كلمة منفعة
لقد قال الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو 3: 16). وقال أيضًا: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله (1كو 6: 19، 20).
— هيكل الروح
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
روميه - الاصحاح رقم 10 روميه الإصحاح رقم 10 الأصحاح العاشر سرّ الجحود إذ يعالج الرسول بولس مشكلة "اختيار شعب الله" التي أساء اليهود استخدامها، فعِوض شعورهم بحب الله الفائق لهم، والتزامهم بمسئولية الكرازة بين الأمم، تحجّرت قلوبهم بالجحود، وتعثروا في السيد المسيح "حجر الزاوية"، الذي صار لهم حجر صدمة وصخرة عثرة (9: 22-23). بينما قبله المؤمنون حجرًا كريمًا مختارًا (مز 118: 22؛ 1 بط 2: 6-7). الآن يكتب لنا عن "سرّ جحودهم" حتى لا نسقط نحن أيضًا فيما سقطوا فيه بطريق أو آخر. 1. غيرة اليهود بلا معرفة 1-5. أ. جهلهم برّ الله 3. ب. جهلهم غاية الناموس 4-5. 2. رفضهم بساطة الإيمان 6-11. 3. رفضهم حب الله الشامل 12-13. 4. رفضهم الالتزام بالكرازة 14-18. 5. شهادة الأنبياء عن جحودهم 19-21. 1. غيرة اليهود بلا معرفة إذ يعالج الرسول موضوعًا شائكا للغاية، يمكن خلاله أن يُتهم بالخيانة لأمّته، يُعلن من حين إلى حين مدى حُبّه لإخوته حسب الجسد، وعن عدم تجاهله لما نالوه من امتياز دون سائر الأمم في عصري الآباء والأنبياء، وأيضًا عن غيرتهم الدينيّة، وإن كانت بلا إدراك روحي حقيقي، إذ يقول: "أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هي للخلاص، لأني أشهد أن لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة" [1-2]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية موضحًا أن الرسول وهو يستعد لتوبيخهم بأكثر صرامة يودّ أن يقول لهم: لا تلتفتوا إلى الألفاظ، ولا إلى الاتهامات، كأني اتهمكم بروح عدائي، فإن "خلاصكم" هو موضوع سرور قلبي وصلاتي لله. يا له من روح إنجيلي ملتهب بالحب، فمقاومة اليهود المستمرّة له لم تجرح مشاعر محبّته، إذ لا يجد ما يسرّ قلبه مثل خلاص الآخرين حتى المقاومين له. هم في قلبه، يشتهي خلاصهم، ولا يكفّ عن الطلبة من أجلهم. هذه الأبوّة الحانية نجدها في خدام الله الحقيقيّين، الذين من الأعماق يصرخون مع صموئيل النبي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطىء إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" ( 1صم 12: 23). علامة الحب الصراحة والوضوح، إذ يشهد لغيرتهم لله، لكنها غيرة ليست حسب المعرفة، سقط فيها هو من قبل، إذ كان في غيرته "ينفث تهددًا وقتلاً على تلاميذ الرب" (أع 9: 1). يقول القدّيس أغسطينوس: [كانوا يظنّون أنهم يقدّمون خدمة لله بذبحهم خدّامه! يا له من خطأ مريع، عندما تودّ أن تسرّ الله بضربك محبوبيه حتى الأرض، وهدم مذبح الله الحيّ لتأتي به أرضًا كي لا يُهجر الهيكل الحجري، يا له من عمى لعين! هذا هو ما حدث مع إسرائيل من أجل ملىء الأمم، أقول أنه حدث جزئيّا وليس للكل، فلم تقطع كل الأغصان، وإنما بعضها، لكي تتطعّم أغصان الزيتونة البريّة (رو 11: 25، 17) .] ما سقط فيه اليهود يمكن أن يسقط فيه بعض المسيحيين، إذ تكون "لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة"، كأن يسلك الإنسان بفكر متعصّب دون إدراك روحي للإيمان المستقيم أو اتساع قلب لمحبّة الغير؛ أو كأن يجاهد في طريق الفضيلة غير متكىء على صدر الله بل على ذراعه البشري وقدراته الخاصة ومعرفته الزمنيّة. سر جحود اليهود جهلهم أمرين؛ أولاً: برّ الله، ثانيًا: غاية الناموس. يقوم الأول على جهلهم عمل الله في حياة المؤمن، فطلبوا برّ أنفسهم، لا برّ الله، فصار ذلك عائقًا عن خلاصهم، والثاني جهلهم غاية الناموس وأحكامه فتمسّكوا بالحرف القاتل دون الروح الذي يحيي. أولاً: جهلهم برّ الله "لأنهم إن كانوا يجهلون برّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، لم يخضعوا لبرّ الله" [3]. يحاول أن يعطيهم عذرًا: "جهلهم برّ الله"، لكنه يحوّل العذر إلى اتهام ضدّهم يقوم على كبريائهم واعتداءهم بالذات: "برّ أنفسهم". جهلهم لا يقوم على ظروف خارجية قهريّة، وإنما على فساد داخلي يدبّ في النفس. حينما تتضخم "الأنا ego" تملأ القلب، فلا تطيق آخر في داخله، حتى إذ تديّنت تعمل لحساب ذاتها المغلقة، فتطلب تثبيت "برّ نفسها" عِوض اتساعها بالحب لتقبل نعمة الله واهبة البرّ بالإيمان. يحدّثنا إشعياء النبي عن هذا البرّ الذاتي، قائلاً: "قد صرنا كلنا كجنس، وكثوب عُدة كل أعمال برنا، وقد ذبلنا كورقة وآثامنا كريحٍ تحملنا" (إش 64: 6). + يقول الرسول بولس أن المسيح بالنسبة لنا برّ (1 كو 1: 30)؛ وبالتالي من يجوع إلى هذا الخبز إنما يجوع إلى البرّ النازل من السماء، الذي يهبه الله، وليس الذي يصنعه الإنسان لنفسه. فلو أن الإنسان لا يصنع لنفسه برًا لما قال الرسول نفسه لليهود: "إذ كانوا يجهلون برّ الله، ويطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، لم يخضعوا لبرّ الله" [3]... برّ الله لا يعني أن الله بارّ، وإنما يعني البرّ الذي يهبه الله للإنسان فيجعله بارًا بالله. مرة أخرى، ما هو برّ هؤلاء اليهود؟ البرّ الذي هو من عمل قوتهم والذي افترضوه، فحسبوا أنفسهم كما لو كانوا مكمِّلين للناموس بفضائلهم الذاتيّة. القدّيس أغسطينوس + الله وحده هو البارّ والذي يبرّر، يهب الإنسان البرّ. إنهم يطلبون أن يُثبتوا برّ أنفسهم، بمعنى أنهم يظنّون بأن الصلاح هو من عندهم لا عطيّة إلهية. بهذا "لم يخضعوا لبرّ الله"، لأنهم متكبرون ويحسبون أنهم قادرون على إرضاء الله بذواتهم لا بما لله. القدّيس أغسطينوس + قال هذا عن اليهود الذين في اعتداءهم بذواتهم احتقروا النعمة، ولم يؤمنوا بالمسيح أنه يقول بأنهم أرادوا أن يُقيموا برّهم، هذا البرّ الذي من الناموس، لا أنهم ينفّذون الناموس، بل يقيمون برّهم في الناموس، عندما يحسبون في أنفسهم أنهم قادرون على تنفيذ الناموس بقوتهم، جاهلين برّ الله، لا البرّ الذي لله بل البرّ الذي يمنحه الله للإنسان. القدّيس أغسطينوس ثانيًا: جهلهم غاية الناموس إن كانت "الأنا" قد حجبت عنهم الالتقاء مع الله بعمله فيهم، فصار برّهم الذاتي المزعوم عائقًا عن تمتّعهم ببرّ الله، فإن تمسكهم بحرفيّة الناموس وشكليّاته أفقدهم المتعة بغاية الناموس الحقيقية، ألا وهو الالتقاء بالمخلّص. يقول الرسول: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ، لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب في البرّ الذي بالناموس، أن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها" [4-5]. اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا 18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الإنسان لا يمكن أن يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذي يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسان أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذي وحده غير كاسرٍ للناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذرًا يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ؛ من ينعم بالبرّ الذي قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنّ في نفسه أنه بالناموس يتبرّر. + المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذي أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن. القدّيس إكليمنضس السكندري 2. رفضهم بساطة الإيمان ربّما يتساءل البعض: إن كان اليهود قد عجزوا عن تحقيق البرّ بالناموس بتنفيذ وصاياه، فماذا يكون حالنا أمام الوصايا الإنجيليّة وهي أصعب من وصايا الناموس؟ لذلك أسرع الرسول ليوضّح الإمكانيات الجديدة التي صارت لنا خلال السيد المسيح والتي يمكن تركيزها في نقطتين جوهريتين: أ. أن الإيمان بالمسيح بسيط وقريب منّا للغاية [6-8]. ب. أن الأب أقام المسيح، ليهبنا قوّة القيامة عاملة فينا [9-11]. بهذا لم يحطم الرسول الأعذار اليهوديّة فحسب، وإنما فتح لنا باب الإيمان لنعيشه بكونه سهل المنال، خلال الحياة المُقامة لنا في المسيح ربنا. أولاً: رفضهم الإيمان البسيط القريب "وأما البرّ الذي بالإيمان فيقول هكذا: لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليحدر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية أي ليصعد المسيح من الأموات، ولكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها" [6-8]. اقتبس الرسول عبارات لموسى النبي بعد أن أعطاها مسحة إنجيلية، إذ جاء في سفر التثنية: "أن هذه الوصيّة أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك، ولا بعيدة منك، ليست هي في السماء حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ ولا هي في عبر البحر حتى تقول: من يعبر لأجلنا البحر ويأخذها لنا ويُسمعنا إيّاها لنعمل بها؟ بل الكلمة قريبة منك جدًا في فمك وفي قلبك لتعمل بها" (تث 30: 11-14). كان موسى يُحدّث شعبه عن الشريعة أو الوصيّة الإلهية أو الكلمة الإلهية، كيف صارت بين أيديهم ليست ببعيدة عنهم، ليست بالشريعة المرتفعة في السماء يصعب بلوغها والتعرف عليها، ولا هي في الأعماق ليس من ينزل إليها ليجلبها. إنما صارت في وسطهم تبكّتهم وتحثهم على الرجوع إلى الله. إن كان هذا ينطبق على كلمة الله المُعلنة خلال الحروف والمُسلمة بين يديّ موسى النبي لتُوضع في الهيكل وسط الشعب، فبالأحرى تنطبق على كلمة الله المتجسّد، الذي صار إنسانًا وحلّ بيننا كواحد منّا. فلم يعد غريبًا عنّا ولا ببعيدٍ عن حياتنا، بل هو قريب إلينا. يسكن فينا ويحلّ بروحه في داخلنا، لنحيا به في كلماتنا وتصرّفاتنا وكل مشاعرنا وأحاسيسنا. في القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذي تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب 2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسدًا، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب في مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها.] إن كان برّ الناموس صعبًا بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريبًا من مؤمنيه، بل ساكنًا فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 5: 20). حدّثنا القدّيس أغسطينوس عن طريق لقائه مع الله قائلاً بأنه في غباوة كان يبحث عن الله في الطبيعة وكتب الفلاسفة، خرج خارجًا عن نفسه يطلبه، بينما كان الله في داخله عميقًا أعمق من نفسه وعاليًا أعلى من علوّه. إذن لنطلبه في داخلنا، فنجده يملك على القلب، ويُقيم عرسه فيه! ثانيًا: التمتّع بقيامة المسيح فينا "لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت، لأن القلب يؤمن به للبرّ، والفم يعترف به للخلاص، لأن الكتاب يقول: كل من يؤمن به لا يخزى" [9-11] إن كان الإيمان ليس بالأمر الصعب، لكنه كما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم يطلب نفسًا متيقظة ساهرة تقبل المسيح الذي قام من الأموات. فكما سبق فقال الرسول أن إبراهيم "على خلاف الرجاء آمن على الرجاء" (رو 4: 18)، هكذا المسيحي يقبل على خلاف الرجاء الطبيعي الحياة المُقامة في المسيح. هذا هو مركز إيماننا! يلاحظ في هذه العبارة الرسولية الآتي: أ. اشتراك الفم مع القلب في الإيمان: "إن اعترفت بالرب يسوع، وآمنت بقلبك... خلصت" [9]. فإن كان القلب هنا يُشير إلى الإنسان الداخلي، فإن الفم يُشير إلى الحياة الظاهرة؛ إيماننا في جوهره لقاء النفس الداخليّة مع عريسها لكن دون تجاهل للجسد بكل أعضائه! بمعنى آخر إيماننا يمس أعماقنا الداخليّة وتصرفاتنا الظاهرة. بدون القلب يصير اعترافنا الظاهري لغوًا وتعصبًا وشكليّات، وبدون الحياة العاملة والاعتراف الظاهر لا ننعم بهذه المكافأة: "كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات" (مت 10: 32). + ينبع هذا الاعتراف عن جذور القلب. أحيانًا تسمع إنسانًا يعترف (بالمسيح) لكنك لا تدرك إن كان مؤمنًا أو غير مؤمن يجب ألا تدعو أحدًا أنه يعترف (بالمسيح) أن كان غير مؤمنٍ (بقلبه)، لأن من يعترف هكذا إنما ينطق بغير ما في قلبه. القدّيس أغسطينوس ليتنا نؤمن بربنا يسوع بكل قلبنا، فيملك كربٍ، ويخلص أعماقنا من كل ظلمة، متجاوبين مع مخلصنا بحياتنا المقدّسة فيه، فنعترف به بشفاهنا. يرى القدّيس أمبروسيوس الاعتراف بالفم يمثل إحدى القبلات التي يقدّمها المؤمن لعريسه السيد المسيح حين يناجيه، قائلاً: "ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر" (نش 1: 2). فإن كان عريسنا لا يكف عن أن يقبّلنا بقبلات الحب العملي الباذل، يليق بنا أن نرد القبلات بالقبلات، والحب بالحب، لنوجد فيه محبوبين ومقدّسين. ويرى القدّيس أمبروسيوس أيضًا في الاعتراف بالفم والإيمان بالقلب أشبه بالبوقين الذين من الفضة (عد 10: 2): [بهذين البوقين يبلغ الإنسان الأرض المقدّسة، أي نعمة القيامة. دعهما يصوتان لك كي تسمع صوت الله، فتحثك منطوقات الأنبياء والملائكة على الدوام وتسرع بك إلى العلويات]. ب. الاعتراف بالفم بربنا يسوع المسيح لا يعني مجرّد شهادة الشفتين له، وإنما تعني إبراز الحياة المقدّسة لا لمجد الإنسان، وإنما لمجد الله نفسه، إذ يقول السيد المسيح: "فليضيء نوركم قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16). وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين يرغبون في إظهار أعمالهم الحسنة للناس ليمجدوا ذاك الذي أخذوا منه هذه الأعمال الظاهرة فيهم فيتمثلون بهم بالإيمان، بالحق يضيء نورهم أمام الناس، لأن منهم تنبعث أشعة نور المحبّة... لاحظوا الرسول أيضًا عندما يقول: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء" (1 كو 10: 33)، فإنه لم يقف عند هذا كما لو كان إرضاءه للناس هو هدفه النهائي، وإلا فباطلاً يقول: "لو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل 1: 10)، بل أردف في الحال مظهرًا سبب إرضائه الناس، قائلاً: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33). فهو لا يرضي الناس لنفعه الخاص وإلا فلا يكون عبدًا للمسيح، بل يرضي الناس لأجل خلاصهم حتى يكون رسولاً أمينًا للمسيح]. ج. "لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يخزى" [11]. اقتطف الرسول بولس ذلك عن سفر إشعياء (28: 16 الترجمة السبعينية)، ليؤكّد أمرين، الأول أنه بأعمال الناموس يمكن للإنسان أن يخزى، إذ يعجز عن التمتّع بالبرّ، أمّا بالإيمان الحيّ فلن يخزى. الأمر الثاني أنه لم يحدد فئة معيّنة بل قال: "كل من يؤمن به"، مؤكدًا عمومية الخلاص بلا تمييز بين يهودي وأممي. 3. رفضهم حب الله الشامل إذ سبق أن كشف الرسول عن سرّ جحود اليهود: رفضهم الإيمان البسيط القريب، جاء بعبارة نبوية مقتبسة من إشعياء النبي (28: 16) نعلن أن "كل" من يؤمن به لا يخزى. كما يقتبس من يوئيل العبارة "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (يوئيل 2: 28-29). العبارة التي اقتبسها الرسول بطرس في عظة يوم الخمسين (أع 2: 21). هكذا لا يتوقف الرسول بولس عن تأكيد انفتاح باب الإيمان لجميع الأمم، "لأن الله، هو رب الكل" (أع10: 36) كما قال القدّيس بطرس في بيت كرنيليوس. "لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن ربًا واحدًا للجميع، غنيًا لجميع الذين يدعون به، لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص" [12-13]. 4. رفضهم الالتزام بالكرازة يدخل القدّيس بولس الرسول بهم إلى اتهام جديد، ألا وهو تجاهلهم الدور الرئيسي الذي كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار: الكرازة بالمسيّا الذي شهد له العهد القديم برموزه ونبوّاته. بمعنى آخر كان يليق بهم عِوض الدخول في مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله: "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات..." [14-15]. يقدّم لنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم تحليلاً رائعًا لهذا النص الرسولي، إذ يقول بأن الرسول يجرّدهم من كل عذر، فبعدما قال أن لهم غيرة لله لكن ليس حسب المعرفة، بدأ عن طريق الأسئلة يوضّح أنه كان يحب أن يكونوا أول المؤمنين بالسيد المسيح، لأنه قد أُرسل لهم الأنبياء ككارزين لهم به خلال النبوّات، لكنهم سدوا آذانهم ورفضوا الإيمان. فإن كان الخلاص يتطلب الدعوة باسمه كقول يوئيل النبي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13؛ يوئيل 2: 28-29)، فالدعوة باسمه تستلزم الإيمان به، والإيمان يتطلب السماع عنه، والسماع لا يتحقّق إلا بالكارزين، والكارزون لا يبشِّروا ما لم يُرسلوا. وقد أُرسل لهم الكارزون فعلاً وكرزّوا قبل مجيئه بأجيال كثيرة كقول إشعياء الذي أعلن عن رسالة الكارزين المبشرين بالسلام (إش 52: 7)، ومع هذا فقد رفض اليهود الإيمان، فهم بلا عذر. كان يليق باليهود أن يسبقوا الأمم في قبول الإيمان بالمسيّا المخلص ليقوموا بدور الكارزين، مكمِّلين رسالة أنبيائهم، عِوض مقاومتهم للإيمان. هكذا يظهر الرسول أن دينونتهم مضاعفة. على أي الأحوال حتى هذا الرفض للإيمان تنبأ عنه إشعياء، إذ يقول الرسول: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول: يا رب من صدّق خبّرنا؟ إذًا الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، لكنني أقول: ألعلّهم لم يسمعوا؟ بلى إلى جميع الأرض خرج صوتهم، وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم" [16-18]. لقد سبق فأنبأ إشعياء أنه ليس الجميع يطيعون الإنجيل، إذ يرفض كثير من اليهود خبر التبشير الذي سبق فأعلنه النبي نفسه (إش 53: 1). هو قدّم الخبر ليؤمنوا بالإنجيل، لكنهم لم يسمعوا، مع أن الأمم الذين في أقاصي المسكونة سمعوا وآمنوا، وهكذا صاروا شهودًا على اليهود. اقتبس الرسول جزءًا من المزمور 19 حيث ينشد المرتّل: "السماوات تحدّث بمجد الله، والفَلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلامًا، وليل إلى ليل يبدي علمًا، لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم، في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم". يُعلن المرتّل في هذا المزمور أن الشهادة عن الله عامة والكرازة بأعماله مقدّمة لكل البشريّة خلال الطبيعة عينها (السماوات والفلك) وخلال كرازة الكارزين التي تبلغ أقصى المسكونة، وكأن المرتّل قد شاهد بروح النبوّة خدمة الرسل التي اتّسعت لتضم الشعوب والأمم من مشارق الشمس إلى مغاربها. 5. شهادة الأنبياء عن جحودهم أعلن الرسول عن سرّ جحود اليهود برّ الله وعدم إدراكهم غاية الناموس، ورفضهم الإيمان البسيط القريب إليهم، وضيق قلبهم الذي لا يقبل حب الله الجامع لكل البشريّة، ونسيانهم رسالتهم ككارزين بالمسيّا المخلص للعالم. الآن يقدّم لهم الرسول شهادة أعظم تبيّن جحودهم، هما موسى وإشعياء: "لكني أقول: ألعلّ إسرائيل لم يعلم؟ أولاً: موسى يقول أنا أُغيرَكم بما ليس أمة، بأمّة غبيّة أغيظكم (تث 32: 21)؛ ثم إشعياء يتجاسر ويقول: "وُجدت من الذين لم يطلبوني، وصرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عني (إش 65: 1)؛ أما من جهة إسرائيل فيقول: "طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم (إش 65: 2)" [19-21]. يلاحظ في هذه العبارات الرسولية والمقتبسة من أقوال موسى وإشعياء النبيّين الآتي: أولاً: يتساءل الرسول بولس: "ألعلّ إسرائيل لم يسمع؟" وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد: هل سمع إسرائيل ولم يفهم؟ إن كان الأمم الوثنيّون سمعوا وأدركوا الإيمان، فكم بالأحرى كان يليق باليهود الذين [أعطاهم الله منذ القدم كل العلامات التي تستهدف نحو إزالة الغشاوة عن عيونهم.] ثانيًا: اقتبس الرسول العبارة الموسويّة (تث 32: 21): "هم أغاروني بما ليس إلهًا، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أُغيرهم بما ليس شعبًا، بأمّة غبيّة أغيظهم". وكأن الله قبل الأمم الوثنيّة كشعبٍ له خلال الإيمان ليُثير أيضًا مشاعر اليهود لعلهم يرجعون عن جحودهم ويتوبون إلى الله، وهكذا لم يغلق الرب الباب في وجه أحدٍ. ثالثًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في العبارة "طول النهار بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. إنه أب يبسط يديه نحو شعبه، كما نحو طفله الصغير الذي يرفض أحضان أبيه المتّسعة له بالحب. ويرى القدّيس يوستين في هذا القول النبوي (إش 65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح العاشر آية (1):- "1أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلِبَتِي إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلاَصِ. " في(1:9) نري الرسول حزين عليهم، ولكن الحزن وحده لا يكفي لعودة الخاطئ، لذلك نري الرسول هنا مصلياً لأجلهم بالرغم من عنادهم ليحصلوا علي الخلاص. ومحبة بولس لشعبه وصلاته لأجلهم لم يتوقفا علي الرغم من هجومهم المستمر عليه فشابه صموئيل حين قال "كيف أخطئ إلي الله وأكف عن الصلاة لأجلكم" (1صم23:12). آية (2):- "2لأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً ِللهِ، وَلكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ." هناك غَيْرَةً ِللهِ، وَلكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ = فهناك من يقتل شعب الله ظاناً أنه يقدم خدمة لله (يو2:16). وبولس نفسه سقط هذه السقطة من قبل أع 1:9 ويسقط في هذا كل من له فكر تعصب أعمي دون إتساع قلب في محبة الغير. ولاحظ هنا أن بولس يشهد لهم وهم ألد أعداؤه، فالسيد قال "باركوا لاعنيكم". ومعناها أن نذكر أعداءنا بأحسن ما فيهم. الْمَعْرِفَةِ = هم يطبقون الناموس في غيرة لله لكن لإثبات بر أنفسهم وليس لكي يمجدوا الله وينسحقوا شاعرين بالإحتياج إليه. آية (3):- "3لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ. " يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ = لم يعرفوا عمل الله فيهم. لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ = هذه ليس معناها أن الله بار، بل البر الذي يهبه الله للإنسان فيجعله باراً بالله. محاولتهم لإثبات بر أنفسهم راجعة لكبريائهم أي فسادهم الداخلي، فحينما تتضخم الأنا وتملأ القلب، لا تطيق آخر في داخله، وحتى إذ تدينت تعمل لحساب ذاتها المغلقة تطلب تثبيت بر نفسها، عوض إتساعها بالحب لتقبل نعمة الله واهبة البر بالإيمان. هؤلاء ظنوا أن الصلاح والبر من عندياتهم وليس هو عطية إلهية، لهذا لم يخضعوا لبر الله إذ أنهم متكبرون. وفي إعتدادهم بذواتهم إحتقروا النعمة، فلما أتي المسيح لم يؤمنوا به. هم طلبوا بر ذواتهم والمجد لذواتهم (يو42:5،44). وفقدوا محبتهم لله لذلك تخلي عنهم (رو28:1 + 2أي1:15،2). آية (4):- "4لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ." الناموس وُضِع ليمهد للمسيح ويعمل لحسابه، ليكتشف الإنسان ضعفه وإحتياجه لمخلص، إذ هو عاجز عن تنفيذ الوصايا التي في الناموس (أع10:15) هكذا شعر التلاميذ. وكان هذا هو عمل الأنبياء إذ تنبأوا عن مجيء المخلص. فالناموس لم يوضع ليبقي بل ليعمل لحساب المسيح. فإن شهادة يسوع هي روح النبوة (رؤ10:19). حتى إذا جاء المسيح يكون الناموس قد بلغ غايته ونهايته. الناموس وُضِع لكيما إذا إستخدمه اليهود بالإيمان، أي بالعلاقة الصحيحة مع الله، فإنه سينتهي بهم حتماً إلي الإستنارة الروحية وإعداد الفكر لقبول المسيح الذي يبرر من يؤمن به= لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ = أي يكتشف الإنسان إحتياجه للمسيح فيذهب إليه، ومن يفعل بإيمان سيبرره المسيح. لكنهم استخدموا الناموس بطريقة خطأ وأرادوا إثبات بر أنفسهم أي لحسابهم وليس لحساب مجد الله. لذلك رفضوا المسيح وصلبوه. فالناموس لا يبرر بل يقود للمسيح الذي يبرر من يؤمن. آية (5):- "5لأَنَّ مُوسَى يَكْتُبُ فِي الْبِرِّ الَّذِي بِالنَّامُوسِ: «إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا». " الآن التبرير هو فقط بواسطة الإيمان بالمسيح. لأن موسى يكتب عن التبرير الذي يجئ بواسطة الناموس وأعمال الناموس الموسوي قائلاً: "إن الإنسان الذي سيتمم كل وصايا الناموس سوف يحيا وهو وحده الذي يمكن ان يتبرر (لا5:18). علي أن المحافظة علي الناموس بصورة تامة أمر مستحيل وغير ممكن بسبب فساد الطبيعة البشرية، فمن يستطيع أن لا يشتهي ما عند قريبه (الوصية العاشرة). هذه لا يطبقها إلاّ الذي مات عن العالم مع المسيح فزهد في العالم كله. الآيات (6-9):- "6وَأَمَّا الْبِرُّ الَّذِي بِالإِيمَانِ فَيَقُولُ هكَذَا:«لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ، 7«أَوْ: مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ 8لكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ «اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ» أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: 9لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ." في آية5 حدثنا الرسول عن صعوبة الخلاص بواسطة أعمال الناموس وهنا يتكلم عن الإيمان ليثبت أن طريق الإيمان أسهل من طريق الأعمال والناموس. بل إن مطاليب العهد الجديد تبدو للوهلة الأولي أصعب جداً من مطاليب العهد القديم. فالعهد القديم يوصي بألا تزني، أما العهد الجديد فيمنع النظرة للإشتهاء. ولكن مجرد الإيمان مع محاولة تنفيذ الوصايا سنجد المعونة والعمل الإلهي الذي يبرر. وهذا كان مستحيلاً في العهد القديم الذي يقف ليدين الخاطئ أمّا العهد الجديد ففيه الروح القدس يعين المؤمن. وفي هذه الآيات نجد أن بولس أعاد صياغة ما قاله موسى النبي في (تث11:30-14). وأعاد تفصيل هذه الآيات بإرشاد الروح القدس لتفهم بمفهوم العهد الجديد. فموسى كان يقصد أن يقول لشعبه.. لا تقولوا أن الوصية صعبة أو هي في السماء لا أستطيع أن أصعد إليها، ولا هي في عبر البحر فكيف أسافر إليها بعيداً. وهذا ما قاله الله لقايين عن الخطية "وأنت تسود عليها" لكن ما رأيناه عملياً أن ضعف الإنسان حال بينه وبين تنفيذ الناموس بالكامل فبدا لنا الناموس صعباً. لذلك فهم بولس الرسول أن موسى حين كان يقول هذا عن سهولة الوصية إنما كان يتنبأ عن المسيح، الذي مات بجسده ليعطيني أن أموت وأقوم معه بالمعمودية. فالآن أنا أنفذ الوصية لأن الروح القدس أعطاني إمكانية أن أموت مع المسيح عن الخطية، وأعطاني أن أقوم معه فيعطيني المسيح حياته لأعمل البر، وهذا ما نسميه النعمة. وهذا ما طلبه المسيح أن نحمل نيره أي نرتبط معه، وهو حقيقة من يحمل حمل تنفيذ الوصية. وبولس الرسول رأي في كلمات موسي أن الوصية هي رمز للمسيح، فالمسيح هو غاية الناموس، والناموس في نهايته هو إستعلان شخص المسيح، فرفع بولس كلمة الوصية من آيات التثنية ووضع مكانها المسيح واهب البر. وعبور البحر فهمه بولس الرسول أنه موت المسيح، فأعماق البحر رمز للهاوية مكان الأموات. وقال أن المسيح لم يستمر ميتاً بل قام، وبالتالي أعطاني ألا أمكث مهزوماً من الخطية والموت. وكما أن القيامة من الموت أصبحت سهلة بقيامة المسيح، علينا ألاّ نستصعب إتصال المسيح بنا بعد صعوده، فصعوده للسموات لا يعني إنفصاله عنا، بل هو صعد ليعطينا حياته نحيا بها. إذاً سهولة الوصية الآن راجعة لموت المسيح وقيامته، فصرنا نموت معه ثم نقوم معه ليعطينا حياته فنسلك بها في البر. وكل المطلوب منّا أن نؤمن ثم نقرر أن نصلب مع المسيح "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (غل20:2). «لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ = أي لا داعي أن تتصور لزوم وجود المسيح وسطنا الآن بجسده ليمكن لنا أن ننفذ الوصية فالمسيح صعد حقاً لكنه أعطانا حياته لنحيا به في كلماتنا وتصرفاتنا وكل مشاعرنا وأحاسيسنا. المسيح أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها. جاء ليعطينا قوة قيامته عاملة فينا، ويسكن فينا البر ليزداد برنا علي بر الفريسيين. والمسيحي إبن إبراهيم بالإيمان يؤمن أن المسيح قادر أن يقيمه من موت الخطية، ويعطيه حياة مقامة في المسيح. والروح القدس الذي أوحي لموسي بما قاله هو الذي فسر وشرح ما قيل لبولس. فبولس إقتبس كلمات موسي وأعطاها مسحة إنجيلية ليظهر أنه لا داعي أن نصعد للسماء ولا أن نموت ونهبط للهاوية فهذا صنعه المسيح ليبررنا. وفي آية9 لأَنَّكَ = صحة ترجمتها وهي... وهذه راجعة لكلمة الإيمان التي نكرز بها في آية8. فما هي كلمة الإيمان التي يكرز بها الرسل= إن اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ = القلب يشير للحياة الداخلية والفم يشير للحياة الظاهرة. وإيماننا يمس أعماقنا الداخلية وتصرفاتنا الظاهرة. الإيمان هو المدخل للبر والتقديس والمجد. وبدون القلب يصير إعترافنا الظاهري لغواً وتعصباً وشكليات. وبدون الحياة العاملة والاعتراف الظاهر يكون إيماننا ميتاً (رسالة يعقوب) فلا ننعم بالمكافأة والإعتراف بالفم هو ما قال عنه السيد المسيح "كل من يعترف بي قدّام الناس أعترف أنا أيضاً به..." والإعتراف بالفم ليس بالكلام فقط، بل بالحياة والأعمال (مت16:5). بل في الإعتراف حتى الموت ثمناً لهذه الشهادة كما فعل الشهداء. ولاحظ أنه لا يستطيع أحد أن يشهد للمسيح حتي الموت إن لم تكن له حياة مسيحية في قداسة وفي محبة لله. هنا تكون الحياة التي نحياها متفقة مع الإيمان الذي في القلب. والإعتراف بالفم يعني أن إسم المسيح يملأ الفم ولا يعلو عليه إسم آخر. وأن إسم المسيح قَدَّسَ الحياة والفم، فلا تعظيم إلاّ للمسيح ولا خوف سوي منه ولا رجاء إلاّ فيه ولا شهوة إلاّ له. وهذا يساوي أن الإنسان مات مع المسيح وقام. وهذا هو الخلاص إن اعْتَرَفْتَ 000 وَآمَنْتَ 000 خَلَصْتَ. وفي أية8 وَفِي قَلْبِكَ = هذا ما يعمله الروح القدس الذي يسكب المحبة في القلب (رو5:5) فنلتزم بالوصايا. آية (10):- "10لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ." لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ = فأول خطوة للتبرير هي الإيمان. والمعني إنك سوف تتبرر لأنه بقلبك إذا آمنت فإنك ستحصل علي البر ثمرة لهذا الإيمان، لأن المسيح سيكون في القلب فتتحول أعضاؤنا بدلاً من أن تخدم الخطية، لتخدم الله. إيمان القلب هو تكريس للنفس (العقل والإرادة) وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ = في الصلاة والتسبيح والإعتراف أمام الناس، وهذا هو تكريس الجسد. وهذه تعني أيضاً أنه بحياتك تعترف بالمسيح، أو بالأحرى "حياة المسيح فيك" وتعني إعتراف الفم الأعمال الصالحة الناشئة عن حياة المسيح فينا. تكريس النفس أو الإيمان بالقلب تعني خضوع العقل والإرادة خضوعاً داخلياً مخلصاً. وتكريس الجسد أي إعتراف الفم تعني أن أعضاء جسدي صارت آلات بر. وهذا التكريس الكلي بالنفس والجسد هو طريق التبرير والخلاص وينسب البر للإيمان فالإيمان هو المدخل للتبرير، ولكن الإيمان قد يكون ميتاً، فلا نكمل الطريق للخلاص. والإيمان يكون حياً لو كان هناك أعمال. لذلك نسبت الأعمال (الفم يعترف به..) للخلاص. آية (11):- "11لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ:«كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى». " مقتبسة من (إش16:28) (سبعينية). والمعني أنت سوف تنال الخلاص لأن الكتاب يقول كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى أي سيتحقق له الخلاص لأن بأعمال الناموس يمكن أن نخزي، إذ نعجز عن أن نتبرر، أما الإيمان الحي فلن يُخزِي. ولاحظ قوله كُلُّ = فهي تشير لعمومية الخلاص، فلماذا يرفض اليهود الأمم وكتابهم يشير لخلاصهم. لاَ يُخْزَى = من آمن بالمسيح سيكون له المجد والحياة الأبدية، أما المتعلق بالناموس كطريق للخلاص فسيخزي لأنه لم ولن يوجد من التزم بالناموس بالكامل. والآية جاءت في ترجمات أخرى "كل من يؤمن به لا يهرب"= أي يهرب من الآلام، فهو لن يخزيه إرتباطه بالمسيح المصلوب المتألم المرفوض، ويزداد تعلقاً به مع زيادة الألم. الآيات (12-13):- "12لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. 13لأَنَّ «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ»." لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ = هذه عائدة علي "كل" في الآية السابقة. الرسول هنا يعالج رفضهم حب الله الشامل للجميع يهوداً وأمماً. ويقول أن الله هو رب الجميع، خالق الجميع، إذاً هو مسئول عن الجميع. ولذلك سيقبل الجميع، كل من يؤمن، من اليهود أو اليونانيين. وإستند بولس الرسول علي آية أخري من يوئيل إن كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ = (32:2). طبعاً لا أحد سوف يدعو إن لم يؤمن أولاً ثم يدعو بإسم الرب. فالوعد هنا في يوئيل هو للكل أيضاً، لكل من يصلي مؤمناً بالرب. الآيات (14-15):- "14فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ 15وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ». " الرسول يوجه اللوم لليهود ويفضح تقصيرهم، إذ كان المفروض أن يكونوا نوراً للعالم، وبمعرفتهم للرب أولاً كان يجب أن يكونوا سفراء للعالم كله، ويقوموا بدور كرازي، ويعلنوا الله لهم. لكن بسبب كبريائهم وبرهم الذاتي، دخلوا في مناقشات غبية بتشامخ وكبرياء ضد الأمم.فكانوا عثرة للأمم وسبب نفور الأمم من الله. والآن لقد أتي الله ليقبل الأمم، واليهود يرفضون ذلك، بينما أن المفروض أن إيمان الأمم بالله يسعدهم. لأن إسم الله يتمجد في العالم، هذا إن كانوا يحبون الله فعلاً، لكن هم كانوا يحبون أنفسهم، وهذا معني أنهم يطلبون بر أنفسهم. هم كانوا بناموسهم الذي يشهد للمسيح، قادرين أن يكتشفوا المسيح ويكرزوا به للأمم، لكنهم للأسف بسبب كبريائهم لم يقوموا بدورهم الذي أراده لهم الله. فَكَيْفَ يَدْعُونَ = هذه راجعة للآية13 كل من يدعو بإسم الرب.. وهنا يتساءل بولس الرسول كيف يدعوا الأمم الله لكي يخلصوا وهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وحتى يؤمنوا بالله كان يجب أن يسمعوا به= وهذا لم يحدث لأنه لم يوجد كارز يعرفهم بالله فيؤمنوا به ثم يدعون بإسمه فيخلصون. هنا الرسول يلوم اليهود، إذ كان عليهم بسابق معرفتهم بالله أن يكونوا أول المؤمنين بالمسيح، بل كارزين به للعالم أجمع، لكن عوضاً عن ذلك إذ بهم يسدون آذانهم حتى عن نبوات أنبيائهم، فلم يعرفوا المسيح، ولم يؤمنوا به، ولم يكرزوا به. لَمْ يُرْسَلُوا = لم يرسلهم الروح القدس بواسطة الكنيسة ليكرزوا، وكيف يخدم إنسان كسفير مالم يقدم أوراق إعتماده. والملك لا يُرسل سفيراً ما لم يكن أهلاً لذلك. فالله لم يُرسلهم للكرازة إذ أنهم لا يستحقون بسبب كبريائهم. وهنا يشير الرسول للخدمة القانونية التي تستلزم خادماً رُسِمَ بالطريقة القانونية. والذي يرسل الخدام هو رب الحصاد ولكنه يترك هذا لقادة الكنيسة حتى يحكموا علي مقدرته وصلاحياته، ولا يترك لكل إنسان أن يحكم علي نفسه، وذلك يؤول لحفظ نظام الكنيسة فهم الذين أُعْطوا السلطان (الله أعطي السلطان للكنيسة) لإقامة الخدام، وبهذا تحتفظ الكنيسة بخلافة الرسل. ولذلك رأينا أنه بينما إختار الله بولس وبرنابا للكرازة، قامت الكنيسة بوضع اليد عليهما لترسلهما (أع2:13،3) وحينما خَسِر اليهود دورهم ككارزين وسط الأمم خسروا بركات أن يكونوا الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ (إش7:52). وهذه الآية قيلت عن خلاص إسرائيل من سبي بابل، لكن بولس رأي فيها ما هو أبعد من ذلك، رأي أنها تشير لمن يبشر بالسلام الذي تحقق بدم المسيح بين الله والناس. والذي يبشر بالمسيح هو يبشر بالسلام فالمسيح ملك السلام. مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ = في نظر سامعيهم. هم خسروا هذه البركات. آية (16):- "16لكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ، لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ:«يَارَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟» " عدم إيمان اليهود بالمسيح، هذا كان النبي إشعياء قد تنبأ به من قبل (1:53) فقليلون هم الذين صدقوا وآمنوا. قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ = ليس المهم أن نسمع ونعرف بل أن نطيع. من صَدَّقَ خَبَرَنَا = من يؤمن بكلمات الكرازة. آية (17):- "17إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ. " إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ = الخبر في الإنجليزية HEARING أي سماع. وكلمة الخبر هنا راجعة علي كلمة خبرنا في الآية السابقة. والمعني أنه لابد من الإستماع لكلمة الله حتي يؤمن الإنسان، فبداية الإيمان ونموه تأتي من السماع، سماع كلمة الله= وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ. ولأن الخبر هو كلمة الله فمن يرفض الكلمة التي كرز بها الرسل، فإنه يرفض الله. تأمل: هناك أخبار حلوة كثيرة هى وعود من الهنا السماوى ليس فقط فيما يخص ميراثنا السماوى ولكن أيضاً فيما يخص بحمايته لنا وعنايته بنا وتدبيراته لكل امور حياتنا على الأرض. ونحن نحيا لنختبر صدق هذه المواعيد أى صدق هذه الأخبار وكلما نرى ونختبر صدق هذه المواعيد يزداد إيماننا بالله. وبهذا يتحقق قول الآية الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ. آية (18):- "18لكِنَّنِي أَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى! «إِلَى جَمِيعِ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ»." ولكنني أقول هل اليهود لم يسمعوا كلمة الله. بكل تأكيد هم سمعوا. لأن صوت الكارزين ببشارة الخلاص قد ذاع ووصل إلي كل الأرض. وأقوال الكرازة قد وصلت إلي أقاصي المسكونة. فبولس هنا يثبت علي اليهود أنه لا عذر لهم في رفض الكلمة، لكنهم هم سامعين لا يسمعون (مت13:13). ولقد إقتبس الرسول من (مز5:19). ولكن المزمور كان يتكلم عن شهادة الفلك والطبيعة لله، فالكواكب بنظامها العجيب تنطق بوجود الله، لكن بولس فهم المزمور أنه عن شهادة الرسل وكرازتهم التي بلغت أقاصي المسكونة (مر15:16 + مت19:28). فكما رتب الله أن تذاع أعماله في الخليقة عن طريق الشمس والقمر والكواكب، هكذا رتب الآن أن تذاع أعمال الفداء وأعمال محبته لكل العالم بواسطة كرازة الرسل، لذلك يسمي الرسل كواكب. آية (19):- "19لكِنِّي أَقُولُ: أَلَعَلَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوَّلاً مُوسَى يَقُولُ:«أَنَا أُغِيرُكُمْ بِمَا لَيْسَ أُمَّةً. بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ». " هو يقصد أن إسرائيل سمع وعلم. ولكنه لم يريد أن يفهم لأن الأمم سمعوا وفهموا وآمنوا. فكان يليق باليهود الذين لهم الأنبياء والعلامات أن يفهموا. والله يغيظهم بقبوله للأمم لعلهم يرجعوا ويؤمنوا. فالله لم يغلق بابه إذاً أمام اليهود. ولكن عناد اليهود أفقدهم وجودهم كأمة، ودخل بدلاً منهم الأمم. وبولس يقتبس من (تث21:32) قول موسى بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ = فالأمم كانوا أمة غبية لإلتصاقهم بالأوثان، فمهما سمت حكمة الشعوب الوثنية فهم بعيداً عن الله لا تزيد حكمتهم عن كونها غباء. ونري غيظ اليهود من قبول الأمم في أع45:13 + 5:17 + 13:17 + 22:22). اليهود كانوا كالأخ الأكبر الذي تضايق من عودة أخيه الأصغر، الإبن الضال. آية (20):- "20ثُمَّ إِشَعْيَاءُ يَتَجَاسَرُ وَيَقُولُ:«وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي، وَصِرْتُ ظَاهِرًا لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّي»." إن إشعياء وهو واحد من اليهود، وكان يحتقر عبدة الأوثان، إلاّ أنه يَتَجَاسَرُ ويقول علي لسان الرب. وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِي = (إش1:65-3) أي صرت إلهاً للأمم. فإشعياء تنبأ هنا عن قبول الأمم. آية (21):- "21أَمَّا مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ:«طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ»." تابع نفس نبوة إشعياء (1:65-3). هنا نري الله طُولَ النَّهَارِ = أي علي الدوام كأب غيور رحيم يمد يده ليحتضن هذا الشعب إلاّ أنهم رفضوا. بَسَطْتُ يَدَيَّ = فيها إشارة للصليب حيث بسط المسيح يديه يطلب المصالحة ويريد أن يحتضن الكل، يبحث عمن يلبي النداء. طُولَ النَّهَارِ = أي أن الزمان محدود، فالنهار يعقبه ليل، والليل إشارة لغضب الله (راجع يو30:13 قول الكتاب عن يهوذا حين دخله الشيطان إذ كان الرب قد رفضه فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلاً). والنهار محدد بساعات محدودة. فالله لا ينتظر دائماً (نش2:5-6) في النشيد نجد الحبيب تحول عن محبوبته (إذ طال إنتظاره) وعبر. إن رحمة الله العجيبة عجيبة جداً لأن صلاحه لم يغلبه شر الإنسان، وشر الإنسان لعجيب جداً لأن شره لم يغلبه صلاح الله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ العَاشِرُ رفض اليهود للإيمان وقبول الأمم له h E h (1) اليهود يطلبون بر أنفسهم (ع1-5 ): 1أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِى وَطََِلِْبَتِى إِلَى اللهِ لأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِىَ لِلْخَلاَصِ. 2لأَنِّى أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ الْمَعْرِفَةِ، 3لأَنَّهُمْ، إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ، لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ. 4لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِىَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ. 5لأَنَّ مُوسَى يَكْتُبُ فِى الْبِرِّ الَّذِى بِالنَّامُوسِ: إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِى يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا. ع1: يعلن القديس بولس أن مشتهى قلبه ومسرته وصلواته هى من أجل خلاص إسرائيل، فقلبه يمزقه الألم حزناً وحسرة على بنى إسرائيل الذين رفضوا المسيح فرُفضوا من الله. ع2: ها هو القديس بولس، بعين محبة طاهرة غير ناقدة، ينظر إلى الميزة الوحيدة الحلوة فى اليهود، وهى تمسكهم الشديد بالله وغيرتهم على اسمه ولكن تنقصها المعرفة الروحية، متذكرا نفسه هو شخصياً عندما كان شديد الغيرة على الله، فبجهله اضطهد المسيحيين قبل أن يستنير قلبه برؤية المسيح. ع3: بر الله: عمل الله الرحيم فى حياة المؤمن لتبريره كمنحة للمؤمنين الخاضعين المتضعين. تجاهل اليهود بكبريائهم بر المسيح وأرادوا أن يثبتوا جدارتهم فى تبرير أنفسهم بأعمالهم، ليأخذوا كل المجد والمديح لذاتهم المتضخمة، فكانت النتيجة أنهم لم ينالوا البر بسبب كبريائهم. ع4: جهل اليهود أن كل الهدف من الناموس والذبائح والعهد القديم، هو تمهيد البشرية لقبول المسيح الواهب البر لكل من يؤمن به. ع5: يعود القديس بولس ليقنع اليهود باستحالة التبرير بالناموس، لأن موسى وضع شرطا وهو أن يفعل الإنسان كل أعمال الناموس ولا يخطئ فى واحدة منها لكى ينال التبرير فيحيا. ولكن منَ من البشر يستطيع ذلك؟‍!. ليتك تنظر إلى فضائل الناس وليس إلى أخطائهم لتدينهم. وأعلم أنه لا يمكن أن يخلو إنسان، مهما كان شريرا، من الفضائل. فإن دربت عينيك على اكتشاف فضائل الناس، أى امتداحها، ستريح قلبك وتستفيد من هذه الفضائل، وفى نفس الوقت تكسب محبة الآخرين، وحينئذ ستنظر إلى أخطائهم بعين الشفقة فتلتمس الأعذار لهم وتصلى لأجلهم. (2) بر المسيح متاح لكل إنسان (ع6-13): 6وَأَمَّا الْبِرُّ الَّذِى بِالإِيمَانِ، فَيَقُولُ هَكَذَا: لاَ تَقُلْ فِى قَلْبِكَ: مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟ أَىْ لِيحْدِرَ الْمَسِيحَ، 7أَوْ مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟ أَىْ لِيصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ. 8لَكِنْ، مَاذَا يَقُولُ؟ اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِى فَمِكَ وَفِى قَلْبِكَ ، أَىْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِى نَكْرِزُ بِهَا، 9لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. 10لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ. 11لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ: كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُخْزَى. 12لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِىِّ وَالْيُونَانِىِّ، لأَنَّ رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. 13لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ. ع6: من يصعد إلى السماء: هكذا تساءل الناس فى العهد القديم، إذ رأوا البر عالٍ وبعيد عنهم مثل السماء، وقالوا هل يوجد إنسان يستطيع أن يرتفع إلى السماء ويحيا البر؟! أى لا يوجد إنسان بار واحد يقدر أن يتمم الناموس. ليحدر المسيح: تمنى الناس وانتظروا المسيا المخلص وقالوا فى العهد القديم من يرتفع إلى السماء ليأتى إلينا بالمسيح الذى يهبنا البر؟ أصبح التبرير بالإيمان الآن ممكنا، بعد أن كانت الحياة الروحية بعيدة عن الإنسان بعد السماء عن الأرض، ولكن السيد المسيح بتجسده أنزل العالم الروحى والسماويات إلينا على الأرض فى قلوبنا ولكنيستنا. ع7-8: قدم لنا المسيح الفداء على طبق من فضة، حينما مات ثم نزل إلى الهاوية ليحرر المسبيين فيها، ثم قام من الأموات بلا مجهود منك ودون أن يطلـب منك أحـد النزول للهـاوية لإقامته. وهذا بالمقارنة بالمجهودات المضنية على المؤمن فى العهد القديم من تقديم ذبائح..... إلخ. وكل ما عليك هو أن تؤمن بقيامته وبقوة تبريره ولا تكن كاليهود الذين استنكروا قيامته قائلين من يستطيع أن يحضر المسيح من الهاوية؟ فاليهود عجزوا عن فهم عمل المسيا كيف سيصعد من الجحيم الذى نزل إليه ليصعد الذين ماتوا على الرجاء، ونسوا أنه الله القادر أن يقيم نفسه ويرفع معه كل الذين ماتوا على الرجاء. نعم أيها الحبيب فقد أصبح الخلاص ميسوراً بالمسيح يسوع. أفلا نستغل تلك الفرصة مادمنا أحياء على الأرض لئلا يفوتنا الوقت؟ وذلك بالتوبة والتناول من الأسرار المقدسة التى ينتج عنها الاهتمام بالحديث مع الله فى الصلاة وقراءة كلامه فى الكتاب المقدس كل يوم. ع9: باعترافنا بالمسيح، ولكن ليس اعترافاً شفهيا. فالمسيحى قديماً كان يعترف بالمسيح والسيف على رقبته، أما نحن فلنعترف بالمسيح على الأقل: أ‌- بسلوكنا الحسن وتصرفاتنا الخارجية فنشهد أننا أولاد الله. ب‌- بإيماننا القلبى بأن الله الذى أقام المسيح من الأموات، قادر أن يقيمنا من كل سقطاتنا فتتنقى حياتنا الداخلية وهكذا نخلص. ع10: إذًا الإنسان الذى يتقدس بسلوكه وقلبه، ينال البر والخلاص. ع11: كل من آمنوا ينالون نصرة على خطاياهم ومجد وكرامة فى الأبدية. ع12: إذ تساوى اليهودى واليونانى (الأممى) فى خطاياه أمام الله، هكذا يتساوى كل من يدعو باسم الرب سواء يهودياً أو يونانياً فى نوال البر من الله الواحد الغنى بسخائه وعطائه للبشرية. ع13: لأن كل من يجعل المسيح إلها له (يدعو باسم الرب) بالإيمان فهذا يخلص، ولماذا؟ لأنه صار واحداً مع المسيح، وصارت له قيامة وحياة المسيح الذى هو الطريق الوحيد للخلاص. وبالطبع ليس معنى هذا أن الخلاص بمجرد الإيمان العام بالله أى كما فى أن دين، مثلما تدعى الكنيسة الكاثوليكية فى بدعة "عمومية الخلاص"، بل للخلاص شروط حددها الكتاب المقدس. ما أعظم جود ربنا يسوع المسيح الذى لا ينظر إلى الوجوه بل إلى القلب. فالعالم يقسم الناس إلى مراكز ودرجات، وأغنياء وفقراء. وقد تفرق الأم بين أبنائها بمحاباة، أما فى المسيح يسوع فكل البشر لهم فرص متكافئة فى نوال الخلاص. لذا لا تتضايق من ضعفاتك ونقائصك، فالمسيح يحبك ومستعد أن يكمل كل احتياجاتك ويعطيك فرحاً كاملاً. (3) رفض اليهود للكرازة (ع14-21): 14فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ 15وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ. 16لَكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ، لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: يَا رَبُّ، مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟ 17إِذًا؛ الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ. 18لَكِنَّنِى أَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا؟ بَلَى! إِلَى جَمِيعِ الأَرْضِ خَرَجَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِى الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ. 19لَكِنِّى أَقُولُ: أَلَعَلَّ إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْلَمْ؟ أَوَّلاً مُوسَى يَقُولُ: أَنَا أُغِيرُكُمْ بِمَا لَيْسَ أُمَّةً، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُكُمْ. 20ثُمَّ إِشَعْيَاءُ يَتَجَاسَرُ وَيَقُولُ: وُجِدْتُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَطْلُبُونِى، وَصِرْتُ ظَاهِرًا لِلَّذِينَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِّى. 21أَمَّا مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ فَيَقُولُ: طُولَ النَّهَارِ بَسَطْتُ يَدَىَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ وَمُقَاوِمٍ. ع14: لكى يدعو أى إنسان باسم الرب، أى يصلى للمسيح ويعتبره إلها، لابد أن يؤمن به أولاً، وذلك بعد أن يسمع عنه بواسطة كارز (مبشر). ع15: لكى ينجح الكارزون فى مهمتهم، لابد أن يرسلوا من الله باسم السيد المسيح بنعمة ومعونة الروح القدس. وقد سبق إشعياء (إش52: 7) وطوَّب أقدامهم المتعبة، ووصفهم بالمبشرين بالسلام والخيرات والخلاص والتحرر من الخطية. وهم ليسوا كأنبياء العهد القديم الذين حملوا تهديدات ووعيداً، وكانت الأنباء السارة مؤجلة إلى أن يأتى المسيح. نحن نسأل أنفسنا كخدام، هل يظهر السلام فى حياتنا فينجذب الكل إلى مسيحنا المعطى السلام، أم تبدو علينا هموم وشهوات العالم؟! ع16: كان من المفروض أن اليهود هم أول من يصدقوا الخبر، بل ويشتركوا هم بأنفسهم فى الكرازة بالمسيح مثل بقية الرسل، ولكنهم عوض ذلك لم يصدقوا بشارة الإنجيل، بل قاوموها، وقد سبق إشعياء وتنبأ عنهم (إش53: 1) قائلاً من سيصدق خبرنا من إسرائيل، أى الكرازة بالمسيح. ع17: الإيمان يتم بتصديق خبر وتجسد وفداء المسيح، الذى هو كلمة الله، ولذلك فالرافض للخبر هو رافض لله ذاته. ع18: الإسرائيليون مسئولون عن رفضهم، وليست لهم حجة أنهم لم يسمعوا الخبر، لأن الكرازة بالمسيح قد وصلت إلى كل أقطار المسكونة عن طريق الرسل، وأيضاً عن طريق اليهود المجتمعين فى يوم الخمسين من كل بلاد العالم. فهؤلاء لما علموا بخبر قيامة المسيح آمنوا، ثم انطلقوا كل واحد إلى بلده ينقل الأخبار السارة إلى أقاربه اليهود المشتتين فى العالم أجمع. ع19-20: بالتأكيد قد علم إسرائيل بخبر الإنجيل ورفضوه بإرادتهم. وهنا يستشهد القديس بولس بنبيين عظيمين، هما موسى وإشعياء، اللذين تنبآ عن رفض إسرائيل للإيمان بالمسيح. فأولا تنبأ موسى فى تثنية (32: 21) أن الله سيرفضهم كشعبه ويغيظهم بقبول الأمم، الذين أطلق عليهم قديما "الأمة الغبية" من جهة الأمور الروحية. وإن كان الأمم قد فهموا حكمة الله، فما حجة اليهود فى عدم الفهم وهم الأذكياء؟ ثانيا تكلم الله على لسان إشعياء (65: 1) قائلاً، أنا كإله أصبحت مفهومًا وواضحًا لمن لم يطلبوننى أو يسألوا عنى، أى الأمم. هنا قد يسمع إنسان خارج الكنيسة عن المسيح، فيمتلئ قلبه حباً له ويقدم توبة قوية وحياة جديدة مقدسة أكثر من إنسان متدين ظاهرياً ومتكبر داخلياً. فلا تعتمد على تعودك الارتباط بالكنيسة، ولكن لتكن لك التوبة الداخلية ومحاولة فهم ما تصلى به وتسمعه. ع21: أما إسرائيل فقد بسطت يدى، أنا الله، بالحب لهم طوال النهار (طوال فترة العهد القديم) من خلال نداء الأنبياء. أما هم فقد تحجرت قلوبهم وقاومونى وعاندونى. وكلمة بسطت يدى إشارة لصليب المسيح، حيث كان باسطاً (فاتحاً) ذراعيه للبشرية المعاندة الرافضة خلاصه لعلها تتوب.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح