كلمة منفعة
إذا أردت أن تكون عادلًا في أحكامك على الناس. ينبغي باستمرار أن تستمع إلى الطرف الآخر، ولا تأخذ الحقائق من جانب واحد فقط.
— الطرف الآخر
الرسالة إلى أهل رومية 14
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 14
روميه
الإصحاح رقم 14
الأصحاح الرابع عشر
المؤمن والإخوة
الكنيسة مستشفى لعلاج كل مريض وليست محكمة لإدانة الناس، لذا يليق بالمسيحي أن يترفّق بأخيه الضعيف في الإيمان ليسنده بروح الحب لا الإدانة، حتى يسير الكل في طريق الخلاص، وينعم الكل بالشركة مع الله.
1. قبول الضعيف بلا ازدراء 1-9.
2. عدم إدانة الإخوة 10-13.
3. ملكوت الله وعثرة الضعفاء 14-23.
1. قبول الضعيف بلا ازدراء
نود قبل استعراض حديث الرسول بولس أن نفهم ماذا يقصد بالأخ الضعيف.
أ. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إن الرسول بولس يعالج هنا مشكلة قامت بين اليهود المتنصّرين وبعضهم البعض. إذ خشي البعض لئلاّ في أكلهم اللحوم يأكلون لحم خنزير وهم لا يدرون فيكونوا كاسرين للناموس، وإذ كان ضميرهم متشككًا تظاهروا بالصوم والتقشّف فامتنعوا عن أكل اللحوم بالكلية، بينما آخرون أدركوا إنهم في المسيح يسوع نالوا الحرّية من هذه الطقوس الحرفيّة، فصاروا يأكلون اللحوم أيّا كانت، ودخلوا في صراع فكري ومناقشات مع إخوتهم المتظاهرين بالصوم، وهم في الحقيقة ضعيفو الإيمان. في حكمة لم يرد الرسول أن يدخل في هذا الصراع وإنما حسب أن أمر الأكل أتفه من أن يشغل فكر المسيحيين ووقتهم، فصار مقاومًا لا لفكر هؤلاء ولا أولئك وإنما يقاوم الصراع ذاته القائم بين الفريقين.
بحكمة أيضًا ظهر الرسول كمن ينتهر الأقوياء الذين لا تتشكّك ضمائرهم من جهة أنواع اللحوم، لازدرائهم بإخوتهم الضعفاء الذين يتشكّكون من أجل أحكام الشريعة الموسويّة التي عاشوا تحت سلطانها زمانًا قبل الإيمان المسيحي ويصعب عليهم التخلص منها. لكنه في انتهاره هذا لم يعْرج عن الحق، إذ كشف بلطفٍ عن ضعف الضعفاء وتشكّكهم، مقدمًا لهم العلاج بطريقة غير مباشرة، بدعوتهم "ضعفاء" مظهرًا أنهم فاقِدو الصحة ومحتاجون أن يستندوا على الروح ليصيروا أقوياء.
ب. يرى البعض إنهم مجموعة من المتنصّرين من الفرقة اليهوديّة التي تسمى بالأسينيّة، وكانوا يميلون إلى قهر الجسد بنسكٍ شديدٍ، وقد أشار إليهم الرسول بولس في كو 2: 16-23. هذا ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس في حديثه عن يهود روما، أن بعضهم امتنع عن أكل اللحوم تمامًا خشية أن يتدنّسوا بما هو نجس منه.
ج. يرى البعض إن هؤلاء الإخوة هم الذين حرّموا أكل اللحم وشرب الخمر اللذيّن قُدِّما في الهياكل الوثنيّة أولاً ثم عُرضا في السوق (كو 9: 4-13).
على أي الأحوال فإن ما ورد في هذا الأصحاح هو دستور حيّ للمعاملات بين الإخوة في الكنيسة المتفاوتي القامة الروحيّة، يكشف عن التزام الكل بترك المناقشات الغبيّة في الصغائر، والاهتمام بما هو لبنيان الكل بروح الحب الخالي من كل ازدراء أو إدانة.
"ومن هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه لا لمحاكمة الأفكار؛ واحد يؤمن أن يأكل كل شيء وأمّا الضعيف فيأكل بقولاً، لا يزدرِ من يأكل بمن لا يأكل، ولا يدن من لا يأكل من يأكل، لأن الله قبله" [1-3].
يلاحظ في هذا النص الرسولي وما يليه في هذا الشأن [1-9] الآتي:
أولاً: إن كان أحد في ضعف إيمانه متشكّكًا من جهة أكل اللحوم التي يحسبها الناموس نجاسة، فهو وإن كان ضعيفًا لكنه مقبول لدى الله، فلا يليق رفضه. تقبله الكنيسة دون أن تحطِّمه بمناقشات تحطِّم حياته.
ثانيًا: يقول الرسول "لا يزدرِ" القوي بالضعيف. قد يوجّهه أو يحثّه على ما هو أفضل، لكن دون تشكيكه في أمر خلاصه، ودون الاستخفاف به. والعجيب إن الرسول بولس وهو يمثل الإنسان القوي الإيمان من جهة عدم تشكّكه، ساميًا فوق الأعمال الناموسيّة الحرفيّة، خضع لهذه الأعمال ليس من أجل ضميره هو وإنما من أجل ضعفاء الإيمان حتى لا يعثروا بسببه. إذ يقول: "فإني إذ كنت حرًا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين، فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس... صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء، صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حالٍ قومًا" (1 كو 9: 19-22).
يحدّثنا الأب يوسف في نفس الأمر، قائلاً: [بالتأكيد لم يكن مفيدًا أن يختتن تيموثاوس، ولا أن يحلق (الرسول) رأسه، ولا أن يتبع التطهيرات اليهوديّة، ولا أن يسير عاري القدمين، ولا أن يدفع النذور حسب الشريعة، إنما فعل هذا لأنه يطلب لا ما لنفسه بل ما هو للكثيرين.]
ثالثًا: يقول الرسول: "لا يدن من لا يأكل من يأكل"، فإن الضعفاء في الإيمان الذين تشكّكوا من جهة الأطعمة المحرمة ناموسيًا صاروا يدينون اليهود المتنصّرين، الذين لم يعودوا يخضعون لهذه التشريعات حرفيًا، وحسبوا أنهم نهمون. هكذا صار الضعيف ديّانًا للقوي عِوض مراجعته لنفسه فيما يتصرف.
رابعًا: يرى القدّيس أمبروسيوس أن المؤمن الذي يحيا لا في بتولية الجسد بل يتزوج يكون كمن
يأكل بقولاً؛ فلا يليق بالبتول أن يزدري بالمتزوج، ولا المتزوج أن يدن البتول، لأن الله يقبل هذا وذاك إن سلكا بروح الإيمان المملوء حبًا.
يتحدّث القدّيس إكليمنضس السكندري عن الطعام في حياة المؤمن مظهرًا إنه يليق بنا ألا نهتم بالأطعمة الشهيّة حتى في إضافتنا للغرباء، إذ يقول: [الطعام الحق هو تقديم الشكر. فمن يقدّم التشكّرات لا يشغل وقته بالملذّات. إن أردنا أن نحث أحد ضيوفنا على الفضيلة فلنحجم عن تقديم الأطباق الشهيّة، فنظهر مثلاً بهيًا للفضيلة، إذ نعلن حبنا له في المسيح.]
خامسًا: يكمل الرسول حديثه: "من أنت الذي تدين عبد غيرك؟! هو لمولاه يثبت أو يسقط، ولكنه سيثبت لأن الله قادر أن يثبّته" [4]. هنا يوجّه الحديث للشخص الضعيف الذي يدين أخاه لأنه يأكل متهمًا إيّاه بالنهم، حاسبًا في تصرفاته أنه إنسان ساقط، فيضع نفسه موضع مولاه ليحكم على الآخرين، بينما يهتم المولى نفسه ليثبّت المؤمنين.
بقوله "هو لمولاه يثبت أو يسقط" يعني إن ثبوت الإنسان في الإيمان يحسبه المولي مكسبًا له، وسقوطه يحسبه خسارة، فالأمر خاص بالله نفسه الذي هو سيّد الكل، الذي يشتاق أن يربح لنفسه كل إنسان.
ليتنا ندرك هذا فندرك مدى شوق الله لثبوتنا فيه، وثبوت إخوتنا العبيد معنا فيه. هو المهتم الأول عن خلاص الكل، إن صح هذا التعبير!
سادسًا: "واحد يعتبر يومًا دون يوم وآخر يعتبر كل يوم، فليتيقّن كل واحد في عقله" [5].
ماذا يقصد الرسول باليوم هنا؟
يرى البعض إنه يطبّق ذات المبدأ الخاص بالأطعمة المحلّلة والأطعمة المحرّمة حسب الشريعة اليهوديّة على الأعياد اليهوديّة والمواسم حسب الشريعة، هل يحفظها اليهود كأيام مقدّسة أم يرون كل الأيام مقدّسة؟ هذا ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إنه يلمح على الأصوام اليهوديّة. على أي الأحوال نجده هنا يطالب كل مؤمن "أن يتيقّن كل واحد في عقله"، بمعنى أن يحكًم عقله وضميره في هذا الأمر.
يتساءل القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن السبب لماذا يتحدّث الرسول مع أهل رومية بهذا الأسلوب، فيعطي لكل واحدٍ الحرّية في الحكم في هذا الأمر، مع أنه يشدّد جدًا في إيضاح الحق في رسائل أخرى مؤكدًا عدم الالتزام بالأعياد والمواسم اليهوديّة، إذ يقول: "انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل، حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم وليس حسب المسيح... فلا يحكم عليكم أحد في أكلٍ أو شربٍ أو من جهة عيدٍ أو هلالٍ أو سبتٍ" (كو 2: 8، 16)؟ ويجيب بأن كنيسة روما قد وصلتها رسالة الإيمان مؤخرًا ولم يكن المؤمنون هناك قادرون على البت في هذه الأمور، فأراد الرسول ألا يحدث إنشقاقات بسبب حفظ الأعياد اليهوديّة والشرائع الموسويّة أو الامتناع عنها. ويمكننا أن نضيف بأن الرسول أراد أن ينتظروا حتى مجيئه ليكشف لهم أسرار الإيمان المسيحي، فيرتفع بالكل فوق هذه الشرّائع الموسويّة، لا كأمر رسولي يلزم طاعته بلا فهم، وإنما كفكر إنجيلي رسولي يتذوّقونه ويدركوه خلال حديثه معهم فمًا لفمٍ.
هذا ولعلّ الفارق بين حديثه هنا وحديثه في الرسالة إلى أهل كولوسي، أن الرسول هنا يكتب بخصوص الشعب البسيط الذي قد بدأ طريق الإيمان، أمّا في حديثه إلى أهل كولوسي فهو يحذّر من المعلِّمين المنشقّين الذين يبثّون فكر التهوّد عن عمد وبقوّة، فيسبّبون بلبلة فكريّة على نطاق واسع. يوجد فارق بين مؤمن يتشكّك ضميره لأنه عاش زمانه القديم يمارس أعمال الناموس الحرفيّة وبين معلِّم يتحدّث عن عمد ويكرز بالعودة إلى الحياة الناموسيّة في حرفيّتها كفكرٍ تلتزم به الكنيسة.
هذا ونحن لا نريد الدخول هنا في الحديث عن التدبير الكنسي من جهة الأعياد الكنسية والأصوام بفكر إنجيلي، واختلافه تمامًا عن الفكر الناموسي الحرفي. الأمر الذي أتركه للحديث عنه في تفسير الرسالة إلى أهل كولوسي إن شاء الرب وعشنا.
نعود إلى حديث الرسول بولس هنا لنراه يودّ أن يرفع المؤمنين في هذه الكنيسة الناشئة عن الصراع في أمر الأعمال الناموسية الحرفيّة، ليهتم الكل، لا بهذه الأمور وإنما بالشكر لله. يقول الرسول: "الذي يهتم باليوم للرب يهتم، والذي لا يهتم باليوم فللرب لا يهتم، والذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر الله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله" [6]. هكذا يظهر الرسول صدق نيّة الكل سواء الذي في ضعف لا يقدر أن يتخلّى عن التزامه بأعمال الناموس، كحفظ الأعياد والأصوام اليهوديّة أو الذي تحرّر عن هذا الحرف، لذا لاق بالكل أن يشكر الله عِوض الدخول في مجادلات.
تكشف هذه العبارة أيضًا عن عادة المسيحيّين منذ العصر الرسولي، وهو تقديم صلاة شكر لله عند تناولهم الطعام.
سابعًا: في حكمة عجيبة سحب الرسول الطرفين من النقاش في هذا الأمر ليكشف لهما أن أمور الكل تشغل الله نفسه الذي اقتنانا بالدم الكريم، فيحسبنا خاصته، فإن عشنا له بالإيمان حُسِب ذلك ربحًا إلهيًا، وإن متنا بفقدان الإيمان حُسِب خسارة. يقول الرسول: "لأن ليس أحد منّا يعيش لذاته، ولا أحد يموت لذاته، لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن مُتنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن مُتنا فللرب نحن. لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش، لكي يسود على الأحياء والأموات" [7-9].
يقول: القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا جعل الأمر أكثر وضوحًا. كيف يمكن لمن يعيش لأجل الناموس (مستعبدًا لحرفيّته) أن يعيش للمسيح؟... إننا لسنا أحرارًا بل لنا سيّد يريدنا أن نحيا ولا يشاء لنا الموت، فإن هذه الأمور تخصّه هو أكثر منّا. بقوله هذا يظهر أن الله مهتم بنا أكثر من اهتمامنا نحن بأنفسنا، فيحسب حياتنا ربحًا له وموتنا خسارة. نحن لا نموت لأنفسنا وحدنا بل لسيّدنا. هنا يقصد الموت عن الإيمان. على أي الأحوال هذا يكفي لإقناعنا أنه مهتم بنا، أننا نعيش له ونموت له. لم يكتف الرسول بذلك وإنما يردف، قائلاً: "فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" عابرًا بنا إلى الموت الجسدي... مقدّمًا إشارة عظيمة عن اهتمامه بنا.]
يكمّل القدّيس يوحنا ذهبي الفم تعليقه قائلاً بأن الله كسيّد مهتم بخلاصنا. لا يحتقر عبيده، مقدمًا حُبّه لهم لا بالمال وإنما بحياته، إذ صار هو نفسه خلاصنا. قدّم دمه فِدْية كثمن عظيم، مظهرًا قوّته غير المنطوق بها... فكيف نتركه بعد هذا كله لنرتدّ إلى أعمال الناموس الحرفيّة؟
لقد مات وقام لكي يهبنا الحياة، فنحسب أنفسنا مدينين له بحياتنا، سواء في وجودنا هنا في هذا الزمان الحاضر أو انتقالنا منه. يقول الرسول: "وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2 كو 5: 15).
2. عدم إدانة الإخوة
إن كان الرب قد قدّم دمه الثمين سرّ خلاصنا، به نحيا ونتشدّد في جهادنا، فقد صرنا بكليّتنا في ملكيته. بهذا المفهوم لا يليق بنا إلا أن نسلِّم كل أحاسيسنا ومشاعرنا لذاك الذي افتدانا عِوض الانشغال بإدانة الآخرين، الذين هم أيضًا ليسوا ملك أنفسهم، بل ذاك الذي فدى الكل.
إدانتنا لإخوتنا تفسد حياتنا وتسيء إلى إلهنا كما إلى إخوتنا. فمن جهة تفسد أعماقنا، إذ تحمل ازدراء بالإخوة عِوض اتساع القلب لهم، وتسيء إلى الله بكونه هو الديّان الذي يخضع الكل له، مقدمًا حسابًا عن نفسه وأخيرًا تعثر الآخرين. هذا ما أعلنه الرسول بقوله:
"وأمّا أنت، فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟ لأننا جميعًا سنقف أمام كرسي المسيح، لأنه مكتوب: أنا حيّ يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله. فإذًا كل واحدٍ منّا سيعطي عن نفسه حسابًا لله. فلا نحاكم أيضًا بعضنا بعضًا، بل بالحري أحكموا بهذا أن لا يوضع للأخ مصدمة أو معثرة" [10-13].
إنه يسأل الأخ الضعيف الذي يتشكّك ضميره بخصوص الطقوس اليهوديّة الحرفيّة ألاّ يدين أخاه القوي الذي ارتفع فوق حرفيّة الناموس، كما سأل الأخير ألا يستخف بالأول. فلا ينحصر كل منهما في تصرفات الآخر، بل يتطلّع الكل إلى ذاك الذي يدين الجميع، والذي يخضع له كل حيّ (إش 45: 23).
هنا يقتبس الرسول ما ورد في إشعياء عن الله (45: 23) لينسبه للسيد المسيح بكونه الله الكلمة الديّان.
3. ملكوت الله وعثرة الضعفاء
ينقلنا الرسول بولس من الانشغال بإدانة الآخرين أو الاستخفاف بالإخوة إلى الوقوف أمام كرسي الله، لا لنشعر بمهابة ذلك اليوم فحسب، وإنما لكي ترتفع أفكارنا على الدوام إلى "ملكوت الله" الذي يلزم أن ننعم به جميعًا. خلال هذا الملكوت نهتم بأمر واحد هو شركتنا جميعًا مع الله في المسيح يسوع بروحه القدوس.
يقول الرسول: "إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسًا بذاته، إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس" [14]. هنا يقدّم الرسول تصريحًا واضحًا من قِبل ربنا يسوع إن كل شيء هو طاهر للطاهرين، ويصير نجسًا للنجسين. خليقة الله طاهرة، إن أكلناها بدون تشكّك تُحسب طاهرة، لكن إن تشككنا بسبب الناموس الذي ميّز بين أطعمة محلّلة وأخري نجسة كرموزٍ وقتيّة تحقّقت في الأصل وتلاشت عندئذ تصير الأطعمة نجسة، وأيضًا إن تشكّكنا إنها قُدمت للأوثان كذبائح تصير نجسة لا لسبب إلا لتشكّك ضميرنا. هذا ما أكده الرسول لأهل كورنثوس: "كل الأشياء تحلّ لي، لكن ليس كل الأشياء توافق... كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير، لأن للرب الأرض وملؤها؛ وإن كان أحد من غير المؤمنين يدعوكم وتريدون أن تذهبوا فكل ما يقدّم لكم كلوا منه غير فاحصين من أجل الضمير، ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثنٍ فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير... أقول الضمير، ليس ضميرك أنت بل ضمير الآخر" (1 كو 10: 23-29).
إذن ليس شيء في خليقة الله نجسًا، لهذا فإن الكنيسة في أصوامها تؤكد أنها لا تمتنع عن الأطعمة بكونها نجسة وإلا حسب ذلك بدعة وانحراف عن الحق (1 تي 4: 3-4)، إنما يكون الصوم لأجل قمع الجسد وتدبيره حسنًا تحت قيادة الروح القدس.
حقًا إن كل شيء طاهر، لكن الذي يفسده هو روح الإنسان الذي يتشكّك في استخدام الأشياء الصالحة بطبيعتها كأشياء دنسة، فتصير بالنسبة له هكذا. أمّا القوي وإن كان لا يتشكّك بضميره القوي لكنه من أجل المحبّة، حتى لا يهلك أخوه الذي مات المسيح عنه يمتنع عن هذه الأطعمة، كما يوصينا الرسول: "فإن كان أخوك بسبب طعامك يحزن، فلست تسلك بعد حسب المحبّة؛ لا تهلك بطعامك ذلك الذي مات المسيح لأجله" [15]. في موضع آخر يقول الرسول: "الطعام لا يقدّمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص، ولكن انظروا لئلاّ يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء. إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد لئلاّ أُعثر أخي" (1 كو 8: 8-13).
وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [احتفاظ الإنسان بالطعام (دون تشكّك) ليس بالأمر الأهم من حزن أخيك. انظر كيف يركّز (الرسول) على المحبّة، ذلك لأنه يعلم أن المحبّة تفعل كل شيء... أمَا تقدّر أخاك، فتقتني خلاصه بامتناعك عن الأطعمة؟ فإن المسيح لم يمتنع عن أن يصير عبدًا، بل وأن يموت من أجله، أما أنت فلا تستخف بالطعام من أجل خلاصه... إنه لم يمت من أجل الضعيف فقط وإنما من أجل العدوّ أيضًا، أفلا تمتنع عن الطعام من أجل الضعيف؟ قدّم المسيح ما هو أعظم ألا تقدّم ما هو أقل؟]
"فلا يُفتر على خلاصكم، لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس" [17].
إن كان أمر خلاص أخيك يشغل كل كيانك لا تنشغل بأمر الأطعمة، بل من أجله أترك الطعام الذي يعثره حتى لا تعطى فرصة أيضًا للغير أن يفتروا على صلاح فكرك (عدم التعثر بالأطعمة)... بمعنى آخر حتى وإن كنت من جهة الصلاح لا تتشكّك في الأطعمة، لكن بعثرتك للضعيف يتعثّر الآخرون فيك، لأن نفس أخيك أثمن من طعامك أو عدمه.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم بأنه عندما يصارع المؤمن ويتماحك بسبب الأطعمة، فبهذا النزاع يسبّب انشقاقًا في الكنيسة بانتهار الإخوة الممتنعين عن الأطعمة، فينطق الذين في الخارج بالشرّ على الكنيسة وعلى صلاحك، الذي هو المحبّة والوحدة بين الإخوة والسلام واللطف الخ.
إذن لنشهد ملكوت الله لا بانقسامنا في أمور ثانوية، كالطعام وإنما باتحادنا برباط الحب الحقيقي وتجلّي ثمار الروح فينا الذي هو البرّ والسلام والفرح.
+ أفضل شيء أن نقتني ملكوت الله... بمجتمع المحبّة المقدّسة، الكنيسة السماويّة؛ فإن المحبّة هي أمر نقي يؤهل لله، عملها الشرّكة.
القدّيس إكليمنضس السكندري
+ إن كان ملكوت الله داخلنا (لو 17: 21)، وهو برّ وسلام وفرح (رو 14: 17)، فإن من يتمّم هذه يكون في ملكوت الله. وعلى العكس من يعيش في الشرّ والنزاع والحزن الذي للموت يكون في ملكوت الشيطان وفي الجحيم والموت. بهذا يتميز ملكوت الله عن ملكوت الشيطان.
+ لا يتحدّث الرسول عن الفرح بغير تمييز... بل يوضّح مؤكدًا نوعه أنه "في الروح القدس" (رو 14: 7)، إذ يعرف تمامًا الفرح الممقوت الذي نسمع عنه: "العالم يفرح" (يو 16: 20)، "ويل لكم أيها الضاحكون لأنكم ستحزنون وتبكون" (لو 6: 25).
الأب موسى
ما هو ملكوت الله الذي يتحدّث عنه الرسول هنا؟
+ يليق بنا بالحق أن ننظر إلى ملكوت السماوات من جوانب ثلاثة:
إما أنه ما سيملكه القدّيسون حين تخضع لهم الأمور، كما قيل: "فليكن لك سلطان على عشر مدن... ولكن أنت على خمس مدن" (لو 19: 17، 19). وما قيل للتلاميذ: "وتجلسون أنتم أيضًا على إثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الإثنى عشر" (مت 19: 28).
أو يعني أن السماوات يملكها السيد المسيح، حيث: كل الأشياء "تخضع له"، ويكون الله "الكل في الكل" (1 كو 15: 28).
أو أن القدّيسين سيملكون مع الله في السماوات.
الأب موسى
لنهتم بملكوت الله - أي يملك فينا، أو نملك نحن به - فوق كل إاعتبار، لكي بهذا نُحسب مرضيّين عند الله، مزكّين عند الناس "لأن من خدم المسيح في هذه (البرّ والسلام والفرح في الروح القدس) فهو مرضيّ عند الله ومُزكّى عند الناس" [18].
أخيرًا يختم حديثه مطالبًا بالعمل الإيجابي البنّاء لكل نفس، قائلاً:
"فلنعكف إذًا على ما هو للسلام، وما هو للبنيان بعضنا لبعض. لا تنقض لأجل الطعام عمل الله. كل الأشياء طاهرة، لكنه شرّ للإنسان الذي يأكل بعثرة. حسن أن لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا ولا شيئًا يصطدم به أخوك أو يعثر أو يضعف. ألك إيمان؟ فليكن لك بنفسك أمام الله. طوبى لمن لا يدين نفسه فيما يستحسنه. وأمّا الذي يرتاب فإن أكَل يُدان، لأن ذلك ليس من الإيمان، وكل ما ليس من الإيمان فهو خطيّة" [19-23].
إذن لتكن غايتنا هو حفظ سلام الكنيسة ووحدتها بعيدًا عن الانشقاقات. فإنه ليس بنيان للكنيسة وتثبيت لعمل الله بدون السلام والمحبّة الأخوية.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الرابع عشر
يري القديس ذهبي الفم أن بولس هنا يعالج مشكلة قامت بين اليهود المتنصرين بعضهم البعض، إذ كان البعض يخشي لئلا في أكلهم اللحوم يأكلون لحم الخنزير أو الجمل وهم لا يدرون، فيكونوا كاسرين للناموس، وإذ كان ضميرهم متشككاً تظاهروا بالصوم والتقشف فإمتنعوا عن أكل اللحوم بالكلية.بينما أدرك آخرون أنهم في المسيح يسوع نالوا الحرية من الطقوس الحرفية، فصاروا يأكلون اللحوم أياً كانت. فدخلوا في صراع فكري ومناقشات مع إخوتهم المتظاهرين بالصوم وهم في حقيقتهم ضعيفو الإيمان. والرسول لم يرد أن يدخل في هذا الصراع، وإنما حسب أن أمر الأكل أتفه من أن يشغل فكر المسيحيين ووقتهم، ولكن المهم أن لا يكون هناك صراع، بل أن تسود المحبة. الرسول كشف ضعف الضعفاء الذين يتشككون بسبب طول ممارساتهم للشريعة الموسوية ويصعب عليهم التخلص منها. وفي الوقت نفسه هاجم الأقوياء الذين يزدرون بإخوتهم الضعفاء. ونلاحظ أن بطرس نفسه لم يكن سهلاً عليه أن يتخلص من العوائد اليهودية، فكان يمتنع عن الأكل مع الأمم إذا دخل يهود عليه (غل12:2) والله أراه الملاءة حتى يقبل أن يعمد كرنيليوس ويقبله في الأيمان أع10:18،11).
وقد يكون الصراع ناشئاً بين طائفة اليهود المتنصرين والأمم علي أكل اللحوم التي حرمها الناموس، فالأممي المتنصر إحتقر اليهودي علي إمتناعه عن أكل اللحوم لتشككه.
وهناك مشكلة أخري ناقشها الرسول في رسالة كورنثوس (1كو8-10) هي مشكلة اللحوم التي كانت تقدم في أعياد ومناسبات الوثنيين في هياكلهم فهناك جماعة إمتنعت عن أكل اللحوم لأن الوثنيون بعد أن يقدموا ذبائحهم لآلهتهم كانوا يبيعون هذه اللحوم في محال الجزارة،فإمتنع المتشككين من أكل اللحوم وشرب الخمر تماماً لئلا يكون بينهما ما قدم في هياكل الأوثان
وغالباً فالرسول يناقش في هذا الإصحاح (رو14) الطعام المحرم عند اليهود ذلك أنه يقول واحد يعتبر يوماً دون يوم وآخر يعتبر كل يوم (ويقصد أعياد اليهود ويوم السبت). أما في 1كورنثوس فناقش لحوم هياكل الأوثان. علي أن هناك مشكلة أخري خاصة باللحوم وهي خاصة بجماعة الأسينيين الذين كانوا يحرمون أكل اللحم تماماً. وغالباً هؤلاء لا يقصدهم الرسول.
آية (1):- "1وَمَنْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ، لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ. "
يوجد نوع من المسيحيين ضعاف في إيمانهم يعلقون أمر خلاصهم علي التمييز بين أنواع الأطعمة، وبين يوم ويوم، وعلي الكنيسة أن تقبل الكل برأفة. لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ = أي دون إدانة أفكاره، فالدينونة هي عمل الله، إذاً لنتركها له (لكن هذا الكلام لا ينطبق علي العقائد، فمن يعلِّم تعليماً مناقضاً لإيماننا، يجب أن تقاومه الكنيسة).
عموماً الكنيسة هي مستشفي لعلاج كل مريض وليست محكمة لإدانة الناس. وعلي ذلك يليق بالمسيحي أن يترفق بأخيه الضعيف الإيمان ليسنده بروح الحب لا الإدانة حتى يسير الكل في طريق الخلاص. والرسول هنا يدعو لأن نترك صغائر الأمور ونلتفت لما هو للبنيان. والعجيب أن بولس القوي خضع لهذه الأمور، فهو نذر نفسه بطقس النذير اليهودي وختن تيموثاوس ليربح الضعفاء، فصار لليهودي كيهودي ليربحهم (1كو9:19-22).
وهنا في رسالة رومية نري بولس غير مهتم بأن يلتزم المؤمن بيوم أو بنوع من الأطعمة أو لا يلتزم. ولكنه في رسالة (كولوسي8:2،16) منع نهائياً هذا التحكم اليهودي وهكذا فعل في غلاطية فلماذا؟ السبب أن أهل روما حديثي الإيمان، فلا يريد أن يربكهم إلي أن يحضر هو بنفسه ويعلِّم التعليم الصحيح الذي يرفعهم فوق مستوي الشرائع اليهودية، فروما ليس بها رسل يعلمون الشعب البسيط أمّا كولوسي وغلاطية فهما كنائس قد تأسست ولها أساقفة وكهنة يعلِّمونهم. فأهل روما حديثي الإيمان، ولا يريد أن يجعلهم يتشككون بسبب ماضيهم في الإيمان، إذ هم بسطاء، أمّا في كولوسي وغلاطية فهو يتشدد مع المعلمين الذين يدعون للتهود أولاً قبل الدخول في المسيحية. وبولس يراعي أن من أصله يهودي سيعاني من ضغوط ضميره بسبب نشأته، فلا يدقق فيما يفعله ليريح ضميره، وأما من أصله أممي وثني وأقنعه هؤلاء المتهودين من المعلمين بأن يبدأ أولاً بالممارسات اليهودية كوسيلة للخلاص، فهؤلاء يهاجمهم بولس الرسول كما فعل مع أهل غلاطية وكولوسي. فأهل رومية فعلوا ما فعلوه عن ضعف بسبب ماضيهم مع الناموس واليهودية، أما أهل غلاطية فعن عناد ومقاومة. فكأن بولس أراد أن يدفن الناموس الطقسي بالتدريج فكان أهل رومية يشيعونه إلي قبره بحزن وبكاء، وبولس يحتملهم بصبر.
أما أهل غلاطية فكانوا ينبشون قبره فهاجمهم. فَاقْبَلُوهُ = هو مقبول عند الله فإقبلوه أنتم في محبة وإبعدوا عن المناقشات التي تحيره وتربكه، فمن له معرفه يميل إلي الإنتفاخ علي إخوته.
آية (2):- "2وَاحِدٌ يُؤْمِنُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَيَأْكُلُ بُقُولاً."
يَأْكُلَ كُلَّ شَيْءٍ = قال الله لبطرس "ما طهره الله لا تدنسه أنت" (أع15:10) فالقوي إيمانياً يؤمن أنه نال في المسيح الحرية من الطقوس الحرفية فيأكل بلا إرتياب. وهذا تعليم السيد المسيح الذي لم يمنع أكل الشيء، فالأكل لا ينجس إنما النجاسة تنبع من داخل الإنسان (مت11:15). أَمَّا الضَّعِيفُ فَيَأْكُلُ بُقُولاً = خوفاً من أكل لحوم قد تكون محرمة كالخنزير (أو قدمت لأوثان) فيكسر بهذا الناموس، فالناموس منع بعض لحوم الحيوانات والأسماك والطيور، لكن لم يمنع البقول ومع أن هذا التصرف فيه تزمت وأفكار ضيقة لكن يجب أن نقبله ولا ندينه.
آية (3):- "3لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ، وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. "
هنا نجد الرسول يحذر من ضربة يمينية، فالقوي يشعر بقوته ويحتقر الضعيف، وبنفس مفهوم هذه الآية فعلي البتول أن لا يزدري بالمتزوج وعلي المتزوج أن لا يدين البتول، فالله يقبل هذا وذاك فالله لا يقصف قصبة مرضوضة، فهل يقبله الله وأرفضه أنا. ومَنْ لاَ يَأْكُلُ لاَ يَدِنْ مَنْ يَأْكُلُ = فلا يحسبه نهم شهواني كاسر للناموس.
آية (4):- "4مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ."
مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ = هنا يوجه كلامه للضعيف الذي يدين القوي لأنه يأكل ويعتبره نهماً وساقطاً. هذه الطياشة في الدينونة هي التي قصدها يعقوب حين قال "لا تكونوا معلمين كثيرين.." لأننا بدينونة إخوتنا نجعل من أنفسنا سادة لهم. والرب وحده هو سيد الجميع، ونحن كلنا عبيد له. وإذا كان الآخر ليس عبداً لي بل لله فلماذا أدينه، الله يدينه. هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ = إن ثبت في إيمانه سيكسبه مولاه، وسقوطه خسارة لمولاه. فالأمر خاص بالله الذي يشتاق أن يربح الكل. قد نظن أن الله لن يقبل الذي يتصرف بحرية أو سوف يرفض من يتشكك. ولكن الله قادر أن يثبت الواحد في نزاهته والآخر في راحة ضميره= لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ = فهو لا يقبله فقط بل يثبته.
آية (5):- "5وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ. فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ:"
هنا يتكلم عن السبت والأعياد والمواسم والأصوام اليهودية، فاليهود المتنصرين ما زالوا يحترمون أيام الفصح والهلال الجديد ... والأمم يحترمون الأحد بدلاً من السبت الذي يقدسه اليهود. فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ = أي يحكم ضميره وعقله في هذا الأمر وذاك. ويتخذ قراره دون إرتياب أو تشكك. كلُُ حسب النور الذي في قلبه وكلُُ حسب إقتناعه.
آية (6):- "6الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ. وَالَّذِي لاَ يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ لاَ يَهْتَمُّ. وَالَّذِي يَأْكُلُ، فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ. وَالَّذِي لاَ يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأْكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ."
هنا يرفع الرسول نظر أهل رومية من المسيحيين بدلاً من أن ينشغلوا بإدانة بعضهم البعض، عليهم أن يشكروا الله، لذلك يهتم المسيحيين أن يشكروا الله عند الأكل. الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ = من يعتبر يوماً أقدس من باقي الأيام كما يعتبر اليهود يوم السبت مقدساً، فهو يحترم السبت ويقدسه ليس إلا لأن الله أمر بهذا. هنا بولس يقول مثل هذا يهتم باليوم لأنه في قلبه يعتبر هذا مجداً للرب. وَالَّذِي لاَ يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ، فَلِلرَّبِّ لاَ يَهْتَمُّ = أي لا يخصص يوم معين. فمن لا يهتم بالسبت أو غيره شاعراً بأن المسيح حرره من هذه الطقوس، فهو لا يهتم لأنه يمجد الرب. وَالَّذِي يَأْكُلُ، 000 يَشْكُرُ = شاعراً أن الرب أعطاه الحرية ليأكل كل شئ. وَالَّذِي لاَ يَأْكُلُ 000 وَيَشْكُرُ = علي باقي الأطعمة والبركات التي أعطاها الله له. ونحن المسيحيين نصوم ونصلي ليقبل الله هذا الصوم ذبيحة شكر، لا لأن هناك طعاماً محرماً.
الآيات (7-8):- "7لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ، وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. 8لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ."
في حكمة عجيبة سحب الرسول الطرفين من النقاش في هذه الأمور ليرتفع بفكرهم، وفكرنا فوق محيط الأكل والشرب والأعمال الزمانية التي تختص بهذا الزمن ، إلي أفق أعلي إيمانياً وحياتياً، فالقديس بولس يسمو بالإيمان المسيحي فوق أعمال هذا الزمان ليضع الإنسان المسيحي في وضعه النهائي مع المسيح الذي يحتضن الجميع في شخصه، فالحياة كلها ينبغي أن تكون لأجل المسيح الذي خلقني، سواء حياة مادية أو حياة روحية، حياتنا هي لكي نمجد المسيح ونعمل مشيئته. والموت، به نذهب للمسيح وهذا أفضل جداً، خلقنا لأعمال صالحة نمجد الله بها، وبعد أن ننهي أعمالنا نموت لنبدأ حياة من نوع آخر نسبح فيها المسيح ونمجده بطريقة أخري (2كو14:5،15). فما عدنا نحيا كما نريد حسب شهواتنا وملذاتنا، وما عدنا نخاف الموت، لقد مات المسيح وقام لكي يهبنا الحياة فنحسب أنفسنا مدينين له بحياتنا سواء في وجودنا في هذا العالم الحاضر أو إنتقالنا منه. لم نعد ملكاً لأنفسنا (في21:1). لقد صارت إرادة المسيح هي قانون لنا ومجد المسيح هدفُُ لنا، نحن نعيش ونموت ونستشهد لكي نمجده في كل تصرفات حياتنا. المسيح هو المركز الذي فيه تلتقي كل خطوط الحياة والموت. المسيحية الحقة هي التي تجعل المسيح هو الكل في الكل. إذاً ما دمنا للمسيح سواء أحياء أو أموات فيجب أن كل أعمالنا نعملها من أجل الله وليس لأجل ذواتنا أو للعناد، فنحن لسنا لذواتنا بل لله. هذه الآيات 7،8 تختم الفقرة التي تتحدث عن إحترام الآراء وأن كل عضو يتكامل مع باقي الأعضاء، يعيشوا في محبة وتعاون إذ الكل يحيا لله، الكل يسير في إتجاه واحد لهدف واحد، فلماذا الشجار في الطريق. من عاش محباً للإخوة فهو يعيش للرب. فالمحبة الصادقة هي تطبيق حيّ للإيمان.
آية (9):- "9لأَنَّهُ لِهذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. "
المسيح مات وقام لكي يكون ملكاً علي الكل (أف22:1). فكيف نزدري بمن هو واحد معنا في المسيح، والمسيح يملك علي كلينا. إن كان المسيح مات وبذل نفسه لأجل الناس فكيف نحزن الذي مات المسيح لإجله. (آية 15). إن كان المسيح مات ليقبل الكل فهل نرفض الناس لأنهم يأكلون أو لا يأكلون. إن المهم هو ربح النفوس فهذا ما يريده المسيح. وعلينا أن ننشغل بمن مات وقام عوضاً عن إنشغالنا بالإدانة. ونسلم له مشاعرنا لأن الإدانة:
1. تفسد أعماقنا إذ تحمل ازدراء الإخوة عوضا عن إتساع القلب لهم.
2. تسئ لله بكونه هو الديان الذي يخضع له الكل.
3. تعثر الآخرين.
آية (10):- "10وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ،"
لأننا كلنا سنقف أمام كرسي المسيح، فعلينا أن لا نزدري بأحد (من لا يأكل) ولا ندين أحد (من يأكل). وكرسي هنا تشير لكرسي القضاء فالمسيح هو الديان (يو22:5).
آية (11):- "11لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:«أَنَا حَيٌّ، يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّهُ لِي سَتَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، وَكُلُّ لِسَانٍ سَيَحْمَدُ اللهَ»."
مَكْتُوبٌ = في (أش23:45) أَنَا حَيٌّ = وفي أشعياء وردت أقسمت بهذا نفهم أن قول الله أنا حي أو حيٌ أنا يقول الرب، فإن الله بهذا يقسم. أن الإمتياز الذي ينفرد به الله هو أنه حي في ذاته. وبالمقارنة مع (في10:2،11) نجد أن بولس يطبق أن كل ركبة ستجثو للمسيح فهو بهذا فهم أن المسيح هو الله. وبولس هنا يرفع ذهن سامعيه إلي الإنشغال بالوقوف أمام كرسي الرب عوضاً عن الإنشغال بإدانة الناس. أي لننشغل باليوم الذي سندان فيه أمام الله عوضاً عن أن ننشغل بإدانة بعضنا.
آية (12):- "12فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ِللهِ."
كلُ منا سيعطي حساباً لله عن نفسه وليس عن الآخرين.
آية (13):- "13فَلاَ نُحَاكِمْ أَيْضًا بَعْضُنَا بَعْضًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ احْكُمُوا بِهذَا: أَنْ لاَ يُوضَعَ لِلأَخِ مَصْدَمَةٌ أَوْ مَعْثَرَةٌ. "
وعلي هذا فلنمتنع عن محاكمة بعضنا البعض. لأن محاكمة الآخرين تضع أمامهم معطلات وعوائق تكون لهم مَصْدَمَةٌ = ما يصطدم به الإنسان فيتعثر= ومَعْثَرَةٌ. فعوضاً عن أن نحاكم الآخرين فنعثرهم فلنهتم برفع أي عثرة من أمامهم بمحبة، لنرفع عوائق المحبة وذلك بالإمتناع عن أكل ما يعثرهم حتى لو كان محللاً أكله من أجل ضعفهم (1كو19:9 +13:8).
آية (14):- "14إِنِّي عَالِمٌ وَمُتَيَقِّنٌ فِي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ نَجِسًا بِذَاتِهِ، إِلاَّ مَنْ يَحْسِبُ شَيْئًا نَجِسًا، فَلَهُ هُوَ نَجِسٌ."
خليقة الله طاهرة إن أكلناها بدون تشكك (مر14:7،15) وأما أن تشكك أحد أن شيئاً نجساً وأكله فهو بهذا يخالف ضميره الذي يشتكي عليه فيكون له هذا الشيء نجساً. (والكنيسة تصوم ليس لأن الطعام نجس، فنحن نعود لنأكله بعد الصيام بل نحن نصوم لقمع الجسد وتدريبه وتدبيره حسناً تحت قيادة الروح القدس).
عَالِمٌ وَمُتَيَقِّنٌ فِي الرَّبِّ يَسُوعَ = هذا الاقتناع أَلْهَمَني إياه إتحادي مع المسيح. بهذا المبدأ هنا فالرسول يقف في صف اليهودي المتنصر الذي تربي ضميره من خلال الناموس علي إعتبار أن بعض الأطعمة نجسة، فلو أكل منها تكون له نجسة فعلاً لأنه يخالف ضميره. ويقف أيضاً في صف الأمم الأقوياء بالإيمان لأن لا شئ نجس بذاته.
آية (15):- "15فَإِنْ كَانَ أَخُوكَ بِسَبَبِ طَعَامِكَ يُحْزَنُ، فَلَسْتَ تَسْلُكُ بَعْدُ حَسَبَ الْمَحَبَّةِ. لاَ تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذلِكَ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِهِ."
المحبة أهم بكثير جداً من الاقتناع بأن آكل لحماً محللاً فأعثر أحد. فإذا كان بسبب تناولك بعض الأطعمة أن يحزن أخوك (بل قد يرتد لليهودية فيهلك) أو يظن السوء بك ويتشكك في أنك تهين عقيدته فيهلك بسبب ضعفه، أو يقلدك ويأكل مما يعتبره هو نجسا ويخالف ضميره فيهلك (أية23). فبهذا فإنك لا تسلك بعد بما يتفق والمحبة لأنك تظل تتناول من الأطعمة وتتسبب في حزن أخيك الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِهِ = فأنت بهذا تهلك نفساً مات المسيح لأجلها، فإن كان المسيح قد قدم نفسه لأجل أخيك، أفلا تقدم ما هو أقل وتترك طعاماً. ولقد نفذ بولس نفسه هذا المبدأ، فمع أنه غير مقتنع بالختان إلا أنه ختن تيموثاوس حتى لا يعثر اليهود الذين يخدم تيموثاوس وسطهم. وهذا المبدأ سائد علي كل من يعثر الناس فيما يعتقد أنه صحيح. ويكون بذلك سبباً في أنهم يهاجمون مسيحيته.
آية (16):- "16فَلاَ يُفْتَرَ عَلَى صَلاَحِكُمْ،"
أفكارك ومعتقداتك عن الأكل بحرية هي معتقدات صالحة ولكن أخوك الضعيف سيتعثر فيك ويَفْتَرِي عليك قائلاً إنك غير صالح ويتكلم عليك بالسوء. ونحن لن نستطيع أن نمنع الإفتراء، ولكن علينا أن لا نكون سبباً فيه.
آية (17):- 17لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ. "
مَلَكُوتُ اللهِ = حين يملك الله علي القلب، ويخضع الإنسان خضوعاً قلبياً لسلطان الله. حينئذ لن يهتم الإنسان بالأكل والشرب= لَيْسَ أَكْلاً وَشُرْبًا = لن نفرح أو لن يكون فرحنا بسبب أكلات معينة أو أشربة معينة، وإمتناعنا عنها لن يكون سبباً في أن نفقد فرحنا. فنحن في ملكوت الله نحيا مع المسيح حياة سماوية في ملكوت السموات، يملأنا الرُّوحِ الْقُدُسِ فيعطينا أن نحيا في بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ أي نحيا نهتم أن نصنع البر ويمتلئ القلب سلاماً وفرحاً. إذاً إذا تركنا طعاماً لأجل إخوتنا لن نخسر شيئاً.
ملحوظة: دعي عهد الإنجيل ملكوت الله، تمييزاً له عن عهد الناموس.
آية (18):- "18لأَنَّ مَنْ خَدَمَ الْمَسِيحَ فِي هذِهِ فَهُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللهِ، وَمُزَكُى عِنْدَ النَّاسِ."
لأَنَّ = هي توضيح لما سبق... فِي هذِهِ = من عاش يخدم المسيح صانعاً براً وقلبه مملوء سلاماً وفرحاً، (هذِهِ هي السلام والفرح والبر) فَهُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللهِ، وَمُزَكُى عِنْدَ النَّاسِ الصالحين. مُزَكُى= مشهود له بالنجاح في الإختبار، هو من قيل عنه من يغلب.. (رؤ7:2،11،17).
آية (19):- "19فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلسَّلاَمِ، وَمَا هُوَ لِلْبُنْيَانِ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ."
لتكن غايتنا حفظ السلام في الكنيسة ووحدتها بعيداً عن الإنشقاقات. فلا بنيان للكنيسة دون محبة ولا تثبيت لعمل الله دون سلام. فليحتمل القوي الضعيف حتى تبني الكنيسة.
آية (20):- "20لاَ تَنْقُضْ لأَجْلِ الطَّعَامِ عَمَلَ اللهِ. كُلُّ الأَشْيَاءِ طَاهِرَةٌ، لكِنَّهُ شَرٌّ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَأْكُلُ بِعَثْرَةٍ. "
لاَ تَنْقُضْ = عمل الله كان الفداء ومازال يعمل لبنيان الكنيسة (19) أما منازعات الإنسان فهي تهدم ما يبنيه الله. ومعني الآية أن لا تحاول بمثل هذه الأمور غير الجوهرية في العبادة (كالأطعمة) أن تعطل وتعوق عمل الخلاص الذي دبره الله من أجل أخيك. والرسول سبق وقال لا تكن بأكلك سبباً في هلاك أخيك. وهنا يقول لا تكن سبباً في نقض عمل الله. فهل يمكن أن أُهْلِكْ أنا بتصرفاتي إنساناً إختاره الله أو أنقض ما يبنيه الله؟! من المؤكد هذا لا يجوز. وإذا فعلت فأكون في صف الشيطان الذي يريد هلاك الجميع ونقض كل بنيان. بل أكون ضد الله الذي يريد خلاص الجميع، وأقاوم الله. ولاحظ أن الرسول يسمي المؤمنين عمل الله ويسميهم في (1كو9:3) فلاحة الله وبناء الله وهيكله. شَرٌّ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَأْكُلُ بِعَثْرَةٍ = تعني:
1. أن يأكل إنسان بضمير مرتاب فيصبح مُعْثَراً.
2. يأكل أمام يهودي متشكك فيصير عثرة له (مُعْثِراَ).
آية (21):- "21حَسَنٌ أَنْ لاَ تَأْكُلَ لَحْمًا وَلاَ تَشْرَبَ خَمْرًا وَلاَ شَيْئًا يَصْطَدِمُ بِهِ أَخُوكَ أَوْ يَعْثُرُ أَوْ يَضْعُفُ. "
جميل أن تأكل بإيمان قوي والأجمل أن لا تفعل ما يُعْثِرْ أخوك. فاللحم والخمر ليسا لازمين للحياة البشرية، والأهم نفس أخي.
آية (22):- "22أَلَكَ إِيمَانٌ؟ فَلْيَكُنْ لَكَ بِنَفْسِكَ أَمَامَ اللهِ! طُوبَى لِمَنْ لاَ يَدِينُ نَفْسَهُ فِي مَا يَسْتَحْسِنُهُ."
هل لَكَ إِيمَانٌ صحيح فيما يختص بالأطعمة... هذا حسن ليكن لك هذا الإيمان في نفسك وليعرفه الله فقط، ولا تتباهي بإيمانك القوي علي من مازال إيمانه ضعيفاً. وكلمة إيمان هنا لا تعني الإيمان بالمسيح الذي يبرر، فهذا لابد أن يُعلَن، بل يقصد الرسول هنا بكلمة الإيمان.. الحرية التي أعطتنا أن نتحرر من الناموس وصارت لنا المعرفة السليمة، ولكن هذه تسبب تشكك الآخرين. طُوبَى لِمَنْ لاَ يَدِينُ نَفْسَهُ فِي مَا يَسْتَحْسِنُهُ. (هذه تشبه 1يو21:3). فطوبى للإنسان الذي لا يشعر بتأنيب ضميره عندما يفعل هذا الذي سبق وفحصه بكل تدقيق وإستحسن فعله. لكنه خطر جداً أن يسمح الإنسان بأن يفعل شيئاً ضد ضميره من أجل اللذة أو المنفعة لأن قلبه (ضميره) سيوبخه. فإن وبخه ضميره علي شئ ما وفعله ففي هذا تحدٍ لله وإستهتار بوصايا الله.
آية (23):- "23وَأَمَّا الَّذِي يَرْتَابُ فَإِنْ أَكَلَ يُدَانُ، لأَنَّ ذلِكَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ."
كل من يأكل وهو متشكك يدان فلماذا؟ هو ضعيف الإيمان، هذا هو قياس إيمانه حسب ما أعطاه له الله. فلو أكل يخطئ ضد إيمانه الذي قسمه له الله بالعدل حسب احتياجه للخلاص ليكون كفيلاً بخلاصه. ويكون بأكله قد خَرَّب ميزان خلاصه بيده لأنه إن تعارض مع الضمير ما عمله فيصرخ الضمير يوم الدين شاكياً صاحبه ومحتجاً. وسيكون ضميره أداة دينونته لأنه سيكون قد أكل وشرب حسب شهوته وضد ضميره. فكل شئ لا يتم بإقتناع وإيمان باطني فهو خطية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ
الاهتمام بضعفاء الإيمان وعدم إعثارهم
h E h
(1) قبول ضعيف الإيمان (ع1-12 ):
1وَمَنْ هُوَ ضَعِيفٌ فِى الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ، لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ. 2وَاحِدٌ يُؤْمِنُ أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ شَىْءٍ، وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَيَأْكُلُ بُقُولاً. 3لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ، وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. 4مَنْ أَنْتَ الَّذِى تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلَكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ. 5وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ، فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِى عَقْلِهِ: 6الَّذِى يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ، وَالَّذِى لاَ يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ لاَ يَهْتَمُّ. وَالَّذِى يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ، وَالَّذِى لاَ يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأْكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ. 7لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ، وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. 8لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ. 9لأَنَّهُ، لِهَذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَىْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. 10وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِى بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِىِّ الْمَسِيحِ، 11لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَا حَىٌّ يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّهُ لِى سَتَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، وَكُلُّ لِسَانٍ سَيَحْمَدُ اللهَ. 12فَإِذًا؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، سَيُعْطِى عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ.
ع1-3: بعد أن أرسى القديس بولس قواعد الإيمان بين المسيحيين من أصل يهودى وأصل أممى، ها هو يحل مشكلة فرعية ليقضى على كل انقسام فى الكنيسة. حيث وجد أن هناك فريقين، واحد سماه الضعيف فى الإيمان وهم غالباً المسيحيون من أصل يهودى، والمتأثرون بعباداتهم السابقة من حيث عدم أكلهم بعض الأطعمة مثل لحم الخنزير على اعتبار أنها نجسه بالنسبة لهم، وقد سماهم بالضعفاء فى الإيمان حيث أنهم لا يزالوا مقيدين بحرف الناموس بشىء من الوسوسة، وأوصى أن لا يحتقرهم أحد من الفريق الثانى الذى يأكل كل شىء بشكر وأيضا لا يدين ضعفاء الإيمان أقوياء الإيمان على أكلهم كل شىء، فالله قد قبل كلا الفريقين كما هما.
ع4: ثم يوجه كلامه إلى الفريقين أن لا يدين أحدهما الآخر لأنهما عبدان عند الله والله هو وحده المسئول عن كل أحد حيث يقبل كل واحد ويثبت كل واحد فيه، لأنه قادر على ذلك.
التفت أيها الحبيب إلى مناقشاتك، فكم أضعت من وقتك ووقت الناس فى مناقشة وجدال ومباحثات غبية هدفها إثبات الذات ولا ترضى المسيح بأى حال من الأحوال، بل تسقطك فى إدانة كثيرة.
ع5-6: تمسك بعض المسيحيين من أصل يهودى بأعياد اليهود فى بداية المسيحية، وهى ذات معانى روحية مثل عيد الكفارة أى فداء المسيح وعيد المظال ومعناه غربة العالم... إلخ. والفريق الآخر، أى المسيحيين من أصل أممى وباقى الذين من أصل يهودى عاشوا هذه المعانى كل يوم، لأن الأعياد المسيحية لم تكن قد حددت بعد فى بداية العصر الرسولى فيما عدا عيد القيامة. كذلك الفريق الأول لا يأكل بعض الأطعمة المحرمة عند اليهود، أما الفريق الآخر فيأكل كل شىء بشكر من أجل الله. فيطالبهم بولس الرسول جميعاً ألا يدين أحد الآخر، فالكل غرضه حسن وهو الاقتراب لله.
ع7: المهم أن يعيش الإنسان لكى يرضى الله بالأعمال الحسنة وليس ذاته، أى آراءه الشخصية، وحتى لو مات يموت فى الإيمان مُرضياً لله. ووضح أن الله يقبل الإختلاف بين الأفراد، إن كان غرضه إرضاء الله، ولكن بهدوء. وبهذا يحمى الكنيسة من الاتجاهات الفردية التى يمكن أن تؤدى إلى انقسام الكنيسة، إذا ارتبطت بالكبرياء وعدم الخضوع لتعاليمها وإرشاداتها.
ع8: ما الحياة فى كل تفاصيلها بالنسبة للمؤمن إلا تقدمة حب لله، يحاول فيها على قدر ما يستطيع بما وُهِبَ من إمكانيات وطاقات أن يرضى الله ويكون أميناً فى وزناته. فالمسيحى قوى لا يخاف الموت بل يرحب به إذ هو غايته، لأنه سيؤدى إلى رؤية المسيح فى السماء.
ع9: كانت خطة السيد المسيح وتدبيره، عندما مات وقام من الأموات وصعد إلى السموات، أن يسود بالحب على قلوب المؤمنين فى الأرض والمنتصرين فى السماء.
ع10-12: يعود القديس بولس قائلاً للفريق الضعيف الإيمان لا تدين أخاك، ويقول للفريق القوى الإيمان لا تزدرى بتصرفات ضعيف الإيمان، بل فليلتفت كل واحد إلى نفسه مؤنباً نفسه على خطاياه هو شخصياً، لأن كل إنسان من كل جنس أو دين سيسجد ويقف أمام عرش المسيح، معطياً حساباً عن نفسه وأعماله هو وليس أعمال أخيه.
إن الإدانة تشغلك عن توبتك، فحاسب نفسك كل يوم وابدأ فى الجهاد الروحى، وخلال أتعاب الجهاد ستشعر بضعف الآخرين وحاجتهم لصلاتك بدلاً من الإدانة.
(2) لا تعثر ضعيف الإيمان (ع13-23):
13فَلاَ نُحَاكِمْ أَيْضًا بَعْضُنَا بَعْضًا، بَلْ بِالْحَرِىِّ احْكُمُوا بِهَذَا: أَنْ لاَ يُوضَعَ لِلأَخِ مَصْدَمَةٌ أَوْ مَعْثَرَةٌ. 14إِنِّى عَالِمٌ وَمُتَيَقِّنٌ فِى الرَّبِّ يَسُوعَ، أَنْ لَيْسَ شَىْءٌ نَجِسًا بِذَاتِهِ، إِلاَّ مَنْ يَحْسِبُ شَيْئًا نَجِسًا، فَلَهُ هُوَ نَجِسٌ. 15فَإِنْ كَانَ أَخُوكَ بِسَبَبِ طَعَامِكَ يُحْزَنُ، فَلَسْتَ تَسْلُكُ بَعْدُ حَسَبَ الْمَحَبَّةِ. لاَ تُهْلِكْ بِطَعَامِكَ ذَلِكَ الَّذِى مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِهِ. 16فَلاَ يُفْتَرَ عَلَى صَلاَحِكُمْ، 17لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِى الرُّوحِ الْقُدُسِ. 18لأَنَّ مَنْ خَدَمَ الْمَسِيحَ فِى هَذِهِ، فَهُوَ مَرْضِىُّ عِنْدَ اللهِ وَمُزَكًّى عِنْدَ النَّاسِ. 19فَلْنَعْكُفْ إِذًا عَلَى مَا هُوَ لِلسَّلاَمِ وَمَا هُوَ لِلْبُنْيَانِ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ. 20لاَ تَنْقُضْ لأَجْلِ الطَّعَامِ عَمَلَ اللهِ. كُلُّ الأَشْيَاءِ طَاهِرَةٌ، لَكِنَّهُ شَرٌّ لِلإِنْسَانِ الَّذِى يَأْكُلُ بِعَثْرَةٍ. 21حَسَنٌ أَنْ لاَ تَأْكُلَ لَحْمًا وَلاَ تَشْرَبَ خَمْرًا، وَلاَ شَيْئًا يَصْطَدِمُ بِهِ أَخُوكَ أَوْ يَعْثُرُ أَوْ يَضْعُفُ. 22أَلَكَ إِيمَانٌ؟ فَلْيَكُنْ لَكَ بِنَفْسِكَ أَمَامَ اللهِ! طُوبَى لِمَنْ لاَ يَدِينُ نَفْسَهُ فِى مَا يَسْتَحْسِنُهُ. 23وَأَمَّا الَّذِى يَرْتَابُ، فَإِنْ أَكَلَ يُدَانُ، لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ.
ع13-14: بدلاً من أن نزدرى بالضعيف، فليكن شغلنا الشاغل أن لا نعثره بأكلنا لأشياء نجسة فى نظره، مع العلم أنه لا يوجد طعام نجس فى نظر الله، بل هو فقط نجس من وجهة نظر من يحسبه نجسًا، أى فى نظر ضعيف الإيمان.
ع15-16: تحزن : تعثر
إن كان قانون محبة الآخر هو أعلى القوانين الكنسية، فلا يجب أن نتمسك بأكل أو فعل أشياء تحزن أخاك الضعيف الغالى الثمن عند الله لأنه مات لأجله. إذًا فمن أجل الله لا تأكل أمامه ولا تعثره لئلا يتشكك فيك ويظنك خاطئاً قائلاً أنك غير صالح ومخالف لوصايا الله، مع أنك فى الحقيقة صالح وتحيا بحرية مجد أولاد الله.
يجب عليك إن كنت مرتبطاً بالكنيسة أو خادماً فيها أن تهتم بالبعيدين، ولا تصنع أمامهم أموراً يمكن أن يفهموها خطأً فيُعثَروا بسببك، لأنك قدوة ومثال لهم ولا ينتظروا منك الخطأ ويسعون للتشبه بك فى كمالك. وكذلك ينبغى على الوالدين مراعاة تصرفاتهم أمام أبنائهم، فغضبهم وشجارهم مثلا مزعج جداً للأبناء.
ع17: لأن ملكوت الله الذى فى داخلنا ونعيشه مع المسيح هو فى الأساس محبة وفرح وسلام، فلا يصح أن ننشغل بمناقشات أو عثرات خاصة بالأكل والشرب. ألم ترتب الكنيسة أصواماً طويلة طوال السنة لتحمينا من الانشغال بالطعام وتمنحنا بالأكثر أمورًا سماوية؟
ع18: هذه: المحبة والفرح والسلام
فليكن هدفنا الأول إذًا هو إرضاء المسيح بصنع المحبة والسلام، وبذلك أيضاً يذكينا الناس، أى يمتدحوننا فنصير قدوة حسنة تفرحهم وليس عثرة ينفروا منها.
ع19: إذاً فجيد أن لا نبدد طاقاتنا فى مالا يفيد الكنيسة، بل نعمل ونسهر بكل اجتهاد على إرساء السلام بين أفراد الكنيسة، ونمنع الانشقاقات. وليكن كلامنا كله لا لهدم الآخر وإثبات صحة وجهة نظرنا، بل نتكلم بالكلام الروحى الذى يبنيه روحياً وينميه فى المسيح، فرابح النفوس حكيم (أم11: 30).
ع20: عمل الله الذى هو خلاص النفوس وبنيانها الروحى أهم بكثير من الطعام. فلا يصح هدم عمل الله من أجل أن تأكل بحريتك وتعثر أخاك، لأن هذا التصرف سيكون شريرًا منك وستصبح فى نظر الله شريرًا.
ع21: الأفضل لك أن لا تأكل اللحم ولا تشرب الخمر أو أى شىء يمكن أن يؤدى إلى عثرة أخيك.
ع22: ستقول لى لكننى أؤمن أن هذا الطعام غير نجس. حسناً فلتأكله، ولكن ليس أمام الناس الضعفاء الإيمان بل وحدك أمام الله فقط، وعندئذ سيكون ضميرك مستريحاً ولن يدينك فى الأكل الذى تعتبره أنت حسناً وليس نجساً.
ع23: أما الذى يأكل شيئاً وهو متشكك وغير واثق فى صحة ما يفعله، فالأحسن ألا يأكله لئلا تُحسب له خطية.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح