كلمة منفعة
يظل الإنسان مخفيًا، غير معروفة دواخله، غير معروفة حقيقة نفسه، إلى أن يدخل في محك الخبرة العملية، فتكشفه..
— يكشف عنصره
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 9 انجيل معلمنا لوقا الإصحاح رقم 9 الأصحاح التاسع : صديقنا السماوي والتلاميذ إن كنَّا قد رأينا في السيِّد المسيح الصديق المُحب لكل البشر، العامل بلا انقطاع لنقبل صداقته معنا وفينا، فإن هذا الأصحاح يقدِّم لنا غاية هذه الصداقة ألا وهو تجلِّيه في مؤمنيه وخدَّامه ليُعلن طبيعته السماويَّة في حياتنا. لقد افتقر لأجلنا ودخل معنا الآلام لكي يحملنا إلى غناه ومجدِه السماوي. لم يقدِّم السيِّد أمجاد تجلِّيه دُفعة واحدة، لكنه إذ اختار الاثنى عشر تلميذًا تجلَّى في حياتهم خطوة خطوة ليعلن سلطان ملكوته خلال إرساليَّتهم بلا إمكانيَّات زمنيَّة لكنهم يحملون سلطانه في شفاء النفوس والأجساد. وهبهم أن يلمسوا تجلِّيه وإمكانيَّاته السماويَّة خلال رُعب هيرودس منه من بعيد. وشبَع الجموع الجائعة، وإعلان الآب عن شخصه لسمعان بطرس، وأخيرًا إذ حدَّثهم عن الصليب حمل معه ثلاثة من تلاميذه ينعمون عيانًا ببهائه على جبل تابور. بعد هذا التجلِّي المنظور خشيَ عليهم من الكبرياء فحدَّثهم عن الالتزام بالصليب والسلوك بروح التواضع مع خدمة الآخرين خلال الطريق الضيِّق. 1. إرساليَّة التلاميذ 1-6. 2. اضطراب هيرودس 7-9. 3. التلاميذ وإشباع الجموع 10-18. 4. التلاميذ والتعرف على شخصه 19-21. 5. التلاميذ والصليب 22-27. 6. التلاميذ ومجد التجلي 28-36. 7. التلاميذ وإخراج الأرواح الشرِّيرة 37-43. 8. التلاميذ وتسليم ابن الإنسان 44-45. 9. التلاميذ والتواضع 46-48. 10. التلاميذ وخدمة الآخرين 49-50. 11. التلاميذ والنار من السماء 51-56. 12. شروط التلمذة للسيِّد 57-62. 1. إرساليَّة التلاميذ سبق لنا الحديث عن هذه الإرساليَّة أثناء تفسير مت 10: 1، مر 6: 7، لذا نكتفي هنا بإبراز أن السيِّد المسيح كصديقٍ سماويٍ نزل إلى أرضنا وحّل بيننا، واختار له تلاميذ من بين الأمميِّين ليتجلَّى فيهم معلنًا ذاته خلال إمكانيَّاته التي قدَّمها لهم، هذه الإمكانيَّات هي: أولاً: "ودعا تلاميذه الإثنى عشر"، هذه الدعوة الإلهيَّة للتلمذة لا تحمل قسرًا أو إلزامًا لقبولها عُنوة، إنما هي عرض حِبّي من الله نحو مُحبوبيه. لكنها في عيني قابليها تمثِّل توكيلاً، خلاله يعمل الوكيل باسم موكِّله ولحسابه وبإمكانيَّاته. فالتلاميذ خلال هذه الدعوة قبَلوا مركزًا جديدًا هو "الوكالة"، يعملون كوكلاء أسرار الله. ثانيًا: "وأعطاهم قوَّة وسلطانًا على جميع الشيَّاطين وشفاء أمراض" [1]. إذ أقامهم وكلاء أسراره لم يبخل عليهم بمنحهم قوته وسلطانه على جميع الشيَّاطين وشفاء أمراض. كثيرون لهم سلطان خلال مراكزهم كملوك أو رؤساء أو أشراف وقضاة، لكنهم لا يحملون في داخلهم قوَّة، فيُسيئون إلى مراكزهم كما إلى نفوسهم، أما السيِّد المسيح فقد وهبهم مع السلطان قوَّة. هذه القوَّة لا تقوم على مظاهر زمنيَّة خارجيَّة، إنما هي "روحه القدُّوس" الذي يسكن فيهم ويعمل بهم. لقد ادَّعى الشيطان لنفسه سلطانًا، يسنده في ذلك ضعف البشريَّة التي اِنحنت أمامه ليملك عليها، حتى دُعي "رئيس هذا العالم"، كما دُعِي بالقوي. لكن سلطانه قام على خداعه للبشر وضعف البشرية، وجاءت قوَّته خلال ضلاله واِنحرافه. وكان لزامًا للتلاميذ لكي يُجابهوا هذا العدو أن يحملوا سلطانًا مسنودًا بالقوَّة الإلهيَّة. ثالثًا:" وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله، ويشفوا المرضى" [2]. هذه الإمكانيَّة هي "قوَّة الكرازة بالملكوت"، ليست حديثًا فلسفيًا، ولا دعوة لسلوك تقوي فحسب، إنما هي تمتُّع بالملكوت في داخل النفس. بمعنى آخر الكرازة الرسوليَّة هبة يقدِّمها الروح القدس حين ينقل النفس من الظلمة إلى ملكوت النور، لتنعم خلال مياه المعموديَّة بالبنوَّة لله، وتحوِّل الموقع الداخلي إلى سماء مقدَّسة للرب. رابعًا: "وقال لهم: لا تحملوا شيئًا للطريق، لا عصى ولا مزودًا ولا خبزًا ولا فضَّة، ولا يكون للواحد ثوبان" [3]. إنه يسأل تلاميذه ممارسة الترك والتخلِّي، لا ليعيشوا في حرمان، وإنما ليكون لهم الرب نفسه كل شيء. والعجيب أنه قدَّم لهم القوَّة والسلطان ووهبهم قوَّة للكرازة وعمل الأشفية قبل أن يسألهم الترك؛ يأخذوه هو بكل إمكانيَّاته فيرفضوا الزمنيَّات بكل تفاهاتها. لقد سألهم ألا يحملوا شيئًا، لا عصى ولا مزودًا ولا خبزًا ولا فضَّة ولا يكون لهم ثوبان، وصيَّة تليق بمن يدخل هيكلاً أو مقدَّسا للرب، فلا يحمل معه شيئًا من أمور هذا العالم، حتى لا يرتبك في شيء أو ينشغل بغير الله. هكذا يليق بالتلاميذ أن تصير حياتهم كلها وكأنها "وجود مع الله في مقدِسه"، يشعرون على الدوام - أينما وُجدوا كمن في مُقدَّسات إلهيَّة. ليهبنا الله هذا الشعور الذي يملأ القلب مخافة مقدَّسة، ويرفع النفس لتحيا كمن تجلس في السماء، لا ترتبك بحِمل أمور هذه الحياة، ولا تحتاج إلى عصا أو مزود أو خبز أو فضَّة ولا تطلب ثوبين. خامسًا: "وأيّ بيت دخلتموه فهناك أقيموا، ومن هناك اُخرجوا" [4]. لقد وهبهم أيضًا عطيَّة العضويَّة مع بعضهم البعض في جسدٍ واحدٍ، فإذ يجد الرسول بيوت المؤمنين مفتوحة له بكونها منازله الخاصة به، يقيم في أي بيت بلا كُلفة الضيافة، إنما يعيش كواحدٍ من أعضاء الأسرة، يشاركهم طعامهم اليومي العادي، ويبقى هناك حتى يخرج من المدينة. لعلَّ هذه الوصيَّة أيضًا تقدَّم للخادم اِلتزامًا بالجديَّة في العمل، فلا يستغل محبَّة الناس له في المسيح ويحوِّلها إلى مجاملات، فتتحوَّل حياته إلى ولائم عِوض التركيز على نشر كلمة الله والكرازة بإنجيله. عدم التنقُّل من بيت إلى بيت ينزع عن العائلات روح المنافسة في واجبات الضيافة، الأمر الذي يشتهر به الشرق حتى يومنا هذا. أخيرًا ربَّما أراد بهذا أن يكون هذا البيت نواة لإِنشاء كنيسة للمدينة، حيث يعتاد المؤمنون أن يلتقوا بالرسل فيه، وهناك يتعبَّدون خاصة ممارسة سرّ الشركة أو الإفخارستيا في اليوم الأول من الأسبوع. هكذا إذ ينفتح أول بيت للرسول ينال هذه البركة، فإنه على العكس: "كل من لا يقبلكم فاُخرجوا من تلك المدينة، واُنفضوا الغبار أيضًا عن أرجلكم شهادة عليهم" [5]. هكذا فعل برنابا وشاول عند خروجهما من أنطاكية (أع 13: 50). ولعلَّه يقصد بذلك أن الأمور الزمنيَّة مهما سمت فهي كالغبار الذي لا موضع له إلا عند القدمين. فعندما يرفُض الناس الكلمة الروحيّة من الخادم، يرفض هو أيضًا منهم حتى أتفه الأمور الزمنيَّة! الكنيسة لا تطلب مالاً بل تنفضه كغبارٍ عن قدميها، إنما تطلب النفوس! وقد جاءت الكنيسة تشدِّد على الأساقفة والكهنة ألا يقبلوا عطايا الأشرار غير التائبين، وكأنها تنفض الغبار على عتبة أبوابهم شهادة عليهم حتى يتوبوا! يرى القدِّيس أمبروسيوس أن هذا الغبار يشير إلى الضعفات التي يليق بالراعي أن يحملها عن شعب الله، كقول الرسول: "من يضعف وأنا لا أضعف" (2 كو 11: 29)، لكن لا يترك الضعفات تلتصق به، بل يلقيها تحت قدَّميه، إذ يقول: [من واجب الكارز بالإنجيل أن يأخذ على عاتقه ضعفات المؤمنين الجسديَّة ويحملها بعيدًا ويسحقها تحت قدميه، هذه الأعمال البطَّالة التي تشبه الغبار.] 2. اضطراب هيرودس إن كان السيِّد قد وهب تلاميذه إمكانيَّات سماويَّة للعمل لحساب صديقهم السماوي، فقد أراد أن يكشف لهم خطوة بخطوة عن سلطانه وإمكانيَّاته، وها هو الإنجيلي لوقا يروي لنا كيف اضطرب هيرودس عند سماعه عن أخبار السيِّد المسيح وأعماله. لم يقف الأمر عند اضطرابه، وإنما أيضًا تغيَّرت أفكاره، فمع كونه صدُّوقيًا لا يعترف بالقيامة من الأموات إلا أنه أمام الأحداث قال: "يوحنا أنا قطعت رأسه، فمن هو هذا الذي أسمع عنه مثل هذا؟" [9]. لقد تشكَّك في الأمر وبدأ يفكِّر فيما يقوله الناس ألعلَّه يوحنا أو إيليَّا أو واحدًا من الأنبياء القُدامى قد قام؟ وقد بدأ ضميره يثور في داخله، فلم ينسب قتل يوحنا لخداع هيروديَّا أو ابنتها، ولا للسياف بل لنفسه، قائلاً: "أنا قطعت رأسه"، وكان يطلب أن يرى يسوع. هذا كله قد تحقَّق خلال سماع هيرودس لأعمال السيِّد المسيح، دون أن يتحدَّث معه أحد بكلمة توبيخ أو يكرز له ببشارة مفرحة. يمكننا أيضًا أن نقول إن كان صوت يوحنا المعمدان السابق للرب، الذي يهيئ الطريق قدَّامه لم يُخْمِد حتى بعد قتله، بل بقي عاملاً يُرعب قلب هيرودس، فكم بالأكثر كلمة المسيح نفسها والكرازة بها حين ينطق هو بها خلال تلاميذه؟ إنها كلمة - كما يقول الرسول بولس - لا تفيد! 3. التلاميذ وإشباع الجموع نال التلاميذ الدعوة وتمتَّعوا بقوَّة وسلطان، ورأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم عن هيرودس الذي ينهار مضطربًا. والآن يُعلن لهم الرب أنه هو مُشبع الجموع الجائعة زمانًا طويلاً. وقد سبق لنا الحديث عن إشباع الجموع (مت 14: 14-21، مر 6: 35-44)، لذا نكتفي هنا بإبراز النقاط التالية: أولاً: أراد السيِّد أن يختلي بتلاميذه منفردًا في مدينة بيت صيْدا، لكن الجموع إذ علموا تبعوه، فقبِلهم، وفي الأصل تعني الكلمة "قبِلهم" رحَّب بهم واستقبلهم. كان التلاميذ في حاجة أن ينفرد بهم السيِّد، لكن حتى هذا اللقاء المنفرد هو من أجل الشعب، فإن جاء يقابلهم الرب ببشاشة وترحاب. راحته وراحة تلاميذه في إراحة المتعبين، وإشباع النفوس الجائعة. ثانيًا: جاءت هذه المعجزة بعد اِختيار التلاميذ وإرساليَّتهم ليُعلن غاية الإرساليَّة هي "إشباع البشريَّة الجائعة". يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على موقع هذه المعجزة بين الأحداث التي حولها، قائلاً: [ما هو السبب الذي جعل البشير يذكر موت يوحنا المعمدان، إذ يشير هيرودس إلى موته [9]؟ ربَّما لأن الإنجيل الذي يُشبع الشعوب الجائعة بدأ بانتهاء الناموس. لقد قدَّم الغذاء بعد شفاء نازفة الدم رمز الكنيسة، وبعد إرساليَّة الرسل المُرسلين للكرازة بملكوت الله. تأمَّل من هم الذين تمتَّعوا بالوليمة؟ لم يتمتَّع بها الكسالى ولا الساكنون في المدينة كمن هم في المجمع ولا طالبو كرامات العالم، إنما يتمتَّع بها الباحثون عن المسيح في البرِّيَّة... هؤلاء يقبلهم المسيح، ويحدِّثهم لا عن العالم بل عن ملكوت السماوات. وإن كان من بينهم من غطَّت القروح جسده، يعطيهم الرب يسوع دواءه. لقد دبَّر الله أن يُنقذ الذين شفاهم من جراحاتهم المؤلمة من الجوع، ويهبهم الغذاء الروحي، إذ لا يستطيع أحد أن يتمتَّع بالوليمة السماويَّة إن لم يُشفَ أولاً. المدعوُّون للوليمة تمتَّعوا بالشفاء أولاً. فمن كان أعرج نال القوَّة للمشي ليأتِ عند الرب، ومن كان قد حُرم من نور عينيه لم يدخل بيت الرب إلا بعد عودة البصر إليه. هكذا يسير الرب بتدبير حسن مقدَّس في كل حين، إذ يعطي أولاً غفران الخطايا ودواء للجراحات ثم يهيئ الوليمة السماويَّة... القلوب الجائعة للإيمان الراسخ لا تُشبَع إلا بجسد المسيح ودمه.] ثالثًا: يقول الإنجيلي "والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم" [11]، إذ لم ينعم بالشفاء كل المرضى، إنما الذين يشعرون بالحاجة إلى الشفاء فيطلبون الطبيب. فطبيبنا سخي وقادر على الإبراء، لكنه لا يهب عطاياه إلا لسائليه، الذين يشعرون بالحاجة إليه، حتى لا يستخفُّوا بالعطيَّة ويحتقرونها. ربَّما تتساءل: أنا لا أشعر بمرضي، فماذا أفعل؟ اِفعل ما صنعتهُ الجموع، إذ سارت وراءه تريد أن تسمعه، فتجوع إليه وتشعر بالحاجة إلى الشبع، عندئذ حتى إن لم تسأله شيئًا، التلاميذ يسألونه، والرب نفسه يتكفَّل بإشباع اِحتياجاتهم. نحن نحتاج أن نجلس معه، ونسمع صوته خلال إنجيله، فنشعر بالحاجة إلى الشفاء وإلى الشبع. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [عندما يبدأ الإنسان في الاستماع يشعر بالجوع، ويرى الرسل جوعَهُ، فإنهم وإن كانوا لا يُشبِعون اِحتياجه، لكن المسيح يشبعه.] رابعًا: من باب العاطفة البشريَّة سأل التلاميذ السيِّد: "اِصرف الجمع ليذهبوا إلى القرى والضياع حوالينا، فيبيتوا ويجدوا طعامًا، لأننا ههنا في موضع خلاء" [12]. كانت عاطفة التلاميذ بشريَّة مجرَّدة وحساباتهم أيضًا بشريَّة، إذ ظنُّوا أن الأمر يحتاج إلى مالٍ كثيرٍ لشراء طعامٍ لهذا الشعب. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لم يكونوا بعد قد فهموا أن غذاء المؤمنين لا يُباع، أما المسيح فيعرف أنه ينبغي أن يتمِّم لنا الفداء، وأن وليمته مجانيَّة.] خامسًا: يُعلِّق القدِّيس أمبروسيوس على الغذاء الذي يقدِّمه لنا السيِّد المسيح حتى لا نخور في الطريق فلا نبلغ إلى الآب، معلنًا أن طعام الرب قوي يسند في الطريق، فإن خُرْنا، فالسبب هو فينا، أننا بإهمالنا نبدِّد القوَّة التي يهبنا إيَّاها. لقد اِستطاع إيليَّا أن يسير أربعين يومًا تسنده وجبة غذاء قدَّمها له الملاك ولم يَخُر كما سبق فخار في الطريق، أما وجبة المسيح فتسندنا كل أيَّام حياتنا. أخيرًا فقد سبق لنا دراسة المفاهيم الرمزيَّة لعدد الرجال الذين شبعوا (5000 رجل) وللخمس خبزات والسمكتين الخ. إنما ما نود توضيحه هنا أن التلاميذ إذ تقبَّلوا البركة من يديّ المخلِّص ليس فقط أشبعوا الجميع، إنما بقيَ إثنتا عشر قُفَّة مملوءة كِسَرًا، لكل منهم قُفَّة، شهادة عمليَّة لعمل الله معهم. حينما يقدِّم المؤمن للغير يشبع الآخرون، وتمتلئ يداه ببركات الرب، بمعنى أن العطاء يُزيد بركة الرب في حياتنا. 4. التلاميذ والتعرُّف على شخصه "وفيما هو يصلِّي على اِنفراد كان التلاميذ معه، فسألهم قائلاً: من تقول الجموع إنِّي أنا؟" [18] إذ اِلتقَت به الجموع تحدَّث معها، وشفى جراحاتها، وقدَّم لها طعامًا يشبعها، أما تلاميذه فدخل بهم معه إلى خُلْوة اِنفراديَّة لعلَّهم إذ يروه يصلِّي يستطيعون إدراك علاقته الفريدة مع أبيه. لقد صلَّى وكانوا معه، ليعلِّمهم الصلاة كطريقٍ للتمتُّع بأسرار الآب والابن، لذا جاء السؤال: من تقول الجموع إني أنا؟ لكي يعود فيسألهم: وأنتم من تقولون إنِّي أنا؟ إن كنَّا مع الجموع ننعم بأعماله العجيبة ونشبع ونرتوي، فإنه يريدنا أن نلتقي معه على اِنفراد نتمتَّع بأسراره الإلهيَّة، إذ يريد أن يقدِّم لنا نفسه شخصيًا، لنقول له مع بطرس الرسول: "مسيح الله!" وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعبِّر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.] وقد سبق لنا الحديث عن هذا الحديث في شيء من التفصيل (تفسير مت 16: 13-20؛ مر 8: 27-30)، مع عرض تعليقات الآباء عليه. 5. التلاميذ والصليب إذ أعلن بطرس الرسول إيمانه بالسيِّد المسيح، اِنتهرهم وأوصاهم ألا يقولوا ذلك لأحد [21]، "قائلاً أنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألَّم كثيرًا، ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم" [22]. لقد وضَّح أن غاية وصيَّته هذه لتلاميذه تأجيل الإعلان عن شخصه حتى تتحقَّق أحداث الصلب والقيامة، لأنهم "لو عرِفوا لَمَا صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 8)، فلا يريد إعاقة هذه الأحداث. ففي الوقت الذي فيه أراد أن يُعلن عن ذاته لتلاميذه حتى لا يتعثَّروا بصلبه، أرادهم أن يصمِتوا ولا يُعلنوا عن شخصِه حتى يتم الصليب. الحقيقة أن الكشف عن ذاته قد اِلتحم بالصليب، فلا قيمة لذبيحة الصليب ما لم يُعلن شخص المصلوب كابن الله الوحيد ومسيحه القدُّوس، ولا يمكننا أن نتمتَّع بشخص المسيَّا كابن الله وننعم به خارج الصليب. إن كان السيِّد المسيح هو الصديق السماوي، فقد جاء ليحملنا بحبه إلى صليبه، هناك بالحري نتعرف عليه ونقبله ونثبت فيه كأعضاء جسده، وندخل به إلى حضن أبيه. هذا ولا يمكننا أن نتعرَّف على صليبه إلا بِحِملنا إيّاه معه كاختبارٍ يوميٍ تقويٍ، لذا اِلتحم حديثه عن صلبه بحديثه عن صلْبنا نحن معه يوميًا، أو حملنا صليبه وتمتَّعنا بشركة آلامه، إذ يكمل الإنجيلي حديثه هكذا: "وقال للجميع: إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني" [23]. يكشف لنا عن ذاته كي لا نتعثَّر في صليبه، ويجتذبنا إلى صليبه لكي ننحني معه نشاركه آلامه كل يومٍ بفرحٍ، فنُحسب أهلاً لشركة أمجاده. هذه هي شهوة قلب كل رسول بل وكل مؤمن: "لأعرفه وقوَّة قيامته وشركة آلامه متشبِّهًا بموته" (في 3: 10). يقول القدِّيس جيروم: [صليبه هو عمود البشريَّة. عندما أقول "الصليب" لا أفكِّر في الخشبة، بل في الآلام. هذا الصليب يوجد في بريطانيا والهند وكل المسكونة... وأنت إن لم تكن نفسك مستعدَّة لحمل الصليب، كما هو الأمر بالنسبة لي (للمسيح) لا يمكنك ان تكون لي تلميذًا. طوبى للإنسان الذي يحمل في قلبه الصليب والقيامة، فيكون موضع ميلاد المسيح وقيامته! طوبى لمن له بيت لحم في قلبه، فيولد المسيح فيه كل يوم!... يُصلب المسيح فينا كل يوم، ونحن نصلب عن العالم... طوبى لمن يقوم فيه المسيح كل يوم! فإنه يقوم إن كان الخاطئ يتوب عن خطاياه حتى الهفوات منها!] الصليب لا يحطِّم حياتنا مادمنا نحمله مع السيد المسيح غالب الموت، أو بمعنى آخر مادام يحمله المسيح الساكن فينا. خارج المسيح الصليب محطِّم للنفس، أما في المسيح، فهو طريق الخلاص والقيامة. لهذا يقول السيِّد المسيح نفسه: "فإن من أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلي فهذا يُخلِّصها" [24]، بمعنى أن من أراد أن يُخلِّص نفسه أي يمجِّدها بقيامتها الأبديَّة يلزمه أن يُهلكها بحملها الصليب مع مخلِّصها. فإن الصليب وإن حمل صورة الهلاك من الخارج، لكنه واهب الخلاص. سحبت هذه العبارة الإلهيَّة فكر كثير من رجال التربية الحديثة، في أبحاثهم عن تربية الأطفال، إذ كشفت لهم عن مفهوم الحب الوالدي الحق، فإنه لا يستطيع أحد أن يُخلِّص أولاده ما لم يُهلك ذاته أو "الأنا ego". فإن كثيرين يُحبُّون أنفسهم أو ذواتهم في أولادهم، يريدون أن يشكِّلوا أبناءهم حسب أهوائهم وميولهم واشتياقاتهم، لا حسب فكر الأبناء ومواهبهم وإمكانيَّاتهم. إنهم في الحقيقة يأسرون أولادهم في سجن "الذات" الذي يصعب على الوالدين أن يحرِّروا أبناءهم منه! ونحن نستطيع أن نقول بأننا إذ نُصلب مع المسيح ننكر ذواتنا ونكفر بها، لنعيش أعضاء أحياء في جسد المسيح، هنا لا نأسر أولادنا في "الأنا"، إنما نشعر بهم كأشخاصٍ وأعضاءٍ معنا في الجسد الواحد، لهم شخصيَّاتهم المستقلَّة ومواهبهم وطاقاتهم وإمكانيَّاتهم التي يضمرها روح الله القدُّوس نفسه، أما نحن فنخدمهم ونوجِّههم بالحب الحق بلا أنانيَّة. إذن الصليب هو سرْ حياة كل عضو في حياته الخاصة، وفي علاقاته الأُسريَّة، وفي علاقاته الكنسيَّة والاجتماعيَّة... إذ يعيش باذلاً في الرب لا يطلب لنفسه شيئًا فينال كل شيء. بقدر ما يجحد ذاته تنمو نفسه بالحب ويتجلَّى الله فيه، ويكون موضع حب السماء والأرض أيضًا، لهذا يؤكِّد القدِّيس أغسطينوس إنه يلزمنا أن نُهلك ذواتنا لنربح أنفسنا. مرَّة أخرى يحدِّثنا عن الصليب بأسلوب آخر، قائلاً: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها؟" [25]. هنا لا يقصد بالعالم سكَّانه، إنما أمور هذا العالم الماديَّة والمعنويَّة. كما يقول القدِّيس أغسطينوس إن الإنسان إذ يعيش بروح الأنانيَّة "يحب ذاته"، فيما هو يتقوقع حول ذاته ينطلق إلى أمور العالم ليقتنصها لحساب ذاته. يريد أن يكون العالم كله خاضعًا لملذَّاته، عاملاً لحساب غناه أو كرامته أو ملذَّات جسده، فيفقد حبُّه لنفسه، إذ يُهلكها. أما من يقبل الصلب مع المسيح فإنه إذ يجحد ذاته وينطلق خارج الأنا ليموت بالحب عن الآخرين، ويتَّسع قلبه لاحتمال وخدمة الجميع، فيربح الكل لنفسه! لنمُت، فنحيا! لنُدفن مع البذار، فنُثمر ثلاثين وستِّين ومائة! فالصليب ربح لا خسارة، مادام يمثِّل شركة مع المصلوب. هكذا يحدِّثنا السيِّد المسيح عن صلبنا معه، الأمر الذي يصعب على الإنسان الطبيعي أن يقبله، لذا يقول: "لأن من اِستحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الآب والملائكة القدِّيسين" [26]. وكما يقول العلامة ترتليان: [سأكون في أمان إن كنت لا اَستحي من ربِّي... لقد صُلب ابن الله، إني لا اَستحي وإن كان الناس يخجلون منه. لقد مات ابن الله، وأنا بكل طريقة أؤمن بهذا.] والخجل من السيِّد المسيح وصليبه قد يكون بالكلام كما بالعمل. فمن لا يحمل سمات السيِّد المسيح ويسلك بروحه ويقبل آلامه يكون قد اِستحى به وبصليبه. هكذا يحثُّنا علي قبول السيِّد المسيح المصلوب في حياتنا اليوميَّة لكي نستطيع أن نختبر أمجاده، ونُحسب معه ورثة الله، نُكرم أمام السمائيِّين. هذه الخبرة، خبرة الأمجاد التي نبلغها خلال الصليب، ليست خبرة أُخرويَّة أو اِنقضائيَّة نتذوَّقها في العالم المقبل فحسب، وإنما هي خبرة حيَّة ننعم بعربونها الآن. لهذا يختم السيِّد حديثه عن الآلام واهبة الأمجاد بقوله: "حقًا أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله" [27]. لعلَّه قصد بهؤلاء القوم الثلاثة تلاميذ الذين حملهم معه علي جبل تابور لمعاينة مجده في لحظات التجلِّي، إذ جاء الحديث عن التجلَّي بعد هذا القول مباشرة، ولعلَّه قصد بالقوم التلاميذ الذين رأوا ملكوت الله يُعلن بين شعوب الأمم. غير أن القدِّيس أمبروسيوس يرى أن هؤلاء القوم هم المؤمنون الذين منهم من عاينوا السماء كمعلِّمنا بولس الرسول. ويمكننا أيضًا القول بأن هذا الوعد الإلهي يمس حياة كل واحد منَّا حين يتجلَّى ملكوت الله داخل النفس ينزع عنها موتها وفسادها ويهبها بهاءً سماويًا في الرب. ويرى بعض المسيحيِّين الذين من أصل يهودي أن هذا القول يُشير إلى اليهود الذين يبقون تائهين في هذا العالم حتى يُعلن ملكوت الله لهم في أواخر الدهور برجوعهم عن رفضهم للمسيح. (راجع أيضًا تفسير مت 16: 28؛ مر 9: 1). 6. التلاميذ ومجد التجلِّي يمكننا في غير مبالغة أن نقول بأن غاية الإنجيل هو تمتُّعنا بتجلِّي السيِّد المسيح في كنيسته، في كل عضو من أعضائها، أي في أعماق نفوسنا، حتى ننطلق إلي إعلان مجده الكامل في يوم الرب العظيم. فإن كان الصليب والقيامة والصعود يمثِّلون عملاً واحدًا متكاملاً يحتل مركز إيماننا، فإن السيِّد المسيح في صلبه وقيامته وصعوده إنما يود أن يهبنا البصيرة الروحيَّة لنعاينه متجلِّيًا فينا، فنختبره وسط آلامنا مصلوبًا عنَّا، يقدِّم لنا بهجة قيامته وأمجاد سماواته في أعماقنا الداخليَّة. بمعنى آخر إن كنا نجاهد إنما لكي بالإيمان يُعلن السيِّد المسيح متجلِّيًا فينا، حتى نراه وجهًا لوجه متجلِّيًا في كمال بهائه في يوم الرب العظيم. وقد سبق لنا الحديث عن التجلَّي (تفسير مت 17، مر 9) في كثير من الإفاضة، مع تعليقات للآباء... لذا اَكتفي هنا بتعليق للقدِّيس أمبروسيوس، إذ يقول: [رأى بطرس واللذين معه هذه النعمة مع أنهم كانوا مثقَّلين بالنوم، لأن بهاء اللاهوت غير المُحوى يسحقنا. إن كان ضوء الشمس لا يمكن للعين البشريَّة أن تثبِّت نظرها فيه فكيف يحتمل الجسد البشري مجد الله؟ لهذا في القيامة يلبس الجسد شكلاً أكثر نقاوة ورقَّة، متحرِّرا من نقائصه! لهذا أراد (بطرس) أن يتمتَّع بصورة القيامة بعد تلك الراحة (النوم الثقيل)، لهذا عند اِستيقاظهم رأوا مجده؛ ونحن أيضًا يليق بنا أن نستيقظ، فنشاهد عظمة المسيح. لقد تهلَّل بطرس لأن جاذبيَّة هذا الدهر لم تستطع أن تسبيه عن سحر القيامة. لذا قال: "جيِّد يارب أن نكون ههنا" علي مثال الدهر الآتي، "لي اِشتهاء أن اَنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (فى 1: 23).] ويلاحظ في التجلِّي الآتي: أولاً: لأهميَّة التجلِّي أفاض الإنجيليُّون الثلاثة متَّى ومرقس ولوقا الحديث عنه، أما الإنجيلي يوحنا فتحدَّث عنه في اِختصار شديد ولكن بقوَّة ويقين، إذ يقول: "ورأينا مجده" (يو 1: 14). ولعلَّ التجلِّي لم يفارق قلب القدِّيس بطرس وفكره كل أيام كرازته، حاسبًا في التجلِّي علامة صدق الرسالة المسيحانيَّة، رابطًا بين التجلِّي وقوَّة بهاء المسيح ومجيئه، إذ يقول: "لأننا لم نتبع خرافات مُصنَّعة، إذ عرَّفْناكم بقوَّة ربَّنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنَّا مُعاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسْنَى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سُرِرت به، ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنَّا معه في الجبل المقدَّس" (2 بط 1: 16-18). ثانيًا: إن كان التجلِّي قد تحقَّق في اليوم الثامن من حديث الرب مع تلاميذه عن الصليب، فإنه حتى في لحظات التجلِّي كان موسى وإيليَّا يتكلَّمان معه عن "خروجه الذي كان عتيدًا أن يكمِّله في أورشليم" [31]. وكأن تجلِّي الرب فينا، أو تمتُّعنا بشركة بهائه ومجده فينا، هو ثمرَّة قبولنا صليبه في حياتنا، ويبقى هذا الصليب موضوع شُغلنا حتى وسط أمجاد التجلِّي. بمعنى آخر لن ننعم بتجلِّي الرب فينا في هذا العالم، ولا بظهور مجده لنا في اليوم الأخير، ما لم نقبل وصيَّة الصلب معه، وعندما ننعم بتجلِّيه هنا وهناك يبقى الصليب موضوع فرحنا وتسبيحنا الأبدي. هكذا يلتحم الصليب بالمجد، ويُعلن المجد قوَّة الصليب وسِرِّه الإلهي. ثالثًا: تهتم الكنيسة بالتجلِّي، فتحتفل به كعيدٍ سيِّديٍ، بكونه شهادة حق للاهوته المُختفي في حجاب الجسد، أعلنه السيِّد لبعض من تلاميذه قدر ما يحتملوا ليُدركوا ما تنعم به الكنيسة في الأبديَّة بطريقة فائقة لا يُنطق بها. في هذا التجلِّي نرى ما يهبه لنا ربَّنا كعطيَّة حين يغير طبيعة جسدنا التُرابي إلى جسد روحاني، ويقيمنا من فسادنا إلي عدم الفساد، خلال اِتِّحادنا به وتمتُّعنا بشركة ميراثه الأبدي، وكما يقول الرسول: "الذي سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده..." لكن تجلِّي الرب هو إعلان حقيقته المحتَجَبة عنَّا بسبب ضعفنا، مقدِّما إيَّاها قدر ما نحتمل، أما مجدنا نحن فهو عطيَّة مجانيَّة يهبها لنا. رابعًا: يقول الإنجيلي: "وفيما هو يصلِّي صارت هيئة وجهُه متغيِّرة" [29]. وكما قلنا إن إنجيل لوقا هو إنجيل "الصلاة"، لكن صلاة ربَّنا يسوع هي حديث الشركة مع الآب الواحد معه في اللاهوت، وليس حديث من تبنَّاه الله كعطيَّة. علي أي الأحوال حملنا ربَّنا يسوع معه علي الجبل، وكنائبٍ عنَّا أيضًا صلّى، حتى إن أردنا أن نتغيَّر عن شكلنا، وننعم بتجلِّي الرب في أعماقنا، يلزمنا أن نرتفع علي الجبل معه لنصلِّي، فلا طريق للتجليِّ بدون الصلاة! 7. التلاميذ وإخراج الأرواح الشرِّيرة إن كان السيِّد المسيح قد اصطحب معه ثلاثة من تلاميذه إلى الجبل المقدَّس ليعلن لهم عن طبيعته كصديق سماوي، يشهد له الآب نفسه أنه الابن الوحيد موضع سروره، فيه تكمل النبوَّات ويتحقَّق الناموس، لذلك جاء موسى وإيليَّا متهلِّلان بمجيئه يتحدَّثان عن صلبه أو خروجه. به يفرح المجاهدون فيطلبون البقاء معه علي الجبل أبديًا ويُسر الراحلون (مثل موسى). أنه موضوع سلام السماء والأرض، ومصالحتهما معًا بدمه، فإنه نزل إلى السهل ليتجلَّى بطريقة أخرى، خلال عمله الإلهي بإخراج الأرواح الشرِّيرة التي حطَّمت حياة الإنسان. لقد جاء ليحمل البشريَّة إلى تجليِّه والتمتُّع بأمجاده، لكن هذا لن يتحقَّق إلا بتحريرها من عبوديَّة إبليس وجنوده. لهذا نزل السيِّد إلى السهل ليجد شخصًا قد اِستحوز عليه الشيطان فمزَّقه وصرعه [42]، وصار عِلَّة مرارة لأبيه وأقربائه وكل من هم حوله، فتقدَّم ليُنقذه هو وكل من هم حوله. يمكننا القول بأن صديقنا السماوي الابن الوحيد بارتفاعه على الجبل وتجلِّيه يعلن بصورة أو أخرى البشريَّة وقد اِلتحمَت به لتنعم بشركة أمجاده، فتُفرِّح الآب وتُسِر السمائيِّين. وفيها تكمل كلمة الله وتتحقَّق النبوَّات، أما الابن الذي في السهل، وقد أسره الشيطان، فيمثِّل حال البشريَّة التي أحزنت قلب الآب وخَسرت شركتها مع السمائيِّين بسبب العصيان. اشتكى الآب من المرارة التي يعيشها بسبب ابنه، قائلاً: "اُنظر إلى ابني، فإنه وحيد لي" [38]. جاءت هذه الكلمات قويَّة ومملوءة حكمة، فمن جهة لم يطلب من المخلِّص إلا أن "ينظر". هذه الطلبة تحمل إيمانًا بحب المخلِّص الذي لا يَحتمل أن ينظر إنسانًا متألِّمًا وأبًا يتعذَّب من أجل وحيده، ومن جانب آخر فإنه يعلن أبوَّتَه الحانية لكنها عاجزة: "فإنه وحيد لي". هذا وفي حديثه قدَّم عتابًا: "طلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا" [40]. فمع الاسِترحام المملوء إيمانًا قدَّم شكوى عن عجز التلاميذ! الآن ماذا فعل السيِّد المسيح؟ أولاً: عاتب الجماهير: "أيها الجيل غير المؤمن والمُلتوي، إلى متى أكون معكم واَحتملكم؟ [41]، فقد اِشتهى جيلاً مؤمنًا يحمل سلطانًا يُرعب الشيَّاطين! ثانيًا: قدَّم للآب نداءً: "قدِم ابنك إلي هنا" [41]، فإنه يريد كل مؤمن أن يتطلع إلي النفوس المحطَّمة والأسيرة كأبناء له يقدِّمها للرب خلال الصلاة لتنعم بالخلاص. ثالثًا: اِنتهَر الروح النجس، وشفَى الصبي، وسلَّمه إلى أبيه [42]، أيْ طرد العدو المغتصب من موقع اِحتلاله لكي يُرجع الصبي إلى والده. لا يكفي طرد العدو، إنما يلزم رد المُغتصب لصاحبه، بمعنى آخر غاية مسيحنا ليس تحريرنا من إبليس فحسب، وإنما ردِّنا إلى حضن أبينا لنوجد معه ننعم بأحضانه الإلهيَّة. هذه هي غاية صديقنا السماوي: ردَّنا إلى أبينا في كمال الحرِّيَّة الحقيقية! 8. التلاميذ وتسليم ابن الإنسان للمرَّة الثانية يتحدَّث السيِّد المسيح مع تلاميذه عن صلبه، قائلاً: "إن ابن الإنسان سوف يُسلَّم إلى أيدي الناس" [44]، بعد أن تحدَّث معه موسى وإيليَّا في ذات الموضوع. وبينما تعجَّبت الجموع من سلطان السيِّد وقوَّته، إذ خلَّص الصبي من الروح النجس، أراد ألاَّ ينسحب قلب التلاميذ إلي أمجاد زمنيَّة، بل إلى الصليب كإعلان لسلطانه في خلاص البشريَّة. مع أن كلام السيِّد عن الصليب كان واضحًا لكنهم لم يفهموا القول، وبتدبيرٍ إلهيٍ أخفى عنهم سرْ الصليب حتى يتحقَّق. 9. التلاميذ والتواضع لم يفهم التلاميذ حديث السيِّد الخاص بتسليمه للصلب كطريق لملكوته السماوي، إنما علي العكس بدأوا يفكِّرون من عسى أن يكون أعظم فيهم، فأخذ السيِّد المسيح ولدًا "وأقامه عنده، وقال لهم: من قَبِل هذا الولد باسمي يقبلني، ومن قبِلني يقبَل الذي أرسلني، لأن الأصغر فيكم جميعًا هو يكون عظيمًا" [48]. كصديقٍ سماويٍ يملك لا خلال العظمة الزمنيَّة والاعتداد بالذات، إنما خلال الحب المملوء تواضعًا، لذلك أراد في تلاميذه أن يحملوا سِماته ليملُكوا معه بروح التواضع. يحذِّرنا الأب أوغريس من الكبرياء، في حديثه عن "ضد أفكار الشهوات الثمانية"، قائلاً: [روح المجد الباطل أكثر الأفكار خبثًا، مستعد أن ينمو في نفوس الذين يمارسون الفضيلة. يقودهم إلى إظهار جهادهم علانيَّة ليجمع المديح من الناس، فيتخيَّلون في أنفسهم أنهم يُشفون الناس، ويُفزِعون الشيَّاطين، وأن جماهير الناس يزدحمون حولهم ليلمسوا ثيابهم... شيطان الكبرياء هو علَّة تحطيم النفس تمامًا.] ويحثنا الأب دوروثيؤس على التواضع، قائلاً: [لنتَّضع نحن أيضًا إلى حين فنخلُص. فإن كنَّا لا نستطيع احتمال متاعب كثيرة لأننا ضعفاء، فلنتَّضع. فإنني بيقين أؤمن أن العمل القليل الذي يُمارس بتواضع يجعلنا برحمة الله نوجد في ذات الموضع الذي ناله القدِّيسون بتعبٍ عظيمٍ كخدامٍ حقيقيِّين لله. نعم! إننا ضعفاء وعاجزين عن ممارسة أعمال كثيرة، لكن ألا نستطيع أن نتَّضع ؟ حقًا يا اخوة طوبى للإنسان الذي له تواضع حق.] (راجع أقوال الآباء أيضًا في تفسير (مت 18: 1، مر 9: 35). 10. التلاميذ وخِدمة الآخرين "فأجاب يوحنا وقال: يا معلِّم رأينا واحدًا يُخرج الشيَّاطين باسمك، فمنعناه لأنه ليس يتبع معنا. فقال له يسوع: لا تمنعوه، لأن من ليس علينا فهو معنا" [49-50]. كما قلنا في تفسير مر 9: 38، أن الإنجيلي يوحنا لم يمنعه عن غيرةٍ منه أو حسدٍ له لكنه ِاِشتاق أن يكون معهم في تبعيَّتهم للسيِّد المسيح. وواضح من إجابة السيِّد المسيح أن هذا الرجل لم يكن ضدًا للمسيح بفمه ولا بقلبه، ولا قام بالعمل بفكر فردي اِنعزالي، إنما ربَّما ظروفه لم تسمح له بالتبعيَّة مع التلاميذ بشكل منظور، إنما كان واحدًا معهم في الإيمان. علي أيْ الأحوال فإن صديقنا السماوي بكلماته هذه يقدِّم لنا مفهومًا جديدًا للجماعة المقدَّسة، إنها ليست لقاءً جسديًا مجرَّدًا، لكنها وِحدة حياة وإيمان. أراد السيِّد في تلاميذه أن يكونوا أصحاب قلب متَّسِع بالحب يشتاقون أن يمارس الكل موهبته ليعمل الجميع لحساب ملكوت الله دون تعصُّب، لكن في وحدة إيمان ووحدة فكر روحي مستقيم. 11. التلاميذ والنار من السماء "وحين تمَّت الأيام لارتفاعه ثبَّت وجهُه لينطلق إلي أورشليم. وأرسل أمام وجهُه رُسلاً، فذهبوا ودخلوا قرية للسامريِّين حتى يعدُّوا له. فلم يقبلوه لأن وجهُه كان متَّجهًا نحو أورشليم. فلما رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنا قالا: يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليَّا أيضًا؟ فالتفت وانتهرهما، وقال: لستما تعلمان من أيِّ روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُهلك أنفس الناس بل ليُخلِّص، فمضوا إلي قرية أخرى" [51-56]. أولاً: يقول الإنجيلي "حين تمَّت الأيَّام لارتفاعه" [51]، مستخدمًا ذات التعبير "ارتفاعه" الذي استخدم عند ارتفاع إيليََّا (2 مل 2: 9-11)، وفي تمجيد العبد المتألِّم (إش 42: 1) وعند صعود السيِّد المسيح (أع 11: 1-2)... وكأنه إذ قرُبت أيَّام السيِّد المسيح ليتمجَّد بدخوله إلي الآلام كعبدٍ ليعبُر إلي أمجاده صاعدًا إلي السماوات ثبَّت وجهُه منطلقًا نحو أورشليم، مركز المحاكمة وتدبير صلبه! فقد جاء لأجل هذه الساعة لكي يتألَّم عنَّا فيمجدنا معه وبه وفيه. ذهب إلى أورشليم منطلقًا، كأنه يود أن يُسرع بالأحداث التي ترقَّبتْها كل الأجيال بكونها عمل الله الخلاصي، به يتمجَّد المؤمنون. ثانيًا: رفضته قرية للسامريِّين، والسامريُّون كما نعلم هم غرباء نازحون من بابل ليقطُنوا عِوض المسبيِّين من إسرائيل سنة 721 ق.م، فجاءت عبادتهم خليطًا بين اليهوديَّة والوثنيَّة، لا يقبلون من العهد القديم سوى أسفار موسى؛ وكان اليهود لا يطيقون السامريِّين، وأيضًا السامريُّون لا يطيقون اليهود. رفضت القرية أن تقبل المخلِّص، فاستأذن يعقوب ويوحنا السيِّد المسيح أن يطلبا كإيليَّا نارًا من السماء (2 مل 1: 10-11) فتفنيهم. ولعلَّه بسبب هذا الروح المتَّقد دعاهما السيِّد "بُوَانرْجس" أي اِبنيْ الرَعد (مر 3: 17). لكن الرب رفض موبِّخًا إيَّاهما، فإنه ما جاء ليَدين بل ليُخلِّص. إنه طويل الأناة، ينتظر توبة الجميع، وبالفعل قَبلت السامرَّة الإيمان فيما بعد (أع 8: 5-25). لم يأت السيِّد المسيح ليصطاد النفوس للإيمان قهرًا، إنما بالحب وطول الأناة، لأن من يقبل الإيمان عن خوف سرعان ما يتركه، أما من يقبله خلال الحب فيثبت فيه. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نستخدم اللطف في اِستئصال المرض، فإن من يُصلح حاله خلال الخوف من آخر، يعود بسرعة فيسقط في الشرّ.] لقد طلب التلميذان أن تنزل نارًا من السماء للإفناء، لكن الرب يقدِّم نفسه صديقًا سماويًا كندى يطفئ لهيب الشهوات، وإن أرسل نارًا فهو يقدِّم روحه القدُّوس الناري يلهِب القلب حبًا لا اِنتقامًا! 12. شروط التلمذة للسيِّد إن كان صديقنا السماوي يفتح ذراعيه بالحب مشتاقًا أن يضُم الكل إليه لينعموا بشركة أمجاده، فإنه لا يرسل نارًا تُفني رافضيه. وفي نفس الوقت لا يَصلح الكل للتلمذة له، بل من يتجاوب معه ليحمل فِكرِه وسِماته. وقد قدَّم لنا الإنجيلي لوقا ثلاثة أمثلة لأُناس اِلتقوا معه بقصد التلمذة له. في دراستنا لإنجيل متَّى (8: 19) أوردت تعليقات بعض الآباء في أمر الشخصين الأوَّلين: الكاتب الذي طلب أن يتبع المسيح لكن بنِيَّة غير صادقة، فأجابه السيد: "للثعالب أوجِرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه"، وكأن ابن الإنسان لم يجد له موضعًا فيه، أما الثاني فهو إنسان حسن النِيَّة مشتاق للتلمذة، لكن عاقه واجب عائلي ضرورى في نظر الناس، ألا وهو الاهتمام بوالده حتى يدفنه. على أي الأحوال أضاف الإنجيلي لوقا شخصًا ثالثًا اِشتاق أن يتتلمذ للرب ويتبعه، لكن ليس في جِدِّيَّة كاملة أو نضوج صادق، فأراد أولاً أن يودِّع الذين في بيته. فكانت إجابة السيِّد له: "ليس أحد يضع يدَه علي المِحراث وينظر إلي الوراء يصلح لملكوت الله" [62]. ويلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة الآتي: أولاً: صديقنا السماوي يعرف القلب الداخلي، فالأول والثالث طلبا التلمذة، ففضح قلبيهما الأول غير نقي في أعماقه وأهدافه، والثالث متواكل غير جاد، أما الثاني فلم يطلب بشفتيْه لكن الرب سمع طلبه ودعاه للتلمذة وإذ حدَّثه في صراحة أنه يوَدْ أن يَدفن والده أولاً، رفعه فوق الواجبات الزمنيَّة من أجل العمل الكرازي الخالد. الأول والثالث حُسبا أنهما غيوران ويصلُحان للعمل، والثاني في تواضع لم يطلب لكن الرب دعاه. بمعنى آخر ليتنا نطلب التلمذة لله لا بشفاهنا بل بنقاوة قلبنا ولهيبِهِ الداخلي، فيدعونا الرب نفسه ويضمِّد جراحات ضعفنا مهيِّئًا حياتنا للشهادة له. ثانيًا: يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس على الرجل الأول، قائلاً: [إذ أراد هذا الإنسان أن يتبع المسيح تأكَّد السيِّد أنه كان يطلب ما لنفسه لا ما هو ليسوع المسيح (في 2: 21)، إذ يقول: "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات" (مت 7: 21). هكذا كان هذا الإنسان لا يعرف نفسه كما كان الطبيب يعرفه. فلو أنه رأى نفسه وأدرك أنه مملوء رياءً ومكرًا لعرف مع من كان يتكلَّم. لذلك قال له: "للثعالب أوْجِِرَة، ولطيور السماء أوْكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" [58]، بمعنى أنه ليس له موضع في إيمانك. ففى قلبك تجد الثعالب لها أوْجِرة. إذ أنت مملوء مكرًا. وفي قلبك تجد طيور السماء أوكارًا لأنها مرتفعة ومتشامخة. أنت مملوء مكرًا وكبرياء فلا تتبعني، إذ كيف يمكن للماكر أن يتبع البساطة؟] يمكننا أيضًا أن نقول بأن هذا الإنسان كان مرتبطًا بمحبَّة العالم، وقد طلب التلمذة للسيِّد، لا لأجل السيِّد نفسه، لكن بِغْية كرامة أرضيَّة أو نفع مؤقَّت، لهذا أعلن له السيِّد عن طبيعة المُعلِّم، فإن الثعالب التي تعيش في البرِّيَّة لها أوْجِرة ترتبط بها، وفيها تستريح، والطيور التي تهيم في الجو لها أوْكار تعود إليها من حين إلي آخر، أما ابن الإنسان فسماوي ليس له في الزمنيَّات راحة، ولا في الأرض موضع استقرار. لذلك فأنت لا تصلح بعد للتلمذة له إلا إن تحرَّر قلبك عن الأرض تمامًا، وانطلقت نفسك مرتفعة نحو السماويَّات. صديقنا سماوي يوََد في تلاميذه أن يحملوا سِِمة الفكر السماوي والحياة العُلويَّة الفائقة. ثالثًا: يقدِّم لنا القدِّيس أمبروسيوس تفسيرًا مقاربًا لتفسير القدِّيس أغسطينوس بخصوص الإنسان الأول، إذ يقول: [بالرغم من طاعته وخدمته المستمرَّة، لكنه لم ينل رِضى الرب، فإن الرب لا تهمُّه الخدمة الظاهرة بل نقاوة القلب، لذا سبق فقال: "من يقبل هذا الولد باِسمي"، معلِّمًا إيَّانا ألا تكون البساطة مغرضة، ولا المحبَّة حاسدة، وأن يكون البذل بلا غضبٍ، مشيرًا للبالغين أن يكون لهم قلب الأطفال... يليق بك أن تنعم بالبساطة الحقيقيَّة، أي تقتني هذه الطبيعة بالجهاد. لهذا قال الرب: "من قبِلَ هذا الولد باسمي فقد قبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". حقًا إن من يقبل من يتمثِّل بالمسيح يقبل المسيح، ومن يقبل صورة الله يقبل الله، لكننا إذ لم نستطع أن نرى صورة الله حلّ الكلمة بيننا بالتجسُّد ليقرِّب اللاهوت إلينا مع أنه أعلى منَّا... "للثعالب أوْجِرة"؛ فالشيطان كالثعلب مخادع، ينصب الفخاخ ويحيا بالمكر... يبحث عن فريسة داخل مسكن الإنسان نفسه. ويقارن الرب الهراطقة أيضًا بالثعالب، لذا يعزلهم عن حصاده: "خذوا لنا الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم" (نش 2: 15)، الذين يستطيعون إفساد الكرم الصغير لا الكبير... كثيرًا ما تشير طيور السماء للأرواح الشرِّيرة التي تبني أوْكارها في القلوب الشرِّيرة، فلا يجد ابن الله وسط هذه القلوب كلها أين يسند رأسه. المكر لا يترك مكانًا للبساطة، ولا موضعًا للإلهيَّات في هذه القلوب... أما إذا رأى الرب طهارة قلب فيسند فيه عمل عظمته، أي الهبة العظيمة الفائقة التي تنسكب في قلوب الصالحين.] رابعًا: يُعلِّق القدِّيس أغسطينوس عن الشخص الثاني الذي لم يطلب التلمذة بشفتيه كالأول، إنما تحدَّث بنقاوة قلبه، فكان مستعدًا للتلمذة، لكنه خلال اِلتزام عائلي تجاه والده طلب التأجيل، إذ يقول: [إيمان قلبه أعلن عن نفسه أمام الرب، لكن عاطفته واِلتزامه (الأُسَري) جعله يؤجِّل، غير أن المسيح الرب إذ كان يهيئ البشر للإنجيل لم يرد أن يُوجد عذر بسبب عاطفة جسديَّة مؤقَّتة. حقًا إن الشريعة الإلهيَّة قد قرَّرت هذه الالتزامات، والرب نفسه وبَّخ اليهود لأنهم حطَّموا هذه الوصيَّة الإلهيَّة (مت 15: 4-5). ويقول الرسول بولس في رسالته: "التي هي أول وصيَّة بوعد"... ما هي؟ "اِكرم أباك وأُمّك" (أف 6: 2). إذن هذا الشاب اِشتاق أن يطيع الله ويدفن أباه... حقًا يجب إكرام الأب، لكن يجب أن يطاع الله أولاً. يلزم محبَّة من ولدنا، لكنه لا يُفضل عمَّن خلقنا. كأنه يقول له: دعوتك لإنجيلي؛ أنا محتاج إليك للقيام بعملٍ آخر أعظم من العمل الذي توَد أنت أن تقوم به... دع الموتى يدفنون موتاهم.] إن كان عيب الأول أنه في حماس بشري قال "اَتبعك أينما تمضي" بينما كان قلبه مرتبطًا بالعالم، فالثاني عيبه قوله "أمضي أولاً وأدفن أبي". فجعل دفن أبيه "أولاً"، بينما يلزم أن يكون الله أولاً. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [جاء في سفر نشيد الأناشيد درس لنا، إذ تقول الكنيسة: "دبَّر الحب لي" (الترجمة السبعينيَّة)، أي ليكن الحب في تدبيره المناسب، يُقدِّم للكل كما يليق به، فلا تضع الحب الذي يجب تقديمه أولاً في المؤخِّرة... حب والديك لكن لتُفضِّل الله عنهما. لاحظ والدة المكابيِّين، وهي تقول: "يا أولادي أنا لا أعرف كيف ظهرتم في رحمي" (2 مك 7: 22). هكذا أوصتهم، فتبعوا وصيَّتها.] يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لكن كيف يُمنع هذا الإنسان من دفن أبيه مع أن هذا العمل من أعمال التقوَى؟ يعلِّمنا الرب أن يكون هو في المقدِّمة ويأتي بعده الإنسان. هذا العمل حسن لكنه غير لائق، لئلاَّ إذ يقسِّم (التلميذ) اِهتمامه تفتر محبَّته (للكرازة) ويتأخَّر نُموُّه. يليق بنا أن نذهب أولاً لعمل الكرازة حتى لا تُعاق... لذلك عندما أرسل الرب التلاميذ أمَرَهم ألا يُسلِّموا على أحد في الطريق، ليس لأن المحبَّة تُضايقه، وإنما لأن الاهتمام بنُموُّ الخدمة يُرضيه بالأكثر.] يكمل القدِّيس أمبروسيوس حديثه فيقول: [لكن كيف يمكن لأن يدفن الموتى موتاهم؟ هنا يشير إلى موت مزدوج موت الجسد وموت الخطيَّة، بل ويوجد موت ثالث به نموت عن الخطيَّة ونحيا لله، كما فعل المسيح الذي مات عن الخطيَّة: "لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطيَّة مرَّة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله" (رو 6: 10). يوجد موت يفصل الجسد عن الروح، هذا الموت يجب ألا نخشاه ولا نهابه، لأنه بداية الانطلاق وليس عقوبة، الأقوياء لا يرتعبون منه، والحكماء يشتهونه، والتعساء يتمنُّونه إذ قيل "يطلب الناس الموت ولا يجدونه" (رؤ 9: 6). ويوجد موت آخر يضع نهاية لملذَّات العالم حيث لا يموت الجسد بل تموت الخطيَّة، هذا الموت نمارسه عندما نُدفن مع المسيح ونموت معه في المعموديَّة (رو 6: 4؛ كو 2: 22)، نموت عن أمور هذا العالم، وننسَى حياتنا الأولى، هذا الموت أراده بلعام لكي يحيا لله، عندما تنبَّأ: "لتمُت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخِرتهم" (عد 23: 1). والموت الثالث يحمله المسيح (بالصليب) لحياتنا، فنحن نعرف أنه هو الحياة الأبديَّة (يو 17: 3)، يراه الأبرار الآن كما في لغز،ٍ لكنهم يرونه أخيرًا وجهًا لوجه لأن: "نفس أنوفنا مسيح الرب أُخذ في حفرهم الذي قلنا عنه في ظلِّه نعيش بين الأمم" (مر 4: 20)، وكان رجاء داود يكمن تحت ظل جناحيْه (مز 56: 2)، واِشتهت الكنيسة ظلُّه لتجلس تحته (نش 2: 3). إن كان ظلَّك يا ربِّي يسوع له نفع كهذا فكم تكون حقيقتك؟... "حياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا في المجد" (كو 3: 3-4). عجيبة هي هذه الحياة التي لا تعرف الموت!... لا يمنع الرب أن نبكي ونَدفن موتانا، لكنه يضع التقوَى الدينيَّة في المرتبة الأولى ثم تليها الرباطات العائليَّة. ليُترك الموتى (روحيًا) أن يدفنوا موتاهم أما المُختارون فليتبعوه.] خامسًا: أما بالنسبة للشخص الثالث فكان إنسانًا غير جادٍ في التبعيَّة للسيِّد، ذا قلب منقسم، يريد أن يتبع المسيح وفي نفس الوقت يحِنّْ للعالم. مثل هذا يبدأ ولا يكمل، لهذا قيل له: "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" [62]. الله يريد القلب كله له، ويبقى له دون اِرتداد للوراء، حتى لا يصير عمود ملح كامرأة لوط التي خلصت بخروجها من سدوم مع لوط وبنتيها، لكنها لم تكمل الطريق بل اِرتدَّت بقلبها فهلكت. من أجل هذا جاءت الوصايا تشدِّد لا أن نبدأ فقط، وإنما أن نكمل صابرين حتى النهاية لكي نخلص، فمن كلمات ربَّنا يسوع: "الذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا، والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه" (مت 24: 17-18). هكذا من اِرتفع بالرب إلى السطح يعاين الأسرار السماويَّة، فلا ينزل إلى أسفل حيث الزمنيَّات، ومن انطلق إلى حقل الكرازة فلا يرجع عن الخدمة. كتب القدِّيس جيروم إلى باولا Paula سائلاً إيَّاها ألا تُفرِط في الحزن بسبب وفاة بلاسيلا Blaesilla، يقول: [بالتأكيد، الآن إذ نؤمن بالمسيح ونحمله في داخلنا، فبسبب زيت مسحته التي قبلناها (1 يو 2: 27) يليق بنا ألا نفارق هيكله - أي عملنا المسيحي - ولا نرتبك كالأمم غير المؤمنين، بل نبقى على الدوام في الداخل كخدَّام مطيعين لإرادة الرب.] وكأنه يطالبها إذ كرَّست حياتها لخدمة الله والعمل الإنجيلي التعبُّدي لا تتراجع خلال الحزن فتترك عملها بسبب وفاة أحد، بل تكمِّل طريق جهادها حتى النهاية. يقول القدِّيس يوحنا كاسيان: [إنه الأمر شرِّير للغاية أنه بينما يجب عليك أن تحمل المبادئ الأوليَّة والبدايات لكي تنطلق متقدِّما نحو الكمال تبدأ تسقط مرتدًا لأمور أردأ. فالعبرة لا لمن يبدأ بهذه الأمور بل لمن يصبر إلى المنتهى فيُخلُص (مت 24: 13).] كما يحثُّنا على الجهاد الروحي بلا توقُّف ولا تراجع، قائلاً: [إن ثِمة اِتِّهامًا موجَّها بطريقة خفيَّة في سفر التثنية إلى الذين يقولون بأنهم نبذوا هذا العالم غير أنهم ينهزمون في عدم إيمان خشية ضياع ممتلكاتهم الأرضيَّة، إذ قيل: "من هو الرجل الخائف والضعيف القلب، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ تذوب قلوب اخوته مثل قلبه" (تث 20: 8) أيِّ شهادة أكثر وضوحًا من هذه؟... أليس من الواضح أن الكتاب المقدَّس يؤْثِر ألاَّ يقدِموا على هذا العهد في أوائل مراحله أو يحملوا اسمه، لئلا يصيروا قدوة سيِّئة تجتذب الآخرين للاِنحراف عن كمال الإنجيل المقدَّس.] من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح التاسع الآيات (1-6): في كتاب إنجيل متى (مت9:10-15) الآيات (7-9): في كتاب إنجيل متى (مت1:14-12) الآيات (10-17): في كتاب إنجيل متى (مت13:14-23) الآيات (18-21): في كتاب إنجيل متى (مت13:16-20) الآيات (22-27): في كتاب إنجيل متى (مت21:16-28) آية (27): في كتاب إنجيل متى (مت28:16) الآيات (28-36): في كتاب إنجيل متى (مت1:17-8) الآيات (37-43): في كتاب إنجيل متى (مت14:17-21) الآيات (43-45): في كتاب إنجيل متى (مت22:17،23) الآيات (46-48): في كتاب إنجيل متى (مت1:18-5) الآيات (49،50): في كتاب إنجيل متى (مت6:18،7 وما بعده) الآيات (57-62): في كتاب إنجيل متى (مت18:8-22) (لو 1:9-6):- ودعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء أمراض. وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله ويشفوا المرضى.وقال لهم لا تحملوا شيئا للطريق لا عصا ولا مزودا ولا خبزا ولا فضة ولا يكون للواحد ثوبان. وأي بيت دخلتموه فهناك أقيموا ومن هناك اخرجوا. وكل من لا يقبلكم فاخرجوا من تلك المدينة وانفضوا الغبار أيضاً عن أرجلكم شهادة عليهم. فلما خرجوا كانوا يجتازون في كل قرية يبشرون ويشفون في كل موضع. لا تقتنوا ذهباً ولا فضة = المقصود عدم الإهتمام بالإقتناء أو أن يحملوا هم الغد، فالله سيرسل لهم ما يكفيهم. الله يريد منهم الإتكال الكامل عليه وأن لا يجدوا فى المال ضماناً للغد، وأن يهتموا فقط بالكرازة. عموماً فمحبة المال أصل لكل الشرور. وكانوا يأكلون فى بيوت تلاميذهم وكان هذا لتزداد المحبة بينهم وبين تلاميذهم. نحاساً= أى النقود فالنقود كانت من الذهب والفضة والنحاس فى مناطقكم = هى ثنية فى رداء المنطقة تستعمل كما نستعمل الجيوب الآن ولا مزوداً = كيس صغير يضعون فيه الطعام أثناء سفرهم. ولا أحذية = ويقول فى مرقس بل يكونوا مشدودين بنعال = لا يعقل أن السيد يطلب منهم السير حفاة الأقدام، لذلك فليكونوا مشدودين بنعال، ولكن لا يحملوا هماً بزيادة، فيحملوا معهم أحذية لئلا ينقطع الحذاء الذى يلبسونه. حتى الحذاء عليهم أن لا يفكروا فيه، فهو سيدبر لهم كل شئ، بل ألم يكن حذاء مار مرقس المقطوع بداية الكرازة فى مصر. ولا ثوبين.. ولا يلبسوا ثوبين (مرقص)= نفس المعنى أن لا يحملوا هم إنقطاع ثوب فيلبسوا ثوبين، عليهم أن يذكروا أن ثياب بنى إسرائيل ونعالهم لم تبلى مدة 40 سنة (تث 5:29-6)، فلا يحملوا شيئاً مضاعفاً. ولكن لاحظ قوله مشدودين بنعال أى أنهم على إستعداد مستمر للحركة. وكلمة مشدودين فلأن الصنادل المستخدمة كلن لها سيور يلفونها حول الساق، ويلزم حلها أولاً قبل خلعها، هذه التى إعتبر المعمدان نفسه غير أهل لحلها. ولا عصا (متى).. غير عصا فقط (مرقس).. لا عصا (لوقا) العصا تستخدم فى السير ليستند عليها السائر، إذ أن الطرق غير ممهدة وهم يسيرون فى جبال ووديان، وتستعمل العصا فى الدفاع ضد الحيوانات. ويبدو من مقارنة الثلاثة أناجيل أن هناك خلاف بسيط فى موضوع العصا ففى متى ولوقا لا يُسمح بحمل عصا وفى مرقس يُسمح بهذا. وطبعاً علينا ألاّ نكون حرفيين وأن نفهم روح الوصية، والمقصود أن من يحتاج لعصا فليأخذها ليستند عليها، ولكن لنفهم أن المهم هو الشعور الداخلى بالإتكال على السيد المسيح فى كل شئ، لا يخاف الكارز من حيوان يهاجمه (خر 7:11) ولا من جوع أو عوز، فالله يدبر كل شئ. فلا نفهم عدم حمل العصا حرفياً، أن المسيح يمنع ذلك لكن المسيح يطلب أن نلقى كل همنا عليه وهو يعولنا. عموماً العصا تشير للحماية من عدو. ومعنى وجود نص يقول أحمل عصا ونص يقول لا تحمل عصا فهذا إشارة لإنه أن وجدت حماية إستعملوها (كما حدث مع نحميا "نح 9:2") وإن لم توجد فلا تحملوا هماً فأنا أحميكم (عز 21:8-23) فعزرا لم يطلب حماية ثقة فى إلهه لكن نحميا إذ عرض عليه الملك جيشاً ليحميه لم يرفض. وأية مدينة دخلتموها فإفحصوا من فيها مستحق= أى من هو مستحق أن تقيموا عنده، ويكون بيته كنيسة تصلى فيها الصلوات والقداسات.وأقيموا هناك حتى تخرجوا (متى). حيثما دخلتم بيتاً فأقيموا فيه حتى تخرجوا إذاً هم سيبحثون عن بيت سمعته طيبة ليقيموا فيه ولا يتنقلون من بيت إلى بيت حتى لا تتحول خدمة الكلمة إلى خدمة المجاملات، وإنما يركزن كل فكرهم وجهدهم فى العمل الكرازى وحده. وحتى لا تحدث منافسات بين البيوت فى إكرامهم فينسون الخدمة. حين تدخلون البيت سلموا عليه = السلام هى عادة يهودية، بل هى عادة فى كل العالم. ولكن المقصود هنا هو منح البركة لهذا المكان. وإن كان أهل البيت مستحقين لهذه البركة ستكون لهم، وإن لم يكونوا مستحقين ترجع هذه البركة وهذا السلام لكم= فليرجع سلامكم إليكم انفضوا غبار أرجلكم= بمعنى أنهم خرجوا من عندهم لا يريدون أدنى شئ منهم. وكان اليهود يعتقدون أن أرض إسرائيل مقدسة، لدرجة أنهم إذا كانوا يأتون من مملكة وثنية يقفون عند حدود بلادهم من الخارج وينفضون أو يمسحون الغبار على أرجلهم، حتى لا تتنجس أرضهم بالغبار الذى من أرض وثنية. وهنا مثل حى لأولئك اليهود الذين يرفضون رسالة الإنجيل، فهم لا يعتبرون مقدسين بل يصلون إلى مستوى الوثنيين وعبدة الأصنام (نح 13:5 + أع 51:13). سلموا عليه = بهذا تبدأ كنيستنا صلواتها، بأن يطلب الكاهن البركة والسلام للشعب بقوله " إيرينى باسى أى السلام لجميعكم " وهذا ليس مثل السلام العادى بين الأشخاص العاديين وإلاّ ما معنى قول السيد يرجع سلامكم إليكم، إذاً هو بركة تمنح من الله. سدوم وعمورة= تكون حالتهم أكثر إحتمالاً من هؤلاء الرافضين إذ أن سدوم وعمورة لم ترى المعجزات التى رآها هؤلاء. هنا نرى أن العذاب درجات. والمجد أيضاً درجات " فنجم يمتاز عن نجم " (1كو 41:15). (لو 7:9-9):- فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان منه وارتاب لان قوما كانوا يقولون أن يوحنا قد قام من الأموات. وقوما أن ايليا ظهر وآخرين أن نبيا من القدماء قام. فقال هيرودس يوحنا أنا قطعت رأسه فمن هو هذا الذي اسمع عنه مثل هذا وكان يطلب أن يراه. هيرودس هذا هو هيرودس أنتيباس أحد أبناء هيرودس الكبير الذى كان يحكم كل اليهودية والجليل، ومات سنة 4 ق.م. وبعد موته إنقسمت مملكته أربعة أجزاء. ومن أولاد هيرودس الكبير. 1) اريسطوبولوس (لم يكن يحكم) وهو والد هيروديا. 2) هيرودس فيلبس(مر 17:6) وقد تزوج من هيروديا بنت أخيه. 3) هيرودس أنتيباس. وقد تركت هيروديا زوجها فيلبس لتتزوجه فى أثناء حياة زوجها فيلبس وهذا ما عارضه يوحنا المعمدان. ولقد كان مسموحاً، بل مطلباً للناموس أن يتزوج الأخ زوجة (أرملة) أخيه الراحل إذا كان هذا الميت قد مات دون نسل وذلك ليقيم نسلاً بإسم أخيه، لكن أن تترك زوجة زوجها لتتزوج بأخيه فهذا ضد الناموس. هيرودس رئيس الربع= هو أنتيباس، والربع هو ربع مملكة هيرودس الكبير أبوه. والربع الذى حكمه هو الجليل وبيرية (وهيرودس هذا هو الذى حاكم المسيح عندما أرسلهُ له بيلاطس البنطى. هو يوحنا المعمدان قد قام من الأموات= رغم أن يوحنا المعمدان لم يعمل معجزات (يو41:10)، والمسيح كان صانع للمعجزات، إلاّ أن تصور هيرودس أن المسيح هو يوحنا المعمدان وقد قام من الأموات، ما كان سوى إحساساً بالإثم وعذاباً للضمير. فالشرير يهرب ولاطارد (أم 1:28) (وهذا نفس ما حدث مع قايين). وهكذا تنتهى اللذة العابرة بعذاب مستمر وألم دائم. ولاحظ تدرج الشر فى حياة هيرودس 1) فهو أولاً قد إغتصب زوجة أخيه الحى.2) قتل يوحنا المعمدان. ولاحظ أن مؤامرة القتل قد تم تدبيرها وقت الإستمتاع الوقتى بالخطية. ولقد قتل هيرودس المعمدان ليكتم صوت الحق الذى كان يعذبه، لكن الخوف لم يفارقه، صار بلا سلام، فالخطية تفقد الإنسان سلامه الداخلى، وتفقده أبديته. أماّ الإلتزام بالحق فهو وإن كان ثمنه الإستشهاد لكن لن يفقد المؤمن سلامه على الأرض، وتكون له حياة أبدية. أين هيرودس الآن وأين يوحنا المعمدان؟! نهاية هيرودس:- كان هيرودس متزوجاً من إبنة الحارث والى النبطيين وبسبب زواجه من هيروديا طلقها. فقام عليه الحارث وحاربه وسحق جيشه. وتم نفى هيرودس وزوجته إلى فرنسا سنة 39م، ونالت إبنة هيروديا جزاءها إذ سقطت فى بحيرة من الثلج وقطعت رقبتها. ويضيف معلمنا مرقس على قصة متى أن هيرودس كان يحترم يوحنا ويهابه عالماً أنه رجل بار وقديس. وكان يحفظه آية(20) = واضح أن هيروديا كانت دائمة التدبير وحبك المؤامرات ضد يوحنا المعمدان (مر19:6). ولكنها لم تقدر لأن هيرودس كان يحفظه منها، إذ كان خائفاً من الشعب، ولأنه كان يعلم أنه رجل بار وقديس، ولكنه إنهار أخيراً أمام ألاعيب هذه المرأة التى أغوته برقصة إبنتها (سالومى) وهو فى حالة سكر ومجون, إذ سمعه فعل كثيراً= آية (20) وفى الترجمة الأصلية "إذ سمعه إضطرب كثيراً " ولكنه سمعه بسرور. وواضح أن ضميره كان يستيقظ بعض الوقت ويفرح لكلام المعمدان المملوء قوة بالروح القدس، ولكنه أمام شهواته كان يرفض الإذعان لصوت الحق، فكان صوت المعمدان يعذبه. هو كان يتعذب إذ لم يكن مستقيماً فى قلبه وخاضعاً لشهواته. وتمت جريمة القتل فى جو سُكر وعربدة ومجون، كان مجلس مستهزئين (مر 21:6) وإذ كان يوم موافق=هو كان موافقاً لأغراض هيروديا. وهيرودس هذا سماه السيد المسيح ثعلباً (لو 32:13). (لو 9 : 10-11):- ولما رجع الرسل اخبروه بجميع ما فعلوا فأخذهم وانصرف منفردا إلى موضع خلاء لمدينة تسمى بيت صيدا. فالجموع إذ علموا تبعوه فقبلهم وكلمهم عن ملكوت الله والمحتاجون الى الشفاء شفاهم. والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم= لماذا لم يقل والمرضى شفاهم؟ هناك من يستخدم الله المرض لشفائه روحياً (أيوب وبولس) هؤلاء هم المحتاجين للمرض، هناك من يحتاج لمعجزة شفاء ليؤمن والسيد يعطيه الشفاء ليجذبه للإيمان، ولكن بعد ذلك قد يسمح ببعض الألام ليكمل إيمان هذا الشخص، فإن كان قد قيل عن المسيح أنه تكمل بالألام فكم وكم نحن الضعفاء (عب 10:2 + عب5:12-11+ابط 1:4) والكنيسة تقرأ هذا الفصل فى الأحد الخامس من الشهر (لو تصادف وكان هناك أحد خامس) وتسميه إنجيل البركة. فرقم 5 يذكرنا بالمعجزة (خمس خبزات). وأكبر بركة حصلنا عليها هى القيامة. فإذا تصادف وجود خمس أحاد (والأحد هو يوم القيامة) تحتفل الكنيسة بهذه المناسبة وتقرأ إنجيل البركة. (لو10:9-17):- ولما رجع الرسل اخبروه بجميع ما فعلوا فأخذهم وانصرف منفردا إلى موضع خلاء لمدينة تسمى بيت صيدا. فالجموع إذ علموا تبعوه فقبلهم وكلمهم عن ملكوت الله والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم. فابتدأ النهار يميل فتقدم الأثنا عشر وقالوا له اصرف الجمع ليذهبوا إلى القرى والضياع حوالينا فيبيتوا ويجدوا طعاما لأننا ههنا في موضع خلاء. فقال لهم أعطوهم انتم ليأكلوا فقالوا ليس عندنا اكثر من خمسة أرغفة وسمكتين إلا أن نذهب ونبتاع طعاما لهذا الشعب كله. لأنهم كانوا نحو خمسة آلاف رجل فقال لتلاميذه اتكئوهم فرقا خمسين خمسين. ففعلوا هكذا واتكاوا الجميع. فاخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وباركهن ثم كسر وأعطى التلاميذ ليقدموا للجمع. فأكلوا وشبعوا جميعا ثم رفع ما فضل عنهم من الكسر اثنتا عشرة قفة. معجزة إشباع الخمسة الأف : هذه المعجزة هى المعجزة الوحيدة التى يدونها البشيرون الأربعة لأهميتها. فهذه المعجزة، معجزة إشباع الجموع بالخبز هى إشارة لشخص المسيح المشبع الذى به نستغنى عن العالم وهى رمز لسر الإفخارستيا الذى يعطينا السيد فيه جسده على شكل خبز، ويشبعنا كلنا به. لذلك قبل إتمام معجزة إشباع الجمع شفى السيد مرضاهم آية (14) كما غسل السيد أرجل تلاميذه قبل العشاء الربانى وفى هذا إشارة لإلزامنا بالتوبة والإعتراف قبل التناول وذلك لأنه بالتوبة والإعتراف تشفى النفس من مرضها الروحى فتتأهل لتقبل الجسد المقدس. ولما صار المساء=إشارة رمزية لحال العالم من ضيقات وجوع نفسى وروحى قبل مجىء المسيح. لكن جاء المسيح ليقدم الشبع، قدم جسده طعاماً. إصرف الجموع = بالحسابات البشرية لا يمكن إطعام كل هذا الجمع. وكم تقف الحسابات البشرية عائقاً أمام إمكانيات الإيمان. وفى يو (5:6،6 ) نجد السيد المسيح يسأل فيلبس ليمتحنه " من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء" فالسيد يظهر حجم المشكلة أولاً، ثم يظهر لفيلبس ضعف إيمانه وخطأ حساباته البشرية، إذ أن فيلبس رأى كثيراً من المعجزات الخارقة ومازال غير واثق. وطبعاً فسؤال السيد المسيح لفيلبس سينتج عنه زيادة إيمان فيلبس بعد أن يرى المعجزة. وعلينا أن نضع كل إمكانياتنا البشرية بين يدى المسيح طالبين البركة فى الصلاة. وهنا نرى سبباً مهماً حتى تحل البركة وهو جلوس الشعب فى محبة وتآلف، فبدون محبة لا بركة. ونلاحظ أن المسيح يعطى للتلاميذ (الكنيسة بكهنوتها وخدامها) والتلاميذ يعطون الناس. وفى هذه المعجزة نرى النعمة تمتد بالموجود لحدود عجيبة، نرى خلق بصورة جديدة، فالمتاح قليل ولكن مع البركة صار كثيراً جداً.وما هو القليل المتاح:- 1. خمس خبزات وسمكتين. 2. الخبز من الشعير وهو أرخص أنواع الخبز. 3. ومع من ؟ مع غلام صغير فالله يعمل بالقليل ويبارك فيه. دخل عنصر سماوى للمادة فتحدت الأعداد والكميات وأشبعت الألاف وتبقى منها. كما قال الله لبولس "قوتى فى الضعف تكمل" أى مهم وجود الضعف أى القليل الذى عندنا. وهذا هو مفهوم الكنيسة الأرثوذكسية فى الجهاد والنعمة. أمثلة:- 1- الله يأمر نوح ببناء فلك (جهاد) ولكن الله يغلق عليه فيحميه (نعمة) (تك 16:7) فهل كانت التكنولوجيا أيام نوح قادرة أن تبنى هذا الفلك العجيب، الذى يقام مياهاً من فوق ومن تحت. 2- المسيح يأمر بملأ الأجران فى معجزة تحويل الماء الى خمر، فهل من حول الماء إلى خمر كان غير قادر على تحويل الهواء إلى خمر ولا داعى لشقاء الخدام فى ملء الأجران. (ملء الأجران = جهاد وتحويل الماء لخمر = نعمة). 3- المسيح يأمر برفع الحجر عن قبر لعازر ثم أقام الميت، فهل من أقام الميت كان غير قادر على زحزحة الحجر. ولكن زحزحة الحجر هى الجهاد. 4- هنا المسيح يطلب ما معهم، وكل ما معهم، وهذا هو الجهاد. أماّ النعمة فهى قد حولت هذا القليل لإشباع الكثيرين. إذاً نعمة المسيح تعمل مع من يجاهد بقدر استطاعته ولا تعمل مع المتكاسل لذلك نسمع أن بولس قد جاهد الجهاد الحسن (2تى 7:4) ونسمع أنه كان يقمع جسده ويستعبده (1كو 27:9). ومن هذه المعجزة نفهم معنى رقم 5 فهو رقم النعمة المسئولة فرقم 5 هو رقم الحواس وأصابع اليد والقدمين، وهو رقم النعمة فبخمسة خبزات أشبع المسيح خمسة ألاف. ويكون المعنى أن نعمة المسيح تعمل مع من يحفظ حواسه طاهرة، ويحفظ إتجاهاته (قدميه) ويحفظ أعماله طاهرة (يديه). فالنعمة لا تعمل مع المتهاون. من يقدس حواسه واعماله وإتجاهاته، أى يكرسها للرب، مانعاً نفسه من التلوث بالعالم يمتلىء نعمة، وهذه النعمة هى التى تعطية ان يصير خليقة جديدة (2كو 17:5). وبهذه الخليقة الجديدة أو الطبيعة الجديدة ندخل السماء، إذ أن هذه الخليقة على صورة المسيح (غل 19:4) لذلك يقول بولس الرسول بالنعمة أنتم مخلصون (أف8:2) ويكمل ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد (أف 9:2) وذلك يعنى أن الأعمال ليست هى السبب الرئيسى لحصولنا على الطبيعة الجديدة، ولكن نحصل عليها بالنعمة ولكن حتى نمتلىء من هذه النعمة علينا أن نعمل ونجاهد فى أعمال صالحة سبق الله وأعدها لكى نسلك فيها (أف 10:2). والسيد المسيح كرر هذه المعجزة (مت 32:15-39). وكان عدد الجموع 4000 وعدد السمك (قليل لم يذكر عدده) والخبزات 7 وتبقى 7 سلال والسيد المسيح لم يكرر هذه المعجزات كثيراً حتى لا نطلب فى حياتنا معه أن يشبع إحتياجاتنا الجسدية بطريقة معجزية، لهذا رأيناه يترك تلاميذه الجائعين أن يقطفوا سنابل حنطة يوم السبت ويأكلونها، وترك بولس الرسول فى مرضه دون أن يشفيه فنتعلم أن نقبل من يده ما يسمح به دون طلب معجزات بصفة مستمرة إشباعاً لإحتياجات الجسد (طعام ومال وصحة) بل نطلب أولاً الروحيات= أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه تزاد لكم. والسؤال لماذا صنع السيد هذه المعجزة مرتين ومامعنى الأرقام؟ أشبع السيد الجموع مرتين إنما ليعلن أنه جاء ليشبع المؤمنين كلهم يهوداً وأمم. فالكنيسة اليهودية يمثلها الـ5000 إذ سبقت النعمة وعملت معهم خلال الناموس والأنبياء. وكنيسة الأمم يمثلها الـ4000 فرقم 4 يمثل كل العالم بإتجاهاته الأربعة. ولكن كلاهما بإيمانهما بالمسيح صار سماوياً. فرقم 1000 هو رقم السمائيين، فالملائكة ألوف ألوف وربوات ربوات. وتبقى من المعجزة الأولى 12 قفة ورقم 12 يشير لشعب الله المؤمن فى العهد القديم أو العهد الجديد. أى أن الشبع الذى يعطيه السيد هو لكل المؤمنين، هناك ما يكفى لكل مؤمن فى كل زمن وفى المعجزة الثانية تبقى 7 سلال إشارة للكنائس السبع أى كل كنائس العالم. فالشبع بشخص المسيح متاح للجميع فالكنيسة ستكرر إشباع الجموع تجسد المسيح عبر الزمن وإلى نهاية الدهور سمكتين= السمكة ترمز للمسيح (سمكة = إخثيس باليونانية وهذه الكلمة من خمسة حروف تشير لقولنا يسوع المسيح إبن الله مخلصنا وكونهم إثنتين لأن رقم 2 يشير للتجسد فهو الذى جعل الإثنين واحداً (أف14:2). وهو أشبعنا بجسده الذى قدمه لنا طعاماً. وفى المعجزة الثانية نسمع عن 7 أرغفة ورقم 7 هو عمل الروح الكامل (اش 2:11) فالروح يعلن شخص المسيح للمؤمنين (يو 14:16) وهذا يشبعهم وصغار السمك إشارة للرسل البسطاء المتواضعين الذين تأسست الكنيسة عليهم، أى على الإيمان بالمسيح الذى كرزوا به (أف 20:2) فالتلاميذ هم الذين أعلنوا شخص المسيح المشبع، 7 خبزات = قد يشير رقم 7 لعمل الروح القدس فى الكنائس السبع ليشبع الجميع بشخص المسيح.ونسمع أن السيد أراد أن ينفرد مع تلاميذه، فى موضع خلاء (مت 13:14). ونحن نحتاج لهذه الخلوة الهادئة نسمع فيها صوت يسوع فى هدوء، فصوته لا يمكننا سماعه فى ضوضاء العالم (أمل 12:19،13). فى إنجيل معلمنا يوحنا بعد هذه المعجزة مباشرة نسمع المسيح يتحدث عن نفسه كخبز الحياة، هو كأنه يشرح معنى المعجزة (يو6) إلى ماذا ترمز. القفة= من أين أتوا بالقفف التى وضعوا فيها الكسر؟ كان اليهودى يحمل معه قفة بها طعامه حتى لا يضطر لشراء طعام من الأمم أو السامريين. خمسة ألاف رجل ما عدا النساء والأولاد= بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس (رجالاً ونساء) كونوا رجالاً (1كو13:16) فى حديثه حتى يثبتوا فى الإيمان. فالنساء يرمزن للتدليل والأطفال يرمزون لعدم النضج، أما شعب الله فيأخذ أموره الروحية بجدية وهم ناضجين يستوى فى هذا الرجال أو النساء أو الأطفال (أبانوب الشهيد كان عمره 12 سنة) الشبع= من أشبع البطون قادر أن يشبع النفوس والعواطف وقادر أن يشبع الروح وهذا هو الأهم، فمن يشبع روحياً يشبع نفسياً بالتبعية والشبع النفسى أى العاطفى، فيه يحتاج الإنسان أن يُحَّبْ وأن يُحِّبْ أى يتبادل الحب مع الآخرين سواء زوجة أو أطفال. ولكن الله الآب يعطينا الحب الأبوى والمسيح عريس نفوسنا قادر أن يشبعنا عاطفياً والروح القدس يسكن المحبة فى قلوبنا وإلاً كيف عاش الرهبان القديسين وكيف يعيش إنسان بلا أهل ؟ الله يشبع نفوسنا. بل من يشبع روحياً بمعرفة المسيح تشبع بطنه. فكم من أباء سواح إكتفوا بعشب الأرض طعاماً لهم عشرات السنين. مشكلة العالم أنه يبحث عن الشبع الجسدى والعاطفى وينسى أن لهُ روحاً لا تشبع إلاً بعلاقتها مع خالقها. هذا سبب إنهيار الغرب وكثرة حالات الإنتحار والتعامل مع الأطباء النفسانيين أمر الجموع أن يتكئوا على العشب = والسمك الذى أكلوه كان سمكاً مملحاً (فسيخ) وكانت هذه عادة لسكان السواحل، فهم يملحون الأسماك الباقية من طعامهم، ويأخذونها معهم فى مناسبة كهذه. وهذا المنظر هو ما تعود الأقباط أن يعملوه بعد عيد القيامة أى فى يوم شم النسيم إذ يخرجوا إلى الحدائق الخضراء ويأكلون الفسيخ تذكاراً لهذه المعجزة، خصوصاً بعد عيد القيامة الذى فيه أخذنا قيامه وحياة مع المسيح لندخل إلى موضع الخضرة على ماء الراحة فى فردوس النعيم (أوشية المنتقلين) فالخضرة رمز للحياة، والقيامة حياة وشبع بشخص المسيح. وهذا ما نفعله فى شم النسيم بعد القيامة. الذهاب للحدائق = الخضرة وهذه إشارة للفردوس، حيث نذهب بعد القيامة. (لو 18:9-21):- وفيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه فسألهم قائلا من تقول الجموع أنى أنا. فأجابوا وقالوا يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون أن نبيا من القدماء قام. فقال لهم وانتم من تقولون أنى أنا فأجاب بطرس وقال مسيح الله. فانتهرهم وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد. من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان …. أنت هو المسيح إبن الله الحى.. طوبى لك لاحظ أن المسيح هنا يؤكد ناسوته، والآب يعلن لبطرس لاهوت المسيح وهذا هو إيمان الكنيسة أن تجسد وتأنس، الله ظهر فى الجسد (اتى 16:3). وهذا الإيمان الذى أعلنه بطرس طَوَّبَهٌ المسيح عليه، فهو أعلن دستور الإيمان القويم، والمخلص يعلن أنه يقيم كنيسته على هذا الإيمان، ويعطى كنيسته سلطان الحل والربط، ليس لبطرس فقط بل لكل الرسل (مت 19:16+ مت 18:18). ولما سأل السيد سؤاله ردد التلاميذ ما يقوله الناس، فمثلاً هيرودس قال أنه يوحنا المعمدان=(مت 2:14). وهناك من قالوا أنه إيليا أى أنه السابق للمسيح (ملا 5:4) وآخرون تصوروا أنه واحد من الأنبياء لأن موسى تنبأ بأن نبيا مثله سيأتى لهم (تث15:18). وأنتم من تقولون إنى أنا = فالسيد المسيح يهتم جداً بكيف نعرفه نحن خاصته فماذا لو سألك المسيح.. من أنا.. هل سيكون ردك عن معرفة نظرية عرفتها من الكتب، أو من خبرات شخصية إختبرت فيها حلاوة شخصه وحلاوة عشرته، وتعزياته إذ يقف بجانبك فى الضيقات، هل عرفته أم سمعت عنه. فبطرس لم يُكَوِّن رأيه عن المسيح من كلام الناس، بل الله أعلن لهُ، إذاً فلنصرخ إلى الله ليفتح أعيننا لنعرف المسيح ونختبره فنقول مع أيوب، بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى (أى 5:42) لنصلى حتى يعلن لنا الروح القدس عمن هو المسيح، وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس (1كو 3:12 + يو 14:16) إيماننا بالمسيح، ومعرفتنا بالمسيح هو إعلان إلهى يشرق به الآب بروحه القدوس. وتسلم هذا الإيمان خلال التلاميذ والكنيسة، وإستلمناه، ولكن لنصلى حتى لا يبقى هذا الإيمان مجرد خبرة نظرية ولكن خبرة عملية بشخص السيد المسيح، فنحبه إذ ندرك لذة العشرة معه، ومن يُدرك هذا سوف يحسب كل الأشياء نفاية (فى 8:3). أنت هو المسيح = المسيح هو المسيا الذى كان اليهود ينتظرونه مخلصاً. وكلمة المسيح تعنى الممسوح من الله. وكانت المسحة فى العهد القديم هى للملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء فقط (رؤ 5:1 + ابط 4:5 + لو 76:1 ) وفى هذه الآيات نرى المسيح ملكاً ورئيساً للكهنة ونبياً) إبن الله الحى= لقد سبق نثنائيل وقال هذا قبل بطرس، أن المسيح إبن الله ولكن نثنائيل كان يقصدها بطريقة عامة كما يقولون إسرائيل إبن الله.ولذلك لم نسمع أن السيد طوب إيمان نثنائيل كما فعل مع بطرس (يو 47:1-51). أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى= المسيح لايبنى كنيسته على إنسان مهما كان هذا الإنسان. ولكن معنى الكلام أن الكنيسة ستؤسس على هذا الإيمان الذى نطق به بطرس، أن المسيح هو إبن الله الحى. وبإتحادنا به خلال المعمودية نصير أولاد الله، وندخل إلى العضوية فى الملكوت الروحى الجديد وننعم بحياته فينا، نحمله داخلنا كسر حياة أبدية. ولاحظ قول الكتاب أَنْتَ (مذكر) بطرس وعلى هَذِهِ ( مؤنث) الصخرة إذاً الصخرة هى ليست بطرس، لأن الصخرة التى تبنى عليها الكنيسة هى المسيح نفسه (1كو4:10).والمسيح هو حجر الزاوية (1بط 6:2). وكلمة بطرس مشتقة عن اليونانية Petra بترا أى صخرة، فالمسيح أسس كنيسته على صخرة هى الإيمان به كإبن الله والمسيح لم يقل له أنت Petra. بل قال له أنت Petrus أبواب الجحيم لن تقوى عليها= أبواب الجحيم هى إشارة لقوى الشر وهذه لن تنتصر على الكنيسة، بل ولا الموت قادر أن يسود على المؤمنين، بل هم سيقومون من الموت فى الأبدية ( هذا إذا كان إيمانهم صحيحاً كإيمان بطرس ) وهى أيضاً تشير للتجارب والحروب ضد الكنيسة والمؤمنين سواء كان مصدرها الشيطان أو بشر يحركهم شياطين. فإبن الله الصخرة وحجر الزاوية هو بنفسه الذى يسند كنيسته فلن تنهار. وأعطيك مفاتيح.. +مت 18:18 + يو 21:20. فالمسيح أعطى لكنيسته سلطان الحل والربط وغفران الخطايا وإمساكها، القبول فى شركة الكنيسة أو إخراج وفرز المخالفين من الشركة المقدسة، السيد أعطي لكنيسته سلطان الحكم على أولادها وتأديبهم. المسيح من خلال كنيسته يحل ويربط. والربط هو لمن يصر على خطيته، فتحرمه الكنيسة من التناول. والحل هو لمن يتوب ويعترف بخطاياه. أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد= اليهود تصوٌروا أن المسيح آتٍ كمخلص من الرومان. وهم فهموا بعض الآيات فى سفر المزامير مثل تحطمهم بقضيب من حديد (مز 9:2 + مز6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص المسيح ان لا ينتشر خبر أنه المسيا حتى لا يفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا أنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل من أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وأنتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع (لو 41:4) لأن الجموع كان لها مفهوم سياسي وعسكري لوظيفة المسيا. ولكن حينما أعلن بطرس ان المسيح هو إبن الله فرح المسيح وطوبه، لكنه وجه تلاميذه للفهم الحقيقي السليم للخلاص، وأن هذا لا يتم بالانتصار على الرومان، بل بموته وقيامته (مت 21:16) إذاً نفهم أن المسيح يود أن يعرف الناس حقيقته، ولكن ليس كل واحد، بل لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63:26،64). لكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحب حالة السامعين. فإن من له سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى. فمستوى السامع فى نموه هو الذي يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. فالله إذاً يعطينا أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك. وراجع حوار المسيح مع السامرية لترى التدرج فى إعلان حقيقته ومع تجاوبها كان يعلن لها ما هو أكثر عنه. - إذاً الهدف الأول من أن لا يقولوا لأحد أن لا تطالبه الجماهير بأن يكون ملكاً زمنياً أرضياً فتحدث ثورة شعبية ضد الرومان، ولهذا أثاره الرهيبة. - السبب الثانى حتى لا يحرص الكتبة والفريسيون أن يقتلوه قبل الوقت، أى قبل أن ينهى كل تعاليمه وأعماله. - لا يصح أن يتكلم التلاميذ عنه كإبن الله دون أن تظهر الوهيته بالدليل الساطع وذلك بقيامته فعلاً بعد موته. متى (13:16) قيصرية فيلبس= أسسها هيرودس فيلبس، وسميت بإسمه تميزاً لها عن قيصرية التى على البحر. وهى عند سفح جبل حرمون بجانب منبع نهر الاردن (لو 18:9) وفيما هو يصلى... (مز 27:8) وفى الطريق :- لوقا وحده أشار لصلاة المسيح وربطها بهذا الإعلان السمائى لبطرس بحقيقة المسيح، إذ بصلاة المسيح يُعلن الآب بروحه القدوس لبطرس هذا السر. ومعنى صلاة المسيح هو شفاعة المسيح عنّا امام الآب. لذلك نطلب بإسمه أى شىء نطلبه من الآب. (يو 23:16،24). فالمسيح صلّى على إنفراد (لو 18:9) ثم سار معهم إلى نواحى قيصرية فيلبس وفى الطريق سألهم هذا السؤال فالمسيح بشفاعته عنا يقبلنا الآب ويعمل فينا بروحه القدوس، وأول ما يعمله فينا الروح القدس أنه يثبتنا فى المسيح إبن الله (بالمعمودية والتوبة والإعتراف والتناول ) ثم يعلن لنا عمن هو المسيح فنفهم حقيقة علاقتنا بالله، هو يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله (رو 16:8). لوقا يشير لصلاة المسيح هنا لأنه يدرك خطورة ما سيعلنه بطرس الآن، ويشير أننا لا يمكننا فهم هذه الحقائق إلاّ بشفاعة المسيح الكفارية= صلاته. ولاحظ أن نص أعتراف بطرس يختلف من إنجيل لآخر، ولكن بجمع النصوص يتكامل المعنى. متى :- المسيح إبن الله الحي :- هذه إشارة للاهوته فهو الله المتجسد. مرقس :- المسيح :- هو المسيح أى الممسوح كرئيس كهنة سيقدم ذبيحة نفسه. لوقا :- مسيح الله :- هو مسيا النبوات الموعود به فى الكتاب، الذى ينتظرونه. (لو 22:9-27):- قائلا انه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. وقال للجميع أن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني. فان من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلي فهذا يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله واهلك نفسه أو خسرها. لان من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الأب والملائكة القديسين. حقا أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله. المسيح أوضح لتلاميذه من هو وأنه أتى ليؤسس كنيسته، وها هو يعلن ثمن تأسيس الكنيسة أى الصليب. وقبل أن يتوهم تلاميذه إذ سمعوا أنه إبن الله المسيا المنتظر، أنهم سيملكون معه إذ يصير ملكاً وقائداً عظيماً، ها هو يشرح لهم أنه حقاً سيملك ولكن سيملك على قلوب كنيسته بصليبه، حاملاً الرياسة على كتفه (أش 6:9) فالرياسة كانت بصليبه الذى به ملك على قلوبنا، هو بصليبه هدم مملكة الخطية ومملكة إبليس وأقام ملكوته. وقوله هذا يشير لأنه يعلم سابقاً وبدقة ما سيحدث له، إذاً فما سيحدث له هو بسلطانه. (لو 27:9):- حقا أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله. بعد الآية السابقة والتى تحدث فيها السيد المسيح عن المجد، أصبح إشتياق التلاميذ شديداً أن يروه أو حتى يعرفوا ما هو. والسيد فى هذه الآية يطمئنهم بأن بعضاً منهم لن يذوقوا الموت قبل أن يروا ملكوت إبن الإنسان. فما هو ملكوت إبن الإنسان؟ ملكوت إبن الإنسان هو حين يجلس عن يمين أبيه، ويكون فى صورة مجد الآب. ويجلس ليدين. ويملك على الأبرار وهم يخضعون لهُ، ويطأ إبليس وتابعيه ويحبسهم فى البحيرة المتقدة بالنار فيكفوا عن مقاومتهم لملكه. كل هذا سيكون فى يوم الدينونة وما بعده.. ولكن نلاحظ أن كل من أستمع للسيد المسيح وهو يقول هذا الكلام، الكل ما توا أو استشهدوا قبل مجىء السيد المسيح فى مجده ليدين الجميع. فما معنى أن منهم من يموت قبل أن يرى إبن الإنسان آتياً فى ملكوته ؟ نلاحظ أن بعد هذه الآية مباشرة، وفى الأناجيل الثلاثة تأتى قصة تجلى المسيح على الجبل. وفى التجلي رأى بعض التلاميذ بعضاً من مجد السيد المسيح بقدر ما كشفه لهم، وعلى قدر ما إحتملوا، وهم تمتعوا بمجده، وكان هذا إعلاناً عن بهائه الإلهي، وهؤلاء لم يموتوا حتى رأوا هذا المجد وآخرون ممن سمعوا كلمات المسيح هذه رأوا قيامته وصعوده وحلول الروح القدس على الكنيسة وبدء ملكوت الله داخل قلوب المؤمنين، رأوا آلاف تترك آلهتها الوثنية (بل وتبيع ممتلكاتها كما رأينا فى سفر أعمال الرسل) ويحرقوا كتب السحر ويتبعوا المسيح ويملكوه على قلوبهم، ورأوا آلاف الشهداء يبيعون حياتهم حباً فى المسيح، كل هؤلاء كان ملكوت الله فى داخلهم (لو 21:17). لقد رأوا ملكوت الله معلناً فى حياة الناس ضد مجد العالم الزائل. كل هؤلاء الشهداء والذين باعوا العالم لأجل المسيح تذوقوا حلاوة ملك المسيح على قلوبهم، وكان هذا عربون المجد الأبدي إلى أن يحصلوا على كمال مجد الملكوت المعد لهم. وهناك ممن سمعوا قول المسيح هذا لم يموتوا حتى رأوا خراب أورشليم وحريقها الهائل سنة 70م، لقد رأوا صورة للمسيح الديان، ورأوا عقوبة رافضى المسيح. ولاحظ أن الله دبر هروب المسيحيين كلهم من أورشليم قبل حصارها النهائي. لا يذوقون الموت =هذه لا تقال إلاّ على الأبرار فهم لا يموتون بل ينتقلون، وكما قال المسيح عن الموت أنه نوم ( عن إبنة يا يرس وعن لعازر). أماّ الأشرار فهم يموتون وهم مازالوا على الأرض "إبنى هذا كان ميتاً فعاش + لك إسم أنك حى وأنت ميت ( لو 24:15+رؤ 1:3). وذاق الموت قيلت عن المسيح (9:2) فتذوق الموت هو موت بالجسد أما الروح فتذهب إلى الله فى انتظار القيامة. ومن يتذوق عربون المجد الأبدى هنا على الأرض لا يموت بل يتذوق الموت فقط. ويكون معنى كلام السيد أن من الموجودين، من لن ينتقل قبل أن يتذوق حلاوة ملكوت الله فى داخله، وهذا ما حدث بعد يوم الخمسين حينما حل الروح القدس فملأهم سلاماً وفرحاً، وكان المسيح يحيا فيهم (غل 20:2). (لو 28:9-36):- وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام اخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلي. وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضا لامعا. وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وايليا. اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم. وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع يا معلم جيد أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة وهو لا يعلم ما يقول. وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا. ولما كان الصوت وجد يسوع وحده وأما هم فسكتوا ولم يخبروا أحدا في تلك الأيام بشيء مما أبصروه. 1) فى الآية السابقة وعد السيد تلاميذه أن منهم من سوف يرون إبن الإنسان آتياً فى ملكوته، ها هو هنا يريهم عربون المجد الأبدى فى الملكوت. 2) أخذ السيد معه 3 تلاميذ ليشهدوا على ما حدث، ورقم 3 كافى جداً كشهود بحسب الناموس. وكان الثلاثة دائماً يرافقونه فى الأحداث الهامة مثل إقامة إبنة يايرس وفى بستان جثسيمانى، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. وبطرس لم ينسى ما رآه وسجله فى رسالته (2 بط 16:1-18) وهكذا يوحنا (يو14:1). 3) يقول تقليد الكنيسة أن الجبل كان هو جبل تابور. وهو جبل عالٍ يشير للسمو، سمو قدر المسيح الذى سيرونه الآن متجلياً 4) التجلي هو إعلان لمجد المسيح ولا هوته بخروجه عن مستوى الأرض والزمن. فيه أعطى السيد لتلاميذه أن يتذوقوا الحياة الأخروية، معلناً أمجاده الإلهية بالقدر الذى يستطيع التلاميذ أن يحتملوه وهم بعد فى الجسد. 5) السيد حدث تلاميذه عن آلامه وموته، فكان لابد له أن يظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، وإذ رأوا مارأوه كان هذا قوة لهم وسنداً على إحتمال الآلام والاضطهادات التى سيواجهونها دون أن يتعثروا فيه. والله دائماً يعزى كل متألم ليحتمل ألمه. 6) صعدوا أولاً على جبل لكى يتجلى أمامهم. ولكى نعاين نحن مجد الرب يجب أن ندرب أنفسنا أن نحيا فى السماويات، وتكون لنا خلوة هادئة باستمرار نتأمل فيها فى الكتاب المقدس، ونرتفع فوق شهوات العالم ورغبات الذات لنحقق وصية بولس الرسول " فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق.. إهتموا بما فوق لا بما على الأرض.. اميتوا أعضاءكم التى على الأرض (كو1:3-5"). وتأملنا فى كلمة الله المكتوبة فى الكتاب المقدس تكشف لنا عن كلمة الله أى المسيح، وكلما عاشرناه نحيا فى السماويات كمن يرتفع فوق جبل. 7) التجلي محسوب للإنسان، فنحن سنحصل على جسد ممجد (فى 21:3 + 1يو 2:3). (لو 37:9 –43):- وفي اليوم التالي إذ نزلوا من الجبل استقبله جمع كثير. وإذا رجل من الجمع صرخ قائلا يا معلم اطلب إليك انظر إلى ابني فانه وحيد لي. وها روح يأخذه فيصرخ بغتة فيصرعه مزبدا وبالجهد يفارقه مرضضا اياه. وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا. فأجاب يسوع وقال أيها الجيل غير المؤمن والملتوي إلى متى أكون معكم واحتملكم قدم ابنك إلى هنا. وبينما هو آت مزقه الشيطان وصرعه فانتهر يسوع الروح النجس وشفى الصبي وسلمه إلى أبيه. فبهت الجميع من عظمة الله وإذ كان الجميع يتعجبون من كل ما فعل يسوع قال لتلاميذه. 1) هنا يشفى السيد ولداً يصرعه الشيطان، أن يخرج منه هذا الشيطان وتأتى هذه المعجزة مباشرة وراء حادثة التجلى. فليس معنى أن يعطينا الله ونحن مازلنا على الأرض بعض التعزيات السماوية أن نكف عن الجهاد ضد الشيطان. ونلاحظ دعوة السيد لتلاميذه لأن يصوموا ويصلوا ليهزموا إبليس. إذاً الحياة الروحية هى جهاد ضد مملكة إبليس بصوم وصلاة وخدمة النفوس التى يعذبها الشيطان بل يستعبدها، وجَذْبَها للمسيح، وهى أيضاً تعزيات سماوية مفرحة. ولننظر لخادم مثالى هو بولس الرسول، وقارن تعزياته (2كو3:1-7) (كم مرة يذكر كلمة تعزية) مع جهاده فى خدمته (2كو 23:11-33). ولكن هناك من يخطىء ويظن أن الحياة الروحية هى خلوة مع الله فقط، وأيضاً هناك من يخطىء ويظن أنه قادر على الخدمة المتواصلة بدون خلوة مع الله. 2) يُصرع ويتألم شديداً = أصل الآية يُصرع فى رؤوس الأهلة وبعض الترجمات ترجمتها يُصرع بالقمر (رؤوس الشهور القمرية) وهذا خداع شيطانى ليوحى للناس علاقة صرع الولد بالكواكب. عموماً فلنلاحظ أن كل من يُستعبد لإبليس يفقد سلامه ويعيش فى ألام حقيقية. 3) يقع كثيراً فى النار وكثيراً فى الماء= وهذا ما يفعله إبليس مع كل واحد منها فهو يحاول أن يدفعنا لنيران الشهوات أو نيران الغضب أو يدفعنا لبرودة الفتور. إن يخضع للخطية يفقد سلامه ويتشتت فكره ويتألم جسده، ويندفع فى خصام بل قتال عنيف مع من حوله، أماّ عن حياته الروحية فهى فتور كامل. 4) تلاميذك لم يقدروا أن يشفوه = المسيح منع عنهم الموهبة حتى يفهموا أهمية الصلاة (الصراخ لله باستمرار) وأهمية الصوم (الزهد فى ملذات الدنيا ) ويكون لديهم شعور مستمر بالإحتياج. فيبدو أنهم بعد التجلى وما رأوه شعروا بنشوة وإكتفاء جعلهم ينسون الصلاة والصوم. 5) أيها الجيل غير المؤمن= 1) ضعف إيمان التلاميذ 2) ضعف إيمان الوالد وهو صرح بهذا أعن عدم إيماني (مر 24:9) 3) ضعف بل عدم إيمان الجمع، جلسوا يحاورونهم فى إستخفاف وقساوة قلب وعدم إيمان. هنا نلمس فى كلمات الرب رنة عدم الرضا ونفاد الصبر فالمسيح أراد أن يرى تلاميذه ولهم صلوات قوية وأصوام يصرع أمامها الشيطان.ولنعلم أن الإيمان ينمو حتى ولو كان مثل حبة خردل، لذلك فالتلاميذ طلبوا مرة من السيد قائلين زد إيماننا (لو 5:17) وبولس يمدح أهل تسالونيكى أن إيمانهم ينمو (2تس 3:1). والله يعمل مع كل واحد من أولاده ليزيد إيمانه، تارة بعطايا حلوة وتارة بتجارب نرى منها يد الله. ولكن من يأخذ عطايا حلوة فليشكر ويسبح، ومن تأتى عليه تجارب فليسلم الأمر لله ويصلى فيرى يد الله. أماّ من يأخذ عطايا فينشغل بها عن الله أو من تأتى لهُ تجارب فيتذمر ويترك صلواته، فمثل هذا لن ير يد الله ولن ينمو إيمانه. ونرى هذا الأب أتى للمسيح وإعترف بأن إيمانه ضعيف أو معدوم، لكن المسيح لم يرفضه إذ أتى إليه، بل شفى له إبنه وبهذا زاد إيمانه. فلنصرخ لله بدون تذمر شاكرين على كل حال فينمو إيماننا وما يساعد على نمو الإيمان. أيضاً الصلاة الكثيرة والأصوام المصاحبة لها. 6) تقولون لهذا الجبل إنتقل=الجبل هو أى خطية محبوبة او شهوة نستعبد لها أو عقبة مستحيلة أو أى صعوبة بحسب الظاهر تواجه المسيحى، كل هذا يمكن أن يتزحزح بالصلاة والصوم مع الإيمان. ولقد تم نقل جبل المقطم فعلاً بحسب هذه الآية 7) جاء المسيح للتلاميذ فى الوقت المناسب، فهم فشلوا فى إخراج الروح والكتبة والجمع يحاورونهم فى إستهزاء. ودائماً يأتى المسيح لكنيسته فى الوقت المناسب ليرفع عنها الحرج ويبكم المقاومين "الله فى وسطها فلا تتزعزع (مز 5:46). وهذا هو وعده (مت 19:10،20) فهو المسئول عن الكنيسة والمدافع عنها، فهى عروسه. 8) مفهوم السيد المسيح هنا عن الصلاة والصوم ولزومهم لطرد الأرواح الشريرة إلتقطته كنيستنا ووضعت أصواماً كثيرة مع صلوات وتسبيحات عديدة، حتى تعطى شعبها قوة فى حربه ضد إبليس. والله يعطى مواهب ( كما أعطى التلاميذ سلطان إخراج الشياطين ) لكن لنحافظ على هذه الموهبة لابد من الصلاة والصوم. 9) (مر 15:9):- تحيروا= رما لأنه كان نازلاً من الجبل مبكراً، أو لأنهم فوجئوا به، وهم أرادوا أن يستمر حديثهم السافر مع تلاميذه، وهم يعلمون انهم لا يستطيعون شيئاً أمامه هو شخصياً، فإن حضر لن يستطيعوا السخرية من عجز التلاميذ. أو هل كان وجهه مازال يشع نوراً من أثار التجلى !! عموماً فالسيد لاحظ تكتل الكتبة ضد تلاميذه فسألهم بماذا تحاورنهم (مر 16:9) فلم يجيبوا. ثم صرخ هذا الأب طالباً الشفاء. 10) (مر 20:9) للوقت صرعهُ الروح= إن طرد روح الشر من حياتنا يصحبه صراع شديد، ولكن بعد أن تتقابل النفس مع المسيح وتدخل فى عشرة معه يمسك بيدها ويقيمها فتقوم مستندة على ذراعه. 11) أومن يا سيد فأعن عدم إيماني= أعلن الوالد إيمانه = أومن.. ولكن خشى أن لا يكون كافياً فصرخ متذللا= أعن عدم إيمانى … فهو إعتبر إيمانه كالعدم، وطلب من الرب أن يعينه فى حالته. فمهما كان إيماننا فهو مازال ناقصاً، وإذا قيس بما يجب أن تكون عليه ثقتنا فى المسيح فهو عدم. ولكى يقوى إيماننا يجب أن نصرخ أؤمن يا سيد فاعن عدم إيمانى. والله دائماً يستجيب لهذه الصرخة وإستجابته تزيد إيماننا. ولاحظ أن السيد لم يرفضه إذ اعترف بعدم إيمانه بل شفى له ابنه وبالتالى شفى له إيمانه. 12) قول المسيح إلى متى أكون معكم= فيه إشارة لصعوده، فإن كان تلاميذه ضعفاء وهو فى وسطهم يسندهم، يرونه ويسألونه ويكلمونه، فماذا سيحدث لهم بعد الصعود إذ لا يجدوه.. هذا يحتاج لإيمان، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان. 13) كم من الزمن منذ أصابه هذا(مر21:9) = هذا السؤال يوجه لكل من طال زمانه فى الخطية (زمان بقائه مستعبداً لها ) وطال زمان بقائة فى أسر إبليس. وسؤال المسيح معناه لماذا لم تأتى إلىّ لأشفيك منذ زمان. ويشير السؤال لتأثر المسيح لاستعباد الشيطان للبشر كل هذا الزمان. 14) (مر 26:9) فصار كميت = من يخرج منه روح شرير يصير كميت عن العالم (مر27:9) فأمسكه يسوع وأقامه= هو ميت عن العالم حى مع المسيح وهذين = مع المسيح صلبت فأحيا (غل 20:2). 15) السيد أعطى تلاميذه الموهبة على الشفاء وإخراج الشياطين ولكن يلزم إضرام أى موهبة بالصلاة والصوم (2تى 6:1). 16) نفهم من (لو 37:9) أن هذه القصة كانت فى اليوم التالى للتجلى. 17) إلى متى أكون معكم وأحتملكم= واضح تكرار الأناجيل الثلاثة لهذه الجملة. إن أكثر ما يحزن الرب يسوع هو أن يرى أولاده مهزومين أمام الشياطين. لقد أعطانا سلطاناً أن ندوس الحيات والعقارب (لو 19:10) فلماذا لا نستخدمه، لماذا نستسلم ونقول " الشيطان شاطر " هذه الجملة تحزن رب المجد جداً. (لو 43:9-45):- فبهت الجميع من عظمة الله وإذ كان الجميع يتعجبون من كل ما فعل يسوع قال لتلاميذه. ضعوا انتم هذا الكلام في آذانكم أن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس. وأما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مخفى عنهم لكي لا يفهموه وخافوا أن يسألوه عن هذا القول. السيد يخبر تلاميذه بالصليب وهذا ياتى بعد 1) التجلى 2) إخراج الروح الشرير. وهذا يعنى 1) مع أهمية التجلى وأفراحه وتعزياته لكن حتى ننعم بهذا أبدياً لابد من الصليب. 2) حتى يُهزم عدو الخير نهائياً فلابد من الصليب (كو 14:2،15). 3) ولاحظ أن أحداث الصليب كانت تقترب لذلك كان السيد المسيح ينبه تلاميذه حتى لا يفاجئهم ما سوف يحدث. ولكن كون السيد يخبرهم بما حدث إذاً هو يذهب للصليب بسلطانه إذ هو آتى لذلك. 4) السيد لا يريد أن تلاميذه يذهب فكرهم إلى الأمجاد الزمنية خصوصاً بعد التجلى وبعد معجزة إخراج الروح النجس، فيعود ويحدثهم عن أهمية الصليب فالعالم هنا طالما كنا فى الجسد هو عالم ألم وصليب أماّ المجد فهناك.لم يفهموا = فهم فى ذهنهم الأمجاد العالمية، فما علاقة هذا بالصليب. ولم يفهموا أن الصليب هو طريق المجد. 5) لاحظ البعض أن السيد فى بعض الأحيان كان يطلب إخفاء أخبار مجده كما حدث فى موضوع التجلى، وهنا فى ( لو 44:9) يطلب من تلاميذه كتمان موضوع ألامه. فضعوا أنتم هذا الكلام فى أذانكم = فكلا الأمرين غير منفصل فالمسيح تمجد بقيامته وبتجليه وبصعوده. (مت 24:17-27) إيفاء الدرهمين الدرهمين=هى ضريبة تدفع لقيصر، وهذه هى الجزية التى تدفعها الشعوب المستعمرة لقيصر. وكان رئيس الكهنة والكهنة معافين من دفع هذه الجزية. وكان قد فات، أو قد حان ميعاد دفع الجزية فتساءل الناس هل يدفع المعلم الجزية أم لا. وكان السؤال حرجاً للمسيح، فقد عُرِفَ أن المعلم هو المسيا المنتظر، وكان بعض الناس يرددون هذا الكلام ولكن رسمياً فهو ليس بكاهن، والنظام السائد يلزمه بالدفع، فهل يدفع وهو المسيا أم لا ؟ وبطرس لهذا تحرج أن يسأله، ولكن العارف بما فى القلوب بادره بالسؤال، وسؤال المسيح يشير لأن النظام جائر فقيصر لاحق له أن يطالب أصحاب الأرض بدفع جزية. ولكن المسيح أظهر طاعة للنظام مهما كان جائراً. وهذه المعجزة لها معنى فللرب الأرض وملكها، والرب اراد أن يقول لبطرس إدفع الجزية مهما كانت جائرة والله الذى له كل الأرض يعوضك من غناه. ولاحظ أن الرب لم يقل لبطرس إذهب إصطاد سمكاً وبعه وأوفى الدرهمين. ولكن طلب منه أن يصطاد سمكة واحدة، وهنا نرى مثالاً جديداً للجهاد والنعمة. فيا بطرس لأنك صياد إذهب وصِدْ (الصيد = جهاد) ولأنك خادم الله فستجد أعوازك مسددة بطريقة معجزية (نقود فى بطن السمكة = نعمة). وحين يرعانا الله فلا يعوزنا شىء. ولاحظ أن حرج موقف المسيح أيضاً فى ان الوطنيين كانوا يعارضون دفع الجزية للأجانب أى الرومان. ولكن المسيح فضل أن يخضع للنظام الموجود ولا يعثر أحد. ولكن لاحظ فقر المسيح وتلاميذه، إذ لا يمكلون مقدار هذه الجزية. فالدرهمين = ½ شاقل يهودى = تقريباً 6 قروش، ولكن الرب إفتقر ليغنينا (2كو 9:8) والأستار= شاقل يهودى. والسيد أعطى لبطرس من بطن السمكة ما يكفى تماماً لدفع الجزية عنه وعن بطرس، فقد كان النظام الرومانى يقضى بأن يدفع كل يهودى ½ شاقل = ½ أستار والأستار هو عملة. (لو 46:9-48):- وداخلهم فكر من عسى أن يكون اعظم فيهم. فعلم يسوع فكر قلبهم واخذ ولدا وأقامه عنده. وقال لهم من قبل هذا الولد باسمي يقبلني ومن قبلني يقبل الذي أرسلني لان الأصغر فيكم جميعا هو يكون عظيما. فكر التلميذ المتأثر بالفكر اليهودى، أن المسيا حين يأتى، سيأتى لكى يملك على الأرض، جعلهم يشتهون أن يجلسوا واحداً عن يمينه وواحداً عن يساره (مت 21:20،22)..هذا الفكر إستمر حتى ليلة العشاء السرى (لو 24:22-27) ولكن المسيح كان يتكلم عن ملكوت السموات أمامهم دائماً، فإختلط عليهم الأمر، وظنوا أن ملكوت السموات هذا يمكن أن يكون على الأرض، وبنفس الفكر بدأوا يحلمون بمراكز أرضية حين يملك المسيح فى ملكوت السموات هذا، ودخلهم تساؤل عمن يكون الأعظم فى هذا الملكوت. وبمقارنة ما حدث فى إنجيلى متى ومرقس نجدهم وقد شغل هذا الموضوع ذهنهم تماماً يتحاورون فى الطريق عمن هو الأعظم فيهم، بالتالى سيكون هو مثلاً الوزير الأول فى ملك المسيح. ولما أتوا إلى البيت فى كفر ناحوم سألهم الذى لا يُخفى عليه شئ عمّا كانوا يتكلمون فيه، فسكتوا (مر 34:9) ثم تساءلوا علناً ولم يستطيعوا أن يستمروا ساكتين (مت 1:18)، فإذا دب فكر العظمة والكبرياء فى القلب فهو لا يهدأ. وحتى يكسر السيد كبريائهم أتى بولد ودعاهم أن يتشبهوا بالأولاد ومن يفعل فهو الأعظم.. قطعاً ليس فى السن بل :- 1. فى حياتهم المتواضعة الوديعة كالأطفال (1كو 20:14) 2. فى الثقة فى كلام أبيهم السماوى والإتكال عليه وطاعته. 3. البساطة وتقبل الحقائق الإيمانية والروحية، فالطفل يصدق ما يقال له. 4. الأطفال لا يشعرون أنهم أفضل من الأخرين فالغنى يلعب مع الفقير. 5. لاحظ أن الأطفال لا يشعرون بأنهم متواضعين، فمن يشعر أنه متواضع، أو أنه يتواضع حين يكلم إنساناً فقيراً فهو ليس متواضع. 6. التسامح المطلق فالطفل لا يحتفظ فى قلبه بأى ضغينة. 7. إذا أحزن إنسان طفلاً فهو لا ينتقم لنفسه بذراعيه بل يلجأ لوالديه. 8. الطفل بلا شهوات، بلا طلب للمجد الباطل، بلا حسد للآخرين. 9. إذا تشاجر الأطفال فهم سريعاً ما يتصالحون ويعودون للعب معاً. 10. ملكوت الله الذى يؤسسه المسيح لا وجود فيه لمن يبحث أن يكون الأقوى والأعظم بل من يدخله هو من يحس بضعفه وأنه لا شئ ولكن قوته وعظمته هى فى حماية الله له (2كو 9:12،10). وهذه طبيعة الأطفال. 11. بلغة التعليم المعاصر، فهذا الولد فى حضن المسيح هو وسيلة إيضاح. 12. الطفل يطلب ما يريده واثقاً فى أخذه من أبيه، وهو لا يفكر فى أن أبوه يعطيه لأنه يستحق، بل هو يطلب بدالة المحبة. ولاحظ قول السيد المسيح من قبل ولداً واحداً مثل هذا بإسمى فقد قبلنى فالمسيح هنا وحَّد نفسه بالأطفال والبسطاء والضعفاء.. بإسمى = أى من أجل المسيح، فمن يقبل طفلاً يكون كمن قبل المسيح نفسه. والحقيقة فإن المسيح حين يقول إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فهو يقصد نفسه، أى إن لم ترجعوا وتستعيدوا صورتى التى حصلتم عليها فى المعمودية فلن تدخلوا ملكوت السموات. فنحن نولد بالمعمودية على صورة المسيح. نحن خلقنا أولاً على صورة الله (تك 26:1،27) وفقد الإنسان الصورة الإلهية باختياره لطريق العصيان والخطية. وأتى المسيح وفدانا وأعطانا سر المعمودية وفيها ندفن ونموت ونقوم مع المسيح وبصورة المسيح. ولكننا مع إحتكاكنا بالعالم نفقد هذه الصورة الإلهية ثانية، وكلام السيد المسيح هنا، أن هناك إمكانية لإستعادة هذه الصورة = إن لم ترجعوا = إذاً هناك إمكانية للرجوع ولكن كيف؟ هذا هو عمل النعمة، التى تعيدنا للصورة الإلهية، والنعمة تحتاج لجهاد، لذلك نسمع بولس الرسول يقول " يا أولادى الذين أتمخض بهم (ألام الجهاد والخدمة) إلى أن يتصور المسيح فيكم(عمل النعمة) وعمل النعمة يعطينا أن نصير خليقة جديدة على صورة المسيح (غل19:4 + 2كو 17:5) لذلك نحن نخلص بالنعمة (أف 8:2) التى بها نعود للصورة الإلهية. والأولاد هم المولودين من الماء والروح وقد خرجوا بدون خطية، والمسيح هو الذى قال عن نفسه "من منكم يبكتنى على خطية"، لذلك كان هذا الولد فى حضن المسيح إشارة للمسيح نفسه. ونحن إن لم نحصل على صورة المسيح لن ندخل ملكوت السموات. هذه تشابه أن لكل بلد فى العالم عملة يتم التعامل بها داخل حدود هذا البلد، لكن إن حاولت التعامل بعملة عليها صورة ملك آخر لن يُسمح لك بأن تتعامل بها. فنحن نصبح عُملة قابلة للتداول فى السماء لو إنطبعت علينا صورة الملك السماوى. فإن كان المسيح قد تواضع وترك مجده السمائى لأجلنا، أفلا نتخلى نحن عن أفكار العظمة الأرضية مثل ما فعل هو ونتصاغر أمام الناس وأمام أنفسنا، إذا كان المسيح قد صار عبداً أفلا نقبل أن نتصاغر مثله أمام إخوتنا. خصوصاً أن النعمة تسندنا، وبالمسيح نستطيع كل شئ (يو 5:15 + فى 13:4) فهل نقبل؟ والسيد يشرح كيف تساندنا النعمة.... هذا يكون بالجهاد.. وكيف نجاهد ؟ إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون أخر الكل وخادماً للكل (مر 35:9) من أراد أن يصير فيكم عظيماً يكون لكم خادماً (مر 43:10) من أراد أن يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبداً (مر 44:10) والسيد ضرب بنفسه المثال فقال عن نفسه أنه أتى ليَخدم لا ليُخدم (مر45:10). وهو غسل أرجل تلاميذه وطلب أن نفعل ذلك (يو 12:13-17). ومن يفعل تسانده النعمة ليرجع ويكون كالأولاد أى يستعيد صورة المسيح ولاحظ قول السيد من وضع نفسه مثل هذا الولد = كلمة وضع نفسه تعنى أنه لا يدعى الإتضاع طلباً لمديح الناس، فما أخطر أن تدعى النفس الإتضاع. بل هو عليه أن يفهم الحقيقة "اننا لا شئ.. تراب.. بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولكن نحن بالمسيح، وليس من أنفسنا، قد أصبحنا أولاداً لله. فقيمتنا ترجع لا لأنفسنا بل للمسيح الذى فينا. ولاحظ أن عمل المسيح فى أن يأتى بطفل ويعمل ما عمله، بأن يحتضنه ويوحد نفسه به، ويقول ما قاله. هذا كان عجيباً فى أيامه، فقد إحتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أى حق من الحقوق، ويستطيع الوالدان أن يفعلا بطفلهما ما يشاءا بلا رقيب، وتعرضت الطفولة فى اليونان لمتاعب كثيرة، فكانوا يتركون الأطفال فى العراء أياماً حتى يموت الضعيف ويبقى القوى. واليهود فى أى حصر أو تعداد ما كانوا يحصون النساء ولا الأطفال. ولكننا هنا نجد السيد يشير للطفل بأنه مثال يجب أن نتشبه به. الرومان واليونان كانوا يفتخرون بالقوة والعظمة لذلك إحتقروا الأطفال لضعفهم، أماّ المسيح فيطالبنا بالتشبه بهم فى ضعفهم وأن نعتبر أن قوتنا هو الله نفسه.. هذا هو ملكوت الله. · نستطيع أن نقول أن هذا الإصحاح وما يقابله فى إنجيل القديس مرقس. يشتمل على قوانين الملكوت. أى كيف ندخل الملكوت. القانون الأول:- نعود ونكون مثل الأطفال. (لو 9 : 49-50): فأجاب يوحنا وقال يا معلم رأينا واحدا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه ليس يتبع معنا. فقال له يسوع لا تمنعوه لان من ليس علينا فهو معنا يا معلم رأينا واحداً يخرج شياطين بإسمك = طالما يستخدم إسم المسيح فهو مؤمن وهو ليس يتبعنا= أى ليس من الإثنى عشر أو السبعين. ولنلاحظ أنه ما كان ممكناً لهذا الإنسان أن يخرج شياطين إن لم يكن مؤمناً بالمسيح. لكن يوحنا تعجب أنه ليس من تلاميذ المسيح إذ ظن يوحنا أن المعجزات هى للتلاميذ فقط. لكن هذا الإنسان كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق وإن لم تكن له فرصة للتبعية الظاهرة ونفهم من درس المسيح أن الكنيسة كنيسة واحدة ولا معنى فيها للتعصب لشخص ما أو جماعة ما، وهذا قطعاً لا يعنى قبول تعاليم مخالفة لتعاليم وعقيدة الكنيسة. ولكن على الكنيسة أن تفهم أنها متسعة القلب للجميع، لها وحدة ومحبة تجمع الكل خلال إيمان مستقيم. أماّ من يعمل قوات وأيات من خارج إطار الإيمان المستقيم فهؤلاء ينطبق عليهم قول السيد إذهبوا عنى يا فاعلى الإثم (مت 22:7،23). من ليس علينا= الذى ليس مخالفاً لنا ولكنيستنا فى الإيمان = فهو معنا فى وحدة ومحبة وهذه الأيات أوردها القديس مرقس مباشرة بعد مشاجرة التلاميذ فمن هو الأعظم فيهم. ومن هذا نفهم أن العثرة تأتى فى الكنيسة من مفهوم من هو الأعظم. فيوحنا إعتبر أن هذا الشخص طالماليس من مجموعتهم فهو أقل منهم وليس من حقه أن يحصل على نفس مواهبهم فى إخراج الشياطين. والسيد يعلمهم مفهوم آخر، يُفهم أن من ليس ضدنا ( ضدنا = يعلم تعاليم مخالفة للإيمان) وهو يحب المسيح ويستخدم إسمه فهو معنا، فالكل جسد واحد والكل فى مملكة المسيح لهم سلطان على إبليس. ومن هذا نفهم أن القانون الثالث:- الكنيسة أو ملكوت الله هو ملكوت الوحدة والمحبة. كنيسة واحدة وحيدة مقدسة رسولية. من سقاكم كأس ماء بإسمى.. لا يضيع أجره كما يعاقب الله معثرى الكنيسة نجده هنا يكافئ من يقدم لها الخدمات، ولكن على أن يكون بإسم المسيح. فمن يقدم لخدام المسيح لأجل إسم المسيح فهذا ينال مكافأته من الله وبهذا نفهم أن القانون الرابع:- الملك الذى يعاقب أعداء كنيسته هو يجازى من يخدمها. الآيات (51-56): "وحين تمت الأيام لإرتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم. وأرسل أمام وجهه رسلاً فذهبوا ودخلوا قرية للسامريين حتى يعدوا له. فلم يقبلوه لأن وجهه كان متجها نحو أورشليم. فلما رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنا قالا يا رب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضاً. فالتفت وانتهرهما وقال لستما تعلمان من أي روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص فمضوا إلى قرية أخرى." حين تمت الأيام لإرتفاعه= إنتهى زمن التعليم وصنع المعجزات وأتى وقت الصليب. وكلمة تمت تشير أن كل شئ يسير وفق خطة إلهية أزلية، فلا مجال للصدفة في الأحداث. إرتفاعه= تشير لإرتفاعه على الصليب، وتشير أيضاً لصعوده إلى السماء. فهذا التعبير إرتفاع إستخدم مع إيليا عند إرتفاعه إلى السماء. ثبت وجهه= تعبير عبري يعني العزيمة القوية أمام صعوبات قائمة (حز2:6+ أر10:21+ خر14:33). فالمسيح قصد أن يتوجه إلى أورشليم وهو عالم بأن أعدائه يتآمرون عليه وأنه هناك سيحاكم ويصلب ويموت، ولكنه قد جاء لهذه الساعة ليخلص البشر. والسيد إذ كان متوجهاً لأورشليم كان لابد له أن يمر بالسامرة فإنتهزها فرصة ليكرز ويبشر أهلها، فأرسل تلاميذه يعدون له، لكن أهل السامرة لعدائهم لليهود رفضوه إذ كان متجهاً لأورشليم أي لأنه يهودي ومعروف العداوة بين السامريين واليهود. (السامريون هم خليط من اليهود الذين تبقوا في أرض العشر أسباط أي مملكة إسرائيل الشمالية بعد أن أخذ ملك أشور معظم اليهود إلى أشور.. مع النازحين من بلاد بابل وأشور في ذلك الوقت.. لذلك كانت عبادة السامريين هي خليط من اليهودية والوثنية. كانوا لا يعترفون سوى بأسفار موسى الخمسة، ولا يعترفون بأورشليم كمدينة مقدسة ولا بالهيكل فيها، إنما يعتبرون أن جبل جرزيم الذي في أرضهم هو الجبل المقدس.. لذلك إحتقر اليهود السامريين، وكره السامريون اليهود) وكان من العسير أن يمر يهودي في أرض السامرة خصوصاً لو كان متجهاً لأورشليم، والسبب أن السامريون كانوا يعتدون عليه ويضربونه. وأمام هذا الرفض يطلب يعقوب ويوحنا ناراً تنزل وتحرق وتفني، لذلك أسماهم المسيح بوانرجس أي إبني الرعد (مر17:3). وربما لغيرتهما الشديدة وحماسهما. ولكن هذه الغيرة التي تطلب الإنتقام إذ تقدست في المسيح صارت غيرة مقدسة لمجد الله، ولخدمة إسمه. لستما تعلمان من أي روح أنتما= أي أنتم قد تغافلتم عن ماهية الروح الذي فيكم، والذي أريده لكم، والذي يقود للسلام والوداعة والمحبة وعدم مقاومة الشر بالشر، والرغبة في خلاص الأشرار وليس روح النقمة والإفناء. أما روح الإنتقام والإفناء فهي من عدو الخير وليس من روح الله القدوس الذي يسكب المحبة في قلوبنا. (لو 57:9-62):- وفيما هم سائرون في الطريق قال له واحد يا سيد اتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع للثعالب اوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. وقال لأخر اتبعني فقال يا سيد ائذن لي أن امضي أولا وادفن أبى. فقال له يسوع دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله. وقال أخر أيضا اتبعك يا سيد ولكن ائذن لي أولا أن أودع الذين في بيتي. فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله. يقدم القديس لوقا هنا ثلاث عينات لثلاث أشخاص أرادوا أن يتتلمذوا للسيد المسيح. وذكر القديس متى مثلين منهم فقط. الأول:- هذا الإنسان رأى المسيح واحبه، نمت مشاعره تجاه السيد، لكنه لم يفهم أن تبعيته المسيح فيها حمل للصليب، لقد فرح بالمعجزات وبسلطان المسيح وربما تصوَّر أن تبعية المسيح فيها مجد أرضى، لذلك أفهمه المسيح أنه حتى المسيح وهو السيد ليس له مكان يسند رأسه فيه. ونلاحظ انه فى الحالات الثلاث كان السيد يجيب ليس بحسب قول الشخص ولكن بحسب ما فى فكره الداخلى. كثيرون يشتهون الخدمة لإمتيازاتها ولا يعرفون صليبها فيسرعون بدخول الخدمة، وما ان تصادفهم مشاكل الخدمة يسرعون بالهرب لذلك نجد السيد هنا يُظهر هذا لذلك الشخص، أن هناك تكلفة للتلمذة أوجرة = كهوف. أوكار= مآوى. وهناك تفسير موازٍ، أن المسيح لا يجد فى قلب هذا الشخص مكاناً يسند راسه فيه وذلك لرفضه الصليب، بينما وجدت الطيور رمز الكبرياء لإرتفاعها والثعالب رمز الخبث أمكنة داخل قلب هذا الشخص. إذاً نفهم من كلمات المسيح هنا أن هذا الشخص كان يطلب تبعية المسيح فى خبث ليحصل على إمتيازات كشفاء المرضى، أو المناصب العالمية، وقطعاً فهو رافض الصليب. هو ظن المسيح سيملك ملكاً عالمياً وسيملك هو معهُ (مثل سيمون الساحر) وكون السيد ليس له أين يسند رأسه فذلك لأنه سماوى، لا مكان لهُ ولا راحة لهُ على الأرض، ومن يتبعه فعليه أن يقبل هذا الوضع.ويتجرد من محبة المال والمجد الأرضى. الثانى:- هذا الشخص كان يفكر فى أن يتبع المسيح لكنه مرتبك ببعض الأمور فلربما كان له والد شيخ وكان ينتظر موته ليدفنه ثم يتبع المسيح. فهو حسن النية مشتاق للتلمذة، لكن عاقته الواجبات العائلية. مثل هذا يشجعه المسيح ليتخذ قراره، لذلك نسمع السيد يقول له إتبعنى وهنا يصرح بمشكلته ويقول له السيد دع الموتى يدفنون موتاهم= أى دع الموتى روحياً (الذين يرفضون أن يتبعوننى) يدفنون الموتى جسدياً (أى يدفنوا أباك حين يموت بالجسد طبيعياً). والمسيح هنا لا يدعو للقسوة مع الوالدين، بل معنى قوله أن هناك كثيرين سيقومون بهذا الواجب ولكن إتبعنى أنت. ومن شفى حماة بطرس قادر أن يدبر كما قلنا كل إحتياجات تلاميذه بما فيها دفن موتاهم. ولربما لو بقى لدفن والده تنطفأ الأشواق المباركة للتلمذة التى كانت داخله ويعوقه العالم. كثيراً ما منعت العواطف البشرية كثيرين من تبعية المسيح. دعوة المسيح لهذا الشخص تعنى أنا أريدك لأعمال اعظم من دفن الموتى. من يريد أن يصير تلميذاً للرب عليه أن يترك أهل العالم يعيشون حياتهم العادية، أما هو فيكرس نفسه لخدمة الملكوت. فتلميذ المسيح كرس حياته لخدمة الأحياء، ليس لخدمة الموتى، هو بخدمته يقود الناس للحياة وهذا أهم.قطعاً السيد لن يمنعه من دفن والده إذا مات، لكن المقصود عدم التعطل عن الخدمة بسبب التعلقات العاطفية الزائدة، والإنشغال بميراث الميت وتقسيمه.. الخ. ومراسيم العزاء اليهودية تمتد لشهور. الثالث:- هذا له نظرة مترددة، قلبه موزع بين المسيح والعالم. وكل من يهتم بهموم العالم أو يخشى الإضطهادات أو خسارة المال، مثل هذا لا يستطيع خدمة الإنجيل أو أن يتبع يسوع، فيسوع لا يقبل من قلبه موزع بينه وبين العالم. هذا الشخص الثالث يشبه إمرأة لوط. هذا الثالث يطلب التلمذة ولكنه بقلبه مع عواطفه البشرية تجاه أهل بيته، مثل هذا يبدأ الطريق مع المسيح لكنه لا يكمل. من يضع يده على المحراث، لابد وأن ينظر للأمام ليسير فى خط مستقيم غير ملتو، ومن ينظر للخلف يلتوى منه خط السير. وهكذا من يرتد ليهتم بالمشاعر الإنسانية ويترك خدمة المسيح بسببها، أو تفشل خدمته. لاحظ أن المسيح لا يمنع من أن يذهب هذا الشاب لوداع أهله لكن إذ يذهب هو سيبقى معهم فترة ربما تمنعه من تبعية يسوع بعد ذلك. v ونلاحظ فى إنجيل لوقا أن لوقا وضع هذه الشروط للتلمذة مباشرة قبل إرساليته السبعين رسولاً لتكون لهم دستور حياة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح التاسع ارسالية التلاميذ واشباع الجموع والتجلي [ 1 ] ارسالية التلاميذ ( ع 1 - 6 ) ذكرت أيضا في ( مت 10 : 1 - 14 ؛ مر 6 : 7 - 13 ) ع 1 : قبل أن يرسل المسيح تلاميذه للخدمة ، اعطاهم سلطانا علي الشياطين وكل اعمالها في البشر ، ليخرجوها ويخلصوهم منها ويشفوا أيضا كل الأمراض . + إن كان الله يدعوك لخدمته ، فثق انه يعطيك قوته أولا ، ولا يقف امامك أي عائق حتى الشياطين ، لان إلهنا قادر علي كل شئ وهو الذي يعمل فيك عندما تخدمه. ع 2 : هدف الخدمة هو التبشير بملك الله علي القلوب والتوبة عن كل خطية ، ليصير القلب نقيا صالحا لسكني الله . وربط هذا التبشير بشفاء الأمراض تاكيدا لقوة هذه التعاليم ، ولاننا في الجسد ولسنا ارواحا فقط ، فنحتاج إلى التعليم الروحي مقترنا بمساندة الجسد ، أي شفائه من الأمراض . ع 3 : أعلن المسيح لتلاميذه عدم حاجتهم للامكانيات المادية في خدمته ، لان الله ، الذي وهبهم السلطان علي الشياطين والأمراض ، هو يكفي كل احتياجاتهم ، فلا يحتاجون إلى ( عصا ) يستندون عليها أو يدافعون بها عن افسهم ، لأن المسيح يدافع عنهم بصليبه العصا الحقيقة . و لا يحتاجون إلى ( مزود ) الذي يوضع فيه الطعام ، لأن المسيح هو طعامهم الحقيقي ويعطيهم احتياجاتهم من الخبز المادي . ولا اموال العالم ( فضة ) فهو يغنيهم ، ولا يحتاجون إلى ( ثياب ) فهو يكسيهم بثوب البر، ويحفظ ثيابهم المادية ، ويعوضهم عن كل ما يتلف من الماديات . ع 4 : اوصاهم أيضا إلا ينتقلوا من بيت إلى بيت بغرض المجاملات والضيافة ، بل يقيموا في بيت واحد للتركيز علي هدفهم وهو التبشير ، وليس في ذلك تثقيلا علي هذا البيت لأنه يقيمون فترة قليلة في كل قرية . ع 5 : نبههم المسيح إلى أن البعض سيرفضون تعاليمهم فلا ينزعجون ، بل ينفضون غبار ارجلهم ، أي لا يأخذون شيئا ماديا منهم ولا حتى التراب ، ويستمرون في التبشير للاخرين ع 6 : الجميل انهم اهتموا بكل قرية أو موضع صغير قدموا الخدمة له بالتبشير والشفاء . + لا تهمل أحدا مهما بدا صغيرا أو ضعيفا ، بل قدم محبة المسيح للكل ، فمنهم اخوة الله ، وهذا يفرح قلبه جدا . [ 2 ] اضطراب هيرودس ( ع 7 - 9 ) ذكر هذا أيضا في ( مت 14 : 1 - 5 ؛ مر 6 : 14 - 2 ) ع 7 - 8 : كان هيرودس انتيباس رئيس ربع علي الجليل ، وهو ابن هيرودس الكبير ، وقد سمع ببشارة المسيح وتلاميذه فاضطرب بسبب انتشار بعض الاقوال بين الناس أن يوحنا قد قام من الاموات ، وآخرون قالوا إن إيليا الذي صعد إلى السماء قد ظهر علي الأرض ، وآخرون ظنوا أن المسيح هو أحد الانبياء القدامي ، مثل إشعياء ، قد قام وبدا يبشر. ع 9 : أعلن هيرودس جريمته ، وهي قتل يوحنا فتعجب هل فعلا قام من الاموات ؟ و كان خوفه مازال شديدا من توبيخات يوحنا له ، وتمني أن يري المسيح ليتاكد من ذلك . اسمع عنه مثل هذا : - أي معجزات المسيح القوية . + الخطية تزعج الخاطئ ، وكلام الحق يظل يتردد حتى موت من قاله ؛ فاسترجع سلامك بالتوبة حتى لا تنزعج من الحق . [ 3 ] إشباع الجموع ( ع 10 - 17 ) ذكرت هذه المعجزة أيضا في ( مت 14 : 13 - 21 ؛ مر 6 : 35 - 43 ) ع 10 : بعد رجوع التلاميذ من خدمتهم التي ارسلهم المسيح إليها ، جاءوا إليه واخبروه بكل ما حدث معهم ، ثم انصرف المسيح بتلاميذه عن طريق البحر إلى مدينة بيت صيدا ، واتي إلى السهل المجاور للمدينة ليستريح مع تلاميذه في هذا الموضع الخلاء . + من المهم أن تقدم تقريرا عن خدمتك لمن ارسلك أي الله ، بالصلاة والشكر ، وكذلك للمسئول عن خدمتك ليتابعك ويرشدك. ع 11 : سمعت جموع اليهود بوجوده ، فاسرعوا إليه ورحب بهم ، ولم يطلب هو ولا تلاميذه راحتهم ، بل انتهزها فرصة ليشبعهم بكلامه المحيي ، ويشفي من يطلبون الشفاء من امراضهم . و نلاحظ أن المسيح قد اعد الجموع بكلامه ، وطهرهم من اتعابهم وامراضهم ، قبل أن ياكلوا من الطعام الذي باركه ( السمك والخبز ) كما يحدث اليوم عند التناول من الأسرار المقدسة ، فلابد أن نستعد بالتعاليم الروحية من خلال قداس الموعظين وكل صلوات القداس ، ونتطهر في سر التوبة والاعتراف ، حينئذ نتاهل لنوال الأسرار المقدسة . + الله يعطيك ، إن كنت تشعر بحاجتك إليه وتطلب منه . ع 12 : من حلاوة كلام المسيح واهتمامه بشفاء كل الأمراض ، طال الوقت حتى الغروب ، فشعر التلاميذ بجوع الجموع وحاجتهم للراحة ، لذا طلبوا من المسيح أن يصرفهم حتى يرجعوا إلى قراهم حيث يجدوا طعاما ومكانا للراحة ، لان السهل الذي اجتمعوا فيه كان خاج المدن والقري . وهنا يظهر اهتمام الخدام أي التلاميذ بمن يخدمونهم . ع 13 : تجاوب المسيح مع احتياج الجموع للطعام، وطلب من تلاميذه أن يفتشوا عن طعام لاشباع الجموع ، فبحثوا ولم يجدوا إلا خمسة ارغفة وسمكتين مع غلام ، وحينئذ اخبروا المسيح بانه لا يوجد معهم طعام ، وإن أراد فليذهب التلاميذ ليشتروا طعاما للجموع من القري المحيطة . هذا هو اخر قدرات البشر أي الضعف والعجز أمام كبر المشكلة ، فقد عرفوها ولكن ليس عندهم حل ، إذ لا يتوفر لهم أيضا اموال لشراء هذا الطعام . ع 14 : كان عدد الجموع كبيرا ، وهو خمسة الاف رجل عدا النساء والأطفال ، ولم يذكر عدد النساء والأطفال لان الرجل هو رب الاسرة ، فيشير إليها ، أي أن الآكلين كانوا 5000 اسرة . وعدم ذكر النساء والأطفال ليس احتقارا لهم ، بل يرمز روحيا إلى أن المرأة تشير إلى الحياة المتنعمة والطفل إلى عدم النضج ، أما الرجل فيشير للحياة الجادة وتحمل المسئولية . و عدد خمسة يشير إلى اسفار موسى الخمسة أي كل اليهود ، وألف يشير للابدية والحياة السمائية ، فالخمسة الآف تشير لليهود الذين يؤمنون بالمسيح ويحيون بالفكر السمائي . و الخمس خبزات تشير للحواس الخمسة ، كما يقول العلامة اوريجانوس ، أي كمال المجهود الانساني . والسمكتان ترمزان إلى العهد القديم والجديد ، فقدموا جهد الإنسان بضعفه الشديد في العهدين للمسيح ، أما هو فببركته جعله كثيرا ومشبعا. و كما يظهر ضعف الإنسان تظهر قوة المسيح ولاهوته الذي بدا في حل المشكلة ، فامر التلاميذ بتقسيم الجموع إلى مجموعات ، كل مجموعة خمسين ، وبهذا النظام يمكن أن يصل الطعام للكل ، وتظهر عظمة البركة باشباعهم . و عدد خمسة كما قلنا يشير للمجهود الانساني ، وعشرة عدد الكمال ، فخمسين ترمز إلى كمال المجهود الانساني وهو مجرد تقسيمهم إلى فرق ، أما الشبع فياتي من نعمة المسيح . ع 15 - 16 : أطاع التلاميذ والجمع ، وهنا تظهر اهمية النظام والطاعة ، ثم اخذ المسيح السمكتين والخمس خبزات ، أي عطية البشر القليلة . ونظر إلى السماء ليرفع القوب إلى الحياة السمائية ويعلن انه الله الذي اتي من السماء ليفديهم ثم بارك الطعام وكسر واسترمت البركة حتى وزعوا علي الكل الجمع . ع 17 : اكل الكل وشبعوا وفاض عنهم ، فامر المسيح بجمع الكسر حتى يشعرهم بفيض البركة فلا نهملها اونلقيها عنا ، وكانت الكسر كثيرة حتى ملات إثنتي عشرة قفة ، بعدد التلاميذ أو عدد أسباط إسرائيل ، أي البركة تكفي كل المؤمنين ، وإذ يحمل كل تلميذ قفة علي كتفه وهو عائد إلى المدينة يتاكد في قلبه من قوة وبركة المعجزة. [ 4 ] التعرف علي شخص المسيح ( ع 18 - 22 ) : ورد هذا الكلام أيضا في ( مت 16 : 13 - 16 ؛ مر 8 : 27 - 31 ) ع 18 : انفرد المسيح مع تلاميذه في موضع هادئ ورفع صلاة لاجل ايمانهم به وليعلمهم اهمية الصلاة والخلوة . فعلي قدر اهمية الخدمة ينبغي أن يسبقها صلاة وخلوة للامتلاء من الله . ثم سال المسيح تلاميذه عما يظنه الناس فيه ، ليظهر الفكر البشري وحدوده ، وليشجعهم أن يعلنوا ايمانهم به بعد ذلك والذي هو اعلي من ايمان الجموع . ع 19 : اختلفت آراء اليهود ، فظنه البعض يوحنا قد قام من الاموات أو ايليا قد نزل من السماء وذلك لقوته في اعلان الحق مثلهما ، ومن اجل كلامه العميق ظنه الآخرون انه أحد الانبياء من العهد القديم قد قام وبدا يبشر ثانية . ع 20 : مسيح الله : المسموح من الله لفداء البشرية . سال المسيح تلاميذه عن ايمانهم به ، بعد أن تتلمذوا علي يديه ، وفهموه اكثر من الجموع الذين مازالوا يعيشون بالفكر البشري الارضي المحدود . فاعلن بطرس ، إذ هو جرئ ، فكر التلاميذ في المسيح انه المسيا المنتظر ، الذي تلكمت عنه النبوات . ع 21 - 22 : منعهم المسيح من اعلان ذلك للجموع حتى لا ينشغلوا به كملك ارضي ، إذ كان اعتقاد اليهود الخاطئ في المسيح انه ملكوته ارضي ويخلصهم من الرومان ، واوضح لتلاميذه بانه ينبغي أن يتالم ويموت ثم بعد ذلك يقوم ظافرا ، فالمسيا هو المخلص الفادي الذي يموت لأجلنا ليقيمنا فيه . + اقبل أن تتالم مع المسيح أولا ، حتى تتمتع بقوته وقيامته في حياتك ، ولا تنشغل براي الناس فيك حتى لا تتعطل عن هدفك وهو الملكوت . [ 5 ] حمل الصليب ( ع 23 - 27 ) ذكر هذا الحديث أيضا في ( مت 16 : 24 - 28 ؛ مر 8 : 34 - 38 ) ع 23 : بعد أن أعلن المسيح لتلاميذه ضرورة تالمه وموته عن البشرية ، يبدوا انه وصل مع تلاميذه إلى إحدى القري فخرجت الجموع لاستقباله ، فاعلن لهم أيضا شرطا اساسيا في تابعيه وهو حمل الصليب وذلك من خلال الاتضاع وانكار الذات ، ثم احتمال الآلام والضيقات أيضا ، ليس فقط في بعض الاوقات أو بداية الحياة مع الله ، بل كسمة اساسية في حياة المؤمن كل يوم . ع 24 : يخلص نفسه يهتم باشباع شهواته وراحته الجسدية والجري وراء الكرامة . يهلكها : بهذا يبعد عن الله ويستعبد لجسد فلا ينتظره إلا الهلاك الأبدي . يفرح المسيح قلوب سامعيه بان حمل الصليب هو خلاص النفس ، فعلي قدر احتمال الصليب وسحق الذات ، تخلص النفس من الخطية وتتمتع بعشرة المسيح ، ثم تنال خلاصا ابديا . ع 25 : معني حمل الصليب هو التنازل عن لذات العالم الفاسدة ، لان النفس وخلاصها اغلي من كل العالم . ع 26 : من يرفض حمل الصليب ويخجل من احتمال الخزي والاهانات والآلام سيخجل أيضا منه المسيح في يوم الدينونة أمام الملائكة والقديسين ، أي سيلقي في العذاب ويفقد كل مجد ابناء الله . فحمل الصليب شرط اساسي للخلاص والمجد الأبدي . ع 27 : يختم المسيح كلامه بان خلاصه سيعلن قريبا بموته وقيامته ، فيؤمن به كل منيقبل حمل الصليب ويملك علي قلبه ، وهكذا سيري كثير من سامعيه ملكوت الله علي قلوب المؤمنين . و هناك تفسير آخر بانه يعني اعلان مجده علي جبل التجلي لثلاثة من تلاميذه . تفسير ثالث بانتشار البشارة في العالم كله خلال سنوات ليست بكثيرة علي أيدي الرسل ، فيملك الله علي قلوب المؤمنين المنتشرين في العالم كله . و معني هذا تشجيع سامعيه علي حمل الصليب لنوال ملكه علي قلوبهم ثم الملك الأبدي . + اقبل الآلام التي توجهك ، فهي بسماح من الله لنمو حياتك الروحية وتخليصك من خطايا كثيرة ، وإلتجئ إلى الله وسط هذه الآلام فيثبت ايمانك وتختبر عشرته اكثر من ذي قبل . [ 6 ] التجلي ( ع 28 - 36 ) وردت أيضا في ( مت 17 : 1 - 9 ؛ مر 9 : 2 - 9 ) ع 28 : بعد حديثه عن الآلام والصلب بثمانية أيام ( بحساب اليوم الذي تكلم فيه عن الصلب واليوم الذي تجلي فيه ، وبهذا يزيد يومين عما ذكره متي ومرقس إذ قالا بعد ستة أيام مت 17 : 1 ) و عدد 8 يشير إلى الأبدية لان أيام الاسبوع 7 ، فاليوم التالي لها يدخلنا فيما بعد هذه الحياة أي الأبدية وهذا لان التجلي هو لمحة من امجاد السماء . اخذ المسيح تلاميذه الثلاثة المقربين ، لاستعدادهم الروحي الخاص في قبول اعلانات إلهية عظيمة واهتمامهم وفرحهم للوجود اكبر وقت مع المسيح ، فصعد بهم إلى جبل وهو علي الارجح جبل حرمون . و الجبل يرمز إلى تنفيذ الوصية ، فينبغي الجهاد الروحي للارتفاع عن الارضيات إلى السماويات ، بتنفيذ الوصية واحتمال اتعاب الصعود ، للتمتع ببركة الله واستعلانه لنا خلال تنفيذنا لوصاياه. كان الغرض المعلن أولا للتلاميذ هو الصلاة في خلوة مع المسيح ، وإذ احبوا الخلوة والصلاة ، أعلن لهم المسيح مجده في التجلي . + الله مستعد أن يعلن نفسه لك إن كنت تحب أن توجد معه في الصلاة وتجاهد في تنفيذ وصاياه . ع 29 : لم يترك المسيح ناسوته ، بل تغير أي صار ممجدا فهو الإله المتانس ولاهوته لم يفقده ناسوته لباس المسيح يرمز للكنيسة الملتصقة به ، فتصير بيضاء من بهاء مجده وعمله فيها . فمجدنا من خلال التصاقنا به . ع 30 : ظهر مع المسيح في تجلية موسى وايليا بشكل رجلين . وموسى يمثل الناموس ، وايليا يمثل الانبياء ، فالمسيح غاية الناموس والانبياء ورجاء الذين رقدوا مثل موسى ، والاحياء المجاهدين مثل ايليا . ع 31 : ظهر موسى وايليا مع المسيح المتجلي بمجد لا يعبر عنه ، ليعلن المسيح شيئا من لاهوته الأزلي ومجد قديسيه فيه ، وكان موضوع الحديث هو الفداء الذي سيكمله بالصليب في أورشليم، إذ هذا هو هدف الناموس والانبياء وتجسد المسيح . والتجلي لا يشغلنا عن الصليب بل الصليب هو الطريق لاتمام الحب الالهي للبشرية لتتمجد فيه. + إن كنت تريد أن يتجلي المسيح في قلبك ، فاحمل آلامه لتختبر محبته. ع 32 : لم يحتمل التلاميذ الثلاثة عظمة مجد المسيح في تجليه ، ونوره الذي هو اقوي من الشمس في لمعانها كما يذكر متي ومرقس في اناجيلهما ، فناموا لضعف الجسد ولم يسمعوا إلا القليل من حديث المسيح مع موسى وايليا ولما استيقظوا وجدوا المنظر كما هو أي المسيح بمجد عظيم. ع 33 : لاحظ التلاميذ قرب انصراف موسى وايليا من فرط فرحتهم بمنظر التجلي تمنوا لو يظلوا فيه دائما . فقال بطرس معبرا عن ذلك بتمني صنع ثلاث مظال للمسيح وموسى وايليا ، ليستقروا أمام التلاميذ في هذا المنظر العظيم. و الإنسان يصنع المظلة لتقيه من حرارة وضوء الشمس ، أما ألان فالنور يشع من المسيح نفسه فكيف يحتاج إلى مظلة ، ولكن بطرس لم يكن مستوعبا كل هذا لان مجد التجلي قد بهره ، فهو فوق الادراك العقلي. + التمتع بالمسيح في الخلوة وتجليه لك لا ينسيك أن تعود إلى خدمتك وتحتمل الآلام ، بل إن التجلي هو اعلان الهي يسندك في اتعاب الخدمة وآلام الحياة. ع 34 : كان مجد التجلي اعظم من أن يحتمله الثلاثة تلاميذ اكثر من هذا ، فظللتهم سحابة وخافوا عندما دخلوا فيها وفقدوا رؤية أي شئ حولهم . والسحابة تشير إلى حضرة الله كما حدث مع موسى علي الجبل عندما اخذ الشريعة. ع 35 : مما زاد رهبتهم ، سماعهم صوت الله يعلن أن المسيح هو ابنه الوحيد ، ويامرهم بسماع تعاليمه ليخلصوا ، فهوا الابن الوحيد في الجوهر المستعلن للبشرية ليفديها ، وقد سبقت نفس هذه الشهادة عند عماد المسيح في الأردن ( مت 3 : 17 ) ع 36 : بعد ذلك وجد التلاميذ انفسهم مع المسيح وحدهم ، إذ انصرف موسى وايليا واختفت السحابة ، ولم يخبر التلاميذ أحدا بالتجلي إلا بعد قيامته كما امرهم المسيح ( ذكر ذلك في انجيل متي ) وذلك لضعف ايمان الجموع فلن يفهموا أو سيتوعبوا لاهوته وتجليه . [ 7 ] اخراج شيطان من ابن وحيد لابيه ( ع 37 - 42 ) ذكرت هذه المعجزة أيضا في ( مت 17 : 14 - 21 ؛ مر 9 : 17 - 29 ) ع 37 : كان التجلي غالبا ليلا ، وفي صباح اليوم التالي كان المسيح قد نزل مع الثلاثة تلاميذ من علي الجبل ، فوجد الجموع التي احبت تعاليمه ومحتاجة إلى الفاء من يديه تنتظره مع التسعة تلاميذ الباقين ع 38 - 39 : تقدم نحو المسيح اب له ابن وحيد قد دخله الشيطان ، ففقد عقله واتزانه وصار يصرخ حينا وفي حين آخر يسقط علي الأرض فاقدا وعيه ويسيل لعاب من فمه مثل زبد البحر ( الرغاوي ) ، ويضرب هذا الإنسان نفسه في الأرض مرات كثيرة من فعل الشيطان فيمتلئ جسمه بالكدمات ( مرخضا اياه ) ، وبالجهد يتركه الشيطان قليلا ثم يعود فيصرعه ثانيا ، فكان عذابه شديدا وقلب الأب يتمزق من اجل ابنه ، لذا طلب من المسيح أن ينظر إليه واثقا من ابوته وحنانه. + ثق في حنان الله واعرض متاعبك عليه في الصلاة فابوته تستجيب لك علي قدر اتضاعك وايمانك . ع 40 : كشف المسيح سبب عدم خروج الشيطان وهو ضعف ايمان هذا الأب ، مثل ضعف ايمان باقي الجموع ، بالاضافة إلى ضعف ايمان التلاميذ كما كشف أيضا سبب دخول الشيطان في الناس وهو شرهم وابتعادهم عن الله . ثم قال للرجل أن يقدم ابنه أمام المسيح ليشفيه. ع 42 : فيما هو يحضرون هذا الابن قبل أن يقترب من الميح صرعه الشيطان ، فسقط مغشيا عليه علي الأرض . وهنا انتهره المسيح بسلطان لاهوته ، فخرج الشيطان وشفي الابن واعاده إلى ابيه . [ 8 ] الإنباء بصلبه ( ع 43 - 45 ) ع 43 : كانت معجوة إخراج الشيطان عظيمة لاجل الحالة السيئة التي كان فيها الابن ، فانبهر التلاميذ مع الجموع . ولعل تفكير التلاميذ اتجه إلى قرب اعلان المسيح نفسه ملكا مخلصا لليهود من احتلال الرومان ، فنبههم المسيح إلى هدف تجسده ، وهو الفداء وليس اظهار مجده ، لأنه هو الله الممجد منذ الأزل . ع 44 : ذكر المسيح تلاميذه بحديثه السابق معهم عن آلامه وصلبه علي أيدي البشر فهذا هو غرض التجسد . ع 45 : لم يفهم التلاميذ سبب تالم المسيح إذ انهمكوا في تمنيهم أن يملك المسيح ارضا ويمجدهم معه، ومن ابنهارهم بسلطانه علي الشياطين خافوا أن يسالوه عن معني تسليمه لايدي الناس واحتماله آلاما كثيرة حتى الموت . + لا تنغمس في طموحاتك المادية وشهوات العالم فتختفي عنك رؤية الحق ومعرفة الله والسلوك السليم ، وحينئذ تصبح معرضا للضيق من امور كثيرة . [ 9 ] تعليم الاتضاع باقامة الولد ( ع 46 - 48 ) سبق هذا الكلام في ( مت 18 : 1 - 5 ؛ مر 9 : 33 - 37 ) ع 46 : للاسف لم يفهم التلاميذ كلام المسيح عن آلامه وصلبه وضرورة أن يحمل تابعوه الصليب وراءه لتاثرهم بالفكر اليهودي في المسيا ، انه يملك ملكا ماديا ويمجدهم معه . لذا فكروا وتناقشوا فيمن يكون اعظم في هذا الملكوت الارضي . ع 47 : لن يخبروا المسيح بما تناقشوا فيه ، إذ خجلوا من ذلك ، ولكن المسيح بلاهوته علم افكارهم وسقوطهم في خطية الكبرياء بحثا عن العظمة المادية . فقدم لهم حلا باقامة طفل في وسطهم ، وهو يمثل الاتضاع والبراءة ، إذ من السهل علي الطفل أن يعلن احتياجه وضعفه أمام الكل . ع 48 : الاصغر فيكم المتضع مثل الولد . عظيما ممجدا ومرتفعا في نظر الله ، ويكون له مكان اعلي في السماوات . كرم المسيح الطفولة التي كان الرومان واليونان يحتقرونها انذاك وكذا اليهود أيضا ، إذ اعتبر قبول وتكريم طفل قبولا له ، ومن يقبل المسيح يقبل الذي ارسله ليؤكد انه واحد . وقبول الاهتمام بالطفل هو تقديم للاتضاع الظاهر فيه ، وهذا الاتضاع هو سبب العظمة الحقيقية في نظر الله . + تامل صفات الأطفال وتعلم من سلوكهم حتى تكتسب الاتضاع . [ 10 ] منع من يخرج الشياطين ( ع 49 - 50 ) ذكرت هذه الحادثة أيضا في ( مر 9 : 38 - 39 ) ع 49 : ظن يوحنا الحبيب أن عمل المعجزات قاصر علي تلاميذ المسيح ، فعندما رأي مع باقي التلاميذ شخصا يخرج الشياطين ، منعوه لأنه ليس من التلاميذ . وهذا يظهر انه ما زالت داخل التلاميذ محبة الرئاسة والكبرياء ، التي حاول المسيح علاجها في الآيات السابقة . ع 50 : رد المسيح علي يوحنا باعلان مبدا هام في المسيحية ، وهو محبة الكل وبتقدير كل عمل صالح ، مثل منح الراحة لانسان بابعاد الشياطين عنه حتى لو كان صاحب هذا العمل غير مرتبط بنا . فالله يعمل في كل من يراه مناسبا . ولكن ليس معني هذا أن نتبع كل من يعمل خير بدون تمييز . فلا نهاجم الهراطقة مثلا إلا في هرطقتهم ، أما الخير الذي يصنعونه ، لا نقف ضده مع الحرص من خداعهم . + ليتك تتعلم فضيلة من كل إنسان تقابله . حتى لو كان من البعيدين عن الكنيسة ، فالله يعمل في الكل لجذب الكل إليه ، وتعلمك الفضائل من الآخرين يدفعك لمحبتهم ويعلمك الاتضاع وينميك روحيا . [ 11 ] رفض السامريين للمسيح ( ع 51 - 56 ) ع 51 : عندما اقتربت نهاية حياة المسيح علي الأرض بصلبه وموته ثم قيامته وصعوده ، اتجه مسافرا من الجليل إلى أورشليم حيث سيتالم هناك فارتفاعه هو ارتفاع علي الصليب ، ثم ارتفاع بالصعود . و لم يسافر مباشرة إلى أورشليم ، بل قضي بضعة شهور في بيرية شرق الأردن ، والاحداث التي حدثت في هذه المدة مذكورة في العشرة اصحاحات التالية وينفرد بذكرها انجيل لوقا إلا احداث قليلة ذكرها لوقا ولكن في غير وقتها ، لان لوقا لا يهتم بالترتيب الزمني . + إن كانت الآلام تنتظرك فلا تتراجع عن مسئوليتك لتتمم اهدافك ، وثق أن الله يسندك في كل عمل صالح تقوم به . ع 52 : اقترب المسيح من السامرة ، فأرسل بعضا من تلاميذه أمامه إلى إحدى قري السامرة ، ليعدوا منزلا يقيم ويعظ فيه . ع 53 : رفض السامريون أن يدخل هذا اليهودي ( المسيح ) ويقيم عندهم ، لانهم يكرهون اليهود إذ قد اختلطوا منذ القرن الثامن قبل الميلاد بالوثنيين الذين نزحوا اليهم من بلاد المملكة الاشورية ، وايتعدوا عن عبادة الله في أورشليم . ولعلهم رفضوا المسيح لاهتمامه بالعبادة في أورشليم وليس في جبل جرزيم الذي يصلون عنده . و سمح الله أن يرفضوه ليكمل سفره إلى أورشليم ويتمم الفداء بآلامه وصلبه . ع 54 : اغتاظ يعقوب ويوحنا من اجل اهانة السامريين للمسيح برفضهم دخوله عندهم ففكروا أن ينتقم منهم بنزول نار من السماء تاكلهم ، مستندين في هذه الفكرة لما فعله ايليا بعبيد الملك أخزيا حيث انزل نار اكلتهم عندما اتوا ليقبضوا عليه ( 2مل 1 : 10 - 11 ) ع 55 - 56 : رفض المسيح كلام يعقوب ويوحنا ، أي رفض روح الانتقام التي فيهما ، واوضح انه قد تجسد ليخلص العالم ، أما ايليا في العهد القديم فاراد الله أن يظهر علي يديه ضعف عبادة الاوثان ، وانه هو الإله الوحيد القادر أن يهلك كل الاشرار التابعين لعبادة الاصنام . ثم انصرف المسيح ليكمل تبشيره بهدوء في قرية أخرى بعيدة عن السامرة . + إهتم بالعمل الايجابي واللطف في التعامل مع الآخرين ، حتى لو اساءوا اليك ملتمسا العذر لهم . [ 12 ] تبعية المسيح ( ع 57 - 62 ) ذكر هذا الكلام في ( مت 8 : 19 - 22 ) ولم يهتم لوقا بالترتيب الزمني للاحداث ع 57 - 58 : تاثر الكثيرون بتعاليم المسيح وقال احدهم له ، انه يريد أن يتبعه ، أي يصير من تلاميذه ، ولكن الله العالم بما في القلوب رد عليه ، كاشفا ما في قلبه ، إذ انه كان ينظر للمسيح مثل باقي اليهود كملك ارضي ، فاراد أن يتبعه لينال مجد ومال. قال له المسيح أن الحيوانات والطيور لها اماكن تاوي إليها ، أما هو فليس له منزل مخصص بيبت فيه ، أي لا يملك حتى مكان مثل الحيوانات والطيور ، وبالتالي من يتبعه ينبغي أن يتجرد من محبة المال والمجد الارضي . و تشير الثعالب للمرك والطيور للكبرياء لأنها تحلق في الاعالي ، فيلزم الإنسان الروحي أن يتحرر من المكر والكبرياء ، ليجد المسيح مكان داخله يستقر فيه. ع 59 - 60 : وجد المسيح شخصا له استعداد روحي للتلمذه الروحية والخدمة ، فقال له اتبعني ، ليكشف أحد معطلات تبعيته ، إذ انه أجاب المسيح بالايجاب أي الموافقة أن يتبعه ، لكنه استاذن أولا أن يدفن اباه واجل اتباع يسوع . و المقصود هنا بالدفن ، رعاية ابيه الشيخ حتى يموت ويدفنه ، أو المقصود مراسم الحزن علي الميت التي قد تمتد إلى شهور ، وليس مجرد عملة الدفن ؛ لان الله اوصي باكرام الوالدين وبالتالي الاهتمام بدفنهم . رد المسيح برفض هذا التاجيل ، واوضح أن الاهتمام بالناس اكثر من الله هو عدم تقدير لمحبته ، فينبغي أن يطاع الله اكثر من الناس ، والذي لا يفهم ويقدر اهمية الخلاص والخدمة هو ميت روحيا ، لذا قال دع الموتي ( روحيا ) يدفنون موتاهم ( جسديا ) ، أي المنهمكين في الماديات ينشغلون بمراسيم الحزن أو العلاقات العاطفية ، أما أنت فينبغي أن تهتم بخلاص نفسك قبل كل شئ والذي يتحقق من خلال خدمتك لله والتبشير بملكوته. ع 61 - 62 : أما الحالة الثالثة فهي شخص أراد أن يتبع المسيح ولكنه متردد بين تبعيته وتعلقه باهله . ولا يعني الشاب بالوداع ، أن يسلم عليهم ، فهذا لا يحتاج إلى وقت طويل ، ولكن يقصد أن يقضي اياما كثيرة معهم ، وقد لا يستطيع أن يتركهم للتعلق العاطفي وبالتالي لن يتبع المسيح . و كان رد المسيح عليه بمثل الحراث ، فلا يستطيع هذا اكمال عمله إن لم يركز في النظر أمامه إلى نهاية الحقل الذي سيصل إليه بالمحراث ، ضاغطا بقدمه عليه ليقوم بعمله في نجاح ؛ أما لو نظر خلفه فيسير المحراث في اتجاهات معوجة ، ولن يشق الأرض بالعمق المطلوب . و المقصود هنا أن من ينشغل بالعالم والماديات والعلاقة العاطفية اكثر من الله ، ستجعله مترددا بل ويتعطل عن تبعية المسيح + المسيح يفرح بتبعيتك له ، إن كنت لا تبغي هدفا سواه لا تنشغل بالماديات أو العلاقات البشرية اكثر منه ، حينئذ تستطيع أن تحب الله وتحب جميع الناس .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح