كلمة منفعة
كل إنسان يمكن أن يتجاوب مع المحبة التي تعطى وتبذل، والتي تريح وتفرح كل من يُقابلها.
— المحبة تحتمل كل شيء
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
اعمال الرسل - الاصحاح رقم 13 اعمال الرسل الإصحاح رقم 13 1. من أنطاكية سوريا إلى سلوكية، ميناء في سوريا (13: 1-4). 2. أبحر ومن معه إلى سلاميس في جزيرة قبرص (13: 4). 3. ذهبوا إلى بافوس في جزيرة قبرص (13: 5-12)، وتغير اسمه إلى بولس. 4. إلى برجة بمفيلية بآسيا الصغرى (13: 13): عودة يوحنا مرقس إلى أورشليم. 5. إلى إنطاكية بسيدية (13: 14): إلقاء عظة سُجلت في السفر (13: 16-41). 6. إلى أيقونية عاصمة ليكأونية (13: 50-51). 7. إلى لسترة بليكأونية (14: 5-6)، حيث رُجم بولس (14: 8-19). 8. إلى دربة بليكأونية (14: 20). 9. العودة عن طريق لسترة (14: 21)، أيقونية، أنطاكية بسيدية (14: 21)، وبرجة ببمفيلية حيث سبق أن أسس كنائس هناك (14: 21-23). 10. إلى أتالية ببمفيلية (14: 25). 11. إلى أنطاكية سوريا (14: 26-28). الاصحاح الثالث عشر رحلة بولس الرسول التبشيريّة الأولى إذ نمت الكنيسة في أنطاكية صارت مركزًا لخدمة القدّيسين بولس وبرنابا ومن معهما، حيث بدأت الكنيسة تنطلق إلى العالم تشهد للسيّد المسيح. في ذلك الحين صارت أنطاكية أشبه بأمٍ لخدمة كنيسة الأمم في دولٍ كثيرة، إن صح التعبير. 1. أنطاكية مركز للعمل 1. 2. فرز برنابا وشاول للكرازة 2-3. 3. بدء الرحلة الأولى 4-5. 4. مقاومة باربشوع للكرازة 6-12. 5. خطاب في أنطاكية بيسيديّة 13-41. 6. التوجّه إلى الأمم 42-49. 7. مقاومة اليهود للرسولين 50-52. 1. أنطاكية مركز للعمل "وكان في إنطاكية في الكنيسة هناك أنبياء ومعلّمون، برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر ولوكيوس القيرواني ومناين الذي تربّى مع هيرودس رئيس الربع وشاول". [1] من بركات الاضطهاد الذي أثاره اليهود على الكنيسة في أورشليم بعد رجم القدّيس استفانوس أن انطلق كثيرون إلى أنطاكية. وكان الذين من أصل يهودي لا يكرزون بالكلمة هناك إلا اليهود وحدهم (أع 11: 19). غير أن الذين لهم ثقافة هيلينيّة أو الذين كانوا قبروسيّين أو قيروانيّين فصاروا يركزون بين اليونانيّين هناك. "وكانت يد الرب معهم، فآمن عدد كثير ورجعوا إلى الرب" (أع 11: 21). واستمرت خدمة الرسولين برنابا وشاول الطرسوسي هناك لمدة عام وقد ألهبت قلوب الكثيرين للخدمة. صارت الكنيسة هناك ملتهبة بالروح، لهذا استراحت نفس بولس (شاول الطرسوسي) أن يجعل أنطاكية مركز خدمته، يبدأ منها رحلاته، وإليها يرجع. يذكر القديس لوقا البشير أنّه "دُعي التلاميذ مسيحيّين في أنطاكية أولاً" (أع 11: 26). فمع أن الكنيسة قد ضمّت من هم من أهل الختان وأيضًا من هم من أهل الغُرلة، لكن لنموّها أدرك غير المؤمنين أنّه لم تعد الكنيسة شيعة من شيع اليهود، ولا فرقة، بل هي ديانة مستقلّة، حتى وإن اعتمدت على نبوّات العهد القديم وتمسّكت بأسفار التوراة، وحسبت آباء اليهود ووعود الله وعهوده أنّهم آباؤهم وأنبياؤهم والوعود الإلهية هي لهم وعهود الله معهم؛ أنُهم مسيحيّون! من هنا بدأ العالم يدرك ذلك، لذا يقول أغريباس الملك للقدّيس بولس: "بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًّا" (أع 26: 28). يقدّم لنا الإنجيلي لوقا صورة حيّة لنشاط الكنيسة وازدهارها في أنطاكية. وُجد أنبياء ومعلّمون يقومون بخدمة الكنيسة هناك، وذكر قائمة بخمسة أسماء، وجاء برنابا على رأس القائمة، ربّما لأنّه كان أقدمهم عهدًا بالإيمان، وكان له غيرة متّقدة حتى جذب شاول الطرسوسي للعمل معه الذي كان إلى ذلك الحين مرافقًا لبرنابا وشريكًا معه في الخدمة. كان الأنبياء الذين انحدروا من أورشليم إلى أنطاكية (أع 11: 27) بمثابة زائرين يجولون لخدمة اسم الرب، أما المذكورون هنا فهم أعضاء ثابتون في الكنيسة. كان دور النبي في العهد الجديد هو النطق بالروح القدس، أما المعلم فكان يفسر ما قيل بالروح القدس في الكتاب المقدس، وما ينطق به النبي بالروح. وكان غاية الاثنين هو تمتع المؤمنين بحضرة السيد المسيح المعلم، الحال في كنيسته على الدوام لتعيش به، وهو يحيا فيها. سمعان الذي يُدعى نيجر: "سمعان" اسم يهودي، واللقب "نيجر" لاتيني، ربما لأنه كان أسمر اللون. غالبًا ما كان هو سمعان القيرواني والد ألكسندر وروفس (مر 15: 21). لوكيوس القيرواني، وقد سبق لنا الحديث عنه (أع 11: 20)، وهو بخلاف الوارد في رومية 16: 21. كان أحد اليونانيين المتنصرين الذين لهم دور فعّال في الكنيسة بأنطاكية مع الرجال القادمين من قبرص. ظن البعض أن لوكيوس ولوقا شخص واحد، لأن الصيغة اللاتينيّة لكلمة لوقا اليونانيّة هي لوكيوس، لكن رفض كثير من الباحثين هذا الافتراض، خاصة وأن اسم لوقا كان شائعًا، فلم يكن ما يدعو الإنجيلي إلى عدم ذكره بالصيغة اليونانيّة. "مناين الذي تربى مع هيرودس رئيس الربع". مناين هو النطق المخفف للاسم العبري مناحم Menahem، ومعناه "المعزي". أما هيرودس فهو أنتيباس بن هيرودس الكبير الذي أرسل بيلاطس إليه السيد المسيح لمحاكمته، والذي تولى على الجليل وبيريه كرئيس ربع سنة 4 ق.م. حتى سنة 39 م. مناين نبي أنطاكية التقِى على ما يُظن أنه كان من الأسينيين العارفين بالروح. تربى مناين في قصر هيرودس الكبير مع ابنه انتيباس. وقد تنبأ لهيرودس الكبير بأنه سيصير ملكًا كما كتب يوسيفوس، وكان هيرودس الكبير يوقره. وإليه تُعزى معرفة القديس لوقا بهيرودس وعائلته، وبهذه الجماعة من الأنبياء والمعلمين وأحبار الكنيسة في أنطاكية. والعجيب أن ابن هيرودس وهو قاتل القديس يوحنا المعمدان، كان زميل تربية وتعليم ونشأة مع مناحم النبي التقِي والمعلم. يذكر شاول في آخر جماعة الأنبياء والمعلمين، لأنه لم يكن بعد قد بلغ قامة هؤلاء الأنبياء ودرجتهم، وذلك حسب الأقدمية في الكنيسة. 2. فرز برنابا وشاول للكرازة "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه". [2] بدأت رحلات بولس الرسول التبشيرية بإعلان الروح القدس لا لشاول ولا لبرنابا، بل للكنيسة المجتمعة بروح الصلاة والصوم. وقد جاءت كلمة "يخدمون" في اليونانية بمعنى يحتفلون بالليتورجيا (ليتورجوتون)، أي يمارسون ليتورجيا الإفخارستيا. الكلمة اليونانية المترجمة "يخدمون" (ليتورجونتون) تفيد الخدمة العامة غير المدفوعة الأجر كرامة للملك؛ هنا تشير إلى خدمة الصلاة في الكنيسة بتقديم الشكر والتسبيح في الاحتفال بالذبيحة الإلهية. "قال الروح"، غالبًا على لسان أحد الأنبياء المجتمعين للصلاة والصوم، وقد كرسوا قلوبهم في جدية للخدمة والشهادة. "افرزوا"، تعني التخصص لعمل الروح القدس، قائد حركة الشهادة ليسوع المسيح. والعجيب أن الروح قال: "افرزوا لي" وليس "للرب يسوع"، لأنه هو والابن الوحيد الجنس واحد في الجوهر، لهما ذات السلطان والقوة، والكرازة هي لحساب الثالوث القدوس. جاءت الدعوة بالاسم شخصيًا لفتح أول طريق نحو الكرازة في العالم الأممي. + أما الروح القدس فلا ينطق بلسان، إنما هو روح حي يهب الحكمة في الكلام، متحدثًا وواعظًا بنفسه... أنظروا كيف يفرز الروح الحي ويدعو ويرسل بسلطان. القديس كيرلس الأورشليمي في عظة للقديس يوحنا الذهبي الفم على 1 تي1: 1 يوضح أن الروح القدس هو الذي قال: "افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 1)، وفي نفس الوقت فإن السيد المسيح هو الذي دعاه وأرسله "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيدًا " (أع 22: 21)، كما يقول في موضع آخر: "ينبغي لك أن تقف أمام قيصر" (أع 27: 24). وفي نفس الوقت يحسب الرسول ان كل الأوامر صادرة من عند الآب... هنا يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم وحدة العمل للثالوث القدوس. لاحظنا في المقدّمة دور الروح القدس في حياة الكنيسة، بكونه القائد الحقيقي، الذي يقدّم لها ذاته، ويهبها الإمكانيّات الإلهية لتصير أيقونة عريسها السماوي، السيّد المسيح. + إنّه الروح الذي يعرف كل شيء (1 كو 2: 10)، الذي يعلّم (يو 14: 26)، الذي يهِّب حيث يريد وبقدر ما يريد (يو 3: 8)، يرشد (مز 142: 10)، ويتكلّم (أع 13: 2) ويُرسل (أع 13: 4)، ويفرز (أع 13: 2)... ويوحي (يو 16: 3)، وينير (يو 14: 26)، ويحيي (يو 6: 63)، أو بالأحرى الذي هو نفسه نور وحياة، ويجعلنا هيكله (1 كو 3: 16)، ويؤلّهنا (1 كو 3: 16)، ويقودنا إلى الكمال (يو 16: 13)، بحيث إنّه يسبق المعموديّة (أع 10: 47)، ويُطلب بعد المعموديّة... يوزّع المواهب الروحيّة (1 كو 12: 11)، يصنع الرسل والأنبياء والمبشّرين والرعاة والمعلّمين (أف 4: 11). القديس غريغوريوس النزينزي "فصاموا حينئذ وصلّوا، ووضعوا عليهما الأيادي، ثم أطلقوهما". [3] يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن شاول سيم في إنطاكية حيث كان يخدم. يقدم لنا القديس لوقا أول طقس سيامة كنسية، فقد جاءت الدعوة أولاً من الروح القدس بعد صوم وصلاة وشوق حقيقي لنمو الخدمة والشهادة للسيد المسيح. قام الروح القدس بتعيين الأسماء لأنه هو العارف القلوب، وجاء وضع الأيادي يتناغم مع إرادة الروح القدس، فدور الكنيسة هو تحقيق هذه الإرادة ليعيش الكل في شركة الروح ووحدتها. هنا صورة حية للسيامة بوضع الأيدي بعد دعوة الروح القدس الأشخاص للعمل الكرازي خلال ليتورجيا الإفخارستيا وممارسة صوم خاص. تمت السيامة وهم صائمون، فقد احتل الصوم مركزًا خاصًا في حياة الكنيسة الأولى بكونه علامة حية تشير إلى انشغال الكنيسة بالمائدة السماوية، وأنها في ممارستها للحياة اليومية من أكلٍ وشربٍ ونومٍ، إنما من أجل الضرورة، وليس لأية لذة أو متعة جسدية. + لنطلب الطعام لكي نقتات به لا ليحطمنا. نطلب الطعام كقوتٍ لنا، لا كمجال للأمراض، أمراض النفس والجسد. نطلب الطعام الذي يعطي راحة لا ترفًا حيث يكون مملوء إزعاجًا. القديس يوحنا الذهبي الفم 3. بدء الرحلة الأولى "فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس، انحدرا إلى سلوكية، ومن هناك سافرا في البحر إلى قبرس". [4] هنا تبدأ أول رحلة كرازية للقديس بولس الرسول: سلوكية: على شاطيء فينيقية مقابل قبرص، وهي ميناء أنطاكية المشهور وتُدعى أيضًا بيرية Pieria الواقعة على بعد 16 ميلاً شرق أنطاكية وخمسة أميال شمال مصب نهر الأورنتس. أسسها سلوكيوس نيكاتور أول ملوك السلوقيين سنة 301 ق.م. ولما نزلوا في قبرص نزلوا في المدينة المقابلة على الساحل الشرقي، وهي مدينة سلاميس. يا للعجب كان شاول الفرّيسي حتمًا يتحاشى الذهاب إلى قبرص، الذي تغنّى الشعراء بفسادها وانحلالها، بكونها الجزيرة العزيزة على الإلهة فينوس. وها هو الآن شاول المسيحي قد دُعي للانطلاق إليها ليُقاوم كل انحلال فيها، ويُقيم مع شعبها هيكلاً لروح الله القدّوس. + كمن يطير سافر (القديس بولس) على البر وفي البحر، في اليونان وكل مناطق البرابرة، وباختصار سافر في كل الدول تحت السماء. لم تكن رحلاته باطلة، فإنه حيثما سافر كان ينزع أشواك الخطية، ويزرع بذور التقوى في كل موضع، يزيل الخطأ، ويقدم الحق للشعب، يحول البشر إلى كائنات سماوية، وما هو بالأكثر، أقامهم من شياطين إلى ملائكة. القديس يوحنا الذهبي الفم إذ انحدرا إلى سلوكية لم يبقيا فيها لأنها يعلمان أن أهل سلوكية قد انتفعوا كثيرا من الخدمة في إنطاكية حيث بقي القديسين بولس وبرنابا سنة كاملة. "ولما صارا في سلاميس ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود وكان معهما يوحنا خادمًا". [5] سلاميس: مدينة يونانية على الساحل الشرقي القبرصي، كانت العاصمة ومركز التجارة الأول في قبرص الشرق وقاعدة الحكم لنصفها الشرقي. بينما باغوس هي عاصمة الغرب وأكثر منها أهمية. كانت سلاميس مقصد اليهود بها أكثر من مجمع. وكانت مجامع اليهود هي المقصد الأول للقديس بولس في كرازته ورحلاته حيث وضع في قلبه أن يبدأ بهم دومًا في الكرازة بإنجيل المسيح، لكن عينيه كانت دائمًا مركزة على المترددين من الأمم داخل المجامع، وكانوا معروفين بخائفي الرب أو الأتقياء. "وكان يوحنا معهما خادمًا": يرى البعض أن تعبير "خادم" هنا بحسب التقليد الكنسي تعني قيامة بعماد المؤمنين، ويرى آخرون أنها تشير إلى خدمة تعليم الموعوظين. مرافقة القديس مرقس يوحنا لهما كانت مصدرًا خصبًا للمعلومات الدقيقة التي وردت في سفر أعمال الرسل، إذ كانت اجتماعات الكنيسة الأولى في أورشليم تتم في العلية التي لبيت والدته (أع 12: 12). 4. مقاومة باربشوع للكرازة "ولما اجتازا الجزيرة إلى بافوس، وجدا رجلاً ساحرا نبيًّا كذابًا يهوديًا اسمه باريشوع". [6] بافوس: كانت عاصمة قبرص الغرب، وهي مركز تجمع اليونانيين. كانت بافوس القديمة تبعد سبعة أميال جنوب شرقي بافوس الحديثة. وفي كلتا المدينتين كانت العبادة مقصورة على الإلهة اليونانية بافيان Paphian، والتي عرفها اليونان باسم افروديت Aphrodite وفينوس Venus إلهة الجمال والحب. باريشوع: اسمه معناه "عليم الساحر"، يدَّعي علم الغيب، غالبًا ما كان يهوديًا عربيًا يحتفظ بصفته كاسمٍ له كعليم بالغيب، وكعالم بقدرته وسلطانه. "كان مع الوالي سرجيوس بولس وهو رجل فهيم، فهذا دعا برنابا وشاول والتمس أن يسمع كلمة الله". [7] سرجيوس الوالي: بالرجوع إلى سجلات الشيوخ بروما وُجد أنه مذكور كأحد الأمناء باسم "حارس التيبر" (نهر في إيطاليا)، لذلك يرى البعض أنه بعد أن قضى ولايته في التيبر نُقل إلى ولاية قبرص، وأنه روماني أصيل. كان متعلمًا دائم البحث كما اتسم فلاسفة روما. وإذ وُجد في عاصمة قبرص المزدحمة بمجامع اليهود التي كانت تطمح في التقرب من الرؤساء، لذا كان يتداول معهم في شأن الدين اليهودي ومعرفة الله. ومن هنا صارت الصداقة بينه وبين عليم الساحر الذي خدعه بأعماله السحرية الشيطانية. سمع الوالي عن مجيء بولس وبرنابا وكيف قدما تعاليم سامية، فاستدعاهما، الأمر الذي أثار عليم الساحر وبذل كل الجهد للتشويش عليهما. إذ كان الوالي حكيمًا ومهتمًا بخلاص نفسه لم يحتج إلى أحاديث طويلة، إنما إذ سمع كلمة الله دعا الرسولين إليه ليحدثاه بالكلمة. كان قلبه ملتهبًا بالمعرفة الصادقة البناءة. لم يكن بعد قد رأى الوالي أية معجزة أو آية صنعها الرسولان لكنه سمع الكلمة فاجتذبته. إذ كان عليم الساحر يقاوم الكلمة اضطر الرسول فيما بعد أن يأسره بالعمى حتى تنفتح بصيرته وبصيرة الوالي لرؤية أسرار الله، ويتلامسا مع النور الحقيقي عوض الظلمة التي كان يعيش فيها الساحر ويجتذب الوالي معه إلى أسرها! "فقاومهما عليم الساحر، لأن هكذا يترجم اسمه، طالبًا أن يُفسد الوالي عن الإيمان". [8] دًعي هنا "ماجوس"، لكنه لم يكن منتميًا إلى فئة المجوس، علماء الفلك والنجوم، وإنما كان ساحرًا مخادعًا ومشعوذًا، ونبيًا كاذبًا، لا علاقة له بالله. "وأمّا شاول الذي هو بولس أيضًا، فامتلأ من الروح القدس، وشخص إليه". [9] في القديم كان الشخص يحمل ثلاثة أسماء ليكَّون اسمه الكامل: الأول يسمى Praenomen والثاني Nomen والثالث Logomen أي اللقب أو الكنية أو ما يدعى بالإنجليزية Surname أو Nickname، وهو الذي يميز الشخص. اسم شاول كان الأصل وأُضيف إليه البديل بولس، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه أُعطي له بوضع اليد، وإن كنا نرى أنه لم يُدعى بولس إلاَّ بعد الالتقاء بالوالي لوسيوس سرجيوس بولس. لهذا يرى القديس چيروم أن اسم بولس أُعطي لشاول تذكارًا لقبول الوالي الإيمان. ويرى لايتفوت Lightfoot أن شاول أخذ هذا الاسم أثناء الختان كعادة اليهود حيث يحتفظ باسمه الأصلي بين العبرانيين، ويستخدم اسمه الأممي بين الأمم. فقد اشتهر اليهود باستخدام أسماء معروفة لدى المناطق التي يعيشون فيها مع احتفاظهم بأسمائهم العبريّة في الوسط اليهودي. يرى القديس أغسطينوس أن شاول أخذ اسمه عن شاول الملك المتكبر علامة الاعتداد بذاته، لكنه اختار أن يُدعي "بولس" الذي يعني "الأقل" معطيًا إيانا درسًا في التواضع. "أنا أقل الرسل" ( 1 كو 15: 9). + لماذا ذاك الذي كان يُدعى شاول في سفر الأعمال الآن يُدعى بولس؟ في الكتاب المقدّس نجد بين القدامى قد تغيّرت أسماء كثيرة، مثال ذلك أبرام دُعي إبراهيم (تك 17: 5)، وساراي دُعيت سارة (تك 17: 15)، ويعقوب دُعي إسرائيل (تك 32: 28؛ 35: 10). وفي الأناجيل أيضًا سمعان قد تغيّر إلى بطرس (مر 3: 16)، وابنا زبدي صارا معروفين بابنيّ الرعد (مر 3: 17). لكن هذا حدث بأمرٍ إلهيٍّ، إلا أن هذا لم يحدث في حالة بولس. لهذا ظن البعض أن الرسول أخذ اسم بولس من والي قبرص الذي تحوّل إلى الإيمان المسيحي (أع 3: 4-12)، بنفس الطريقة التي كان بها اعتاد الحكّام أن يضيفوا إلى أسمائهم أسماء من غلبوهم. مثال ذلك برثيكوس Parthicus يشير الاسم إلى هزيمة البارثينيّين Parthians، وأيضًا غوثيكوس Gothicus تشير إلى النصرة على الغوصيّين وهكذا. بنفس الطريقة دعا الرسول نفسه بولس إشارة إلى نصرته على الوالي بولس. لا يمكننا استبعاد هذا السبب تمامًا، لكن لا نجد مثل هذه العادة في الكتاب المقدّس، لذا يجب أن نبحث عن حلٍ آخر من الأمثلة التي لدينا. بالحقيقة نجد في الأسفار المقدّسة أشخاصًا لكل منهم اسمان مختلفان أو أكثر. سليمان دُعي يديديا (2 صم 12: 25)، وصدقيا يُدعى متانيا (2 مل 24: 17)، وعزّيا يُدعى عزاريا (2 مل 15: 32)، وكثيرون هكذا في أسفار القضاة وصموئيل والملوك. بل والأناجيل لم تهجر هذه العادة، كمثال متّى يُدعى "لاوي" (لو5: 27)... وتدّاوس يظهر أحيانًا بلبّاوس (مت 10: 3). واضح أن كتَّاب الأناجيل لم يذكروا أسماء الرسل خطأ، وإنّما كان من عادة العبرانيّين أن يكون للشخص اسمان أو ثلاثة أسماء مختلفة لنفس الإنسان. يبدو لنا أن بولس - بحسب هذه العادة - كان له اسم ثان. مادام يكرز وسط شعبه كان يُدعى شاول، الاسم الذي أعطاه له والداه بلياقة، ولكن حين يكتب نواميس ووصايا لليونانيّين وغيرهم من الأمم كان يُدعى بولس. العلامة أوريجينوس "وقال أيها الممتلئ كل غش وكل خبث، يا ابن إبليس، يا عدو كل برّ، ألا تزال تُفسد سُبل الله المستقيمة". [10] يا ابن إبليس: إنه ليس "باريشوع" أي ابن يسوع بل هو ابن إبليس، لأنه يمارس عمل أبيه، إذ كلمة إبليس تعني المضلل، والشيطان يعني الخصم أو المقاوم. هكذا يدعوه بالاسم الذي اختاره الساحر خلال تصرفاته. وإذ قاوم برّ الله أي النور، وسلك بروح الظلمة صدر الحكم بالعمى حتى يدرك عماه الداخلي ويتلمس ظلمته، لعله يعترف ويتوب مشتاقًا إلى النور الحقيقي والمعرفة الصادقة بلا خداع. لقد رفض أن يتمتع بأشعة شمس البرّ فحُرم من رؤية الشمس العادية. يصف القديس لوقا كطبيب كيف غشت عيناه ضباب، فيتوقف جهاز العين عن استقبال النور تمامًا. "فالآن هوذا يد الرب عليك، فتكون أعمى، لا تبصر الشمس إلى حين، ففي الحال سقط عليه ضباب وظلمة، فجعل يدور، ملتمسًا من يقوده بيده". [11] + "فهوذا يد الرب عليك" لم يكن ذلك انتقامًا بل كان شفاءً. وكأنه يقول له: "لست أنا أفعل ذلك بل يد الرب". لاحظوا تواضعه! لم يشرق نور على الساحر كما في حالة بولس حيث أشرق نور حوله. يقول: "فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين"، مقدمًا له فرصة للتوبة. فإننا لا نجدهم في أي موضع يرغبون في الظهور كبارزين بالعنف، مستخدمين سلطانهم. فإنهم حتى إن استخدموا ذلك ضد الأعداء يكونوا قساة على الجسد بقصد صالح. إنهم لم يستخدموا هذا مع الذين في الخارج حتى لا يكون الإيمان كرهًا وبالرعب. + كانت علامة لكي ما هو نفسه يتحول إلى الإيمان. بهذا أراد بسرورٍ أن يحوله إلى الإيمان. فإن تعبير "إلى حين" يجعل من هذا العمل ليس عقوبة بل لإيمانه. لو كان ذلك للعقوبة لجعله أعمى على الدوام لكن الأمر بخلاف هذا؛ إنه إلى حين، وأيضًا لكي يربح الوالي. + يا لحب السيطرة! يا لشهوة المجد الباطل، كيف أنها تسقط وتهلك كل شيء، تجعل البشر يقفون ضد خلاصهم وخلاص الآخرين. تجعلهم بالحق عميان وفي ظلمة ويحتاجون إلى من يقودهم بيديه. + كيف يمكننا أن نتخلص من المجد الباطل؟ فكروا في أولئك الذين من أجل المجد أنفقوا أموالاً كثيرة، ولم ينالوا شيئًا منه. فكروا فى الأموات، أي مجد قد نالوه، وكيف أن هذا المجد لا وجود له، بل يبدو أنه صار كلا شيء. لتفكروا أنه يحمل مجرد الاسم "المجد" ولا يحوي فيه شيئًا حقيقيًا... لنهرب من هذا الهوة، ولنطلب أمرًا واحدًا: المجد الذي من الله، وأن نكون مقبولين لديه، وممدوحين من سيدنا جميعًا، فإذ نعبر حياتنا الحاضرة في الفضيلة ننال البركات الموعود بها مع أولئك الذين يحبونه بنعمة ورحمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة والكرامة مع الآب والروح القدس إلى أبد الأبد وإلى انقضاء العالم. القديس يوحنا الذهبي الفم + "ماذا تريدون؟ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبّة وروح الوداعة؟" (1 كو 4: 21). قصد بولس بالعصا قوّة الروح الرادعة التي استخدمها ضد عليم، هذه التي استخدمها الله ضدّه. سفيريان أسقف جبالة "فالوالي حينئذ لمّا رأى ما جرى، آمن مندهشًا من تعليم الرب". [12] جاء في السجلات التاريخية أن الوالي سرجيوس بولس اعتمد هو وعائلته، وفي الجيل التالي صار بعض أفراد أسرته مسيحيين مثل ابنته وابنها كايوس كاريستانيوس فرونتو وكان عضوًا في عائلة مشهورة تقيم في أنطاكية بسيدية. 5. خطاب في أنطاكية بيسيديّة "ثم أقلع من بافوس بولس ومن معه، وأتوا إلى بِرْجِة بمفيلية، وأمّا يوحنا ففارقهم ورجع إلى أورشليم". [13] + لاحظوا كيف أنهم لم يتباطؤا هناك كما اعتادوا أن يفعلوا، فإن الحاكم فد صار مؤمنًا، ولا ضعفوا بالتكريم والاحتفال بهم في القصر، إنما في الحال استمروا في عملهم وانطلقوا إلى الساحل المقابل. القديس يوحنا الذهبي الفم ركبوا البحر واتجهوا إلى الشمال نحو سواحل آسيا الصغرى، ودخلوا أول مقاطعة على الساحل التي في مقابل شمال قبرص، وهي مقاطعة بمفيلية. يرى البعض أنه قد برزت أخلاقيات برنابا الكارز التقِي فإنه لما نال بولس الرسول نعمة فائقة أعطاه الأولوية مع أنه أكبر منه سنًا وأقدم في الإيمان والخدمة، فاعتبر نفسه ممن مع بولس، وليس هو القائد. اختار المتكأ الأخير بفرحٍ حين رأى نعمة الله ومواهبه المقدمة لبولس الرسول. برجة: كانت عاصمة مقاطعة بمفيلية، وهي ليس ميناء، لهذا نزلوا في أتالية ميناء برجة والتي تُدعى حاليًا أنتاليا، ثم انطلقوا إلى برجة على بعد 12 ميلاً منها. بمفيلية: تقع بين طرسوس وساحل البحر في آسيا الصغرى، يتاخمها من جهة الغرب ليكية Lycia ومن الشرق كيليكية Cilicia. كان هذا الإقليم منذ سنة 43 ق. م. إلى 68 م يدعى مقاطعة بمفيلية كيليكية. يرى البعض أن الرسول بولس أُصيب بالملاريا (شوكة الجسد). ويرى البعض أن القديس مرقس أيضًا أُصيب بمرض لهذا أصر على العودة إلى أورشليم. هذا بجانب أنهم سافروا من أقصى شرق قبرص حتى غربها، أي حوالي 400 ميلاً في أرض وعرة وطرق صعبة، بين شعبٍ غريبٍ، حتى اليهود كانوا يقاومونهم. لم يحتمل الشاب مرقس هذا المجهود، لكنه عاد وقطع طرقًا صعبة بين ليبيا ومصر، وسار حتى تهرأ نعله في الإسكندرية من أجل الشهادة للحق والكرازة بإنجيل المسيح. "وأمّا هم فجازوا من بِرْجِة، وأتوا إلى إنطاكية بيسيدية، ودخلوا المجمع يوم السبت وجلسوا". [14] "وأما هما فاجتازا من برجة، وأتيا إلى أنطاكية": في اليونانية لا توجد قواعد خاصة بالمثنى. لهذا يلازم ترجمتها في العربية بالمثنى (اجتازا، أتيا)، إذ يتحدث عن القديسين بولس وبرنابا وحدهما. عبرا سلسلة جبال طرسوس التي تفصل برجة عن أنطاكية. إذ صارت أنطاكية عاصمة بيسيدية الكبرى، لذا تُدعى أنطاكية بيسيدية، أي عاصمتها. كانت أكثر المناطق مدنية، كما كانت مركزًا حربيًا. وهي على مرتفعٍ عالٍ يبلغ قمته 3600 قدمًا فوق سطح البحر، وقد حولها الإمبراطور أوغسطس إلى مستعمرة رومانية سماها مستعمرة قيصر Colonia Caesarea وكان بولس الرسول مهتمًا بدخول الإيمان في المستعمرات الرومانية، مثل لسترة وفيلبي وكورنثوس في اليونان. كانت هذه المناطق يقطنها كثرة من اليهود، وبالتالي كانت بها مجامع كثيرة لهم، بل واستطاع اليهود في أنطاكية بيسيدية أن يكَّونوا مهجرًا مستقلاً لهم، واعتبروا انهم كولونية أو مستعمرة مستقلة. "وبعد قراءة الناموس والأنبياء أرسل إليهم رؤساء المجمع قائلين: أيها الرجال الإخوة إن كانت عندكم كلمة وعظ للشعب فقولوا". [15] "بعد قراءة الناموس والأنبياء" [15]: كان اليهود يقسمون الأسفار المقدّسة إلى ثلاثة أقسام: الناموس ويحوي أسفار موسى الخمسة، والأنبياء ويضم يشوع والقضاة وسفريّ صموئيل وملوك الأول والثاني وكل الأنبياء ماعدا دانيال، والقسم الثالث يُدعى الكتابات المقدّسة Hagiographa، ويحوي المزامير والأمثال وأيّوب ونشيد الأناشيد، وراعوث والمراثي، والجامعة واستير ودانيال وعزرا ونحميا وأخبار الأيّام الأول والثاني، وكان هذا القسم يُدعى "المزامير" لأنّه أول الأسفار الواردة فيه. كانت عادة قراءة الناموس علانيّة قديمة جدًا، ثم أُضيف بعض أسفار الأنبياء. وإذ حرق أنتيخوس أبيفانس سفر الناموس ومنع قراءته، اختار اليهود بعض أجزاء من الأنبياء رأوا أنّها مقاربة جدًا للناموس لتُقرأ عوضًا عن الناموس. وإذ عادوا إلى قراءة الناموس بقيت عادة قراءة الأنبياء مع الناموس . فالعبارة الواردة هنا تشير إلى القراءات المختارة من القسمين: الناموس والأنبياء لتقرأ في المجمع، حاسبين أن بقراءة الجزء كأن كل الأسفار قد قرأت (مت 5: 17، لو 16: 29). أمّا القسم الثالث فلم يكن يُقرأ في المجامع. دخلا المجمع يوم السبت وجلسا في صفوف الربيين، وبهذا نبها الرؤساء والقائمين على نظام المجمع والصلاة أنهما قادران على الوعظ. كان نظام الصلاة في مجمع اليهود في القرن الأول المسيحي هو هكذا: + قراءة الشِمَع، أي "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد". + صلاة من فم رئيس المجمع. + قراءة من الناموس، يضاف إليها قراءة من الأنبياء إن كان يوم سبت أو عيد. + عظة يلقيها أحد الأعضاء المقتدرين في المجمع، يختاره رئيس المجمع أو رؤساؤه. "رؤساء المجمع" [15]: ترد في العهد الجديد أحيانًا بصيغة الجمع كما في النص الحالي، ووردت في صيغة المفرد كما في مر 5: 35-36، 38؛ لو 8: 41، 49. يبرّر البعض ذلك أنّه في البلاد التي تضمّ مجتمعًا يهوديًّا ضخمًا يوجد أكثر من رئيس مجمع، أمّا حيث المجتمعات الصغيرة، فيوجد رئيس واحد. وكان رئيس المجمع في الهيكل يحتل المركز الثالث بعد رئيس الكهنة الأعظم ورئيس الكهنة. ولم يكن يحتل هذا المركز ما لم ينل الشخص شهادة من مجمع السنهدرين أنّه يحمل السمات المطلوبة لهذا المركز. وينصبّ علمه على الإشراف على كل ما يخص العبادة. ويرى البعض أن رؤساء المجامع المحليّة تمثل مجمع السنهدرين. "فقام بولس وأشار بيده وقال: أيها الرجال الإسرائيليون والذين يتّقون الله اسمعوا". [16] كان الرسول بولس يحتل مركز الصدارة في الحديث، ربّما لأنّه كان أكثرهم قدرة على الخطابة. كان له موهبة الوعظ. كان السيد المسيح يعظ في الهيكل وهو جالس (لو 4: 20؛ مت 26: 55)، أما الرسل فغالبًا ما كانوا يعظون وهم واقفين. يخاطب القديس بولس هنا اليهود والأمم المتهودين والذين يدعون أتقياء، هؤلاء كانوا دومًا أكثر استعدادًا لقبول كلمة الخلاص من اليهود أنفسهم. يرى الأب ثيؤدورت أسقف قورش أن الذين جاءوا إلى الناموس من الأمم يُدعون "متقي الله" أو "خائفي الله". "إله شعب إسرائيل هذا اختار آباءنا، ورفع الشعب في الغربة في أرض مصر، وبذراع مرتفعة أخرجهم منها". [17] بدأ القديس بولس حديثه بمدحه لهم كمتقي الله. وقد دعا إله كل البشرية "أباهم"، كأنه خاص بهم، مظهرًا احسانات الله عليهم. اعتاد الرسول بولس في أحاديثه مع اليهود أن يفتتح كلماته بإشارة موجزة لعمل الله مع شعب إسرائيل، حتى يجتذبهم للكلمة، إذ يشعروا أنّه مخلص في اهتمامه بوحدة الشعب واستقامة الإيمان الذي تسلّمه الآباء. ركزت هذه العظة على اختيار إسرائيل من بين الأمم لكي يأتي منها المسيا الذي اشتاق إليه الآباء والأنبياء. وأن التاريخ الخاص بشعب الله بكل تفاصيله لم يكن إلاَّ تهيئه لمجيئه. ابتدأ باختيار الآباء، ثم انتقل بسرعة إلى مؤازرة الشعب في مصر حيث رفع رأسه مع أنه كان في غربة، وأخيرًا إذ سقطوا تحت العبودية والسخرة أخرجهم بذراع رفيعة (خر 6: 2؛ 136: 11). يلاحظ في مقاله لم يشر إلى فضائل آبائهم، بل ركز على دور الله في اختيارهم وتدبير أمورهم وتقديم نبوات. إنه عمل الله، هذا الذي أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح مخلصًا لهم. "ونحو مدة أربعين سنة احتمل عوائدهم في البرية". [18] استعار القديس بولس من سفر التثنية (1: 31) تشبيه إسرائيل في البرية بطفلٍ مشاكسٍ يهتم به أبوه فيحمله على ذراعيه. "ثم أهلك سبع أمم في أرض كنعان، وقسّم لهم أرضهم بالقرعة". [19] إذ دخل بهم إلى أرض الموعد، من أجلهم أهلك سبع أمم (تث 7: 1) وقدم لهم أرضهم ليقسموها بين الأسباط بالقرعة. "وبعد ذلك في نحو أربع مائة وخمسين سنة، أعطاهم قضاة حتى صموئيل النبي". [20] يأتي هذا الرقم نحو أربعمائة وخمسين سنة لفترة القضاة حتى صموئيل النبي مطابقًا لحسابات المؤرخ يوسيفوس الذي يعطي 592 سنة من خروج شعب إسرائيل من مصر إلى بناء الهيكل. وهي 40 سنة في التيه، مضافًا إليها 25 سنة زمن حكم يشوع حسب تقرير يوسيفوس، مضافًا إليها 45 سنة زمن القضاة، ثم حكم شاول 40 سنة، ثم 40 سنة حكم داود (1مل 2: 11) ثم أربع سنوات لسليمان للإعداد لبدء بناء الهيكل، فالمجموع 599 سنة، ويكون الفارق 7 سنوات، لهذا يقول الرسول بولس "نحو". "ومن ثم طلبوا ملكًا، فأعطاهم الله شاول بن قيس رجلاً من سبط بنيامين أربعين سنة". [21] يعطي القديس بولس لحكم شاول 40 سنة، ويتفق ذلك مع يوسيفوس في كتابه السادس (ف 14؛ 9)، غير أن يوسيفوس يعود فيحدد مدته بعشرين عامًا، ويعلل البعض ذلك بأن يوسيفوس هنا يتحدث عن مدة حكم شاول بعد استقلاله تمامًا بنهاية خدمة صموئيل النبي. "ثم عزله وأقام لهم داود ملكًا، الذي شهد له أيضًا إذ قال: وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي". [22] رفض شاول لأن قلبه لم يكن مستقيمًا، وأقام داود الذي كان رجلاً حسب قلبه ويتمم مشيئته. ينتقل القديس بولس من اختيار داود ملكًا إلى إقامة وعدٍ إلهيٍ بملكوت أبدي لابن داود، وذلك على نمط ما ورد في المزمور 89: 19-37، حيث يتم الخلاص الإلهي. ما قدمه الله لإسرائيل خلال داود الملك هو ظل لما يقدمه ابن داود للعالم. هكذا عبر بهم بولس الرسول من عصر الآباء إلى مجيء الملك الأبدي، مخلص العالم. وجه أنظار الحاضرين إلى ذاك الراعي الذي تحدث عنه الأنبياء (خر 34: 23-24). + هنا يقصد بالقلب الرغبة، التي بها كان موضوع سروره خلال استقامة شخصيته. + لم ينتقم (داود) لنفسه بالحرب، ولا قاوم بقوة ذراعيه الذين كانوا يتربصون له، وإنما كان على مثال الرب، فقد أظهر اسم الرب ووداعته. عندما دُبرت خيانة ضده تضرع (إلى الله)، وعندما كان في خطر تغنى بالمزامير، وعندما اُضطهد لم يحمل ضغينة بل فرح؛ لهذا فقد وُجد رجلاً مثل قلب الله. القديس هيلاري أسقف بواتييه "من نسل هذا، حسب الوعد، أقام الله لإسرائيل مخلصًا، يسوع". [23] + لاحظوا كيف أنه يجدل خيوط مقاله بالربط بين الأمور الحاضرة والأنبياء. يقول: "من نسل هذا حسب الوعد" [23]، إذ كان اسم داود عزيزًا عليه جدًا، أليس مشتهاهم هو إن يكون ابنه ملكًا عليهم؟ ثم يورد يوحنا [24]، فالأنبياء حيث يقول أن بمحاكمة (السيد المسيح) قد تمموا كل ما كُتب عنه [12]. بعد ذلك يأتي الرسل كشهودٍ للقيامة، مقدمًا داود شاهدًا لها. فإنه تبدو براهين العهد القديم ليست مقنعة إن أُخذت وحدها، ولا الشهادات الأخيرة إن عزلت عن السابقة. لهذا فإنه جعل الاثنين معًا يثبتان بعضهما البعض بطريقة مشتركة. القديس يوحنا الذهبي الفم "إذ سبق يوحنا فكرز قبل مجيئه بمعمودية التوبة، لجميع شعب إسرائيل". [24] لكي لا يتشكك المستمعون في يسوع المسيح أنه هو المخلص ابن داود، أورد لهم شهادة القديس يوحنا المعمدان الذي أفصح عن شخصه أنه جاء ليعد الطريق له، وأنه ليس مستحقًا أن يحل سيور حذاء قدميه. ولعل كان من بين الحاضرين من سمع عن القديس يوحنا أو التقى به وآمن به كنبي حقيقي. "ولمّا صار يوحنا يكمِّل سعيه، جعل يقول من تظنون أني أنا؟ لست أنا إيّاه، لكن هوذا يأتي بعدي الذي لست مستحقًا أن أحلّ حذاء قدميه. أيها الرجال الإخوة بني جنس إبراهيم، والذين بينكم يتّقون الله، إليكم أُرسلت كلمة هذا الخلاص". [25-26] يثير القديس بولس مشاعر اليهود الأتقياء بقوله: "أيها الإخوة بني جنس إبراهيم"، فيربط بإبداع بين بنوتهم لإبراهيم وتحقيق الوعد له خلالهم. فما يخبرهم به إنما تحقيق الوعد الإلهي لأبيهم الذي طالما ترقبه وتهلل به. "إليكم أرسلت" جاءت في النسخ الإسكندرانية والسينائية والفاتيكانية: "إلينا"، فيضم نفسه معهم، ليتمتع هو معهم بتحقيق الوعد الإلهي، إنه حق لكل أبناء إبراهيم. لقد جاء الرسول إليهم كحامل لكلمة الخلاص، ليتمتعوا بها. "لأن الساكنين في أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوا هذا، وأقوال الأنبياء التي تُقرأ كل سبت تمّموها، إذ حكموا عليه". [27] "لم يعرفوا هذا"، أو كما يترجمها البعض "أخفقوا في معرفتها". إن كانوا قد فشلوا في معرفة هذا الخلاص فإنهم بلا عذر، لأن كتب الأنبياء بين أيديهم ويقرأونها علانية كل سبت في المجامع، وكان يليق بهم أن يتعرفوا على المخلص. ومن جانب آخر، فإن مقاومتهم له حققت النبوات. + في كل المناسبات نجدهم (الرسل) يهتمون جدًا بإبراز هذه النقطة أن البركة خاصة باليهود حتى لا يهربوا (من المسيح)، ظانين أنه ليس لهم بسبب ما فعلوه معه حيث أانهم صلبوه. يقول: "لم يعرفوا هذا"، لهذا فإن خطيتهم كانت عن جهلٍ. لاحظوا كيف أنه بكل حنو يقدم عذرًا حتى لصالبيه. ليس هذا فقط، وإنما يضيف إلى ذلك أن هذا كان يلزم أن يتم. كيف هذا؟ "إذ حكموا عليه، تمموا أصوات الأنبياء". القديس يوحنا الذهبي الفم "ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطس أن يُقتل". [28] لئلا يظنوا أن الذين صلبوه بلا عذر، لأنهم "لم يعرفوه"، أكد الرسول بولس أن الأنبياء يصرخون إليهم بلا انقطاع لكي يتعرفوا عليه، لكنهم لم ينصتوا لهم. ومن جانب آخر فإنهم "مع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطس أن يُقتل". فإن كانت قد تمت فيه النبوات، هذا لن يبرر تصرفاتهم، إنما يعطيهم فرصة لمراجعة أنفسهم والعودة إليه بالتوبة. بيلاطس الأممي الذي بلا دراية بالنبوات يشهد عليهم إذ لم يجد عليه علة واحدة (يو 19: 4، 6)، وأما هم الذين كان يليق بهم أن يكرزوا به، فطلبوا قتله (يو 19: 7). "ولما تمموا كل ما كُتب عنه، انزلوه عن الخشبة، ووضعوه في قبر". [29] الذين طلبوا صلبه انزلوه (يو 19: 31)؛ وإن ظن أحد أن يوسف الرامي ونيقوديموس هما اللذان انزلاه من الصليب، فهما عضوان في مجمع السنهدرين، وكأنهما يمثلان المجمع. "ووضعوه في قبر": في هذا دليل قاطع على موته موتًا حقيقيًا، استلزم الدفن. موت السيد المسيح ودفنه يمثلان جزءً من صُُلب قانون الإيمان لا ينفصلان عن صلبه وقيامته. فقد سلم الرسول بولس هذه الحقائق مترابطة معًا لتحقيق الخلاص. "فإني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1كو 15: 3). "ولكن الله أقامه من الأموات". [30] حكم اليهود بقتله، والله الآب أقمه من الأموات. هذه القيامة هي الدليل القاطع أنه ابن الله القدوس (رو 1: 2-4). "وظهر أيامًا كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم، الذين هم شهوده عند الشعب". [31] ظهوراته بعد القيامة هي براهين قوية وشهادة حية لقيامته. فالذين عاشروه وأحبوه إذ رأوه قد مات ودفن تمتعوا ببهجة قيامته لكي يشهدوا له ليصير فرح المؤمنين به كاملاً (1يو 1: 3-4). "ونحن نُبشّركم بالموعد الذي صار لآبائنا". [32] بعد هذا العرض التاريخي اللاهوتي انتقل القديس بولس إلى الواقع العملي، فإن هذا الوعد الإلهي مُقدم لكل مستمع، حتى إذ يؤمن يتمتع بقيامة المسيح في حياته. الوعد الذي ثبته الله منذ عصر الآباء وعبر كل الأجيال قد تحقق، لكي يتمتع به الجيل الحاضر. "أن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم، إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضًا في المزمور الثاني، أنت ابني أنا اليوم ولدْتَك". [33] إذ وقع من عيني شاول الطرسوسي ما هو أشبه بالقشور قام واعتمد وصار يكرز بما رآه بخصوص المسيح: "هذا هو ابن الله" (أع 9: 18-20). هذه العقيدة هي موضوع كرازة الرسول بولس، وقد تأكدت بقيامته من الأموات (رو 1: 1-4). لقد ارتبطت بنوته للآب بكل أحداث الخلاص. ففي تجسده قال الملاك: "يُدعى ابن الله" (لو 1: 35). وفي عماده قال الآب: "أنت ابني الحبيب بك سررت" (لو 3: 21-22). وفي تجليه قال الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت 3: 17). وفي قيامته يقول الرسول: "تعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات" (رو 1: 4). لقد جاءت قيامته تؤكّد عمليًا وبطريقة ملموسة ما شهد عنه الملاك في ميلاده، وما أعلنه الأب علانيّة يوم عماده، ولأخصّائه يوم تجلّيه. هذه القيامة ليست بالأمر الغريب عن شعب الله، فقد سبق فكشفها داود النبي في مزاميره. هذه البنوّة السرمديّة تمس حياتنا وخلاصنا. إذ نتمتع في الابن الوحيد القائم من الأموات بنعمة البنوة بعمل روحه القدوس الذي له دوره في كل أحداث الخلاص. "أنه أقامه من الأموات، غير عتيد أن يعود أيضًا إلى فساد، فهكذا قائلاً: أني سأعطيكم مراحم داود الصادقة". [34] إذ قام في اليوم الثالث حيث لم يحل به الفساد، بشهادة داود النبي وخلال الواقع العملي الملموس. إنّه لا يموت بعد، ولن يحل به فساد قط. لقد قام لعازر من القبر بأمر ربّنا يسوع، لكنّه عاد فمات وجسده انحل. لن يعود السيّد إلى القبر كميّت، حيث يملك الموت، إذ لا سلطان للموت عليه، إنّما قبله مرّة بإرادته من أجلنا. "ولذلك قال أيضًا في مزمور آخر: لن تدع قدوسك يرى فسادًا". [35] جاء التعليم الرسولي مركزًا على قيامة السيد المسيح تحقيقًا للمزمور 16: 9-11. هذا ما أعلنه القديس بطرس في يوم الخمسين، وما يقدمه بولس الرسول هنا. وقد قام هذا التعليم على حديث رب المجد يسوع مع التلميذين الذين كانا في طريقهما إلى عمواس (لو 24: 26-27). "لأن داود بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد، وانضم إلى آبائه ورأى فسادًا". [36] يؤكد الرسول بولس لليهود أن ما نطق به داود النبي لم يتحقّق في شخصه، لأنّه مات وقبره قائم، ليس من ينكر ذلك. لكن ما قاله يخص المسيّا المنتظر، وقد تحقّق عمليًا في شخص يسوع. "وأمّا الذي أقامه الله فلم يرَ فسادًا. فليكن معلومًا عندكم أيها الرجال الإخوة، أنه بهذا ينادى لكم بغفران الخطايا". [37-38] ما لم يتحقّق في شخص داود النبي تحقّق في شخص ابن داود، القادر وحده أن يُقيم عهدًا جديدًا ويهب غفران الخطايا. داود رجل الله الصالح، سرّ صلاحه نعمة الله عليه، لكنّه يعجز أن يتمتّع بالمجد، وأن يهب مجدًا لأبناء أمّته. بمشورة الله تمتّع داود بالمُلك، وأيضًا أبناءه، لكنّهم فشلوا في ديمومة المملكة وثباتها بسبب الفساد الذي حلّ بالأسرة الملكيّة، كما بالشعب، وصارت الحاجة مُلحّة إلى "ابن داود" الغافر الخطايا والمُنقذ النفوس من الفساد، لكي يُقيم مملكة داود الروحيّة الدائمة. "بهذا يتبرّر كل من يؤمن، من كل ما لم تقدروا أن تتبرّروا منه بناموس موسى". [39] إن كان السيد المسيح قد صُلب عن خطايانا، فالقيامة أكدت قبول الذبيحة فننال الغفران، بل وننعم ببرّ المسيح. هذا البرّ الذي لم يستطع الناموس أن يقدمه لأحد. بالقيامة تحققت المصالحة الإلهية، وصار روح الله القدوس ساكنًا في الكنيسة وقائدها، لذلك نالت الكنيسة خلال رسل المسيح نفخة الروح، فتسمع الوعد المسياني: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تُغفر له، لمن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يو 20: 23). كشفت القيامة عن حقيقة ذبيحة المسيح الفريدة، إنها ذبيحة حية فعَّالة وقادرة على إبادة الخطية وتحطيم الموت. إنها وإن تحققت خلال التاريخ لكنها تحمل المؤمنين إلى ما فوق التاريخ، تعمل على الدوام وتدخل بنا إلى الأبدية. + نعم ذاك الذي دفن يغفر الخطايا أكثر من الناموس الذي له قوة على فعل هذا. لاحظوا إنه لم يقل: "ما لم تتبرروا" بل "ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى". القديس يوحنا الذهبي الفم "فانظروا لئلاّ يأتي عليكم ما قيل في الأنبياء. انظروا أيها المتهاونون وتعجبوا واهلكوا، لأنني عملاً أعمل في أيامكم، عملاً لا تصدقون إن أخبركم أحد به". [40-41] يقتبس الرسول بولس الإنذار النبوي الخطير الذي نطق به حبقوق النبي (1: 5) في حوالي سنة 600 ق.م. على لسان الله. فإذ أصر شعب الله على العصيان هددهم بأمة الكلدانيين الرهيبة تحطم إسرائيل وتسحق الأمم من حواليه؛ وقد تحقق ذلك. فقد أسرت أشور إسرائيل، وإذ لم ترتدع يهوذا أسرتها مملكة بابل، والتقى الاثنان في السبي. وقد وصف الله رؤساء شعبه المتهاون في الحق والعاصي "رجال الهزء" (إش 28: 14) ودعاهم "متهكمين" (إش 28: 22). هنا يحذر رافضي السيد المسيح ومقاومي عمله الخلاصي بأنهم "متهاونون" لا يكترثون بالكارثة التي تحل عليهم كما حلت على إسرائيل ويهوذا قديمًا بسماح من الله، لأنه "يسخط ليفعل فعله، فعله الغريب، ويعمل عمله، عمله الغريب"، أو كما يقول: "لأني عامل عملاً في أيامكم، لا تصدقون به إن أُخبر به" (حب 1: 5). يحمل عمل الله الغريب والعجيب معنيين، فمن جانب يسقط المتهاونون تحت الغضب الإلهي، ومن يحتمله؟! والثاني أنه قد تحقق عمل الله الغريب والعجيب بتجسد الكلمة الإلهي من أجل الإنسان، وقبوله الصليب بمسرة، وقيامته ليهب الإنسان قوة قيامته... أمور لا يقدر المتهاونون أن يصدقوها، إذ لا يتمتعوا بنعمة الإيمان! هكذا ختم الرسول بولس عظته بهذا التحذير حتى لا يتهاونوا أو يتراخوا في الإيمان بالسيد المسيح مخلص العالم. حقًا إنه سمح للآشوريين والبابليين بسبي العصاة من شعبه، بل ويتركهم فيسقطوا في سبي ذاك الذي قبلوه أبًا لهم، إبليس! إنه لن يسحبهم إلى الإيمان قسرًا، وإنما إذ يرفضون شمس البرّ يسقطوا تحت مرارة الظلمة. 6. التوجّه إلى الأمم "وبعدما خرج اليهود من المجمع، جعل الأمم يطلبون إليهما أن يكلماهم بهذا الكلام في السبت القادم". [42] كان لليهود الأولوية في هذه المجامع في دخولهم وخروجهم، فإذ خرج اليهود أولاً، أما المتهودون من الأمم فترجوا بولس وبرنابا أن يعودا في السبت التالي ليقدما لهم المزيد من الأخبار الإنجيلية المفرحة. لم تتحرك قلوب بعض اليهود لقبول كلمة الخلاص، فقد جاءوا لممارسة العبادة في شكلياتها إرضاء لضمائرهم، أما المتهودون من الأمم ففتح كثيرون قلوبهم لكي يتمتعوا بكلمة الله المفرحة. وكما يقول النبي: "وجدت كلامك فأكلته، فكان لي للفرح ولبهجة قلبي" (إر 15: 16). كان إيمانهم بيسوع، في نظر اليهود، إعلانًا عن عجز الناموس الموسوي عن التبرير وغفران الخطايا. كانت قلوب اليهود في كل موضع ملتهبة بالحنين نحو جبال يهوذا، والتمتًع بمدينة الله أورشليم، والاعتداد بالهيكل. هؤلاء صمتوا عندما سمعوا كلمات الرسول بولس. حقًا كلماته مقنعة ومؤيّدة بالنبوّات، وعيناه تلتهبان بنار الروح الجذّاب، لكنّه ينطق بأمرٍ جديدٍ، في جسارة لم يرونها من قبل ولا سمعوا عنها. يسمعون أنّهم أسرى لعدو خطير، محتاجون إلى التمتّع بحريّة داخليّة، وأنّهم خطاة يحتاجون إلى مخلص إلهي إنّه اتّهام جريء كيف يتجاسر يهودي أن يتفوّه به، مطالبًا بقيام مملكة جديدة لإسرائيل، وتبرير بعمل شخصٍ مصلوب! لقد رفض اليهود هذا الخطاب الخطير، لكن كلمة الله لن ترجع فارغة، بل تسحب قلوب النفوس الجادة في خلاصها وتدخل بها إلى فرح الملكوت. هذا هو عمل الكلمة لدى المخلصين في معرفة الحق، أما الأشرار فيقولون مع أشرار تسالونيكي: "إن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة حضروا إلى ههنا أيضًا" (أع 17: 6). وأيضًا أشرار أفسس: "وأنتم تنظرون وتسمعون أنه ليس من أفسس فقط، بل ومن جميع آسيا تقريبًا استمال وأزاغ بولس هذا جميعًا كثيرًا..." (أع 19: 26). "ولما انفضت الجماعة، تبع كثيرون من اليهود والدخلاء المتعبدين بولس وبرنابا، اللذين كانا يكلّمانهم، ويقنعانهم أن يثبتوا في نعمة الله". [43] كلمة "انفضت" تحمل معنى إخلاء المجمع بالأمر، أشبه بالطرد. لقد شعر رؤساء المجمع بخطورة كلمات القديس بولس على المجمع فأنهوا الاجتماع بسرعة. لكن تجمهر الذين تأثروا بكرازة الإنجيل من اليهود والأمم حول الرسولين، وقد اشتعلت قلوبهم بحب الإنجيل والتمتع بمعرفة الحق الإلهي. يرى البعض أن كلمة "دخلاء" هنا لا تعني بالضرورة أنّهم أمم قبلوا التهوّد، وصاروا من أهل الختان، لكن بعضهم تأثّروا باليهود وآمنوا بالله الواحد، ورفضوا العبادة الوثنيّة وكل رجاساتها دون أن يختتنوا. وكان اليهود يسمحون لهم بحضور الاجتماعات ويشتركوا في العبادة، لكنّهم يشعرون بامتيازهم عنهم. "وفي السبت التالي اجتمعت كل المدينة تقريبًا، لتسمع كلمة الله". [44] واضح أن الذين انضموا إلى الرسولين أكثرهم من الدخلاء، أما اليهود فكثيرون رفضوا الكلمة، بل وقاوموها. شهد الذين قبلوا الإنجيل، وكادت المدينة كلها أن تجتمع في السبت التالي لتتمتع بالكلمة الإلهية. "فلما رأى اليهود الجموع امتلأوا غيرة، وجعلوا يقاومون ما قاله بولس، مناقضين ومجدّفين". [45] لم يحتمل اليهود هذه الجمهرة، فامتلأوا حسدًا، وحسبوا أن من واجبهم أن يصرخوا مع يهود أورشليم: "اصلبه، اصلبه" لا يبالوا بما يقوله بيلاطس: "إني لم أجد علة واحدة تستوجب الموت". فإن كانت الجماهير في أورشليم أصرت على صلب يسوع البار، فإن جمهور اليهود هنا يصرون على صلب اسمه؛ لا يطيقون الكرازة به. بجانب هذه الجمهرة التي تكشف عن نجاح رسالة الرسولين وبالتالي فشل العاملين في المجمع، فإنّ أحاديث الرسول بولس تُحسب إهانة موجّهة ضد الشريعة الموسويّة أمام الدخلاء، وتجريد اليهود كأمّة فريدة في عبادتها للَّه من امتيازاتها. هذا بجانب أن دعوة الرسول تدفع إلى المساواة بين اليهود والأمم، هذا ما لا تقبله العقليّة اليهوديّة. كان شاول الطرطوسي قبلاً مقاومًا للحق الإنجيلي ومجدفًا، وها هي جموع اليهود "يقاومون ما قاله بولس مناقضين ومجدفين". كانت نظرات الرسول نحوهم مملوءة شفقة، فقد سقطوا فيما سقط هو فيه، إذ يقول: "أنا الذي كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، ولكنني رُحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان" (1تي 1: 13). كان يصرخ في قلبه: متى يُرحم هؤلاء كما رُحمت أنا؟ متى تسقط القشور عن أعينهم فيبصروا معي ما أبصره من بهاء مجد شمس البرّ؟ "فجاهر بولس وبرنابا وقالا: كان يجب أن تتكلّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجّه إلى الأمم". [46] هنا يعلن الرسول أسلوبه الكرازي، فقد وضع في قلبه منذ تمتع بسرّ الاستنارة أن يبدأ في كل موضع بعرض بشارة الإنجيل المفرحة على اليهود أولاً بكونهم الورثة الشرعيين للوعود الإلهية ومنهم خرج الأنبياء وجاء المسيا نفسه، وبعد ذلك ينطلق إلى الأمم مع القلة القليلة من اليهود الذين يقبلون الإيمان. بهذا يسبح الرسول مع سمعان الشيخ وهو حامل في قلبه الطفل يسوع قائلاً: "الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام جميع الشعوب، نور إعلان للأمم، ومجدًا لشعبك إسرائيل" (لو 2: 29-32). يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس لم يقل: "نحن نترككم"، بل قال: "نتوجه إلى الأمم"، وكأنه يترك باب الرجاء مفتوحًا أمامهم، فإنهم إن استعدوا لقبول الكلمة يعود يبشرهم. كان حتى في توبيخهم رقيقًا. في التسبحة (لو 2: 29-32) يبدأ بالأمم ثم يليه إسرائيل، لأن كثير من الأمم يقبلون الإيمان وقلة من اليهود يتجاوبون مع عمل السيد المسيح. لكن السيد المسيح جاء أولاً لليهود ثم لكل الأمم، فقد قال للسامرية: "الخلاص هو من اليهود" (يو 4: 22). وكما يقول الرسول بولس: "لأني لست أستحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لليهودي أولاً ثم لليوناني" (رو 1: 16). "بزلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم" (رو 11: 11). "وإذ كانوا يقومون ويجدفون نفض ثيابه وقال لهم: دمكم على رؤوسكم. أنا بريء، من الآن أذهب إلى الأمم" (أع 18: 6). + لقد تم العبور الحقيقي إلى بابل الذي سبق أن رُسم في أيام إرميا؛ لقد تم بترتيب روحي في أيام تجسد الرب. ولكن ماذا يقول إرميا عن البابليين الذين عبر إليهم؟ "لأن بسلامهم يكون لهم سلام" (إر 29: 7 LXX). هكذا عندما عبر إسرائيل إلى بابل بواسطة المسيح والرسل، أي عندما بُشر بالإنجيل بين الأمم... قبلوا سلام المسيح، وكفوا عن اضطهاد المسيحيين. + انظر فإن الشجرة (إسرائيل) قد يبست (مت 21: 18؛ لو 24: 28)، والمسيح تحرك إلى الأمم، تحرك الجبل إلى البحر. القديس أغسطينوس + إذ رفضتم المسيح ولم تعدوا مكانًا لائقًا عليه يُُقام مذبح الرب، فإنه سيقيمه على أرض الأمم، أي في قلوب كل الشعب. لهذا يقول الرسول موضحًا لنا: "هيكل الله مقدس الذي أنتم هو" (1 كو3: 17). + يمكن أن يرمز جيحزي للشعب اليهودي، إذ أصيبوا ببرص الخطية في نفس الوقت عندما تحرر الأمم منه. أخيرًا أعلن اليهود الأشقياء هذا أثناء آلام المسيح: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 27: 25). عندئذ بالحقيقة استحقوا أن يغطيهم برص الخطية عندما صرخوا بشفاهٍ شريرةٍ ضد الطبيب السماوي: "خذه! خذه! أصلبه" (يو 19: 15) لهذا لصق البرص بهم في نفس الوقت عندما عبرت النعمة إلينا... عندما عبر تعليم الرسل إلى الأمم، لصق برص الخطية في اليهود البؤساء. الأب قيصريوس أسقف آرل + من هذا واضح أن الوضع الطبيعي للأمور كان هكذا: كان يلزم أن يدخل (اليهود) أولاً وبعد ذلك الذين من الأمم، ولكن إذ لم يؤمن اليهود انقلب النظام، فبسبب عدم إيمانهم وسقوطهم يأتي هؤلاء أولاً. القديس يوحنا الذهبي الفم + إننا نجد في نبوة إرميا أمرهم الله بالذهاب إلى بابل، مشيرًا إلى أن كل الأنبياء الآخرين الذين يطلبون من الشعب عدم الذهاب إلى بابل هم أنبياء كذبة (إر 27: 14-15)... لقد هدّد إرميا، حسب أوامر الله، الذين لا يرغبون في الذهاب إلى بابل، بينما وعد الذين يذهبون بالراحة وبنوعٍ من السعادة في زراعة كرومهم ونمو حدائقهم ووفرة ثمراتهم. كيف عبر إسرائيل الحقيقي لا الرمزي إلى بابل؟ فمن أين جاء الرسل؟ أليسوا من أمّة اليهود؟ ومن أين جاء بولس نفسه، إذ يقول: "أنا أيضًا إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين" (رو 11: 1)؟ لقد آمن كثيرون من اليهود بالرب، فمنهم أُختير الرسل، ومنهم كان أكثر من خمسمائة أخ وُهب لهم أن يعاينوا بالرب بعد قيامته (1 كو 15: 6)، ومنهم المائة وعشرون الذين كانوا في العُليّة عندما حلّ عليهم الروح القدس (أع 1: 15). ولكن ماذا يقول الرسول في سفر أعمال الرسل عندما رفض اليهود كلمة الحق؟ "كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم... هوذا نتوجّه إلى الأمم" (أع 13: 46). لقد تم العبور الحقيقي إلى بابل الذي سبق أن رُسم في أيام إرميا. لقد تم بترتيبٍ روحيٍّ في أيام تجسّد الرب. ولكن ماذا قيل عن البابليّين الذين عُبر إليهم؟ "لأنه بسلامهم يكون لكم سلام" (إر 29: 7)... الآن في هذا السلام الكامل يمكن أن تُبنى الكنائس، وتُزرع الشعوب في حديقة الله، ويُثمر الأمم في الإيمان والرجاء والمحبّة التي في المسيح. القديس أغسطينوس + لاحظوا معي ما كُتب عن هذا الشعب "طلّقتها وأعطيتها كتاب طلاقها" (إر 3: 8). طلق الله هذا الشعب وأعطاه كتاب طلاق، الذي يُعطى للمتزوّجين. جاء في ناموس موسى أن المرأة التي تُغضب رجلها تأخذ كتاب طلاقها وتذهب، ويسمح للرجل الذي ترك الزوجة السابقة بسبب تصرفها غير اللائق أن يتزوج بامرأة أخرى. هكذا لاحظوا الذين أخذوا كتاب الطلاق... قد تُركوا في كل شيء بسبب هذا. فأين الأنبياء بينهم؟ أين الآن الآيات بينهم (مز 74: 9)؟ أين إعلانات الله؟ أين الطقوس والهيكل والذبائح؟ لقد طُردوا من موضعهم. بهذا أعطاهم كتاب طلاق. الآن نحن - يهوذا - عدنا إلى الرب. نحن يهوذا، لأن المخلّص قام من شجرة يهوذا، وقد سبق فأعلن أن ربّنا قام من يهوذا (عب 7: 14). + هذا أيضًا انعكس منذ البداية... حيث يُقال للذين هم من إسرائيل: "تدعيني يا أبي، ومن ورائي لا ترجعين. حقًا إنّه كما تخون المرأة قرينها، هكذا خنتموني يا بيت إسرائيل، يقول الرب" (إر 3: 19-20). وعندما قيلت هذه العبارات بخصوص إسرائيل في البداية، وسمع أبناء إسرائيل أنّهم كانوا أشرارًا في طرقهم ونسوا إلههم القدّوس (إر 3: 21 LXX)، عندئذ وضع الروح القدس الكلمة أمامنا نحن الذين من الأمم الوثنيّة وقال لنا: "ارجعوا أيّها البنون العصاة، فأُشفي أمراضكم" (إر 3: 22). فإنّنا نحن الذين كنّا مرّة غير مؤمنين، أغبياء، مخدوعين، مستعبدين لشهوات وملذّات كثيرة، نقضي أيامنا في الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا. ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وأحسانه بغسل الميلاد الجديد وسكب رحمته علينا (راجع تي 3:3-6). العلامة أوريجينوس + لا يتوقّف عمل الله بسبب عدم إيمان اليهود؛ إنّه الحياة الأبديّة لمؤمنيه، هذه التي وعد أن يهبها للذين يؤمنون بالمسيح. فإن الذين لم يؤمنوا حرموا أنفسهم من المكافأة دون أن يُصاب البقيّة بأي ضرر. بقوله هذا يمدح بولس المؤمنين اليهود، فإنّه ليس خطأهم أن كثيرين من بني جنسهم رفضوا الإيمان. إمبروسياستر + الذين لم يؤمنوا كانوا عاجزين عن أن يقفوا في طريق بركاته. الأب ثيؤدورت أسقف كورش "لأن هكذا أوصانا الرب:قد أقمتك نورًا للأمم، لتكون أنت خلاصًا إلى أقصى الأرض". [47] اقتباسات الرسول بولس المستمرّة من الأنبياء غايتها تأكيد أن ما يكرز به ليس بالأمر الجديد، لكن جذوره في الشريعة والأنبياء. فتدبير الإنجيل أساسه في العهد القديم. اقتبس الرسول بولس هذه الآية عن إشعياء النبي: "قد جعلتك نورًا للأمم، لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض" (إش 49: 6). فقد جاء السيد المسيح "نور العالم" (يو 8: 12). أضاء في قلوب تلاميذه وأقامهم "نور العالم" (مت 5: 14) لا يحملوا نورهم الذاتي، بل شعلة المسيح التي في داخلهم، لتضيء في وسط ظلمة العالم الوثني. جاءت النبوّة تكشف عن شخص المسيح أنّه النور والمخلّص، يشرق على الأعماق فيهب حكمة وفهمًا ومعرفة لأسرار حب الله، الذي يضم كل البشريَّة، "إلى أقصى الأرض"، ولا يُحدّ بشعب معيّن أو جيلٍ محدد. "فلما سمع الأمم ذلك، كانوا يفرحون ويمجدون كلمة الرب، وآمن جميع الذين كانوا معينين للحياة الأبدية". [48] إذ قدم الرسول بولس شهادات نبوية من أسفار العهد القديم الذي بين أيديهم لم يستطيعوا أن يقاوموا بالحجة، لكنهم امتلأوا غيرة وغضبًا، وصاروا يقاومون ويجدفون بغير منطق. أما الأمم فإذ سمعوا "كانوا يفرحون ويمجدون كلمة الرب" وقبلوا الإيمان. أدرك الأمم أنّهم في ذهن الله، موضوع حبّه منذ القدم، وأن ما يعلنه الرسول يمثّل خطّة إلهيّة كشفها الله لأنبيائه في عصر الناموس، حين كان يظن اليهود أنّهم دون سواهم موضع اهتمام الله وخلاصه. ما يتحقّق الآن هو إتمام للوعود الإلهيَّة. هذه الوعود الإلهية المفرحة صارت عثرة لليهود، ومصدر فرح للأمم. كلمة "معينين" هنا في اليونانية تعني "مُسجلين" أو "مكتوبين"، فقد كُتبت أسماء المؤمنين الحقيقيين في السماوات (لو 10: 20). أول من استخدم هذا الأسلوب هو موسى النبي القائل: "والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت" (خر 32: 32). لقد سُجلت أسماؤنا في سفر الحياة ليس لإلزامنا بالخلاص قسرًا، ولا كما يظن البعض أنه نوع من القضاء الجبري، لكن سجله الله بسابق معرفته منذ تأسيس العالم. "لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم، ليكونوا مشابهين صورة ابنه" (رو 8: 29). "وانتشرت كلمة الرب في كل الكورة". [49] يقصد بالكورة هنا الإقليم كله، أي "كورة غلاطية" (أع 16: 6). كلمة "انتشرت" تكشف أن الشهادة أو الكرازة بالإنجيل لم تعد قاصرة على الرسولين بولس وبرنابا بل التهبت قلوب المؤمنين للعمل الكرازي بين أقربائهم وأصدقائهم وزملائهم، فنهض الكل للشهادة لإنجيل المسيح. 7. مقاومة اليهود للرسولين "ولكن اليهود حرّكوا النساء المتعبدات الشريفات ووجوه المدينة، وأثاروا اضطهادًا على بولس وبرنابا، وأخرجوهما من تخومهم". [50] لم يكن ممكنًا أن يمنع اليهود الرسولين من الشهادة للسيد المسيح في بلد أممي تحكمه قوانين الدولة الرومانية، لكنهم التجأوا إلى النساء اللواتي دخلن الإيمان اليهودي وبعض الرؤساء من المتهودين لإثارة حملة ضد الرسولين. قام اليهود بالعمل من وراء الستار لطردهما ونجحوا في ذلك. كانت للنساء المتعبدات عند اليهود لهن مركزهن الخاص في الخدمة، لهذا قام الثائرون ضد بولس وبرنابا بإثارتهن مع وجوه المدينة لاضطهادهما. ولم يكن للنساء المتعبدات عند اليهود دورهن في أنطاكية بيسيدية، وإنما في أغلب المجتمعات اليهودية فى أورشليم وخارجها. ولعل هذا أيضًا ورثته الكنيسة، ففي أيام السيد المسيح كون النساء جماعة لخدمته والإنفاق عليه، وكان لهن موقفًا مشرفًا في لحظات الصلب والدفن والقيامة، سبقن فيه الرسل والتلاميذ. "أما هما فنفضا غبار أرجلهما عليهم، وأتيا إلى أيقونية". [51] عند طردهما نفذا وصية الرب: "ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجًا من ذلك البيت أو من تلك المدينة وانفضوا غبار أرجلكم. الحق أقول لكم ستكون لأرض سدوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالاً مما لتلك المدينة" (مت 10: 14-15). "أيقونية": في أيام الرسول بولس كانت عاصمة ليكأونية، كانت تابعة لإقليم فريجية، مدينة قونية التركية. وهي تبعد حوالي 20 ميلاً عن ساحل البحر الأبيض المتوسط. "وأمّا التلاميذ فكانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس". [52] يا للعجب كلما اشتدت الضيقة يملأ الروح القدس نفوس المؤمنين بالفرح السماوي والتهليل. مع كل حركة اضطهاد يصاحبها عمل الروح القدس مفرِّح القلوب ومعزي النفوس. "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي". + كان المعلمون يُضطهدون، والتلاميذ يفرحون. القديس يوحنا الذهبي الفم من وحي أع 13 روحك القدّوس قائد رحلتي! + هاجت أورشليم، مدينة الله، على كنيستك، فانطلق شعبك يكرز في كثير من الأمم، صارت أنطاكية مدينة الله العظمى. هناك ألهبَ روحك الناري قلوب الكثيرين، وانطلق برنابا ومعه شاول يعملان بقوّة في كرمك. + اختار روحك القدّوس برنابا وشاول، أفرزهما له، للعمل بين الأمم. هو العارف بالقلوب، وهو واهب الكلمة والحق، وهو الجاذب للنفوس، لتتمتّع بغنى نعمتك. بالروح صامت كنيستك وصلّت، فنالت حكمة الروح، واختارت خدّامًا مخلصين. + انطلق الاثنان ومعهما يوحنا، طاروا في رحلة كرازيّة فريدة، كانوا أشبه بملائكة الله، حوّلوا بنعمتك البشر إلى ملائكة. اقتحموا قبرص العزيزة على إلهة الجمال أفروديت، ليقيموا فيها أبناء أعزّاء للَّه. عوض الانحلال تحوّلت الجزيرة إلى القداسة. + ليمت فيّ شاول الطرسوسي المعتدّ بذاته، وليقم في داخلي بولس المتواضع، الأقل بين الجميع. فأنت ترفع المتواضعين، وتنزل الأعزّاء عن الكراسي. + هب لي يا رب روح القدّيس بولس، ومتّعني بحكمته، فأتمم خطّتك من نحوي. + ليقاومني إبليس بكل قوّاته، فأنت هو شمس البرّ الذي لن تقف الظلمة أمامك. يدك الإلهيَّة تحطّم كل شرّ، وتكشف كل عمى للبصيرة. لكي تُقيم مملكة النور، وتشرق بنورك على النفوس التي أسرها العدو بظلمته. + ليهبني روحك القدّوس روح الحكمة، فلا أنطق بكلمات من عندي، بل أشهد لأعمالك العجيبة. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث عشر آية (1):- "1وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ. " كَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ = صارت إنطاكية مركزا مسيحياً إنطلقت منه رحلات بولس وكان يعود إليها . أَنْبِيَاءُ = أى من ينطق بالروح القدس. وكان لقب أنبياء يطلق عموماً على من يعظ فنحن سمعنا عن سيلا أنه نبى ولم نسمع منه عن نبوة واحدة ولكن سمعنا أنه يعظ ( أع 32:15،35 ) . مُعَلِّمُونَ = كان عملهم تفسير الإنجيل بالروح القدس. سِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ = سمعان هو الاسم اليهودى ونيجر هو الإسم اللاتينى. وغالباً هو من مدن شمال إفريقيا، أسمر اللون (نجرو= نيجر ). وغالباً هو سمعان القيروانى الذى حمل صليب المسيح وأبو الكسندر وروفس (مر 21:15) لُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ = القيروانى هى مدينة شمال إفريقيا، فى ليبيا وكانت تسمى قيرين أو سيرين. وهى غير القيروان التى بناها العرب فى تونس فى القرن السابع. هِيرُودُسَ = هو أنتيباس إبن هيرودس الكبير الذى أرسل إليه المسيح للمحاكمة. وَشَاوُلُ = لوقا يضعه فى آخر القائمة إذ هو بلا رتبة حتى الآن. آية (2):- "2وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ:«أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ»." يَخْدِمُونَ = أصلها ليتورجونتون ومنها ليتورجيا أى خدمة القداس الإلهى، خدمة الشكر والتسبيح للذبيحة الإلهية. وَيَصُومُونَ = الخدمة تحتاج لسهر وأصوام وصلوات وقداسات. ومثل هؤلاء يكلمهم ويرشدهم الروح القدس وهنا نرى شخصية الروح القدس الذى يوجه الكنيسة فالروح القدس هو الله = أَفْرِزُوا لِي. ولاحظ أن المسيح قال له " إذهب فإنى سأرسلك.... أع 21:22 " وهذا إشارة للوحدة بين الإبن والروح القدس. وللآن تصوم الكنيسة قبل القداسات والتناول. أَفْرِزُوا لِي = بينما هم يصلون ويصومون يختار الروح القدس خدامه. وحتى الآن يُسام الأساقفة والكهنة خلال صلوات القداس. قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ = ربما لأحد الأنبياء لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ = وهو الكرازة لكل العالم. آية (3):- "3فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. " هنا نرى دور الكنيسة، فالله إختارهم والكنيسة تضع اليد عليهم، هنا شاول صارت له درجة الرسولية (الأسقفية). ولاحظ أنه بعد أن تكلم الروح صاموا ثانية وصلوا لينجح الرب طريقهما. ولذلك يصوم الأسقف بعد سيامته لمدة سنة ويصوم الكاهن لمدة 40 يوماً بعد سيامته. صَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ = هذا هو طقس السيامة. رحلة بولس الرسول الأولى الآيات (4-5):- "4فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. 5وَلَمَّا صَارَا فِي سَلاَمِيسَ نَادَيَا بِكَلِمَةِ اللهِ فِي مَجَامِعِ الْيَهُودِ. وَكَانَ مَعَهُمَا يُوحَنَّا خَادِمًا. " قبرس = هم ذهبوا إلى قبرص أولاً، غالباً لأن برنابا من قبرص وقبرص محور مواصلات بين القارات وإشتهرت بتجارة النحاس COPPER. ومنها اشتق إسمها CYPRUS. وكان إسمها فى العهد القديم هو كتيم (تك 4:10) سَلاَمِيسَ = على سواحل قبرص وكان بها أكثر من مجمع لليهود، فهى مقصد اليهود فى قبرص. وكانت مجامع اليهود أول ما يتوجه إليه بولس الرسول. ونلاحظ أن كثيراً من الأمم الأتقياء كانوا يتوجهون إلى هذه المجامع ويحضرون الصلاة مع اليهود وهؤلاء الأمم إجتذب منهم بولس الرسول الكثير. خَادِمًا = ربما يقوم بعمل خدمة المعمودية، وتعليم الموعوظين أساسيات المسيحية ومرقس قد رأى المسيح فى بيته وسمع كل تعاليمه وكتب إنجيل مرقص. الآيات (6-8):- "6وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلاً سَاحِرًا نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7كَانَ مَعَ الْوَالِي سَرْجِيُوسَ بُولُسَ، وَهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ. فَهذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ وَالْتَمَسَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ. 8فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ، لأَنْ هكَذَا يُتَرْجَمُ اسْمُهُ، طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ. " بَارْيَشُوعُ = سَاحِرًا = يدعى معرفة الغيب. وفى آية (8) يقال عنه عَلِيمٌ = وهذا الإسم أصله عربى ويشير لمعرفته بالغيب فهو غالباً يهودى عربى. رَجُلٌ فَهِيمٌ = متعلماً يبحث عن المعانى والأفكار والحقائق شأن فلاسفة روما. وغالباً فقد أعجب الوالى بعليم الساحر الذى يعمل أعماله بالشياطين ولكن لم يخضع له ولما ظهر بولس وبرنابا وجد فيهما الحق الذى يبحث عنه، هو سمع عنهما فدعاهما ليسمع منهما فهاج عليم الساحر طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ = بأن يشوش على تعاليم بولس ومحاولة أن يثبت كذبها. الآيات (9-11):- "9وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضًا، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ 10وَقَالَ:«أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَاعَدُوَّ كُلِّ بِرّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ 11فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ. " كان هناك عادة لليهود أن يكون للشخص إسمان، إسم عبرى وآخر يونانى. وشاول الطرسوسى كان له إسم لاتينى هو باولوس او بولس ومن هذه الآية يستخدم الكتاب المقدس (سفر أعمال الرسل) إسم بولس بدلاً من شاول... 1) كرمز للتغير الذى حدث له 2) لأن مجال خدمته سيكون وسط الأمم وإسم بولس إسم شائع وسطهم 3) تواضعاً منه استعمل إسم بولس الذى يعنى الأقل أو الأصغر (1كو 9:15). يَا ابْنَ إِبْلِيسَ = باريشوع تعنى إبن يسوع. ولكن بولس هنا يسميه بحسب حقيقته. وإبليس تعنى الإفتراء والوشاية. وبار يشوع كان يستعمل الشياطين فى سحره، ويستخدمهم ليدعى المعرفة ويبعد الناس عن الإيمان الحقيقى. أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ = إذا هو له زمان يمارس كذبه وغشه وسحره وبولس طلب له الظلمة لأنه حاول إخفاء النور ليطلب من قلبه النور الحقيقى لذلك قال له إِلَى حِينٍ " أى إلى أن تؤمن. ولم يقل له تصير أعمى إلى الأبد. آية (12):- "12فَالْوَالِي حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى مَا جَرَى، آمَنَ مُنْدَهِشًا مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ. " ثبت تاريخياً أن هذا الوالى صار مسيحياً أى آمن وإعتمد. آية (13) :- "13ثُمَّ أَقْلَعَ مِنْ بَافُوسَ بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ وَأَتَوْا إِلَى بَرْجَةِ بَمْفِيلِيَّةَ. وَأَمَّا يُوحَنَّا فَفَارَقَهُمْ وَرَجَعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. " بَرْجَةِ = هى عاصمة مقاطعة بمفيلية فى أسيا الصغرى. ثُمَّ أَقْلَعَ = أى ركبوا البحر إلى مقاطعة بمفيلية. بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ = هنا نرى أن بولس صار أولاً. ويقال عن برنابا والباقين ومن معهُ. وهذا يشير لتواضع الباقين الذين قبلوا فى محبة تقدم بولس عليهم. وهنا إنفصل مرقس عنهم ربما لأنه إشتاق للخدمة فى أورشليم، وربما وجد أن الطريق عبر جبال آسيا مَخاَطِرهُ كثيرة وأمراضه كثيرة، خصوصاً أنهم قطعوا قبرص كلها بعرضها حوالى 400 ميل ميل فى طرق صعبة ومخاطر من اليهود والوثنيين، وربما كان مرقس وقتها متأثراً بمرض ما، لأن مرقص قطع بعد ذلك رحلة أصعب ليبشر بلادنا. لذلك عاد بولس وقال عن مرقس كلاماً حلواً بعد أن كان قد إنفصل عنه بسبب هذا الموقف (كو 10:4+2 تى 11:4). الآيات (14-16 ):- "14وَأَمَّا هُمْ فَجَازُوا مِنْ بَرْجَةَ وَأَتَوْا إِلَى أَنْطَاكِيَةِ بِيسِيدِيَّةَ، وَدَخَلُوا الْمَجْمَعَ يَوْمَ السَّبْتِ وَجَلَسُوا. 15وَبَعْدَ قِرَاءَةِ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ الْمَجْمَعِ قَائِلِينَ:«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ كَلِمَةُ وَعْظٍ لِلشَّعْبِ فَقُولُوا». 16فَقَامَ بُولُسُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ:«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ وَالَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ، اسْمَعُوا! " فَجَازُوا = بولس وبرنابا إجتازا عبر جبال طوروس. وقيل جازوا لأن اليونانية ليس فيها صيغة المثنى. وَجَلَسُوا = غالباً جلسوا وسط الربيين لإعلان أنهم قادرين على الوعظ. وكانت القراءات عند اليهود على نظام تقسيم التوراة والنبوات على أيام الأسبوع والسبوت بالذات. وغالباً كانت القراءات عن خروج شعب إسرائيل من مصر وبدأ بولس عظة من هنا. رُؤَسَاءُ الْمَجْمَعِ = إن كان المجمع كبيراً يكون له عدة رؤساء وإن صغيراً يكون له رئيس واحد. عظة بولس الرسول الاولى : العظة مبنية على أن الله إختار إسرائيل وإعتنى بهم ليأتى منهم المسيا المخلص وأن الله أعطاهم من النبوات عن المسيح كل ما يثبت أن المسيح المخلص هو الذى أتى فعلاً وصلبوه. وأن آخرنبى من أنبياء العهد القديم وهو يوحنا المعمدان شهد أيضاً للمسيح. إذاً من يرفض سيرفض المجد وإختار بولس 3 أيات يشيروا للمسيح:- 1. أنت إبنى أنا اليوم ولدتك (مز7:2) 2. لن تدع قدوسك يرى فساداً (مز 9:16-11) 3. سأعطيكم مراحم داود الصادقة (اش 3:55) فالمسيح هو الذى وُلِدَ، هو إبن الله الذى أخذ جسداً ليموت به ويقوم.وحتى لا يظن أحد أن هذه النبوات عن داود قال إن داود مات ورأى فساداً ويكون المسيح هو مراحم الله لداود وشعبه فهو غافر الخطايا لمن يؤمن ورفضه هو رفض لله. وكان رفض الله فى العهد القديم له عقوبة رهيبة، كما نرى فى حب 5:1 أن الكلدانيين سحقوا الشعب لرفضهم الله وعدم طاعتهم له. وهكذا نرى بولس الرسول فى هذه العظة ضليعاً فى الكتاب المقدس. ونجد هنا نبوة لبولس الرسول ضد شعب إسرائيل الرافض للمسيح. ولكن الخراب اتى بيد الرومان هذه المرة وليس بيد البابليين كما فى حب 5:1. بولس رأى بالروح ما سوف يحدث. ولقد خرب الرومان أورشليم فعلاً بعد هذه النبوة بحوالى 20سنة. آية (17):- "17إِلهُ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ هذَا اخْتَارَ آبَاءَنَا، وَرَفَعَ الشَّعْبَ فِي الْغُرْبَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَبِذِرَاعٍ مُرْتَفِعَةٍ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا. " آبَاءَنَا = إبراهيم واسحق ويعقوب. وَرَفَعَ الشَّعْبَ فِي الْغُرْبَةِ = أى آزر شعبه فى أثناء عبوديتهم فى مصر، ورفعه أى رفع رأسهم. آية (18):- "18وَنَحْوَ مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، احْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ. " احْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ = كأب يحتمل عناد طفله المشاكس وتمرده تث 31:1. آية (19):- "19ثُمَّ أَهْلَكَ سَبْعَ أُمَمٍ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَقَسَمَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ بِالْقُرْعَةِ. " لاحظ أنه يطوى الأحداث بسرعة ليصل للمسيح. تث 1:7. آية (20):- "20وَبَعْدَ ذلِكَ فِي نَحْوِ أَرْبَعَمِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً أَعْطَاهُمْ قُضَاةً حَتَّى صَمُوئِيلَ النَّبِيِّ. " 450عاماً = من دعوة إبراهيم إلى موت يشوع. آية (21):- "21وَمِنْ ثَمَّ طَلَبُوا مَلِكًا، فَأَعْطَاهُمُ اللهُ شَاوُلَ بْنَ قَيْسٍ، رَجُلاً مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً. " شاول البنيامينى الملك بدأ عصر الملوكية، وشاول بنيامينى آخر بدأ كنيسة الأمم. آية (22):- "22ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَقَامَ لَهُمْ دَاوُدَ مَلِكًا، الَّذِي شَهِدَ لَهُ أَيْضًا، إِذْ قَالَ: وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي. " لم يدم حكم شاول إذ أنه ليس حسب قلب الله لكنه حسب شهوة عين الشعب، أماّ الله فينظر للقلب. وكان داود رمزاً للمسيح فى ملكه وفى ألامه حين طُرِدَ من ملكه حافياً ورأسه مُعَرَّى (مز 19:89-37). وكان داود حسب قلب الله فى طهارته عند إختياره وفى تواضعه وإيمانه وقلبه الذى يسبح الله دائماً وكملك حطم عبادة الأوثان وكملك عادل فى حكمه وهو فى كل ذلك يرمز للمسيح. وداود أيضاً حسب قلب الله فى أنه يعترف بخطيته حين يخطئ، ويبكى نادماً. داود هو حسب قلب الله فهو الذى سيؤسس المملكة التى يريدها الله. آية (23):- "23مِنْ نَسْلِ هذَا، حَسَبَ الْوَعْدِ، أَقَامَ اللهُ لإِسْرَائِيلَ مُخَلِّصًا، يَسُوعَ. " مِنْ نَسْلِ هذَا = المسيح من نسل داود. حز 23:34،24 + أر 5:23،6 + 9:30. الآيات (24-25):- "24إِذْ سَبَقَ يُوحَنَّا فَكَرَزَ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. 25وَلَمَّا صَارَ يُوحَنَّا يُكَمِّلُ سَعْيَهُ جَعَلَ يَقُولُ:مَنْ تَظُنُّونَ أَنِّي أَنَا؟ لَسْتُ أَنَا إِيَّاهُ، لكِنْ هُوَذَا يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أَحُلَّ حِذَاءَ قَدَمَيْهِ. " يوحنا كسابق للمسيح كان يهيئ القلوب بالتوبة. وتركيز الأناجيل وتركيز بولس هنا أن يوحنا ليس هو المسيح كان لأن كثيرين ظنوا أن يوحنا هو المسيح وظلت هذه الشيعة موجودة لأزمنة كثيرة ( أع 1:19-5) فى أع 1:19-5 نرى أن هناك من لا يزال يعتمد بمعودية يوحنا. آية (26):- "26«أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ بَنِي جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِينَ بَيْنَكُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، إِلَيْكُمْ أُرْسِلَتْ كَلِمَةُ هذَا الْخَلاَصِ. " كان يحضر فى المجامع اليهود= بَنِي جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ =. ومعهم بعض الأمم الأتقياء= وَالَّذِينَ بَيْنَكُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، كَلِمَةُ هذَا الْخَلاَصِ = إشارة لوعود الله لإبراهيم. وبولس هنا يثير اليهود ليتقبلوا المسيح ففيه تحقيق الوعد لإبراهيم أبوهم. آية (27):- "27لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذَا. وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ. " رُؤَسَاءَهُمْ = رؤساء الساكنين فى أورشليم. وهؤلاء حكموا على المسيح إذ لم يعترفوا على المسيح. بينما أن النبوات التى تقرأ عليهم كل سبت تؤكد حقيقته. آية (28):- "28وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاَطُسَ أَنْ يُقْتَلَ. " قارن مع يو 38:18 + 4:19،6 لنجد أن بيلاطس لم يجد فيه عله واحدة وفى هذا يرمز خروف الفصح للمسيح، إذ أن خروف الفصح بلا عيب ويذبحه اليهود. آية (29):- "29وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ. " طلب اليهود من بيلاطس أن ينزل الأجساد من على الصلبان حتى لا تبيت للسبت. ولكن يوسف الرامى ونيقوديموس هما اللذان أنزلا جسد يسوع. وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ = بولس يريد أن يثبت أنه مات موتاً حقيقياً. وهذا بالتالى إثبات لقيامته 1كو 3:15،4. ولاحظ أن موت المسيح وقيامته هما السبب فى غفران الخطايا. آية (30):- "30وَلكِنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. " القيامة من الأموات هى إثبات بنوة المسيح عند بولس الرسول رو 2:1-4. آية (31):- "31وَظَهَرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، الَّذِينَ هُمْ شُهُودُهُ عِنْدَ الشَّعْبِ. " الظهور دليل القيامة 1كو15.وشهود القيامة هم الذين كانوا يعرفونه من قبل، أى تلاميذه لِلَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى أُورُشَلِيمَ. آية (32):- "32وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لآبَائِنَا،" هذه البشارة هى لكل من يؤمن. آية (33):- "33إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. " بولس هنا يربط بين مزمور أنت إبنى أنا اليوم ولدتك وبين قيامة السيد المسيح. فالقيامة كما رأينا عند بولس هى دليل بنوة المسيح لله رو 2:1-4. فإبن الله له طبيعة وجوهر الله. والله حى لا يموت وهذه الطبيعة هى التى أقامت المسيح من الأموات. وبالقيامة أعطانا المسيح حياته فنصير أولاداً لله. المسيح هو إبن الله منذ الأزل، وًلِدَ زمنياً ليتحد بإنسانيتنا وليموت ويقوم ويعطينا حياته، فيصبح كل مؤمن معمد إبناً لله. لذلك يقول بولس هنا اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا = أى الله اكمل لنا بميلاد المسيح وقيامته عمل التبنى، فصرنا أولاداً لله، الله اكمل بقيامة المسيح كل الوعود التى أعطاها للأباء، هو أكمل بهذا خلاصنا، وبهذا صرنا أولاداً لله. الآيات (34-37):- "34إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ، فَهكَذَا قَالَ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. 35وَلِذلِكَ قَالَ أَيْضًا فِي مَزْمُورٍ آخَرَ:لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. 36لأَنَّ دَاوُدَ بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ اللهِ، رَقَدَ وَانْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرَأَى فَسَادًا. 37وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فَلَمْ يَرَ فَسَادًا. " قام من الموت وهزمه للأبد وأعطى للبشرية هذه الحياة الأبدية التى إكتسبها لنا بقيامته من الأموات (أف 5:2). وهذه القيامة هى مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ = مراحم داود الصادقة (أش 3:55) هى البركات التى وُعِدَ بها داود فى المسيح. مراحم داود الصادقة هى وعد الله الذى عوض هجرانه لشعبه سيعود ويرحمهم لمحبته الصادقة والثابتة لداود. غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ = لن يموت ثانية بعد ما قام كما مات لعازر الذى أقامه ثانية. لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا = هذه نبوة عن قيامة المسيح. وما قاله بولس هنا هو نفس ما قاله بطرس فى (أع 25:2-32). الآيات (38-39):- "38فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، 39وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى. " قيامة المسيح لم تكن فقط إنتصار على الموت بل إنتصاراً على الخطية. فموت المسيح وقيامته كانا لغفران خطايانا وإعطائنا حياة جديدة. وهذا هو التبرير الذى لا يستطيع الناموس أن يعمله. غفران المسيح يشمل كل الخطايا حتى خطايا الضمير الداخلية. فالمسيح القائم من الأموات هو الذى يقيم من موت الخطايا المميتة. الآيات (40-41):- "40فَانْظُرُوا لِئَلاَّ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ مَا قِيلَ فِي الأَنْبِيَاءِ: 41اُنْظُرُوا أَيُّهَا الْمُتَهَاوِنُونَ، وَتَعَجَّبُوا وَاهْلِكُوا! لأَنَّنِي عَمَلاً أَعْمَلُ فِي أَيَّامِكُمْ. عَمَلاً لاَ تُصَدِّقُونَ إِنْ أَخْبَرَكُمْ أَحَدٌ بِهِ»." هنا يستخدم بولس الرسول نبوة حبقوق (5:1) التى قالها حبقوق كتحذير عن عدم الطاعة. ونبوة حبقوق كانت أن أقوى قوة عسكرية فى الوجود وهى قوة بابل وقتها ستدمر أورشليم والهيكل لعدم الطاعة. وإستخدام بولس لهذه النبوة، هو نبوة من بولس أن أقوى قوة عسكرية فى الوجود فى أيامه وهم الرومان سيدمرون أورشليم والهيكل لسبب عدم الطاعة أى عدم قبول المسيح وهذا تم فى أقل من 20 سنة. آية (42):- "42وَبَعْدَمَا خَرَجَ الْيَهُودُ مِنَ الْمَجْمَعِ جَعَلَ الأُمَمُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمَا أَنْ يُكَلِّمَاهُمْ بِهذَا الْكَلاَمِ فِي السَّبْتِ الْقَادِمِ. " كان ترتيب الخروج من المجمع بأن يخرج اليهود أولاً ثم الأمم الذين يحضرون. فبعد أن خرج اليهود كان هناك فرصة للأمم الأتقياء ليستفسروا ويتكلموا بحرية مع بولس. وفرح الأمم بكلام بولس. لكن اليهود إمتلأوا نقمة ظهرت فى السبت التالى. وتحولت إلى مقاومة علنية، والسبب هو عنصريتهم، فهم رفضوا أن يقبل الله الأمم ويصيروا أولاد الله مثلهم. آية (43):- "43وَلَمَّا انْفَضَّتِ الْجَمَاعَةُ، تَبعَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالدُّخَلاَءِ الْمُتَعَبِّدِينَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا، اللَّذَيْنِ كَانَا يُكَلِّمَانِهِمْ وَيُقْنِعَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي نِعْمَةِ اللهِ. " انْفَضَّتِ = يفهم من الأصل اليونانى أن المسئولين عن المجمع وقد شعروا بخطورة تعاليم بولس على اليهودية فضوا الإجتماع بالأمر. وهناك من فسر الكلمة إنفضت بأنها تعنى طُرِدَتْ. فمن طُرِدوا ساروا وراء بولس يستفهمون منه فرحين ببشارته. الدُّخَلاَءِ = أمم وثنيون أحبوا إله اليهود ورفضوا أوثانهم وكانوا يحضرون إجتماعات اليهود فى مجامعهم. الآيات (44-45):- "44وَفِي السَّبْتِ التَّالِي اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْمَدِينَةِ تَقْرِيبًا لِتَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ. 45فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودُ الْجُمُوعَ امْتَلأُوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ. " الأمم الأتقياء نشروا هذه الأخبار فى المدينة فإمتلأ المجمع فى السبت التالى، وهذا ما جعل اليهود فى غيرة شديدة، هذا هو شيطان الحسد (مت 18:27). وكانوا يجدفون على المسيح ويحاولون إثبات عكس ما يقوله بولس. آية (46):- "46فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالاَ:«كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلاً بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ. " بولس حتَّم على نفسه بأن يبدأ باليهود فهم أصحاب الوعد الأساسيين (رو 16:1). ولما كان اليهود يرفضون كان يذهب للأمم (أع 6:18 + 27:28،28). غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ = من آمن بالمسيح وقام مع المسيح هو يحيا من الآن الحياة الأبدية مع المسيح. نعيشها بالروح الأن حتى ندركها فى الدهر الأتى حيث ندرك طبيعتها وأمجادها. إذاً كل من رفض المسيح فهو قد حكم على نفسه بأنه غير مستحق للحياة الأبدية. آية (47):- "47لأَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاَصًا إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ»." هنا إشارة إلى (أش 6:49) ونلاحظ أن المسيح هو نور العالم (يو 12:8) وأرسل تلاميذه كنور للعالم (مت 14:5) لينيروا للأمم فيكون الخلاص للعالم كله. بمقارنة هذه الآية + آية (39) كل من يؤمن + آية (17) وهى اختار شعب إسرائيل. نفهم أن الخلاص هو لكل من يؤمن من اليهود والأمم لكن الله إختار إسرائيل ليأتى منهم المسيح المخلص. آية (48):- "48فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ. وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. " الذين آمنوا إنفتحت أعينهم ففرحوا بالخلاص. وهنا لوقا قدَّم الفرح على الإيمان، فهو يسجل ما حدث أمامه إذ هم فرحوا ثم أعلنوا إيمانهم. مُعَيَّنِينَ = إشارة لمعرفة الله السابقة (رو 29:8). وهى تعنى أن أسماءهم مسجلة ومعروفة عند الله فى كتاب سفر الحياة. آية (49):- "49وَانْتَشَرَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ فِي كُلِّ الْكُورَةِ. " الْكُورَةِ = إشارة لكل الإقليم وهو إقليم فريجية وغلاطية. راجع (أع 6:16). فبولس وبرنابا يعلمون ويكرزون والمسيحيون الذين يؤمنون ينشروا معهم بشارة الإنجيل لأقاربهم ومعارفهم. لقد إستخدم الروح القدس الجميع ليشعل الكرازة. آية (50):- "50وَلكِنَّ الْيَهُودَ حَرَّكُوا النِّسَاءَ الْمُتَعَبِّدَاتِ الشَّرِيفَاتِ وَوُجُوهَ الْمَدِينَةِ، وَأَثَارُوا اضْطِهَادًا عَلَى بُولُسَ وَبَرْنَابَا، وَأَخْرَجُوهُمَا مِنْ تُخُومِهِمْ. " أثار اليهود نساء الأمميين الأتقياء المتهودات وبالتالى أثارت هؤلاء النسوة أزواجهن فنظموا حملة لطرد بولس من المدينة وإستصدروا أمراً بذلك. آية (51):- "51أَمَّا هُمَا فَنَفَضَا غُبَارَ أَرْجُلِهِمَا عَلَيْهِمْ، وَأَتَيَا إِلَى إِيقُونِيَةَ. " هذه وصية الرب (مت 14:10،15) ونفض الغبار معناه أنهم أصبحوا غير مسئولين عن هذه المدينة، وأن هذه المدينة إختارت مصيرها بنفسها. آية (52):- "52وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. " لاحظ أنه مع إزدياد الإضطهاد والتجارب يزداد فرح المؤمنين.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ برنابا وبولس فى الرحلة الأولى h E h (1) مقدمة الرحلة (ع1-3 ): 1وَكَانَ فِى أَنْطَاكِيَةَ، فِى الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ، أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِى يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِىُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِى تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ. 2وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُـدُسُ: أَفْـرِزُوا لِى بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَـلِ الَّذِى دَعَـوْتُهُمَا إِلَيْهِ. 3فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلَّوْا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِىَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. ع1: أنبياء: إما يتحدثون عن أمور ستحدث فى المستقبل، مثل أغابوس الذى تنبأ عن حدوث جوع فى أورشليم (ص11: 28) وعن القبض على بولس فيها أيضا (ص21: 10 ،11)، وإما يتكلمون عن ملكوت السموات فهو مستقبل حياتنا كمؤمنين، أى يعظون ويشجعون السامعين على الاستعداد للحياة الأبدية. تبدأ بهذا الأصحاح أعمال بولس الرسول، بينما ركّز الجزء الأول من السفر على أعمال بطرس الرسول. ونرى هنا بداية عمل بولس وبرنابا فى الرحلة الأولى معًا. تشمل الرحلة الأولى كرازة بولس وبرنابا فى سوريا وتركيا وقبرص، متنقلين فى ذلك بحرًا وبرًا. بدأت الرحلة من أنطاكية أول مركز لكنيسة الأمم، والتى كانت مليئة بمعلمين كثيرين مثل برنابا وسمعان المدعو نيجر (الأسود) ولوكيوس الذى من القيروان (شمال أفريقيا)، ومناين الذى تربى مع هيرودس أنتيباس الثانى قاتل المعمدان، وبولس. ع2: يخدمون الرب: يقودون الصلوات ويباشرون التعليم وافتقاد المؤمنين والاهتمام بهم فى أنطاكية. يصومون: تظهر أهمية الصوم والصلاة وأنهما من أساسيات العبادة فى الكنيسة الأولى. قال الروح القدس: أعلن لقادة الكنيسة بطريقة ما، إما بملاك أو بصوت أو بأى طريقة أخرى. أثناء صوم الكنيسة وصلواتها، طلب الروح القدس إفراز برنابا وشاول لخدمة كرازية خاصة وهى التبشير للأمم فى بلاد أخرى كثيرة. ع3: صاموا... صلوا: يظهر أهمية اقتران الصوم بالصلاة فى العبادة وكذا تمهيدًا لأى خدمة. وضعوا عليهما الأيادى: يبين أهمية سلطان الكنيسة فى توجيه الخدام للخدمة، فمع أن المرسلين هما برنابا وشاول الرسولان اللذان يقودان الكنيسة، ولكنهما لا يتحركان إلا بتوجيه مجمع الكنيسة. صام المؤمنون وصلوا طالبين معونة الرب لهم، ووضعوا عليهما الأيادى للبركة. بدأت الرحلة الأولى من أنطاكية (سوريا) برًا إلى سلوكية (سوريا)، ثم بحرًا إلى سلاميس (قبرص)، وبعد ذلك برًا إلى باقوس (قبرص)، وبعدها إلى برجة بمفيلية (تركيا)، ثم برًا إلى أنطاكية بيسيدية (تركيا) وتلاها برًا إلى إيقونية (تركيا)، ثم برًا إلى لسترة (تركيا)، وهى بلد تيموثاوس الرسول تلميذ بولس والتى أقام فيها بولس المقعد وتعرض للرجم. وبعد ذلك اتجه برًا إلى دربة (تركيا) ومنها إلى لسترة (تركيا) برًا ثم برًا أيضا إلى أيقونية (تركيا) وبعدها برًا إلى أنطاكية بيسيدية (تركيا) ومنها إلى برجة (تركيا) برًا ثم برًا إلى أتالية (تركيا)، وبعد ذلك بحرًا إلى سلوكية (سوريا)، وأخيرًا عاد إلى أنطاكية (سوريا) برًا حيث بدأت الرحلة. استغرقت هذه الرحلة الفترة من سنة 45م إلى سنة 48م، وذكرت فى الإصحاحات (13-14) من هذا السفر. ? عظيم هو تخطيط الروح القدس الذى إذا سلم له الإنسان حياته صنع ثمرًا عظيما. فاطلب مشورة الله قبل أى عمل، وارفع صلوات كثيرة واقرنها بالصوم قدر ما تستطيع خاصة قبل الأعمال الكبيرة. (2) التبشير فى قبرص (ع4-12): 4فَهَذَانِ، إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِى الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. 5وَلَمَّا صَارَا فِى سَلاَمِيسَ، نَادَيَا بِكَلِمَةِ اللهِ فِى مَجَامِعِ الْيَهُودِ؛ وَكَانَ مَعَهُمَا يُوحَـنَّا خـَادِمًا. 6وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلًا سَاحِرًا، نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا، اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7كَانَ مَعَ الْوَالِى سَرْجِيُوسَ بُولُسَ وَهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ. فَهَذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ، وَالْتَمَسَ أَنْ يَسْمَـعَ كَلِمَـةَ اللهِ. 8فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ، لأَنْ هَكَذَا يُتَرْجَمُ اسْمُهُ، طَالِبًا أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِىَ عَنِ الإِيمَانِ. 9وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِى هُوَ بُولُسُ أَيْضًا، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَشَخَصَ إِلَيْهِ، 10وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقـِيمَةَ؟ 11فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لاَ تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ. فَفِى الْحَالِ، سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ. 12فَالْوَالِى حِينَئِذٍ، لَمَّا رَأَى مَا جَرَى، آمَنَ، مُنْدَهِشًا مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ. ع4: من الروح القدس: تأكيد أن الله أرسلهما، وليست إرساليتهما من أنفسهما. سلوكية: ميناء لأنطاكية على نهر العاصى يبعد حوالى 16 ميلا غربا عن أنطاكية. قبرس: جزيرة بالبحر الأبيض المتوسط تتبع الإمبراطورية الرومانية، فيها كثير من اليهود، وتميزت بالخصب والرفاهية آنذاك وهى قبرص الحالية. جاء الرسولان إلى جزيرة قبرص لأنها محل ميلاد برنابا (ص4: 36) وبعض مؤمنى أنطاكية ولا تبعد كثيرًا عنها (حوالى 50 ميلاً)، فبدأ التبشير بها. ع5: سلاميس: مدينة فى جنوب شرق قبرص وهى أهم موانيها التجارية. كعادة الرسولين، بدا المناداة بالبشارة لليهود فى المجمع بسلاميس وكان معهما مارمرقس الملقب يوحنا تلميذا لكليهما. ع6: اجتازا الجزيرة: اتجها من سلاميس فى جنوب شرق الجزيرة إلى الغرب نحو بافوس وهى مسافة حوالى 100 ميلاً، مع العلم أن طول الجزيرة كلها 150 ميلا، فمرا فى الغالب ببلادها يبشران بالمسيح حتى وصلا إلى بافوس. بافوس: ميناء فى الجنوب الغربى من جزيرة قبرص، اشتهرت بعبادة الإله زهرة وفيها مركز السلطة الرومانية. باريشوع: معنى اسمه ابن يشوع. عبر بولس وبرنابا الجزيرة برًا إلى بافوس، حيث وجدا يهوديًا يدعى النبوة ويعمل بالسحر اسمه باريشوع. ع7: كان مع الوالى: كان باريشوع أحد مشيرى الوالى المقربين، لأن سرجيوس كان محبًا للمعرفة فاهتم بنبوات باريشوع وسحره. دعا برنابا وشاول: عندما بدأ الرسولان فى التبشير، سمع الوالى المحب للمعرفة بهما، فأراد أن يعرف التعليم الجديد الذى يبشران به. يسمع كلمة الله: باعتبارها تعليم جديد يريد أن يتعرف عليه. كان الوالى سرجيوس رجلا يبحث عن الحق، فانبهر بمعجزات ذلك الساحر رغم أنه كان فيلسوفا ومفكرًا، ولما حضر بولس وبرنابا طلب منهما أن يسمعاه رسالتهما. ع8: قاومهما: بالمجادلة والاستهزاء معتمدًا على ثقة الوالى به. عليم: أى كثير العلم وهو اسم ولقب أرامى للساحر باريشوع وله معناه باللغة العربية. يفسد الوالى عن الإيمان: بدأ الوالى يقتنع ببشارة الرسولين، فحاول الساحر تشويش أفكاره وتشكيكه حتى لا يؤمن بالمسيح. ع9: شاول الذى هو بولس: كان له اسمان ومن هنا دُعَىِ اسمه بولس وهو الاسم اللاتينى له لأنه بدأ تبشير الأمم، فاستحسن أن يكون اسمه مقبولاً عندهم. شخص إليه: نظر بقوة نحوه ليحكم عليه ويعاقبه ولينبه الحاضرين إلى ما سيقوله له. هنا نرى شاول (الاسم العبرى ومعناه المطلوب) واسمه اللاتينى بولس (أى الصغير)، يمتلئ من الروح القدس الذى يؤازره فى خدمته، ويتقدم للمرة الأولى على برنابا فى التصرف. ع10: كل غش: اعتمد الساحر على الخداع ليقنع سامعيه بكلامه. ابن إبليس: لأن الشيطان كذاب وأبو الكذاب. عدو كل بر: يقاوم كلام البر الذى يبشر به الرسولان ويحاول إبعاد الناس عن الإيمان والتقوى. ألاتزال: سؤال استنكارى لتوبيخ عليم لأجل تماديه فى الشر. أعلن بولس خبث ذلك الساحر وشره، ومقاومته لعمل الله الصادق. ع11: يد الرب عليك: يعاقبك الله لتتوب. إلى حين: فترة مؤقتة لعله يتوب. ضباب: صار نظره ضعيفا جدًا. ظلمة: فقد نظره تمامًا. ملتمسا من يقوده: عجز عن التحرك وحده، لعل شعوره بضعفه يقوده للتوبة ورفض الكبرياء. طلب بولس من الله أن يصاب عليم الساحر بالعمى إلى حين حتى يتوب، فصار فورًا يتخبط فى الظلام محرومًا من النور، كما كان يريد أن يحرم الوالى من نور الإيمان، ولم يعرف كيف يتحرك. ع12: مندهشًا: من قوة بشارة الرسولين والتنفيذ الفورى للعقوبة على أكبر سحرته ومشيريه، متأكدًا من صدق التعليم الجديد لتفوقه وقوته الظاهرة على تعليم الساحر المخادع. ? حقًا ما يزرعه الإنسان فإياه يحصد.. فمن أضاء سبيل الآخرين أضاء الله سبيله، ومن عمل على ضلالهم عاد عليه ضلاله. فاهتم بعمل الخير ومساعده من حولك، وابعد عن الإدانة وأى شر مهما كان مقنعًا أو الظروف المحيطة بك تساعد عليه وثق أن الخير يكافأ فى النهاية ببركات كثيرة جدًا. (3) الخدمة فى أنطاكية بيسيدية (ع13-41): 13ثُمَّ أَقْلَعَ مِنْ بَافُوسَ بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَتَوْا إِلَى بَرْجَةِ بَمْفِيلِيَّةَ. وَأَمَّا يُوحَنَّا، فَفَارَقَهُمْ وَرَجَعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 14وَأَمَّا هُمْ، فَجَازُوا مِنْ بَرْجَةَ، وَأَتَوْا إِلَى أَنْطَاكِيَةِ بِيسِيدِيَّةَ، وَدَخَلُوا الْمَجْمَعَ يَوْمَ السَّبْتِ وَجَلَسُوا. 15وَبَعْدَ قِرَاءَةِ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ الْمَجْمَعِ قَائِلِينَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ كَلِمَةُ وَعْظٍ لِلشَّعْبِ، فَقُولُوا. 16فَقَامَ بُولُسُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ وَالَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ، اسْمَعُوا. 17إِلَهُ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ هَذَا اخْتَارَ آبَاءَنَا، وَرَفَعَ الشَّعْبَ فِى الْغُرْبَةِ فِى أَرْضِ مِصْرَ، وَبِذِرَاعٍ مُرْتَفِعَةٍ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا. 18وَنَحْوَ مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، احْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ فِى الْبَرِّيَّةِ. 19ثُمَّ أَهْلَكَ سَبْعَ أُمَمٍ فِى أَرْضِ كَنْعَانَ، وَقَسَمَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ بِالْقُـرْعَةِ. 20وَبَعْدَ ذَلِكَ، فِى نَحْوِ أَرْبَعِمِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، أَعْطَاهُمْ قُضَاةً حَتَّى صَمُوئِيلَ النَّبِىِّ. 21وَمِنْ ثَمَّ طَلَبُوا مَلِكًا، فَأَعْطَاهُمُ اللهُ شَاوُلَ بْنَ قَيْسٍ، رَجُلًا مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً. 22ثُمَّ عَزَلَهُ، وَأَقَامَ لَهُمْ دَاوُدَ مَلِكًا، الَّذِى شَهِدَ لَهُ أَيْضًا، إِذْ قَالَ: "وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلًا حَسَبَ قَلْبِى، الَّذِى سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِى." 23مِنْ نَسْلِ هَذَا، حَسَبَ الْوَعْدِ، أَقَامَ اللهُ لإِسْرَائِيلَ مُخَلِّصًا: يَسُوعَ. 24إِذْ سَبَقَ يُوحَنَّا، فَكَرَزَ قَبْلَ مَجِيئِهِ، بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. 25وَلَمَّا صَارَ يُوحَنَّا يُكَمِّلُ سَعْيَهُ، جَعَلَ يَقُولُ: "مَنْ تَظُنُّونَ أَنِّى أَنَا؟ لَسْتُ أَنَا إِيَّاهُ، لَكِنْ هُوَذَا يَأْتِى بَعْدِى، الَّذِى لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أَحُلَّ حِذَاءَ قَدَمَيْهِ." 26 أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ بَنِى جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِينَ بَيْنَكُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، إِلَيْكُمْ أُرْسِلَتْ كَلِمَةُ هَذَا الْخَلاَصِ. 27لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِى أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هَذَا. وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِى تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ. 28وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ، طَلَبُوا مِنْ بِيلاَطُسَ أَنْ يُقْتَلَ. 29وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِى قَبْرٍ. 30وَلَكِنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 31وَظَهَرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، الَّذِينَ هُمْ شُهُودُهُ عِنْدَ الشَّعْبِ. 32وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِى صَارَ لآبَائِنَا، 33إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هَذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضًا فِى الْمَزْمُورِ الثَّانِى: "أَنْتَ ابْنِى، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ." 34إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ، فَهَكَذَا قَالَ: "إِنِّى سَأُعْطِيكُمْ مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّـادِقَةَ." 35وَلِذَلِكَ قَالَ أَيْضًا فِى مَزْمُورٍ آخَرَ: "لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا." 36لأَنَّ دَاوُدَ، بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ اللهِ، رَقَدَ وَانْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرَأَى فَسَادًا. 37وَأَمَّا الَّذِى أَقَامَـهُ اللهُ، فَلَـمْ يَرَ فَسَادًا. 38فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهَذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، 39وَبِهَذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى. 40فَانْظُرُوا، لِئَلاَّ يَأْتِىَ عَلَيْكُمْ مَا قِيلَ فِى الأَنْبِيَاءِ: 41"اُنْظُرُوا أَيُّهَا الْمُتَهَاوِنُونَ وَتَعَجَّبُوا، وَاهْلِكُوا، لأَنَّنِى عَمَلًا أَعْمَلُ فِى أَيَّامِكُمْ، عَمَلًا لاَ تُصَدِّقُونَ إِنْ أَخْبَرَكُمْ أَحَدٌ بِهِ." ع13: برجة بمفيلية: بمفيلية مقاطعة فى غرب كيليكية بتركيا الحالية، ومدينة برجة هى عاصمة بمفيلية. انتقل الرسولان بحرًا إلى سواحل تركيا، وهنا فارق مارمرقس الرسولين وعاد إلى أورشليم وتركهما. ولم يذكر لوقا سبب المفارقة، ولكن نعلم فيما بعد أن بولس الرسول تضـايق من هذا، أما برنابا فالتمس العذر له واختلف مع بولس بعد فترة بسبب ما فعله مرقس (ص15: 37-39)، ولكن بولس الرسول عاد وأظهر محبته وثقته فيه (2تى4: 11). ع14: بيسيدية: مقاطعة تقع شمال برجة وعاصمتها مدينة أنطاكية، وهى غير مدينة أنطاكية التى تقع فى سوريا، والطريق إليها من برجة جبلى وعر وفيه لصوص كثيرون، فكان الرسولان معرضين لأخطار كثيرة احتملاها متكلين على الله. دخلوا المجمع: كانت مدينة أنطاكية بيسيدية فيها عدد كبير من اليهود واليونانيين المتهودين. جلسوا: فى مكان جلوس المعلمين، إذ كان معتادًا أن يمر وعاظ ومعلمون يهود على المجامع فى البلاد المختلفة ويعظون بها. تحرك بولس وبرنابا ومن معهم مجتازين ببرجه دون أن يبشروا بها، وجاءوا إلى أنطاكية بيسيدية ودخلوا المجمع ليبدأوا الكرازة به كعادتهم. ع15: الرجال الأخوة: ظهر على الرسولين من هيئتهما وملابسهما أنهما غريبان ولكن بدت عليهما المعرفة، وجلوسهما فى مكان المعلمين أظهر أنهما يهودان فاهمان فى الأسفار المقدسة وقادران على التعليم. بعد القراءة من أسفار موسى والأنبياء، طلب منهما رؤساء المجمع أن يعظا إن أرادا. ع16: فقام بولس: يستمر هنا تقدم بولس فى الكلام والوعظ عن برنابا مع أن الأخير معروف بالوعظ، ولكن بولس تفوق واشتهر عنه. أشار بيده: ليصمتوا وينتبهوا إلى ما سيقوله. الإسرائيليون: اليهود بنى إسرائيل. الذين يتقون الله: اليونانيون الدخلاء الذين يحبون سماع التعاليم اليهودية ولم يتهودوا بعد. بدأ بولس أول عظة مسجلة له فى الكتاب المقدس، وهى تشبه إلى حد كبير عظة الشهيد استفانوس، إذ تستعرض تاريخ الأمة اليهودية كله حتى مجىء المسيح وصلبه وقيامته. ع17-18: اختار آباءنا: تكلم بولس كيهودى، فدعى الآباء آباءنا، ويقصد بالآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب وأولاده الإثنى عشر. رفع الشعب: باركهم بكثرة النسل والقوة. بذراع مرتفع: يقصد الضربات العشر وشق البحر الأحمر. عوائدهم: تذمراتهم ومحاولتهم الرجوع إلى مصر ورفض دخول أرض الميعاد. تحدث بولس عن اختيار الله لإبراهيم ونسله وغربتهم فى مصر وخروجهم منها بمعجزات الله، ثم رحلتهم فى البرية أربعين سنة والتى امتلأت تذمرًا. ع19: عندما وصل بنو إسرائيل أرض الموعد فى كنعان، قسم لهم يشوع أرض سبع أمم هم، الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، بعد أن أهلك هذه الشعوب. وكانت أرض كنعان هى الأرض المنخفضة غرب الأردن، وأرض آرام هى الأرض المرتفعة شرق الأردن. ع20: لم يطرد بنو إسرائيل كل سكان الأرض الأشرار متهاونين فى تنفيذ وصايا يشوع، فقاموا عليهم واحتلوهم وأذلوهم، فصرخوا إلى الله الذى أرسل لهم قضاة حرروهم وكان ذلك فيما يسمى بعصر القضاة الذى استغرق 450 عامًا، وآخر هؤلاء القضاة هو صموئيل النبى. ع21: طلب بنو إسرائيل من صموئيل أن يختار لهم ملكًا، فغضب ووبخهم لأن الله هو ملكهم ولكن الله وافق ليرضيهم، وأعطاهم شاول البنيامينى الذى طلبوه وحكمهم 40 سنة. ع22: رفض الله شاول الملك بشره، ومسح داود بيد صموئيل ملكًا. وكان داود مطيعًا لله وقلبه نقى مثله ويسلك بمشيئته. ع23: وعد الله أن يقيم مخلصا من نسل داود، وتمم هذا فأعطى لشعبه إسرائيل يسوع المسيح مخلصًا (2صم7: 12، 13، 16، مز89: 36-37). وهذه الآية هى هدف عظة بولس الرسول وما قبلها تمهيد لها. ع24-25: يكمل سعيه: يكمل خدمته وبشارته بعد تعميده الناس للتوبة. يوحنا المعمدان، المعروف عند جميع اليهود بعظمته وصدق كلماته، مَهَّد لمجىء يسوع المسيح بمعمودية التوبة، معترفًا بضعفه أمام المسيح العظيم الآتى بعده. ع26: الإخوة: تعبير محبة لطيف لليهود السامعين يجتذبهم إلى الإيمان. بنى جنس إبراهيم: اليهود الذين يعتزون ببنوتهم لإبراهيم. بينكم يتقون الله: يقصد اليونانيين الدخلاء الذين يحبون سماع التعاليم اليهودية أى الأمم المحبين لله. كلمة هذا الخلاص: التبشير بالمسيح المخلص. بدأ بولس بلطف يدعو سامعيه من اليهود والأمم أن يقبلوا الإيمان بالمسيح المخلص. ع27: لم يعرفوا هذا: لم يفهموا أن يسوع هو المسيا المنتظر، لأنهم ظنوا أن المسيا ملك أرضى وليس روحيًا. أقوال الأنبياء: التى تظهر أن المسيا سيتألم ويموت عن شعبه. حكموا عليه: أنه مستوجب الموت. رفض اليهود الساكنين فى أورشليم، حيث الهيكل، الإيمان بيسوع المسيح واضطهدوه بل حكموا عليه بالموت، وبهذا تمموا نبوات الأنبياء. ع28: حاول يهود أورشليم اصطياد أى خطأ على المسيح طوال حياته فلم يجدوا، وثبت بره وبراءته ومع هذا، فى شرهم، طلبوا من بيلاطس الوالى قتله. ع29: الخشبة: الصليب بعدما أكمل رؤساء الكهنة الاتفاق مع يهوذا تلميذ المسيح على تسليمه، قبضوا عليه وضربوه واستهزأوا به وصلبوه حتى مات ودفن فى القبر. ع30: ظن اليهود أنهم تخلصوا من المسيح، لكنهم فوجئوا بقيامته فى اليوم الثالث. وقد قال: الله أقامه، ويعنى بذلك أن الأب بإرادته والابن بلاهوته هو من أقاما جسده من الموت فى اليوم الثالث. ع31: أيامًا كثيرة: أربعون يومًا. الذين صعدوا معه من الجليل: الإثنا عشر والرسل وكثير من تلاميذه وتابعيه. أكد المسيح قيامته بظهوره مرات كثيرة خلال أربعين يومًا بعد قيامته لتلاميذه الذين يكرزون باسمه ويشهدون بقيامته. ع32: الموعد: وعد الله لإبراهيم وإسحق ويعقوب وكل آباء الأمة اليهودية بالمسيا المنتظر. كما كرز الرسل فى أورشليم واليهودية، يكرز الآن بولس وبرنابا فى أنطاكية بيسيدية لتحقيق وعد الله بالخلاص للعالم كله فى المسيح يسوع. ع33: استشهد بولس بالمزمور الثانى الذى تحدث عن ألوهية المسيح، وأنه الأزلى ابن الله والذى ولد كإنسان متجسد فى زمان محدد ليخلص العالم، هذا قد تممه الله لنا فى هذه الأيام بفداء المسيح وموته وقيامته. ع34: يعود أيضا إلى فساد: لا يموت ثانية مثل القائمين من الأموات أمثال لعازر وابنة يايرس وابن أرملة نايين. مراحم داود: وعود الله لداود للخلاص الذى يتم فى المسيح ونناله فى كنيسة العهد الجديد. قام المسيح من الأموات قيامة لا موت بعدها ليمتع البشر بمراحم المسيح بن داود. ع35-37: ذكر داود فى (مز16: 10) أن جسده أى جسد المسيح لن يرى فسادًا، وطبعًا هذا عن المسيح وليس عن داود، الذى مات ودفن مع آبائه وتحلل جسده بعد أن أتم خدمته كملك، أما المسيح فهو الذى قام ولم يرَ فسادًا. ع38-39: فليكن معلومًا: إظهارًا لأهمية الأقوال التالية. بهذا: الإيمان بالمسيح. ناموس موسى: يبين الخطية وعقابها ومكافأة تنفيذ الوصية، ولكنه يعجز عن تبرير الإنسان، فالذى يبررنا هو المسيح فقط بدمه. هذه هى رسالة الغفران، أى النجاة من العقاب، والتبرير، أى البراءة والإنقاذ من الشر. وهكذا ننجوا به من سلطان الخطية اليومى ومن عقابها الأبدى، الأمر الذى عجز الناموس عن منحه لنا. ع40-41: المتهاونون: الرافضون طاعة كلام الله سواء أيام حبقوق أو البشارة بالمسيح. تعجبوا: لا تصدقون وتفهمون. اهلكوا: نزول العقاب الإلهى على اليهود أيام حبقوق، أو قتل اليهود عام 70م بأورشليم. عملاً أعمل فى أيامكم: الهلاك الذى يتم لرافضى الإيمان. عملا لا تصدقون إن أخبركم أحد به: هلاك فظيع لرافضى كلام الله سواء بالسبى البابلى أيام حبقوق أو الهلاك بتدمير الهيكل وأورشليم عام 70م، وكل هذا إنذار للعذاب الفظيع فى النار الأبدية. حذرهم بولس الرسول من التهاون بالرسالة لئلا يتم فيهم قول الأنبياء فى "حب1: 5" عن المتهاونين فى حياتهم مع الله فأتى عليهم السبى البابلى تأديبا لهم، وللأسف لم يصدقوا نبوته حتى هلكوا فعلا بيد البابليين. ونلاحظ أنه بعد عشرين سنة من هذه العظة حل الهلاك والخراب بأورشليم على يد الرومان. هذه رسالة الخلاص المقدمة لنا لفائدتنا. ? إن الله يناديك لتتوب، فلا ترفض صوته المرسل لك فى الكتاب المقدس وعلى فم الآباء والمعلمين فى الكنيسة. إن فرصة التوبة متاحة الآن لتتمتع بغفرانه، بل يفيض عليك بنعمته وينقذك من الهلاك الأبدى. (4) مقاومة بولس فى أنطاكية بيسيدية (ع42-52): 42وَبَعْدَ مَا خَرَجَ الْيَهُودُ مِنَ الْمَجْمَعِ، جَعَلَ الأُمَمُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمَا أَنْ يُكَلِّمَاهُمْ بِهَذَا الْكَلاَمِ فِى السَّبْتِ الْقَادِمِ. 43وَلَمَّا انْفَضَّتِ الْجَمَاعَةُ، تَبِعَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالدُّخَلاَءِ الْمُتَعَبِّدِينَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا، اللَّذَيْنِ كَانَا يُكَلِّمَانِهِمْ وَيُقْنِعَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِى نِعْمَةِ اللهِ. 44وَفِى السَّبْتِ التَّالِى، اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْمَدِينَةِ تَقْرِيبًا لِتَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ. 45فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودُ الْجُمُوعَ، امْتَلأُوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ، مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ. 46فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالاَ: كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَوَّلًا بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكِنْ، إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَـمِ. 47لأَنْ هَكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: "قَدْ أَقَمْتُكَ نُورًا لِلأُمَـمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاَصـًا إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ." 48فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذَلِكَ، كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ، وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، 49وَانْتَشَرَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ فِى كُلِّ الْكُورَةِ. 50وَلَكِنَّ الْيَهُودَ حَرَّكُوا النِّسَاءَ الْمُتَعَبِّدَاتِ الشَّرِيفَاتِ وَوُجُوهَ الْمَدِينَةِ، وَأَثَارُوا اضْطِهَادًا عَلَى بُولُسَ وَبَرْنَابَا، وَأَخْرَجُوهُمَا مِنْ تُخُومِهِمْ. 51أَمَّا هُمَا، فَنَفَضَا غُبَارَ أَرْجُلِهِمَا عَلَيْهِمْ، وَأَتَيَا إِلَى إِيقُونِيَةَ. 52وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ، فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. ع42: بعد انتهاء العظة، تأثر السامعون، وخاصة الأمميين أى اليونانيين المتعبدين الذين يحبون حضور مجامع اليهود والاستماع إلى الوعظات ولكنهم لم يتهودوا بعد، وعبروا عن أشواقهم للتعليم الجديد بطلبهم من الرسولين أن يكملا تعليمهما السبت القادم، وهو ميعاد الاجتماع الأسبوعى فى المجمع. ع43: الدخلاء المتعبدين: اليونانيين المحبين لسماع التعاليم اليهودية فى المجمع. لم ينتظر السامعون المعجبون بكلام الرسولين السبت القادم لسماع الكلام عن المسيح، بل تبعوا الرسولين وكان التابعون ليسوا فقط من الأمم بل أيضا من اليهود، فكانوا يذهبون إليهما فى المنزل الذى أقاما فيه لسماع تعاليمهما، أما الرسولين فانتهزا هذه الفرص وأخذا يثبتان إيمانهم بالمسيح الذى بدأ داخلهم. ع44-45: كل المدينة: ليس فقط اليهود بل الأمم الوثنيين أيضا، فمعظم المدينة سكانها من الوثنيين. غيرة: إذ شعروا أن التعاليم اليهودية لم تجذب الوثنيين مثل التعليم الجديد، ولأنهم يعتبرون اليهود متميزين عن الأمم فكيف يتساوون الآن فى الإيمان المسيحى. يقاومون: يقدمون أدلة ضد التعليم الجديد للتشكيك فيه. مناقضين: إعلان أن التعليم الصحيح هو اليهودى وإظهار خطأ التعليم الجديد. مجدفين: معلنين أن المسيا المنتظر ليس هو يسوع الضعيف الذى تألم ومات. عندما اجتمع أناس كثيرون جدًا فى السبت التالى بالمجمع، غار اليهود من نجاح الرسولين، وبدأوا يقاومونهما ويجدفون على البشارة. ع46-47: فجاهر: لم يخاف بل أعلن التعليم الصحيح وخطر اليهود فى مقاومتهم له. تكلموا أنتم أولاً: إرادة الله أن يبشر اليهود أولاً بالمسيح، لأنهم شعب الله العارفين بالنبوات ومنتظرين المسيا فيكون لهم استعداد أكبر للإيمان. دفعتموها عنكم: رفضتم الإيمان. غير مستحقين للحياة الأبدية: ستنالون عقاب رفض الإيمان وهو العذاب الأبدى. نتوجه إلى الأمم: التركيز على البشارة للأمم. نورًا للأمم: المسيح نور العالم كله، ورسله وخدامه يبشرون به الأمم فيخرجونهم من ظلمة الخطية إلى نور الإيمان. خلاصا إلى أقصى الأرض: خلاص المسيح مقدم للعالم كله وليس لليهود فقط. واجههم الرسولان بأن رفضهم لكلمة الله يؤكد عدم استحقاقهم لها، وأنهما سيبشران الأمم بحسب نبوة إشعياء النبى (إش49: 6) بحق الأمم فى الخلاص. ع48-49: ذلك: أى الخلاص مقدم للأمم كما لليهود. يمجدون كلمة الرب: تمسكوا بالإيمان وشكروا الله. فرح الأمم جدًا وآمن كثيرون كانوا معروفين لدى الله بسابق علمه، ولهم نصيب فى الحياة الأبدية، وانتشرت كلمة الرب فى المنطقة. ع50: حركوا: تكلموا على الرسولين وأظهروا خطأ تعاليمهما، وأثاروا النساء وولاة المدينة ضدهم. النساء المتعبدات: الوثنيات الأصل ويهتمون بحضور مجمع اليهود وسماع تعاليمه، سواء صرن يهوديات أو ما زلن وثنيات ويحببن فقط سماع التعاليم اليهودية. الشريفات: الغنيات ذوات المركز الكبير فى المجتمع. وجوه المدينة: عظماء وكبار المدينة الذين يؤثرون فى قيادة المجتمع، وهم غالبًا أقرباء أو معارف للنساء الشريفات فيتأثرون بكلامهن. اضطهادًا: بشكل توبيخ واستهزاء. أخرجوهما: طردوهما من المدينة باحتقار. دفع اليهود بعض النساء من الأمم ممن لهن مركز فى المجتمع، فأثاروا اضطهادًا على الرسولين وطردوهما من المدينة. ع51: عليهم: شهادة على اليهود الذين طردوهم أنهم يرفضون الإيمان. أيقونية: مدينة فى آسيا الصغرى جنوب شرق أنطاكية بيسيدية وتبعد 50 ميل عن أنطاكية. أتم الرسولان وصية المسيح بنفض غبار أرجلهما عن المدينة (لو9: 5)، إعلانًا منهما أنهما لا يبغيان أى مصلحة شخصية من البشارة، فلم يأخذا شيئا من المدينة حتى تراب الأرض، ثم جاءا إلى أيقونية بتركيا أيضًا. ع52: التلاميذ: الذين آمنوا بالمسيح وصاروا من تلاميذه، إذ كان المسيحيون يسموا تلاميذًا. كان المؤمنون الجدد فى غاية الفرح بالإيمان وبعمل الروح القدس رغم الضيق والاضطهاد. ? مسيحيتنا كفيلة بأن تبهج قلوبنا مهما وجدنا من متاعب فى العالم. فلنتمسك بوصايا الله حتى لو عارضنا الآخرون، ونقدم محبتنا وخدمتنا للكل بلا توقف فهى تكسب القلوب فى النهاية.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح