كلمة منفعة
في الطريق الروحي يقف عسكري مرور، وبيده عَلَمَان أحدهما أخضر والآخر أحمر، ليعين ما يمر، وما لا يمر. ويضع حدودًا بين الحلال والحرام..
— حدود
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 13 روميه الإصحاح رقم 13 الأصحاح الثالث عشر المؤمن والوطن سبق فتحدّث الرسول عن المسيحي والحياة اليومية (ص 12) مظهرًا كيف يليق به أن يترجم إيمانه عمليًا في كل حياته، سواء في عبادته لله أو تقديس جسده بالروح القدس، أو في علاقته بالمؤمنين كأعضاء معه في الجسد الواحد ثم مع جميع الناس حتى مضطهديه، مقدّمًا بنعمة الله شهادة حيّة لمسيحه محب البشر. الآن يحدّثنا الرسول عن مركزه كمواطن حيّ يشعر بالتزاماته نحو وطنه بروح التواضع والاحترام. فإن كان المؤمن يدرك أن قلبه قد انطلق نحو السماء ليجد له فيها موطنًا أبديًا، فهذا يزيده التزامًا بالخضوع والحب ليشهد للوطن السماوي خلال سلوكه العملي. 1. الخضوع للسلاطين 1-5. 2. أمانته نحو الوطن 6-7. 3. التزامه بحب القريب 8-10. 4. استعدادنا للوطن السماوي 11-14. 1. الخضوع للسلاطين "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" [1-2]. بلا شك كانت علاقة اليهود بالحكام غير الإسرائيليين تمثل مشكلة، إذ تمسكوا بحرفيّة الوصيّة الموسويّة: "إنك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك، من وسط إخوتك تجعل عليك ملكًا، لا يحل لك أن تجعل رجلاً أجنبيًا ليس هو أخاك" (تث 17: 15). لقد أساء اليهود فهم هذه العبارة فكانوا يقاومون السلطات أينما وجدوا، وكانوا مثيري شغب في روما حتى اضطر الإمبراطور كلوديوس قيصر إلى طردهم من روما (أع 18: 2) حوالي عام 49م. لقد ارتبطت العقيدة الدينية في ذهن اليهودي بالسياسة، فحسبوا أن المسيّا المخلص قادم لإنقاذهم من السلطة الرومانية وبسط نفوذهم على مستوى العالم، الأمر الذي دفعهم إلى صلب ربنا يسوع المسيح إذ لم يجدوا فيه سؤل قلبهم. أمّا المسيحي فكمؤمن حقيقي يدرك أن السماء هي دائرة اهتمامه الداخلي، كقول الرسول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 1-2). هكذا ينسحب قلبه إلى السماويات، مدركًا أن حياته كلها في يدي ّ الله ضابط الكل. ولا يطمع المسيحي كمؤمن في مراكز زمنية، ولا يرتبط إيمانه بالسياسة، إذ يرى في كنيسته ليست مؤسسة زمنية وإنما "حياة سماوية"، لا تدخل في السياسة، وإنما تقبل الكل بروح التواضع والخضوع والحب في الله. كتب الرسول بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين، لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله" [1]، ذلك في الوقت الذي كان فيه نيرون يضطهد الكنيسة بكل عنف. إذ كان يؤمن إن نيرون أيضًا ـ بالرغم من شرّه ـ قد أقيم بسماح إلهي لخير الكنيسة، وليس عمل الكنيسة أن تقاومه لا في الظاهر ولا بالقلب، إنما ترد مقاومته بالحب والخضوع في الأمور الزمنيّة مادامت لا تمس إيمانها بالله. جاء في سفر الأمثال: "بي تملك الملوك، وتقضي العظماء عدلاً، بي تترأس الرؤساء والشرفاء، كل قضاة الأرض" (أم 8: 15-16)، "قلب الملك في يد الرب كجداول مياه حيثما شاء أن يميله" (أم 21: 1)، لهذا لا تكف الكنيسة عن أن تصلي من أجل الرئيس أو الملك ومشيريه ورجاله لكي يعطيهم الرب سلامًا وحكمة. يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن خضوع الكنيسة للحكام، قائلاً: [إن كان يليق بنا أن نجازي الذين يضرّوننا بالخير فكم بالأحرى يليق بنا أن نطيع من هم نافعون لنا؟... لقد أظهر (الرسول) أن هذه التعليمات تشمل الكل كالكهنة والرهبان وليس فقط الذين يمارسون أعمالاً عالمية... إذ يقول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة" [1]. فإن كنتَ رسولاً أو إنجيليًا أو نبيًا، أو أيّا كنت فلتعلم أن هذا ليس مدمّرًا للدين.] يفسر لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة موضحًا إننا نلتزم بالخضوع للرؤساء والحكام، لأن هذا التدبير هو من الله، لا بمعنى كل ملك أو مسئول أقيم من عند الله، وإنما التدبير ذاته هو من الله، إذ يقول: [ماذا تقول؟ هل كل حاكم اختاره الله؟ نجيب: لست أقول هذا، فإنني لا أتحدث عن أفراد وإنما عن المركز نفسه، إذ يجب أن يوجد حكام ومحكومين، حتى لا تسير كل الأمور في ارتباك، فيصير الناس كالأمواج يتخبطون من هنا وهناك، هذا ما أقول عنه إنه حكمة الله. لذلك لم يقل: "لأنه ليس حاكم إلا من الله" وإنما يقول: "ليس سلطان إلا من الله". وذلك كما يقول الحكيم: "زواج الرجل بامرأة من عند الرب" (أم 19: 14 الترجمة السبعينية)، بمعنى أن الله أوجد الزواج لكن هذا لا يعني أنه هو الذي يأتي بكل رجل يتزوج بإمرأة. فإننا نرى كثيرين يتزوّجون للشرّ تحت شريعة الزواج، هذا لا ننسبه لله.] يكمل القدّيس يوحنا الذهبي الفم مظهرًا أن الخضوع هنا ليس لأجل منفعة زمنية، وإنما من أجل الله نفسه. فالخضوع هنا لا يعني ضعفًا بل "طاعة في الرب"، لذا يليق بالمؤمن في خضوعه أن يخاف لا من الناس وإنما من الشرّ: "فإن الحكام ليس خوفًا للأعمال الصالحة بل الشرّيرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه، لأنه خادم الله للصلاح، ولكن إن فعلت الشرّ فخف، لأنه لا يحمل السيف عبثًا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشرّ. لذلك يلزم أن يُخضع له ليس بسبب الغضب فقط بل أيضًا بسبب الضمير" [3-5]. هكذا يرفعنا الرسول من الخضوع عن خوف أو للتملق إلى الخضوع عن ضمير داخلي حق، فيكون خضوعنا للسلاطين نابعًا عن أعماقنا الداخليّة، ممارسين الخير والصلاح وممتنعين عن الشرّ من أجل الضمير الداخلي. هكذا يلتقي خضوعنا للسلطان بتقديسنا الداخلي. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة، قائلاً: [انظروا كيف يجعل منهم أصدقاء للحاكم، مظهرًا أنه يمتدحهم من عرشه، فلا مجال للغضب... ليس الحاكم هو السبب في الخوف، وإنما شرّنا!] 2. أمانته نحو الوطن في خضوعنا للسلطان نمارس وصية إنجيلية كجزءٍ لا يتجزأ من حياتنا الروحيّة. هذا الخضوع لا يكون بالفم أو اللسان، وإنما بالعمل الجاد، بإيفاء الوطن حقّه علينا، فبسرور نقدم الالتزامات، إذ يقول الرسول: "فإنكم لأجل هذا توفون الجزيّة أيضًا، إذ هم خدّام الله مواظبون على ذلك بعينه؛ فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزيّة لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، الخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" [6-7]. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول قد حوّل ما يراه الكثيرون ثقلاً إلى راحة، فإن كان الشخص ملتزم بدفع الجزية إنما هذا لصالحه، لأن الحكام "هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه"، يسهرون مجاهدين من أجل سلام البلد من الأعداء ومن أجل مقاومة الأشرار كاللصوص والقتلة. فحياتهم مملوءة أتعابًا وسهر. بينما تدفع أنت الجزية لتعيش في سلام يُحرم منه الحكام أنفسهم. هذا ما دفع الرسول بولس أن يوصينا لا بالخضوع للحكام فحسب وإنما بالصلاة من أجلهم لكي نقضي حياة هادئة مطمئنة (1 تي 2: 1-2). هذا وإن كلمة "أعطوا" هنا في الأصل اليوناني تعني "ردّوا"، فما نقدمه من جزية أو تكريم للحكام ليس هبة منّا، وإنما هو إيفاء لدين علينا، هم يسهرون ويجاهدون ليستريح الكل في طمأنينة. سبق لنا الحديث بإفاضة عن الوصيّة الإلهية: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" في تفسيرنا (مت 22: 21؛ 1 بط 2: 13، 17). هذا والجزية هنا يقصد بها ما يأخذه الحاكم على النفوس والعقارات، أمّا الجباية فيأخذها على التجارة. 3. التزامه بحب القريب. اِلتزامنا نحو الوطن لا يقف عند الخضوع للسلاطين ودفع التزاماتنا الماديّة كالضرائب وإنما يمتد أيضًا لحب كل إنسان، إذ يقول الرسول: "لا تكونوا مديونين لأحد بشيء إلا بأن يحب بعضكم بعضًا، لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس" [8]. لا يستريح المؤمن مادام عليه دين، فيبذل كل الجهد أن يفي دين الآخرين عليه، ولعلّه يقصد هنا أنه يليق بالشعب أن يفوا الحكام الدين، لأن الآخرين يبذلون كل الجهد لأجل سلام الشعب. على أي الأحوال يليق بنا أن نفي كل إنسان دينه، إنما نبقى نشعر بدين الحب نحو الكل من أجل الله الذي أحبّنا، فنعيش كل حياتنا نرد حب الله لنا بحبّنا للناس. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن إيفاء دين الحب [يريدنا أن نبقي على الدوام نفي الدين، ولا ينتهي.] يسألنا القدّيس أغسطينوس أن نطلب من الله الحب حتى نقدر أن نفي الدين. بهذا الفكر لا نمارس "الحب" وحده، إنما نكمل الناموس كله، "لأن من أحب غيره فقد أكمل الناموس" [8]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [مرة أخرى نناقش الأعمال الصالحة، المنتجة لكل فضيلة... إنك مدين لأخيك بالحب، لأننا أعضاء لبعضنا البعض؛ فإن تركنا الحب تمزّق الجسد إلى أشلاء. إذن فلتحب أخاك، فإن كنت بصداقتك له تقتني إتمام الناموس كله فأنت مدين له بالحب بكونك تنتفع به.] يوضّح الرسول ذلك بقوله: "لأن لا تزن، لا تقتل، لا تشهد بالزور، لا تشته، وإن كان وصية أخرى هي مجموعة في هذه الكلمة: أن تحب قريبك كنفسك" [9]. إذ يمتليء القلب حبًا حقيقيًا، إنما يمتلئ بالله نفسه الذي يشبع القلب والنفس والعواطف والأحاسيس، فلا يحتاج الإنسان إلى ملذات العالم وإغراءاته ولا شهوات الجسد ولا خداعات الخطيّة لتملأ حياته. الحب مشبع للكيان الإنساني، ومبهج للحياة! بالحب أيضًا نلتقي مع السيد المسيح محب البشر، فتصير الوصايا الإنجيليّة هي ناموس حياتنا الداخليّة، عندئذ يكمل فينا الناموس بكونه وصايا سهلة وهينة. يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "المحبّة لا تصنع شرًا للقريب، فالمحبّة هي تكميل الناموس" [10]. المحبّة وهي أم كل فضيلة، ترفع الإنسان في أعماقه فوق كل شرّ، ليحيا بالروح مكملاً الناموس. + حيث يوجد الحب ماذا نحتاج بعد؟... وحيث لا يوجد الحب فأي شيء يمكن أن يكون نافعا؟ فإن الشيطان يؤمن (يع 2: 19) لكنه لا يحب، لكن ليس أحد يحب ما لم يؤمن. القدّيس أغسطينوس + المحبّة هي تكميل الناموس، مثل المسيح (الذي أكمل الناموس)... بالحب تكمل الوصايا: لا تزن، لا تشته امرأة قريبك، تلك الخطايا التي مُنعت قبلا بالخوف. القدّيس إكليمنضس السكندري + الحب هو بداية الفضيلة ونهايتها، الحب هو جذورها وأساسها وقمّتها. إن كان الحب هو البداية والتكميل، فماذا يعادله؟ القدّيس يوحنا الذهبي الفم 4. استعدادنا للوطن السماوي إن كان يليق بنا أن نكون أمناء بالنسبة لوطننا الأرضي فنخضع للسلاطين، ونقدم لهم الكرامة عمليًا بالحياة الفاضلة، ونحب جميع إخوتنا كأنفسنا، فإن هذا الإلتزام ينبع عن أعماقنا الملتهبة بحب الوطن السماوي، وشوقنا الدائم للاستعداد للانطلاق إليه. "هذا وإنكم عارفون إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم، فإن خلاصنا الآن أقرب ممّا كان حين آمنّا" [11]. لنكن أمناء ومحبّين للكل لأن أيّامنا على الأرض مقصّرة، هي مجرّد "ساعة"، وكأنها ساعة نوم نستيقظ لنجد أنفسنا مع الله وجهًا لوجه في ملكوته السماوي أبديًا. يشعر الرسول أن كل يوم ينقضي إنما يدخل به إلى الأبدية مقتربًا من نهاية حياته الزمنيّة لينعم بشهوة قلبه. كأنه يترقب خروجه من العالم يومًا وراء يوم، وساعة بعد ساعة! هذه هي احساسات الكنيسة الأولى، إذ نسمع: "الوقت منذ الآن مقصّرً" (1 كو 7: 29)؛ "نهاية كل شيء قد اقتربت" (1 بط 4: 7)؛ "هي الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18). + لقد اقتربت القيامة، اقتربت الدينونة الرهيبة، اقترب اليوم الذي يحرق كأتون. لذلك وجب علينا أن نتحرّر من تغافلنا... أنظر كيف يضع القيامة قريبة جدًا منهم، فالأيّام تتقدّم لينتهي زمان حياتنا الحاضرة، والحياة العتيدة تقترب... فإنه لا يليق أن يكونوا في بداية سعيهم غير ملتهبين غيرة وقد بلغ شوقهم كمال شدته، ليفتروا في غيرتهم مع مرور الزمن... إنما يجب أن يحدث العكس ألاَ يتراخوا بعامل الزمن، وإنما أن يزدادوا قوّة أكثر فأكثر. فكلما اقترب مجيء الملك يلزم بالأكثر أن يستعدّوا؛ كلما اقتربت المكافأة بالأكثر يصحون في صراعهم كما يحدث في المباريات حيث يزداد حماس المتسابقين كلما اقتربت نهاية المباراة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم "قد تناهي الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور، لنسلك بلياقة كما في النهار، لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعهر، ولا بالخصام والحسد، بل البسوا الرب يسوع، ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشهوات" [12-14]. يرى القدّيس بولس أن ليل الحياة الحاضرة يتناهى، لكي يقترب نهار الأبدية التي بلا ليل، لذا لاق بنا أن نتهيأ لهذا النهار فنحمل فينا السيد المسيح "شمس البرّ"، نلبسه فيحطِّم فينا كل أعمال الظلمة، مشرقًا علينا بأعماله المقدّسة كأسلحة نور. يشبِّه البابا غريغوريوس (الكبير) الرسول بولس هنا بالديك الذي يعطي صوتًا جميلاً لنستيقظ عند انتهاء الظلمة، وحلول النهار في الفجر. + لنمارس حياتنا هنا الآن بنفس الطريقة التي سنحياها في النهار، أي في العالم العتيد. القدّيس جيروم + إن كانت الظلمة قد رحلت عن صدرك، إن كان الليل قد تبدّد من هناك، إن كان الظلام قد طُرد، إن كان بهاء النهار قد أنار حواسك، إن كنت قد بدأت أن تكون إنسان النور، فلتمارس أعمال المسيح، لأن المسيح هو النور والنهار. القدّيس كبريانوس + يليق بنا أن نترك الأعمال نفسها تصرخ عاليًا، إذ تجعلنا نسير في النهار، إذ تضيء أعمالك (مت 5: 6) . القدّيس إكليمنضس السكندري + "بل البسوا الرب يسوع المسيح" [14]. نلبسه عندما نحب الفضيلة ونبغض الشرّ؛ عندما ندرّب أنفسنا على العفّة ونميت شهوتنا؛ عندما نحب البرّ لا الإثم؛ عندما نكرم القناعة ويكون العقل راسخًا؛ عندما لا ننسى الفقير بل نفتح أبوابنا لجميع البشر، عندما نقبل تواضع الفكر وننبذ الكبرياء. القدّيس البابا أثناسيوس الرسولي + "قد تناهي الليل وتقارب النهار" [12] إذ أوشك هذا (الليل) على النهاية واقترب اليوم الأخير يلزمنا أن نمارس الأعمال التي تخص الأخير لا الأول... إذ يرحل الليل تمامًا يسرع كل منّا نحو الآخر، قائلاً: لقد حلّ النهار، فنمارس أعمال النهار، كأن نلبس، تاركين أحلامنا ونومنا ليجدنا النهار مستعدين... هكذا فلنخلع عنّا تخيلاتنا، ولنترك أحلام هذه الحياة الحاضرة، ولننزع عنّا النوم العميق ونلتحف بثياب الفضيلة... يقول: "فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور" [12]. نعم لأن النهار يدعونا أن نلبس الأسلحة ونحارب (روحيًا). لا تخف عند سماعك الأسلحة، لأن العدّة المنظورة ثقيلة وارتداءها مضني، أمّا الأسلحة هنا فمرغوب فيها، يستحق أن نصلي لنواله، لأنها أسلحة من نور! إنها تجعلك أكثر بهاءً من أشعة الشمس وتهبك بريقًا عظيمًا، وتقدّم لك أمانًا... إنها أسلحة النور! "لنسلك بلياقة كما في النهار" [13]... لم يقل: "اسلكوا"، بل قال "لنسلك" ليجعل حثه بعيدًا عن التعقيد وتوبيخه لطيفًا!... "بل البسوا الرب يسوع المسيح" [14]... لا يحدثهم عن أعمال معيّنة وإنما يثير فيهم أمورًا أعظم، لأنه حينما تحدّث عن الرذيلة أشار إلى أعمالها، أمّا وهو يتحدّث عن الفضيلة فلا يُشير إلى أعمالها بل إلى أسلحتها ليظهر أن الفضيلة تجعل صاحبها في آمان كامل وبهاء عظيم... أنه يقدّم الرب نفسه كثوب، الملك نفسه، من يلتحف به تكون له الفضيلة مطلقًا. القدّيس يوحنا الذهبي الفم من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث عشر آية (1):- "1لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، " إنتهي كلام الرسول في ص12 عمن يضطهد المسيحي من وسط إخوته وكيف يتم التعامل معه. وهنا يكلمني عن إضطهاد الدولة، فقد يتصور أحد أنه يجب أن نثور علي الدولة التي تضطهدنا. فبولس يكتب هذا الكلام أيام الدولة الرومانية التي إضطهدت المسيحيين إضطهاداً عنيفاً. وهنا يشرح الرسول أنه علي المسيحي أن يخضع للدولة التي تضطهده ويصلي عنها، فالمسيحي يصلي عن الملك أو الرئيس وعن الدولة، والله هو الذي يتصرف معه، فنحن لا نفهم مبدأ الثورة علي الملك أو الرئيس فهو مُعَيّن من الله. قد يكون الملك ظالماً ولكن وجوده هو بسماح من الله ولحكمة يعلمها الله وحده. ولنسمع أن الله يقول لفرعون "إني لهذا بعينه أقمتك" (رو17:9)، فقسوة وغباء فرعون كانا السبب في إيمان اليهود بل والمصريون الذين عرفوا من هو يهوه. وإذا كان بولس قد رفض ثورة المرأة علي زوجها في خلع غطاء الرأس (1كو1:11-16) فهل يسمح بثورة المسيحيين ضد الملك. ولاحظ أن الدولة الرومانية كانت تتوجس شراً من المسيحيين لإيمانهم بالمسيح كملك لهم، فهم لم يفهموا معني الملك السماوي، ثانياً لأن المسيحية كانت لا ترتاح لنظام العبيد السائد، ولكن مع هذا لم تدعو المسيحية لثورة العبيد، فالمسيحية لا تصلح الأخطاء بالثورات بل بإصلاح الداخل. ثالثاً فالدولة الرومانية قد عانت من ثورات اليهود، فكان اليهود يطبقون الوصية "إنك تجعل عليك ملكاً من وسط إخوتك" (تث15:17) بطريقة حرفية، فأثاروا الشغب حتى في روما ضد قيصر فطردهم من روما كلوديوس قيصر (أع2:18) حوالي سنة 49م. وعموما كان فكر اليهود أنهم إنتظروا المسيا ليخلصهم من السلطة الرومانية. ويبسط نفوذهم إلي كل العالم (وهذا فكرهم للآن) ولما لم يجدوا هذه الصورة في المسيح صلبوه. أمّا المسيحي فيدرك أن السماء هي دائرة إهتماماته الداخلية (كو1:3،2). وهكذا فنحن لا نطمع في مراكز سياسية عالمية لأن كنيستنا هي مؤسسة سماوية ونحن أيضاً لا نهتم بالإضطهاد الذي يقع علينا ونحن لا نثور ضد من يضطهدنا. ونحن نخضع للرئيس أو الملك في كل شئ إلا في شئ واحد هو أن يأمرنا بترك المسيح. ولاحظ أن الرومان نظروا للمسيحية علي أنها شيعة من اليهود، ولأن اليهود ثائرين علي الدولة، ظن الرومان أن المسيحيين مثلهم. ومع ملاحظة أنه في الوقت الذي كان فيه نيرون يضطهد الكنيسة لم يري بولس الرسول أن علي الكنيسة أن تقاومه، بل رأي أنه أقيم بسماح إلهي لخير الكنيسة، بل طلب أن ترد الكنيسة بالحب علي إضطهاده وأن تصلي لأجله وتخضع له. ومع كل هذا إتهم المسيحيين أنهم مثيري فتن وسبب تكدير للأرض، وهذا ليجدوا مبرراً لوحشيتهم. وكان أقل خطأ من مسيحي يشنع به في الحال. ومع هذا يقول الرسول لِتَخْضَعْ = الخضوع هنا لا يعني ضعفاً بل طاعة في الرب، فنحن لا نخاف من الناس بل من الشر. والمسيحي يشعر أن حياته ليست في يد الملك، بل في يد الله ضابط الكل الذي عَيَّن الملك، فالسلطة مرتبة من الله، لذلك علينا أن نخضع للملك مهما كان شريراً، وليس للملك وحده بل لكل الهيئة الحاكمة معه، وهكذا يتواصل هذا الكلام مع الإصحاح السابق الذي قال فيه لا تجازوا أحدا عن شر بشر. والكنيسة تصلي من أجل الملك والرئيس ومشيريه لكي يعطيهم الرب حكمة وسلام لصالح الكنيسة. وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ = مهما كان نوعها ملكية أو جمهورية مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ. وهذا هو سبب خضوعنا للسلطان. (دا 20:2،21،28،37 + دا 17:4 + أر27: 6-8 + يو11:9). ونفس الفكر في هذه الآية نجده في (1بط2: 13-17 + 1بط21:2 + تي1:3 + 1تي2: 1-4). وبولس يكتب هذا الكلام وهو طالما وقع في يد الرومان وقيد بسلاسل. آية (2):- "2حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. " الله هو الذي عَّين الملك، (أم15:8) به تملك الملوك، فمن يقاوم الملك فأنه يقاوم الله. آية (3):- "3فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، " من يعمل أعمالاً صالحة لا يخاف من الحاكم. ومن يعمل الشر يخاف منه. آية (4):- "4لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ." الحاكم هو خادم الله، الله وضع السيف (العقاب) في يده لقمع كل شر وذلك حتى لا تعم الفوضى. آية (5):- "5لِذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ، لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الضَّمِيرِ. " علينا أن نخضع للحاكم ليس خوفاً فقط بل من أجل الضمير، لأن الله عَيَّنَهُ أي علينا أن نفهم أننا لا نتعامل مع إنسان عظيم فنخاف منه لعظمته، بل نحن نتعامل مع الله الذي أمرنا أن نخضع لمن عينه. لذلك نحن نخضع حتي في الخفاء، فالسلطان هو الله، والله يرانا حتى لو كنا في الخفاء، والضمير سيثور ضدي لو خالفت أوامر الله. والروح القدس الذي فينا أصلح ضميرنا فصار حساساً، وبنفس المفهوم، فلو وجدت طريقة للتهرب من الضرائب عليَّ أن لا أستغلها. آية (6):- "6فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هذَا تُوفُونَ الْجِزْيَةَ أَيْضًا، إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللهِ مُواظِبُونَ عَلَى ذلِكَ بِعَيْنِهِ. " 6فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هذَا 000 = أي لأجل الضمير. ولاحظ أنه علي المسيحي أن يكون أميناً في موضوع الضرائب المستحقة عليه. آية (7):- "7فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ." هذه مثل إعط ما لقيصر لقيصر. علينا أن نعطي لهؤلاء الذين في يدهم السلطان حقوقهم وهذا واجب علينا. الْجِزْيَةُ = ضريبة الأرض وما يدفع من ضريبة علي الأملاك، وهذا النوع من الضرائب دائمة منتظمة. الْجِبَايَةَ = هذه تدفع بين الحين والآخر حسبما تقتضي الظروف فهي ضريبة خاصة بالتجارة. الْخَوْفَ= من الحاكم لأنه ينفذ مشيئة الله. الإِكْرَامَ= لكل من كانوا فوقنا من رؤساء وللأب وللأم حسب الوصية. آية (8):- "8لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ." علي المؤمن أن لا يستريح إلاّ بعد أن يسدد الديون التي عليه، وهذا من شأنه أنه يبطل أسباب الشجار والنزاع والكراهية واللجوء إلي القضاء. إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا = تسديد ديوني يعطيني شعوراً بالراحة، ولكن من ناحية المسيح، فلن يحدث هذا الشعور أبداً، فالمسيح أعطاني الكثير جداً، فماذا قدمت له، أو ماذا قدمت من أعمال محبة لأولاده. المسيحي شاعر دائماً أنه مديون لله وللناس فهم أولاد الله، وهذا ما عَبَّرَ عنه بولس الرسول "بأنه مديون لليونانيين والبرابرة للحكماء والجهلاء فهكذا أنا مستعد لتبشيركم.." (رو14:1،15) فالدين الذي في رقبة بولس يسدده بالتبشير والدين الذي في رقبتي أسدده بخدمة الله وخدمة الناس، وأبداً لن يهدأ الإنسان، وسيشعر دائماً أنه مديون. الله أحبنا وسنعيش كل حياتنا نرد حب الله بحب الناس أولاد الله. وهذا الحب لله وللناس هو ملخص الناموس كله (مت35:22-40). الآيات (9-10):- "9لأَنَّ «لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ»، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ:«أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». 10اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ." قال الرسول في الآية السابقة إنَّ من أحب غيره فقد أكمل الناموس وهنا يقول لماذا. ملخص الوصايا كلها أن يمتلئ القلب بالحب الحقيقي وبهذا يمتلئ بالله نفسه الذي يشبع القلب والنفس والعواطف والأحاسيس، فلا يحتاج الإنسان إلى ملذات العالم والجسد ولن تخدعه الخطية. وملخص هذه الوصايا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملوننا، والذي يحب الآخرين لا يمكن أن يفعل الشر بهم، وعلي ذلك سيسلك نحوهم بموجب وصايا الناموس، لذلك فالمحبة هي تكميل الناموس. آية (11):- "11هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. " خَلاَصَنَا = يقصد الخلاص النهائي الذي سيكون حين يأتي الرب يسوع في مجيئه الثاني ودخولي للسماء بالجسد الممجد. كل يوم يمر علينا نقترب من يوم خلاصنا النهائي أي يوم مجيء المسيح النهائي. ولكن هذا اليوم هو يوم دينونة للأشرار، إذاً لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ = نوم الغفلة والخطية والانغماس في شهوات هذا العالم. لنكن أمناء ومحبين للكل ولله أولاً لأن أيامنا علي الأرض مقصرة، كل يوم تقل عن اليوم الذي قبله. هذه الآية تشبه قولي لإبني "يا إبني شد حيلك فاضل كام يوم علي الامتحان". وقوله لنستيقظ إشارة لحياة القيامة والنصرة علي الخطية (نوم وموت). ومن يستيقظ ويبدأ جهاده بالصلاة والعبادة تتحول الساعات الزمنية لحساب الأبدية، لأنه سيحيا الحياة الأبدية من الآن. وأيضاً ينتقل من الموت إلي الحياة، من موت الخطية لحياة فيها المسيح يحيا فيه، وبهذا يخرج من ليل العالم إلي نهار الأبدية. هذه الآية تتمشي مع نداء المسيح إسهروا (مر35:13) العريس علي الأبواب، أفيكون بيننا وبين السماء خطوة واحدة ونتثاقل. آية (12):- "12قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. " تَنَاهَى اللَّيْلُ = لقد إقتربت نهاية الأيام التي تنتشر فيها الخطية. تَقَارَبَ النَّهَارُ = لحظة مجيء المسيح أو إنتقالي أنا من هذا العالم. أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ = فأعمال الخطية تنشأ في الظلمة وتحب الظلمة لتختبئ فيها وتنتهي بظلمة جهنم. أَسْلِحَةَ النُّورِ = النور هو المسيح والأسلحة نقرأ عنها في (أف6) (صلاة/إيمان/صوم/كتاب مقدس ...)ولكن مطلوب قرار مني أن أسلك مع الله ملتزماً بوصايا الله. ولا تقل في قلبك أن الخطية قوية، بل أن الأسلحة التي معي أقوي بل تجعلني أكره الخطية. إن الحياة الحاضرة تشبه الليل المظلم وهي في طريقها للزوال، والحياة الآتية إقتربت وهذا ما يحفزنا علي حمل أسلحتنا للجهاد ضد الخطية، لكن النهار يشرق فينا حين يسكن المسيح شمس البر فينا (1كو29:7 + 1بط7:4). آية (13):- "13لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ." هذه الآية هي التي غيرت القديس أغسطينوس من حياة الخطية إلي القداسة، فقد كان في حديقة أحد أصدقائه وسمع ولداً ينادي خذ وإقرأ وكان مع الصبي بضع وريقات، فأخذها أغسطينوس، فكانت من رسالة رومية، وبالذات هذه الآية، التي قرر بعدها تغيير حياته. والخطايا المذكورة هنا هي في صورة ثنائيات، فكل واحدة مرتبطة بالأخرى. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ = حقاً كل الأشياء تحل لي ولكن ليس كل الأشياء توافق أو تليق بي كمسيحي. كَمَا فِي النَّهَارِ = فلنسلك كما لو كانت أعين الجميع تراقب تصرفاتنا كمن في وضح النهار. فلنسلك بكل أدب وخشوع ولياقة دائماً ولنفهم أن أعين الله علينا كل الأوقات في الليل والنهار. الْبَطَرِ = عربدة وإفراط في الأكل وتهييص خارج الحدود، يسمي المرح بوقاحة وقطعا فهذا مرتبط بالسُّكْرِ. الْمَضَاجعِ = ممارسة الشذوذ والزنا وتشير لأماكن الرذيلة. وَالْعَهَرِ = النجاسات من الأفكار والعواطف والرقص والنظرات والكلمات والكتب الرخيصة. بل كل ما يؤدي للنجاسة. لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ = فالخصام ينتج عن الحسد. آية (14):- "14بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ." الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ = معناها تشبهوا بالرب يسوع أو لتكن لكم صورة الرب يسوع. ونحن بالمعمودية نتحد بجسد المسيح السري فنلبس الرب يسوع (غل27:3) ولكن بالانغماس في خطايا العالم نفقد هذه الصورة، وتعود لتظهر فينا متي صلبنا الجسد مع أهوائه وشهواته "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ (غل20:2). وكلما تجددنا عموما نقترب من صورة الرب يسوع (أف24:4 +غل19:4 +1كو49:15). وهناك رمز لهذا في العهد القديم يوم ألبس الرب الإله آدم جلد الذبيحة. فالذبيحة هي رمز للمسيح المصلوب. فالمسيح يحيا فينا ويدخل فينا ويصير هو المنظور فينا ونحن المستورين فيه يظهر هو في كل عمل (أف14:3-18). هنا إختفي إنسان الليل وظهر إنسان النور. المسيح فيّ يعطيني فضائله تظهر فيّ، محبة/لطف/وداعة/تواضع... وحينما أتحلي بكل هذه الصفات أكون قد لبست الرب يسوع. كل شئ عدا المسيح هو أوراق مهلهلة لا تستر، نحن بغيره مشوهون وعرايا. إذاً نحن نلبس المسيح في المعمودية فلنستمر لابسين المسيح بإخلاص وحق، بحب الفضيلة وبغض الشر والإبتعاد عنه، وتدريب أنفسنا علي العفة وإماتة شهواتنا والالتصاق به اليوم كله (وهذا ما نسميه الجهاد). ومن يلبس الرب يسوع لنَ تَصْنَعُ تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ = أي عدم الإنغماس في الشهوات الزائدة والسعي لإثارة الإنسان العتيق بإثارة شهوات الجسد، وعدم الإرتباك والسعي وراء ملذات هذا العالم. وهذا لا يتعارض مع تدبير حاجات الجسد الضرورية، ولكن المقصود هو عدم السعي بإلحاح نحو ملذات هذا العالم، والذين يسلكون في الروح لن يكملوا شهوة الجسد (غل16:5).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ واجبات المسيحى فى المجتمع وتوبته h E h (1)واجبات المسيحى نحو المجتمع (ع1-7 ): 1لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِىَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، 2حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. 3فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ، فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، 4لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلَكِنْ، إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِى يَفْعَلُ الشَّرَّ. 5لِذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ، لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الضَّمِيرِ. 6فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هَذَا تُوفُونَ الْجِزْيَةَ أَيْضًا، إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللهِ، مُواظِبُونَ عَلَى ذَلِكَ بِعَيْنِهِ. 7فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ. ع1: عاشت المسيحية فى أغلب عصورها تحت حكم أناس غير مسيحيين، وهنا يشير القديس بولس إلى أن السلطة جيدة بصفة عامة، لأنها نظام اجتماعى لتنظيم الحياة والعلاقات بين الناس، وهذا أفضل من المجتمعات البدائية التى تسودها الفوضى وحكم العصابات. والله يفرح بالسلطة لأنه إله نظام وليس إله تشويش، فالسلطة ترتيب يوافق عليه الله لتنظيم المجتمع، ويوصينا الرسول بالخضوع له والتجاوب معه. ع2: من يقاوم السلطة أى يرفضها أو يعارضها ويحاربها، كأنه يقاوم الله نفسه، ويعرض نفسه أيضا للدينونة الأرضية أى عقاب الحكام. وحتى فى العصور التى كان السلاطين يقاومون ويضطهدون المسيحيين، كان المطلوب هو الخضوع الذى وصل إلى حد الاستشهاد، ذاك الذى كان بسماح من الله إذ أنه كان سبب بركة وانتشار للمسيحية. ولذلك لم تسمح المسيحية طوال عصورها بقيام ثورات أو شغب ضد الدول أو السلطات المضطهدة لها، بل احتملت الاضطهادات ببسالة وشجاعة وفرح. ع3: نعود مرة أخرى إلى نُظُم الحكم العادية أى الغير مضطهدة للمسيحية، حيث يقول القديس أن الحكم والحكام ليسوا مخيفين أو معاقبين للذين يعملون الصلاح، ولكن سبب خوف وتأديب لصانعى الشر مثل اللصوص القتلة المرتشين المزورين ... إلخ؛ لذلك من يريد أن يعيش مطمئناً تحت نظام أى حكم، فليفعل الصلاح أى ما هو مطلوب منه أو مصرح به من قبل قوانين الدولة، فيصير مواطناً صالحاً. ع4-5: السيف: معاقبة الأشرار بالقتل. المسئول هو خادم الله، أقامه ليحكم بالعدل بين الناس، فيسود الأمن والعدل والطمأنينة فى المجتمع، وبذلك يتطهر المجتمع. ومن أجل هذا يوجه القديس بولس نصيحة لكل إنسان، يصنع الشر حتى: أولا: لا يدخل فى دائرة الخوف والقلق والعقاب من الحكام. ثانياً: لأن ضميرنا المسيحى المحب للتواضع والطاعة وبذل الذات، لا يرضى إلا بتنفيذ وصية المسيح بالخضوع للرياسات. فالمسيحية ديانة مسالمة ليست معترضة أو مقاومة أو مشاغبة. وليس معنى ذلك ألا يطالب الإنسان بحقه أو يدافع عنه، ولكن فليطالب بحقه بطرق سليمة منطقية وليس بأساليب ملتوية أو جدال غير منطقى. فقد ظهر فى عصور الاضطهاد مدافعون عظماء دافعوا عن الديانة المسيحية بكل قوة. إن كنا مطالَبين بالخضوع لرؤسائنا الغير مؤمنين فى العالم، فكم وكم بالحرى يجب علينا الخضوع لرعاتنا الروحيين كالكهنة والمرشدين ولآبائنا وأمهاتنا. ع6: إن كان الإنسان المسيحى يخضع للرئاسات فى كل شئ بما لا يتعارض مع وصايا الله، فبديهى أن هذا يعنى الخضوع فى الأمور البسيطة مثل دفع الجزية أى الضرائب لأنها تؤدى خدمات عامة للمجتمع كله. وإن كانت الكنيسة قد طوبت العطاء للمحتاجين (احتياجات القديسين)، فإنها تحسب جامعى الضرائب مثل خدام الله الذين يجمعون التبرعات لخدمة الآخرين، وكذلك الخدمات العامة التى يتمتع بها جميع المواطنين. ع7: الجزية: هى ضريبة على النفوس أو العقارات تُعطَى لجامعى الجزية. الجباية: هى ضريبة على السلع التجارية تعطى لجامعى الجباية. أعطانا السيد المسيح نفسه مثلا عندما دفع الجزية وقال "أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (لو20: 25). كل لابد أن يأخذ حقه، ويجب أن نقدم الاحترام لكل ذى مركز بتقدير ومخافة وليس عن رياء أو وصولية، فنخاف من الشر ولا نفعله خوفا من عقوبته، وكذلك نكرم ذوى المراكز فى الدولة بالإكرام المعتاد لهذه الرتب، فنؤكد موافقتنا وخضوعنا لنظام المجتمع المفيد فى ضبط كل شئ. أنت أيها الحبيب فلتراجع موقفك من جهة رؤسائك، وتسأل نفسك. 1- هل أنا أمين فى ما هو مطلوب منى، أم أنا متكاسل ومخالف فى أعمالى؟ 2- هل أطالب بحقى بطرق مستقيمة إذا ظُلمت، أم تُرى ألجأ لطرق ملتوية أو عنيفة لأخذ حقى؟ (2)محبة كل إنسان فى العالم (ع8-10): 8لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَىْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ. 9لأَنَّ لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِىَ مَجْمُوعَةٌ فِى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. 10اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِىَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ. ع8-9: يوصى بولس الرسول الإنسان المسيحى بحب الآخرين فى المجتمع، لأن الله وضع محبة فائضة فى قلب كل مسيحى ليوزعها على الآخرين وكأنها دين عليه ملزم بسداده للآخرين، لأن المسيحى هو نور العالم وملجأ لكل متعب وصدر حنون لكل محتاج إلى الحب. ولا يجب على المسيحى أن يكون مديوناً لأحد، أى يأخذ شئيا ماديا أو معنويا من الناس ولا يرده، لأنه بهذا سيصبح وكأنه سارق. والناموس منقسم إلى قسمين: أ) قسم خاص بوصايا نحو الله. ب) قسم خاص بوصايا نحو الناس (لا تزن لا تقتل... إلخ) وملخصها هو أن تحب قريبك كنفسك. ولاحظ أن السيد المسيح فسر معنى القريب فى مثل السامرى الصالح بأى إنسان محتاج فى العالم. ع10: من يحب أحد لا يقدر أن يصنع به سوءًا، والذى عنده محبة يجد نفسه لا يخطئ فى أى واحدة من وصايا الناموس، أى كاملاً فى كل وصايا الناموس، فالمحبة هى تكميل الناموس. لذلك أيها الحبيب، إن كنت ساقطاً فى خطايا كثيرة، أو فاشلاً فى تدريباتك الروحية لمقاومة الخطية، فاعلم إذاً أن أسهل وأقصر الطرق لنوال الفضائل هى المحبة. فنقِِ قلبك من الحقد والكراهية، حينئذ ستتدفق الفضائل إلى قلبك واحدة فواحدة حتى الكمال. (3) التوبة الآن قبل ضياع الوقت (ع11-14): 11هَذَا، وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. 12قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبـَسْ أَسْلِحَةَ النُّـورِ. 13لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِى النَّهَارِ، لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجِعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسـَدِ، 14بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ. ع11-12: ينبهنا بولس الرسول إلى عدم إضاعة الوقت فى ملذات العالم أو أشياء باطلة، ولسنا ندرى كم تبقى لنا من العمر. فكل يوم يمر علينا يقربنا من لقاء المسيح، وقد يأتينا الموت أقرب مما نتصور أو قد يأتى المسيح نفسه فى مجيئه الثانى فى أى وقت. إذاً فلنقم ونترك أعمال الظلمة، وهى الشرور، ونعمل أعمال النور التى هى الفضائل. وقد شبه الفضيلة بالسلاح لما لها من قوة للانتصار على محاربات العدو. ويشبه حياتنا على الأرض بالليل لما فيه من ظلمة وكآبة وتعب، ولقاءنا بالمسيح فى الفردوس بالنهار المبهج السعيد. لاحظ أيها الحبيب جمال آية "تناهى الليل"، فهى تعطى عزاء لكل متعب بأن كل شر وظلم سيزول قريباً. فاحتمل بشكر من يد الله واثقاً بالمكافأة الأبدية، فتنال أيضاً سلامًا وعزاءً على الأرض. ع13: البطر: المرح بوقاحة. المضاجع والعهر: كل أنواع الزنا والشذوذ. فلنسلك بأعمال لائقة وتصرفات حسنة كما لو كنا فى النهار، أى كأن كل إنسان يرانا. ولا يصح أن ننغمس فى الشهوات الشريرة. والغريب أنه أضاف الخصام والحسد بعد الخطايا الصعبة كالزنا، ليوضح أنها كلها تحرمنا من الملكوت. من التدريبات اللطيفة لترك الخطية هو أن أسأل نفسى: هل كنت سأفعل هذه الخطية لو أن الناس يروننى الآن؟ والسؤال الأهم هل أقدر أن أفعل هذه الخطية والله يرانى الآن؟ إذاً درب نفسك على الشعور بحضرة الله كما يقول إيليا النبى "حى هو الرب الذى أنا واقف أمامه"(1مل17: 1)، فتبعد بهذا عن كل خطية. ع14: تدبيرا للجسد لأجل الشهوات: الميل والتخطيط لصنع الشهوات الشريرة وانغماس الجسد فى الملذات الدنيوية. أما أعظم وسيلة لغلبة الخطية فهى أن نلبس الرب يسوع، أى التأمل دائماً فى حياة الرب يسوع واتباع سلوك المسيح والاتحاد به والثبات فيه فى سر الإفخارستيا والشبع من حبه وحنانه ورعايته، وبهذا لن نجد فينا الميل لشهوات الجسد ولن نقدر أن نغضب الله.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح