاستماع للناموس والفخر به دون الحياة به عمليًا. هكذا يميّز الرسول بين الغُرْلة حسب الجسد، والغُرْلة حسب الروح، وأيضًا بالنسبة للختان، وبين الاستماع للناموس وممارسته. فاليهودي يهتم بالجسد والمظهر الخارجي في حياته وأيضًا في تعليمه للأممي، لذلك يقول:
"فإن الخِتان ينفع أن عملت بالناموس، ولكن أن كنت متعديًا الناموس فقد صار ختانك غُرْلة. إذًا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس، أفما تُحسب غرلته ختانا؟ وتكون الغُرْلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والخِتان تتعدى الناموس؟ لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الخِتان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الخِتان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" [25-29].
ويلاحظ في هذا النص الرسولي الآتي:
أ. يري القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يشبه قاضيًا يريد أن يصدر حكمًا على أشخاص ذوي رُتب، فكان يليق به أولاً أن يجردهم من رتبهم، وعندئذ يحكم عليهم، هكذا جرد الرسول اليهود من ميزاتهم إذ كشف عن حقيقة أمرهم أنهم غير مختونين بالروح، ولا متمتعين بالناموس روحيًا، إنما يعيشون في غُرْلة روحية رغم ختانهم بالجسد، هكذا جرّدهم لكي يُعلن دينونتهم.
بهذا لم يقلّل الرسول من شأن الخِتان، ولا أعطى للغُرْلة فوزًا على الخِتان، إنما أوضح أن مختون الجسد قد يكون في غُرْلة من جهة الروح، وأيضًا من في غُرْلة الجسد قد يكون مختونًا في الداخل روحيًا، وهكذا قد يصبح الخِتان غُرْلة، والغُرْلة ختانًا!
+ كيف يصير الإنسان في غُرْلة بعد أن يُختتن؟ يقول (الرسول) ليته لا يكون هكذا، ليته لا يعيش كما لو كان أَغْلف، أي كما لو كان قد اِكتسى مرة أخرى باللحم الذي قُطع منه، فلم يعد يهوديًا.
القدّيس أغسطينوس
+ يتفق هذا مع قوله: "دُعي أحد وهو مخْتون فلا يصر أَغْلف" (1 كو 7: 18).
لقد كان يهوديًا ودُعي مختونًا، فليته لا يشاء أن يصير أَغْلف، أي لا يعيش كمن هو ليس مختونًا.
القدّيس أغسطينوس
+ عندما يخطيء اليهودي يصير ختانه غُرْلة، وعندما يعمل الأممي باستقامة تُحسب غرلته ختانًا. فالأمور التي يظن أنها طاهرة تُحسب دنسة بالنسبة لمن لا يستخدمها بلياقة.
العلامة أوريجينوس
لقد سبق فتحدث إرميا النبي بوضوح عن ختان القلب والأذن، الأمر الذي نرجو أن نعود إليه في تفسيرنا لسفر إرميا إن شاء الرب.
ب. يرى العلامة أوريجينوس في تعليقاته على إنجيل متي أن هذا النص الرسولي يودّ أن يوضّح أن اليهودي الحقيقي، ليس حسب الجنس، وإنما بالروح كرجل الله، هو ذاك الذي يُنتسب للسيد المسيح، إذ يقول أن كلمة "يهود" جاءت منتسبة ليهوذا بن يعقوب، لكنها الآن بالروح تخص من ينتسب لذاك الذي تجسد من سبط يهوذا. هذا هو اليهودي في الخفاء الذي له ختان القلب بالروح.
بنفس المعني يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [الآن أسأل: ما هو إسرائيل اليوم؟ يجيب الرسول: الذين يسلكون بالروح لا بالحرف، يسلكون في ناموس المسيح، هم إسرائيل الله.]
أما سمة اليهودي الروحي أو إسرائيل الجديد فهي: "الذي مدْحُه ليس من الناس بل من الله" [29]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لست أمنعك من شهوة المجد، إنما أريك المجد الحقيقي النابع عن الله... لنكن أنقياء في الخفاء، لا أن نتثقل بالاستعراضات والمظاهر والرياء. لنخلع بالأحرى ثياب الحملان، ولنكن بالحقيقة حملان، ليس شيء أتفه من المجد البشري. أن رأيت أطفالاً صغارًا رُضَّع، فهل تشتهي مجدًا منهم؟ هذا هو الحادث بالنسبة لكل البشر بخصوص المجد، لهذا دُعي "المجد الباطل".]
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثاني
إدانة الآخرين:- هذا الإصحاح يحدثنا عن أن اليهود كانوا يدينون الأمم ولكن حتى نستفيد من الإصحاح لأنفسنا، فعلينا أن نفهم أن هذا الإصحاح موجه لنا قبل أن يوجه لليهود. ولنفهم أن هناك خطأ شائع يغضب الله أن الناس اعتادوا أن يتجاهلوا أخطاءهم معتمدين علي أن الناس لا تعرفها، ولكنهم لا يرون عذراً لغيرهم فيما يرتكبونه من أخطاء. لأنه من السهل أن أدين الآخرين ومن الصعب أن أدين نفسي. بينما أن الله يريدنا أن لا ننشغل بخطايا الآخرين إنما نقدّم توبة عن خطايانا (مت1:7-5). وعلينا أن نفهم أننا إن كنا لا نخطئ بنفس خطايا الآخرين فذلك ليس راجعاً لقداستنا بل لأن الله يستر علينا، أما من يهزأ بمن يخطئ فالله يرفع ستره عنه من أجل كبريائه، حينئذ سيخطئ نفس الخطأ، وذلك ليكتشف أنه له نفس الضعف، إنما من كان يستر عليه هو حماية الله. أيضاً لتنكسر كبريائه فيشفي من أعظم خطية ويتضع.
وليس معني هذا أن نحكم علي الخطأ بأنه صحيح أو العكس، فهذا أيضاً لا يرضي الله (أم15:17 + أش20:5). ولكن هذا لمن يُسأل عن رأيه في قضية ما. ولكن النصيحة العامة أن ندين الموقف ولكن لا ندين الشخص، بل نحاول أن نجد له عذراً (ظروفه/ مرضه/ مشاكل أسرية..) فنحن لا نعرف ظروف الآخرين.
ولكي نتجنب الإدانة علينا أن نكون مثل قائد سيارة، فهذا عليه أن ينشغل بالطريق وليس بالراكبين معه. هكذا نحن علينا أن ننشغل بالمسيح وبالسماء، (نتأمل في مزمور ونردد تسابيح أو صلاة يسوع)، ومن يفعل: [1] يري قداسة الله [2] يدرك مدي نجاسته هو شخصياً فيبكت نفسه [3] سيزداد حباً في المسيح الذي غفر له كل هذا [4] لا يعود ينشغل بخطايا الآخرين، فهو مشغول بالأهم أي حب المسيح.
ونري في هذا الإصحاح مواصفات دينونة الله، وهذه لا يملكها البشر فكيف يدينون الآخرين وليس لهم صلاحيات هذا العمل.
1. دينونة الله هي حسب الحق أما الإنسان فيدين حسب الظاهر ولا يعرف أعماق الآخرين .. (آية 2).
2. الله يطيل أناته فهو يود لو قَدَّمَ الإنسان توبة.. (أية4). فلو قدم الخاطئ توبة لغفر له الله فكيف أدين من غفر له الله، أو كيف أعلم هل قدم هذا الخاطئ توبة أو لم يقدم، والله لا يفرح بعقوبة الخاطئ بل بتوبته (حز23:18).
3. دينونة الله عادلة.. (أية5) وبدون محاباة ..(11).
4. دينونة الله ليس بحسب ما يعلمه الإنسان بل بحسب أعماله… (آيات6،13) أما الإنسان فسينخدع بمن يعلم كثيراً ويتكلم كثيراً… (آيات17-29).
5. الله يدين الأعماق الداخلية للضمير والفكر وسرائر الناس… (آيات15،16) ولنفهم أن إدانة الآخرين هي إعلان عن التعب الداخلي. ونري في قصة داود وناثان، أن داود أخطأ في موضوع أوريا ثم حكم بموت الخاطئ أمام ناثان النبي، فهو بهذا أدان نفسه. فعندما ندين الآخرين نحكم علي أنفسنا بأنفسنا. وفي موقف المسيح من الزانية دَرْسْ لنا، فهو بمحبته سامحها ولكن طلب منها أن لا تخطئ ثانية، فالله يطيل أناته، أما الإنسان فهو يريد أن يتشفى. والمسيح وجه كلامه لليهود "من منكم بلا خطية فليرمها بحجر"… ولذلك إستقالوا كقضاة. ولنلاحظ أن المسيح وحده هو الذي بلا خطية (يو46:8) لذلك فمن حقه أن يدين.
هذا الإصحاح موجه حقاً لليهودي، ولكنه موجه أولاً للمسيحي، فالمسيحي الذي بلا حياة هو أشر من الأممي واليهودي (عب1:2-3 + عب26:10-32). وعلي الخدام أن لا يسحبهم المجد الزمني وتلهيهم الكرامات عن الحياة الداخلية الملتهبة بالروح والحق.
وبولس بدأ بالأمم حتى لا يتهمه اليهود بالخيانة لشعبه، لكنه في هذا الإصحاح والإصحاح الثالث أظهر فساد اليهود، بل كل البشر، وإحتياج الكل للمسيح.
آية (1):- "1لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا! "
لِذلِكَ: عائدة علي ما فات. فبولس هنا يكلم اليهود الذين يدينون الأمم علي أعمالهم، بينما هم يعملون نفس الأعمال، بالرغم من معرفتهم بالناموس. فالناموس مرآة تكشف ضعف اليهودي، ولكنه بدلاً من أن يري فيها ضعفاته ويتوب تقسى قلبه وإغتصب مكان الديان، وحاكم الآخرين وإحتقرهم. لقد ظن اليهود أن معرفتهم بالناموس، وكون أن الله ميزهم بإعطائهم الناموس فهذا سيجعل لهم وضعاً خاصاً يوم الدينونة، ويتغاضي الله عن أخطائهم لذلك يقول الرسول هنا أن الله ليس عنده محاباة (آية11). وكيف لا يدينهم الله، وهم عرفوا من الناموس غضب الله علي الخطية والخطاة. بِلاَ عُذْرٍ = قال الرسول عن الأمم أنهم بلا عذر (20:1) إذ لهم العقل والضمير (الناموس الطبيعي). وهنا نري أن اليهود هم أيضاً بلا عذر إذ لهم ناموس موسى بالإضافة للناموس الطبيعي. والناموس يعطي إستنارة أكثر، وإن كان الأممي أخطأ ضد ناموس الضمير غير المكتوب فاليهودي قد أخطأ وتعدي علي ناموس الله المكتوب فمسئوليته أعظم وعقابه أشد فالناموس لا يبرر من يسمعه بل من يعمل به (13:2). أمّا المسيحي فهو بلا عذر أيضاً ودينونته أشد من الكل إذ له فوق الناموس الطبيعي وناموس موسى ناموس روح الحياة (2:8) أي النعمة التي تعطي قوة التغيير. علي المسيحي أن لا يحتج بأنه كإنسان ضعيف له الحق أن يخطئ، وإلاّ ما فائدة الفداء وما فائدة حلول الروح القدس، وما هو عمل النعمة التي تعطي خلقة جديدة.
آية (2):- "2وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ
هذِهِ. "
الله حق ويدين بحسب الحق (يو16:8). أمّا الأسس التي يدين الإنسان عليها فهي ليست بحسب الحق، بل باطلة. فالله وحده هو الحق. فالحق مشوش عند الإنسان إذاً مقاييسه أيضاً غير صحيحة، أما الله فهو وحده الذي يعرف الحق المطلق. أمّا الإنسان فمعرفته بالحق نسبية وذلك لأن خطايانا تعمي عيوننا، وهذا معني يحجزون الحق بالإثم (18:1).
آية (3):- "3أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟"
إذا ظن اليهودي أن الله لن يدينه علي أعماله الشريرة بسبب كونه يهودي وإبناً لإبراهيم، وأنه من الشعب المختار، فهذا خطأ. ونلاحظ أننا ندين الآخرين أمام الناس لنظهر نحن أبراراً، إذ لسنا نعمل هذه الأعمال. لكن هل لو تبررت أمام الناس سوف أتبرر أمام الله بالرغم من أن نفس الخطأ فيَّ.
آية (4):- "4أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟"
أم أنك أيها اليهودي.. (أو أيها المسيحي) تستغل غني رحمة الله وصلاحه وعظيم صبره وطول أناته، دون أن تعلم أن كون الله يعاملك بلطف أي بشفقة بدلاً من أن يصب غضبه عليك بسبب أعمالك الرديئة، إنما هو يقصد أن يقودك ويدفعك للتوبة عن أعمالك الرديئة. أما من يستغل طول أناة الله ويستهتر، فالله يعلن غضبه عليه لأن الله قدوس لا يحتمل الخطية.
آية (5):- "5وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ. "
الله يطيل أناته، ولكن إستهتارنا يزيد غضبه، والرسول لم يقل الله يذخر لك بل تذخر لِنَفْسِكَ = إذاً الدينونة هي نتيجة العمل الخاطئ. (تذخر من تدخر). يَوْمِ الْغَضَبِ = يوم تظهر دينونة الله العادلة علي جميع الناس، أمّا الآن فهو وقت اللطف وطول الأناة والتوبة. لو قال الرسول أن الله يذخر لنا، فهذا يعني أن الله يعاقب نتيجة إنفعال، أمّا قوله أننا نذخر لأنفسنا فهذا إشارة لأن العقاب هو العدالة. وهو اسْتِعْلاَنِ= حيث ينال كل إنسان ما يستحقه علناً.
آية (6):- "6الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. "
هنا رد علي الإخوة البروتستانت فالمجازاة حسب الأعمال وليس الإيمان.
آية (7):- "7أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. "
الرسول في هذه الآية والآيات التالية يركز علي حرية الإرادة الأنسانية، ويبدأ في هذه الآية بمن لهم النصيب الصالح، فالله يود لو كان هذا نصيب الجميع، أمّا الإنسان فيود أن يدين كل أحد.
وبالنسبة لمن يعمل الأعمال الصالحة في صَبْرٍ = أي بإستمرار ضد المشقات والإغراءات وفي تأن ومثابرة، طالباً من الله الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ فإن هؤلاء سينالون الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ = هم جاهدوا ضد الخطية لإيمانهم وثقتهم بأمجاد الحياة الأبدية لذلك سينالوا الحياة الأبدية. ونلاحظ أنه لا يعمل الأعمال الصالحة إلا من له إيمان بلغ لمستوي الشركة مع المسيح ليتبرر.
آية (8):- "8وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ، وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ. "
8وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ = أي التعصب والخصام. هؤلاء هم الذين رفضوا الإيمان ورفضوا المسيح فأسِلموا إلي شهواتهم وغرائزهم ليفعلوا ما لا يليق. ويقصد بأهل التحزب هنا اليهود المتعصبون لجنسهم محتقرين الأمم، مفضلين هذا علي إنتصار الحق أي دخول الأمم للإيمان. يُطَاوِعُونَ اِلإِثْمِ = رفضهم لحق المسيح يجعلهم يسقطون مباشرة في الإثم.
آية (9):- "9شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ
الْيُونَانِيِّ. "
كل من يفعل الشر فسيواجه شدة وألام. وضيقات. للْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ = لأن اليهود حصلوا علي عهود الله أولاً قبل الأمم وأخذوا إمتيازات أكثر ومعرفة أكثر، ثم علي اليوناني وسائر البشر.
آية (10):- "10وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ: الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ
الْيُونَانِيِّ. "
وعلي عكس هذا فإن الله يهب مَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ. لكل من يفعل الصلاح
للْيَهُودِيِّ أَوَّلاً = لأن اليهود أصحاب فضل، فالخلاص جاء منهم آباءهم إبراهيم وأسحق ويعقوب كانوا أفضل البشر، والشعب اليهودي بمعرفته السابقة بالله كانوا الشعب الوحيد الذي يعرف الله وله علاقة بالله فخبراتهم الروحية أكثر. لهذا فهم لهم إمكانيات التفوق والعمق الروحي ومن يُرضِي الله منهم يكون أولاً. ثُمَّ الْيُونَانِيِّ = فالكل له نفس البركات.
آية (11):- "11لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ. "
الله سيعامل كل الشعوب بالعدالة، اليهود كالأمم، دون تفريق لأن الله لا يقبل الوجوه. بل إن الله سيدين بالأكثر من نال معرفة أوفر أما المحاباة فهي صفة للإنسان لأنه يحابي لمنفعته.
آية (12):- "12لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. "
من أخطأ بدون الناموس= الله وهب كل إنسان نور الطبيعة أي الضمير وبه يميز الإنسان الطبيعي بين الخير والشر. لذلك وجدنا وسط الوثنيين مبادئ فيها فكرة عن العدل والشفقة والطهارة ومنع القتل والسرقة والكذب والضمير سيشهد ضد كل واحد حتى لو حاولنا أن نسكته. وأضيف لليهود نور الناموس، وأضيف لنا كمسيحيين فوق كل هذا نور الإنجيل. فالله لا يترك نفسه بلا شاهد. وكلما إزدادت الإمكانيات إزدادت المسئولية، وبالنسبة لليهود فالناموس ليس مجالاً للإفتخار بل للعمل به، ولكشف النفس والتوبة. وهذا هو الفرق بين أن يكون الإنجيل للمعرفة والإفتخار أو يكون حياة معاشة. ولقد صار الناموس حملاً زائداً علي اليهود بسبب زيادة المسئولية، لكن كان غرض هذا الحمل المضاعف أن يكتشفوا عجزهم عن أن يقوموا وحدهم بتنفيذ متطلبات الناموس، وأن يشعروا بإحتياجهم لمخلص. لكن للأسف تحول الناموس عند اليهود إلي أداة إفتخار. بِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ = فالخطية قاتلة، وسبباً كافياً للموت حتى بدون الناموس. فالسرطان كمرض كان يميت قبل أن يكتشفه الأطباء ويشخصونه. وسدوم وعمورة هلكوا دون أن يكون هناك ناموس مكتوب.
يُدَانُ = أي مع وجود ناموس تصبح الخطية تعدّي علي حق الله وبالتالي تزداد عقوبة المتعدي فهو [1] يموت بسبب الخطية [2] يحاسب علي تعديه. لذلك قال السيد المسيح يكون لسدوم وعمورة حالة أكثر احتمالاً يوم الدين من هؤلاء الذين رفضوا دعوة المسيح (مت15:10).
آية (13):- "13لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. "
هناك من يحفظ الناموس ويعظ به ولكن لا يعمل به فدينونته ستكون أشد، مثل هذا قد يتبرر عند الناس بسبب معرفته ولكن ليس لدي الله. لكن من سيتبرر هو من يعمل بحسب الناموس. يَسْمَعُونَ = كان اليهود يقرأون الناموس كل سبت. الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ = لذلك فالله سيبرر الأممي الذي يعمل أعمالاً صالحة (أهل نينوي/ كرنيليوس). وبنفس المفهوم فأنا لن أخلص لمجرد أنني أدعي مسيحي، أو لأنني دارس الكتاب المقدس، بل لأنني أعيش بحسب الإنجيل، ولا يعرف قوة الإنجيل إلاّ من يعيشه. فمن يعمل يختبر المسيح ويعرفه، فلا ينهار من تشكيك الشيطان في محبة الله (مت24:7-27).
آية (14):- "14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ. "
كما أن من يخطئ بدون ناموس يهلك (بحسب ناموس الطبيعة أي الضمير) هكذا من يفعل ما في الناموس بدون ناموس يحيا بعمله الصالح (كرنيليوس) (أع34:10،35). وهكذا رأينا في آبائنا البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وأيوب أنهم بدون ناموس مكتوب، كان الناموس مكتوباً علي قلوبهم، كان هذا عمل الضمير. وهذا معني هم نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ = أي علي الرغم من أن ليس لهم ناموس مكتوب فهم لهم ناموس الضمير. وبهذا الناموس عمل الأمم الذين ليس لهم ناموس، عملوا أعمالاً صالحة مقودين بناموسهم الفطري، ولكن كما أن ناموس موسى بدون المسيح لا يخلِّص، هكذا هذا الناموس الفطري (الضمير) لا يخلِّص بدون المسيح. فكلاهما مرشد ويؤدب لكن لا يخلِّص. والمقصود من الآية "أنتم أيها اليهود ليس لكم فضل أن عندكم الناموس، فالأممي الذي التزم بوصايا الله التي يمليها عليه ضميره يتساوى باليهودي الملتزم بالناموس".
آية (15):- "15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً. "
مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ = مثل إبراهيم ويوسف.. شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ = كل أممي له ما يدينه من قبل الله أي ضميره. إذاً دينونة الله العادلة ستكون علي الكل أمماً ويهود. مُحْتَجَّةً = مدافعة بالحجة والبرهان. مُشْتَكِيَةً = ضمائرهم تحتج داخلهم ان أخطأوا. هنا الضمير بدل الناموس المكتوب. ويوم الدينونة سيقف ضمير كل إنسان شاهداً ضده حينما يدينه الله. فلقد سبق ضميره وإحتج عليه، ولذلك سيتقبل حكم الله عليه. ولنلاحظ أن الناموس عمله أنه ينير بصائر الناس ليميزوا بين الحق والباطل، لكن هذا العمل مكتوب في ضمائر الجميع ويظهره الأمميون بتصرفاتهم الأخلاقية وبإحتجاج ضمائرهم داخلهم.
آية (16):- 16فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ = الناس تدين ما يُعمَل في العلن، أما الله فيدين السرائر أي الأعمال الخفية والأفكار والأسرار. والذين يحافظون علي الناموس سوف يحكم الله ببرهم في اليوم الذي يدين فيه الأعمال العلنية بل والخفية للبشر، بحسب الإنجيل الذي كرز به بولس، والذي فيه كرز بيسوع المسيح كديان لكل العالم والقاضي الأعلى للشعوب، وهو يدين بالحق= إِنْجِيلِي.
آية (17):- "17هُوَذَا أَنْتَ تُسَمَّى يَهُودِيًّا، وَتَتَّكِلُ عَلَى النَّامُوسِ، وَتَفْتَخِرُ بِاللهِ. "
هُوَذَا أَنْتَ تُسَمَّى يَهُودِيًّا = كان إسم يهودي يثير عند صاحبه الكبرياء فهم يظنون في أنفسهم أنهم أفضل من باقي الناس، محبوبين عند الله، مكرمين لذلك كانوا يصلون "اللهم أشكرك أنك لم تخلقني أممياً ولا امرأة ولا عبداً" فهو يشعر أنه فوق العالم. هنا يوبخ الرسول إستعلائهم وشهوتهم للعظمة. ولاحظ إستخفافهم بالمسيح والناس. ولاحظ قولهم للأعمي "ولدت في الخطية أنت بجملتك وأنت تعلمنا" (يو34:9). وكان الناموس للإفتخار دون أن ينفذوه. ويفتخرون بالله كما لو كان إلههم وحدهم، فهم تكبروا علي الأمم وأسموهم كلاب. ولكن الناموس للتنفيذ وليس للإفتخار. وراجع (لا26 + تث28) لتري عقوبة من لا ينفذ الناموس. قيل عن اليهود الذين يفتخرون بالناموس، أنهم كمجرم محكوم عليه بالإعدام ويفتخر بقانون الجنايات.
آية (18):- "18وَتَعْرِفُ مَشِيئَتَهُ، وَتُمَيِّزُ الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، مُتَعَلِّمًا مِنَ النَّامُوسِ. "
تَعْرِفُ مَشِيئَتَهُ = الخبرة النظرية في معرفة مشيئة الله. تُمَيِّزُ الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ أي تميز بين الخير والشر. إذ تثقفوا بثقافة الناموس.
آية (19):- "19وَتَثِقُ أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ، وَنُورٌ لِلَّذِينَ فِي الظُّلْمَةِ. "
وَتَثِقُ = تنتفخ. أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ = هذه كلماتهم عن أنفسهم وهي تدينهم بالأكثر. فكانوا يسمون أنفسهم قائد للعميان/ نُورٌ لِلَّذِينَ فِي الظُّلْمَةِ / مهذب للأغبياء/ معلم للأطفال. وهذه لابد أن تكون صفات المعلمين فعلاً. لكن علي المعلم أن لا يفتخر بل يَعْلَمْ أن الله يعمل من خلاله (العميان والأغبياء والذين في الظلمة كان يقصد بهم الأممين). وكان اليهود يستهويهم الألقاب لذلك حين قال الشاب للسيد المسيح أيها المعلم الصالح، كانت إجابة المسيح تحمل معني "يا أبني أنا لست مثل هؤلاء الذين يعجبون بالألقاب" (لو18:18،19) والمسيح بكت من يقبل مجداً من الآخرين ولا يعطي المجد لله (يو44:5).
آية (20):- "20وَمُهَذِّبٌ لِلأَغْبِيَاءِ، وَمُعَلِّمٌ لِلأَطْفَالِ، وَلَكَ صُورَةُ الْعِلْمِ وَالْحَقِّ فِي النَّامُوسِ. "
مُعَلِّمٌ لِلأَطْفَالِ = الذين في طفولة الحياة الروحية.
الآيات (21-22):- "21فَأَنْتَ إِذًا الَّذِي تُعَلِّمُ غَيْرَكَ، أَلَسْتَ تُعَلِّمُ نَفْسَكَ؟ الَّذِي تَكْرِزُ: أَنْ لاَ يُسْرَقَ، أَتَسْرِقُ؟ 22الَّذِي تَقُولُ: أَنْ لاَ يُزْنَى، أَتَزْنِي؟ الَّذِي تَسْتَكْرِهُ الأَوْثَانَ، أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ؟"
الرسول يوبخهم إذ أنهم إهتموا بالوعظ دون الحياة ففقدت الكلمة قوتها (1تي12:4،13،16). أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ = أباح اليهود سرقة هياكل الأوثان. ولنلاحظ أنه علي من يعلِّم غيره أن يعلِّم نفسه أولاً ليكون قدوة.
آية (23):- "23الَّذِي تَفْتَخِرُ بِالنَّامُوسِ، أَبِتَعَدِّي النَّامُوسِ تُهِينُ اللهَ؟"
هم يفتخرون بأن الله أعطاهم الناموس. ولكنهم لم يدركوا أنهم حينما يخالفونه فهم بهذا يهينون الله الذي أعطاه.
آية (24):- "24لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ. "
هم بعصيانهم يتسببون في أن إسم الله يهان بين الأمم (أش5:52 + حز20:36-23 + 2 صم24:12). لذلك نصلي ليتقدس إسمك. فإنه لا يوجد حل وسط، إما أن يتقدس إسم الله فينا أو يجدف عليه بسببنا.
وإسم الله يتقدس فينا عندما نتقدس نحن ونعمل ما يليق بالقداسة. ليري الناس أعمالنا الصالحة فيقدسوا إسم الله. والعكس يجدفوا علي إسم الله بسبب أعمالنا الشريرة أي توجه له الإهانة.
ملحوظة: الله كان يتمني أن يفيض من خيراته علي شعبه الملتزم بناموسه وتكون هذه علامة علي أن الله خَيِّرْ. وتكون هذه كرازة بالله الطيب الخيِّر. وهذا ما حدث لأبيمالك إذ رأي خيرات الله لإسحق فخاف من إله إسحق فإسحق أظهر لأبيمالك محبة الله ومجد الله لأبنائه (تك26:26-31).
فالله أعطاهم الناموس ليلتزموا به فيفيض عليهم من خيراته أمام الأمم، وبهذا يتمجد اسم الله وسط الأمم، ويكون هذا كرازة وسط الأمم. وهنا الرسول يوبخ اليهود لأنهم فشلوا فيما خلقهم الله لأجله وأعطاهم الناموس لأجله أي في أنهم يكونوا سبباً لمجد إسم الله.
آية (25):- "25فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ، فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً! "
فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس، ولكن إن كنت متعدياً علي الناموس، فسيفقد الختان كل قيمة له أمام الله، ويصير كما لو كان غُرْلَةً = المقصود أنه يصير كمن هو غير مختتن، فإن الختان هو علامة الإنتماء لله كذلك العمل بالناموس هو علامة إنتماء لله، فكسر الختان أي الإبقاء علي الغرلة يتساوي بالإمتناع عن عمل الأعمال الصالحة، فكلاهما يعني عدم الإنتماء لله. والمقصود هو أن المهم تكميل أعمال الناموس لا الإهتمام بمظاهره فقط كالختان.
آية (26):- "26إِذًا إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ، أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَانًا؟"
وبنفس المفهوم السابق، إن كان الأمم غير المختونين يحفظون بالتمام وصايا الناموس، فما لا شك فيه أن غرلتهم ستحسب لهم كما لو كانت ختاناً. فالله يطلب أن يكون الإنسان ملتزماً بالعمل الفاضل حتى يصير في علاقة مع الله، والعمل الفاضل يجعله منتمياً لله (نينوي/ كرنيليوس).
آية (27):- "27وَتَكُونُ الْغُرْلَةُ الَّتِي مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَهِيَ تُكَمِّلُ النَّامُوسَ، تَدِينُكَ أَنْتَ الَّذِي فِي الْكِتَابِ وَالْخِتَانِ تَتَعَدَّى النَّامُوسَ؟"
وهذا ما حدث مع كرنيليوس. فالأممي الذي حفظ الناموس الطبيعي أفضل من اليهودي غير الحافظ للناموس. فكرنيليوس بغرلته أفضل من قيافا المختون ورئيس الكهنة.
آية (28):- "28لأَنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا. "
الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ = هو يهودي أعمال الناموس أي طقوسه، فهو في الظاهر مختون، ويتطهر بالماء… الخ. ولكنه يتعدي علي الناموس، إذ لا يحفظ وصاياه. وبسببه يجدف علي اسم الله في الأمم. ولنفهم أن الله لا يهتم بالمظاهر، بل بالقلب التقي الذي يخاف الله ويحفظ وصاياه. إذاً القصد من قوله اليهودي في الظاهر هو هذا اليهودي المكتفي بالأعمال الظاهرية.
آية (29):- "29بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ. "
الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ = أي الذي يعمل ويحفظ وصايا الناموس لا ليراه الناس، بل ليراه الله، هذا يهتم بقلبه بمجد الله. وهذا ما يمدحه الله. أما اليهودي في الظاهر فهو يأخذ مديحه من الناس لأنه يهتم بأن يظهر أمام الناس ليرضي الناس. إذاً لنسعي ان يمدحنا الله عوضاً عن أن نسعي للمجد الباطل من الناس.
هُوَ الْيَهُودِيُّ = اليهودي الكامل، أو إسرائيلي حقيقي (يو47:1). وهذا ما تعمله النعمة الآن في المسيحي، فالإيمان حَلَّ محل الناموس الذي أخفق اليهود في أن يستخدموه للحصول علي علاقة مع الله.
خِتَانُ الْقَلْبِ = عَّرفه الرسول في (كو11:2، 12) بأنه خلع جسم خطايا البشرية
بِالرُّوحِ = قارن مع (رو13:8) فهذا يتم بالروح لمن يميت أعضائه التي علي الأرض (كو5:3) ويكون ميتاً أمام الخطايا (رو11:6). وهذا يتم بالروح وليس بالناموس الذي ليس له قوة علي التغيير. أمّا النعمة فتقطع حب الخطية من القلب وتميتها كما يقطع الختان جزء من الجسم ويتركه ليموت. لكن هذا لمن يصلب الجسد مع الأهواء والشهوات (غل24:5). لاَ بِالْكِتَابِ = بحسب طقوس الناموس فالختان هو وصية بالناموس. الروح يعطينا ان نكون خليقة جديدة (2كو17:5).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الثَّانِى
الله الديان
h E h
(1) إدانة الآخرين (ع 1-3 ):
1لِذَلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِى مَا تَدِينُ غَيْرَكَ، تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ، أَنْتَ الَّذِى تَدِينُ، تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا! 2وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ، هِىَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ. 3أَفَتَظُنُّ هَذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِى تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟
إنتهى الإصحاح السابق بتعرض الأمم لدينونة الله بسبب شرورهم، ولذلك فكم وكم بالأولى سيتعرض اليهود، الذين يعرفون شريعة الله، للدينونة أكثر من الأمم بسبب سقوطهم فى نفس الشرور.
ع1: يبدأ القديس بولس بتوجيه كلامه لكل إنسان يظن أن معرفته وفهمه لشريعة الله تضعه فى مرتبة أعلى من الناس، فيدينهم ويحكم على الآخرين بالذنب وكأنه قاضٍ على أخطائهم، بينما يلتمس لنفسه عشرات الأعذار عندما يسقط فى نفس الأخطاء. وأيضاً يحذرنا من أن الذى يدين يفعل تلك الأمور، أى أن من يدين غيره سيسقط حتماً فى نفس الخطية يوماً ما لأنه لم يتضع. لذلك جاءت الآية صريحة "أنت بلا عذر"، وستتعرض للدينونة يا من تدين غيرك.
ع2: هنا يذكرنا القديس بولس بمعلومة نعملها جميعاً، وهى أن دينونة الله هى بالحق، أى أنه يحكم ليس حسب الظاهر فقط بل يفحص القلب أيضاً، عالماً دوافع كل إنسان للخطية، واضعاً فى اعتباره الظروف والبيئة التى نشأ فيها الخاطئ، مدركاً مقدار المعرفة الروحية لكل شخص وهل صنع الخطية بإرادة وقصد أم نتيجة ضعف. وبذلك يكون مقدار عقاب الله للخطية الواحدة مختلف من شخص لآخر.
ع3: هنا يذكر بولس الرسول سلوك خاطئ يعرفه علماء النفس باسم "الإسقاط النفسى"، وفيه يخدر الإنسان الخاطئ ضميره المذنب بكثرة الكلام على أخطاء الآخرين.
لذا أيها الحبيب لا تظن أنك بلا خطية فتدين الآخرين. فهل تعلم أن عدم دفع العشور هو خطية سرقة، أو من نظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه، وأن الإجهاض هو قتل. بل أن النميمة نفسها تعتبر قتل معنوى لمن تدينه لأنك تشوه صورته أمام الناس. لذلك أيها الحبيب، فبدلاً من أن تقضى ساعات فى نميمة على الآخرين، حاسب نفسك بالأولى لمدة دقائق يومياً على ما فعلته طوال النهار، وبهذا تنجو من دينونة الله. وإن رأيت أخاك ساقطاً، قل لنفسك لعله هو يتوب عنها وأنا أسقط فيها غداً.
(2) دينونة الله (ع 4-11 ):
4أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْـفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّـوْبَةِ؟ 5وَلَكِنَّكَ، مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِى يَوْمِ الْغَضَبِ، وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، 6الَّذِى سَيُجَازِى كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. 7أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِى الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. 8وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ، بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ، فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ، 9شِدَّةٌ وَضِيقٌ، عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ، الْيَهُودِىِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِىِّ. 10وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ، الْيَهُودِىِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِىِّ، 11لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ.
ع4: هل من كثرة لطف وطول أناة الله على خطاياك، تستهين بمراحمه أى يختفى خوفه من قلبك !!!؟
ع5: هل يزداد قلبك قسوةً واستمرارًا فى الخطية يوماً بعد يوم، وبذلك تضيف إلى رصيد خطاياك كل يوم خطايا جديدة؟
لذا انتبه أيها الحبيب، لأن الله سيعلن غضبه على هؤلاء الذين لم يستغلوا فترة رحمته وزمن مغفرته طوال حياتهم على الأرض. فعندما تنتهى حياتهم، حينئذ سينالـون عقاباً عـادلاً من الله (رؤ20: 11-15).
لعلك علمت الآن أيضاً أيها الحبيب لماذا يصبر الله على الأشرار الذين يضايقونك، ولا يعاقبهم الآن لتزول أذيتهم عنك؟ فالسبب هو أن طول أناة الله تشمل البشرية كلها، بما فيهم أنت أيضاً، حتى يعطى الجميع فرصة متكافئة للتوبة.
ع6: هذه الآية صريحة ومعلنة بقوة أن الإيمان الفكرى النظرى وحده لا يكفى لنوال الخلاص، بل لابد من الأعمال الصالحة والتى ستكون هى مقياس المجازاة، حيث أن الله يطلب منا إيماناً مترجماً إلى أعمال صالحة (عقيدة الإيمان والأعمال)، وهذا رد على بعض البدع التى تنادى بكفاية الإيمان وحدة للخلاص. (مت 16: 27، 2كو 5: 10، يع 2: 17-24، رؤ 2: 23).
ع7: هنا يؤكد القديس بولس على أهمية الأعمال مرة أخرى، موضحاً مكافأة هؤلاء الذين يداومون على العمل الصالح بكل صبر بلا فتور أو ملل، راغبين ليس فى مجد وكرامة ومراكز العالم الزائلة الزائفة، بل المجد الحقيقى فى الحياة الأبدية، عندما يمسح الله كل دمعة من عيونهم ويكللهم بأكليل المجد والكرامة، ويشبعهم بما لم تره عين ولم تسمع به أذن.
ع8: يعود بنا القديس بولس مرة أخرى إلى أهل التحزب، وهم من الحزب اليهودى المتعصب، الذين لا يسيرون وراء الحق بل يميلون بقلوبهم وسلوكهم وراء الخطية، هؤلاء سيجنون سخط وغضب الله عليهم. ويوضح أن سبب الشر هو الابتعاد عن الله (لا يطاوعون الحق)، كما أن مصدر الصلاح هو الإيمان والطاعة لله.
ع9: هنا يقدم الأشرار من اليهود عن الأشرار من الأمم فى نوال العقاب، لأن اليهود أخذوا امتيازات أكثر من الأمم فى المعرفة الروحية.
ع10: يقدم بولس الرسول الصالحين من اليهود عن الصالحين التائبين من الأمم فى المجد والكرامة، لأنهم عرفوا الله من قبلهم، فتعبوا ونموا روحيا أكثر من الأمم الراجعين إلى الله.
ع11: الله لا يحابى أحدا. فمن أخذ من الله معرفة روحية أكثر، يُعاقَب أكثر إن كان شريرا، ويُكافأ أكثر إن كان بارا، من أجل سعيه وراء المعرفة وتنفيذ الحق.
تشبه بالله فى عدم المحاباة. فإن احتكم إليك أحد فى مشكلة ما، فاحكم حسب الحق، ولا تحابى لأقاربك أو أصدقائك. فكم تهدمت زيجات كثيرة لأن كل طرف وأهله لم يحكم بالعدل، ولم يعترف بأخطائه، ملقيا بكل اللوم والإدانة على الطرف الآخر.
(3) الضمير والناموس (ع 12-16 ):
12لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ، وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِى النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. 13لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. 14لأَنَّهُ، الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِى النَّامُوسِ، فَهَؤُلاَءِ، إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ، هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِى قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا، مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16فِى الْيَوْمِ الَّذِى فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ، حَسَبَ إِنْجِيلِى، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.
ع12: بعد أن تحدث القديس بولس عن عدل الله، أجاب لنا عن تساؤل حير الناس طويلا، وهو كيف سيدين الله الأمم على الرغم من أنهم لم يستلموا الناموس أى شريعة موسى مثل اليهود؟ بل ما ذنب أطفال ولدوا لآباء أمميين، وتربوا بعيدا عن معرفة ناموس موسى؟ والإجابة أن الله قد زود الأمم بناموس طبيعى، الذى هو الضمير. فكل إنسان يولد بالفطرة مزودًا بهذا الناموس الأخلاقى، وليس ناموس موسى المكتوب فى الواقع إلا إبرازاً لناموس الضمير المكتوب على صفحات القلوب. لذلك فبينما يُحاكم اليهودى المخطئ وفقاً لناموس موسى، يُحاكم الأمم الذين بدون ناموس، أى بلا ناموس موسى، وفقاً لناموس الضمير. وكلمة "فبدون الناموس يهلك" تعنى أن الناموس الموسوى لن يكون شاهداً عليه.
ع13: بديهى أن الذين يعرفون ويفهمون وصايا الناموس ليس هم الأبرار كما كان اليهود يظنون، بل الذين ينفذون وصايا الناموس، سواء ناموس موسى أو ناموس الضمير.
ع14: الأمم الذين ليس عندهم ناموس موسى، متى نفذوا الوصايا التى فى ناموس موسى بالطبيعة أى بتلقائية ذاتية من داخل ضمائرهم، وصاروا مطيعين لله، يصير ضميرهم هو ناموسهم، لأن الضمير هو صوت من الله فى الإنسان.
ع15: بهذا يكون القديس بولس قد امتدح بعض الأمميين، الذين بأعمالهم الصالحة، قد أظهروا وبرهنوا أن ناموس الله الطبيعى مكتوب على قلوبهم بشكل أعمق من كتابته على لوحين حجريين لليهود.
شاهدا أيضاً ضميرهم: فكما سيكون ناموس موسى هو الشاهد على اليهودى يوم الدينونة، هكذا سيكون ضمير الأممى شاهداً على أفكار قلبه، التى إنقسمت إلى فريقين:
فريق مشتكى (accuse) ، أى يؤنب الإنسان على الأعمال الخاطئة.
فريق محتج (excuse) ، أى يلتمس العذر للإنسان على أعماله الخاطئة.
ولعل هذا هو الصراع الأزلى فى الإنسان ما بين الخير والشر. والضمير هنا هو الشاهد على الإنسان، من الذى انتصر، أفكار الخير المشتكية، أم أفكار الشر المحتجة؟
ع16: هذه المحاكمة ستكون يوم الدينونة عندما يدين الله السرائر، أى أسرار القلوب والخطايا الخفية، ولكن بقانون أعظم الذى هو حسب وصايا إنجيل يسوع المسيح.
إن كنت قد تمتعت بمعرفة المسيح ووصاياه، فاهتم أن تحيا فيه لئلا تدان فى اليوم الأخير، خاصة عندما تجد بعض من غير المسيحيين قد طبقوا هذه الوصايا بإرشاد ضميرهم.
(4) دينونة اليهود (ع 17-24 ):
17هُوَذَا أَنْتَ تُسَمَّى يَهُودِيًّا، وَتَتَّكِلُ عَلَى النَّامُوسِ، وَتَفْتَخِرُ بِاللَّهِ 18وَتَعْرِفُ مَشِيئَتَهُ، وَتُمَيِّزُ الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ مُتَعَلِّمًا مِنَ النَّامُوسِ. 19وَتَثِقُ أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ، وَنُورٌ لِلَّذِينَ فِى الظُّلْمَةِ 20وَمُهَذِّبٌ لِلأَغْبِيَاءِ، وَمُعَلِّمٌ لِلأَطْفَالِ، وَلَكَ صُورَةُ الْعِلْمِ وَالْحَقِّ فِى النَّامُوسِ. 21فَأَنْتَ إِذًا، الَّذِى تُعَلِّمُ غَيْرَكَ، أَلَسْتَ تُعَلِّمُ نَفْسَكَ؟ الَّذِى تَكْرِزُ أَنْ لاَ يُسْرَقَ، أَتَسْرِقُ؟ 22الَّذِى تَقُولُ أَنْ لاَ يُزْنَى، أَتَزْنِى؟ الَّذِى تَسْتَكْرِهُ الأَوْثَانَ، أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ؟ 23الَّذِى تَفْتَخِرُ بِالنَّامُوسِ، أَبِتَعَدِّى النَّامُوسِ تُهِينُ اللهَ؟ 24لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ.
ع17: يسخر بولس الرسول من ازدواجية المسيحيين من أصل يهودى، فهم يعلِّمون شيئاً ويفعلون شيئا آخر، فلم يتكلوا على دم المسيح الفادى بل على أنهم يهود من الشعب المختار، الذى أفرزه الله شعبا مخصصا له، وميزه بين جميع شعوب الأرض بأن أعطاه الناموس المكتوب بأصبع الله على لوحى الشريعة.
ع18: يوبخ أيضا اتكالهم على معرفتهم لله، وتمييزهم للأمور المتخالفة، أى قضايا الدين الصعبة، مثل حب الله ومخافته، الرحمة والتساهل، الحزم والقسوة... إلخ.
ع19: بكثرة المعرفة صرت قائدا للعميان، أى الجهلاء فى العلم الروحى، ونور للذين فى الظلمة، أى الأمم الأحياء فى ظلمة الخطية.
ع20: يستكمل الرسول بولس توبيخه لليهود من أجل مظهريتهم، إذ اليهـودى يعتبر نفسه:
مهذب للأغبياء: أى معلم للذين يجهلون معرفة الله ويرشدهم إلى الحق.
معلم للأطفال: حيث كانت تقام فصول فى المجمع لتعليم الصغار.
صورة العلم والحق: يهتم اليهودى أن تكون صورته من الخارج تدل على أنه عظيم فى العلم والحق.
ع21-22: يا للرياء والخداع الذى به تخدع نفسك والآخرين. فأنت تأمر الناس بالامتناع عن فعل الخطايا كالسرقة والزنا، وتستكره، أى تدعو إلى كراهية الأوثان، ولكنك تستبيح السرقة والزنا وسرقة الأوثان الغالية الموجودة فى هيكل الوثنيين.
ع23: أنت تفتخر أنك تعرف وتحترم الناموس، ولكنك بالتعدى على وصايا الناموس وعدم تنفيذها، تهين الله شخصياً لأنك لا تقيم وزناً لكلامه.
ع24: تكون النتيجة النهائية لهذا، أن غير المؤمنين يجدفون، أى ينكرون الدين الذى شرعة الله، بل ويرفضون الله نفسه بسبب تصرفاتكم.
إفحص نفسك يا أخى لئلا تكون معثراً لغيرك، وما تعلمه للآخرين، تأكد أنك تحاول تطبيقه أولاً فى حياتك، فيكون تعليمك أعمق وأكثر قوة وإقناعاً لسامعيك.
(5) الختان لا يبرر (ع 25-29 ):
25فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ، فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً! 26إِذًا؛ إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ، أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَانًا؟ 27وَتَكُونُ الْغُرْلَةُ الَّتِى مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَهِىَ تُكَمِّلُ النَّامُوسَ، تَدِينُكَ أَنْتَ الَّذِى فِى الْكِتَابِ وَالْخِتَانِ تَتَعَـدَّى النَّامـُوسَ؟ 28لأَنَّ الْيَهُودِىَّ فِى الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا، وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِى فِى الظَّاهِرِ فِى اللَّحْمِ خِتَانًا، 29بَلِ الْيَهُودِىُّ فِى الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِىُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ، هُوَ الْخِتَانُ الَّذِى مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ، بَلْ مِنَ اللهِ.
هنا يصحح القديس بولس مفهوم الختان الحقيقى لدى اليهود. فالختان هو عملية الطهارة عند الأطفال الذكور، حيث تنص شريعة موسى على نزع لحم الغرلة منهم بسكين فى ثامن يوم ولادتهم. وقد أمر الله أبونا إبراهيم وأولاده وكل شعب إسرائيل بالختان، لتكون علامة فى جسدهم تميزهم كشعب الله عن شعوب الأمميين. وقد كان اليهود يتكلون على الختان، ويعتبرونه وسيلة تبررهم؛ فصحح لهم القديس بولس هذا المفهوم.
ع25: إن الختان ينفع اليهودى إن عمل وصايا الناموس، ولكن إذا كان متعدياً أى غير منفذ للوصايا، فقد صار كإنسان أممى لا يعرف الله أى أعزل (غير مختتن).
ع26: إن كان الأممى الأغرل ينفذ الناموس، فحقاً يحسب وكأنه من أولاد الله المختتنين.
ع27: يكون الأغرل، الذى ينفذ وصايا الناموس بدافع من ضميره دياناً لليهودى المختتن، الذى يعرف وصايا الله ولا ينفذها.
ع28: إذاً من هو اليهودى الحقيقى؟ بالطبع هو الذى يمدحه الله.
إذ كلمة يهودى بالعبرية تعنى (مدح)، وعلى أى شئ يمدحه الله؟ بالطبع ليس على ختان الجسد.
ع29: من يمدحه الله هو من يكون قلبه مختوناً، أى منزوع عنه الخطية والإثم بسكين الروح القدس، وليس فقط جسده هو المختون حسب وصية الكتاب. هذا هو اليهودى الحقيقى، الذى يسعى لمدح الله وليس مدح الناس.
خلاصة القول أيها الحبيب، لا تتكل على بعض المظاهر الخارجية فى العبادة الشكلية ليمدحك الناس، بل لتقترن عبادتك الظاهرة بالعبادة القلبية ونقاوة القلب.
ولا تفتخر أنك مصرى من أبناء الشهداء، وأن بلدك قد زارتها العائلة المقدسة، وأن بها الكثير من الأديرة والمزارات، بل انظر هل أعمالك تمجد الله وتفرح قلبه وقلب هؤلاء الشهداء؟؟
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح