كلمة منفعة
أعياد القديسين مجال لتجمعات ضخمة من المؤمنين، تطلب شفاعة أولئك القديسين، في ملء الإيمان:
— أعياد القديسين
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 11 روميه الإصحاح رقم 11 الأصحاح الحادي عشر اختيار الأمم أيضًا إن كان الرسول بولس كيهودي حقيقي فنّد بروح الحب حجج اليهود، لا ليحط من امتيازاتهم في العهد القديم، إنما ليرفعهم فوق روح التعصّب وضيق الأفق، فيتمتّعوا مع سائر الأمم ببرّ المسيح، بل ويشعروا بالتزامهم بالكرازة به أكثر من غيرهم، الآن كرسولٍ للأمم يحذّر بذات روح الحب أيضًا الأمم المتنصّرين لئلاّ يفقدوا برّ المسيح خلال كبريائهم أو استخفافهم بإخوتهم اليهود، موضحًا خطّة الله الفائقة نحو الكل. 1. لا يرفض الله شعبه 1-10. 2. قبولهم خلال توبتهم 11-16. 3. الأمم زيتونة برّية 17-24. 4. انتظار توبة اليهود 25-32. 5. خطّة الله الفائقة 33-36. 1. لا يرفض الله شعبه مرة أخرى أودّ أن أؤكد أن حديث الرسول هنا كما في الأصحاحات السابقة خاص بالشعوب ككل لا بالأفراد. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن كانت الأصحاحات السابقة (4-10) موجهة إلى الشعب اليهودي كي لا يستكبر بسبب انتسابه الجسدي لإبراهيم، واستلامه الناموس الموسوي، واختياره كشعب الله، فإنه في هذه الأصحاح يتحدّث مع الأمم فيحذّرهم من إساءة فهم الحديث السابق لئلاّ يستكبروا ويستخفوا باليهود، معلنًا أنهم لابدّ أن يقبلوا السيد المسيح في أواخر الدهور، ويتراجعوا عن الجحود الذي يمارسونه الآن. بمعنى آخر حين يُحدّث اليهود يوبّخهم ليفتحوا قلوبهم بالحب للأمم، وحين يُحدّث الأمم يوبّخهم ليفتحوا قلوبهم لليهود الراجعين بالإيمان لله، يودّ أن يرى البشريّة كلها تسند بعضها البعض بروح الحب والتواضع لئلاّ يهلك أحد بسبب التشامخ والعجرفة. في هذا الأصحاح يعطي الرسول رجاءً لليهود ليتخلّوا عن جحودهم للمسيّا وتعصبهم البغيض، كما يقدّم تواضعًا للأمم الذين دخلوا إلى الإيمان بالتطعيم في الشجرة الأصيلة. بدأ الرسول حديثه بسؤال مع إجابة سريعة قاطعة يليها شرح تفصيلي: "فأقول: ألعلّ الله رفض شعبه؟ حاشا. لأني أنا أيضًا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين. لم يرفض الله شعبه الذي سبق فعرفه. أم لستم تعملون ماذا يقول الكتاب في إيليا؟ كيف يتوسّل إلى الله ضد إسرائيل قائلاً: يا رب قتلوا أنبياءك، وهدموا مذابحك، وبقيتُ أنا وحدي وهم يطلبون نفسي؟ لكن ماذا يقول له الوحي؟ أبقيتُ لنفسي سبعة آلاف رجل لم يحنوا ركبة لبعل. فكذلك في الزمان الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة" [1-5]. خشى الرسول لئلا يُساء فهم اقتباسه من إشعياء النبي: "أمّا من جهة إسرائيل، فيقول: طول النهار بسطتُ يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" (رو 10: 21؛ إش 65: 2)، فيحسبون أنه يغلق الباب على إسرائيل مزدريًا به، لذلك أسرع بهذا السؤال: ألعلّ الله رفض شعبه؟ وجاء بإجابة حاسمة: حاشا! جاءت الإجابة بعد ذلك بدقة بالغة وبدلائل، إذ يلاحظ فيها الآتي: أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول عند إجابته لم يقل "شعبه" فحسب بل قال: "شعبه الذي سبق فعرفه" [2]. فإن الذين قبلوا الإيمان من اليهود هم قليلون لكنهم "معروفون" لدى الله، هذا هو شعبه! كأن وعد الله قائم وقد تحقّق حتى في اليهود وأن الذين تمتعوا به قليلون. لا يشغل الله ضخامة العدد، لكنه يطلب أبناء أمناء وإن كانوا قلّة. شعب الله معروف لديه، يعرف عددهم، ويناديهم بأسمائهم، وإن كانوا قلّة مخفيّة كما في أيام إيليا حيث انحرف الشعب إلى العبادة الوثنيّة وقتلوا الأنبياء وهدموا مذبح الله، لكن الشعب الحقيقي كان محصيًا لديه (7000 رجل) لم يحنِ ركبة لبعل بل هو أمين في عبادته، لم يعرفه حتى إيليا نفسه الذي ظن أن الشعب كله قد هلك، فطلب لنفسه الموت، قائلاً: "بقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (1 مل 19: 4، 14). في كل جيل يوجد "شعبه الذي سبق فعرفه"، السبعة آلاف رجل الذين لا يحنون ركبهم لبعل، المعروفون لله بأسمائهم. أمّا كونهم 7000، فلأن رقم 7 يُشير إلى الكمال، لأن الإنسان أكمل خليقة الله على الأرض يحمل نفسًا على صورة الثالوث، وجسدًا من هذا العالم (أربعة أركان العالم)، فيرمز للإنسان بكليته (3+4) برقم 7. وأمّا رقم 1000 فيشير للحياة السماويّة أو الروحيّة لأن يومًا عند الرب كألف (مز 84: 10). كأن رقم 7000 يُشير إلى جماعة الكاملين روحيًا، الذين تقدست نفوسهم وأجسادهم بالروح القدس ليعيشوا بفكر روحي وعلى مستوى سماوي. أمّا كونهم رجالاً فلا يعني تمايز الجنس، وإنما يعني أنهم يحملون الحياة الناضجة البعيدة عن لهو الأطفال وعجزهم وعن تدليل النساء وترفّههم. لذا جاءت الوصيّة الرسولية: "كونوا رجالاً" (1 كو 16: 13). ثانيًا: يقدّم الرسول بولس ثلاثة أدلة على عدم رفض الله لشعبه: أ. يقدّم نفسه دليلاً على ذلك، إذ يقول: "لأني أنا أيضًا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين" [1]. بقوله "أيضًا" يعني به غيره من اليهود المؤمنين بالسيد المسيح سواء في كنيسة رومية أو غيرها، فقد أوضح أن الله لا يزال يحقّق مواعيده لشعبه، وأنه هو إسرائيلي حقًا من سبط بنيامين من نسل إبراهيم وليس دخيلاً، وقد نال الوعد بل وصار كارزًا به. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يقول أنا المعلم والكارز... لو أن الله رفضهم لما اختير هو نفسه الذي من هذا الجنس ليقوم بالكرازة والاهتمام بشئون العالم وكل الأسرار والتدبير الشامل.] ب. أمّا الدليل الثاني فهو ما ورد في سفر ملوك الأول (ص 19) عن إيليا النبي الذي ظن في نفسه أنه لم يعد يوجد بعد شعب مختار لله إذ يقول: "يا رب قتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك، وبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي" [3]. لقد اختفت الكنيسة حتى عن عينيّ إيليا النبي الغيور، لكنها لن تختفي عن عيني الله. وكان هذا نبوّة ورمزًا للشعب اليهودي الذي قاوم السيد المسيح وقتلوا تلاميذه وأرادوا تحطيم مذابحه الحيّة، وظهر الكل كهالكين، لكن من بينهم كان التلاميذ الذين من أصل يهودي وقد قبلوا الرب وشهدوا له، وأيضًا وُجد كثيرون آمنوا وإن كانوا إن قورنوا بالجاحدين يُحسبون قلّة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كنتم لا تعرفونهم فهذا ليس بالأمر العجيب، فإن النبي الذي كان رجلاً عظيمًا وصالحًا لم يعرفهم، لكن الله دبرّ كل الأمور لنفسه حتى عندما لم يعرف النبي... الآن يقرأ لهم الرسول العبارة: "قتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك" ليظهر لهم في ألم أن ما فعلوه بالمسيح والرسل ليس بالأمر الغريب، إذ اعتادوا على ممارسة ذلك... لاحظ كيف يوجّه إليهم اتهامًا قويًا لا خلال بولس ولا بطرس ولا يعقوب ولا يوحنا بل خلال من له أعظم تقدير عندهم، رئيس الأنبياء، وصديق الله، الغيور عليهم جدًا (1 مل 19: 14) حتى سلّم نفسه للجوع من أجلهم، والذي لا يزال حيًا حتى اليوم... بهذا المعنى أيضًا يقول الرسول بعبارة أخرى حين كتب إلى أهل تسالونيكى: "لأنكم تألّمتم أنتم أيضًا من أهل عشيرتكم تلك الآلام عينها كما هم أيضًا من اليهود، الذين قتلوا الرب (يسوع) وأنبياءهم واضطهدونا نحن، وهم غير مرضيّين لله، وأضداد لجميع الناس" (1 تس 2: 14-15).] ج. الدليل الثالث على تتمة وعود الله لشعبه الذي سبق فعرفه فقد أورده في الأصحاح السابق، إذ أعلن كلمات الرب على فم موسى النبي: "أنا أغيركم بما ليس أمة، بأمّة غبيّة أٌغيظكم" (10: 19)، الأمر الذي يشرحه بإسهاب في هذا الأصحاح [11-36]، موضّحًا أن ما حدث من جحود بالنسبة لأغلبية اليهود يفتح باب مراحم الله أمام الأمم حتى متى يتم مِلء الأمم، في آخر الأزمنة، يرجع اليهود عن كبريائهم وجحودهم ليقبلوا الإيمان بالسيد المسيح. ثالثًا: إذ أوضح الرسول بالدليل القاطع، خلال نفسه كمثالٍ وخلال شهادة الأنبياء، خاصة موسى وإيليا أنّ وعد الله قائم، وإن كان الذين تحقّق فيهم الوعد قلّة، فإن سرّ جحودهم هو "قساوة القلب" أو بمعنى آخر فساد العين الداخليّة (القلب) وعجزها عن معاينة الله والتعرّف على أعماله الخلاصيّة. هذا ما أعلنه الرسول بقوله: "فكذلك في الزمان الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة. فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال، وإلا فليست النعمة بعد نعمة، وإن كان بالأعمال فليس بعد نعمة، وإلا فالعمل لا يكون بعد عملاً. فماذا؟ ما يطلبه إسرائيل ذلك لم ينله، ولكن المختارون نالوه، وأمّا الباقون فتقسوا. كما هو مكتوب: أعطاهم الله روح سبات وعيونًا حتى لا يبصروا، وآذانًا حتى لا يسمعوا إلى هذا اليوم. وداود يقول: لتصر مائدتهم فخًا وقنصًا وعثرة ومجازاة لهم. لتظلم أعينهم كي لا يبصروا، ولتحن ظهورهم في كل حين" [5-11]. هكذا يقدّم لنا الرسول صورة واقعية لحال إسرائيل، إذ رفض غالبيتهم الإيمان، وقبِل القلّة أن يتمتّعوا بالوعد كشعب الله الحقيقي، مقدّمًا تفسيرًا لسرّ جحود الغالبية، مدعمًا ذلك بشهادة العهد القديم نفسه عنهم. يلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي: أ. البقيّة التي تتمتّع بالخلاص، تتمتّع به خلال نعمة الله المجّانية، وليس خلال حرفيّة أعمال الناموس ولا أعمال البرّ الذاتي. هذه الأعمال تضاد النعمة: أعمال الحرف القاتل التي بلا روح، والأعمال النابعة عن الذات، أمّا الأعمال الروحيّة التي هي من صنيع الروح القدس فينا فليست مضادة للنعمة بل تتجاوب معها. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا مرة أخرى يثبت الرسول النعمة ويظهر قوّتها، هذه التي بها يخلص الإنسان على الدوام وبدونها يهلك. لنقدّم التشكّرات أننا ننتسب للذين يخلصون، وليس للذين يحسبون أنهم قادرون على الخلاص بأعمالهم الذاتية بل بعطيّة الله. ونحن بتقديمنا نقدّم التشكّرات لا بالكلام بل بالعمل والتصرفات. لأن هذه التشكّرات أصيلة، إذ نمارس الأمور التي يتمجّد الله بها بالتأكد، ونهرب من الأعمال التي تحرّرنا منها.] هكذا يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم بإفاضة عن ارتباط النعمة بالعمل الروحي الذي يضاد أعمال البرّ الذاتي وأعمال الحرف. فإن الشكر الذي نقدمه لله على عطيّة النعمة المجّانية إنما يقدّم خلال الأعمال الروحيّة المقدّسة بالرب والهروب من الشرّ الذي تحرّرنا منه. وكأن العمل الذي نمارسه سواء إيجابيًا بممارسة الحياة الفاضلة بالروح القدس أو سلبيًا برفض الشّرور التي حررتنا منها النعمة الإلهية، هذا العمل لا يضاد النعمة الإلهية بل يمجد الله فينا. إن كانت النعمة الإلهية تجعل من الإنسان الترابي الأرضي كائنًا سماويًا، فالمرتّل يُعلن "السماوات تحدّث بمجد الله" (مز 19: 1)، لا بالكلام بل بالحياة العاملة المجيدة. هذا هو ما فعلته النعمة في نفس بولس الرسول التي صارت متلألئة بالمجد الإلهي خلال الحياة العاملة بالرب، تجتذب الكثيرين إليها لمجد الله. وكما يقول الذهبي الفم: [كان لبولس نفسًا لا تقل عن السماء، قادرة أن تجتذب إليها كل البشر. نفوسنا لا تعادل الأرض، إنما كانت نفسه تعادل السماوات!... يتخطى سمو نفسه السماوات كلها لتتدخل في حديث مع المسيح نفسه! جمالها فائق يُعلن عنه الله نفسه! دهشت الملائكة عندما خُلقت الكواكب (أي 38: 7)، أمّا بالنسبة له فالله يعجب به، إذ يقول: "لأن هذا لي إناء مختار" (أع 9: 15). السماء تظلِّلها السحب عدة مرات، أمّا نفس بولس فلم تظللَّها تجربة قط! وحتى وسط العواصف كانت نفسه أكثر صفاءً من السماء وقت الظهيرة، تضيء على الدوام قبل أن تلحقها غيوم. فإن "الشمس" الذي يشرق في بولس يبعث بأشعته التي تفوق غيم التجارب لتضيء أكثر بهاءً. لذلك يقول: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 9). إذن لنجاهد متمثّلين به، وعندئذ تصير هذه السماء كلا شيء، بل إن أردنا حتى الشمس والقمر أيضًا، فإن هذه قد خُلقت لأجلنا، ولسنا نحن لأجلها.] ليتنا نقبل عمل النعمة المجّانية لتصير نفوسنا سماءً للرب، هذه التي تعمل في النفوس المتجاوبة معها بالحب العملي والجهاد الروحي القانوني، في غير اعتداد بالذات ولا حرفيّة قاتلة. ب. إذ أبرز الرسول قوّة النعمة الفائقة أظهر سرّ جحود غالبية شعب إسرائيل، ألا وهو طلبهم البرّ الذاتي، فلم ينالوا النعمة التي تغيرّ القلب لتفتح بصيرته، وتدرك عمل الله الخلاصي. يقول الرسول: "فماذا؟ ما يطلبه إسرائيل ذلك لم ينله" [7]، لأنه طلب أن يتبرّر بأعمال الناموس الحرفيّة وسعي ببرّه الذاتي فحُرم من عطيّة البرّ. "ولكن المختارون نالوه" [7]. هذه القلّة التي قبلت الإيمان بالمسيح ونالت النعمة الإلهية تمتعت بالخلاص كفئة مختارة. ولئلاّ تعترض الأكثرية، قائلة: "ما ذنبنا نحن مادمنا غير مختارين؟ لذلك كشف الرسول عن دورهم في الجحود: "وأمّا الباقون فتقسوا" [7]. إن كانت النعمة هي عطيّة الله المجّانية فإن قسوة القلب هي من عندنا. لقد قاوموا الحق، ولم يتجاوبوا من نعمة الله المجّانية، لذلك تُركوا لفساد قلبهم القاسي، فانطمست بصيرتهم الداخليّة وعجزوا عن الاستماع لصوته. الأمر الذي سبق فأنبأ عنه الأنبياء، وقد لخّصه الرسول بقوله: "كما هو مكتوب: أعطاهم الله روح سُبات، وعيونًا حتى لا يبصروا، وآذانًا حتى لا يسمعوا إلى هذا اليوم" [8]، إذ جاء في العهد القديم: "اسمعوا سمعًا ولا تفهموا، وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا" (إش 6: 9)، "ولكن لم يعطكم الرب قلبًا لتفهموا، وأعينًا لتبصروا، وآذانًا لتسمعوا، إلى هذا اليوم" (تث 29: 4). "الآن الرب قد سكب عليكم روح سبات وأغمض عيونكم" (إش 29: 10). هكذا يوضّح لهم الرسول أنهم إذ رفضوا عمله فيهم صاروا إلى حال رديء، إذ صارت نفوسهم لا ترى الحق ولا تسمع له، بل صارت نائمة وخاملة تحمل "روح السبات" الذي يعني عدم التغيير، أو الاستكانة لما هي عليه من شر. أما ثمر هذا فقد أعلنه داود النبي هكذا: "لتصر مائدتهم فخًا وقنصًا وعثرة ومجازاة لهم" [9] (مز 69: 22). بمعنى أنهم وهم مطمئنّون ومستكينون للشر تحلّ بهم النكبات وسط ولائمهم، فيتحوّل فرحهم إلى غمّ، وسلامهم إلى ضيق. تُشير "مائدتهم" هنا إلى رموز العهد القديم ونبوّاته، فإنها مائدة مشبعة إن قدمت بطريقة روحية، إذ تُقدّم لنا "شخص السيد المسيح نفسه"، أمّا وقد تمسّكت هذه الأغلبية بالحرف القاتل فصار ما هو للبنيان علّة هدم لهم، بل وفخًا وعثرة ومجازاة لهم. وربّما تُشير "مائدتهم" بالأكثر إلى ذبيحة الفصح التي غايتها الشرّكة مع الله خلال المصالحة بالدم الكريم، ففي الفصح قام يهوذا، ممثلاً لهؤلاء الجاحدين، بدور الخيانة العامة عِوض قبول المصالحة. "لتظلم عيونهم"، إذ أبقوا على برقع الحرف ورفضوا إبطاله، كقول الرسول: "لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم، ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع، وأمّا الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية، ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة يتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 15-18). "لتنحنِ ظهورهم" علامة الضعف والعجز الروحي والعبوديّة، فإن الخطيّة ثقيلة ومرهقة للنفس، والناموس يعجز عن أن يرفعها خارج النعمة. ج. يحدّثنا القدّيس أغسطينوس عن سرّ جحود إسرائيل، قائلاً: [لم يستطيعوا أن يؤمنوا لأن إشعياء النبي تنبأ عن ذلك، وقد تنبأ لأن الله سبق فعرف ما سيحدث. إن سألت لماذا لم يستطيعوا؟ أجيب في الحال: لأنهم لم يريدوا، لأنه بالتأكيد كان الله يرى مسبقًا إرادتهم التي فسدت، وقد سبق فأخبر بها النبي لأنه ليس شيء مخفيًا عن الله.] 2. قبولهم خلال توبتهم سبق فتحدث الرسول عن رجوع اليهود عن جحودهم متى قبلوا ذاك الذي صلبوه وآمنوا به. يقول القدّيس أمبروسيوس أن شمشون اليهودي الذي قتل الأسد، كان رمزًا لليهود الذين صلبوا السيد المسيح الأسد الخارج من سبط يهوذا، وقد عاد شمشون ليجد في أحشاء هذا الأسد مخزنًا لعسل الحكمة (قض 14: 8)، وكأنه يمثّل اليهود الراجعين إلى السيد المسيح بالتوبة ليجدوا فيه كل لذّة الحكمة وشبعها. يرى القدّيس بولس أن الله سمح بقسوة قلب اليهود لينفتح الباب للأمم، فإن عاد هؤلاء بالتوبة والإيمان إلى الله كم يكون حال الكل؟ إذ يقول: "فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا. بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم. فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، لكم بالأحرى ملؤهم! فإني أقول لكم أيها الأمم إني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي. لعلى أغير أنسبائى وأخلص أناسًا منهم؟ لأنه أن كان رفضهم هو مصالحة العالم، فماذا يكون اقتبالهم إلا حياة من الموت؟ وإن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين! وإن كان الأصل مقدسًا فكذلك الأغصان!" [11-16]. ويلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي: أولاً: لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ كان في الأصحاحات السابقة يوجّه لليهود اتهامات متتالية لذا كان يستعين بشهادات الأنبياء مرارًا وتكرارًا، مثل إشعياء وإيليا وموسى وهوشع، أمّا الآن إذ يستخدم أسلوب الملاطفة معهم فلا يجد حاجة للاستعانة بشهادات نبوية. ثانيًا: عجيب هو الله في حُبّه وحكمته، يستخدم عثرة اليهود لخلاص الأمم، ويستخدم خلاص الأمم لإغارة اليهود ليرجعوا إليه بالتوبة. إنه صانع خيرات، يحوّل الشرّ كما الخير لبنيان البشريّة فيه. ثالثًا: يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة: "فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا! بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم" [11]، قائلاً بأن الرسول أراد أن ينزع عنهم روح اليأس ويهيئهم لقبول النعمة، مظهرًا أن عثرتهم كانت بسماحٍ إلهيٍ لخلاص الأمم. كان يمكن للرسول أن يقول بأنهم تعثّروا أو سقطوا عن الإيمان بسبب غباوتهم، بينما تحقّق خلاص الأمم بقبول الأمم للإيمان، لكن الرسول أراد أن يرفع من نفسيتهم حتى يقوموا من العثرة التي سقطوا فيها، معلنًا أنها سبب خلاص للأمم. هذه ليست لغة الرسول وحده وإنما جاءت الأمثال في الأناجيل تقدّم ذات المعنى، ففي مّثل العُرس إذ رفض المدعوّون الحضور دُعي الذين في الشوارع والطرقات (مت 22: 9)، وفي مَثل الكرم إذ قتل الكرّامون الوارث جاء صاحب الكرم بكرامين آخرين (مت 21: 38). وإذ قاوم اليهود بولس مناقضين ومجدّفين جاهر قائلاً لهم: "كان يجب أن تُكلّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقّين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 13: 46). من هذا يتّضح أنه كان يجب أن تبدأ الكرازة بهم ثم تتحوّل إلى الأمم، لكنهم إذ رفضوا الإيمان تغيّر الأمر ليصير الأمم أوّلين، جاءهم يسوع فلم يقبلوه ولا اهتمّوا بأعماله وآياته، بل صلبوه، فاجتذب الأمم إليه، وصار الآخرون أوّلين، حتى إذ يقبلوا الإيمان وينالوا المواعيد يغير اليهود فيؤمنوا. رابعًا: يُعلّق أيضًا القدّيس يوحنا الذهبي الفم على القول الرسولي: "فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟!" [12]، قائلاً: [هنا يتكلّم ليعظمهم... لأنه إن كان بتعثّرهم تمتّع كثيرون بالخلاص، وبرفضهم صار كثيرون مدعوّين، ماذا يكون الحال برجوعهم؟] ويلاحظ في هذه العبارة الرسولية إذ يكتب برقةٍ يرفع من نفسية اليهود بعد أن فنّد حججهم معلنًا جحودهم تحت اسمين آخرين "زلّتهم"، "نقصانهم". فكلمة "زلّة" تحمل التعثّر الذي يمكن أن يصحبه قيام أو اشتياق للقيام، "والنقصان" ربّما يعني أن البعض آمن والآخر لم يؤمن بعد لهذا فهم في حالة "نقص" حتى يكمل الكل أو الغالبية بقبولهم للإيمان. هذا من جانب ومن جانب آخر، إذ يوجّه هذا الأصحاح للأمم يهبهم طمأنينة، إن رفض اليهود قد فتح لهم الطريق وعودتهم للإيمان لا يعني غلقه، بل بالحري اتساعه يفيض من البركات السماويّة. أمّا قوله "ملؤهم"، وليس "رجوعهم"، "تغيّرهم" فكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم إنما يُشير إلى رجوع الغالبيّة العظمى منهم في أواخر الأيّام لينضمّوا للذين سبقوا أن قبلوه. خامسًا: يقدّم لنا الرسول سببين رئيسيين في خدمته للأمم: أ. التزامه بالعمل كرسولٍ مفرزٍ لخدمة الأمم، يشعر بثقل المسئولية الملقاة على كتفيه من قبل الله نفسه الذي أفرز من بطن أمه وكرّسه لهذا العمل، لذا يقول: "فإني أقول لكم أيها الأمم بما أني رسول للأمم أمجّد خدمتي" [13]. لم يكن هذا الشعور يفارقه، مشتاقًا أن يحتضن العالم الأممي كله بين ذراعيه ليحملهم بالحب إلى الصليب، ويتمتّعوا بعمل الله الخلاصي. ب. أمّا السبب الثاني، فهو يري في خدمته للأمم ما يثير غيرة اليهود، مشتاقًا أن يقبلوا النعمة التي قدمت لهم ورفضوها: "لعلّي أُغيرّ (أجعلهم في غيرة) أنسبائي وأخلص أناسًا منهم" [14]، وقد جاءت الكلمة اليونانية التي ترجمة "أنسبائي" في حرفيتها "جسدي"، إذ يدعو اليهود جسده! سادسًا: أراد أن يبرز قوّة عودة اليهود الجاحدين إلى الإيمان بالسيد المسيح، فحسب هذا العمل أشبه بالقيامة من الأموات، إذ يقول: "لأنه إن كان رفضهم هو مصالحة العالم، فماذا يكون اقتبالهم إلا حياة من الأموات؟" [15]، كأن الله سيتمجّد فيهم وتبتهج الكنيسة في العالم كله برجوع الجاحدين، ويتهلل الكل ليراهم كمن هم قيام من الأموات. سابعًا: لا يتجاهل الرسول بولس الباكورة الأولى، أي رجال العهد القديم من اليهود كإبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء، هؤلاء الذين يشبههم الرسول بالباكورة المقدّسة أو الأصل المقدس، إذ يقول: "وإن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين، وإن كان الأصل مقدّسًا فكذلك الأغصان" [16]. كأنهم سيرجعون في أواخر الدهور ليحملوا ذات التقديس الذي كان لآبائهم. إن كان القدّيس يوحنا الذهبي الفم قد أخذ هنا بالتفسير الحرفي للعبارة، قائلاً بأن آباء وأنبياء العهد القديم يمثّلون الباكورة المقدّسة التي لابد أن يتقدّس خلالها العجين كله، فإن القدّيس إيريناؤس يرى في الباكورة إشارة إلى كلمة الله الذي اتّخذ لنفسه جسدًا، أي حملنا نحن العجين فيه لتقديسنا. ويقدّم لنا القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص نفس المعنى إذ يقول: [إذ صرتُ بكرًا أُقدّم فيّ كل البشريّة لإلهها وأبيها. جعل البكر الله الحقيقي إلهًا للبشريّة، والآب الصالح أبًا لها، وصارت الطوباوية مؤكّدة للطبع البشري ككل. بواسطة البكر صار الله الحقيقي الآب أبًا وإلهًا لكل البشريّة، لأنه: "إن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين" حيث يكون المسيح البكر يكون أيضًا من هم للمسيح]. [يقدَّس العجين كله بواسطة بكره في نفسه]. [ذاك الذي صار لأجلنا شريكًا لنا في الدم واللّحم يشفينا ويردّنا إلى الموضع الذي شردنا منه، وصرنا مجرّد لحم ودم بالخطيّة (عب 2: 14) .] لنقبل مسيحنا الباكورة القادر أن يقدس عجين حياتنا كلها، أي كمال بشريتنا، فتتحوّل نفوسنا وأجسادنا وأفكارنا وقلوبنا إلى مقدس للرب، ويُعلن ملكوت الله فينا لنقبله أيضًا بكونه الأصل الحامل للأغصان، مقدسًا إيّاها. بمعنى آخر، السيد المسيح هو سرّ تقديسنا، نحمله فينا كباكورة، ويحملنا فيه بكونه الأصل حامل الأغصان. يختفي فينا لتقديسنا، ونُحمل به لإثمارنا، إذ يقول: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في،ّ وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 4-5). 3. الأمم زيتونة برّية يقدّم الرسول بولس للأمم المتنصّرين تحذيرًا لئلاّ بعد ما طُعموا في شجرة الزيتون الأصليّة وحُسبوا أبناء لإبراهيم بسبب قبولهم الإيمان يسقطون في الكبرياء فينتزعون عن هذه العطية. إذ يقول: "فإن كان قد قُطع بعض الأغصان، وأنت زيتونة برّيّة طُعمت فيها فصرت شريكًا في أصل الزيتونة ودسمها، فلا تفتخر على الأغصان. وإن افتخرت، فأنت لست تحمل الأصل، بل الأصل إيّاك يحمل" [17-18]. يلاحظ في هذا التحذير الآتي: أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول قال: "قُطع بعض الأغصان"، مع أن الغالبية قد قُطعت عن الأصل، وحُرموا من انتسابهم لإبراهيم برفضهم الإيمان، وذلك لأنه يكتب بلطف لتعزيتهم حتى لا يسقطوا في اليأس. يشبِّه الرسول كنيسة العهد القديم بالزيتونة، ذات الأصل المقدَّس ولها دسمها الروحي، وإن كانت بعض الأغصان جاءت غير مقدّسة تستحق القطع، بينما يشبه الأمميّين بزيتونة برّية ليس فيها ثمر ولا دسم، بالإيمان تمتعت بعض أغصانها أن تُطعم في الأصل المقدس فحُسب الأمم أبناء لإبراهيم. ثانيًا: يسأل الرسول الأمم المتنصّرين: "لا تفتخر على الأغصان... لا تستكبر بل خف" [18-20]. بينما يوبخ اليهود على عدم إيمانهم: "حسنًا، من أجل عدم الإيمان قُطعت" [20]، يتحدّث بحزم مع الأمم أن يثبتوا في الإيمان الذي قبلوه خلال "مخافة الرب". يطالبهم ألا يتكبّروا لئلاّ تُنتزع النعمة الإلهية عنهم بل يخافون، لا الخوف النابع عن عدم الإيمان الذي تطرده المحبّة خارجًا (1 يو 4: 18)، وإنما مخافة الرب المقدّسة، إذ قيل: "أجعل مخافتي في قلوبهم، فلا يحيدون عني" (إر 32: 40)، "تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم" (أف 2: 12-13). يقول القدّيس إيريناؤس: [يلزمنا ألا نستكبر ولا نقسو على رجال العهد القديم، بل نخف لئلا بعدما صرنا في معرفة المسيح إذ نرتكب ما يغضب الله لا ننال غفران الخطايا بل نحرم من ملكوته (رو 3: 23).] إن كان عدو الخير غلب الكثيرين من اليهود برفض الإيمان تمامًا، فإنه لا يلقي بسلاحه أمام الذين يؤمنون، إذ يحاول تحطيمهم بالكبرياء. نوالنا نعمة الله يسندنا في الجهاد لكنه يثير العدو علينا أكثر فأكثر، لذا يليق بنا أن نحذر مجاهدين بالنعمة عينها التي ننالها. بهذا الروح كتب القدّيس جيروم إلى أوستوخيوم: [أودّك أن تخرجي من نذر البتولية لا بالكبرياء بل بالمخافة. إنك تسيرين حاملة ذهبًا، تحفّظي من طريق اللص (الكبرياء) .] لقد وهبنا الله نعمته الغنيّة لتعمل فينا إن تجاوبنا معها، فنحمل الثمار الروحيّة في حياتنا. وكما يقول القدّيس جيروم: [كرّامنا يطلب الثمار. فإن كان بالحق قد قطع الأغصان الأولى لأنها كانت عقيمة فسيعاملنا بذات الحكم إن كنّا بلا ثمر. علاوة على هذا فإن الثمر لا يخص الجسد وحده بل والنفس أيضًا، فإنه بالتأكيد إذ يخدم الجسد الرب تخدمه النفس أيضًا مع الجسد]. ثالثًا: إن كان الله يطلب الثمر فإن الرسول يؤكّد أن هذا الثمر يتحقّق بالثبوت في لطف الله [22]، فإن كنّا بالإيمان تمتّعنا بنعمته الغنية، فبثبوتنا في هذا الإيمان المعلن خلال تجاوبنا مع نعمة الله بالحياة العاملة، ندخل بالأكثر في دائرة لطف الله. بمعنى آخر الله هو الأول في طريق حياتنا، وهو الذي يكمل الطريق معنا، وهو النهاية أو الغاية، لكن دون سلبيّة من جانبنا. إذ يقول: "وأمّا اللطف فلك أن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضًا ستقطع" [22]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل هنا: "هوذا أعمالك الحسنة، تأمّل أتعابك"، إنما يقول: "هوذا لطف الله" نحو الإنسان، مظهرًا أن ما تتمتّع به، ينبع بكليته عن النعمة التي من فوق فترتعب... خف، لأن البركات لا تقطن فيك بثبات إن صرت متراخيًا، وأيضًا الشّرور لا تثبت فيك إن تغيرت، لهذا يقول: "إن لم تستمر في الإيمان فستقطع".] في الوقت الذي فيه يحذّر المؤمنين لكي يثبتوا في الإيمان بتمسكهم بنعمة الله وتجاوبهم معها عمليًا حتى لا يُقطعوا، يطلب من الجاحدين ألا يثبتوا في الجحود، بل يتغيّروا بقبولهم الإيمان، إذ يقول: "وهم إن لم يثبتوا في عدم الإيمان سيطعمون، لأن الله قادر أن يطعمهم أيضًا" [23]. هنا أيضًا يؤكّد حريّة الإرادة الإنسانيّة، إذ يستطيع الإنسان أن يثبت في الإيمان أو يتركه، وأن يقبل الجحود أو يرفضه، ليس لأن الإنسان قادر على ذلك بذاته، وإنما لأن الله فاتح أحضانه باستمرار ليسند الكل، حتى في الإرادة الصالحة (أف 2: 13)، دون تجاهل لحرّيته الإنسانيّة. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنت ترى عظم حريّة اختيار الإنسان وعظمة فاعلية ذهنه، فإنه ليس شيء ثابتًا لا الصلاح ولا الشرّ. ها أنت ترى كيف يرفع من نفسيّة الإنسان المحطّم، ويحط من الآخر الواثق في ذاته، فلا تخور عند سماعك عن صرامة الله، ولا تنتفخ عند سماعك عن لطفه.] رابعًا: ربّما يستصعب الكثيرون عودة اليهود لقبول السيد المسيح الذي صلبوه وقاوموه حتى بعد صعوده؛ هل يمكن لليهودي أن يقبل الإيمان المسيحي ويتخلّى عن تعصّبه؟ يجيب الرسول أنه إن كان الإيمان عمل فائق للطبيعة، إذ طُعّم أغصان الزيتون البريّة في الأصل الدسم المثمر، وحُسب الأمم الذين ورثوا الرجاسات الوثنيّة أبناء لإبراهيم روحيًا، فهل يصعب عليه أن يردّ الأغصان الطبيعية إلى أصلها؟ لأنه إن كنت أنت قد قُطعت من الزيتونة البريّة حسب الطبيعة وطُعِّمت بخلاف الطبيعة في زيتونة جيدة، فكم بالحري يُطعِم هؤلاء الذين هم حسب الطبيعة في زيتونتهم الخاصة؟" [24]. 4. انتظار توبة اليهود يعتبر الرسول بولس نفسه أنه يقدّم "سرًا" يكشفه [25]؛ يقصد بالسرّ أمرًا إلهيًا بقي مخفيًا، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه عمل يصعب على الإنسان قبوله بحكمته البشريّة، بنود هذا السرّ هي: أ. جحود إسرائيل جزئي لا كلي، إذ قبل بعض اليهود الإيمان بالسيد المسيح كالرسل وغيرهم [25]. ب. ينتظر الله ملء الأمم [25]. ج. ببلوغ ملء الأمم يعود إسرائيل، فيقبل الإيمان بالمسيح؛ هذا لا يعني جميع الأفراد. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذا الفصل بالعبارات التالية: [يقصد بالسرّ هنا [25] أمرًا غير معروف وغير منطوق به، ومدهش للغاية ولا يتوقعه أحد. في موضع آخر يقول: "هوذا سرّ أقوله لكم، لا نرقد كلنا ولكنّنا نتغير" (1 كو 15: 51). ما هو السرّ إذن؟ "أن العمى قد حصل جزئيّا لإسرائيل". هنا يُلقي بصَفعة على اليهود، بينما يبدو كمن يحط من شأن الأمم، إذ عنى الرسول تقريبًا بأن عدم الإيمان لم يكن جامعًا وإنما كان جزئيًا. ولقد قدّم إشعياء شاهدًا، هذا الذي صرخ قائلاً: "سيخرج من صهيون المنقذ، ويرد الفجور عن يعقوب" (إش 59: 20) "هوذا هو العهد من قبلي لهم متى نزعت خطاياهم" (إش 27: 9؛ إر 31:31). يقول: متى نزعت خطاياهم وليس عندما يقدمون ذبائح ولا عندما يمارسون أعمال الناموس الأخرى. هذا الوعد لم يتحقّق فيهم لأنهم لم ينالوا غفران الخطايا بالمعموديّة، لذلك فسينتهي هذه الوضع. "من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم" [28]، لأنه عندما دُعيتم أنتم كانوا هم مسبيّين، ومع ذلك فإن الله لا يريد أن يقطع دعوتكم بل ينتظر حتى يؤمن كل الأمم وعندئذ يأتي هؤلاء للإيمان. لم يبلغ الرسول النهاية عند رفضهم إنما ستعلن لهم الرحمة ثانية.] 5. خطّة الله الفائقة يختم الرسول بولس هذا الأصحاح بذكصولوجية يُعلن فيها مجد الله من جهة أحكامه الفائقة الإدراك ومحبته الشديدة لكل البشريّة. هذه الذكصولوجية تنبع عن قلب يتطلع إلى نعمة الله وصلاحه، برجاء عجيب في خلاص العالم، إذ يقول مترنمًا: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء! لأن من عرف الرب؟ أو من صار له مشيرًا؟ أو من سبق فأعطاه فيكافىء؟ لأن منه وبه وله كل الأشياء، له المجد إلى الأبد؛ آمين" [33-36]. يتهلل الرسول بهذه التسبحة، مدركًا أن خطّة الله تفوق إدراك الخليقة، ومحبته عجيبة إذ به خُلق العالم ولأجله، يتمجّد في خليقته أبديًا! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم معلقًا على هذه الذكصولوجية بأن الرسول وقد استعرض الأزمنة السابقة وتأمّل تدبير الله القديم الذي به يقوم العالم الحاضر، يدرك عناية الله فيُصاب برهبة، ويصرخ لكي يثق سامعوه أن ما قيل سيتحقّق. وفي رهبته الشديدة أمام أعمال الله يقدّم تشكّرات وتمجيدات لله. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الحادي عشر في هذا الإصحاح يوجه الرسول كلامه للأمم حتى لا ينتفخوا أو يستخفوا باليهود معلناً أن اليهود سيؤمنوا بالمسيح في أواخر الدهور، فهو وبخ اليهود سابقاً ليفتحوا قلوبهم للأمم، وهنا يوبخ الأمم ليفتحوا قلوبهم لليهود الراجعين لله بالإيمان، هو يود أن يري الجميع، الكنيسة الواحدة كلها في محبة. آية (1):- "1فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. " الله لم يرفض شعبه ودليل عدم رفض اليهود أن الله قبل بولس وهو يهودي وجعله رسولاً له، وبالتالي فهو سيقبل كل يهودي يؤمن بالمسيح الذي تنبأ عنه كتاب اليهود المقدس، ومن يؤمن بالمسيح فهو الإسرائيلي الحقيقي ومن يرفض المسيح فقد قطع نفسه من الزيتونة، ومن يؤمن من الأمم فقد طعم في الزيتونة، لكنها زيتونة واحدة أي الكنيسة لليهود وللأمم. الآيات (2-5):- "2لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ فِي إِيلِيَّا؟ كَيْفَ يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: 3«يَارَبُّ، قَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي!». 4لكِنْ مَاذَا يَقُولُ لَهُ الْوَحْيُ؟ «أَبْقَيْتُ لِنَفْسِي سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْل». 5فَكَذلِكَ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ." الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ = شعب الله معروف لديه، إختارهم لسابق معرفته بأنهم كشعب سيقبلونه ويلتزموا بشريعته وأنه يمكن إعدادهم حتى يأتي المسيح منهم (رو 29:8) والله لن يندم علي إختياره، فكيف بعد كل ذلك يرفضهم. ويضرب الرسول مثلاً بأيام إيليا، فإيليا تصوَّر أن الأبرار قد إنتهوا من علي الأرض، ولكن الله يقول له.. لا فهناك بقية مازالت تؤمن، ومع أن إيليا لم يراها لكن عين الرب عليها، علي هذه البقية المؤمنة. وكلمة بقية هي تعبير إشعياء أي الذين تبقوا في الزيتونة أي الذين آمنوا بالمسيح. وما حدث أيام إيليا يحدث الآن، فالصورة الآن قاتمة، ويبدو أنه لا يوجد مؤمنين وسط اليهود، ولكن الرسول يقول لا فهناك بقية يراها الله وسط هؤلاء اليهود الرافضين، وهناك بقية يراها الله ستؤمن في الأيام الأخيرة ومن أجل هذه البقية فالله يحتمل خطايا اليهود كل هذه الفترة. والبقية الموجودة أيام الرسل هم التلاميذ والرسل والـ 3000 الذين آمنوا بعظة بطرس والـ 2000 الذين آمنوا بعد معجزة بطرس ويوحنا مع المقعد وغيرهم. إذاً لا يمكن أن نتصور أن كل اليهود صاروا مرفوضين. ولكن هناك بَقِيَّةٌ أفرزهم الله حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ = أي أفرزهم بحسب إختياره الذي تم بحسب نعمته. ومن الملاحظ أن كلمة إختيار النعمة هنا تشير إلي أن هذه البقية قد نالت التبرير كعطية ومنحة من قبل الله، وهي نعمة لأنه لا يوجد واحد مستحق أن يموت المسيح لأجله بسبب أعماله، ولا أن يحل فيه الروح القدس، وإن كنا نستحق شيئاً بسبب أعمالنا، لا نستحق سوي الموت، فليس بيننا من لم يخطئ، ولكن بعد أن تم إختيارنا بالنعمة علينا أن نعمل ونجاهد فتزداد فينا النعمة التي تغير طبيعتنا. سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُل = 7× 1000 "المعني أن الله يعرف الأبرار واحداً واحداً" 7= 3+4 = (النفس التي علي صورة الثالوث) + (الجسد المأخوذ من العالم) لذلك رقم 7 يشير للكمال لأن الإنسان هو أكمل خليقة لله علي الأرض 7=6+1= (الإنسان الناقص) + (الله الواحد) فالإنسان بنفسه هو ناقص ولكنه بالله يصبح كاملاً. 1000= هو رقم السمائيات فالملائكة ألوف ألوف وربوات ربوات. تأمل:- حتى الآن هناك من يتصور أنه لم يعد في العالم أبرار إلا هو، ولكن لو صح هذا لكان الله قد أحرق العالم كسدوم وعمورة. ولكن هناك أبرار دائماً في كل مكان، والله يعرفهم وعينه عليهم. إذاً رقم 7000 يشير لجماعة الكاملين روحياً الذين تقدست نفوسهم وأجسادهم بالروح القدس ليعيشوا بفكر روحي علي مستوي سماوي. وكونهم رجالاً يعني حياة ناضجة بعيداً عن لهو الأطفال وتدليل النساء (1كو13:16). آية (6):- " 6فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً. وَإِنْ كَانَ بِالأَعْمَالِ فَلَيْسَ بَعْدُ نِعْمَةً، وَإِلاَّ فَالْعَمَلُ لاَ يَكُونُ بَعْدُ عَمَلاً." هذه الآية هي إسترسال للآية السابقة التي قال فيها أن إختيار الله للأمم كان بالنعمة أي مجاناً، عطية إلهية مجانية، وليس راجعاً إلي أية إمتيازات كانت فيهم. وأي إختيار لإنسان ليدخل المسيحية هو نعمة، فمن هو الذي يستحق ما فعله المسيح. حتى لو كان للإنسان أعمال صالحة، فمن المؤكد أن له أعمال شريرة. لذلك كان الدخول للمسيحية بالنعمة. فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ = فإن كان دخولي للمسيحية هو عطية مجانية لا أستحقها، فلماذا أعود وأنسبها لشيء صالح فيَّ، لو كان إختياري راجعاً لعمل صالح، فسيكون إختياري مكافأة علي أعمالي، ولا يكون بعد نعمة أي عطية مجانية = وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً. وَإِنْ كَانَ بِالأَعْمَالِ فَلَيْسَ بَعْدُ نِعْمَةً، وَإِلاَّ فَالْعَمَلُ لاَ يَكُونُ بَعْدُ عَمَلاً = دخولي للإيمان هو نعمة أي عطية مجانية ولكن ماذا بعد دخولي للإيمان؟…بعد الدخول للإيمان يأتي دور جهادي أي أعمالي الصالحة التي بها تزداد النعمة، ويوماً بعد يوم تتغير طبيعتي فأتغير إلي صورة المسيح (كو10:3). هنا أعمالي الصالحة تكون إعلاناً عن إرادتي، وحين تتوافق إرادتي مع إرادة الله تنسكب النعمة فيَّ (هذا ما يسمي بظاهرة الرنين) لذلك سأل السيد المسيح مريض بيت حسدا "هل تريد أن تبرأ" فهو يريد أن تتفق إرادة المريض مع إرادة المسيح حتى تنسكب نعمة الشفاء في المريض، فالمسيح يريد أن يشفيه، ولكن مهم جداً إتفاق الإرادتين. إذاً هناك كلمتين مهمتين، "النعمة" وهذه عمل الله فيَّ وفي الكنيسة "والأعمال" وهذه خاصة بي. وإذا إتفقوا تحدث معجزات ويخطئ من يقول أنه بعمله يدخل السماء، ويخطئ أيضاً من لا يجاهد مستنداً علي أن النعمة تخلصه. ولكن من يعمل يستدعي النعمة لتغيره وتعمل معه. ومعني الآية ببساطة "لا تخلطوا الأمور، فالنعمة نعمة والأعمال أعمال" ومع أن بولس الذي كلمنا كثيراً عن النعمة ويعرف قدرها، كان من المؤكد أنه مستنداً علي النعمة، إلا أننا نجده يقول "جاهدت الجهاد الحسن…" فجهاده لازم حتى تلازمه النعمة وتعمل معه وفيه. ولاحظ أن الله يطلب فعلة للحصاد ولم يعمل هو كل شئ (مت38:9) فعلينا إذاً أن نعمل لنأكل (2تس10:3). ونعمل لتعمل معنا النعمة. فالنعمة حقيقية فيما يخص بر الله، والعمل حقيقي فيما يخص جهد الإنسان. آية (7):- "7فَمَاذَا؟ مَا يَطْلُبُهُ إِسْرَائِيلُ ذلِكَ لَمْ يَنَلْهُ. وَلكِنِ الْمُخْتَارُونَ نَالُوهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَتَقَسَّوْا " الشعب الإسرائيلي كان يطلب التبرير بواسطة الناموس ولم ينالوا التبرير ولكن الذين نالوا التبرير بواسطة الإيمان هم هؤلاء الذين إختارهم الله من الإسرائيليين، ليس إختياراً عشوائياً بل من إتفقت إرادته مع إرادة الله الذي يريد أن الجميع يخلصون (1تي4:2) [ظاهرة الرنين= حين تتفق دوائر راديو نختار نحن محطة نريد سماعها مع دوائر هذه المحطة، يحدث تضخيم في إشارات هذه المحطة فنسمعها]. أمّا الباقون فقد صاروا قساة بسبب عدم إيمانهم. هم قاوموا الحق ولم يتجاوبوا مع نعمة الله لذلك تركوا لفساد قلبهم فإنحجبت بصيرتهم الداخلية عن معاينة الله وآذانهم عن الإستماع لصوته، وهذا سبق وأنبأ به الأنبياء (أية8). ولاحظ قول الرسول وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَتَقَسَّوْا = فهي تشير لأن القساوة من عندياتنا فلا مجال لأحد أن يقول أن الله لم يختارني، بل هو لم يتجاوب مع عمل النعمة. آية (8):- "8كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَعْطَاهُمُ اللهُ رُوحَ سُبَاتٍ، وَعُيُونًا حَتَّى لاَ يُبْصِرُوا، وَآذَانًا حَتَّى لاَ يَسْمَعُوا إِلَى هذَا الْيَوْمِ»." مقتبسة من (أش9:6،10 + 10:29). فإشعياء تنبأ لأنه سبق فعرف ما سيحدث منهم، وأنهم لن يفهموا كلمة الإنجيل نظراً لغلاظة قلوبهم التي ملأتهم بروح العناد والمقاومة وقوله أن الله أَعْطَاهُمُ َعُيُونًا حَتَّى لاَ يُبْصِرُوا = لا تُفهَم أن الله كان السبب في تضليلهم، بل هم بعنادهم وكبريائهم وخطاياهم لم يروا ما رآه غيرهم فآمنوا إذ رأوا. ونظراً لعنادهم رفع الله عنهم نعمته إذ هم لا يستحقوها (إذ أنهم لا يريدون) فإزدادوا عمي وصمم كمن في سُبَاتٍ = هذه تساوي قوله تقسوا (آية 7) [بلغة ظاهرة الرنين، هؤلاء إختاروا محطة أخري هي المجد الذاتي والكبرياء، ولم يختاروا محطة مجد الله] إِلَى هذَا الْيَوْمِ = هم لم يدركوا حتي اليوم ولم يفهموا، ولن تفتح عيونهم ليفهموا إلاّ في ذلك اليوم الذي هو في علم الله، في آخر الأيام حين يؤمنوا بالمسيح. آية (9):- 9وَدَاوُدُ يَقُولُ:«لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ فَخًّا وَقَنَصًا وَعَثْرَةً وَمُجَازَاةً لَهُمْ. " قَنَصًا = شركاً أو فخاً. لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ فَخًّا = المائدة تشير:- 1. أقوال العهد القديم الدسمة بنبواتها، ومن فهمها بطريقة روحية وجد فيها شخص المسيح فآمن، أمّا من تمسك بالحرف صارت له عَثْرَةً بل سبب دينونة له بسبب عدم إيمانه بالمسيح الذي كان ناموسهم (مائدتهم) تشهد له= مُجَازَاةً لَهُمْ. فهذه المائدة ستكون شاهدة علي عنادهم. 2. قد تشير لأن أفراحهم وولائمهم ستتحول إلي حزن ويتحول فصحهم إلي غم. وهذا ما حدث علي يد تيطس سنة 70م. والآية مأخوذة من (مز22:69). آية (10):- "10لِتُظْلِمْ أَعْيُنُهُمْ كَيْ لاَ يُبْصِرُوا، وَلْتَحْنِ ظُهُورَهُمْ فِي كُلِّ حِينٍ»." من (مز23:69) لِتُظْلِمْ أَعْيُنُهُمْ = فرفضهم الإيمان بالمسيح حرمهم من الروح القدس الذي يفتح العيون. عنادهم في إستمرارهم علي الحرف أعماهم (2كو15:3-18) وأظلمت عيون أذهانهم، وَلْتَحْنِ ظُهُورَهُمْ علامة الضعف والعجز الروحي والعبودية للخطية، فالخطية ثقيلة ومرهقة والناموس يعجز عن رفعها بدون النعمة. وظلمة العيون وإنحناء الظهر ليست لليهود فقط بل هذا يحدث لكل مسيحي يسير في طريق الخطية بلا توبة. وإنحناء الظهر هو لمن يحمل الحمل وحده، وهذا ما حدث لليهود إذ رفضوا المسيح، والمسيح هو الذي يغفر الخطايا، والخطايا حمل ثقيل، وإذ رفضوا المسيح حملوا خطاياهم وحدهم فإنحنت ظهورهم. معنى ظاهرة الرنين وتطبيقها (راجع مقدمة إصحاح 6). آية (11):- "11فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ لإِغَارَتِهِمْ. " أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا = العثرة تعني إصطدام ووقوع، هو سقطة يقوم بعدها الإنسان، وهذا إشارة لتعثر اليهود في المسيح وصلبهم له ورفضهم إياه. أما السقوط فهو سقطة ليس بعدها قيام ورفض للأبد كرفض الله للشياطين. حَاشَا = الرسول هنا يحاول رفع نفسية اليهود حتي لا ييأسوا، فيقول لهم أنهم لن يسقطوا للأبد بل أن كل ما حدث أن بعض الأغصان قطعت، وذلك لأن الله سبق وعرفهم وإختارهم، والله لا يندم علي سابق إختياره فهو لا يخطئ. بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ = زلتهم كانت صلب المسيح، وبهذا الصلب صار الخلاص للعالم كله، ورفضهم للمسيح كان سبباً في دخول الأمم (راجع مثل العرس مت9:22،10) فحينما رفض المدعوين (اليهود) أن يأتوا للعرس، أرسل الملك صاحب العرس (الله) عبيده (الرسل) ليجمعوا من مفارق الطرق كل من وجدوه (الأمم). ومثل الكرامين (مت33:21-43) فالكرم (كنيسة الله) أعطيت لكرامين جدد (الأمم) حين رفض الكرامون الأوائل (اليهود) الإبن (المسيح) وقتلوه. وهذا ما رأيناه في هياج اليهود ضد بولس في كل مكان، فكان يذهب للأمم (أع46:13+ 6:18) لإِغَارَتِهِمْ = الله في حكمته يستخدم زلة اليهود لخلاص الأمم، وفي محبته يستغل خلاص الأمم لإغارة اليهود لإرجاعهم. إنه صانع خيرات يحول الشر كما الخير لبنيان البشرية. هو في محبته يستخدم كل وسيلة ليجذب كل منا لنثبت في الزيتونة. وإن كان الله يفعل ذلك مع اليهود الذين صلبوه، فهو من المؤكد يفعل ذلك معي حتى لا أهلك. آية (12):- "12فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنىً لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنىً لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟" زَلَّتُهُمْ غِنىً لِلْعَالَمِ = رفضهم للمسيح وصلبهم له كان بركة لكل العالم، بها نال الأمم الخلاص. وَنُقْصَانُهُمْ = أي عدم إيمانهم، لأن بعدم إيمانهم هبطت روحياتهم حتي صاروا أقل من الأمم. وكان نقصانهم وزلتهم سبباً في هبات وفيرة للأمم. فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ = كلمة ملؤهم تشير لرجوع الغالبية العظمي للإيمان. وتشير لإكتمال عددهم أو إكتمالهم. وحين يكتمل عددهم كمؤمنين سيصير هذا منبعاً لبركات عظيمة للعالم هي القيامة. ونقول القيامة لأن ما هو أعظم من إيمان العالم كله بالمسيح إلاّ القيامة. كأن الله بإيمانهم سيقول "كفاية كده علي العالم، إذا كان أولادي رجعوا ليَّ، إذاً كفاية قعاد في الأرض، وهيا إلي مجد السماء". آية (13):- "13فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ: بِمَا أَنِّي أَنَا رَسُولٌ لِلأُمَمِ أُمَجِّدُ خِدْمَتِي،" هنا يرد بولس علي من يتصور أنه يدافع عن اليهود تاركاً الأمم خدمته الأساسية. ولكننا نلمح في كلام بولس تحذيراً للأمم، فالله قد يتخلي عنهم إذا تقست قلوبهم كاليهود. أُمَجِّدُ خِدْمَتِي = سأعمل وأجتهد لنشر الإنجيل وسط الأمم. آية (14):- "14لَعَلِّي أُغِيرُ أَنْسِبَائِي وَأُخَلِّصُ أُنَاسًا مِنْهُمْ. " لَعَلِّي أُغِيرُ = أي أجعلهم في غيرة. هو ينشط وسط الأمم ويمجد خدمته وسطهم. لعله بكثرة المؤمنين من الأمم يغار اليهود أنسباءه أي أقرباءه بالجسد فيؤمنون. آية (15):- "15لأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ الْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ اقْتِبَالُهُمْ إِلاَّ حَيَاةً مِنَ الأَمْوَاتِ؟" هنا نري أن رجوع اليهود هو علامة الحياة للجميع أي القيامة الروحية للجميع من الأموات. هذه نبوة بقيامة جديدة من الأموات للمسيحيين ومن هنا نفهم أن من علامات نهاية الأيام، وقبل القيامة العامة سيؤمن البقية من اليهود. آية (16):- "16وَإِنْ كَانَتِ الْبَاكُورَةُ مُقَدَّسَةً فَكَذلِكَ الْعَجِينُ! وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ مُقَدَّسًا فَكَذلِكَ الأَغْصَانُ!" وَإِنْ كَانَتِ الْبَاكُورَةُ مُقَدَّسَةً فَكَذلِكَ الْعَجِينُ = كان الناموس يطلب من اليهود تقديم باكورات ثمارهم (أول حزمة تخرج من الحقل) لله، فيتبارك كل المحصول. مُقَدَّسَةً = مخصصة لله. فَكَذلِكَ الْعَجِينُ = العجين مأخوذ من المحصول. ولكن فكرة أن الشعب هو عجين تشير لأن الشعب كله جسد واحد. وبولس رأي أن أباء اليهود مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء هم الباكورة المقدسة، فهم كرسوا حياتهم لله، وبذلك فإن العجين أو أمة اليهود كلها موضوعة لكي تصبح مقدسة أيضاً. وإذا كان الأصل أي الآباء والأنبياء مقدساً فإن الأغصان التي تنبت من هذا الأصل أي الإسرائيليين موضوعون ليكونوا قديسين (هنا شبه اليهود بشجرة) وليس المقصود طبعاً كل اليهود بل البقية التي تؤمن، فليس كل الإسرائيليون هم إسرائيليون (رو 7:9). ولقد كانت العجينة مقدسة حتى خرج منها المسيح فصار من يؤمن بالمسيح هو المقدس. هذا الكلام موجه للأمم حتى لا يرفضوا اليهود ويحتقروهم، حتى يزرع المحبة بين الجميع. آية (17):- "17فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا،" في الطبيعة لو طعمنا غصناً مراً ووضعناه في زيتونة جيدة فسيخرج الفرع المر زيتوناً مراً. ولهذا فالطبيعي أن يطعم إنساناً غصناً جيداً في الزيتونة وإنه لشئ غير طبيعي أن نطعم غصناً مراً من زيتونة برية مرّة في زيتونة جيدة، والزيتونة البرية هي الأمم والزيتونة الجيدة هي اليهود. ولكن عمل النعمة أعطي طبيعة جديدة للأمم المؤمنون فصاروا غصناً جيداً، تم تطعيمه في الزيتونة الأصلية، فالأممي الذي آمن صار في المسيح خليقة جديدة، فالله حين يقدس (الفرع المر) يغير النجس (الفرع المر) إلي قديس طاهر (إلي فرع جيد)، من هذا المثل نفهم أن الزيتونة هي الكنيسة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد، فكنيسة العهد الجديد هي إمتداد لكنيسة اليهود، وأن المسيحية هي مرحلة الإستعلان الأخير لتدبير الله وبره. قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ = يقول هذا بطريقة لطيفة فعملياً الغالبية من اليهود قطعت. ومن هذا نفهم كلمة البقية أنها تشير لمن تبقي علي الزيتونة. وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ = هذه ثمارها عديمة النفع وذلك لأن الأمم كانوا في وثنية. الأغصان التي قطعت هم اليهود الذين لم يؤمنوا، ودخل مكانهم الأمم الذين آمنوا. آية (18):- "18فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ! " إن كان عدو الخير قد غلب الكثيرين من اليهود برفضهم الإيمان، فإنه لا يلقي بسلاحه أمام الذين يؤمنون إذ يحاول تحطيمهم بالكبرياء. وهنا يحذرهم الرسول من الكبرياء، ومن أن يحتقروا اليهود الآباء، فإن كان الأمم يتمتعون الآن بالبركات الإلهية، فإن أصل الزيتونة أي الآباء هم أصحاب الفضل في ذلك. آية (19):- "19فَسَتَقُولُ: «قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا!». " لعلك تبرر إفتخارك وتقول إن الأغصان (اليهود) قطعت لأطعم أنا في الشجرة. آية (20):- "20حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ بَلْ خَفْ! " أنت لم تطعم في الشجرة بسبب أعمالك بل بنعمة الله الذي آمنت به فلاَ تَسْتَكْبِرْ = فالكبرياء يمنع أن يكون لك ثمر. فإن كان الله قد قطع الأغصان الطبيعية الأولي لأنه لم يجد فيها ثمر (كان ذلك بسبب كبريائهم وبرهم الذاتي) فهو قطعاً سيقطع الأممي الذي لن يكون له ثمر بسبب كبريائه بَلْ خَفْ = تواضع. آية (21):- "21لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا! " عليك أن تخف حتى لا تقطع فأنت لست غصناً طبيعياً. "إذاً من يظن أنه قائم فلينظر لئلا يسقط (1كو11:10). وعلينا أن نستمر في جهادنا ولا نستهتر حتى لا نقطع. آية (22):- "22فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ. " إن سقط الإنسان وإستهتر فسيجد الصرامة، وإن ثبت وجد اللطف. آية (23):- "23وَهُمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَدَمِ الإِيمَانِ سَيُطَعَّمُونَ. لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطَعِّمَهُمْ أَيْضًا. " إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَدَمِ الإِيمَانِ = إن عاد الذين قطعوا إلي الإيمان. سَيُطَعَّمُونَ ثانية. فاللهَ قَادِرٌ = فمن طعم الأغصان البرية قادر أن يعيد الأغصان الطبيعية. لكن لاحظ هنا حرية الإرادة، فالإنسان حر أن يثبت في الإيمان أو يتركه. آية (24):- "24لأَنَّهُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ قُطِعْتَ مِنَ الزَّيْتُونَةِ الْبَرِّيَّةِ حَسَبَ الطَّبِيعَةِ، وَطُعِّمْتَ بِخِلاَفِ الطَّبِيعَةِ فِي زَيْتُونَةٍ جَيِّدَةٍ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُطَعَّمُ هؤُلاَءِ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الطَّبِيعَةِ،فِي زَيْتُونَتِهِمِ الْخَاصَّةِ؟ " هذه إشارة لسهولة تطعيمهم ورجوعهم للزيتونة الأصلية إن آمنوا، وقوله زيتونتهم الخاصة يشير لأن اليهود لن يسقطوا (يرفضوا للأبد) لأن زيتونتهم باقية. حَسَبَ الطَّبِيعَةِ، 000 بِخِلاَفِ الطَّبِيعَةِ = الأمم كانوا زيتونة برية بسبب عبادتهم للأوثان ونجاستهم، والزيتونة البرية طعمها مر. والطبيعي أن نطعم غصناً جيداً في الزيتونة لا غصناً مراً لنحسن الصنف ولكن تطعيم غصن مر في زيتونة جيدة فهذا بخلاف الطبيعة. ولكن فإن النعمة غيرت الفرع المر إلي فرع جيد. آية (25):- "25فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ،" هذَا السِّرَّ = السر هو عمل من أعمال الله الفائقة التي كانت مخفية عنده ثم أعلنه. والسر هو أن القساوة حدثت لجزء من اليهود فقط إذ قبل الجزء الآخر المسيح، وحدثت لفترة من الزمان يعود بعدها الله ويقبل الجزء الباقي= جُزْئِيًّا. والله ينتظر مِلْؤُ الأُمَمِ = أي أن يكمل من إختارهم الذين هم تماماً بحسب ملء بيته (لو23:14) "حتى يمتلئ بيتي" + (رؤ10:6،11). هؤلاء هم المختارين من الأمم الذين سبق فعرفهم فسبق وعينهم (رو29:8). وببلوغ الأمم ملؤهم يعود إسرائيل فيقبل الإيمان، وهذا لا يعني الكل بل البقية. نري هنا بولس الرسول يدافع عن بر الله لمن يتصور أن الله بعد أن إختار اليهود عاد ورفضهم. آية (26):- "26وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. " يقتبس الرسول هنا من (إش20:59،21 + 9:27). 26وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ = ليس الجميع بل البقية (آية5)، وقوله الجميع يقصد به كل الذين سيؤمنون ويبقون علي الزيتونة. هؤلاء سيؤمنوا في نهاية الأيام بعد أن يتم ملؤ الأمم. سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ = فالمسيح خرج من صهيون في مجيئه الأول وآمنت به البقية. وفي آخر الأيام سيخرج من صهيون النبيين إيليا وأخنوخ ليحركوا الإيمان في قلوب البقية ليؤمنوا بالمسيح. فالسيد المسيح قبل مجيئه الثاني سيرسل من ينقذ البقية فيَرُدُّ الْفُجُورَ. آية (27):- "27وَهذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِي لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ». " الإشارة لنزع الخطايا تتفق مع (أر31:31-34) وفيها نبوة بالعهد الجديد الذي رفعت فيه الخطايا بالفداء. وفي (أر35:31-37) نبوة برجوع البقية أي قبول اليهود للإيمان في نهاية الأيام. آية (28):- "28مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ،" فيما يختص بالبشارة= الإِنْجِيلِ. فإن اليهود بعدم إيمانهم وبصلبهم للمسيح قد صاروا أعداء لله، من أجل أن تدخلوا أنتم للإيمان إلي ملكوت المسيا. أما فيما يختص بإختيارهم الذي سبق وأعده الله منذ وقت طويل فهم محبوبون من الله من أجل آبائهم بالجسد، لذلك فرفضهم جزئياً. مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هذه هي البشارة التي نبشر بها، قبولكم أنتم يا أمم الآن، ثم قبولهم أخيراً. آية (29):- "29لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ. " الذي يدعوه الله يعطيه هبات والذي يهبه الله يدعوه، والله إختار إسرائيل ووهبها الكثير، ودعاها إبني البكر ليكونوا نوراً للشعوب. والذين يحبهم الله يحبهم إلي المنتهي، فالله أحبهم وهم محبوبون، لأن الله لا يتعرض للإنخداع والضلال عندما يختار وعندما يدعو، ولذلك فهو لا يندم من أجل العطايا التي وعد أن يهبها ولا يتراجع في الدعوة التي وجهها. الآيات (30-31):- "30فَإِنَّهُ كَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ مَرَّةً لاَ تُطِيعُونَ اللهَ، وَلكِنِ الآنَ رُحِمْتُمْ بِعِصْيَانِ هؤُلاَءِ 31هكَذَاهؤُلاَءِ أَيْضًا الآنَ، لَمْ يُطِيعُوا لِكَيْ يُرْحَمُوا هُمْ أَيْضًا بِرَحْمَتِكُمْ." لا يجب أن تتعجبوا من أن وعود الله وهباته لابد أن تتم لأنكم أنتم أيضاً أيها الأمميون كنتم قد دعيتم من الله قبل أن يدعي إبراهيم ولكنكم في ذلك الوقت رفضتم الدعوة وعبدتم الأوثان، وأما الآن فإنكم قد رحمتم بواسطة عدم إيمان اليهود فقبلتم أنتم في حظيرة الإيمان، وهكذا الحال بالنسبة لليهود، فإنهم الآن لا يظهرون طاعتهم وإيمانهم ولكنهم سيقبلون الإيمان يوماً ما. لِكَيْ يُرْحَمُوا هُمْ أَيْضًا بِرَحْمَتِكُمْ = أي بنفس الصورة التي رحمتم أنتم بها، فكما حدث معكم سيحدث أيضاً معهم. آية (32):- "32لأَنَّ اللهَ أَغْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ مَعًا فِي الْعِصْيَانِ، لِكَيْ يَرْحَمَ الْجَمِيعَ." أَغْلَقَ = إستذنب أو دان. والمعني أنه... ولقد صار عدم إيمان هؤلاء الأمم في بادئ الأمر، كذلك صار عدم إيمان اليهود الآن. اليهود صلبوا المسيح، والأمم بوثنيتهم، ونحن الذين مازلنا نخطئ حتى الآن الكل عصي الله وأهانه، والله يظهر رحمته للجميع. آية (33):- "33يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ! " في الآيات السابقة رأينا بولس الرسول يشرح كيف أن الله قبل اليهود ورفض الأمم، ثم قبل الأمم ورفض اليهود، ثم يقبل اليهود أخيراً، وأخذ بولس الرسول يفكر في حكمة الله فرأي أنه لن يمكنه فهم خطة الله ولماذا فعل ذلك. وبنفس المنطق ليس من حقي أن أتساءل، ما هي حكمتك يارب في هذا الأمر أو ذاك، هل فلان سيخلص أم لا، لا تفكر فحكمة الله أعلي من كل أفكارنا. ولا تفكر لماذا سمح الله بهذه التجربة، فقط قل أن من المؤكد أنها للخير حتى مع عدم فهمنا ولنضع قول السيد المسيح لبطرس (يو7:13) لست تفهم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد. هكذا نسمع في (أش8:55) أن أفكار الله تعلو عن أفكارنا. عموماً يصعب علي الإنسان إن يفهم كل أحكام الله وأن يدرك كيف يُسَيّر الأمور ويوجهها ليحقق الخلاص للبشر فبولس أكثر من عرف عن أسرار الله يجلس هنا كمن لا يفهم ولا يستطيع إلاّ أن يمجد الله علي عمق أحكامه إستقصاء= فهم وتبين كل الجوانب. فكل شئ عارٍ أمام الله، أما لي فأنا أعرف بعض المعرفة، الله فاحص القلوب والكلي أما أنا فلا أعرف سوي الظاهر أمامي. مثال:- إذا رأيت إنساناً طيباً أقول أن الله عليه أن يزيده مالاً وصحة، وهذا لأنني أحكم بمقياس مادي، وأجد الله يجربه ويبتليه، لأن الله يعلم أنه لو زاده مالاً لضاعت منه فرصة خلاص نفسه، فحسابات الله غير حساباتي، فحسابات الله سماوية. الله يريد أن يكمل عبيده وقد يكون هذا بالآلام وهذا ما حدث للمسيح نفسه (عب10:2) فكم بالأولي لنا نحن البشر. الآيات (34-35):- "34«لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ 35أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟»." مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ = من الذي أعطي الرب أو أقرضه شيئاً حتي يكون من حقه أن يأخذ مكافأة في مقابل عطائه لله. وبهذا فإسرائيل ليس من حقه أن يسأل الله لماذا تركتني إذ رفع الله رحمته عنهم فالله ليس مديناً لهم وليس من حقي أنا أن أسال الله لماذا سمحت بهذا أو ذاك، وليس من حقي أن أطالب الله بشرح كل ما يسمح به من مواقف فالله ليس مديناً لأحد. آية (36):- "36لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. " إن الله يحكم كل الأشياء لأنه هو الذي خلقها جميعاً بحكمته. ولأجل مجده تهتف وتتجه كل المخلوقات، فله يعطي كل المجد إلي دهر الدهور آمين.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الحَادِى عَشَرَ إيمان اليهود قبل نهاية الأيام h E h (1) مستقبل اليهود من جهة الخلاص (ع1-10 ): 1فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّى أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِىٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. 2لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِى سَبَقَ فَعَرَفَهُ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ فِى إِيلِيَّا؟ كَيْفَ يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ ضِدَّ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: 3 يَا رَبُّ، قَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ، وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ، وَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِى، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِى. 4لَكِنْ، مَاذَا يَقُولُ لَهُ الْوَحْىُ؟ أَبْقَيْتُ لِنَفْسِى سَبْعَةَ آلاَفِ رَجُلٍ لَمْ يُحْنُوا رُكْبَةً لِبَعْلٍ. 5فَكَذَلِكَ فِى الزَّمَانِ الْحَاضِرِ أَيْضًا، قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ. 6فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً. وَإِنْ كَانَ بِالأَعْمَالِ فَلَيْسَ بَعْدُ نِعْمَةً، وَإِلاَّ فَالْعَمَلُ لاَ يَكُونُ بَعْدُ عَمَلاً. 7فَمَاذَا؟ مَا يَطْلُبُهُ إِسْرَائِيلُ، ذَلِكَ لَمْ يَنَلْهُ، وَلَكِنِ الْمُخْتَارُونَ نَالُوهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَتَقَسَّوْا، 8كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَعْطَاهُمُ اللهُ رُوحَ سُبَاتٍ، وَعُيُونًا حَتَّى لاَ يُبْصِرُوا، وَآذَانًا حَتَّى لاَ يَسْمَعُوا، إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. 9وَدَاوُدُ يَقُولُ: لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ فَخًّا وَقَنَصًا وَعَثْرَةً وَمُجَازَاةً لَهُمْ. 10لِتُظْلِمْ أَعْيُنُهُمْ كَى لاَ يُبْصِرُوا، وَلْتَحْنِ ظُهُورَهُمْ فِى كُلِّ حِينٍ. ع1: إن كان الله قد وصف إسرائيل بالشعب المعاند فى الأصحاح السابق، فهذا لا يعنى إطلاقاً أنه أغلق باب الخلاص أمام من يريد أن يؤمن به منهم، بدليل أن القديس بولس نفسه الإسرائيلى ومن سبط بنيامين قَبِلَهُ الله عندما تجاوب مع محبة المسيح له، وأدخله إلى حظيرة الإيمان، ليس فقط كمؤمن بل ككارز عظيم. ع2-4: الله الذى اختار إسرائيل كشعبه، لا يمكن أن يرفضه حتى بعدما صلبوه ورفضوه. وإن كان قد رفضهـم كدولة سياسياً حين قال "هوذا بيتكـم يترك لكم خـراباً" (مت23: 38)، إعلانا عن نهاية الديانة اليهودية، إلا أنه سيظل دائماً وإلى الأبد فاتحاً ذراعيه لكل من يؤمن به من شعب إسرائيل. لأنه فى كل جيل توجد قله إسرائيلية تؤمن به، بدليل أن إيليا النبى عندما اشتكى شعب إسرائيل لله قائلاً عنهم أنهم قتلوا الأنبياء وهدموا المذابح (أى استبدلوا عبادة الله بعبادة الأوثان)، وطلبوا قتل إيليا نفسه، أجاب الله أنه يوجد 7000 رجل لم يسجدوا للبعل (امل19: 18). ورقم سبعة يشير للكمال ورقم 1000 للحياة السماوية، أى أن 7000 يحيوا بكمال الحياة السماوية، طالبين لا الأرضيات بل السماويات. ع5: كذلك أيضا فى زمان بولس، بل وفى كل الأزمنة، يوجد قلة إسرائيلية مختارة تدخل إلى الإيمان بالمسيح. وكيف يكون ذلك؟ باختيار النعمة، أى ينظر الله إلى القلوب فيرى من هو مستعد لقبوله ويرسل له نعمة الروح القدس لتؤازره وتنير قلبه وتقويه ليدخل الإيمان المسيحى ويعتمد، فيثبت فيه الروح القدس إلى الأبد. ع6: ليس بعد بالأعمال: أى أعمال الناموس. ليست النعمة بعد نعمة: لا فائدة للنعمة فى الخلاص. إن كان بالأعمال فليس بعد نعمة: إن كان الخلاص بأعمال الناموس، فلا يكون بنعمة المسيح وتكفينا أعمال الناموس للخلاص. العمل لا يكون بعد عملا: أعمال الناموس لا تكون بعد عملا مخلصا للإنسان، بل هى تمهيد فى رفض الخطية حتى نؤمن بالمسيح وننال الخلاص بنعمته. يعود القديس بولس ليؤكد أن اختيارهم ليس بناء على أعمال ناموسهم. لأنه لو كانت أعمالهم سبب خلاصهم لكانوا فى غير حاجة إلى نعمة الله. ومن ذا الذى يستطيع أن يخلص بدون نعمة الله؟ ع7: لم ينل إسرائيل الخلاص لأنه طلبه، وكأنه حق مطلق له يستحقه لأنه عمل بالناموس. فالمختارون من الإسرائيليين قد نالوا الخلاص باتضاعهم واتكالهم على نعمة المسيح، وأما الباقون المتكبرون من قساه القلوب الذين رفضوا المسيح المهان المصلوب، فلم ينالوا الخلاص. ع8: عندما وجدهم الله قساة، تركهم فى قساوتهم وحجب عنهم نعمته لانهم رافضون لها، وعندما ينظر الإنسان إليهم يجدهم وكأنهم فى نوم عميق لا يسمعون ولا يرون. فهوذا العالم من حولهم يؤمن بالمسيح وينال الخلاص فى كل الأجيال. وبالرغم من أنهم رأوا المسيح وسمعوا تعاليمه إلا أنهم أغلقوا قلوبهم وعيونهم وآذانهم عنه. وهذه الآية نبوة عنهم من كل من موسى النبى (تث29: 4)، إشعياء النبى (إش29: 10-12). ع9: هذه الآية هى أيضاً نبوة من داود النبى عنهم. والمائدة ترمز إلى الناموس الذى اعتمد اليهود عليه وشبعوا به فقط ورفضوا المسيح، وهذا الناموس هو نفسه سيدينهم، أى يكون فخاً ومهلكاً لهم فى يوم الدينونة. وبذلك يكون القديس بولس قد أشهد عليهم أنبياء اليهود، موسى وإشعياء وداود، فى رفضهم الإيمان بالمسيح. ع10: تلك الآية من مز (69: 22 ،23)، لا تعنى أن بولس الرسول يَدْعِى عليهم بالعمى وانحناء الظهر، ولكنه يريد أن يقول من يريد العمى وانحناء الظهر، أى العجز عن العمل الروحى بالرغم من مناداة الله له، فليكن له ما يريد، فلن تعود نعمة الله تلح عليه بل سيتخلى الله عنه لأنه إذ يتعب يرجع إلى الله ويتوب. ولا حظ أيها الحبيب أن مائدة العهد القديم دسمة جداً، لأنها تحوى رموزاً كثيرة عن عمل المسيح الكفارى، ولكن اليهود للأسف أخذوا كلام الناموس حرفيا، ولم يفهموا أنه يرمز ويمهد للمسيح. كن مستعدا فى كل حين للتعلم ممن حولك، ولا تدع الكبرياء يمنعك من التلمذة وفهم رسائل الله لك على فم المحيطين بك. فالاتضاع هو طريق المعرفة والحكمة وكل صلاح. (2) دعوة الله لليهود للإيمان بالمسيح (ع11-32): 11فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَىْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ، صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَـمِ لإِغَارَتِهِمْ. 12فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنًى لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنًى لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِىِّ مِلْؤُهُمْ؟ 13فَإِنِّى أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ: بِمَا أَنِّى أَنَا رَسُولٌ لِلأُمَمِ أُمَجِّدُ خِدْمَتِى، 14لَعَلِّى أُغِيرُ أَنْسِبَائِى وَأُخَلِّصُ أُنَاسًا مِنْهُمْ. 15لأَنَّهُ إِنْ كَانَ رَفْضُهُمْ هُوَ مُصَالَحَةَ الْعَالَمِ، فَمَاذَا يَكُونُ اقْتِبَالُهُمْ إِلاَّ حَيَاةً مِنَ الأَمْوَاتِ؟ 16وَإِنْ كَانَتِ الْبَاكُورَةُ مُقَدَّسَةً، فَكَذَلِكَ الْعَجِينُ! وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ مُقَدَّسًا، فَكَذَلِكَ الأَغْصَانُ! 17فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِى أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا، 18فَلاَ تَفْتَخِرْ عَلَى الأَغْصَانِ. وَإِنِ افْتَخَرْتَ، فَأَنْتَ لَسْتَ تَحْمِلُ الأَصْلَ، بَلِ الأَصْلُ إِيَّاكَ يَحْمِلُ! 19فَسَتَقُولُ: قُطِعَتِ الأَغْصَانُ لأُطَعَّمَ أَنَا. 20حَسَنًا! مِنْ أَجْلِ عَدَمِ الإِيمَانِ قُطِعَتْ، وَأَنْتَ بِالإِيمَانِ ثَبَتَّ. لاَ تَسْتَكْبِرْ، بَلْ خَفْ! 21لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا! 22فَهُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ إِنْ ثَبَتَّ فِى اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ. 23وَهُمْ إِنْ لَمْ يَثْبُتُوا فِى عَدَمِ الإِيمَانِ، سَيُطَعَّمُونَ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُطَعِّمَهُمْ أَيْضًا. 24لأَنَّهُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ قُطِعْتَ مِنَ الزَّيْتُونَةِ الْبَرِّيَّةِ حَسَبَ الطَّبِيعَةِ، وَطُعِّمْتَ بِخِلاَفِ الطَّبِيعَةِ فِى زَيْتُونَةٍ جَيِّدَةٍ، فَكَمْ بِالْحَرِىِّ يُطَعَّمُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ هُمْ، حَسَبَ الطَّبِيعَةِ، فِى زَيْتُونَتِهِمِ الْخَاصَّةِ؟ 25فَإِنِّى لَسْتُ أُرِيدُ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ تَجْهَلُوا هَذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ، أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، 26وَهَكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: سَيَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ الْمُنْقِذُ وَيَرُدُّ الْفُجُورَ عَنْ يَعْقُوبَ. 27وَهَذَا هُوَ الْعَهْدُ مِنْ قِبَلِى لَهُمْ مَتَى نَزَعْتُ خَطَايَاهُمْ. 28مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ، هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاِخْتِيَارِ، فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ، 29لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِىَ بِلاَ نَدَامَةٍ. 30فَإِنَّهُ كَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ مَرَّةً لاَ تُطِيعُونَ اللهَ، وَلَكِنِ الآنَ رُحِمْتُمْ بِعِصْيَانِ هَؤُلاَءِ، 31هَكَذَا هَؤُلاَءِ أَيْضًا الآنَ، لَمْ يُطِيعُوا لِكَىْ يُرْحَمُوا هُمْ أَيْضًا بِرَحْمَتِكُمْ. 32لأَنَّ اللهَ أَغْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ مَعًا فِى الْعِصْيَانِ، لِكَىْ يَرْحَمَ الْجَمِيعَ. ع11: عثروا: لم يؤمنوا ويصدقوا ويقبلوا المسيح المخلص. يسقطوا: رفضهم الله إلى النهاية. لإغارتهم: أى يتحمسوا ويقبلوا على الإيمان بالمسيح. يسأل القديس بولس سؤال استنكاريا وهو، هل عدم تصديق اليهود أن يسوع هو المسيا المنتظر ورفضهم له، أن هذا معناه أنهم سقطوا إلى المنتهى؟ بالقطع لا، لأن عثرتهم هى فترة مؤقته، حتى أنهم عندما ابتعدوا عن الإيمان، اتجه الله لإنقاذ الأمم. ولعل أحد فوائد ذلك هو بث روح الغيره فى قلوب اليهود. ع12: زلتهم: سقوط مؤقت برفضهم الإيمان بالمسيح وصلبه. نقصانهم: خلوهم من الإيمان بالمسيح. يعود القديس بولس لرفع روح اليهود المعنوية، فيوضح حالتهم بأنها "زلة"، كما أوضح أن الله حول زلتهم للخير بأن فتح ذراعيه للأمم. أما البهجة العظمى فستكون بملؤهم أى رجوع غالبيتهم للإيمان بالمسيح حيث ستكون بركه للعالم كله، إذ سينتهى العالم المادى ونبدأ بالتمتع بملكوت السموات وذلك فى نهاية الأيام. ع13: هنا يطمئن الأمم أنه لم ينشغل عنهم بخدمة اليهود، مؤكداً أنه أساساً رسول للأمم، ويجب أن تتمجد هذه الخدمة وتثمر أكثر وأكثر. ع14: يتحدث بولس بهذا الأسلوب، لعل ذلك يؤدى إلى غيرة اليهود من المجد الذى ناله الأمم فيؤمنون. ع15: عندما رفض اليهود السيد المسيح دخل الشق الوثنى إلى الإيمان. إذًا فعندما يعود الشق اليهودى إلى الإيمان بالمسيح، سيصبح العالم بشقيه اليهودى والأممى فى الإيمان، أى أن العالم كله سيكون قائمًا من موت الخطية والجحود، متمتعاً بالقيامة الروحية وفى حالة صلح مع الله. والخلاصة أن اليهود سيرجعون للإيمان قبل نهاية العالم والله ينتظر عودتهم. ع16: الآن ما هى قيمة اليهود فى نظر الله؟ هنا يشبه القديس بولس الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب) بالباكورة (وهى تقدمة أول الحصاد لله فيتبارك بذلك محصول القمح كله الذى يستخدم فى العجين)، ويشبه شعب اليهود بالعجين نفسه المقدس. ثم عاد ليشبه الآباء بالأصل (جذر وساق شجرة جيدة) وشعب اليهود بالأغصان الجيدة لتلك الشجرة. ع17: ولكن خرجت من تلك الشجرة بعض الأغصان الجافة، أى اليهود الرافضين للإيمان، فقطعهم الله منها وطرحهم. وأنت أيها الإنسان الأممى تشبه زيتونة برية (لا تحمل ثمراً) فتراءف الله عليك برحمته، ووجد فيك استعدادًا لتتشارك مع شجرة الزيتون الدسمة، فطعَّمك فيها واصبحت منتسباً إليها متغذياً منها. ع18: بالقطع لا يمكن لك أن تفتخر على الأغصان المقطوعة، أى اليهود المرفوضين لعدم إيمانهم، ظاناً أنك أفضل، حتى وإن أثمرت ثمارًا روحية جميلة، فالمجد والفخر والفضل يعود إلى الأصل، أى آباء الشعب اليهودى وأنبيائه، الذى يحملك ويغذيك ولولاه لسقطت أنت. ع19-20: إن قلت فى قلبك أنا الغصن الثابت أحسن من الأغصان الأصلية التى قطعت، لأن الله رفضها ووضعنى بدلاً منها؛ فلتعرف إذاً السبب الحقيقى لسقوطها، وهو عدم الإيمان، والسبب الحقيقى لثباتك وهو إيمانك. وهذا يجعلك ليس متكبرًا مفتخرًا، بل خائفًا من السقوط. إن مخافة الله هى طريق خلاصك، واتضاعك يسندك. فافحص نفسك بالتوبة عالماً أنك أقل من جميع الكائنات، ولكن الله هو الذى يمجدك بمحبته وعطاياه. وعلى قدر ما تخاف الله، ترفض الخطية فيتنقى قلبك وتتعلق بمحبته فتحيا بكل قلبك له. ع21: لأن قانون الله هو أن غير المؤمن يقطع، فإن كان هذا القانون سارى بلا محاباة على الأغصان الطبيعية، أى اليهود، الذين رفضوا المسيح، فما بالك بالأغصان المطعمة الغير أصلية، أى الأمم، إن لم يثبتوا فى الإيمان. مما لا شك أنها إن رفضت الإيمان هلكت. ع22: إن الله لطيف على الثابتين فى الإيمان، ولكنه صارم ويقطع رافضى الإيمان والذين لم يثبتوا فيه واستهانوا بلطفه. ع23: أما الأغصان الطبيعية المقطوعة، أى اليهود الرافضين، فسوف يثبتهم الله مرة أخرى إن تركوا حالة عدم الإيمان التى هم فيها، لأن الله قادر على جذبهم للإيمان. ع24: يعلن بولس أن إيمان وعودة اليهود الرافضين ليس مستحيلاً، لأنه إن كنت أنت أيها الأممى زيتونة برية مختلفة عن الزيتونة الأصلية، استطاع الله أن يطعمك فيها، فكم بالأسهل يستطيع الله أن يطعم الأغصان التى لها نفس طبيعة الزيتونة الأصلية، أى اليهود عندما يتوبون. ومن أجل ذلك أحبت الكنيسة كتاب العهد القديم وقرأته بل وأخذت منه فصولاً فى قراءاتها الكنسية، لأنه أصل الزيتونة، وتتطلع إلى اليهود ليعودوا إلى الزيتونة ويرجعوا إلى الإيمان، إذ أنهم بعيداً عن الإيمان كغصن جاف ميت مصيره النار، فالسيد المسيح قال لكل إنسان فى (يو15: 6) "إن كان أحد لا يثبت فى يطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق". ع25: هنا يلخص القديس بولس الحقيقة التى لا يجب أن ينساها كل أممى، وهى أن إسرائيل قد تقسى جزئياً، أى أن بعض اليهود رفضوا الإيمان حتى تتاح فرصة للأمم للدخول إليه. ولا يظن الأممى أن القصة انتهت عند هذا الحد لئلا يكون جاهلاً لحكمة الله الذى سيقبل اليهود فى الإيمان قبل نهاية الايام. وهذه نبوة واضحة عن إيمان اليهود فى نهاية الأيام. وقد سمى القديس بولس هذا الحدث بالسر، لأنه من الصعب على العقل البشرى إدراك أن اليهود الصالبين للمسيح، سيعودوا للإيمان به بعد كل هذه السنين الطويلة من النكران. ع26: كيف سيخلص إسرائيل؟ بالمنقذ يسوع المسيح، الذى يعمل فى القلوب فيغـيرها متى أبدت استعدادها لذلك، فيردهم عن شرورهم. وما هو أعظم الفجور؟ أليس هو نكران المسـيح؟!. ع27: الخلاصة، أن الله يعد برجوع إسرائيل للإيمان فى نهاية الأيام، حينما يتركون خطاياهم أى قساوة قلوبهم ورفضهم للمسيح وكل شهواتهم الشريرة. ع28: يعتبر اليهود الآن هم أعداء الإنجيل والبشارة به، إلى أن تصل البشارة إلى العالم كله. فالأميريكتان مثلاً لم تصلهما البشارة إلا فى القرن السادس عشر، وأفريقيا فى القرن العشرين، وإلى أن يصل الإيمان إلى كل الأمم أى ملؤ الأمم (ع25) سيظل اليهود أعداء للإنجيل. ثم يعود اليهود إلى الإيمان لأنهم فى الأصل شعب الله المختار، وأحباء الله أولاد آبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب. ع29: هؤلاء الآباء الذين وعدهم الله بأن نسلهم سيظل شعبه ولا يمكن أن يرجع الله فى وعوده وهباته. وقد فهم اليهود هذه الآيات من رسالة القديس بولس خطأ، وظنوا أنه يتنبأ لهم عن إقامة دولة مغتصبة لحقوق الآخرين من أجل إعادة مجدها السابق وإحياء دينها بذبائحه وهيكله. وبالطبع لم يقصد القديس بولس هذا الكلام، لأن المسيحية لا تربط المؤمنين بميراث أرضى بل بملكوت سماوى لا يفنى. ع30-31: وأنتم يا أمم قد دعاكم الله منذ بدء البشرية، ولكنكم رفضتم دعوة الله بينما قبلها إبراهيم وشعبه. ولكن الآن بعد توبتكم، صرتم من المستحقين الرحمة، فى حين عصى اليهود ولكن عندما يتوب اليهود ويعودون إلى الله فى نهاية الأيام، سيُرحمون بنفس نوع الرحمة التى رُحمتم بها. لعل هذه الآيات درس لكل إنسان، أن لا يحتقر أحداً مهما كانت خطيته. فمن يدرى فربما ذاك الخاطئ اليوم هو قديس عظيم غداً. ع32: لأن الله أغلق على الأمم أولاً باب الرحمة بسبب عصيانهم من قبل للمسيح، ثم أغلق على اليهود باب الرحمة بسبب عصيانهم بعد تجسد المسيح. ثم ها الأمم فتح لهم باب الرحمة بعد قبولهم المسيح منذ القرن الأول، وسيفتح باب الرحمة لليهود قبل مجئ المسيح الثانى. إذًا فالجميع، أمم ويهود، متساوون من حيث أنهم رُفضوا مرة ورُحموا مرة. وبهذا ستحل رحمة المسيح على الجميع، وإن كانت فى أوقات مختلفة. (3) سمو حكمة الله (ع33-36): 33يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِـهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاِسْتِقْصَاءِ! 34 لأَنْ، مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ، أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟ 35 أَوْ مَنْ سَبَقَ فَأَعْطَاهُ فَيُكَافَأَ؟ 36لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ، آمِينَ. ع33: حقاً يا لهذه التركيبة العجيبة والحكمة الفائقة الإدراك التى لله! فهو يوجه كل الأحداث لكى تحقق أهدافها النبيلة فى النهاية. ويا لسابق علمه العظيم!. ومن ذا الذى يستطيع أن يدَّعى المعرفة فيقول أنا أستطيع أن أفحص أحكام الله، وكأنه أعظم من الله، أو من يقدر أن يحقق ويفحص طرق الله وأساليبه؟ وكأن خطط الله تنقصها الدقة أو الحكمة. ع34: من يستطيع أن يقول أنا أعرف كيف يفكر الله أو أنا مستشار الله؟! ع35: من أعطى الله شيئاً من عنده كإنسان، فاستحق مكافأة على عطائه لله؟ بمعنى ماذا وهب إسرائيل لله حتى يتجاسر فيطالب بحقه كما لو كان الله مديونا له؟ ع36: لأن منه (الله خلق كل شئ) وبه (كل شئ كائن وحى ومحفوظ وباقٍ بقدرته وحكمته) وله (كل الأشياء مديونة له وتعمل لمجده). الخلاصة أن الله مستحق كل المجد. أخيراً أيها الحبيب قد تحدث أشياء فى حياتك تبدو صعبة الفهم ولا يدركها العقل البشـرى الآن، ولكن حكمة الله العظيمة التى تحفظك وترعاك سَتُعَلن لك يوماً، وعندئذ ستدرك كم أحبك الله، وأن كل خططه وتدبيراته آلت عليك بالخير فى النهاية لأنه هـو وحده صانع الخيرات الرحوم الرؤوف. فاقبل كل ما يمر بك وأشكر الله عـليه واثقاً من محبته وأبوته لك.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح