كلمة منفعة
كلامك يدل عليك، يظهر شخصيتك، يكشف ما في داخلك "بكلامك تتبرر، وبكلامك تُدان".
— لغتك تظهرك
الرسالة إلى أهل رومية 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 1
روميه
الإصحاح رقم 1
الباب الأول : حاجة الكل إلى الخلاص
الأصحاح الأول
مقدمة الرسالة
يمثل هذا الأصحاح مقدمة للرسالة، فيها يكشف الرسول عن جوهر الرسالة كلها، إذ لا يقدم افتتاحية شكلية تحمل مجاملة لطيفة لأهل رومية، وإنما يكتب بحكمة ليكشف في كلمات قليلة عن "إنجيل الله"، وفاعليته في حياة المؤمنين. كما يعلن خلالها عن مركز الرسول في الرب وفكره وحكمته ورسالته واشتياقاته الروحية. ولما كان الرسول يود أن يقاوم حركة التهوّد، لا في هجوم سلبي، وإنما بفتح كل قلب إيجابيًا لحب خلاص كل الأمم يبدأ بإبراز أخطاء الأمم أولاً ليعطي فرصة لأصحاب حركة التهوّد (أي للمطالبين بالعودة إلى أعمال الناموس الموسوي الحرفية) ألا يشعروا أنه إنسان متحيز للأمم على حسابهم، إنما هو محب للكل.
1. البركة الرسولية 1-7.
2. افتتاحية تشجيعية 8-17.
3. شرور الأمم 18-32.
1. البركة الرسولية
لم يقدم الرسول بولس "البركة الرسولية" كأكلشيه يختم به مقدمة الرسالة، وإنما قدم البركة في المسيح يسوع بما يليق ببنيان من يتحدث معهم وموضوع حديثه لهم، إذ نلاحظ فيها الآتي:
أولاً: يبدأ الرسالة بدعوة نفسه بثلاثة ألقاب، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المفرز لإنجيل الله" [1].
اللقب الأول هو "عبد doulas"، ولعله ابتدأ بهذا اللقب لأنه يكتب إلى أناسٍ يثيرون تفرقة عنصرية بين اليهود المتنصرين والأمميين المتنصرين، فإن كان هو عبدًا ليسوع المسيح، ففي هذا يتساوى جميع المؤمنين، إذ الكل عبيد للسيد المسيح، أيّا كان أصلهم أو ديانتهم السابقة.
كان أتقياء العهد القديم يعتزون بهذا اللقب بكونهم "عبيد يهوه" (مز 27: 9؛ 31: 16؛ 89: 50)، والآن إذ صار الكل في المسيح يسوع يتمتعون ببرّه وتقواه، يتأهلون لهذا اللقب "عبيد ليسوع المسيح"، ويفخرون به دون سواه، الأمر الذي يشترك كل الأعضاء فيه.
هذا وقد كان هذا اللقب يُنسب بالأكثر لمن قاموا بدور في تاريخ الخلاص خلال خدمتهم ليهوه، مثل موسى (2 مل 18: 12)، ويشوع (قض 2: 8)، وإبراهيم (مز 105: 42). وكأن بولس كرسول وهو مفرز لإنجيل الله يقوم بدور في تاريخ الخلاص، هو امتداد للدور الذي قام به آباء وأنبياء العهد القديم، لذا يليق باليهود المتنصرين أن يسمعوا ويتقبلوا رسالته بلا غضاضة.
أما اللقب الثاني فهو: "المدعو رسولاً"... لم يقل "رسول" بل "المدعو رسولاً"، لأن موضوع هذه الرسالة هو "دعوة الأمم للإيمان" كما سبق فدُعي اليهود قديمًا للإيمان؛ فإن كان القديس بولس يشعر بالفضل لله الذي دعاه للرسولية، فإنه حتى في إيمانه القديم كان مدعوًّا، وفي قبوله الصليب يحسب نفسه"مدعوٌا"... كأن لا فضل لنا في إيماننا كما في شهادتنا للرب، أيّا كان مركزنا الكنسي، إنما يرجع الفضل للذي دعانا.
اللقب الثالث: "المفرز لإنجيل الله". هذا اللقب "المفرز" في الأرامية "برسي" أو "فريسي"، وتعني "منفصل"، وكأن فريسيته الأولى قد مهدت لفريسية من نوع جديد، لا فريسية الحرف القاتل القائمة على الاعتداد بالذات والكبرياء، إنما "فريسية روحية" تقوم على التكريس والفرز للتفرغ للكرازة لحساب إنجيل الخلاص للعالم كله.
بهذه الألقاب الثلاثة يعلن القديس بولس أنه "عبد"، حياته هي امتداد لحياة عبيد الله العاملين في العهد القديم خلال تاريخ الخلاص، يقوم بالعمل الرسولي بدعوة إلهية وليس من عندياته، لا عمل له ولا هدف سوى تقديم إنجيل الله لكل أحد إن أمكن!
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الألقاب الثلاثة، قائلاً:
["بولس عبد ليسوع المسيح"... إنه يدعو نفسه عبدًا للمسيح، ليس بطريقة واحدة، إذ توجد أنواع من العبودية.
توجد عبودية أساسها الخلقة، كما قيل: "لأن الكل عبيدك" (مز 119: 91)، وأيضًا: "نبوخذراصر عبدي" (إر 25: 9)، لأن المخلوق عبد لخالقه أو صانعه.
توجد أيضًا عبودية من نوع آخر تنبع عن الإيمان، إذ قيل: "فشكرٌا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها، وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبرّ" (رو 6: 17-18).
نوع آخر يقوم على الخضوع للعمل، كما قيل: "موسى عبدي قد مات" (يش 1: 2). حقًا كان كل الإسرائيليين عبيدًا، لكن موسى كان عبدًا بطريقة خاصة يتلألأ ببهاءٍ شديدٍ في الجماعة.
هكذا كان بولس عبدًا بكل هذه الأشكال (الثلاثة) من العبودية العجيبة، وقد وضعها كلقبٍ مكرمٍ، قائلاً: "بولس عبد ليسوع المسيح"... "المدعو رسولاً"، معطيًا لنفسه هذا الطابع في كل رسائله: "المدعو"، مظهرًا إخلاصه، وأنه قد وُجد ليس خلال سعيه الذاتي، إنما دُعي فجأة وأطاع.
هكذا أيضًا يعطي نفس الطابع للمؤمنين بقوله أنهم "مدعوون قديسين". ولكن بينما هم مدعوون ليصيروا مؤمنين نال هو بجانب هذا أمرًا مختلفًا يسمى "الرسولية"؛ هذا الأمر مشحون بالتطويبات غير المحصية، أعظم وأسمى من كل العطايا... إذ يتحدث بولس بصوت عال،ٍ ويمجد العمل الرسولي، قائلاً: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا" (2 كو 5: 20)، بمعنى أننا نحمل دور المسيح (سفراء عنه). "المفرز لإنجيل الله"، كما في البيت يقوم كل واحد بعمل مغاير، هكذا في الكنيسة، توجد خدمات متنوعة تُوزع. وهنا يبدو لي أنه يلمح إلى أنه لم يُقم لهذا العمل باختيار الجماعة فحسب، وإنما عُيّن منذ القديم لهذا العمل، الأمر الذي يتحدث عنه إرميا قائلاً بأن الله قال عنه: "قبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيًا للشعوب" (إر 1: 5). فإذ يكتب الرسول إلى مدينة تتسم بالمجد الباطل، كل واحد فيها يفتخر متعاليًا، لذلك يكتب بكل وسيلة ليظهر أن اختياره (للرسولية) كان من قبل الله؛ الله هو الذي دعاه وهو الذي أفرزه].
ثانيًا: يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على قوله: "المفرز لإنجيل الله"، قائلاً: [إنه يقول "إنجيل الله" لكي يفرح السامعين منذ البداية (لأن كلمة إنجيل تعني بشارة مفرحة)، فقد جاءهم بأخبار لا تحزن ملامحهم كما سبق ففعل الأنبياء خلال التوبيخات والاتهامات والانتهار، إنما بأخبار سارة، أي "إنجيل الله"، الحاوي للكنوز غير المحصية ذات البركات الثابتة غير المتغيرة.]
ثالثًا: يستخدم القديس أمبروسيوس هذه العبارة مع عبارات أخرى (2 كو 13: 14) للرد على الأريوسيين الذين نادوا بأن الآب أعظم من الابن مدللين على ذلك بأن الآب يُذكر أولاً في الترتيب، وههنا الرسول يذكر الابن قبل الآب، إذ يقول: "عبد ليسوع المسيح" أولاً ثم "المفرز لإنجيل الله"، هذا علامة على وحدة اللاهوت.
وفي نفس المقال يقول بأن الرسول بولس الذي يمنعني من التعبد للخليقة أجده هنا يحثني على التعبد للسيد المسيح، إذ يدعو نفسه "عبد ليسوع المسيح"، مظهرًا أنه الخالق وليس مخلوقًا.
رابعًا: إن كان الرسول يلتزم بصد حركة التهوّد المُعطلة لإنجيل الله وسط الأمم، فقد أراد أن يؤكد لليهود المتنصرين أنه لا يحمل أفكارًا غنوصية كتلك التي حملها البعض والتي ظهرت بالأكثر في مرقيون فيما بعد في القرن الثاني، حيث تجاهل العهد القديم، بل واستخف به. لقد أراد الرسول أن يُبرىء نفسه من هذه الأفكار الخاطئة، فأعلن أن "إنجيل الله" الذي أُفرز له ليس إلا تحقيقًا لخطة الله الخلاصية القديمة التي يمثل العهد القديم جزءًا منها، إذ يقول: "الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة" [2]؛ فما يكرز به إنما هو شهوة رجال وأنبياء العهد القديم وتحقيق لنبواتهم المقدسة.
إن كان محور إنجيله هو "المسيح ابن الله"، فإن هذا القدوس هو أيضًا مركز خدمة رجال العهد القديم، عنه تنبأ الأنبياء، وبه جاءنا الوعد في الكتب المقدسة (العهد القديم). أو ربما أراد أن يؤكد لهم أنه لن ينسى أن منهم جاء الأنبياء، ولهم قد سُلمت الشريعة والكتب المقدسة التي هيأت الطريق للمسيًا المخلص.
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [إذ يريدا أن يصنع أعمالاً عظيمة علانية يسبق فيُعلن عنها زمانًا طويلاً ليُهييء مسامع البشر لقبولها عندما تتحقق. يقول "في الكتب المقدسة"، لأن الأنبياء لم يتكلموا فقط وإنما كتبوا ما نطقوا به، بل وقدموا ظلالاً لها خلال الأعمال مثل إبراهيم الذي رفع اسحق، وموسى الذي رفع الحيّة، وبسط يديه ضد عماليق، وقدم خروف الفصح.]
خامسًا: لما كانت الرسالة في مجملها هي إعلان عن "إنجيل الله"، لذلك عرّفه هنا في المقدمة بقوله: "عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات، يسوع المسيح ربنا". إنجيلنا إذن هو قبول "ربنا يسوع المسيح"، الذي يكرر الرسول مؤكدًا أنه "ابن الله"، إذ خلاله ننال البنوة لله. هو الابن الذي باتحادنا فيه ننتقل من مركز العبيد إلى "الأبناء" بالمعمودية، لنُحسب موضع رضا الآب وسروره، وهذا هو مركز الرسالة كلها.
هذا أكد نسب المسيح لداود من جهة الجسد، أولاً لكي يشجع اليهود على متابعة حديثه، إذ لا يتجاهل أن مخلص العالم كله جاء متجسدًا منهم، ومن جهة أخرى ليؤكد أن فيه تحققت النبوات خاصة بكونه ابن داود الملك ليجلس على كرسي أبيه خلال ملكوت روحي سماوي (مت 21: 9؛ يو 12: 13؛ لو 1: 32؛ 2 تى 2: 8). وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [تقبل إذن المولود من ذرية داود وأطع النبوة القائلة: "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إيّاه تطلب الأمم" (إش 11: 10) .]
هذا هو نسل داود الذي قيل عنه: "أُقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأُثبّت مملكته، هو يبني بيتًا لاسمي وأنا أُثبِّت كرسي مملكته إلى الأبد" (2 صم 8: 12-13). وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن نسل داود الذي بنى البيت الإلهي ليس سليمان بل السيد المسيح، إذ أقام هيكل الله غير المصنوع من خشب وحجارة، بل من البشر، أي من المؤمنين الذين قال عنهم الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم؟" (1 كو 3: 16)، لأن السيد المسيح لا سليمان هو الذي تثبت مملكته إلى الأبد حسب هذا الوعد الإلهي (2 صم 8: 13) .]
أما كلمة "تعيّن"، فكما يرى القديس يوحنا ذهبي الفم وغيره من الآباء الشرقيين، فتعني "أُعلن" أو "أُظهر". فالكنيسة الأولى كانت ترى أنه لم يكن ممكنًا أن يُعلن عنه كمسيّا ورب إلا بعد قيامته (أع 2: 34-36؛ في 3: 10؛ 1 كو 15: 45). هذا ما رأيناه بوضوح في دراستنا للإنجيل بحسب مرقس، إذ كان السيد نفسه يخفي لاهوته ويؤكد لتلاميذه إلا يعلنوا عن شخصه حتى يقوم. قيامته هي الدليل القاطع على بنوته الطبيعية لله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بماذا إذٌا "أعلن" عنه؟ لقد أظهر وأعلن عنه واعترف به خلال مشاعر الكل وشهادتهم، وذلك بواسطة الأنبياء، وخلال ميلاده حسب الجسد بطريقة عجيبة، وبقوة العجائب، وبالروح الذي به يهب التقديس، وبالقيامة التي بها وضع نهاية لطغيان الموت.]
سادسًا: يقول: القديس يوحنا ذهبي الفم إن الرسول إذ ذكر أنه مفرز لإنجيل الله، تحدث عن تجسد ابن الله خلال نسل داود حتى نقبله، فيرتفع بنا إلى أسراره السماوية. بدون التجسد الإلهي والتواضع لا نقدر أن نرتفع معه إلى سمواته، إذ يقول: [من يريد أن يقود البشر بيده إلى السماء، يلزم أن يرتفع بهم من أسفل، وهكذا كان عمل التدبير (الإلهي). فقد نظروه أولاً إنسانًا على الأرض وعندئذ أدركوا أنه الله. بنفس الاتجاه إذ شكّل (السيد) تعاليمه هكذا استخدم تلميذه ذات الطريق ليقودنا إلى هناك.]
يقول القديس أمبروسيوس: [من جهة الجسد صار من نسل داود، لكنه هو الله المولود من الله (الآب) قبل العوالم.]
يقول أيضًا القديس غريغوريوس النزينزي: [لقد دعيَ من نسل داود؛ ربما بهذا نظن إن الرجل قد كُرم (لأنه جاء رجلاً ومنتسبًا إلى رجل)، لكنه وُلد من عذراء، وبهذا تُكرم المرأة من جانبها.]
سابعًا: بعد أن سجل اسم الراسل وألقابه خلال دعوته للرسولية وعمله الإنجيلي، كاشفًا عن مفهوم الإنجيل الإلهي الذي أُفرز له، سجل اسم المرسل إليهم ومركزهم من هذه الرسالة الإلهية، قائلاً: "الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم، الذين بينهم أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح، إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين" [5-7].
قبل أن يدخل معهم في حوار بخصوص النزاع القائم بين اليهود المتنصرين والأمم المتنصرين أخذ يشجع الكل، معلنًا للجميع أن ما ناله القديس بولس إنما هو من قبيل نعمة الله المجانية كهبة مقدمة، لا لفضل فيه ولا فيهم كيهود أو أمم، وإنما لأجل اسمه، إذ يقول: "لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة (رسولية)".
إن كانت هذه الرسالة تكرر الحديث عن نعمة الله، سواء في حياة الرسول، إذ نقلته لا من عدم الإيمان إلى الإيمان فحسبK وإنما من مضطهدٍ إلى كارزٍ ورسولٍ، أو في حياة المخدومين من يهود وأمم، فإن الرسول لم يقدم لنا تعريفًا عن "النعمة"، إنما حديثًا عن قوة النعمة وفاعليتها في حياة الكنيسة وكل عضو فيها. وكأن الرسول لم يرد أن يشغلنا بتعاريف نظرية وفلسفات فكرية، إنما أراد لنا معرفة التلامس الحقيقي والتمتع الواقعي بهذه الأمور. هذا هو أيضًا منهج الكنيسة الشرقية كما سبق فرأينا عند عرضنا "للنعمة" عند العلامة أوريجينوس.
ما هي هذه النعمة إلاَّ عطية الله المجانية، عطية الآب الذي في محبته قدم ابنه الحبيب مبذولاً عن خلاص العالم (يو 3: 16؛ رو 8: 32). نعمة الابن الوحيد الذي أحبني، وأسلم ذاته لأجلي. كما أرسل لنا روحه المعزي من عند الآب يشهد له في حياتنا (يو 15: 26)، يعلمنا كل شيء ويذكرنا بكل ما قاله لنا (يو 14: 26)، كما ارتبطت النعمة بالروح القدس، فإن كان الروح هو واهب العطايا، لكنه في نفس الوقت هو عطية، إذ صار ساكنًا فينا، حالاً في داخلنا بكوننا هياكل الله وروح الله ساكن فينا.
يعلن الآب عن نعمته خلال تدبير الخلاص، والابن يعلن عن ذات النعمة خلال حمله الصليب عنا، والروح القدس يقدم ذات النعمة بسكناه فينا لنقبل عمل المسيح الخلاصي في حياتنا.
هذه هي النعمة الإلهية المجانية التي تعمل في الكنيسة، لتهب الكل العضوية في الجسد الواحد، لكن لكل عضو تمايزه دون انفصال عن الرأس أو بقية الأعضاء، ولكل عضو بالنعمة خدمته ومواهبه، فقد ميّز الروح القديس بولس بالرسولية لأجل الكرازة والرعاية. هذه العطية "الرسولية" دفعته أن يكتب لهم كما لغيرهم بسلطانٍ لكي يحقق عمل النعمة الإلهية فيه وفيهم.
ثامنًا: إن كان الروح القدس قد ميّز القديس بالرسولية، فبنعمته صار يعمل في سامعيه لا للدخول في مناقشات ومجادلات، وإنما لقبول الإيمان في طاعة وخضوع: "لإطاعة الإيمان في جميع الأمم" [5]. هذا هو عمل النعمة الإلهية أو عمل الروح القدس نفسه في المخدومين. يقول: القديس يوحنا ذهبي الفم: [انظروا صراحة العبد، فإنه لا يود أن ينسب شيئًا لنفسه بل لسيده، فإن الروح بالحق هو الذي يهب هذا. لذلك يقول السيد: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يو 16: 12)... وجاء في الرسالة إلى أهل كورنثوس: "فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم" (1 كو 12: 8)، "الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 11) .]
إذن نعمة الله التي قدمت للقديس بولس "الرسولية" هي التي تعمل لطاعة الإيمان لا في اليهود وحدهم، وإنما "في جميع الأمم".
هذا ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن قوله "في جميع الأمم" يكشف أن الرسول إذ يتكلم عن عمل النعمة فيه كرسول يضم معه بقية الرسل، إذ تعمل النعمة في الكل لأجل جميع الأمم، أو ربما يقصد أنه وإن كان لا يعمل هنا في جميع الأمم فإنه حتى بعد موته لا يكف عن العمل في جميع الأمم. وربما يقصد الذهبي الفم أن الرسول يبقى في الفردوس خادمًا بحبه لخلاص العالم وبصلواته غير المنقطعة من أجل الكل.
تاسعًا: دعاهم "مدعوّي يسوع المسيح"، فالفضل لمن "دعانا" مجانًا لنعمته. كما دعاهم "مدعوّين قديسين". فإن كان شعب إسرائيل قد دُعي قديمًا بالجماعة المقدسة (حز 12: 16؛ لا 23: 2، 44) بكونهم الشعب المفرز لله القدوس (لا 11: 24، 19: 2)، فإن هذا الشعب قد فشل في تحقيق القداسة إلا من خلال الرموز والنبوات، أما الآن فقد جاء مسيحنا القدوس يدعونا للدخول فيه والثبات فيه، فنُحسب به أبرارًا وقديسين.
أراد الرسول في أبوته الحانية أن يوضح نظرته لهم، أنه يحترمهم ويقدّرهم، لأنهم "مدعوّو يسوع المسيح" [6]، "أحباء الله" [7]، "مدعوّون قديسين" [7]، كأنه يفتخر أن يكون خادمًا لهم!
يحسب القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الدعوة للقداسة هي كرامة فائقة ترافق المؤمنين حتى بعد عبورهم الحياة، إذ يقول: [الكرامات الأخرى تُعطى لزمان ثم تنتهي مع الحياة الحاضرة، هذه يمكن أن تُقتنى بمال... أما الكرامات التي يهبها الله، أي عطية التقديس والتبني، فلا يقدر حتى الموت أن يحطمها. إنها تجعل البشر مشهورين هنا، كما ترافقنا في رحلتنا إلى الحياة العتيدة.]
هذا وسرّ تقديسنا هو قبول "النعمة والسلام" [5]... فقد كانت كلمة "نعمة" هي تحية اليونانيين، و"سلام" أو "شلوم" هي تحية العبرانيين؛ أما وقد صار الكل جسدًا واحدًا فلم يقبلوا "النعمة والسلام" من بعضهم البعض، إنما تمتعوا بهما كعطية إلهية للجسد الواحد الذي يضم اليونانيين واليهود معًا. تقبلوا نعمة الله الفائقة، أي عطاياه المجانية والتي تتجلى في سكنى الله نفسه في داخلهم ليُعلن ملكوته فيهم باستحقاقات دم الصليب، وسلامه السماوي الذي يوّحد الإنسان مع خالقه والجسد مع الروح والإنسان مع أخيه، أيّا كان جنسه!
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بحكمة يبدأ بالنعمة ثم بالسلام، إذ لا نستطيع أن ننعم بالسلام الداخلي، بعد أن دخلنا خلال عصياننا في حرب روحية شرسة ما لم تعمل نعمة الله فينا لتهبنا بالمسيح يسوع روح الغلبة والنصرة؛ فنعيش في سلام حقيقي، كأبناء لأبٍ سماويٍ. هذه هي عطية الله لنا، ونعمته التي تسندنا في هذا الزمان الحاضر وترافقنا حتى تدخل بنا إلى الحضن الأبوي أبديًّا. يقول القديس:
[إنها تحية تقدم لنا بركات بلا حصر.
هذا (السلام) هو ما أمر به المسيح الرسل أن يستخدموه كأول كلمة ينطقون بها عندما يدخلون البيوت (لو 10: 5). لهذا يبدأ الرسول بالنعمة والسلام. فقد كانت توجد حرب ليست بهينة، وضع المسيح لها نهاية؛ كانت بالحقيقة حربًا متنوعة من كل صنف استمرت زمنًا طويلاً، وقد انتهت خلال نعمة المسيح وليس بمجهوداتنا الذاتية.
الحب جلب النعمة، والنعمة جلبت السلام، لذلك جاء ترتيب التحية لائقًا (النعمة والسلام)، طالبًا لهم أن يعيشوا في سلامٍ دائمٍ غير متزعزع، حتى لا يشتعل لهيب حرب أخرى، سائلاً الله أن يحفظ لهم هذه الأمور ثابتة، قائلاً: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح" [7].
عجبًا! يا لقدرة حب الله، نحن الذين كنا قبلاً أعداء ومطروحين صرنا قديسين وأبناء! فإنه إذ يدعو الله "أبانا" يظهرهم أبناء له، وعندما يدعوهم أبناء يكشف عن كنز البركات كلها.]
السلام هو عطية الله التي يلزم أن نطلبها بالصلاة، فيهبها لنا إن صارت لنا الإرادة المقدسة، وكما يقول القديس جيروم: [يلزمنا أن نقتني السلام بالصلاة، هذا الذي يوجد ليس بين الجميع، بل بين من لهم الإرادة الصالحة... "لأن مسكنه (الله) في السلام" (مز 76: 10) .]
لاحظ القديس أمبروسيوس أن النعمة والسلام قد نُسبا للآب كما للسيد المسيح، إذ يقول: [ها أنتم ترون إننا نقول بأن نعمة الآب والابن واحدة، وسلام الآب والابن واحد، لكن هذه النعمة وهذا السلام هما ثمر الروح كما يعلمنا الرسول نفسه، قائلاً: "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة" (غل 5: 22) .]
2. افتتاحية تشجيعية
تكشف افتتاحية هذه الرسالة كما في باقي الرسائل عن جانب هام من منهج الرسول بولس في خدمته ومعاملاته، فإنه بروح الحكمة يشجع ويسند، حتى إن أراد أن يحاور أو يوبخ، فإن كان يكتب في جوهر الرسالة عن مشكلة حركة التهوّد التي سببت متاعب كثيرة للكنيسة، لكن بروح الحب يكسب من يوجه إليهم رسالته، إذ يعلن في الافتتاحية الآتي:
أولاً: تزكيته لإيمانهم: "أولاً أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم، أن إيمانكم ينادى به في كل العالم" [8]. يبدأ بالجانب الإيجابي لا السلبي، فلا يتحدث مثلاً عن خطورة حركة التهوّد ولا عن ضعفات هذا الشعب، إنما يعلن تزكيته لإيمانهم الذي صار علة كرازة في كل العالم، مقدمًا الشكر لله بابنه يسوع المسيح. هذا المنهج أساسي في اللاهوت الرعوي. أن نشجع أولاً ونسند، مبرزين الجوانب الحيّة والناجحة في حياة المخدومين قبل الجوانب السلبية والخاطئة.
يقدم الشكر للآب إلهه كعبادة حيّة، يقدمه في يسوع المسيح، لكي يكون مقبولاً. إذ لا نقدر أن نلتقي مع الآب، ولا أن نقدم له ذبيحة حب وشكر، إلا خلال رأسنا يسوع المسيح موضع سروره.
وقد استلفت نظر القديس يوحنا الذهبي الفم في تسبحة الشكر هذه أمران:
أ. أن الرسول بولس يقدم باكورة أعماله وكلماته تسبحة شكر لله، فيبدأ رسائله بالشكر، والعجيب أنه لا يشكر الله على عطاياه له فحسب، وإنما على عطاياه للآخرين، حاسبًا ما يتمتع به الآخرون يتمتع هو به. لذا يشكر الله هنا من أجل إيمانهم وكأنه مكسب له. يقول ابن كاتب قيصر في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: [هذا هو أول الرسالة. كان الشكر لمقدم النعم واجبًا، وكان هو أكثر منهم معرفة بقدر هذه النعمة التي وُهبت لهم، خاصة أنه يجد في إيمانهم نجاحًا لسعيه، إذ لم يسعَ إلا ليؤمنوا، لذلك قدم الشكر عنهم بسبب إيمانهم، ليعلمنا أن نفتتح أقوالنا وأفعالنا بالشكر.]
ب. ينسب الله إلى نفسه، إذ يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [بأية مشاعر يقدم الشكر، إذ لا يقول: "الله" بل "إلهي"، الأمر الذي يفعله الأنبياء أيضًا، حاسبين ما هو عام للكل كأنه خاص بهم. وأي عجب إن فعل الأنبياء هكذا؟ فإن الله نفسه يفعل هذا دائمًا وبوضوح، فينسب نفسه لعبيده، قائلاً أنه إله إبراهيم واسحق ويعقوب، كما لو كان خاصًا بهم.]
ثانيًا: بجانب كشفه عن جوانب نجاحهم يعلن حبه نحوهم بالصلاة من أجلهم، مشهدًا الله نفسه على أعماقه المتسعة نحوهم: "فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم" [9].
لم يكن ممكنًا أن يذكر المخدومين، حتى وإن كان لم ينظرهم بعد حسب الجسد، بالصلاة الدائمة غير المنقطعة لو لم يكن قلبه وفكره وكل طاقاته قد تكرّست وأُفرزت لله، هذا ما عناه بقوله "أعبده بروحي"، أي أضع نفسي بكل طاقاتي الروحية والنفسية والجسدية للعبادة لله والتمتع بإنجيله.
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة موضحًا نقطتين، هما:
أ. الرسول وهو يكرز بالإنجيل يعبد الله بالروح والحق: [لأن طريق خدمتنا ليس بخرافٍ وتيوسٍ ولا بدخانٍ وشحومٍ، وإنما بنفسٍ روحية، كقول المسيح: :"الله روح والذين يسجدون لله فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 24).]
ب. يخدم إنجيل الابن الذي هو بعينه إنجيل الآب: [قال قبلاً أنه إنجيل الآب، أما هنا فيقول إنجيل الابن، فلا اختلاف بين القولين، إذ تعلّم الرسول من الصوت الطوباوي أن ما للآب هو للابن، وما للابن هو الآب، إذ قيل: "ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي" (يو 17: 10).]
ثالثًا: حبه مترجم عمليًا ليس فقط بذكرهم المستمر بلا انقطاع في صلواته، وإنما بشوقه الحقيقي لرؤيتهم ليهبهم "هبة روحية" هي إنجيل المسيح، الذي يثبتهم ويعزيهم كما يعزيه هو أيضًا، الإنجيل الذي يفرح قلب السامعين والكارزين معًا، إذ يقول: "متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن آتي إليكم، لأني مشتاق أن أراكم، لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أي لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [10-12].
بالحق هم موضوع حبه، يشغلون فكره وخطته وصلواته، وأيضًا تصرفاته من أجل غاية واحدة: تمتعتم بالهبة الروحية الإلهية، إنجيل الله! وقد حقق الله للرسول شوقه الروحي المقدس، لكن بخطة إلهية فائقة، إذ ذهب إليها كأسير من أجل الإنجيل بعد أن تعرض لضيقات كثيرة كانكسار السفينة به (أع 27: 43). ليقف أمام كرسي قيصر (أع 27: 24).
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول هذه لأهل رومية مبرزًا حب الرسول الشديد للكرازة، خاصة بين الأمم، لكن في حكمة الروح يلح في الطلب بلا انقطاع، مسلمًا الأمر بين يديّ الله العارف ما هو لبنيان الكنيسة، إذ يقول: [تضرعه الدائم دون توقف بسبب عدم نواله طلبه يكشف عن حبه الشديد لهم. لكنه وهو يحب مستمر في خضوعه لمشيئة الله... في موضع آخر يقول: "تضرعت إلى الرب ثلاثة مرات" (2 كو 12: 8)، وليس فقط لم ينل طلبته، إنما قبل عدم نواله الطلبة بشكرٍ شديد، ففي كل الأمور كان ينظر إلى الله. هنا نال الرسول، لكنه لم ينل عندما طلب بل في وقت متأخر، ومع هذا لم يكن متضايقًا. أشير إلى هذه لكي لا نتبرم نحن عندما لا يُستجاب لنا، أو عندما تأتي الاستجابة ببطء، فإننا لسنا أفضل من بولس الذي كان يشكر في الأمرين، مسلمًا نفسه في يدّ مدبر الكل، خاضعًا له تمامًا، كالطين في يدّ الخزّاف، يسير حيثما يقوده الله.]
رابعًا: كان الرسول ليس فقط خاضعًا لمشيئة الله التي سمحت له بتأجيل ذهابه إلى روما بالرغم من حبه الشديد لافتقادها، لا بهدف أرضي وإنما بتقديم "هبة روحية" هي "إنجيل الله"، وإنما أعلن الرسول تواضعه بقوله: "لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [12].
في تواضع صادق بلا تزييف يشعر الرسول أنه محتاج إلى مخدوميه، فهو يفتقدهم ليس فقط لكي يرشد ويعلم ويوصي، وإنما أيضًا ليتعزى بإيمانهم. هم محتاجون إلى نعمة الله العاملة فيه، وهو محتاج إلى إيمانهم وتعزيتهم.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لعظم تواضع فكره! لقد أظهر نفسه أنه في حاجة إليهم وليس هم فقط المحتاجين إليه. يضع التلاميذ موضع المعلمين، غير حاسبًا نفسه أعلى منهم، بل مقدمًا كمال مساواتهم له، لأن النفع مشترك، يقصد أنه يتعزى بهم وهم به. كيف يتحقق ذلك؟ "بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني". وذلك كما في حالة النار، فإن أضاف إنسان مشاعل إلى بعضها البعض يشتعل بالأكثر اللهيب ويتقد الكل؛ هذا أيضًا يحدث بين المؤمنين طبيعيًا.] كما يقول أيضًا: [يقول هذا لا كمن هو في حاجة إلى أي عون منهم، وإنما لكي لا تكون لغته ثقيلة عليهم وتوبيخه عنيفًا، لهذا يقول أنه في حاجة إلى تعزياتهم. ربما يقول أحد أن تعزيته تكمن في فرحه بنمو إيمانهم، هذا هو ما يحتاج إليه بولس، هذا المعنى ليس بخاطيء.]
يقول ابن كاتب قيصر أن كلمة التعزية هنا تعنى الفرح والسرور، هو يتعزى لأنه كان مضطهدًا وصار رسولاً مبشرًا دُعي لهذا الرجاء الصالح، وهم يفرحون إذ كانوا قبلاً في ضلالة عبادة الشياطين وصاروا أولاد الله، عابدين له، مترجين ملكوته الأبدي.
خامسًا: يرى القديس إكليمنضس السكندري في حديث الرسول هنا التعزية التي ينالها كما ينالونها هم خلال الإيمان المشترك، إنما يعني أن الإيمان يحمل حركة نمو مستمر، إذ يرى أن هناك إيمانًا مشتركًا يكون أساسًا خفيًّا في حياة جميع المؤمنين، هذا الإيمان لا يحمل جمودًا، بل حركة نمو مستمرة، لذا طلب التلاميذ من السيد المسيح: "زد إيماننا". بمعنى آخر يمكننا أن نقول بأن الإيمان حركة حياة ديناميكية غير جامدة، يعيشها المؤمن كل يوم منطلقًا من خبرة معرفة عملية وتلاقٍ مع المسيح إلى خبرة أعمق، ومن قوة إلى قوة، ومن مجد داخلي إلى مجد، مشتاقًا كل يوم أن يبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح كقول الرسول بولس.
سادسًا: إذ يعلن حبه عمليًا بشوقه لزيارتهم بل ومحاولاته العملية وقد مُنع حتى لحظات الكتابة، يكشف عن رسالته، بقوله: "ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم. إني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء، فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا، لأني لست استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص، لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني، لأن فيه معلن برّ الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب: أما البار فبالإيمان يحيا" [13-17].
أ. إن كان الرسول قد صار له ثمر متكاثر في أمم كثيرة، لكنه مترقب الثمر أيضًا في روما بكونها عاصمة العالم الروماني الأممي، حاسبًا الكرازة بينهم وثمرهم هو تحقيق ونجاح لمهمته الرسولية؛ مستعد للعمل مهما بلغ الثمن بلا خجل.
إن كانت روما بكونها عاصمة للدولة الرومانية فيها تصب كل الشعوب أوثانها ورجاساتها وما يحملونه من انحطاط، فقد كانت مرآة للعالم الوثني بكل شروره وبؤسه، موضع غضب الله، لذا أراد الرسول أن تكون هذه المدينة هي بعينها مركزًا للخدمة، مقدمًا لها مفهوم إنجيل الله في كمال قوته. بمعنى آخر يودّ الرسول أن يخدم حيث يزداد بالأكثر الشرّ، إذ لا يريد الطريق السهل المتسع، بل الضيق الكرب لكي تعلن قوّة الإنجيل بالأكثر، ويظهر عمل النعمة الإلهية وفاعليتها بأكثر وضوح. هذا ما نستنبطه من قوله: "ما هو لي مستعدّ لتبشيركم"، بمعنى أنه مستعدّ لاحتمال كل ضيق وألم من أجل تقديم كلمة الإنجيل، إذ كان الرسول يُدرك أن الكرازة بينهم تستوجب أتعابًا كثيرة. لذلك يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من نفس نبيلة! لقد وضع الرسول على عاتقه أن يقوم بعمل ذي مخاطر عظيمة، إذ يقوم برحلة عبر البحر تعترضها تجارب ومكايد... ومع توقعه لاحتمال هذه الأتعاب العظيمة لم يقلل هذا الأمر من همته بل كان يُسرع مجاهدًا، مستعدًا بذهنه لاحتمالها.]
ب. كان القدّيس بولس يخجل من الصليب قبل أن يلتقي بالمصلوب الممجّد، حاسبًا الصليب عارًا لا يليق بالمسيّا ملك اليهود، أمّا الآن فقد أدرك أنه قوّة الله للخلاص، يلزم أن يُكرز به للجميع.
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الرسول قائلاً:
[يقول لأهل غلاطية: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غل 6: 14). كان الرومانيّون شديدي التعلّق بالزمنيّات بسبب غناهم وإمبراطوريتهم وكرامتهم، فكانوا يحسبون ملوكهم في مصاف الآلهة، حتى أقاموا لهم المعابد، وقدّموا لهم القرابين، وهم يتشامخون بهذا. أمّا بولس فكان يودّ أن يكرز لهم بيسوع الذي ظنوا أنه ابن نجار نشأ في اليهوديّة، في بيت امرأة فقيرة لا يحيط بها الخدم والحشم ثم مات ميّتة اللصوص والمجرمين، متحمّلاً أصناف السُخرية والإهانات، الأمور التي حاول (بعض الرومانيّون الذين تنصروا) الاختباء منها قبل إدراكهم عظمة هذه الأمور غير المنطوق بها: لهذا يقول الرسول أنه لا يستحي، إذ كان يعلمهم هم أيضًا ألا يستحوا من هذه الرسالة المجيدة، حتى إذا ما بدأ هكذا بعدم الاستحاء ينتهي بهم إلى الافتخار أيضًا. فإن سألكم أحد: أتعبدون المصلوب؟ لا تستحوا، ولا تنظروا إلى الأرض بل ارفعوا رؤوسكم... أجيبوا باعتزاز، نعم نعبده!... الصليب بالنسبة لنا هو عمل المحبّة اللانهائية نحو البشر، وعلامة عناية الله غير المنطوق بها.]
ج. أدرك الرسول أن الإنجيل أو الكرازة بالصليب هو "قوة الله الخلاص"، اختبر هذه القوّة في حياته فأراد أن يقدّمها للجميع، كارزًا لليونانيّين أي أصحاب الفكر الهيِليني، وللبرابرة أي بقية الأمم. يودّ أن يتمتّع الكل بعمل الصليب: الحكماء أصحاب الفلسفات، والبسطاء الذين يُحسبون كجهلاء.
إن كان الصليب قد أنقذه، فإنه مدين للعالم كله، حاسبًا الوثنيّين دائنين له، يلتزم أن يرد لهم الدين بالكرازة لهم ليتمتّعوا بما تمتّع هو به!
د. يدعو الإنجيل "قوة الله للخلاص"، إذ هو ليس رسالة نظرية أو فلسفة فكرية تعليمية إنما "عمل إلهي ديناميكي" في حياة الإنسان، حركة حب إلهي لا تتوقف تبلغ به إلى شركة الأمجاد الإلهية.
ه. إنجيل المسيح مُقدّم لليهودي أولاً ثم اليوناني، هنا الأولوية لا تقوم على محاباة الله لجنسٍ على حساب آخر، وإنما أولوّية الالتزام بالمسئولية والعمل. فإن كانوا قد ائتمنوا على الناموس المكتوب، وتقبلوا إعلانات ونبوّات، ومنهم خرج رجال الله، فقد لاق بهم أن يتلّقفوا عمل السيد المسيح الخلاصي، ويحتضنوا الصليب حتى يخرجوا إلى الأمم، حاملين نير البشارة بالخلاص.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كلمة "أولاً" ليست إلا تعبيرًا عن الناحية الزمنيّة فقط، إذ لا يوجد امتياز في مقدار البرّ الذي يحصل عليه، ولكن كمن ينزل في جرن المعمودية أولاً ثم يليه الآخر نعمة أعظم من التالي له، إنما ينعم الكل بنعمة واحدة. هكذا يتساوى اليهودي واليوناني في مواهب النعمة متى قبِلوا الإنجيل.]
و. ماذا يعني بقوله: "إيمان لإيمان؟" يرى العلامة ترتليان والعلامة أوريجينوس وابن كاتب قيصر أن برّ الله بإيمان الناموس حين نُقل المؤمنين إلى الإيمان بالإنجيل، وكأن الثمر الذي يشتهيه الرسول لكل عالم هو ذات الثمر الذي ترجّاه رجال الإيمان في العهد القديم، وقد حلّ الوقت المعيّن لينعم العالم به خلال الإيمان بالإنجيل الإلهي. يقول القدّيس إكليمنضس السكندري: [يعلّمنا أن خلاصًا واحدًا من الأنبياء إلى الإنجيل يحقّقه الرب الواحد عينه.] ويري القدّيس أمبروسيوس أن برّ الله يُعلن خلال أمانة الله في مواعيده، فتنتقل أمانته إلى إيمان الإنسان الذي ينعم ببرّ الله.
يقدّم لنا الرسول مفتاح كل عطيّة صالحة إلهية: "أما البارّ فبالإيمان يحيا" [17]. فالإنسان الذي يرتبط بالله يحمل برّ المسيح فيه، لكنه لا يعني هذا أنه يصير معصومًا من الخطأ كما يظن البعض، إنما يتمتّع بالنمو المستمر في برّ المسيح بلا توقف. وقد حذّرنا القدّيس أغسطينوس من فهم هذه العبارة بمعنى أننا نصير بلا خطيّة.
ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بالقول:
[مادامت عطيّة الله تفوق الإدراك تمامًا فمن المنطق أننا نحتاج إلى الإيمان.
أما ترون أن عدم الإيمان هو هوّة سحيقة، أمّا الإيمان فحصن حصين. لأن عدم الإيمان أهلك الآلاف بينما الإيمان لم يُؤدِ إلى خلاص الزانية وحدها بل جعلها أيضًا أمّا لكثيرين.
إننا نستضيف برقةٍ أم كل البركات، وهو الإيمان، لكي نكون كمن هم يسيرون في ميناء هادئ مستقر تمامًا، محافظين على إيماننا الأرثوذكسي، فنقود سفينتنا باستقامة ونحظى بالبركات بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح.]
3. شرور الأمم
إذ يواجه القدّيس بولس حركة التهوّد ليُعلن عن عمومية الخلاص لليوناني كما لليهودي، لم يبدأ بضعفات اليهود وشرورهم، بل بالعكس يتحدّث بصراحة ووضوح عن شرور الأمم، لكي يكون ذلك مدخلاً لنقد اليهود أيضًا، في صراحة وتفنيد كل حججهم دون اتهامه بالمحاباة. فقد وُجّه إليه هذا الاتهام: "إنك تعلم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى، قائلاً أن لا يختنوا أولادهم، ولا يسلكوا حسب العوائد" (أع 21: 21). هذا ما دفع الرسول إلى البدء بإعلان شرور الأمم ومسئوليتهم عنها، ليس تشهيرًا بهم ولا تحقيرًا، وإنما كمدخل لاجتذاب اليهود المتنصّرين لقبولهم معهم في العضوية في الجسد الواحد على قدَم المساواة، إذ يُعلن أن الأممي كاسر للناموس الطبيعي واليهودي كاسر للناموس الموسوي، لذلك صار الكل في حاجة إلى تدخل إلهي كي يتبرّروا لا بالناموس الطبيعي ولا بالناموس الموسوي، وإنما بالإيمان بالمسيح يسوع مخلص الجميع.
في حديثه عن شرور الأمم أصحاب الناموس الطبيعي يبرز الرسول الآتي:
أولاً: إن كان الله قد أعطى اليهود الناموس الموسوي، فإنه لم يهمل الأمم ولا تركهم بلا شاهد لنفسه بينهم، فقد أعلن نفسه خلال الطبيعة المنظورة، إذ يقول: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر" [20].
"الله لم يترك نفسه بلا شاهد فإن السماء تحدِّث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). يُعلن قدرته السرمدية ولاهوته خلال أعمال الخليقة الفائقة، التي أقامها بكلمته، لا لاستعراض إمكانياته، وإنما من أجل أعماق محبته لنا. فحب الله الفائق غير المنظور نلمسه خلال رعايته العجيبة، إذ قدّم لنا هذه المصنوعات لراحتنا.
بينما يتهم الرسول بولس البشر أنهم يحجزون الحق بالإثم [18]، وكأن الإنسان يتفنن في اختراع الطرق الأثيمة المتنوعة ليحجز "الحق" فلا يُعلن، إذ بالله يُعلن "الحب" لنا بطرق متنوعة خلال المصنوعات المباركة التي هي من عمل يديه. الإنسان يستميت في حجز الحق، والله يبذل لإعلان الحب السرمدي!
يرى القديس أغسطينوس في هذا القول الرسولي أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها و ليس نتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظور، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات.
يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدي.]
هذا وإذ يحجز الإنسان الحق بالإثم يسقط تحت الغضب الإلهي [18]، أمّا من يرجع إليه بالتوبة فيسمع الصوت الإلهي: "هلم يا شعبي أدخل مخادعك وأغلق أبوابك خلفك، اختبئ نحو لُحيظة حتى يعبر الغضب، لأنه هوذا الرب يخرج من مكانه، ليعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها ولا تغطي قتلاها فيما بعد" (إش 26: 20-21). ما هي المخادع التي تدخل فيها إلا الحياة السرية في المسيح يسوع حيث فيه نختبئ من الغضب، ونصير موضع سرور الآب! وأمّا قوله "هوذا الرب يخرج من مكانه ليعاقب..." إنما يعني أنه يودّ أن يبقى في مكانه يُعلن حُبّه ورحمته، لكن إصرار سكان الأرض على الإثم تلزمه أنه يعاقب!
ثانيًا: لم يستطع الأممي خلال هذه المعرفة المعلَنة بالناموس الطبيعي، والمُسجلة خلال المنظورات أن يخلص، بل على العكس أخذ موقف المقاومة التي تظهر في الآتي:
أ. "لأنهم لما عرفوا الله، لم يمجّدوه أو يشكروه كإله، بل حمَقوا في أفكارهم، واِظلمّ قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات" [21-23].
هذا الاتهام كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أخطر من الاتهام السابق، فإن الأمر لم يقف عند رفض الله الذي أعلن عن محبته وقدرته خلال مصنوعات يديه، وإنما لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه، بل استبدلوا عبادة الله الحيّ بالعبادة الوثنيّة. وكما قال الله على لسان إرميا: "لأن شعبي عمل شرين: تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم أبارًا أبارًا مشققة لا تضبط ماءً" (إر 2: 13). أمّا علّة انحرافهم فهو اتكالهم على الفكر البشري المجرد دون عون الله، "وبينما هو يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء"، فصاروا كما يقول الذهبي الفم كمن يبحِّرون في مياه مجهولة، فتتحطم سفينتهم على صخور صلدة، إذ حاولوا بلوغ السماء بعدما أطفأوا النور المضيء في داخلهم، متّكلين على ظلمة أفكارهم.
يرى القدّيس أغسطينوس أن سرّ هلاكهم هو جحودهم وعدم شكرهم، إذ يقول: [بجحودهم صاروا أغبياء، فما يهبه الله مجانًا (أي الحكمة) ينزعه عن غير الشاكرين.] كما يقول: [لقد رأوا إلى أين يجب أن يذهبوا، لكنهم بجحودهم نسبوا هذه الرؤية التي وهبهم الله إيّاها لأنفسهم، وإذ سقطوا في الكبرياء فقدوا ما قد رأوه، وارتدّوا إلى عبادة الأوثان والتماثيل والشياطين، يعبدون المخلوق ويحتقرون الخالق.]
هذا ويرى القدّيس أغسطينوس أن هؤلاء الذين نسبوا لأنفسهم الحكمة فسقطوا في العبادات الرذيلة هم الرومان واليونان والمصريّون الذين مجدوا أنفسهم تحت اسم الحكمة.
ب. إذ تركوا الله الذي يُعلن ذاته لهم خلال الطبيعة تخلَّى هو أيضًا عنهم كشهوة قلوبهم، هذا هو ما عناه الرسول بقوله: "لذلك أسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم" [24]. تركوه بإرادتهم، وإذ هو يُقدر الحرّية الإنسانيّة ويكرمها، أعطاهم سؤل قلبهم وهو تركهم، فمارسوا شهوات قلوبهم الشرّيرة، حيث ارتكب الرجال والنساء قبائح لا تليق حتى بالطبيعة [26-27].
ويرى القدّيس يوحنا كاسيان أن الإنسان إذ يسقط في الكبرياء حتى وإن كان طاهرًا جسديًا، يسمح الله بالتخلّي عنه لكي إذ يسقط في شهوات جسديّة ظاهرة أمام عينيه يقدر أن يدرك الكبرياء الخفي الذي لا يراه.
لهذا السبب نجد كثير من الشباب يسقطون في الرجاسات الجسديّة بالرغم من مواظبتهم على وسائل الخلاص، من دراسة في الكتاب وتقديم صلوات، وربّما اعتراف وتناول، لكن العلّة الرئيسية لسقوطهم هو كبرياء قلوبهم. بالكبرياء يفقد الإنسان نعمة الله التي تهبه القداسة، فينهار تحت ثقل شهوات جسده وفساده.
ويحدّثنا القدّيس بفنوتيوس عن سماح الله لنا بهذا الانحراف، معلنًا أننا نحن السبب في هذا الفساد، إمّا بسبب كبريائنا أو إهمالنا، إذ يقول: [علينا أن نعرف أن كل شيء يحدّث، إمّا بإرادته أو بسماح منه، فكل ما هو خير يحدّث بإرادة الله وعنايته، وكل ما هو ضدّ ذلك يحدّث بسماح منه، متى نُزعت حماية الله عنّا بسبب خطايانا أو قسوة قلوبنا أو سماحنا للشيطان، أو للأهواء الجسديّة المخجلة أن تتسلط علينا، ويُعلمنا الرسول بذلك، مؤكدًا: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان" (رو 1: 25)، وأيضا: "كما لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق" (رو 1: 28). ويقول الله بالنبي: "فلم يسمع شعبي لصوتي، وإسرائيل لم يرضَ بي، فسلّمتهم إلى قساوة قلوبهم، ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم" (مز 81: 11-12).]
يقول الأب يوحنا كاسيان: [من عدل الحكم الإلهي أن تُعطى المواهب الصالحة للمتواضعين، وتُمنع عن المتكبِّرين المرفوضين الذين يقول عنهم الرسول أنهم مستحقون أن يُسلّموا إلى ذهن مرفوض (رو 1: 28).]
إذًا اختار الإنسان في شرّه الفساد، حلّ الفساد به، أمّا الله فهو "مبارك إلى الأبد، آمين" [25] وكأن ما يرتكبه الإنسان إنما يحلُ به لا بالله. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الفيلسوف لا يتأثر بإهانة الجهلاء له، فكم بالحري الله الأزلي غير المستحيل، لا تبلغ وقاحة الناس إلى طبيعته المجيدة التي لا يعتريها ظلّ دوران.]
يقف القدّيس الذهبي الفم هنا قليلاً ليسألنا أن نتشبّه بالله الذي يحتمل الأشرار ولا يتأثّر بشرّهم، فإن طبيعته أسمى من أن تتأثر بهم، هكذا إذ نتشبّه به نحتمل نحن أيضًا شرور الأشرار، إذ يقول: [يليق بنا ألاّ نحاول الهروب من الإهانات بل بالأحرى نحتملها، لأن مثل هذا الاحتمال هو الشرّف بعينه. لماذا؟ لأنه في قدرتك أنت أن تحتمل، أمّا تصليح الآخرين فهو من عمل الغير. أتسمع صدى الضربات التي تسقط على الماس؟ قد تقول هذه هي طبيعة الماس. حسنًا، وأنت في مقدورك أن تتدرّب على ما هو للماس بالطبيعة. ألم تسمع كيف لم تؤذِ النار الثلاثة فتية؟ وكيف ظلّ دانيال في الجب سالمًا؟ فما حدث لهؤلاء ممكن بالنسبة لنا، إذ يوجد حولنا أسود الشهوة والغضب مستعدّة لتمزيق من يسقط تحت قدميها. إذن كن كدانيال واِثبت، فلا تجعل الانفعالات تنشب بأظفارها في نفسك. تقول: هذا من فعل النعمة. حقًا، لكن النعمة تنساب خلال تدريب الإرادة، فمتى كنّا مستعدّين لتدريب أنفسنا على نمط هؤلاء الرجال، تنساب النعمة في داخلنا، عندئذ تقبع الوحوش في مذلّة قدّامنا بالرغم من جوعها. فإن كانت الوحوش قد تراجعت أمام عبد، أفلا تتراجع بالأحرى أمام أعضاء جسد المسيح (أمامنا)! .]
ج. ربّما يعتذّر البعض بأن ما يرتكبوه من شرور هو ثمرة ضعف الطبيعة البشريّة وجرْيها وراء اللذّات بلا ضابط، لذا أوضح الرسول أن الإنسان في شرّه صار يمارس حتى ما هو مخالف للطبيعة، يسيء للطبيعة عنه لتحوّل حياتهم إلى جحيم، إذ يقول: "لأن إناثهم استبدلْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض، فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق" [26-27].
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا إذ يتحدّث عن العالم يضع أمامهم اللذّة الطبيعية التي كان في مقدورهم الاستمتاع بها في طمأنينة وفرح قلبي، متحاشين الأعمال المخزية، لكنهم لم يريدوا... إذ أهانوا الطبيعة عينها... جلبوا عارًا على الطبيعة، وداسوا على القوانين الإنسانيّة في نفس الوقت.]
يرى القدّيس بوحنا الذهبي الفم أن الإنسان قد حوّل حياته إلى حرب داخليّة وجحيم لا يُطاق، فإن كان الله قد وهب بالطبيعة أن يتزوج الرجل بامرأة، ويصير الاثنان جسدًا واحدًا في انسجام الحب والألفة، أهان الاثنان نفسيهما ودخل كلاهما في حرب داخليّة، فجرت النساء وراء بعضهن البعض وأيضًا الذكور، فتحوّلت الحياة الإنسانيّة إلى انشقاقات وحروب داخليّة لا تنقطع، تقوم ليس فقط بين الرجل وامرأته، وإنما بين النساء وبعضهن البعض، والذكور وبعضهم البعض، فنالوا في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق [27]. هذا ما أكّده كثير من الآباء وهو أن الخطيّة تحمل فسادها فيها، فتسكب من هذا الفساد على مرتكبها ليحمل عقوبته، ليس فقط كأمرٍ يصدر ضده من الخارج، وإنما خلال ممارسته الشرّ عينه.
د. قدّم صورة بشعة للإنسان في شرّه، إذ صار لا يطلب اللذّة الطبيعية فحسب، وإنما صار مفسدًا للطبيعة عِوض السُمو بها. فبدلاً من أن يرتفع بالروح، ليسمو بغرائزه الحيوانية، ليصير جسده بغرائزه مقدسًا للرب، صار في بشاعته مفسدًا للطبيعة، يفعل ما لا يرتكبه الحيوان خلال العلاقات الجسديّة الشاذة، سواء بين الإناث وبعضهن البعض أو الذكور وبعضهم البعض. الآن يقدّم لنا قائمة مرّة بما ترتكبه البشريّة المنحرفة، وقد لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول يذكر في قائمته هذه التعبيرات: "مملوءين"، "من كل"، "مشحونين". وكأن الآثام لم تعد أمرًا عارضًا في حياة الإنسان، لكنها تملأ كيانه الداخلي، وتشحنه تمامًا ليرتكب لا إثمًا أو إثمين وإنما "كل إثمٍ"!
ه. العجيب أن الخطايا والآثام تحطِّم سلام الإنسان وتفقده فرحه الداخلي، لكنها في نفس الوقت تدفع مرتكبها نحو العجرفة والكبرياء، لذلك جاءت القائمة تصفهم هكذا: "مفترين، مبغِضين لله، ثالبين، متعظمين..." [30]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة.]
و. إن تأملنا هذه القائمة من الآثام والشرور نشعر أن البشريّة إذ سلّمت نفسها بنفسها للعصيان ومقاومة الله مصدر حياتها وتقديسها، صارت ملهى للخطايا، كل خطيّة تلهو بالإنسان، لتُلقي به في أيدي خطايا أخرى، وهكذا يصير أضحوكة كل الآثام والشرور، ويمكننا هنا في شيء من الاختصار أن نورد ترتيب هذه القائمة هكذا:
* يبدأ الإنسان يلهو بلذّة الجسد فيستسلم للزنا [29].
* إذ يتقوقع الإنسان حول لذته الجسديّة، يطلب ما هو لذاته، حتى وإن بدا في الظاهر سخيًا ومبذِّرًا، لكن يتملكه حب الطمع، الأمر الذي يدفعه أيضًا إلى الخبث لتحقيق غايته هذه [29].
* أمّا الطمع فيسبب حسدًا وخصامًا ومكرًا وربّما يؤدى إلى القتل [29].
* هذا الحسد والمكر يدفع الإنسان إلى الاعتداد بذاته، فيصير متعاظمًا [30].
* حب العظمة ينحرف بالإنسان إلى الابتداع وترك الحق [30].
* رفض الحق يدفع الإنسان إلى تعدى الطبيعة، فيصير غير مطيعًا للوالدين [30].
* إذ يتعدى الإنسان حتى أبسط نواميس الطبيعة يفقد الفهم [31]، ويكسر كل عهد طبيعي أو مكتوب، ويخسر طبيعة الحب والحنوّ [31]، بهذا يسقط تحت تحذير الرب: "لكثرة الإثم تفتر المحبّة" (مت 24: 12)، فيصير أبشع من الحيوانات المفترسة التي تتحد معًا كجماعات بحكم الغريزة، أمّا الإنسان فيكره أخاه.
ز. في هذا الانحدار البشري إلى ما هو أدنى من الطبيعة تبلّدت القلوب البشريّة فلم يستكينوا للشر فحسب، وإنما صاروا يفرحون بمن يسقط مثلهم، إذ يقول الرسول: "الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يُسرّون بالذين يعملون" [32].
ط. يلاحظ في هذا السفر بوجه عام أنه إذ يتحدّث عن الأمم يُعلن دور الناموس الطبيعي بكونه، كما يقول العلامة ترتليان، ناموس الله الذي يسود العالم منقوشًا على لوحي الطبيعة، لذلك يقول الرسول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس..." (2: 14). وفي هذا الأصحاح يتحدّث عن الأمم في شرٍ ككاسري ناموس الطبيعة الذين "يفعلون ما لا يليق" (1: 28)، كأن تستبدل الإناث "الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة" (1: 26). وعندما يتحدّث الرسول عن التزام المرأة بغطاء الرأس أثناء الصلاة، يقول: "أم ليست الطبيعة نفسها تعلمكم...؟" (1 كو 11: 14).
فالمسيحي إذن ملتزم بناموس الطبيعة، بل ويسمو ليبلغ لا إلى تكميل الناموس الموسوي، بل إلى الوصيّة الإنجيليّة العالية.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
آية (1):- "1بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ. "
بُولُسُ = هي كلمة لاتينية معناها الصغير، فمن عادة العبرانيين تسمية الشخص بإسمين. وبولس كان إسمه أيضا شاول وتعني مطلوب من الله. ويقول أغسطينوس أن بولس كان نحيف الجسم قصير القامة. وهو فضّل استخدام إسم بولس من قبيل التواضع ومشيراً لأنه أصغر الرسل.
عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ = كان معلمي اليهود يتفاخرون بألقاب مثل سيدي أو معلمي واليهود عموماً يتفاخرون بيهوديتهم والأمم بفلسفاتهم، أما بولس فيعلمهم أنه يفتخر بكونه عبداً للمسيح. وإذا كان الكل عبيداً للمسيح فلماذا يتفاخر اليهودي علي الأممي أو الأممي علي اليهودي. وهو عبد للمسيح لأن المسيح إفتداه وإشتراه بدمه وفكه من الأسر وصار ملْكاً لهُ. ونفهم أن العبودية للمسيح تحرر، ولا يمكن أن يكون الإنسان عبداً للمسيح حقيقة ما لم يختبر في الوقت نفسه الحرية الحقيقية. إن عبد المسيح لا يستعبد لأي إنسان آخر ولا حتي لشهوات جسده الخاصة، ولا يستطيع أحد أن يبعده عن تأدية واجبه، ولا تسيطر عليه عادة معينة، ولا يستطيع العالم أن يغريه بمفاتنه أو أن يجذبه إليه. أنه يعيش في الأرض كإنسان سماوي، وبعد أن كان عبداً للخطية صار كاهناً وملكاً. هو يعيش في الجسد ولكن يسلك في الروح ليسوع المسيح. وهذا ما جعل حتى إخوة المسيح بالجسد يفتخرون بأنهم عبيد له، ولم يفتخروا بكونهم أقرباء له بالجسد (يه1 + يع1:1). فبولس بعد أن ظهر له المسيح في الطريق شعر أنه صار مكرساً للمسيح يسوع من كل قلبه ونفسه وجسده.
الْمَدْعُوُّ رَسُولاً = كأن لا فضل له في إيمانه ولا إرساليته بل هي دعوة من الله. وهو يسمي نفسه رسولاً مثل الإثني عشر. وتظهر أهمية هذه العبارة خصوصاً في الرسائل التي حاول أهلها ان يتنكروا لأحقية بولس الرسول في الخدمة وبهذا يشككوا في تعاليمه. وكان بولس مضطراً لأن يثبت أنه مرسل من الله لإثبات صدق تعاليمه لتثبيت المؤمنين.
الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ = مفرز تعني بريسي بالآرامية ومنها فريسي (فريزي) أي مختار أو معين. أي أن بولس إنتقل من فريسيته اليهودية إلي فريسية أخري بنعمة الله، هي فريسية الإنجيل، أي أن الله إختاره وأفرزه لكي يبشر بالإنجيل. وكان الفريسيون اليهود مفروزون لدراسة الناموس، وكلمة فريسي تناظر دكتوراه في اللاهوت. وكان بولس أحد هؤلاء الفريسيين. والله بسابق علمه أفرزه وعينه للتبشير بالإنجيل. وكانت تلمذته لغمالائيل نوع من الإعداد، ولكن الله سبق وأفرزه من البطن (غل15:1 + أع2:13 + أر4:1 ،5) لإِنْجِيلِ اللهِ = إنجيل تعني بشارة مفرحة. وهنا يقول إنجيل الله. وفي مواضع أخري يقول إنجيل يسوع المسيح (رو9:1 إنجيل ابنه). فالله هو مصدر الخلاص بيسوع المسيح، جوهر الإنجيل أو جوهر البشارة المفرحة هي في مجيء الرب يسوع وفدائه للبشرية. الله قد سبق منذ القديم وأعد برنامج الخلاص المفرح للبشر الذي تحقق بمجيء المسيح له المجد.
والقديس إمبروسيوس لاحظ أن اسم المسيح في هذه الآية قد استخدمه الرسول قبل إسم الله في الترتيب، وإستخدم هذا في الرد علي آريوس أن الله والمسيح متساويان. وهذا يتضح أيضاً من كون أن الإنجيل هو إنجيل الله وإنجيل ابنه في نفس الوقت (آية1، آية9).
آية (2):- "2الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. "
الكتاب المقدس موحى به من الله. وهذه الكرازة بالخلاص سبق الله فوعد بها في القديم بواسطة الأنبياء، فقبل أن يعمل الله أعمالاً عظيمة يسبق ويهيئ لها زماناً طويلاً، هذا بالإضافة إلي أن نبوات الأنبياء عن الخلاص بالمسيح تشير لأن هذا الخلاص هو خطة أزلية، وأن الله قد أعد خلاص البشر منذ الأزل. وبولس هنا يطمئن سامعيه أن إنجيله الذي يبشر به قد وضعت أساساته منذ البدء. وأن كرازة بولس لا تتعارض مع الكتاب المقدس لليهود بل هي تفسره وتشرحه.
آية (3):- "3عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ. "
عَنِ ابْنِهِ = عن راجعة للآية السابقة، فوعود الأنبياء كانت عن المسيح
ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ = وقارن مع (رو3:8) لنرى سبق وجود الإبن قبل التجسد. ويلاحظ في كلمة إبنه انها في أصلها اليوناني مسبوقة بأداة تعريف، إشارة إلي بنوة المسيح الوحيدة الفريدة، التي بالطبيعة وليست بالتبني مثلنا. وهذا الإبن الأزلي الذي هو إبن الله صار إبناً للإنسان = مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ = فالمسيح له بنوتان، بنوة لله وبنوة للإنسان هو إبن الله وإبن الإنسان. مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ = فالعذراء مريم من نسل داود. وقيل عن المسيح أنه من ذرية داود (رؤ16:22).
صَارَ = أخذ حالة جديدة علي حالته، إتحد لاهوته بناسوته كإتحاد الحديد بالنار، ولكن لاهوته لم يتأثر ولم يتحول إلي ناسوت، وناسوته كان ناسوتاً كاملاً، شابهنا في كل شئ ماعدا الخطية وحدها. لقد إنتقل من حالة إبن الله غير المنظور (بلاهوته) إلي حالة إبن الله المنظور في الجسد. ولم يظهر للناس سوي أنه إنسان عادي. حينما أخذ جسداً أخفي لاهوته، ولكن لاهوته ظل كاملاً دون أن يزيد أو ينقص، فهو كامل مطلق لأنه الكل. ولكن بقيامته ظهر أنه إبن الله.
آية (4):- "4وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا. "
تَعَيَّنَ= أي ظهر ما كان مخفياً. هذه لا تعني أنه صار فيما بعد إبن الله. بل لقد ظهرت لنا بنوته لله بواسطة قوة فائقة للطبيعة ويشهد لهذه البنوة قيامته من الأموات. كلمة تعَّين تعني أتضح انه /ظهر/ شُهِدَ لهُ/ صدق علي أنه/ تبين أنه/ إعترف بأنه/ تحقق بأنه ابن الله.
بِقُوَّةٍ = الإعلان عن بنوة المسيح لله وإثبات لاهوته جاء بقوة. فالقيامة كانت بقوة بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ = فالقيامة من الأموات والإنتصار علي الموت عمل قوي جداً.
مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ = روح القداسة ليس هو الروح القدس. فالروح القدس لم يكن هو الذي أقام المسيح، لأن المسيح كان لاهوته متحداً بناسوته، والذي أقامه هو لاهوته. ولماذا قال روح القداسة؟ هذا يعني أن سبب قيامة المسيح هو إنتصاره علي الخطية، إذ كان بلا خطية، فالخطية هي التي تأتي بالموت، ولأن المسيح كان بلا خطية "من منكم يبكتني علي خطية" ولأنه إنتصر علي إبليس في حروبه ولأنه قال "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شئ" لهذا انتصر علي الموت بسبب قداسته. المسيح كان وهو علي الأرض مخفياً لاهوته في ناسوته، ولم يظهر لاهوته إلا في أنتصاره علي الموت وعلي الجحيم الذي فتحه واخرج منه نفوس الأبرار. فقوله روح القداسة هذا يشير لأن الذي أقام المسيح لاهوته، ولكن ذلك راجع لقداسة المسيح بالجسد وكلمة تعيَّن هنا هي في مقابل كلمة صار في الآية السابقة.
آية (5):- "5الَّذِي بِهِ، لأَجْلِ اسْمِهِ، قَبِلْنَا نِعْمَةً وَرِسَالَةً، لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ.
الَّذِي بِهِ، لأَجْلِ اسْمِهِ = قارن مع (أف5:1،6،12). الَّذِي بِهِ = نحن لا نحصل علي شئ من الآب إلا من أجل المسيح. لذلك يطلب منا المسيح أن نطلب من الآب بإسمه (يو24:16،26). ولذلك تضيف الكنيسة علي الصلاة الربانية "بالمسيح يسوع ربنا" فنحن لا يمكن قبولنا أمام الآب ولا قبول طلباتنا إلاّ بالمسيح. ومعني كلام الرسول هنا أنه أخذ ما أخذ من خلاص ورسولية بالمسيح. وما الهدف؟ لأَجْلِ اسْمِهِ = أي ما أخذنا فلنعمل به ونتاجر به لأجل مجد اسمه. وماذا أخذ بولس الرسول؟ نِعْمَةً وَرِسَالَةً = نعمة (إرجع للمقدمة) وَرِسَالَةً = أي إرساليته كرسول للأمم.
نِعْمَةً = هنا بولس يشير لعمل النعمة فيه التي حولته من مضطهد للكنيسة إلي مسيحي حصل علي الخلاص، بل وإلي رسول. إن الله دعاه ويداه ملوثتان بالدماء ليغير طبيعته فيصير في المسيح خليقة جديدة (2كو17:5). وعمله كرسول كان من أجل الأمم ليطيعوا الإيمان: لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ = نري بولس الذي يشعر بنعمة الله التي غيرته، يري أن الله قادر أن يغير الأمم أيضاً فيؤمنوا ويطيعوا الله. إِطَاعَةِ الإِيمَانِ = تعني أننا يجب أن نتقبل قضايا الإيمان وحقائقه بكل خضوع، فحقائق الإيمان هي أمور موحى بها وليست للمناقشات العقلية، علينا ان نخضع الذهن لإعلانات الله بالصلاة
فِي جَمِيعِ الأُمَمِ = الرسالة هي لكل الأمم بلا إستثناء.
آية (6):- "6الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّو يَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
ومن بين هؤلاء الأمم فإنكم يا أهل رومية مدعوين لكي تكونوا من خاصة المسيح. ولا فضل لأحد في هذه الدعوة بل هي نعمة الله المجانية التي لو قبلها أحد لآمن بالمسيح. وهذه النعمة هي به ولأجل اسمه (آية 5).
آية (7):- "7إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ = المسيحية عند بولس هي قداسة، والإيمان بالمسيح هو تقديس، والمؤمنين بالمسيح قديسين، أي مفروزين عن العالم ليلتصقوا بالله، ويكونوا مخصصين له. وقد قبلوا روح الله ليعينهم علي ذلك، وعلي أن يحيوا بالتقوي والطهارة والقلب العابد. والقداسة هي سلم نصعد عليه فليس الكل قد وصل للكمال، بل القداسة درجات. وقوله مَدْعُوِّينَ = إذاً هم مثله، فهو أيضاً مدعو (آية1). فهو يفتخر بخدمة أحباء الله المدعوين.
نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ = كلمة نعمة هي تحية اليونانيين وكلمة سلام هي تحية اليهود، فهو يكتب للإثنين. ولكن بمعني آخر فالنعمة هي عمل الروح القدس في المؤمن والذي نتيجته السلام، لذلك فالنعمة تسبق السلام رو 1:5 والنعمة هي أعمال رحمة الله عموماً، الفداء وإرسال الروح القدس، وكل الخير الذي أعطاه الله لنا، والخير الأعظم هو إرسال الروح القدس، ومن نعمة الله غفران خطايانا ومنحنا رتبة البنوة. مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ = هذه تشير لتساوي الآب والإبن فالنعمة والسلام يصدران عن كليهما.
آية (8):- "8أَوَّلاً، أَشْكُرُ إِلهِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ. "
الرسول يبدأ بالجانب الإيجابي ليشجعهم، فهو هنا يمدح إيمانهم قبل أن يبدأ الهجوم. وبولس لم يراهم، ولكنه فرح بنمو الكنيسة في كل مكان، لذلك علينا ان نصلي لنمو الكنيسة وإنتشار الإنجيل. ولنتعلم من بولس أن نبدأ دائما بالشكر علي ما يعطيه لنا الله، وما يعطيه من خير للآخرين كأنه أعطاه لنا. إِلهِي = جميل جداً أن يقول إلهي. هذه مثل "أنا لحبيبي وحبيبي لي" هو يشعر بالعلاقة الخاصة التي تربطه بالله، هو إلهي وقد إمتلكني، وأنا عبده الذي يشعر بمحبته فأسلم نفسي له كعبد لثقتي في محبته. والله يرد في المقابل ويقول أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب.
بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ = فنحن غير مقبولين أمام الآب إلا بالمسيح موضع سروره.
إِيمَانَكُمْ = هم لهم إيمان ولكننا سنري أن بولس يريد أن يصحح مفاهيمهم ويخلصهم من تعاليم الناموس. ولكن واضح أن إيمانهم ذاع وانتشر في كل العالم.
آية (9):- "9فَإِنَّ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ. "
أَعْبُدُهُ بِرُوحِي = وقارن مع عبادتكم العقلية (رو1:12). وطالما نسمع هنا عن عبادة بالروح، فقطعاً توجد عبادة بالجسد. هذه هي عبادة الفروض والواجبات، هي ممارسات بدون قلب. كمن يصوم ويتباهي أمام الناس أو حتى أمام نفسه بأنه صام أكثر من الجميع، وهكذا في مطانياته وصلواته ولكن مثل هذا يُعِّرفْ شماله ما تفعله يمينه. وخطورة هذا النوع من العبادة أنه لو صادفت هذا الإنسان تجربة، سريعاً ما يلوم الله أنه سمح له بهذه التجربة، ولم يذكر له خدمته وعبادته وأصوامه وصلواته.. وهذه جربها بولس الرسول في يهوديته (فهذه طريقة الفريسيين في العبادة) ولم تشبعه ولم تعطه فرحاً وسلاماً.
أمّا العبادة بالروح، فهي عبادة يقودها الروح، هي عبادة في القلب، ولا تظهر أمام الناس، بلا مظاهر ولا إدعاء، بل في إنسحاق للقلب وخضوع لصوت الروح القدس، والروح القدس لا يجبر أحد علي شئ، بل هو يقنع الإنسان المؤمن إقناعاً عقلياً بكل ما سيقوم به في عبادته (لذلك فلقد سميت عبادة عقلية رو1:12) وبهذا تكون العبادة بحرية الإرادة أي بكامل حريتنا، وبإرادتنا، وبإختيارنا، من كل القلب وبكل رغبة وشوق ويضع الإنسان كل طاقاته الروحية والنفسية والجسدية في خدمة الله والروح يقود كل شئ، والإنسان يكرس كل شئ لله.
فمثلاً يفتح الروح عيني المؤمن علي صورة المسيح المصلوب، ويقنع المؤمن قائلاً هل تتمتع بالطعام اللذيذ والمسيح متألم، هنا يقدم الإنسان صوماً لا ليتباهي به بل ليشترك مع المسيح في ألمه، هنا يكون كأم رفضت أن تأكل لمرض إبنها، وذلك عن حب، ليس طمعاً في أجر ستحصله منه لذلك فمن يقدم هذا النوع من العبادة، لن يطالب الله حين وقوعه في تجربة، بأن يرفع عنه التجربة مذكراً الله بأعماله. فمن يعبد بالروح هو يقدم عبادته لله عن حب ليس طمعاً في اجر. ومثل هذا يتلذذ بعبادته وتشبعه عبادته، فالحب مشبع. وهكذا في الصلاة، فالإنسان يبدأ بأن يغصب نفسه (جهاد) تم تبدأ النعمة عملها فيتلذذ الإنسان بصلاته ولكن في مرحلة التغصب، يسمع المؤمن صوت الروح القدس، معلناً له حب المسيح له، لقد بذل المسيح لأجلك، أفلا تقف للصلاة وتفرح قلب الله بك. ولو إستجاب وإقتنع بصوت الروح القدس لوجد لذة في صلاته. فهل لو كان يتلذذ في صلواته سيطالب الله بأجر مع أن الله قد أعطاه هذه اللذة. لاحظ أن بولس الرسول في مسيحيته قد إختبر هذا النوع من العبادة، فإختبر الفرح والسلام الذي يفوق كل عقل. بل أن الروح القدس في هذا النوع من العبادة يعطي للمؤمن أن يشعر بمشاعر وأحاسيس حب الله فيبادله حباً بحب، وربما لا يجد كلمات يعبر بها عن هذا الحب الذي ملأ قلبه فيئن فقط (رو26:8). والعبادة بالروح لا تكون بالضرورة باللسان فقط، بل في شركة عميقة مع الله، هي شركة بلا إنقطاع تنفيذاً لقول الرسول "صلوا بلا إنقطاع" (1تس17:5). هي شركة في الإستيقاظ وهي في النوم "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش2:5) وهي في المنزل وفي الكنيسة، في العمل وفي الطريق.
ولكن من قصة إيليا (امل12:19،13) نسمع أن إيليا إستمع لصوت الله في الهدوء، فكيف نسمع صوت الله وسط ضجيج العالم. لابد لنا من وقفة هادئة في المخدع يومياً، في صلاة وفي تأمل للكتاب حتى نسمع صوت الروح القدس في داخلنا. وكيف نسمع صوت الروح القدس ونحن غارقين في الخطايا التي تغلق حواسنا الروحية، إنما لأنقياء القلب فقط إمكانية رؤية الله وسماع صوته (مت8:5) فلن نسمع صوت الروح في داخلنا ما لم نقدم توبة أولاً. وكيف نسمع صوت الروح القدس إن كنا في صلاتنا نتكلم طوال الوقت، لذلك علينا ان نصمت بعض الوقت لنعطي فرصة للروح القدس أن يتكلم. وحساسية أذاننا تزداد مع الوقت، وتضيع الحساسية إذا عاندنا صوت الروح القدس، وتزداد الحساسية حين نخضع لصوته. وإذا استمعنا لصوته يعطينا الإقناع العقلي. إذاً العبادة بالروح هي عبادة عقلية.
ومن يقدم عبادة بالجسد لا يري في نفسه غير أنه كامل، إذ أنه يفعل كذا وكذا، أما من يقدم عبادة بالروح، فإن الروح القدس يفتح عينيه علي خطاياه وعدم إستحقاقه، لذلك يقول بولس الرسول "الخطاة الذين أولهم أنا" (1تي15:1). وبينما من يقدم عبادة بالجسد نجده يلوم الله إذا وقعت له تجربة، نجد من يعبد الله بالروح، إذا جاءت عليه تجربة يقول أنا أستحق هذا وأكثر، لأنه يري خطاياه، بل سيشعر بفرح لأنه طالما أن الله يؤدبه، إذاً هو يحبه (عب6:12). بل إن أتاه خير يشعر بأنه لا يستحقه، كما صرخ بطرس "أخرج يارب من سفينتي" (لو8:5) إذ شعر بأنه خاطئ لا يستحق كل هذه الخيرات.
بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ = الذي يصلي بالروح لا يهتم بنفسه بل هو مشغول بالآم وخلاص نفوس الآخرين، يشكر علي توبة فلان، ويبكي علي خطية فلان، لأنه سيهلك بسببها، ويصرخ لشفاء فلان، يطلب السلام للعالم المضطرب المتألم. مثل هذا سيتشبه بالله في إهتمامه بالناس.
فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ = هذه العبادة بالروح تظهر أيضاً في كرازتي وخدمتي وتبشيري بإنجيل المسيح.
آية (10):- "10مُتَضَرِّعًا دَائِمًا فِي صَلَوَاتِي عَسَى الآنَ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِي مَرَّةً بِمَشِيئَةِ اللهِ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ. "
هو يشعر بالمسئولية تجاه روما، فهو خائف علي الكنيسة من التهود. ولكن لنتعلم أن ليس كل ما نريده يوافق مخططات الله.
آية (11):- "11لأَنِّي مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ، لِكَيْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ. "
أَمْنَحَكُمْ هِبَةً = سؤال.. هل لو كان بطرس موجوداً في روما منذ 16 سنة وقد أسس كرسيها كما يقول الكاثوليك، هل كان يصح أن يقول بولس هذا وأين بطرس؟ ولماذا لا يمنحهم بطرس هذه الهبة؟. والهبة التي يريد بولس أن يمنحها هي هِبَةً رُوحِيَّةً = لأنها من عمل الروح القدس، وهي تثبيتهم في الإيمان الصحيح وإبعادهم عن التهود، وهي أيضاً البركة الرسولية.
آية (12):- "12أَيْ لِنَتَعَزَّى بَيْنَكُمْ بِالإِيمَانِ الَّذِي فِينَا جَمِيعًا، إِيمَانِكُمْ وَإِيمَانِي. "
نلاحظ هنا رقة وإتضاع بولس الرسول، فهو يظهر هنا إحتياجه لهم، وأنه سيتعزي بإيمانهم (فالمروِي هو أيضاً يروَي أم25:11) وهم سيتعزون أي يفرحون بإيمانه. ولكننا نلمح هنا أن الرسول يقول أن إيمانهم مختلف عن إيمانه، فإيمانهم إستلموه من مسيحيين من أصل يهودي ومتأثرين بيهوديتهم. لذلك ففي (15:1) يقول أنه مستعد لتبشيرهم أي تصحيح إيمانهم. فحتي الأمم منهم إستلموا الإيمان علي يد يهود، وهو يريد أن يصحح الإيمان ويلغي ما هو متهود فيه مثل لزوم الختان للخلاص.. الخ.
آية (13):- "13ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِي سَائِرِ الأُمَمِ. "
الرسول لا يريد الخدمة السهلة، بل هو يريد أن يذهب ليصحح لهم إيمانهم. ولنلاحظ أنه كثيراً ما نطلب طلبات جيدة، كما طلب الرسول هنا والله يؤجل الإستجابة لوقت مناسب يراه الله (هذا أسماه ملء الزمان) ثَمَرٌ = حيثما يزداد الشر يريد الرسول أن يذهب ليكون له ثمر أي مؤمنين إيماناً صحيحاً، وهذا لكي تعلن قوة الإنجيل بالأكثر.
آية (14)-: "14إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ، لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ. "
الرسول يشعر أن الله وكّله علي وكالة وأعطاه نعمة لأجل كل الأمم، وهو شعر بأن هذا دين في رقبته يود لو صفي حسابه معهم بأن يجعلهم يؤمنون. وهو شعر بأن هناك ديناً في رقبته:
1. فهو مقدِّر لعظمة ما أخذه من نعم.
2. لمحبته لكل الناس وإشتياقه لخلاصهم.
3. هو يشعر بأن ما أخذه لا يستحقه إذ يشعر ببشاعة ماضيه ومع كل هذا أخذ. لذلك شعر بنوع من الإلتزام نحو الذين لم يتذوقوا حريته التي في المسيح والمجد الذي أخذه. لذلك قال "إذ الضرورة موضوعة عليَّ فويل لي إن كنت لا أبشر" (1كو16:9). البرابرة= كان اليونانيين والرومان يعتقدون انهم هم الحكماء وباقي الناس برابرة.
عموماً فمن يتذوق يشعر بأنه يريد أن الكل يتذوق. بل يشعر بحزن إن حُرِمَ أحد من نعمة الله "من يعثر وأنا لا ألتهب، من يضعف وأنا لا أضعف".
آية (15):- "15فَهكَذَا مَا هُوَ لِي مُسْتَعَدٌّ لِتَبْشِيرِكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا. "
مَا هُوَ لِي: أي أنني مكلف بهذا، أن أكرز بالإنجيل بين الأمم، ما هو لي أي أن هذا هو عملي الذي خلقني الله لأجله. أَنْتُمُ الَّذِينَ فِي رُومِيَةَ = هو يريد ان يبشر في روما مركز الوثنية والخطية ومستعد لإحتمال أي ألم في سبيل ذلك. أَيْضًا = هو تعبير يشير لصعوبة التبشير في روما التي تمجد القوة، وهو سيذهب ليبشر بنجار مصلوب وهو موت العبيد الذين إرتكبوا أبشع الجرائم، قال أحد فلاسفة الرومان: "أتمني أن لا تخطر فكرة الصلب علي بال إنسان روماني شريف"
لِتَبْشِيرِكُمْ = إذا فإيمانهم محتاج لمراجعة جذرية، بسبب التقاليد اليهودية التي دخلت لإيمانهم. ولشعوره بالدين نحوهم هو مستعد للذهاب إليهم.
آية (16):- "16لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. "
لَسْتُ أَسْتَحِي = قال في غلاطية حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع.. (غل14:6). والرسالة هنا موجهة للرومان أغني وأعظم دولة في العالم. وهم في رومية يفتخرون بالقوة والعظمة ويعيشون في زهو وكبرياء. لكن بولس لا يستحي بالإنجيل الذي يبدو في ظاهره ضعفاً، هو لا يستحي بأن يبشر بأن نجاراً مات مصلوباً بين لصين، وهذا يدعو لإشمئزاز الرومان، وربما كان مسيحيو روما يشعرون بالإستحياء من هذه الفكرة شاعرين بالزهو أنهم من سكان روما القوية سيدة العالم والرسول أراد ان يكسر من زهوهم، وحتي لا يستحوا قال: لا أَسْتَحِي وهو لا يستحي لأنه شاعر بقوة عمل الله. أما أهل غلاطية فهم بؤساء وفي مذلة لذلك يقول لهم أفتخر. عموماً فالطريق الذي يبدأ بلا أستحي ينتهي بأفتخر. ولو سألني أحد أتعبد المصلوب؟ أقول نعم فهذا الصليب علامة محبته الإلهية غير المتناهية لي وعنايته بي.
لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ = هو لا يخجل من إنجيل الله لأنه يشعر بقوة هذا الإنجيل. فالإنجيل ليس رسالة نظرية أو فلسفة فكرية تعليمية، إنما هو عمل إلهي جبار، وحركة حب إلهي لا تتوقف لتبلغ بالإنسان إلي شركة الأمجاد الإلهية. هو قوة يشعر بها بولس الرسول وسيشعر بها كل مؤمن. هو قوة مجالها خلاص الإنسان، قوة تعمل في الفكر والإرادة والنفس والشعور والجسد. بعظة واحدة من بطرس آمن 3000 لأن الكلمة لها قوة جبارة غيرت الدولة الرومانية نفسها للمسيحية. فالإنجيل قائم علي عملية تغيير كبري بواسطة المسيح، تعطي الخلاص وتهبه للذين يؤمنون بالمسيح. لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً = زمنياً فقط، فاليهود كانوا أسبق في إرتباطهم بالله. وقد أخذوا المواعيد بالخلاص وأئتمنوا علي ناموس الله أولاً. ولهذا فعليهم واجبات أكثر فلا محاباة، هم عليهم الإيمان بالمسيح أولاً ثم أن يبشروا هم الأمم ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ: فالأمم أيضا مدعوين.
آية (17):- "17لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا»."
فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ = هذا الإنجيل الذي أبشر به هو قوة الله للخلاص (آية 16) وكيف يخلص؟ بأن يجعل المؤمن باراً. وهل يستطيع كل مؤمن أن يصبح باراً؟ قطعاً فعمل نعمة الله التي تبرر عمل قوي جداً جداً. الله يعطي للمؤمن المعمد والممسوح بزيت الميرون، أن يحل عليه الروح القدس الذي له قوة جبارة في تغيير حياة المؤمن، من حياة الخطية إلي حياة البر، وتغيير شاول الطرسوسي نفسه إلي بولس الرسول خير شاهد لذلك (راجع معني التبرير في المقدمة). ولنفهم أنه علينا أن نغصب أنفسنا كمؤمنين لنفعل البر (جهاد إيجابي) والنعمة تعطينا أن نتلذذ ونتعزي بعمل البر. ولاحظ أننا نصير أبراراً بحياة المسيح فينا. ولاحظ أن بر الناموس كان "إعمل فتحيا" أمّا في المسيحية فالتبرير يبدأ بالإيمان بالمسيح فلا بر خارج عن الإيمان بالمسيح. ثم يأتي دور المعمودية التي فيها نموت ونقوم مع المسيح بحياته. ويأتي بعد ذلك دور حلول الروح القدس الذي يثبتنا في المسيح، وبقدر ما نثبت في المسيح ننمو في البر. ونحن نثبت في المسيح بقدر ما نصلب أنفسنا مع المسيح ونجاهد (جهاد سلبي وجهاد إيجابي) لذلك فمدخل التبرير في المسيحية هو الإيمان مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ. بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ = الإيمان ينمو ويزداد (2تس3:1+ لو5:17). والله قسم لكل منا قدر من الإيمان (رو3:12) ونحن أمّا ننمي هذا القدر أو ننقصه وكل إيمان نبلغه يعبِّر عن مستوانا الروحي الذي وصلنا إليه، وطوبي للجياع والعطاش إلي البر .. (مت6:5). مثل هؤلاء ينمو باستمرار مستواهم الروحي وبالتالي ينمو إيمانهم من إيمان لإيمان أعمق وأعلي وهذا متوقف علي جهادنا (سلبي وإيجابي) وعلي خضوعنا وتسليمنا الحياة بين يدي الله بشكر وبلا تذمر، بهذا ينمو الإيمان، بل ننمو في المجد، ومن مجد إلي مجد (2كو18:3). وقطعاً فكلما نزداد في درجتنا الإيمانية سنزداد في عمل البر وحياة البر. ولاحظ أن الإيمان هو ثمرة للإمتلاء من الروح القدس (غل22:5، 23) والإمتلاء من الروح يأتي بالجهاد (راجع المقدمة).
أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا = هذه من نبوة حبقوق 4:2. وكان حبقوق يقصد بها أن بابل ستؤدب شعب الله فقط لكنها لن تبيده لسبب بسيط هو أن هذا الشعب شعب الله. والذين عبدوا الأوثان ستبيدهم بابل، أمّا الأبرار الذين يؤمنون بالله فسيحيون، بابل ستؤدبهم فقط لَيكْملوا، لكنها لا تستطيع أن تبيدهم. لكن بولس فهم الآية أن البر يكون بالإيمان وليس بالأعمال (أعمال الناموس) كما فهم اليهود. وبولس عاش في يهوديته يمارس أعمالاً جيدة لكنه لم يتذوق حياة البر النابعة عن إصلاح الداخل الذي حدث له بالإيمان. خلال أعمال الناموس كان يشعر بفساد الداخل، وأنه يعمل أعمالاً صالحة ولكن مع وجود كبت، وحنين للخطية. أما في ظل الإيمان فوجد نفسه يعمل البر بسهولة وبرغبة صادقة.
تأمل:- في الآية كما قصدها حبقوق وبنفس مفهومه، فمن يقع في تجربة الآن. عليه أن ينظر لله بإيمان بأن الله سيرحمه ويتحنن عليه، ويحول الضيقة لخيره فهو صانع خيرات. وهذا عكس من يخاصم الله وقت التجربة. في هذه الآية نجد أن المؤمن ينمو بإستمرار في بر المسيح، ولكن هذا لا يعني أننا نصير بلا خطية، فطالما نحن في الجسد فنحن معرضون لأن نخطئ ولكن التوبة والإعتراف يغفران الخطية.
آية (18):- "18لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. "
لأَنَّ: هذه تعني أن هذه الآية متعلقة بما قبلها. والمعني ان خطايا الناس أغضبت الله= غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ = لذلك كان هذا التبرير بالإيمان ضرورياً. هذا الغضب ظهر ضد كل من لا يسلك في صلاح ووقار من نحو الله. وضد من خالف الناموس الطبيعي الأخلاقي ولكل من تنكر للحق وضل وراء العبادة الوثنية وحياتها وممارساتها الفاجرة. وبولس هنا يرسم في الآيات التالية صورة للعالم بدون بر الله أي بدون المسيح، والإنحدار الذي وصلت إليه البشرية مما إستوجب غضب الله. وكانت البشرية بحالها هذا تستحق الإفناء كما حدث في الطوفان، ولكن الله وعد نوح بأنه لا يكرر الطوفان إذ هو يريد حياة العالم. والرسول بدأ بشرور الأمم في هذا الإصحاح قبل أن يذكر شرور اليهود حتى لا يُتهَم بأنه معادي لليهود.
لكن كان الأمم قد كسروا الناموس الطبيعي واليهود قد كسروا الناموس الموسوي لذلك صار الكل في حاجة لتدخل إلهي كي يتبرروا بالإيمان بالمسيح. وبهذا صار هناك طريقين للبشر، إمّا الإيمان بالمسيح للتبرير والنهاية مجد، أو السير في خطايا تغضب الله والنهاية هلاك (أنظر الرسم). الله أعلن البر في المسيح ليبطل الغضب. ومن يؤمن يتبرر ومن لا يؤمن ينصب عليه الغضب. وكان البر بالمسيح معلن في الكتاب (آيات 16، 17).
الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ.= هذه الخطايا التي كان الوثنيون يمارسونها حجزت الحق أي جعلته غير ظاهر ولا واضح، تعبدهم للأوثان الباطلة وعدم تعبدهم لله الحق عطل ظهور الحقيقة، وهذه عكس "ليري الناس أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذي في السموات". عموماً طريق الخطية يقود للعمي أمّا طريق النقاوة فهو طريق الإمتلاء من الروح القدس الذي يفتح الحواس الروحية، ومن حواسه الروحية مفتوحة فهو حي، والعكس. لذلك قيل "لك إسم أنك حي وأنت ميت" (الخطية أغلقت حواسك الروحية) (رؤ1:3) وعكس ذلك إذ عاد الإبن الضال تائباً قيل" ابني هذا كان ميتاً فعاش". والروح القدس أيضاً هو روح النصح (2تي37:1). وهو الذي يعلمنا كل شئ (عب11:8) لذلك حين جاء المسيح وهو الحق لم يعرفه اليهود بسبب خطاياهم، لكن كان هناك من عرفه. فحب المال والحسد أعمي عيون رئيس الكهنة. وما يقال علي العينين يقال علي بقية الحواس. وفي قصة القديس أغسطينوس، يقول في إعترافاته انه في خطيته قبل أن يؤمن وجد الكتاب المقدس، كتاباً عادياً أقل من باقي الكتب (كانت عينه مغلقة عن رؤية الحق، كانت خطاياه تحجز عنه رؤية الحق). أما بعد الإيمان والتوبة كان يقرأ الكتاب المقدس وهو يبكي. والسيد المسيح يقول تعرفون الحق والحق يحرركم (يو32:8). فمن لا يختار المسيح الحق سيختار العالم والخطية أي الباطل، ويكون مستعبداً له، يكون هذا الباطل سيداً وإلهاً له (كالمال مثلاً). أما من عرف المسيح تنفتح عينه علي مجد المسيح فيحسب كل الأشياء التي في العالم نفاية (في8:3) والبداية نقاوة القلب بالتوبة. والعكس فمن ملأت الخطية قلبه ورفض الله ينحدر لمستوي متردي، فالمصريين وغيرهم عبدوا الحيوانات واليونانيون عبدوا الأمراض.
آية (19):- "19إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. "
إنهم يحجزون الحقيقة بسبب إنكارهم لله وعبادتهم الفاجرة للأوثان فهل لهم أن يعتذروا بأنه لم يكن لهم ناموس؟ الإجابة لا عذر لهم.
لأن المعرفة الحقيقية عن الله يستطيع العقل البشري أن يتوصل لها. فالله أعد عقول البشر ليهتدوا إليه، الله غرس بذرة الإيمان في كل إنسان. والله أعطي أيضاً لكل إنسان ضمير يعرف به الحق (رو14:2،15). فمجرد التأمل في خلقة الإنسان أو العالم أو الكون يثبت ضرورة وجود هذا الإله. وكثيرون من الفلاسفة شعروا بهذا وقالوا أن الإوثان خرافة وانه لابد أن يكون هناك إله وراء هذه الطبيعة ينبغي أن نعبده. وهذا الشعور بوجود إله ندركه من خلال أعماله هو ما يميز الإنسان عن الحيوان. ولاحظ قبول الأطفال لله ومحبتهم له وتصديقهم للحقائق الإلهية. إذاً إن كان الله قد أعطي لليهود ناموس موسي، فهو أعلن عن نفسه للوثنيين خلال الطبيعة المنظورة (مز1:19) فالله لا يبقي نفسه بلا شاهد.
آية (20):- "20لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. "
أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ = invisible nature أي قدراته الإلهية. فالله أظهر قوته في خليقته التي صنعها من أجل محبته لنا. لكن تظل طبيعته الإلهية غير منظورة للإنسان، ولا يمكن بعيوننا الجسدية أن ندرك كماله، ولكن يمكن ان ندركه من خلال أعماله: بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ = أزلية أبدية، أي بلا بداية ولا نهاية، والمعني ان الله لم يخلقه أحد، هو واجب الوجود، هو القوة وراء كل المخلوقات والمصنوعات
حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ = هذه عن الوثنيين. وهم بلا عذر لأنه إذا كان يمكن إدراك الله بعقولنا فلا عذر لهم ولا لأي إنسان يُنكر وجود الله. ونلاحظ أن بولس الرسول كرر هذه القول بالنسبة لليهود في الإصحاح الثاني، فلا عذر للوثنيين ولا عذر لليهود. لا عذر للوثنيين الذين عبدوا المخلوق وتركوا الخالق، ولا عذر لليهود الذين أخطأوا في حق الله. وكم وكم نحن بلا عذر نحن المسيحيين ونحن هياكل للروح القدس.
آية (21):- 21"لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. "
هم بلا عذر لأنهم علي الرغم من أنهم بواسطة ما في المصنوعات وما في الخليقة من عجائب، وهذه أعطتهم أن يدركوا ويعرفوا أن وراء كل هذا لابد من وجود إله= لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ = كلام الرسول يعني انهم أو أن الإنسان أولاً عرف الله، وأدرك وجوده، وعرف حكمته التي خلق بها هذه الأشياء. فما الذي حدث؟ كيف بدأ الإنهيار؟
لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ = من أجل هذه المراحم العديدة التي وهبها لهم. فشكر الله وتمجيده يرفعني في طريق النمو والعكس فالتذمر وتمجيد النفس (الذات) عوضاً عن تمجيد الله تجعلني أنحدر. ويظل الإنحدار حتى يصل الإنسان لظلام القلب= أَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ ومن هنا تظهر أهمية التسابيح الكثيرة في الكنيسة وكثرة ترديد صلاة الشكر في كل الأوقات وكل المناسبات. وكما يقول ماراسحق السرياني "كل عطية بلا شكر هي بلا زيادة". وحينما شفي المسيح العشرة البرص عاد واحد منهم فقط ليشكر، فقال المسيح فأين التسعة (لو12:17-19). ولاحظ ان المسيح لم يكن يريد عودتهم لأنه محتاج لشكرهم بل حتى يعطيهم ما هو أكثر، كما حدث مع هذا الأبرص الذي عاد، إذ حصل علي الخلاص الروحي. بجانب الشفاء الجسدي. فالله يفرح بمن له روح الشكر ليزيده من بركاته. والعكس فالتذمر أهلك اليهود في برية سيناء. الشكر يجعل القلب طيعاً في يد الله، فيسهل علي الله أن يتعامل معه ويعطيه إستنارة ليعرف أكثر فيمجد أكثر وهكذا. أما التذمر فهو يقسى القلب فلا يعود يري الله، ويظلم هذا القلب، ومثل هؤلاء فهم يسيروا وراء الأكاذيب ومن ثم يتشبثوا بالباطل، ويفقد القلب وعيه ويصير بلا تمييز ويغيب عنه نور الله. فالله يعطي المعرفة بطرق شتي لتنتهي إلي شكره وتمجيده علي مراحمه. وعدم الإحساس بمراحم الله هو أصل كل الشرور. فإن لم يكن للمعرفة ثمر يرفع الله هذه المعرفة، فيكون هذا وبالاً علي الإنسان، فيبدأ يمجد نفسه عوضاً عن أن يمجد الله. بل إنحدر الإنسان فصار يمجد العجول والقرود والفئران… والآن هناك من يمجد المال والشهوات.
آية (22):- "22وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ. "
بينما هم يعتقدون في أنفسهم أنهم حكماء، فإنه لسبب عدم إدراكهم الحقيقة إدراكاً صحيحاً قد أصبحوا أغبياء وجهلاء. فالمصريين أصحاب كل علم عبدوا العجل. واليونانيين عبدوا الأمراض والشهوات البشرية بل أن هناك الآن من يعبد الشيطان. ولاحظ أن هذا الكلام موجه لمن آمن من الوثنيين وظل يفتخر بفلسفات الوثنيين، وكأن الرسول يقول لهم إلي أين قادتكم فلسفاتكم؟ لقد قادتكم للإنحطاط.
آية (23):- "23وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. "
من يعبد الله يكون له كرامة ويقابل هذا، الهوان لمن يعبد الأوثان والحيوانات. فعوضاً عن الإلتصاق بالله الذي له كل المجد- وهذا يقود الإنسان للخلود- إنحط الإنسان وعبد الفانيات فصار مصيره الزوال.
آية (24):- "24لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. "
ولأجل أنهم سلكوا هذا السلوك المشين وأهانوا الله لذلك فقد نزع الله منهم نعمته وتركهم ليسلكوا بحسب شهواتهم الرديئة في كل نجاسة. أَسْلَمَهُمُ اللهُ من يده لشهواتهم. الله لم يجعلهم يفعلون هذا. بل هو تركهم وتخلت نعمته الحافظة عنهم فإنحطوا لهذه الدرجة، هم صاروا كمريض رفض علاج الطبيب فتدهورت حالته. الله أسلمهم أي تركهم لما إشتهته قلوبهم ولما أرادوا أن يعملوه، رفع الله عنهم يده فأكملوا شهوة قلوبهم في النَّجَاسَةِ = أي عدم الطهارة في العلاقات الجنسية والتي تصل للشذوذ الجنسي فأهانوا أجسادهم. ولنلاحظ أن الخطية لها أضرار بدنية فضلاً عن الأضرار الروحية.
آية (25):- "25الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. "
اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ = هؤلاء إستبدلوا الإله الحقيقي الحق الذي أستعلن لهم في وعيهم العام بالآلهة الوثنية الكاذبة غير الحقيقية. ثم كرسوا قلوبهم ووجهوا عبادتهم إلي الخليقة والمخلوقات. وهكذا بدلاً من أن يكرموا ويعبدوا الخالق الذي خلق وكوَّن كل المخلوقات، والذي يلزم أن نقدم له التمجيد إلي الأبد، عبدوا المخلوقات. لقد ظهر تقدير الله للإنسان في أنه خلقه علي شبهه وعلي صورته بينما ظهرت حماقة الإنسان وظلام قلبه في أنه صنع الله علي حسب صورٍ فانية. ولاحظ انحدار الإنسان الذي جعل آلهته بهذه الصور، فإذا كانت هذه صورة الآلهة فكم تكون قيمة الإنسان الذي يعبدها. ولاحظ أنه يطلق علي الآلهة الوثنية الْكَذِبِ فهي شخصيات وهمية غير حقيقية، بل هي تخفي الحق ولا تفيد ولا تضر. وأنظر لمن يتصور أن أي شهوة خاطئة قادرة ان تشبعه فيجري وراءها العمر كله ولكنه لا يشبع، كمن يبحث عن ماء لا يروي أو عن آبار مشققة لا تضبط ماء تاركاً الله المشبع ينبوع المياه الحقيقي (أر13:2) فهذه المياه التي لا تروي هي الكذب.
الذي هُوَ مُبَارَكٌ = حينما ذكر إهانات الوثنيين لله لم يحتمل إهانتهم له وبارك الله.
آية (26):- "26لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ. "
من أجل أنهم عبدوا المخلوقات دون الخالق فقد منع الله نعمته عنهم إذ هم لا يستحقونها. لاحظ قول المزمور "الرب يعطك حسب قلبك" (4:20) فالله نزع عنهم حمايته بسبب قساوة قلوبهم فتسلطت عليهم الأهواء الجسدية المخجلة غير الشريفة. أهواء الهوان= كل إنحرافات الشهوة، شهوات الخزي والعار، الذي وصل للزنا مع الحيوانات، وهذا ما حذَّر الله الشعب منه (خر19:22) (إذ هو منتشر في كنعان) قبل أن يدخلوا كنعان. غالباً كان هذا ما يقصده الرسول هنا وإستحي من ذكره.
آية (27):- "27وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. "
الْفَحْشَاءَ = الفعل القبيح كالشذوذ الجنسي. ونلاحظ أن الشذوذ الجنسي لا ترتكبه الحيوانات. نَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ = هم ضروا أنفسهم وإنحدرت كرامتهم، وهم يستحقوا هذا فهم الذين إختاروا طريق الإنفصال عن الله. ونري الآن وباء الإيدز يحصد هؤلاء الشواذ جنسياً.
آية (28):- "28وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. "
هم لم يرغبوا أن تكون لهم المعرفة الحقيقية عن الله، لذلك تركهم الله فصار عقلهم عاجزاً عن أن يميز بين الحق والكذب. وكان نتيجة ذلك أن فعلوا ما لا يجب وما هو غير لائق أخلاقياً. إن النعمة هي عطية الله للإنسان فإذا أساء الإنسان التصرف وأفسد سلوكه إستحق ان يرفع الله عنه نعمته ويسلمه إلي أهوائه وفضائحه. والمسئولية لا تقع علي الله بل علي الإنسان، كالمريض الذي رفض الإنصياع لنصائح طبيبه واختار أن يعالج مرضه بنفسه علي الرغم من جهله بذلك. فإذا ساءت حالة المريض لا يلام الطبيب. وكما يتخلي الطبيب عن تقديم النصائح لمريض يخالفه دائماً هكذا يتخلي الله عن الخاطئ المصِّر علي خطيته.
آية (29):- "29مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا. "
الإِثْمٍ = الشر علي وجه العموم، كما يشار بكلمة البر للصلاح علي وجه العموم.
شَرّ= يشار هنا إلي الإضرار بالغير دون ان يحصل المرء علي كسب شخصي.
خُبْثٍ= الميل النفسي الآثم نحو الآخرين. حَسَدًا = يقود للقتل (قايين وهابيل)
الخصام= هو الإضرار بالغير دون أن يصل الأمر للقتل بل السعي لتكدير الآخرين.
ثالبين = من ثلب = عاب شخصاً في غيابه وشهَّر به ليفسد سمعته.
الآيات (30-31):- "30نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ ِللهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، 31بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ.
مُدَّعِينَ = أي متعاظمين في أقوالهم ينسبون لأنفسهم ما ليس لهم.
مُفْتَرِينَ = المفتري هو مختلق الكلام. مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا = يبتكرون أنواع جديدة من الشر. والمبتدع هو من يأتي ببدع جديدة في الشر كالهرطقات. بِلاَ فَهْمٍ = يرفضون كل نصيحة. لاَ عَهْدٍ = لا يلتزمون بعهودهم مع الآخرين.
آية (32):- "32الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ. "
الرسول هنا يشير إلي الأمميين الذين عرفوا أن حُكْمَ اللهِ هو بموت من يفعل هذه الخطايا. ومع هذا فهم يرتكبونها. وهذا دليل علي قساوة القلب، بل هم يفرحون بأن غيرهم يرتكبها، وهذا الفرح هو فرح بنمو مملكة الشيطان. وهم يفعلون هذه الخطايا بكل رغبة وشوق ورضي، إذاً فخطأهم خطأ متعمد يصدر عن نية وقصد لا عن غفلة وجهل. هنا نري أن الإنسان إستمر في الإنحدار والإنحطاط لدرجة تشبّه فيها بالشيطان الذي يفرح بأن يخطئ إنسان ما. بل صار الآن بعض الناس يعبدون الشيطان.
تعليق: قيل إن من أعظم الفلاسفة اليونان من كانوا يرتكبون الشذوذ الجنسي، بل أن منهم ما جعله شريعة محرماً إياه علي العبيد، كأن فيه فضل يمتاز به الأحرار دون العبيد. إلي هذا المدي إنحدر هؤلاء الفلاسفة ولم تنفعهم فلسفتهم.
هذا الإصحاح نري فيه أن الإنسان إما ينمو في الروح أو ينحدر لأسفل.
1. من ينمو في الروح:- هذا من يجاهد فينمو إيمانه، وينتقل من درجة إيمانية لدرجة أعلي (آية17) هو يعبد الله بالروح (آية9) وهو يعمل أعمال بر (آية17). ونهاية هذا الصعود، نجد الإنسان يتشبه بالله الذي يفرح بإيمان وبر أولاده. وهنا نجد الرسول يفرح ويشكر الله علي إيمان أهل رومية (آية8)
2. الإنحدار: حالة الإنسان كمن يصعد علي منحدر في سيارة، فهو إما يصعد، وإما ينحدر لو ترك السيارة (هذا هو من أهمل جهاده).
والإنحدار هنا يصل بالإنسان لأحط الدرجات (آية27) وهؤلاء يظلم قلبهم (آية21) وينحدروا إلي مستوي أقل من الحيوانات وفي النهاية نجد هؤلاء وقد تشبهّوا بالشيطان.
ملحوظة: هو نوع من خداع النفس أن يتصور إنسان أنه وصل إلي مرحلة روحية معقولة، وأنه أحسن من كثيرين فيكفّ عن جهاده، مثل من تصور وهو يقود سيارته أنه وصل علي المنحدر لإرتفاع معقول، فيرفع قدمه عن البنزين ويكفّ عن القيادة، مثل هذا لابد وأن يبدأ في الإنحدار سريعاً.
بإيمان لإيمان:- هذا هو النمو (أية17) فالإيمان ينمو كما قلنا. ولكنه كيف ينمو؟
1. بالعشرة مع الله، وتطبيق وصاياه فنعرفه (مت24:7-27). وكلما عرفناه وإختبرناه يزداد إيماننا به. والعشرة هي بالصلاة والتسبيح ودراسة الكتاب.
2. بالشكر وسط الضيقات التي يسمح بها الله لنري يده ونعرفه (كو7:2) كما سمح الله لبني إسرائيل في سيناء ببعض التجارب كالماء المّر حتى يروا يده.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ
رفض الله واستباحة النجاسة
h E h
(1) الكرازة بالمسيح (ع 1 - 7 ):
1بُولُسُ، عَبْدٌ لِيسُوعَ الْمَسِيحِ الْمَدْعُوُّ رَسُولاً، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، 2الَّذِى سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِى الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ 3عَنِ ابْنِهِ. الَّذِى صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، 4وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا. 5الَّذِى بِهِ لأَجْلِ اسْمِهِ قَبِلْنَا نِعْمَةً وَرِسَالَةً لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ فِى جَمِيعِ الأُمَمِ، 6الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّو يَسُوعَ الْمَسِيحِ. 7إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِى رُومِيَةَ، أَحِبَّاءَ اللهِ، مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
ع1: يفتخر بولس الرسول دائما ويعرف نفسه بكونه عبد بإرادته للسيد المسيح، لأن ذاك أحبه أولاً ودعاه واختاره رسولاً بظهوره له بنفسه، ومهمته هى الكرازة ببشارة الإنجيل.
إن رسولية القديس بولس تفتح لنا باباً للرجاء، فكما اختاره المسيح يريد أن يختارك أنت أيضاً أيها الأخ الحبيب، بالرغم من ضعف إمكانياتك ومهما كانت حياتك الماضية، لتكون سفيراً له وسط إخوتك بسلوكك وكلامك المستقيم.
ع2-3: السيد المسيح هو محور الكرازة، وهو الوعد الذى اشتاقت البشرية إليه كثيرًا، فكم تحدث الأنبياء عنه كإنسان (ابن داود) مشابهًا لنا، مشاركًا إيَّانا فى طبيعتنا المتألمة.
ع4: روح القداسة: الروح القدس
بقيامة المسيح من الأموات، استعلن لنا بقوة ووضوح أنه هو أيضاً الإله الحى القائم من الأموات بذاته بقوة لاهوته، ونحن آمنا به بالروح القدس الحال فينا، الذى نلناه كأعظم عطية بسر الميرون بعد المعمودية. إذ لا يستطيع أحد أن يقول أن المسيح رب إلا بالروح القدس.
لذلك يا أخى الحبيب تفرح النفس به إذ تجد فيه كل إحتياجاتها، فهو يسوع الإنسان الذى يشعر بك وتألم مثلك، وهو المسيح الفادى الذى حمل بدلاً عنك عقوبة الآلام والموت، وهو الرب الإله القائم من الأموات قائلاً لك أيها الحبيب أنا قد انتصرت على أقوى عدو للبشرية وهو الموت، فلماذا تخاف إذاً؟ ثق بى فإنى قادر على حل جميع مشكلاتك.
ع5: السيد المسيح قدم نعمة الفداء لكل البشرية لا لاستحقاق فينا، ولكن من أجل محبته لنا، إذ أن لذته مع بنى آدم. وأفرز الرسل لينادوا لكل الأمم أن يقبلوا حقائق الإيمان بطاعة وخضوع كامل من القلب.
ع6-7: بدأ الرسول بولس بتوجيه وتخصيص كلامه للمؤمنين فى روما، ملقبًا إياهم بأحباء الله وأن المسيح يدعوهم لحياة القداسة، منعمًا عليهم بسلام وفرح.
إن الله يدعوك لحياة القداسة إن أطعت وصاياه، فتمتلئ حياتك من السلام، تلك النعمة العظيمة التى يُحرَم منها العالم اليوم بسبب شره، بل وصار أولاد العالم يشكون كل يوم من الإكتئاب والأرق إذ "لا سلام قال الرب للأشرار"(إش48: 22).
(2) تشجيع المؤمنين (ع 8 - 12):
8أَوَّلاً، أَشْكُرُ إِلَهِى بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِى كُلِّ الْعَالَمِ. 9فَإِنَّ اللهَ الَّذِى أَعْبُدُهُ بِرُوحِى فِى إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِى كَيْفَ بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ، 10مُتَضَرِّعًا دَائِمًا فِى صَلَوَاتِى، عَسَى الآنَ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِى مَرَّةً بِمَشِيئَةِ اللهِ أَنْ آتِىَ إِلَيْكُمْ. 11لأَنِّى مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ، لِكَىْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ، 12أَىْ لِنَتَعَزَّى بَيْنَكُمْ بِالإِيمَانِ الَّذِى فِينَا جَمِيعًا، إِيمَانِكُمْ وَإِيمَانِى.
ع8: عجيب فى هذه الآية أن بولس الرسول يفرح بإيمان مسيحى رومية، ويشكر الله عليه على الرغم مما يفتقده هذا الإيمان من دقة وعمق كما سنرى فيما بعد. ولكن يعلمنا بولس الرسول أن نبحث عن فضائل الآخرين، ونشكر الله ونمدحهم عليها.
ع9-10: هنا يلفت نظرنا القديس بولس إلى العبادة الوحيدة المقبولة أمام الله، وهى العبادة بالروح (يو4: 23، 24). وفيها يسلك المؤمن بحسب وصايا الإنجيل، عاملاً كل شئ بالمسيح ومن أجله، واضعًا فى قلبه أن الله ناظر لكل أعماله وأفكار قلبه حتى التى لا يراها الناس. لذلك يحاول الإنسان الروحى دائما وعلى قدر طاقته أن يرضى قلب الله بحب. وهذا عكس العبادة الشكلية التى يهتم فيها الشخص بالتدين أمام الناس فقط لنوال مدحهم، بينما يكون قلبه خاليًا من أى محبة أو مخافة لله.
وإذ علم بولس الرسول أن مسرة قلب الله هى أن يعود الخطاة إلى حضن الآب، اشتعل قلبه بحب أبوى، متشبها بمسيحه كراعٍ يبحث عن خرافه. فبولس يذكر مسيحيى روما كل حين، ويصلى لأجلهم، متمنيا أن يزور روما ليبشر بها ويثبت المؤمنين فيها.
ع11: يعلن بولس الرسول اشتياقه أن يأتى إليهم ويراهم، لا ليأخذ شيئا لنفسه، ولكن ليعطيهم هبه روحية تثبتهم، فى صورة وعظ أو إرشاد مناسب لكل أحد.
ع12: هنا يختم بولس هذا الجزء بأنه سيفرح بإيمانهم ويفرحون بإيمانه. أى أن الخادم يتشجع برؤية الإيمان فى أولاده، كما يثبت المخدومون عندما يرون قوة إيمان خادمهم.
اهتم بالصلاة من أجل من حولك ومن تعرفهم، القريبين والبعيدين، واثقا أن صلاتك تفتح قلوبهم لمعرفة الله وتثبتهم فيها، بالإضافة إلى تعميق علاقتك الشخصية بالله أولا.
(3) اشتياق بولس لتبشير رومية (ع 13-17):
13ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّنِى مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِىَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيكُونَ لِى ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِى سَائِرِ الأُمَمِ. 14إِنِّى مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ. 15فَهَكَذَا مَا هُوَ لِى، مُسْتَعَدٌّ لِتَبْشِيرِكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ فِى رُومِيَةَ أَيْضًا، 16لأَنِّى لَسْتُ أَسْتَحِى بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِىِّ أَوَّلاً، ثُمَّ لِلْيُونَانِىِّ. 17لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا.
ع13-15: هنا يؤكد بولس الرسول مرة أخرى مدى اشتياقه لهم، معلنا أن كل ما هو له من إمكانيات ومواهب مستعد أن يقدمها فى خدمته وكرازته بينهم، ليفرح بثمار إيمانهم وفضائلهم، موضحا أنه مديون لله الذى أحبه ومات لأجله. فيقدم محبته لأولاده البشر، سواء اليونانيين أو غيرهم (البرابرة)، وللمتعلمين وغير المتعلمين.
وأنت أيها الحبيب، إن طلب منك أحد خدمة ما، فلا تنظر إليها على أنها تعب أو مجهود، ولكن إفرح لأن كل تعب محبة مقدم لله، ويذخر لك كنزا فى السماء.
ع16: يفتخر بولس أنه يبشر بإنجيل المسيح، ولا يخجل من آلامه وصلبه، لأن للإنجيل قوة تعمل فى النفوس. وقد بدأ بالكرازة لليهود أولا، لأنهم يهود مثله ويعرفون الله والأنبياء.
ع17: بر الله: عدله ورحمته.
بإيمان لإيمان : أصلها من إيمان لإيمان. أى أن فداء المسيح نقلنا من الإيمان الأول فى العهد القديم، والذى يلزم فيه على الإنسان لكى يصير بارا أن يعمل أعمال ووصايا الناموس، ويقدم ذبائح كثيرة، والتى كانت ترمز للمسيح، للتكفير عن خطاياه؛ إلى الإيمان الثانى فى العهد الجديد، المبنى على الثقة بذبيحة المسيح الفادى على الصليب الغير محدودة والتى تكفر عن خطايا البشرية، فتبرر المؤمنين بها.
أعلن لنا الإنجيل عن بر الله، الذى صيرنا أبرارا أمامه. فعندما مات المسيح عنا، وفّى العدل الإلهى لننال نحن رحمه الله وغفرانه. ولا يتمتع بهذا التبرير كل إنسان، بل فقط الذى يحيا بالإيمان (حبقوق 2: 4)، أى الذى يؤمن ويطيع أيضا وصاياه.
(4) رفض الله وعبادة الأوثان (ع 18-23):
18لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. 19إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، 20لأَنَّ أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. 21لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ، لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِى أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِىُّ. 22وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ، صَارُوا جُهَلاَءَ، 23وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِى لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِى يَفْنَى، وَالطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ وَالزَّحَّافَاتِ.
ع18: بعدما شجع بولس المؤمنين فى رومية ومدح إيمانهم، يعلن غضب الله على الأمم المستهينين بالله ومتمادين فى خطاياهم، فيرفض الخطايا التى يصد بها الأشرار الحق ويحجبونه.
ع19: ليس هناك عذر للإنسان بادعائه عدم معرفته بالله، لأن صوته داخله وهو الضمير.
ع20: أموره غير المنظورة: قدرته الإلهية المختفية وراء أعماله.
المصنوعات: المخلوقات.
السرمديه: الأزلية الأبدية.
لأن خليقة الله الحية، من إنسان وحيوان ونبات، وكذلك الجامدة، كالجبال والبحار والكواكب والنجوم، ونظام الطبيعة الهندسى الرائع، يعلن بوضوح أنه لابد من وجود إله قدير عظيم وراء هذه الخليقة المذهلة. فلماذا لا يؤمن الوثنيون؟ ليس لهم عذر فى عدم إيمانهم.
ع21-23: إن الناس، فى جهلهم وغبائهم، بعدما عرفوا الله، بدلا من أن يشكروه على عطاياه، نسبوا فضل الخلقة والكون وعطاياه إلى الأصنام المصنوعة على شكل بشر وحيوانات أو طيور وعبدوها.
افحص قلبك، هل متعلق بالله أم بمعبودات أخرى مثل المال أو المركز أو الشهوات المختلفة؟ لا تنزع الله من قلبك لتضع أى شخص أو شئ مكانه، وراجع نفسك فى نهاية كل يوم إلى أى مدى عشت مع الله ومدى اهتمامك بالأمور العالمية.
(5) استباحة النجاسة والزنا (ع 24-32):
24لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِى شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِـمِ. 25الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِى هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. 26لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاِسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِىَّ بِالَّذِى عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، 27وَكَذَلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا، تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِىَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِى أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. 28وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِى مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ، لِيفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ، 29مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، 30نَمَّامِينَ، مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ لِلَّهِ، ثَالِبِينَ، مُتَعَظِّمِينَ، مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، 31بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ. 32الَّذِينَ، إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ، أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ!
ع24-25: عندما استبدل الإنسان الله بالأصنام، وهى آلهة كاذبة غير حقيقية، أسلمه الله إلى النجاسة، أى ترك الله الأشرار يفعلون الشر بإرادتهم من زنا وشذوذ أهانوا بها أجسادهم الطاهرة، ونسوا أنهم مخلوقون على صورة الله ومثاله، بعد رفضهم المستمر لعمل نعمة الله، وسمح الله أن يذلوا أنفسهم، لعلهم يتوبون عن شرهم ويعودون ثانية إلى طهارتهم.
ع26: إذ ترك الأشرار الله، أذلتهم شهواتهم الردية، مثل ابتعاد النساء عن العلاقات الجنسية الطبيعية المقدسة التى خلقها الله، إلى علاقات شاذة سواء أنثى مع أنثى مثلها أو ممارسات جنسية خاطئة مع الرجال، ولكن فى غير الأعضاء الطبيعية الخاصة بالإنجاب.
ولبشاعة هذه الخطية تعد من أسباب الطلاق الذى تسمح به الكنيسة.
ع27: لم يكتفِ الرجال بخطية الزنا، بل تجاوزوها إلى الشذوذ الجنسى بعضهم مع بعض، تلك الخطية الشنيعة التى أغضبت الله بشدة من أهل سدوم حتى أحرقها قديماً بالنار.
ع28: حاشا أن يكون الله هو الذى أسلمهم للشر بيديه، بل هم بإرادتهم سقطوا، كمريض رفض الإستماع إلى نصيحة طبيبه، فساءت حالته. ونتيجة لخطاياهم ينالون عقاباً مثل إصابة الزناه بأمراض كالزهرى والإيدز وسرطان عنق الرحم.
ولكن لماذا يسمح الله الرحوم بذلك؟
حتى يدرك الإنسان آثار وعذاب الخطية وخداعها لعله يتوب عنها.
ع29: لحماقة وعناد الإنسان، فبدلا من التوبة عن الخطية، إذ به يتلذذ بها أكثر، متناسيا آلامها وعقابها. ولذلك ذكر بولس الرسول هذا الكم الهائل من الخطايا، ليوضح أن الإنسان يبدأ عادة فى خطية واحدة، وتلك تجر وراءها باقى الخطايا فيمتلئ من كل إثم. وكلمة إثم تعنى الخطايا كلها بوجه عام.
ع30: نمامين : هم من يتكلمون بالسوء عن الناس فى الخفاء.
مفترين : هم من يتكلمون بالسوء والكذب علانية.
ثالبين : هم من يسقطون فى الإدانة.
مدعين : أى مبالغين فى أقوالهم، وينسبون لأنفسهم ما ليس عندهم.
مبتدعين شرورا: هم الذين يخترعون أنواعا جديدة من الشر.
غير طائعين للوالدين : يرفضون التعلم والتلمذة والاستفادة من الخبرة السابقة.
ع31: بلا عهد : أى لا يحافظ على وعوده للآخرين ولا ينفذها. والخلاصة يكونون قساة القلوب وجهلاء.
ع32: بعدما عرف الأشرار غضب الله وعقابه بالهلاك لهم، لم يتوبوا بل تحدوه بتشجيع غيرهم على الخطية، مثلما يحدث الآن بتقديم وسائل الأعلام أفلام مثيرة، وتشجيع الشباب بعضهم لبعض على شرب السجائر والمخدرات، وتحريض بعضهم للبعض على العلاقات الغرامية الخاطئة والتشجيع على الحرية الجنسية باعتبارها إثباتًا لرجولتهم أو أنوثتهم.
لذا أيها الحبيب إحذر الخطية بكل مستوياتها، واحذر أن تسير وراء أفكار العالم وحريته، فالعالم قد وضع فى الشرير. وإن سيطرت عليك الخطية، فصل بإيمان لإلهك القادر أن يحررك من الخطايا، وواصل جهادك الروحى ضدها.
وهكذا ختم بولس الرسول الأصحاح بمشكلة فى حاجة إلى حل، وهى مشكلة الخاطئ الجالس فى ظلال الموت واستوجب غضب الله، وهو الآن فى أشد الحاجة إلى التبرير بالمسيح وذلك بالإيمان وبترك أعمال الظلمة.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح