كلمة منفعة
منذ الخطية الأولى، وقبل طرد أبوينا الأولين من الجنة ومنحهما الله رجاء في الخلاص، وقال لهما إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية. وكان هذا مبدأ الرجاء..
— الرجاء (ب)
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 15 روميه الإصحاح رقم 15 الأصحاح الخامس عشر المؤمن والضعفاء "سرّ المسيح" عند الرسول بولس هو انفتاح باب الإيمان للعالم كله، لتتمتّع جميع الشعوب بخلاص المسيح المجّاني. وقد جاءت هذه الرسالة في مجملها تُعلن هذا السرّ، فتتحدث عن عمومية الخلاص. والآن يقدّم لنا الرسول هذا الأصحاح العملي متناغمًا مع فكر الرسالة كلها، ألا وهو التزام الكنيسة ككل وكل عضو فيها بانفتاح القلب نحو خلاص الجميع، محتملين الضعفاء، مهتمّين بالأمم أيّا كان ماضيهم، يسندون الرسول بصلواتهم ليحقّق في حياته وكرازته إعلان هذا السرّ، بالرغم من مقاومة بعض اليهود المتعصبين له: 1. احتمال الضعفاء 1-7. 2. اتساع القلب للأمم 8-13. 3. مساندته في خدمة الأمم 14-21. 4. شوقه لخدمتهم في روما 22-24. 5. فهمه لعطاء الأمم 25-28. 6. جهادهم معه بالصلوات 29-30. 7. مقاومة غير المؤمنين له 31-32. 8. خاتمة 33. 1. احتمال الضعفاء "فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا، فليُرضِ كل واحدٍ منّّا قريبه للخير لأجل البنيان، لأن المسيح أيضًا لم يرضي نفسه، بل كما هو مكتوب تعييرات معيّريك وقعت عليّ" [1-3]. هذا هو "سرّ المسيح" أن كلمة الله أعلن قوته بنزوله إلينا يحمل ضعفنا لكي يرفعنا إلى كمال قوّته وبهائه ومجده؛ فالمؤمن إذ يحمل فيه "سرّ المسيح" أو فكره إنما يُدرك القوّة الحقيقية باحتماله بالحب ضعفات الضعفاء، مهتمًا بخير قريبه لأجل بنيانه، ولا يطلب ما هو لذاته. هذا العمل ليس من عنده، إنما هو عمل المسيح الساكن فيه، والذي يشتاق إلى خلاص الكل. ويلاحظ في هذه الوصيّة الرسولية تجاه الضعفاء الآتي: أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:[انظر كيف يثير اهتمامهم بمديحه لهم لا بدعوتهم أقوياء فحسب وإنما بضمهم إليه كأقوياء..."فيجب علينا نحن الأقوياء"] هذا هو منهج الرسول بولس في كل كرازته وفي كل رسائله، قبل أن يوصي ويشجّع، وقبل أن يكشف الجراحات يُعلن الأمور الصالحة والفاضلة فيهم؛ فعِوض أن يوبّخهم هنا لأنهم يحتقرون الضعفاء ويستخفّون بالأمم، يُعلن لهم أنهم بالمسيح أقوياء فيُلزمهم أن يمارسوا عمل المسيح، الفاتح أحضانه لكل ضعيف وكل أممي بالحب لا بالإدانة! هذا وحديث الرسول يُعلن أن في الكنيسة يوجد على الدوام أقوياء وأيضًا ضعفاء، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [لا توجد الكنيسة بدونهما]. إذ يحتمل الأقوياء الضعفاء، فيتزكّون على عظيم محبتهم، ويمتثّل الضعفاء بالأقوياء دون حسدٍ فينمون على الدوام. ثانيًا: بقوله "لأن المسيح لم يُرضِ نفسه، بل كما هو مكتوب: تعييرات معيّريك وقعت عليّ" يودّ أن يُعلن لهم بطريقة غير مباشرة، إنهم إن كانوا أقوياء، إنما لأن السيد المسيح حمل ضعفهم، فتعييراتهم وقعت عليه، إذ حمل عار خطاياهم ليُقيمهم أقوياء بعد الضعف. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل أنتم أقوياء؟ رُدّوا هذا لله الذي جعلكم هكذا، وذلك إن رأيتم ضعف المرضى بحق. فإننا نحن كنّا ضعفاء أيضًا، وبالنعمة صرنا أقوياء. لنعمل أيضًا بالنسبة بالضعفاء (أي نسندهم بالنعمة).] ثالثًا: إن كنّا بالنعمة الإلهية نلنا القوّة في المسيح يسوع، يليق بنا ترجمة هذه القوّة عمليًا، وكما يقول الرسول: "فليُرضِ كل واحد منّا قريبه للخير لأجل البنيان" [2]. في هذا يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل أنت قوي؟ ليختبر الضعيف قوّتك. ليأت وليعرف قوّتك، إرضه. لم يقل "إرضه" هكذا بطريقة مجرّدة وإنما "لخيره"، وليس فقط "لخيره" مجرّدة، لئلاّ يقول الشخص المتقدّم: انظر ها أنا أسحبه لخيره! إنما يضيف الرسول: "لأجل البنيان"... هذا التصرّف يلزم أن يفعله "كل واحد".] هذه هي "القوّة" الحقيقية في المسيح يسوع، أن ننزل إلى الضعيف مع مسيحنا لنحمله على منكبي الحب، ونرتفع معه لنحيا معًا سالكين الحياة الصالحة لبنيان نفوسنا ونفوسهم، أو لبنيان العالم كله في الرب. بهذا نرضي الآخرين للخير للبنيان، مقدّمين لا أموالنا وطاقاتنا لخدمتهم، وإنما أيضًا نقدّم قلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، نشاركهم آلامهم وأتعابهم وضيقاتهم. رابعًا : يقدّم لنا الرسول بولس السيد المسيح مثلاً نقتدي به، إذ لم يُرضِ نفسه بل من أجلنا حمل تعييراتنا التي كنّا نستحقها ليهبنا برّه. هذه هي عادة الرسول أنه يقدّم لنا السيد المسيح في كل شيء مثلاً. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان (الرسول) يتحدّث عن الصدقة، قدّم لنا المسيح (مثلا): "فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني" (2 كو 8: 9). وإذ كان يحث على المحبّة حثّنا به قائلاً: "كما أحبّنا المسيح" (أف 5: 25). وعندما نصحنا على احتمال الخزي والمخاطر قدّمه ملجأ لنا: "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي" (عب 12: 2). هكذا في هذه العبارة (رو 15: 3) يفعل ذات الشيء، موضّحًا أن النبي سبق فأعلن عن ذلك قديمًا، بقوله: "تعييرات معيّريك وقعت عليّ" (مز 69: 9). لماذا لم يقل: "أخلى نفسه" (في 2: 7)؟ لأنه لم يرد أن يشر فقط إلى تأنّسه، وإنما أيضًا إلى إساءة معاملته واتهامه بواسطة كثيرين، والنظر إليه كضعيف. فقد قيل: "إن كنتَ ابن الله فانزل عن الصليب" (مت 27: 40)، وأيضا: "خلَّص آخرين وأمّا نفسه فما يقدر أن يخلِّصها" (مت 27: 40)... وهنا أيضًا يظهر إن المسيح لم يُعيَّر وحده وإنما الآب أيضًا، إذ يقول "تعييرات معيّريك وقعت عليّ". فما يقوله تقريبًا هو هذا: ما يحدث الآن ليس بالأمر الجديد أو الغريب، فإنهم في العهد القديم اعتادوا أن يعيِّروا (الآب)، وهاهم الآن ثائرون على ابنه. لكن هذه الأمور كُتبت لكي نتمثّل بهما.] خامسًا: إن كان ما قد كُتب في العهد القديم (مز 69: 9) أن التعييرات قد سقطت على الأب والإبن، إنما لأجل نفعنا، لكي يبعثنا ذلك على احتمال الضعفات والتعييرات حتى بالصبر مع التعزية يكون لنا رجاء إننا نتمثّل بالله نفسه محتمل الضعفاء. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "لأن كل ما سبق فكتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء" [4]. غاية الكتاب المقدس أن يحثّنا على الاحتمال بصبر، ليهبنا تعزية في وسط الآلام، الأمر الذي يفتح لنا باب الرجاء. لأننا إن كنّا نتعزّى وسط آلامنا، فماذا يكون حالنا حين ننطلق من العالم بآلامه؟ سادسًا: إذ يحثّنا الرسول بولس على احتمال ضعفات الضعفاء لخيرهم لبنيانهم، وهو يقدّم لنا السيد المسيح مثلاً حيًا في هذا العمل، بل وعاملاً فينا لتحقيق ذلك، يرفع الرسول صلاة لله كي يسندنا، قائلاً: "وليعطكم إله الصبر والتعزية أن تهتمّوا اهتمامًا واحدًا فيما بينكم بحسب المسيح يسوع، لكي تمجّدوا الله أبًا ربنا يسوع المسيح بنفسٍ واحدةٍ وفمٍ واحدٍ" [5-6]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا ما يودّ الحب أن يفعله أن يهتم الإنسان بالآخرين كما بنفسه، ولكي يظهر أن ما يطلبه ليس حبًا مجردًا يضيف: "بحسب المسيح يسوع". هذا ما يفعله في كل موضع، إذ يوجد نوع آخر من الحب. فإنه أي نفع للاتفاق معًا (إن لم يكن بحسب المسيح يسوع)؟] هذا الحب في المسيح يسوع يمجّد الله الآب لا خلال وحدة الفم فقط أي بالكلام، وإنما وحدة الإرادة أيضًا (نفس واحدة)... هذا الحب في المسيح يسوع واهب الوحدة هو طريق تنفيذ الوصيّة: "لذلك اقبلوا بعضكم بعضًا كما أن المسيح أيضًا قبلنا لمجد الله" [7]. 2. اتساع القلب للأمم الآن إذ يوصينا باحتمال الضعفاء خلال الحب الحقيقي، واهب الوحدة في المسيح يسوع، يقدّم لنا تطبيقًا عمليًا في حياة السيد المسيح كما في حياتنا نحن أيضًا، فبالحب ضمّ السيد المسيح أهل الخِتان والأمم معًا فيه، حاملاً ضعفات الكل، وبذات الحب يليق باليهود المتنصّرين أن يفتحوا قلبهم لإخوتهم الراجعين من الأمم لله، لتتحقق فيهم إرادة الله التي سبق فأعلنها في العهد القديم من جهة قبول الأمم للإيمان بالله. "وأقول أن يسوع المسيح قد صار خادم الخِتان، من أجل صدق الله، حتى يثبت مواعيد الآباء، وأمّا الأمم فمجّدوا الله من أجل الرحمة، كما هو مكتوب: من أجل ذلك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك" [8-9]. ماذا يقصد الرسول بهذا؟ يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم [أن إبراهيم نال وعدًا أن بنسله تتبارك جميع الأمم (تك 12: 7، 22: 18). وما حدث أن نسل إبراهيم وإن كان قد مارس الخِتان لكنه كسر الناموس وحُسب متعدّيًا فسقط بالناموس تحت اللعنة، لهذا جاء السيد المسيح خادمًا للختان، إذ أكمل الناموس ولم يكسره، حتى متى ارتفع على الصليب ينزع لعنة الناموس التي للعصيان. تألّم لكي لا يسقط الوعد المُعطَى لإبراهيم، حاملاً الغضب عن الساقطين فيتحرّروا عن العداوة والتغرّب عن الله... بهذا رفعهم السيد المسيح عن اللعنة، وأقامهم من سلطان الناموس، ليتحقّق فيهم الوعد الإلهي الذي أُعطيَ لآبائهم. هذا من جانب أهل الخِتان، أما من جانب الأمم فقد انفتح لهم أيضًا باب المراحم الإلهية لينعموا مع أهل الختان بالعمل الخلاصي جنبًا إلى جنب، فيشترك الاثنان - اليهودي والأممي - خلال نعمة الله في تقديم الحمد لله والتسبيح لاسمه، كما سبق فأنبأ المرتّل: "لذلك أحمدك يا رب في الأمم وأرنم لك" (مز 18: 49)، وما أعلنه موسى النبي: "تهلّلوا أيها الأمم شعبه" (تث 32: 43)، وداود النبي: "سبحوا الرب يا كل الأمم" (مز 117: 1)، وأيضًا إشعياء النبي: "ويخرج قضيب من جزع يسّى وينبت غصن من أصوله... ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسّى القائم راية للشعوب إيّاه تطلب الأمم" (إش 11: 1، 10).] [كل هذه المقتطفات قدمت لكي يظهر أنه يجب أن نتحد ونمجد الله، ولكي يتواضع اليهودي ولا ينتفخ على هذه الشعوب، وفي نفس الوقت يحث الأممي على التواضع إذ يظهر له أنه قد نال نعمة عظمى.] إن كان الله منذ القدم قد خطّط لخلاص كل الشعوب والأمم حتى أنبأ بذلك رجال العهد القديم، فكيف يمكن لليهودي أن يغلق قلبه عن قبول أخيه الأممي معه في الإيمان، والتهليل والتسبيح لله؟ ليفتح اليهودي قلبه بالحب ليضم إلى صدره الأممي، وليفتح الأممي قلبه شاكرًا الله الذي رفعه عن ضعفه ليدخل بين صفوف المؤمنين! إذ فتح أبواب الرجاء لليهود كما للأمم. لهذا يقدّم الرسول أشبه بصلاة أو شفاعة لدي الله ليزيدهم في هذا الرجاء بدخولهم إلى الإيمان بقوّة الروح القدس مملوئين سرورًا وسلامًا، إذ يقول: "وليملأكم إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان، لتزدادوا في الرجاء، بقوّة الروح القدس" [13]. 3. مساندة في خدمة الأمم إذ تحدّث عن التزامهم كأقوياء أن يحتملوا ضعفات الضعفاء، وكيهود متنصّرين أن يقبلوا الأمم في الإيمان بفرح وسرور، أراد أن يلطّف الحديث معهم، فلا يجعل من وصيته أمرًا ثقيلاً على نفوسهم، لهذا بادر يمدحهم مظهرًا أن ما يطلبه منهم ليس بالكثير بالنسبة لقامتهم الروحيّة وإدراكهم، إذ يقول: "وأنا نفسي متيقّن من جهتكم يا إخوتي أنكم أنتم مشحونون صلاحًا، ومملؤون كل علم، قادرون أن يُنذر بعضكم بعضًا" [14]. ويلاحظ هنا رقته في الحديث من جهة الآتي: أولاً: لم يقل أنه سمع عن صلاحهم، وإنما هو بنفسه متيقّّن من صلاحهم. ليس محتاجًا إلى آخرين يشهدون لهم أمامه. وكأنه يقول إن كنت أوصيكم أو أقسو عليكم بالانتهار لكنني متيقّن من جهتكم إنكم مشحونون صلاحًا! ثانيًا: يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبيره: "أنكم أنتم مشحونون صلاحًا"، بالقول: [كأنه يقول: ليس لأنكم قساة أو مبغِضون لإخوتكم لذلك أنصحكم أن تقبّلوا عمل الله ولا تهملوه أو تحطموه، فإني أعرف أنكم مشحونون صلاحًا؛ وإنما يبدو لي هنا أن أدعوكم لكمال فضيلتكم.] ثالثًا: في رقّة يحثّهم كما على اتساع القلب أكثر فأكثر بحب الآخرين حيث لا ينقصهم ملء الصلاح والمعرفة والقدرة. من جهة القلب هم صالحون لطفاء محبّون؛ من جهة الفكر لهم ملء العلم والمعرفة، ومن جهة الإمكانية قادرون. هذا كله أعطاه الجسارة ليطالبهم أكثر فأكثر! غاية في الحكمة والتشجيع! رابعًا: يكتب القدّيس بولس إليهم بروح الأخوة المتواضعة، الأخوة التي أعطته دالة ليتجاسر فيكتب إليهم لا كمن يوصيهم بأمرٍ غريبٍ عن حياتهم، وإنما يذكرهم لينموا بالأكثر فيما يمارسونه فعلاً، إذ يقول: "ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيّا أيها الإخوة، كمذكّر لكم بسبب النعمة التي وُهبت لي" [15]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ تواضع فكر بولس، لاحظ حكمته... أنه ينزل من كرسي السيادة هنا وهناك ليتحدّث إليهم كإخوة وأصدقاء في نفس الدرجة.] خامسًا: يُعلن الرسول أنه ملتزم بالكتابة لهم لأنه يمارس خدمته الرسولية التي أُفرز لها كرسول للأمم، فإن كانت روما عاصمة العالم الأممي في ذلك الحين فهو يشعر أنها يجب أن تكون مركز عمله. هذه هي النعمة التي وُهبت له من الله، خدمة الأمم، التي لا يتوقّف عن التمتّع بها قط. يحسب الرسول نفسه كاهنًا يقدّم ذبيحة الحب خلال الكرازة، فإن كان ليس من سبط لاوي لكنه كاهن الله كرسول للسيد المسيح يقدّم قربان الأمم مقبولاً ومقدسًا بفعل الروح القدس، إذ يقول: "حتى أكون خادمًا ليسوع المسيح لأجل الأمم، مباشرًا لإنجيل الله ككاهنٍ، ليكون قربان الأمم مقبولاً، مقدسًا بالروح القدس" [16]. يفسّر القدّيس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة هكذا: [بالنسبة لي هذا كهنوت، الذي هو الكرازة والإعلان. هذه ذبيحة أقدّمها. لا يخطِّئ أحد من الكهنة عندما يكون غيورًا على تقديم ذبيحة بلا عيب. يقول هذا لكي يرفع أفكارهم، ويُظهر لهم أنهم ذبيحة، معتذرًا عن دوره في هذا العمل. كأنه يقول: السكّين التي لي هي إنجيلي، كلمة الكرازة. أقوم بهذا لا لأتمجّد ولا لأشتهر، وإنما لكي تكون ذبيحة الأمم مقبولة ومقدّسة بالروح القدس. بمعنى أن نفوس الذين أعلِّمهم تصير مقبولة. فإنه إذ قادني الله إلى هذا السموّ فليس في هذا تكريمي أنا قدر ما هو يخصّكم أنتم. كيف يصيرون مقبولين؟ بالروح القدس. فالحاجة ليس فقط إلى الإيمان، وإنما إلى طريق الحياة الروحيّة لكي نتمسّك بالروح الذي أعطى مرة للكل. فإنه لا حاجة إلى حطب أو نار أو مذبح أو سكّين بل للروح الذي فينا بالتمام. لهذا أبذل كل وسيلة لأمنع النار من أن تنطفئ، إذ أسرّ بها... كما أن الكاهن يقف ليلهب النار هكذا أفعل أنا إذ أُثير تذكرتكم.] هذا ويوضّح الرسول دوره في الخدمة بدقّة إذ يلقِّب نفسه "خادمًا" و"كاهنًا"، لكن الذي يقدّس روح الله نفسه، إذ يقول: "ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدّسًا بالروح القدس". يحدّثنا القدّيس باسليوس الكبير عن دور الروح القدس، قائلاً: [المخلوق عبد، والروح هو الذي يحرّر (رو 8: 2)؛ المخلوق محتاج إلى حياة، والروح هو واهب الحياة (يو 6: 63)؛ المخلوق يطلب التعلم، والروح هو الذي يعلم (يو 14: 26). المخلوق يتقدس، والروح هو الذي يُقدس (رو 15: 26)؛ من تدعوهم ملائكة، رؤساء، قوات سمائية... هؤلاء يتقبلون التقديس خلال الروح، أمّا الروح نفسه فهو قدوس بطبيعته، لا يتقبل صلاحًا من خارجه بل الصلاح من جوهره، لهذا فيُميز بالاسم: "قدوس" (إش 6: 3).] سادسًا: إن كان الرسول بطريق غير مباشر يقدّم نفسه مثلاً، يشعر خلال الحب الرسولي أنه كاهن يقدّم حياتهم الإيمانية تقدمة حب مقبولة لدى الله ومقدسة، يقدّمها لا لحساب نفسه بل لحسابهم، ليتمجّد الله فيهم بقبولهم، حتى يردّوا الحب بالحب، فيسندوه في خدمته للأمم بإتساع قلبهم واحتمالهم ضعفاتهم والصلاة عنهم والشهادة لله أمامهم. ربّما يتساءلون: وماذا تنتفع أنت بهذا العمل الكرازي؟ لذا يجيب، قائلاً: "فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله، لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء ممّا لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل" [17-18]. إن كانت الخدمة لحساب الآخرين لبنيانهم روحيًا في الرب فهي أيضًا لحساب الكارز أو الخادم فيتمجّد لا بذاته وإنما بنعمة الله العاملة فيه ككارز وفيهم كمخدومين، إذ يعمل الله بروحه القدوس فيه وفيهم. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم على لسان القدّيس بولس: [إنه يعني أنني أتمجّد لا بذاتي ولا بغيرتي وإنما بنعمة الله... انظر كيف يحاول بكل قوّة أن يظهر العمل كله لله ولا يُنسب شيئًا لنفسه. فما أنطق به أو أفعله أو أمارسه من معجزات الله هو العامل هذا كله، الروح القدس صانع الكل.] سابعًا: إذ يحثهم الرسول بولس على مساندته في خدمة الأمم بالصلاة كما بعمل المحبّة لكي يتمجّد الله فيهم يقدّم لهم نفسه مثلاً في خدمته، إنه منطلق للخدمة في غيرة بلا حدود للكرازة لا في البلاد الخاضعة لروما فحسب وإنما بين البرابرة أيضًا، لكن هذه الغيرة تلتحم بروح التواضع؛ فإن كان ينطلق من أورشليم ليخدم في كل موضع بالإنجيل حتى الليريكون، لكنه وهو يخدم لا ينطلق إلى حيث انطلق رسول آخر فيدخل على تعبه وينسب الناس النجاح إليه، بل يذهب إلى حيث لم يكرز الرسل حيث الطريق غير ممهّد والجهاد أصعب. "بقوّة آيات وعجائب بقوّة روح الله، حتى إني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح، ولكن كنت محترصًا أن أبشر هكذا، ليس حيث سُمي المسيح، لئلاّ أبني على أساس آخر" [19-20]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [قال هذا ليظهر نفسه إنه متغرب عن المجد الباطل، وليعلمهم إنه يكتب إليهم لا حبًا في المجد أو في تكريمهم له، وإنما لإتمام خدمته، وتحقيق كمال عمله الكهنوتي كمحبٍ لخلاصهم... ها أنت تراه يجري إلى حيث العمل الأكثر والتعب الأقسى.] يقول القدّيس جيروم: [انظر بولس الذي كان مضطهدًا في اليهوديّة، ها هو يكرز بين الأمم. إنه يحمل صليب المسيح كغالب يأسر الكل. لقد قهر العالم كله من المحيط حتى البحر الأحمر.] 4. شوقه لخدمتهم في روما كما أبرز الرسول إنه لم يكتب إليهم حبًا في مجده الذاتي بل في خلاصهم، ليبعث فيهم ذات الروح من جهة الشوق لخلاص الآخرين خاصة الضعفاء والأمميّين، الآن يؤكّد لهم أيضًا أنه منذ سنوات يشتاق إليهم لزيارتهم بدافع الحب لا المجد الزمني. يقول الرسول: "لذلك كنت أُعاق المرار الكثيرة عن المجيء إليكم، وأمّا الآن فإذ ليس لي مكان بعد في هذه الأقاليم، ولا اشتياق إلى المجيء إليكم، منذ سنين كثيرة فعندما أذهب إلى أسبانيا آتي إليكم، لأني أرجو أن أراكم في مروري، وتشيعوني إلى هناك أن تملأت أولاً منكم جزئيّا" [22-24]. ويلاحظ في كلمات الرسول هذه: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إن الرسول أبرز محبّته الشديدة لهم بشوقه لزيارتهم منذ سنوات، وفي نفس الوقت لم يعطهم مجالاً للكبرياء، إذ أوضح إنه يلتقي بهم عابرًا بهم أثناء رحلته إلى أسبانيا. فهم موضع حبه بحق، وغيرهم كأهل أسبانيا أيضًا موضع هذا الحب عينه، حتى أن زيارته لهم ستأتي عارضًا في طريقه، لكن ليس حُبّه عارضًا. لقد أثار مشاعر محبّتهم بفيض محبّته، بقوله أنه "يمتلئ بصحبتهم" هذه هي لغة الوالدين اللذين يجتذبان أولادهما إليهما... [إنه كأب ملتهب أنجب بحق ابنًا؛ هكذا كان يحب المؤمنين.] 5. فهمه لعطاء الأمم أعلن الرسول عن شوقه الشديد لزيارتهم، وقدّم عذرًا لتأجيله الزيارة إذ هو مضطر أن يذهب أولاً إلى أورشليم حاملاً معه عطاء الأمم لقدّيسي أورشليم الذين تعرّضوا لمجاعة، فقد سرّ مؤمنو مكدونية وآخائية الذين هم من أصل أممي أن يُحسبوا أهلاً لرد حب اليهود المتنصّرين في أورشليم بخدمتهم روحيًا بالحب بتقديم عطاءً ماديًا وقت عوزهم. "لأن أهل مكدونية وآخائية استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا للفقراء القدّيسين الذين في أورشليم، استحسنوا ذلك وإنهم لهم مدينون، لأنه إن كان الأمم قد اشتركوا في روحانياتهم يجب عليهم أن يخدموهم في الجسديات أيضًا" [26-27]. أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الرسول هنا لم يكن بقصد إثارة كنيسة روما للمساهمة في احتياجات القدّيسين في أورشليم الذين تعرضوا للمجاعة، وإلا كان قد زارهم للجمع للقديسين. إنما استغلّ هذا العطاء من جانب الكنائس التي معظم أعضائها من أصل أممي للكنيسة التي معظم أو كل أعضائها من أصل يهودي، ليُعلن دخول الكنيسة ككل في شركة حب. بهذا يثير الرسول كنيسة روما لا للعطاء المادي لكنيسة أورشليم، وإنما لانفتاح القلب لخدمة الأمم. ثانيًا: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل: أذهب لأحمل العطاء، بل "لأخدم" (دياكونس).] فإن كان الرسول العظيم لا يتطلّع إلى العطاء إلا كعمل روحي وخدمة وليس عملاً اجتماعيًا مجردًا، فكم بالأكثر تكون بهجته ليس حين يحمل عطاء ماديًا بل إنجيل الحق لأهل روما؟ لقد حسبت الكنائس عطاءهم "شركة"، علامة حب داخلي ووحدة، فحمل الرسول لا أموالهم ولا تقدماتهم المادية فحسب، إنما ما هو أعظم، حمل قلوبهم المملوء حبًا وروح الوحدة الذي فيهم مع بقية الأعضاء. ولهذا السبب حسب الرسول أنه يحمل كنزًا ملوكيًا محفوظًا بختم ملكي لا يستطيع أن يسلبه لص أو تحيق به مخاطر. ثالثًا: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم [يدعو الرسول ما يحمله "ثمرًا" [28] لا "عطاء" لأن ما يحمله إنما هو لنفع مقدميه، وثمرهم الروحي.] 6. جهادهم معه بالصلوات كان الرسول يبدو متهلّلاً من أجل ثمر الروح المعلن في كنائس الأمم التي قدمت لا عطاء ماديًا مجردًا بل ثمرًا متكاثرًا، علامة حب لإخوتهم في أورشليم. الآن يثير كنيسة روما لتساهم هي أيضًا في الخدمة لا بتقديم مال لاحتياجات القدّيسين وإنما لتقديم صلوات بجهادٍ عظيمٍ لدى الله من أجله لكي يتمّم الله رسالته فيه بالرغم من مقاومة البعض له. والعجيب إنه قبل أن يسألهم هذا الطلب كمن هو محتاج إلى جهادهم معه في خدمة الكرازة للأمم خلال الصلوات خشي لئلاّ يحسبوا أنفسهم ليسوا أهلاً لهذا العمل، لذا يقول: "وأنا أعلم إني إذا جئت إليكم سأجيء في ملء بركة إنجيل المسيح" [29]. وكأنه يقول عندما أجيء إليكم أجدكم أهلاً للمدح بلا حدود خلال الإنجيل، من أجل فيض أعمالكم المقدّسة المستحقّة كل تطويب. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن ما يقدّمونه من جهاد في الصلاة عنه لأجل الخدمة يأتي متناغمًا مع عمل السيد المسيح الخلاصي ومحبة الروح القدس، إذ يقول: "فأطلب إليكم أيها الإخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح، أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلي إلى الله" [30]. لذا فصلواتهم حتمًا تكون مقبولة وفعّالة، لأنها حسب إرادة الله الصالحة ومحبته الفائقة. 7. مقاومة غير المؤمنين له لا تقف خدمتهم النابعة عن اتساع قلوبهم بالحب نحو إخوتهم الذين من الأمم عند احتمال ضعفاتهم والشهادة لعمل الله الخلاصي أمامهم، وإنما أيضًا تمتد إلى الصلاة من أجل الكارزين حتى يخلّصهم الرب من مقاومة المعاندين. ويحسب الرسول نفسه أكثرهم احتياجًا للصلاة عنه من أجل شدّة المقاومة التي يجابهها، إذ يقول: "لكي أنقذ من الذين هم غير مؤمنين في اليهوديّة، ولكي تكون خدمتي لأجل أورشليم مقبولة عند القدّيسين" [31]. 8. خاتمة إذ يتحدّث عن المقاومة التي تصيبه من الأشرار، والتزام الكنائس أن تصلي من أجله، يصلي هو أيضًا من أجل الكل ليسندهم الله في جهادهم، إذ يقول: "إله السلام معكم أجمعين. آمين" [33]. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر الإصحاح السابق اهتم بوضع الأطعمة المحللة والمحرمة، واهتم بأن كل واحد لا يعثر أخيه ولا يدين أخيه بل نقدم المحبة علي المعلومات وأن نقبل الأشياء البسيطة ولكن هذا الكلام لا ينطبق علي العقائد، فلا يصح أن تقبل الكنيسة إيماناً مشوهاً بحجة المحبة، وكأمثلة لما يمكن أن نقبله بمحبة "من ضربك علي خدك الأيمن 0000" أي سامح فيما هو يخصك لا فيما يخص العقيدة "البتولية والزواج00" أختر ما تريد "وطوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه " من سخرك ميلاً فسر معه أثنين حتى تربح أخيك للإيمان. إذا ملخص الإصحاح السابق أن نتغاضى عن الأشياء الصغيرة التي عند الضعفاء المتشككين حتى نكسبهم للمسيح لكن ليس علي حساب الإيمان المسلَّم مرة للقديسين (يه3). ولكن هذا الإصحاح السابق يبدأ بما أسماه الرسول سر المسيح أي قبول الأمم في الكنيسة مع اليهود الذين يؤمنون. وطلب الرسول هنا أن يحيا الكل في محبة وتوافق وإنسجام (هارموني) فينسكب عليهم الروح القدس "هوذا ما أحسن وما أحلي أن يجتمع الأخوة معاً. مثل الدهن الطيب علي الرأس النازل علي اللحية. لحية هرون" (مز 1:133، 2). 1. الزيت (رمز للروح القدس ) والرائحة الزكية ( رمز للمسيح 2كو15:2). واللحية هي الكنيسة المجتمعة في محبة. تخرج منها إذاً رائحة المسيح الزكية التي تجذب الآخرين. 2. كل عضو في الكنيسة له عمل (نغمة معينة) فلو كان الكل لهم فكر واحد لكان الجميع في هارموني، الكل يعمل عمله فيخرج من هذه الكنيسة صوت المسيح الحلو– يجذب الآخرين. 3. كل واحد له موهبته، وهَبْ أن كل موهبة لها لون من ألوان الطيف فلو إهتم كل واحد أن يستخدم موهبته لمجد إسم المسيح لإجتمعت ألوان الطيف وخرج منها اللون الأبيض، لون المسيح شمس البر. هنا نري الكنيسة قد تجمعت من أمم ويهود والرسول يقول أنه علي الكنيسة أي كل عضو فيها أن يقبل الآخر بانفتاح قلب محتملين ضعف الضعفاء أياً كان ماضيهم فيخرج من الكنيسة صوت ورائحة ولون المسيح الحلو. آية (1):- " 1فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا. " نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ = الله هو الذي أعطانا الإيمان القوي وهذا دين علينا أن نسدده، بأن نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ = فالله نزل الينا يحمل ضعفنا ليرفعنا لكمال قوته وبهائه ومجده فلنحتمل نحن ضعف إخوتنا إن كان المسيح قد احتملنا وهو الذي لا يقصف قصبة مرضوضة (علي أن لا نقبل إيماناً مشوهاً) وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا = علينا أن لا نفعل فقط ما تحبه نفوسنا وما يرضيها. آية (2):- "2فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ الْبُنْيَانِ." علينا أن نفعل ما يرضي الآخرين ولما فيه خيرهم وبنيانهم (وليس لأجل الخطية) ونموهم في الفضيلة. آية (3):- "3لأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ، بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ». " المسيح لأجلنا تجسد وإفتقر وتألم ولم يكن له أين يسند رأسه، وعاش علي المساعدات، ورفض الملك، وأطاع حتى الصليب وغسل الأرجل.. هو أخلى ذاته محتملاً ضعفاتنا. فالذي له كل المجد قبل هذا أفلا أقبله أنا لأربح أخي. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ» 1. قالوا للمسيح علي الصليب إن كنت إبن الله أنزل.. خَلَّصَ آخرين ولم يقدر أن يخلص نفسه، فالمسيح إحتمل التعيير علي الصليب. 2. بل أن كل خطايا العالم هي موجهة لشخص الآب، وعلي الصليب إحتمل المسيح كل هذه التعييرات والإهانات التي وجهها العالم لشخص الآب. ومات المسيح مصلوباً ليحمل خطايا الجميع بالإضافة للتعييرات التي وجهت لشخص المسيح. والآية من (مز9:69،10). ومعني كلام بولس لهم أنكم أنتم الأقوياء صرتم هكذا أقوياء لأن المسيح إحتمل التعيير (للآب ولهُ) حاملاً ضعفكم وعار خطاياكم. إذاً فلنسند نحن الضعفاء كما فعل المسيح معنا. 3- بسبب خطايا اليهود كان الامم يسخرون من الههم وهذه تعييرات لله حملها المسيح علي صليبه . وحتي الان فكل خطايانا هي تعييرات يحمله ، لذلك قال " ليري الناس اعمالكم الصالحة فيمجدوا ابوكم الذي في السموات . آية (4):- "4لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِي الْكُتُبِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ. " 4لأَنَّ كُلَّ مَا كُتِبَ = هذا المزمور الذي أشار إليه في آية3 وغيره بل كل ما كتب في العهد القديم كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا. فالعهد القديم ليس مجموعة من القصص والأقوال، بل هو رمز للمسيح وشهادة له، لتعليمنا وتحذيرنا وتعزيتنا في وقت الألم ولنتمسك بالرجاء المقترن بالصبر والتقوية التي تعطيها الكتب المقدسة. الآيات (5-6):- "5وَلْيُعْطِكُمْ إِلهُ الصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ أَنْ تَهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا فِيمَا بَيْنَكُمْ، بِحَسَبِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ، 6لِكَيْ تُمَجِّدُوا اللهَ أَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَفَمٍ وَاحِدٍ." الرسول هنا يتوقف للصلاة ، فالكلام والوعظ بدون صلاة يصير بلا فائدة ولا فاعلية. فالوعظ يخاطب الأذن، أمّا الله فيخاطب القلب. ونلاحظ أن الرسول في آية4 نسب الصبر والتعزية للكتب المقدسة ونسبها هنا لله كمصدر لها، فهو إله الصبر والتعزية. فالمصدر هو الله، لكنهما يصلان أيضاً لنا عبر الكتاب المقدس. وصلاة بولس أن تَهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا = وهذه الكلمة تعني إنسجام الفكر بحيث لا يطغي فكر علي فكر. هذه الكلمة تعني هارموني (اهتماماً واحداً) والهارموني في الموسيقي هو أن يكون هناك عدة نغمات وعدة أصوات من آلات متعددة ولكنها كأنها صوت واحد، أي تعطي لحناً جميلاً من نغمات مختلفة لكنها متوافقة ولو لنا كلنا فكر المسيح، ولنا هدف واحد هو مجد المسيح يحدث هذا الإنسجام. فمثلاً هناك أنشطة متعددة للخدام داخل الكنيسة، ونجد كل خادم له نشاط يميزه ( ألحان / ترانيم / درس كتاب / تاريخ كنيسة / طقوس / إدارة / خدمة مرضي ومسنين / تدريس دروس مدرسية للطلبة..) لو الكل أدي دورة باحثاً عن مجد المسيح، وهذا هو الفكر الواحد يحدث الهارموني أو الإنسجام ويظهر المسيح في هذه الكنيسة. ولو حدث هذا نكون بِحَسَبِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ = أي وفق مشيئته .وبهذا تُمَجِّدُوا اللهَ = كما نصلي "ليتقدس اسمك" والله يتمجد لو كنا نخدمه ونعبده ونسبحه بروح واحد ولسان واحد، أي يكون لنا الفكر الواحد بلا شقاق ولا نزاع. بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ = تشير لوحدة الإرادة وهدف المسيح هو الوحدة بين المؤمنين (يو21:17-23). وَفَمٍ وَاحِدٍ = أي يكون هناك إعتراف بحق الله ونسبحه بالفم، هنا نري قلوب متحدة وأفواه متحدة بمحبة هدفها مجد الله، وهذا ما يطلبه الله. آية (7):- "7لِذلِكَ اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا، لِمَجْدِ اللهِ. " اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ = إن كان المسيح قَبِلَنَاَ فهل لا نقبل بعضنا البعض. المسيح سامحنا في 10.000وزنة فهل لا نسامح إخواتنا في 100 دينار. لمجد الله= أي أن المسيح قبلنا لنمجد الله (وبهذا نتمجد نحن في الدهر الآتي) والله يتمجد إن اعترفنا بالمسيح وآمنا به. إذاً ليقبل القوي الضعيف وليقبل الضعيف القوي، واليهود يقبلون الأمم والأمم يقبلون اليهود. آية (8):- "8وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ، مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ." خَادِمَ = المسيح أتى ليَخِدم لا ليُخدَم. خَادِمَ الْخِتَانِ = أي أن المسيح أكمل الناموس ونفذه وإختتن هو نفسه، وهو كان من اليهود الذين يختتنوا (هو جاء لخاصته ولكن خاصته لم تقبله) فكيف يُحْتَقَرْ اليهود والمسيح منهم وهو التزم بناموسهم. مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ = الله أعطي وعداً لإبراهيم وكان مجيء المسيح ليكمل هذا الوعد، وليحمل الغضب عن الساقطين الذين خانوا العهد من أولاد إبراهيم. في هذه الآية نري المسيح يقبل اليهود وفي الآيات القادمة نجده يقبل الأمم، إذاً إن كان المسيح قبل اليهود والأمم، وصار الجميع في المسيح فليقبل كل واحد الآخر. آية (9):- "9وَأَمَّا الأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«مِنْ أَجْلِ ذلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِي الأُمَمِ وَأُرَتِّلُ لاسْمِكَ»" هنا نري الله يقبل الأمم. وَأَمَّا الأُمَمُ فَمَجَّدُوا اللهَ = بإيمانهم بالمسيح. هم مجدوه من أجل مراحمه لهم إذ قبلهم= مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ = وهذا أيضاً سبق وأشار إليه سفر المزامير (18: 49) فهذا المزمور نبوة بأن الإنجيل سيكرز به وسط الأمم وسيسبح الأمم المسيح علي رحمته. سَأَحْمَدُكَ = هنا المسيح كرأس لكنيسته يتكلم باسم كنيسته من الأمم ويوجه شعبه لتسبيح وشكر الآب. آية (10):- "10وَيَقُولُ أَيْضًا:«تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ»" كان اليهود لا يسمحون للأمم أن يشتركوا معهم في أعيادهم، ولكنهم بالمسيح صار الكل شركاء في آلام وفرح الكنيسة، صاروا شركاء تسبيح لله (تث43:32) آية (11):- "11وَأَيْضًا:«سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَامْدَحُوهُ يَا جَمِيعَ الشُّعُوبِ» " هذه من( مز1:117). لقد سبح الأمم آلهتهم زماناً والآن يسبحون الله. آية (12):- "12وَأَيْضًا يَقُولُ إِشَعْيَاءُ:«سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيَسُودَ عَلَى الأُمَمِ، عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ»." هذه من( أش1:11). ونبوة إشعياء معناها أن يسي سيكون مثل الأصل الذي يتفرع منه نسل جديد، والمسيح الذي سيجيء من هذا الأصل سيؤمن به الأمم. والآيات من (أش1:11،10) (سبعينية). آية (13):- "13وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ." في الآيات السابقة (8-12) رأينا الله يقبل اليهود والأمم، الله قبلهما كليهما، فعليهما إذاً أن يقبلوا بعضهما البعض ويعيشوا في محبة وإذاً إمتلأ الجميع محبة سيمتلئ الجميع من الروح القدس الذي سيملأ الجميع فرح ورجاء. آية (14):- "14وَأَنَا نَفْسِي أَيْضًا مُتَيَقِّنٌ مِنْ جِهَتِكُمْ، يَاإِخْوَتِي، أَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَشْحُونُونَ صَلاَحًا، وَمَمْلُوؤُونَ كُلَّ عِلْمٍ، قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا." نلاحظ رقته في الحديث هنا بعد ان سبق وأنبهم وذلك ليشجعهم ويصفهم هنا بأنهم مَشْحُونُونَ صَلاَحًا بعد أن قال عن الأمم أنهم مملؤون من كل أثم (رو29:1-31) ولكن النعمة تغير من حال إلى حال. وبالرغم من أنه سمع عنهم فقط نجده يقول أنه متيقن، "فالمحبة تصدق كل شيء" (1كو7:13). ونسب لهم موهبة الكلام والوعظ قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. آية (15):- "15وَلكِنْ بِأَكْثَرِ جَسَارَةٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ جُزْئِيًّا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كَمُذَكِّرٍ لَكُمْ، بِسَبَبِ النِّعْمَةِ الَّتِي وُهِبَتْ لِي مِنَ اللهِ،" بِأَكْثَرِ جَسَارَةٍ = هذه نابعة من شدة الغيرة والمحبة لهم. جُزْئِيًّا = ترجمتها في بعض الأجزاء من الرسالة، أي أنه كان متجاسراً عليهم في بعض أجزاء الرسالة ( خصوصاً الإصحاحات1-3 ) كَمُذَكِّرٍ لَكُمْ = لاحظ تواضع الرسول فهو يقول لهم أنتم تعرفون كل ما كتبته، إنما كتبته لأذكركم ونحن للآن وبعد 2000 سنة نحاول أن نفهم هذه الرسالة. آية (16):- "16حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيَكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ." هي إمتداد لآية15 فالنعمة التي وهبها الله له، وهبها له لكي يخدم الأمم =16حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ0 كَكَاهِنٍ = بولس كاهن مُنِحَ سر الكهنوت بوضع الأيدي بعد أن إختاره الله هو وبرنابا (أع2:13،3) وهو إستغل فكرة أنه كاهن، والكاهن عمله أن يقدم ذبائح ( دموية في العهد القديم ، وإفخارستية في العهد الجديد) وقال أنه يقدم الأمم ذبائح حية بسكين عقلية ( العبادة العقلية). بولس هنا يصور علي أنه يقدم الأمم ذبيحة بكلمة الله التي هي سيف ذي حدين (عب12:4) تعمل عملها في الإنسان وتحوله لذبيحة حية مقدسة مقبولة لدي الله لذلك يُصوَّر بولس الرسول في الغرب وهو ممسكاً في يده سيف الذي هو سيف الكلمة، يقدم الأمم به ذبيحة ليصيروا مَقْبُولاً بِالرُّوحِ الْقُدُسِ = أي ليس فقط إيمانهم بل بسلوكهم بالروح. الآيات (17-18):- "17فَلِي افْتِخَارٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَةِ مَا ِللهِ. 18لأَنِّي لاَ أَجْسُرُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَسِيحُ بِوَاسِطَتِي لأَجْلِ إِطَاعَةِ الأُمَمِ، بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ،" فَلِي افْتِخَارٌ فِي الْمَسِيحِ = بولس يفتخر بكهنوته وخدمته التي أعطاها له الله، ولا يفتخر بنفسه، وعمله الذي يفتخر به هو كهنوته وكرازته وأن الله إئتمنه علي هذه الخدمة وإعتبر هذا كرامة له أنه يعمل عند الله. قصة: ذهب كاهن حديث لأبيه الروحي يتحدث في ندم عن تركه عمله الذي في العالم إذ كان عمله مهماً، فقال له أبوه الروحي: "ماذا تركت لقد تركت نفاية، وأخذت مجد خدمة المذبح وحمل جسد المسيح بين يديك" بولس هنا لا ينظر للإهانات التي توجه له الآن بل ينظر في إيمان ورجاء للمجد المعد له. وقوله فِي الْمَسِيحِ يشير لأن المسيح وحده هو الكاهن الحقيقي وليس كهنوت سوي في المسيح. ولا يوجد راعي سوى في المسيح ولأجل المسيح، يسوع هو الكاهن الأعظم الحقيقي ونحن الكهنة ليس إلاّ أدوات في يده. مِنْ جِهَةِ مَا ِللهِ = العمل والكرازة والخدمة وخلاص النفوس، كل هذا هو عمل الله، والله أيد البشارة والكرازة. آية (19):- "19بِقُوَّةِ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ، بِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ. حَتَّى إِنِّي مِنْ أُورُشَلِيمَ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى إِللِّيرِيكُونَ، قَدْ أَكْمَلْتُ التَّبْشِيرَ بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ." بِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ = هذه التي جعلت الكرازة فعالة إِللِّيرِيكُونَ = إقليم واقع شرق بحر الإدرياتيك غالباً بلغاريا. هو يشرح ويقدم لهم خدمته ليصلوا عنه. ونلاحظ أن الله أيده ودعمه بواسطة عمل معجزات أيضاً. آية (20):- "20وَلكِنْ كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ الْمَسِيحُ، لِئَلاَّ أَبْنِيَ عَلَى أَسَاسٍ لآخَرَ." هو لا يطلب الشهرة أو المجد أو الخدمة السهلة. بل هو يتمني أن يكون أداة في يد الله لتصل كلمة الكرازة لكل العالم الوثني الذي لم يصل إليهم أحد قبله. هو لا يريد أن يتعدي حقوق الآخرين ويسلب إستحقاقاتهم وأتعابهم. وبناء علي هذه الآية فبطرس إذاً لم يكن موجوداً في روما، ولا هو أسس كنيسة روما. آية (21):- "21بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «الَّذِينَ لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ سَيُبْصِرُونَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا سَيَفْهَمُونَ»." أنني أبشر بالإنجيل وسط الأمميين وعابدي الأوثان ليصل الإنجيل لكل إنسان وتتحقق نبوة إشعياء (إش15:52) لذلك فأنا أبحث عن المكان الذي لم يبشر فيه بإسم المسيح لأذهب له. آية (22):- "22لِذلِكَ كُنْتُ أُعَاقُ الْمِرَارَ الْكَثِيرَةَ عَنِ الْمَجِيءِ إِلَيْكُمْ." هنا يعبِّر لهم الرسول عن اشتياقه للذهاب إليهم في روما. ولكن الله كان يكلفه بالكرازة في أماكن أكثر احتياجاً للكلمة من روما. فالعناية الإلهية تتحكم في أمور الخدمة والكرازة. فالله يعرف من هو الأكثر إحتياجاً. الله كان يعرف أن في روما أناساً يعرفون المسيح، لكن هناك أماكن كثيرة مازالت لم تسمع عن المسيح. آية (23):- "23وَأَمَّا الآنَ فَإِذْ لَيْسَ لِي مَكَانٌ بَعْدُ فِي هذِهِ الأَقَالِيمِ، وَلِي اشْتِيَاقٌ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْكُمْ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ،" كان الرسول يتكلم من اليونان، و يري أنه بشر في معظم أقاليمها، وله إشتياق الآن أن يذهب إلى روما عاصمة العالم الوثني آنذاك. آية (24):- "24فَعِنْدَمَا أَذْهَبُ إِلَى اسْبَانِيَا آتِي إِلَيْكُمْ. لأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَرَاكُمْ فِي مُرُورِي وَتُشَيِّعُونِي إِلَى هُنَاكَ، إِنْ تَمَلاَّءْتُ أَوَّلاً مِنْكُمْ جُزْئِيًّا. " فَعِنْدَمَا أَذْهَبُ إِلَى اسْبَانِيَا = كانت نيران الكرازة تلتهب في داخله ويريد أن يخدم الإنجيل في كل العالم. تَمَلاَّءْتُ = هي كلمة تقال من الأب والأم لأولادهما وتعبر عن شدة المحبة وتعني أريد أن أملأ عيني منكم وتعني أنني سأستمتع بلقائكم. جُزْئِيًّا = تعني أنه مهما أقام في وسطهم فإنه لا يمكن أن تشبع نفسه من رؤيتهم، ومهما نظر لهم فإن شبعه سيكون جزئياً. آية (25):- "25وَلكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ، " لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ = لم يقل لأعطيهم فما يفعله هو خدمة، وهو بهذا يعتذر عن أنه لم يأتي إلى روما بسبب إنشغاله بخدمة فقراء أورشليم الذين سُلِبَتْ أموالهم هنالك (عب34:10). فليس غريباً أن يكون هناك فقراء في أورشليم. وربما نشأ هذا عن مجاعة حدثت أيام كلوديوس قيصر (أع28:11-30). وهذه المجاعة أثرت خصوصاً علي إسرائيل. آية (26):- "26لأَنَّ أَهْلَ مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَصْنَعُوا تَوْزِيعًا لِفُقَرَاءِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ." اسْتَحْسَنُوا = أي فعلوا هذا بدون ضغط. يَصْنَعُوا تَوْزِيعًا = شركة القديسين. وأليس غريباً أن يكون القديسين فقراء، حقاً كثيراً ما يغضب العالم عمن يرضي عنهم الله. وكان بولس سوف يحمل هذه الهبات والعطايا إلى أورشليم. ولكنه هو هنا لا يدعوهم للعطاء من أجل أورشليم، وإلا لكان قد ذهب إلى روما أولاً. لكن الرسول يقصد أن يشرح لأهل روما مفهوم الجسد الواحد بين اليهود والأمم. فأهل مكدونية وأخائية (إقليمين يكونان معاَ اليونان) وهم من الأمم يشتركون مع أهل أورشليم وهم يهود أصلاً وذلك ليتعلم أهل روما أمماً ويهود أن يتعايشوا بمحبة. آية (27):- "27اسْتَحْسَنُوا ذلِكَ، وَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَدْيُونُونَ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الأُمَمُ قَدِ اشْتَرَكُوا فِي رُوحِيَّاتِهِمْ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوهُمْ فِي الْجَسَدِيَّاتِ أَيْضًا." اسْتَحْسَنُوا = بحريتهم وليس من رجاء لبولس لهم ولا بإيحاء منه. هذا فضل منهم، ومن ناحية أخري فإن أهل مكدونية مديونون لأهل أورشليم الذين هم يهود أصلاً، فمن اليهود خرج المسيح والأنبياء والكتب المقدسة والتلاميذ والرسل، وانحدرت النعمة لكل العالم وللأمم. لذا صار واجباً علي الأمم أن يشتركوا في إحتياجات أورشليم المادية لأنهم نالوا من خيرات أورشليم الروحية. آية (28):- "28فَمَتَى أَكْمَلْتُ ذلِكَ، وَخَتَمْتُ لَهُمْ هذَا الثَّمَرَ، فَسَأَمْضِي مَارًّا بِكُمْ إِلَى اسْبَانِيَا. خَتَمْتُ= تعني:- 1. أنهيت وأكملت لهم هذه الخدمة. 2. الرسول كان سيختم علي وثيقة أمام شهود لأهل أورشليم بأنه سلمهم هذه الأموال، حتى لا يتشكك أحد في نزاهته. ويكون بعد ذلك قد أتم مسئوليته. هذَا الثَّمَرَ = هذه العطايا هي ثمار إيمان الأمم. هي إحدى ثمار برَّهُمْ الذي بالإيمان، ثمار محبتهم التي نالوها بالروح القدس. اسْبَانِيَا = بولس شعلة نشاط يريد أن يوصل الرسالة لكل العالم. آية (29):- "29وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي إِذَا جِئْتُ إِلَيْكُمْ، سَأَجِيءُ فِي مِلْءِ بَرَكَةِ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ. " بَرَكَةِ الإِنْجِيلِ تشمل= ( كلمة بركة تشير لعطايا الله الحلوة للمؤمن ) التعرف علي شخص المسيح= فالإنجيل هو كلمة الله، والمسيح هو كلمة الله، فحينما نسمع كلمة الله المكتوبة في الإنجيل ونقرأها نكتشف شخص المسيح فنعرفه ونحبه وتملأ محبته القلب فيمتلئ القلب فرحاً عجيباً. ومن يحبه يحفظ وصيته ويسلك في الفضيلة، ويسكن عنده الآب والابن ( يو23:14). انفتاح الذهن= لفهم كلام الإنجيل، لأن المكتوب مكتوب بالروح، ولا يكشف معني المكتوب بالروح إلاّ ذهن مفتوح بالروح القدس (لو45:24) وحينما يصرخ الشماس عند قراءة الإنجيل "بركاته تكون مع جميعنا آمين" فهو صراخ أن ينسكب الروح فنفهم وندرك قوة الفداء والخلاص والتبني والمصالحة، وحب الله، فالإنجيل يحمل رسالة الخلاص. ومن يفهم يرتفع إيمانه ويتشدد رجاءه وتتقوي عزيمته علي مواجهة صعاب العالم. فاعلية الكلمة= الكتاب المقدس هو مرآة تكشف عيوبنا وخطايانا، وكلمة الله كسيف ذي حدين بها نولد من جديد ( عب4: 12+ 1بط1: 23 ) والمعني أن لها قوة علي بتر محبة الخطية داخل القلب فنكون كمن ولدنا من جديد بطبيعة جديدة. وهذا أهمية المداومة علي قراءة الكتاب المقدس. فالكلمة تحمل قوة الروح والحياة (يو63:6). هي تتفاعل مع الإنسان وتحرك ضميره فيكشف عيوبه وتبدأ الدينونة الذاتية، ويبدأ الروح القدس في التبكيت، ويذهب الإنسان ليعترف، الكلمة يكون لها سلطان علي النفس وتسود بقوتها وقداستها فيتغير الذهن ويتجدد ويتغير شكل الإنسان إلى صورة المسيح ليتوافق مع الحياة المدعو إليها. وبولس يؤكد لأهل رومية أنه حينما يأتي إليهم سينالوا جميعاً ملء بركة الإنجيل وينمو الجميع في الإيمان والفضيلة، وهذا يتفق مع ما قاله في (رو11:1) لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم". آية (30):- "30فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَبِمَحَبَّةِ الرُّوحِ، أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِي فِي الصَّلَوَاتِ مِنْ أَجْلِي إِلَى اللهِ،" مَحَبَّةِ الرُّوحِ = المحبة التي أثمرها الروح القدس في نفوسكم. أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِي فِي الصَّلَوَاتِ = الصلوات المتبادلة هي دليل المحبة. والمحبة دليل عمل الروح لذلك نحن نؤمن بالشفاعة، هم يصلون عنا ونحن نصلي عنهم. ولاحظ أن الرسول يصلي عنهم (1: 9،10+ 15: 33). وهنا يطلب صلواتهم . بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أطلب منكم بإسم المسيح. ولاحظ أن الرسول يعتبر أن الصلاة هي جهاد روحي= أَنْ تُجَاهِدُوا. والصلاة بعضنا لبعض هي ما يسمي الشفاعة التوسلية. آية (31):- "31لِكَيْ أُنْقَذَ مِنَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَلِكَيْ تَكُونَ خِدْمَتِي لأَجْلِ أُورُشَلِيمَ مَقْبُولَةً عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ، " لِكَيْ أُنْقَذَ = فالروح القدس أعلن له، ما سيحدث له في أورشليم وكانت زيارته هذه لأورشليم هي الزيارة الأخيرة حيث ألقوا القبض عليه فهو كان شاعراً بكل المخاطر المقدم عليها. لذلك طلب الصلاة لأجله. لِكَيْ تَكُونَ خِدْمَتِي مَقْبُولَةً = كان الرسول خائفاً أن لا يكون مقبولاً عند القديسين مسيحيي أورشليم الذين هم يهوداً أصلاً بسبب تحرره من الناموس. آية (32):- "32حَتَّى أَجِيءَ إِلَيْكُمْ بِفَرَحٍ بِإِرَادَةِ اللهِ، وَأَسْتَرِيحَ مَعَكُمْ. " سيذهب إليهم في روما فرحاً إذا قبلوا خدمته في أورشليم. آية (33):- "33إِلهُ السَّلاَمِ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. آمِينَ." كما طلب منهم أن يصلوا لأجله، هاهو يصلي لأجلهم ليكون بينهم سلام. كما يصلي الكاهن قائلاً إيريني باسي (السلام لكم) ويرد الشعب ولروحك أيضاً (كيطو بنيفما تي سو).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الخَامِسُ عَشَرَ محبتنا للآخرين واشتياق ومدح بولس لأهل رومية h E h (1) القوى فى الإيمان هو من يحتمل الآخر (ع 1-7): 1فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِىَ أَنْفُسَنَا. 2فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ لأَجْلِ الْبُنْيَانِ. 3لأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ، بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَىَّ. 4لأَنَّ كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ، كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ بِمَا فِى الْكُتُبِ، يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ. 5وَلْيُعْطِكُمْ إِلَهُ الصَّبْرِ وَالتَّعْزِيَةِ أَنْ تَهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا فِيمَا بَيْنَكُمْ بِحَسَبِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ، 6لِكَىْ تُمَجِّدُوا اللهَ أَبَا رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَفَمٍ وَاحِدٍ. 7لِذَلِكَ اقْبَلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا قَبِلَنَا لِمَجْدِ اللهِ. ع1: يبدأ القديس بولس أصحاحه بآية تلخص الأصحاح السابق، وهو أن القوى فى إيمانه ومحبته لله يتنازل عن ما يريح ويرضى نفسه حتى لا يتعب الضعيف فى الإيمان، بل ويحتمل بطول أناة ويستوعب بقلب متسع أفكار وآراء ضعفاء الإيمان. وهذا عكس فكر العالم الذى يظن أن من يحتمل هو إنسان ضعيف بلا شخصية. يتحقق هذا الكلام عملياً بأن يتواضع الخادم أو الوالدان أمام المخدوم أو الأبناء، فيستمعون لآرائهم بهدوء وحب دون أن يهاجموهم أو يفحموهم بعظم الكلام، ومع الوقت سيجدون الفرصة لتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة فى هدوء. ع2: إذاً فليفكر كل واحد كيف سيربح الآخر بلا أنانية. ولكن إلى أى حد أرضى الآخر؟ الفيصل هو الحيز والبر، بمعنى أن الخدام يقبلون آراء المخدوم أو آراء الآخر ما دامت لا تتعارض مع الخير والصلاح، وليس المطلوب أبداً أن تتنازل الكنيسة وتتهاون وتتسيب فى مفاهيم قد تؤدى بالمخدوم إلى الهلاك، وإلا فقدت الكنيسة قداستها وتشبهت بالعالم وفقدت المخدوم أيضاً إلى الأبد. ع3: إن كان العالم اليوم يعلم الإنسان أن يحيا مرضياً لنفسه بأنانية شديدة حتى لو تضرر الآخر، فالسيد المسيح لم يعلمنا هذا، بل نظر إلى ما يرضينا أى الخلاص والفداء، واحتمل الآلام والإهانات لأجلنا حتى أنه صرخ إلى الآب قائلاً كل الإهانات التى يريد رافضوك قولها لك قد أهانونى بها وأنا مصلوب على الصليب. ع4: الآية السابقة وكل آيات العهد القديم مكتوبة ليس كتاريخ، ولكن لكى نتعلم كيف نسلك سلوكاً روحياً بتألمنا من أجل الآخرين. فكلمة الله المكتوبة فى الكتاب المقدس تعزينا وتعطينا صبراً على آلامنا، فنستطيع أن نحتمل آلام الحاضر على رجاء أن أتعابنا ستؤول للمجد فى النهاية. ع5: يعد الله أن يسند أولاده بالصبر والتعزية الداخلية، حتى يستمروا فى محبتهم للكل وطلب خلاصهم. إن الذى يرضى غيره على حساب نفسه، يفتح له الله طاقات غير محدودة وتعويضات لا تعد وحتى الصبر نفسه يصير سهلاً. فكم سمعنا فى تاريخ كنيستنا الزاخر عن قديسين احتملوا الآخرين بصبر وفرح. ع6: قلبا واحدا: مشاعر محبة تجمع الكل. فما: فكرا وتعليما واحدا. وبهذا تتخلصون من الانشقاق فى الكنيسة، فتصيرون قلبا وفما واحداً وهكذا يتمجد اسم المسيح عندما يرى العالم أولاده وحدة واحدة بلا انشقاق. ع7: إن كان المسيح القدوس الكامل قد قبلنا نحن الخطاة الدنسين رغم الفارق الشاسع بيننا وبينه، فكم بالحرى نحن البشر الخطاة الضعفاء ينبغى أن نقبل إخوتنا الضعفاء بحب مهما كانت حالتهم أو أخطاءهم. لا تنس هدفك الوحيد وهو خلاص نفسك والآخرين. وتنازل عن راحتك ورغباتك لتكسب المحيطين بك. فوسط عالمنا الأنانى تتجلى المحبة التى يحتاجها الكل. قدم محبتك، ولو بابتسامة أو كلمة تشجيع صغيرة، وصلِ من أجل الكل. (2) قبول اليهود والأمم (ع 8-13): 8وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ الْخِتَانِ مِنْ أَجْلِ صِدْقِ اللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ الآبَاءِ. 9وَأَمَّا الأُمَمُ، فَمَجَّدُوا اللهَ مِنْ أَجْلِ الرَّحْمَةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَأَحْمَدُكَ فِى الأُمَمِ، وَأُرَتِّلُ لاِسْمِكَ 10وَيَقُولُ أَيْضًا: تَهَلَّلُوا أَيُّهَا الأُمَمُ مَعَ شَعْبِهِ 11وَأَيْضًا: سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَامْدَحُوهُ يَا جَمِيعَ الشُّعُوبِ 12وَأَيْضًا يَقُولُ إِشَعْيَاءُ: سَيَكُونُ أَصْلُ يَسَّى وَالْقَائِمُ لِيسُودَ عَلَى الأُمَمِ، عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ. 13وَلْيَمْلأْكُمْ إِلَهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِى الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِى الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ع8-10: الختان: أى اليهود. اليهود والأمم متساوون من حيث أن المسيح خدم كليهما بتقديم الخلاص لهما، لا لفضل فيهم، فاليهود خلصهم من أجل وعده لآبائهم أنه سيخلص نسلهم بالرغم من كثرة عصيانهم، والأمم قد سبق وأشارت النبوات (مز18: 49)، (تث32: 43)، والتى استشهد بها القديس بولس فى (ع 9، 10) على التوالى إلى أن الله سيرحمهم لأنه إله حب ورحمة ورأفة، مع أنهم غير مستحقين لأجل كثرة خطاياهم. ع11-12: أصل يسى: السيد المسيح يسود عليكم: ملككم. يؤكد أيضاً فرح الأمم لأن الله خلصهم كما جاء فى (مز117: 1). ليس ذلك فقط بل أن السيد المسيح سيكون ملككم (إش11: 10)، أى يملك على قلوبكم وأفكاركم، وستنتهى حالة العداوة بينكم وبينه وتتحول إلى رجاء فيه أى ثقة بأن يحبكم ويخلصكم. وقد اختص بالآيتين (11، 12) الأمم، ليمحو من قلوبهم أى إحساس بالنقص بالمقارنة باليهود. من عظائم رحمة الله أن كل إنسان موضوع فى خطة الله للخلاص، حتى البعيدين الذين لم تُتَاح لهم فرصة التعليم الروحى فى صغرهم سيأتى يوم تفتقدهم نعمة وعمل الله بقوة، فترحمهم وتعيدهم إلى أحضانه إن هم أرادوا. فاهتم بأن تظهر المسيح للبعيدين وتدعوهم للكنيسة وتصلى لأجلهم مهما كان شرهم واضحاً، فالله يبحث عن خلاصهم بل وقادر أن يحولهم إلى قديسين. ع13: أخيراً يدعو لهم القديس بولس أن تؤازرهم نعمة الروح القدس، ليثبتوا ويزداد رجاءهم ويقينهم بالمسيح، فيفرحون بحياتهم مع الله ويشعرون بالسلام. (3) امتداح أهل رومية (ع 14-19): 14وَأَنَا نَفْسِى أَيْضًا مُتَيَقِّنٌ مِنْ جِهَتِكُمْ يَا إِخْوَتِى، أَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَشْحُونُونَ صَلاَحًا، وَمَمْلُوؤُونَ كُلَّ عِلْمٍ، قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. 15وَلَكِنْ، بِأَكْثَرِ جَسَارَةٍ، كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ جُزْئِيًّا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كَمُذَكِّرٍ لَكُمْ بِسَبَبِ النِّعْمَةِ الَّتِى وُهِبَتْ لِى مِنَ اللهِ، 16حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. 17فَلِى افْتِخَارٌ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَةِ مَا لِلَّهِ. 18لأَنِّى لاَ أَجْسُرُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ شَىْءٍ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَسِيحُ بِوَاسِطَتِى لأَجْلِ إِطَاعَةِ الأُمَمِ، بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، 19بِقُوَّةِ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ بِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ. حَتَّى إِنِّى، مِنْ أُورُشَلِيمَ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى إِللِّيرِيكُونَ، قَدْ أَكْمَلْتُ التَّبْشِيرَ بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ. ع14: فى اتضاع، يمتدح بولس الرسول أهل رومية حتى لا يظنوا أنه يقسو عليهم ويعتبرهم خطاة، بل يوضح أنهم فى نظره قد وصلوا إلى مستوى عالٍ فى الصلاح والعلم، وأن منهم أناس على درجة عالية من القداسة، فيستطيعون أن يعظوا ويوبخوا المخطئين من أهل رومية لأجل خلاصهم. ع15: بأكثر جسارة: تجرأ بولس وتكلم عن أعماق جديدة فى الإيمان، إذ رأى أن مستوى إيمان المؤمنين فى رومية يحتمل هذا الكلام العميق. جزئيا: فى بعض أجزاء الرسالة. لماذا كتب الرسول لهم إذا؟ ليذكرهم ببعض حقائق الإيمان، وهذا أسلوب لطيف ومتضع من بولس أن يعتبر كلامه مجرد تذكير لهم لأنهم عارفون كل شىء. ع16: هذا الكمال يجعلهم بلا عيب. ثم قال وهنا فقط أستطيع أنا بولس خادم الأمم أن أقف أمام يسوع المسيح كالكاهن الذى يقدم ذبائح. ولكن بدلا من أن أقدم قربانا مقدساً من الدقيق وبلا عيب، أقدمكم أنتم إلى الله إذ أن قلبكم وفكركم وحياتكم قد تقدست بالروح القدس وصارت مستحقة أن تقدم لله مثل القربان الذى بلا عيب. ع17: عندما أقول أننى خادم الأمم لا تظنوا إننى افتخر بنفسى، فالمجد والفخر كله يرجع للمسيح يسوع، الذى قوانى من جهة خدمة الأمم، التى صارت من نصيبى من قبل خطة الآب. ع18: أنا لا أتجرأ أن أنسب الفضل لنفسى؛ لأن الفضل كله يرجع إلى عمل المسيح فى كلامى وأفعالى، حتى يعود الأمم لطاعة الله. ع19: الليريكون: شمال غرب مكدونية فى اليونان حالياً. صنع المسيح بواسطتى أنا الضعيف معجزات وعجائب بقوة روحه القدوس، حتى استطاع الله أن يعمل بضعفى ويُوصل البشارة إلى المنطقة الواقعة بين أورشليم والليريكون. لاحظ أيها الحبيب أنه كلما اتضع الخادم وشعر بضعفه، عمل به الله قوات وعجائب كثيرة. فاشكر الله بعد كل عمل تعمله، واطلب معونته قبل كل شىء. (4) حدود الخدمة (ع 20-21): 20وَلَكِنْ، كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هَكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّى الْمَسِيحُ، لِئَلاَّ أَبْنِى عَلَى أَسَاسٍ لآخَرَ. 21بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: الَّذِينَ لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ سَيُبْصِرُونَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا سَيَفْهَمُونَ. ع20: سمى المسيح: تم التبشير بالمسيح. أساس لآخر: أحد الرسل يكون قد بشر فى مكان وأسس كنيسة هناك. كنت حريصاً أن أبشر فى مناطق لم تصلها البشارة من قبل بواسطة رسول آخر، حتى لا أسلب الرسل الباقين حقوقهم. فكل رسول له منطقة ليكرز فيها ويجنى ثمرها. وهذا تدقيق واتضاع من بولس بمراعاة مشاعر باقى الرسل، ولكن ليس خطأ أن يبشر رسولان فى مكان واحد. إن كان التعاون بين الخدام أمر مفيد وضرورى، ولكن من ناحية أخرى فليكن لكل خادم خدمته يركز فيها لئلا يضايق الآخر بتدخلاته. فابحث عن الخدمة المهملة أو النفوس البعيدة، ولا تجرى وراء الخدمات الظاهرة والممدوحة من الآخرين حبا فى الظهور. ع21: يقر بولس الرسول أنه قد بشر فى أماكن لم تسمع عن المسيح من قبل، وبهذا رأوا وسمعوا عن المسيح وذلك إتماما لنبوة إشعياء (52: 15). (5) اشتياق بولس لزيارتهم (ع 22-33): 22لِذَلِكَ كُنْتُ أُعَاقُ الْمِرَارَ الْكَثِيرَةَ عَنِ الْمَجِىءِ إِلَيْكُمْ. 23وَأَمَّا الآنَ، فَإِذْ لَيْسَ لِى مَكَانٌ بَعْدُ فِى هَذِهِ الأَقَالِيمِ، وَلِى اشْتِيَاقٌ إِلَى الْمَجِىءِ إِلَيْكُمْ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ، 24فَعِنْدَمَا أَذْهَبُ إِلَى اسْبَانِيَا آتِى إِلَيْكُمْ. لأَنِّى أَرْجُو أَنْ أَرَاكُمْ فِى مُرُورِى، وَتُشَيِّعُونِى إِلَى هُنَاكَ إِنْ تَمَلأْتُ أَوَّلاً مِنْكُمْ جُزْئِيًّا. 25وَلَكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ، 26لأَنَّ أَهْلَ مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَصْنَعُوا تَوْزِيعًا لِفُقَرَاءِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِى أُورُشَلِيمَ. 27اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَدْيُونُونَ! لأَنَّهُ، إِنْ كَانَ الأُمَمُ قَدِ اشْتَرَكُوا فِى رُوحِيَّاتِهِمْ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوهُمْ فِى الْجَسَدِيَّاتِ أَيْضًا. 28فَمَتَى أَكْمَلْتُ ذَلِكَ، وَخَتَمْتُ لَهُمْ هَذَا الثَّمَرَ، فَسَأَمْضِى مَارًّا بِكُمْ إِلَى اسْبَانِيَا. 29وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّى إِذَا جِئْتُ إِلَيْكُمْ، سَأَجِىءُ فِى مِلْءِ بَرَكَةِ إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ. 30فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَبِمَحَبَّةِ الرُّوحِ، أَنْ تُجَاهِدُوا مَعِى فِى الصَّلَوَاتِ مِنْ أَجْلِى إِلَى اللهِ، 31لِكَىْ أُنْقَذَ مِنَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ فِى الْيَهُودِيَّةِ، وَلِكَىْ تَكُونَ خِدْمَتِى لأَجْلِ أُورُشَلِيمَ مَقْبُولَةً عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ، 32حَتَّى أَجِىءَ إِلَيْكُمْ بِفَرَحٍ بِإِرَادَةِ اللهِ، وَأَسْتَرِيحَ مَعَكُمْ. 33إِلَهُ السَّلاَمِ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ، آمِينَ. ع22-24: رغب بولس مرات كثيرة أن يزور رومية ولكنه فى كل مرة كان يتعطل عن زيارتهم، وأما الآن فحيث أنه قد أتم تبشير وزيارة الأقاليم التى أرادها فى خطته، فلم يعد يتبقى إلا روما ليزورها. لذلك سيأتى إليهم، وبعد أن يشبع منهم جزئيا سينطلق إلى أسبانيا، إذ أنه لن يشبع منهم أبداً. ع25-27: قبل أن يأتى بولس إلى روما، سيذهب أولا إلى أورشليم ليخدم المؤمنين المحتاجين، إذ قد جمعت تبرعات من مناطق مكدونية وآخائية، وهى مدن أممية، لتعطى لأهل أورشليم وهذه محبة وفضل منهم. ولكن يُعتبر هذا من وجهة نظره رداً للجميل، فكما أشرك اليهود الأمم فى روحانياتهم، هكذا يشاركهم الأمم فى الاحتياجات المادية. ع28: عندما أنتهى من هذه التقدمة التى هى ثمرة المحبة من الأمم لليهود، سيمر عليهم أثناء طريقه إلى أسبانيا. ع29: عندما يأتى إليهم سيجدهم فى درجة عالية من الحياة الروحية المملوءة بركة، إذ يكونوا قد تركوا انشقاقاتهم وتدربوا على فعل المحبة وقبول الآخر. ع30-31: فى اتضاع واحتياج يطلب إليهم أن يصلوا لأجله ومعه باجتهاد ومثابرة، لأنه مقدم على تجربة صعبة وهى مواجهة اليهود الغير مؤمنين فى أورشليم، الذين سيدبرون المكائد له، وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد. وهو يطلب الصلاة لا لكى ينجو من الأتعاب فهو لا يهمه الأتعاب، ولكن يصلى لكى تنجح الخدمة التى هى مشتهى قلبه، وأن يقبل أهل أورشليم تقدمة الحب المقدمة من الأمم. ولذلك تصلى الكنيسة دائماً من أجل رعاتها، الأب البطريرك والأساقفة والكهنة والخدام، ليتمم الرب خدمتهم. ع32: بهذا يفرح قلبى باتمام الخدمة ولقائكم الذى كنت أشتاق إليه. ع33: أخيرا يدعو لهم أن يكون الله معهم فى كل أمور حياتهم، ذاك الذى هو ملك السلام، معطى السلام لكل من يتبعه. اهتم أن تقدم محبة لكل محتاج، فتتعود صنع الخير، بل وتشتاق أن تلتقى بكل إنسان لتعطيه حبك. فحينئذ تفيض عليك محبة الله ورحمته، فيزداد عطاؤك حتى تصير حياتك كلها حب لكل أحد.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح