كلمة منفعة
مشكلة أيوب الصديق إنه كان رجلًا بارًا، ويعرف عن نفسه أنه بار. لذلك قال الكتاب عنه إنه كان "بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أي 32: 1).
— بَار فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ
إنجيل مرقس 9
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 9
انجيل معلمنا مرقس
الإصحاح رقم 9
الأصحاح التاسع :
الملكوت العملي
إذ يقدم لنا الإنجيلي مرقس شخص المسيح كخادم عامل لحساب البشرية، فإنه إذ يقترب من أحداث الصليب يكشف لنا عن ملكوته العملي الذي لأجله يعمل لينعم به على مؤمنيه:
1. الوعد برؤية ملكوت الله 1.
2. الملكوت والتجلي 2-13.
3. الملكوت ومقاومة إبليس 14-29.
4. الملكوت والصليب 30-32.
5. الملكوت والتواضع 33-37.
6. الملكوت واتساع القلب 38-50.
1. الوعد برؤية ملكوت الله
"وقال لهم: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" [1].
جاء هذا الوعد كتتمة لحديث السيد المسيح عن حمل الصليب واهتمام الإنسان بخلاص نفسه والتمتع بمجد ملكوت الله عند مجيء ابن الإنسان. الآن يتساءل البعض: كيف تحقق هذا الوعد؟ هل وُجد من معاصري السيد المسيح من لم يذق الموت حتى يرى ملكوت الله آتيًا بقوة؟
أولاً: يرى البعض أن هذا الوعد قد تحقق بتمتع ثلاثة من التلاميذ بتجلي السيد المسيح، خاصة وأن الحديث عن التجلي جاء بعد الوعد مباشرة. فالتجلي في حقيقته تمتع بمجد السيد المسيح وبهائه الإلهي بالقدر الذي احتمل التلاميذ رؤيته. يقول القديس أمبروسيوس: [عاين بطرس ويوحنا ويعقوب مجد القيامة فلم يعرفوا الموت.]
ثانيًا: يرى البعض أن "ملكوت الله" الذي أتى بقوة إنما الكرازة بالإنجيل وسط الأمم، فقد دعيت كنيسة العهد الجديد "ملكوت الله". وقد شاهد بعض التلاميذ هذا المجد العظيم وهم بعد في الجسد، إذ تمتعوا بيوم الخمسين حين حّل الروح القدس في العلية، ونظروا الهيكل القديم قد تحطم بينما انطلقت الكرازة إلى كثير من عواصم العالم الوثني. رأوا ملكوت الله معلنًا في حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
ثالثًا: يرى آخرون أن هذا الوعد الإلهي قائم على الدوام، يتمتع به المؤمنون في كل جيل، حين تدخل نفوسهم إلى بهاء مجد الله الداخلي، ويُعلن الملكوت فيهم دون أن يذوقوا موت الخطية أو يغلبهم إبليس (الموت). يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للنفس التي جمعت نفسها من الطياشة الخارجة عنها، ودخلت داخلها ونظرت ربنا وهو متكئ على كرسيه الذي هو العقل، وقبلت منه وصية جديدة أعني الحب الروحي الذي هو كمال الناموس.]
يقدم لنا القديس أمبروسيوس ذات المعنى حين يعلن أن الإنسان في ضعفه يحتاج لا أن يتمتع بوعد أبدي فحسب وإنما يذوق عربون هذا الوعد هنا في الحياة الحاضرة. فما وعد به السيد هنا إنما يقدمه لكل إنسان يكون قائمًا معه، أي يتمتع بحضرة الرب والشركة معه، فلا يذوق موت الروح، بل ينعم بقوة الملكوت الإلهي في حياته الحاضرة هنا كعربون للملكوت الأبدي، فمن كلماته:
[بينما يرتفع الرب بالروح يشير إليها بمكافأة الفضيلة، وبينما يلوح لنا عن الفائدة التي نجنيها من احتقار أمور هذا العالم يؤازر ضعفنا البشري بتقديم مكافأة حتى في هذه الحياة.
بالتأكيد شاق عليك جدًا أن تحمل الصليب، وتعرض حياتك للأخطار، وجسدك للموت، وتتخلى عن ذاتك، لتنال ما لا تملكه هنا. صعب على البشر أن يعيشوا على الرجاء وحده، فيتعرضوا للمخاطر من أجل التطلع إلى بركات الحياة المقبلة، متخلين عن الخيرات الحاضرة، لذلك إذ لم يشأ الرب الحنون الطيب أن يسقط أحد تحت نير اليأس أو القلق... يسند الضعف بالخيرات الحاضرة، ويسند القوة بالخيرات المقبلة... (بمعنى يعيننا هنا بعربون الملكوت الداخلي، ويكافئنا في الأبدية بكمال مجد الملكوت).
إن كنا نريد ألا نهاب الموت فلنقف حيث المسيح، ليقول لنا نحن أيضًا: الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت... فمن نالوا الشركة مع المسيح لا يذوقون الموت. سيموت الجسد لكن تبقى الروح حية.
ما معنى يذوق الموت؟ يوجد أناس يذوقون خبز الدموع (مز 126: 2) وآخرون يأكلون من سموم التنين، أما نحن فلنا الخبز الحقيقي الذي نزل من السماء (يو 16: 51). من يحفظ كلام الله لا يذوق هذا الخبز (الموت)!...
من هو الإنسان الذي لا يذوق الموت إن كانت لا قيامة إلا بعد الموت؟... يوجد أناس أموات وهم يعيشون هنا، كما يوجد أحياء حتى وإن ماتوا، إذ قيل "وإن مات يتكلم بعد" (1 تي 5: 6). كما قيل: ليبتلعهم الموت ولينحدروا إلى الهاوية (مز 55: 16). الذين ينحدرون أحياء في الهاوية هم الخطاة الذين تحدرهم الخطية إلى الهاوية، أما الأحياء الذين لا تنتهي حياتهم: "إله إسحق وإله يعقوب، ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32).
لم يمت بطرس إذ أبواب الجحيم لن تقوى عليه، ولا مات يعقوب ويوحنا ابنا الرعد اللذان عاينا المجد الأسني، فلم تستطيع أمور هذا العالم أن تخضعهما بل سحقاها تحت أقدامهما. لتكن أنت أيضًا كبطرس الخادم الأمين المسالم، فتفتح أبواب الكنيسة وتهرب من أبواب الموت. كن كابني الرعد، كيف؟ عندما لا تتأمل الأرضيات، بل تسند رأسك على صدر المسيح، عندما لا تتأثر بأمور هذه الحياة بل بالعكس تسيطر عليها بقوة الروح التي لك. لتتزلزل الأرض أمامك ولا تمسك بك. لتسيطر على الجسد بقوة الروح، فتقمعه وتستعبده. ستكون ابن الرعد إن كنت ابن الكنيسة، يقول لك المسيح من فوق خشبة الصليب: "هوذا أمك".]
2. الملكوت والتجلي
إذ وعد السيد المسيح تلاميذه أن بعضًا من القيام معه يعاينون ملكوت الله آتيًا بقوة لم يحدد أسماء الذين يتمتعون بهذه الرؤيا، حتى لا يثير الحسد أو الغيرة بينهم. والآن نراه يأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا ويصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم [2] ليعلن لهم بهاء لاهوته. وقد سبق لنا الحديث بشيء من الإفاضة عن أحداث التجلي مع تعليقات كثير من الآباء، وذلك أثناء دراستنا لإنجيل معلمنا متى (17: 1-8)، والآن أكتفي ببعض تعليقات بسيطة ومختصرة:
أولاً: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما كتبه الإنجيليون عن التجلي إنما قدر ما تستطيع اللغة أن تعبر، إذ كان المنظر أعظم من أن تسجله ألفاظ بشرية، إذ يقول: [لو أنه أضاء كالشمس لما سقط التلاميذ، إذ هم يرون الشمس كل يوم ولا يسقطون، لكنه أضاء بأكثر بهاء من الشمس... فلم يحتملوا بهاءه، لذلك سقطوا على الأرض.]
ثانيًا: يقول الإنجيلي: "بعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، وصعد بهم إلى جبل عالٍ منفردين وحدهم" [2]. سبق فرأينا أن انقضاء هذه الأيام الستة قبل التمتع بالتجلي تشير إلى كمال جهادنا على الأرض لننال كمال المكافأة بالدخول إلى شركة المجد الإلهي. ويرى القديس أمبروسيوس أن هذه الأيام الستة تشير إلى ستة آلاف سنة لنعبر إلى القيامة العامة، بينما يرى العلامة أوريجينوس في هذه الأيام الستة تشير إلى راحتنا الحقيقية في الرب بعبورنا ستة أيام الخليقة ودخولنا إلى اليوم السابع أو السبت الروحي.
ما أجمل كلمات القديس أمبروسيوس وهو يدعونا للتمتع بالتجلي الداخلي: [من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلع إلى ثمار الأبدية التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه.]
أما هؤلاء الثلاثة الذين تمتعوا بمحبة الرب والارتفاع معه على جبل عالٍ للتمتع ببهائه فهم بطرس ويعقوب ويوحنا، وكما سبق فقلنا يشيرون إلى الإيمان العامل بالمحبة، بدون الإيمان الحي العامل بالمحبة لن نستطيع معاينة مجده. وقد لاحظ القديس أمبروسيوس أن هذه العطية قدمت لهم بعد الحديث الشخصي الذي تم بين السيد وتلاميذه، فاعترفوا على لسان بطرس الرسول أنه المسيح، وكأن هذا التجلي جاء مكافأة لهذا الاعتراف. يقول القديس أمبروسيوس: [سيتمتع ببركات القيامة هؤلاء الذين سبقوا فاعترفوا بالمسيح، فلا يقوم الأشرار في مجمع الصديقين (مز 1: 5) بل يعاقبون بالدينونة التي سقطوا تحتها.] ويرى ذات القديس أن اختيار ثلاثة هو انفتاح لباب مراحم الله والتمتع بأمجاده للجنس البشري دون تمييز بين يهودي وأممي، إذ يمثل الثلاثة أبناء نوح الثلاثة الذين جاء الجنس البشري كله من نسلهم. هذا الفكر أيضًا نادى به القديس هيلاري أسقف بواتييه.
يرى القديس أمبروسيوس في اختيار ثلاثة من تلاميذه إشارة إلى الحاجة للإيمان بالثالوث القدوس، إذ يقول: [لا يستطيع أحد أن يعاين مجد القيامة إن لم يؤمن بسرّ التثليث بإيمان ثابت صادق.] ولعل اختيار ثلاثة تلاميذ يشير إلى حاجتنا إلى الحياة المقامة في المسيح يسوع القائم في اليوم الثالث، بهذه الحياة الجديدة نرتفع على جبل تابور لنعلوا فوق الموت، متمتعين ببهاء القيامة العاملة في داخلنا.
ثالثًا: في نص منسوب للقديس يوحنا الذهبي الفم قيل أن ملامح السيد المسيح عند تجليه بقيت كما هي لكن أُعلن بهاء مجده. لقد بقى السيد المسيح بجسده، لكن الجسد حمل طبيعة جديدة مملوءة بهاءً ومجدًا، هكذا نحن أيضًا في القيامة العامة نحمل ذات الجسد الذي شاركنا جهادنا، له ذات الملامح لكنه يتسم بسمة المجد الفائق الذي يهبه له الله ليناسب الحياة السمائية الأبدية.
رابعًا: ماذا يعني بقوله: "وتغيرت هيئته قدامهم" [2] إلا أن المجد الذي أُعلن بتجليه ليس بالأمر الجديد عليه ولا بهبة خارجية قُدمت له، إنما هو مجرد إعلان لمجد خفي فيه ظهر في هذه اللحظات قدامهم. وكأن التغير أمر لا يخص طبيعة السيد، إنما يخص أعين التلاميذ التي انفتحت لتعاين ما تستطيع معاينته.
ما أحوجنا أن ننفرد بالسيد المسيح في أعماقنا الداخلية ليفتح عن عيوننا الروحية ونرى ذاك المصلوب الذي قيل عنه: "كعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، لا منظر فنشتهيه" (إش 53: 2) إنه أبرع جمالاً من بني البشر (مز 45). هذا الذي قيل عنه: "محتقر ومخذول من الناس" (إش 53: 3)، مشتهى كل الأمم (حج 2: 7). في هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تحمل كافة هذه الأمور في طياتها أسرارًا ومعانٍ صحيحة، فإنه حسب قدرتك يصغر الكلمة أو يكبر بالنسبة لك، فإن لم تصعد إلى القمة بحذر فائق لن تُعلن لك "الحكمة"، ولا تنكشف أمامك معرفة الأسرار، ولا تظهر لك أمجاد كلمة الله وجماله، إنما يظهر لك كلمة الله كما في الجسد لا منظر له ولا جمال (إش 53: 2) يظهر لك كإنسان أضناه الألم، يحتمله لأجل ضعفنا. يظهر لك مثل كلمة غلفتها ملابس الحرف ولا ترقى إلى قوة الروح.]
خامسًا: يقول الإنجيلي: "وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج، لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك" [3].
ما هذه الثياب التي تلتصق بالسيد فتلمع ببهاء إلا كنيسته، كما يقول القديس أغسطينوس. هذه هي سمة المؤمنين الحقيقيين، البهاء الفائق، إذ يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لأن في علو بهاء السماوات العليا، الذين يضيئون بحياة البرّ يلتصقون به، إذ قصد بثيابه الذين يجعلهم ملاصقين له.]
يقدم لنا القديس أمبروسيوس تفسيرًا آخر لهذه الثياب البهية، إذ يقول: [ربما كانت ثياب الكلمة هي العظات عن الكتب المقدسة، فهي بمثابة رداء الفكر الإلهي. فكما ظهر لبطرس ويوحنا بمظهر مختلف وكانت ثيابه تلمع بيضاء، هكذا تتضح الآن أمامك معاني الكتب الإلهية وتصبح الكلمة الإلهية كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك.] كأنه إذ ترتفع أفكارنا مع ربنا يسوع المسيح لنوجد معه، ويعلن حلوله فينا تتجلى كلماته فينا ببهاء سماوي لا يُعبر عنه. هذا البهاء ليس من صنع قصّار على الأرض، إنما من صنع القصّار السماوي، أي الروح القدس غافر الخطية، الذي يغسلنا بدم الابن الوحيد فنبيض أكثر من الثلج (مز 50).
سادسًا: كان ظهور موسى وإيليا معه يحمل معان كثيرة سبق لنا عرضها. يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تعليلاً لظهورهما وهو إذ قالت الجموع عنه أنه إيليا أو واحد من الأنبياء أراد أن يظهر موسى النبي وإيليا معه أمام التلاميذ ليدركوا الفارق بينه وبين خدامه. أيضًا أُتهم ككاسر للناموس ومجدف ينتحل مجد الآب أحضر موسى مستلم الناموس وإيليا الغيور على مجد الرب ليعلن افتراء المتهمين له.
لعله أيضًا أراد بظهورهما قبل الصلب أن يعلن لتلاميذه أنه يجب ألا يخافوا من الصليب، فقد قبله بإرادته، وإلا ما تمت أحداثه. فإنه أعظم من موسى الذي أنقذ الشعب من يد فرعون، ومن إيليا الذي أرسل نارًا من السماء أحرقت قائدي الخمسين ورجالهما.
سابعًا: اشتهى بطرس أن يقيم ثلاثة مظال مادية للحماية، فجاءت سحابة صغيرة تظللَّهم، ليدرك أنه في القيامة لا نحتاج إلى مظال مصنوعة بأيد بشرية، ولا إلى منازل مادية، وإنما يظللنا مجد الله نفسه، الذي لا يسبب ظلالاً مظلمة بل بالعكس يهب بهاءً ومجدًا. يقول القديس أمبروسيوس [مصدر هذا الظل روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر بل يكشف لها عن الخفيات. هذا ما نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: "وقوة العلي تظللك"... لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثف، ولا غطت السماء بظلمة مرهبة، وإنما كانت سحابة نيرة لا تبللنا بالأمطار والسيول ولا تغمرنا بطوفان، وإنما نداها الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.]
ثامنًا: "فجاء صوت من السحابة، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا. فنظروا حولهم بغتة ولم يروا أحدًا غير يسوع وحده معهم" [7-8].
ماذا يريد صوت الآب: "هذا هو ابني الحبيب، له اسمعوا" إلا أن نقبل كلمة الله المتجسد في حياتنا، نسمع له، ونثبت فيه فنصير نحن أنفسنا أبناء الآب المحبوبين له. غاية الآب أن يرانا ممجدين في ابنه، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إذ نعاين مجد الله بوجوه مكشوفة نتغير نحن أنفسنا إلى تلك الصورة عينها (2 كو 3: 8).]
وللقديس أمبروسيوس أيضًا تعليق جميل على العبارة الإنجيلية التي بين أيدينا، إذ يقول: [لما كان الصوت وُجد يسوع وحده، فبعد أن كانوا ثلاثة وُجد يسوع وحده. رأوا في البداية ثلاثة، أما في النهاية فرأوا واحدًا. بالإيمان الكامل يصير الكل واحدًا كما طلب يسوع من الآب: "ليكون الجميع واحدًا" (يو 17: 21). ليس موسى وإيليا وحدهما واحدًا في المسيح، وإنما نحن أيضًا واحد في جسد المسيح الواحد (رو 12: 5)... ولعل هذا أيضًا يشير إلى أن الناموس (موسى) والأنبياء (إيليا) مصدرهما الكلمة... لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن (رو 10: 4).]
إذن غاية التجلي أن يلتقي المؤمنين جميعًا كأعضاء في الجسد الواحد خلال الثبوت في المسيح والتمتع بالعضوية في جسده الواحد، فنُحسب بحق أبناء الله المحبوبين والممجدين فيه.
تاسعًا: "وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم أن لا يحدثوا أحدًا بما أبصروا، إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات" [9]. يعلل القديس هيلاري أسقف بواتييه هذه الوصية الإلهية بقوله: [أمرهم فيما يخص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيات.] هذه الوصية بلا شك أربكتهم، فقد عرفوا أنه المسيح وشهدوا له بذلك، وبحسب الفكر اليهودي المسيح لا يموت، فماذا عني بقوله: "متى قام ابن الإنسان من الأموات"؟
لم يشكوا في أنه المسيح بل بدأوا يتشككون فيما تسلموه عن الكتبة والفريسيين بخصوص المسيح، لهذا سألوا: "لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟" [11]. لعلهم بهذا السؤال يعبرون عن الفكر اليهودي إذ كان مشغولاً بإيليا كمهيئ للطريق للمسيح الذي لا يموت. كانوا يعتقدون أن إيليا لا يزال يعمل لأجل إسرائيل في السماء، وأنه يظهر قبل مجيء المسيح بثلاثة أيام، في اليوم الأول يقف على أحد الجبال العالية ويرفع مرثاة على الأرض الخراب، ويعلن أن سلامًا يحل بالأرض، وفي اليوم الثاني يعلن أن خيرًا يحل بها، وفي اليوم الثالث أن خلاصًا يحل بها، عندئذ يأتي المسيح ليخلص إسرائيل، فلا مجال للموت ولا للقيامة!
سحبهم السيد من فكرهم المادي من نحو مجيء إيليا والمسيح، مؤكدًا أن كل ما اشتهاه الآباء والأنبياء يتحقق في أيامهم وأن إيليا قد جاء، ولكن ليس حسب الفكر الحرفي المادي، وأن المسّيا أيضًا جاء لكنه لا يملك زمنيًا، وإنما خلال الألم والصليب. يقول السيد: "إن إيليا يأتي أولاً، ويرد كل شيء، وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أنه يتألم كثيرًا ويُرذل. لكن أقول لكم: إن إيليا أيضًا قد أتى، وعملوا به كل ما أرادوا، كما هو مكتوب عنهم"[ 12-13].
كأنه يقول: لقد وضعوا كل رجائهم في مجيء إيليا لا المسيح، وقد جاء إيليا وعوض السماع له قتلوه، وجاء المسيح وعوض الإيمان به يقتلونه. بمعنى آخر يطالبهم السيد المسيح بمراجعة أنفسهم لإدراك الأمور بفهمٍ روحيٍ وإيمانٍ جديدٍ.
لقد جاء إيليا، إذ يقول الملاك بخصوص القديس يوحنا المعمدان "ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17). وكما يقول العلامة أوريجينوس إنه يوحنا الذي يحمل سمات إيليا لا شخصه. يقول الأب ثيوفلاكتيوس: [مرة أخرى انتهر يوحنا الرذيلة، كان غيورًا ومتوحدًا كإيليا، أما هم فلم يسمعوا له بكونه كإيليا، بل قتلوه بطريقة شريرة وقطعوا رأسه.] يقول القديس أمبروسيوس: [عاش إيليا في البرية وكذا يوحنا. كانت الغربان تعول الأول، أما الثاني ففي البرية داس كل إغراء للملاهي وأحب الفقر وأبغض الترف. الواحد لم يسع لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني ازدرى برضاء هيرودس الملك. رداء الأول شق مياه الأردن (2 مل 2: 14)، والثاني جعل هذه المياه مغسلاً يهب خلاصًا. الأول يظهر مع الرب في المجد والثاني يحيا مع الرب على الأرض. الأول يسبق مجيء الرب الثاني، والثاني يسبق مجيء الرب الأول. الأول أسقط الأمطار على أرض جفت لمدة ثلاث سنوات، والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات. تسألونني: ما هي هذه السنوات الثلاث؟ فأجيبكم بما قيل "هوذا ثلاث سنين آتي أطلب ثمرًا في هذه التينة ولم أجد" (لو 13: 7)... السنة الأولى هي عهد الآباء حيث بلغ الحصاد مدى لم يتحقق بعد ذلك، والسنة الثانية هي عهد موسى والأنبياء، ثم السنة الثالثة لمجيء إلهنا ومخلصنا "ليكرز بسنة الرب المقبولة" (لو 4: 19).]
3. الملكوت ومقاومة إبليس
بينما صعد السيد المسيح بثلاثة من تلاميذه إلى جبلٍ عالٍ يعلن لهم ملكوته آتيًا بقوة، نجد بعضًا من التلاميذ يقفون في عجز أمام إخراج روح نجس أخرس، حتى جاء السيد يكشف لهم عن الحاجة إلى الصوم والصلاة كطريق للصراع ضد إبليس والغلبة عليه بالرب واهب النصرة. وكأن الملكوت ليس مجرد رؤيا يتمتع بها التلاميذ على جبل تابور، لكنه أيضًا ثمرة جهاد روحي ضد عدو الخير بالرب الغالب.
ويلاحظ في هذا العمل الآتي:
أولاً: بينما كان بطرس على الجبل يشتهي البقاء هناك [5] ينعم بمجد السيد المسيح ويتمتع بالرؤيا السماوية إذا بالسيد ينزل به مع التلميذين الآخرين ليروا جمعًا كثيرًا حول التلاميذ وكتبة يحاورونهم [14]. أما علة الحوار فهو عجز التلاميذ عن إخراج روح نجس أخرس من إنسان معذب منذ صباه [21].
ما أجمل أن ينفرد المؤمن بسيده لينعم بالتأملات الروحية والتعزيات السماوية في مخدعه كما على جبل تابور، حتى يشتهي لو بقى عمره كله متأملاً بلا انقطاع، ورؤيا سماوية بلا توقف. لكننا مادمنا في الجسد يلزمنا ان ننزل إلى الميدان للعمل أيضُا من أجل كل نفس معذبة؛ فلا عجب إن رأينا حتى كبار النساك والمتوحدين يهتمون بخلاص النفوس. يقول القديس المتوحد يوحنا سابا: [مرذول قدام الله من يبغض الخاطي.]
الخدمة الروحية هي جزء لا يتجزأ من حياة المؤمن، أيا كان عمله في الكنيسة أو وضعه، سواء كان كاهنًا أو راهبًا أو واحدًا من أفراد الشعب؛ وإن اختلفت الوسائل في ممارسة هذه الخدمة الروحية!
ثانيًا: يقول الإنجيلي: "رأى جمعًا كثيرًا حولهم وكتبه يحاورونهم" [14]. هذا الوصف الإنجيلي لا يمثل لحظة معينة من الزمن، إنما يسجل لنا صورة لا تنقطع، فعلى الدوام يتطلع السيد المسيح ليرى جمعًا كثيرًا حول تلاميذه يشتاقون بالبساطة أن يتمتعوا بعطية المسيح لهم، كما يرى أيضًا كتبة مقاومين يحاورونهم، فلا يقف السيد مكتوف الأيدي، إنما يهب كنيسته على الدوام أن تُشبع الجمع من عطايا سيدها، وأن تقف بثبات أمام مقاوميها.
ليتنا لا نضطرب إذ نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتق الكنيسة من جهة جموع البشرية المتعطشة والجائعة تطلب ارتواءً وشعبًا، ومن وجهة المقاومين للحق بكل طريقة، فإن عريس الكنيسة حال في وسطها يشبع الجائعين ويبكم المقاومين. لهذا يترنم المرتل قائلاً: "الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 5)، كما يوصينا السيد نفسه، "فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، أنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 19-20).
ثالثًا: وبخ السيد المسيح تلاميذه لعجزهم عن إخراج الروح النجس، قائلاً: "أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟" [19]. وبخهم على عدم إيمانهم وقام هو نفسه بالعمل. هو المسئول عن الكنيسة بكونها عروسه يوبخ خدامها عن كل تقصير في إيمانهم أو عملهم ويقوم هو بالعمل.
لنعرض على ربنا يسوع كل أعمالنا لكي وإن وبخنا على ضعفاتنا لكنه يكمل كل نقص فينا.
رابعًا: إذ وبخ تلاميذه طلب تقديم الابن المُصاب بروح شرير، وإذ رأى السيد "للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويُزبد" [20]. لماذا سمح للشيطان أن يصرعه؟ لا يحتمل السيد أن يرى إنسانًا يتعذب، لكنه قد سمح لهذا المسكين أن يتألم إلى حين، لكي يدفع أباه للإيمان كما قال الذهبي الفم، فقد قال الأب: "إن كنت تستطيع شيئًا فتحنن علينا وأعنا" [22]. أجاب السيد بأن مفتاح الشفاء في أيدي الإنسان إن آمن، إذ قال له: "إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن" [23]. في إيمان مصحوب بتواضع صرخ الأب بدموع: "أومن يا سيد، فأعن عدم إيماني" [24]. كأن السيد المسيح سمح للابن أن يتألم قليلاً ليبرز إيمان أبيه، ويدفعه بالأكثر إلى التواضع، طالبًا أن يعين الرب عدم إيمانه، وليعلن أيضًا سلطان الإنسان بالإيمان.
ولعل السيد المسيح سمح أيضًا بذلك لكي يكشف عن قسوة إبليس وجنوده، وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [سمح للابن أن يهيج لكي نعرف شر إبليس الذي يود قتله لو لم ينقذه الرب]. ولذات السبب سأل السيد والد الشخص: "كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، وكثيرًا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه" [21-22]. فإن عدو الخير لا يرحم طفلاً ولا شيخًا، ولا رجلاً ولا امرأة، بل يشتاق أن يدفع بالكل إلى نار الشهوات، أو يسحبهم إلى تيارات مياه العالم ليهلكهم. يحاربنا على الدوام بالمتناقضات، بالنار والماء، إن هربنا من فخ يقيم آخر. على أي الأحوال إن كان الشيطان يدفعنا للنار والماء المهلكين، فإن ربنا يسوع يقدم لنا روحه القدوس الناري خلال المعمودية ليقتل النار الشريرة بنار إلهية، ويفسد مياه العدو بالأردن المقدس!
خامسًا: عجيبة هي محبة السيد المسيح، ففي وسط أعماله الفائقة يبرز فضائل الآخرين مهما بدت قليلة أو تافهة. فإن كان قد شفى الولد، لكنه أبرز حب أبيه له، وإيمانه، وأيضًا تواضعه. أقول ليت لنا قلب هذا الأب نحو كل نفس معذبة فلا نستريح حتى نقدمها بروح الإيمان المتواضع وحده والمملوء حبًا لذاك القادر أن يخلصها. يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [من يربط نفسه بقريبه برباط الحب يكون له ملحًا، ويكون في سلام مع أخيه.]
سادسًا: هذا الأب الذي يئن بدموع ويصرخ لإنقاذ ابنه يمثل نفس كل مؤمن التقى مع الرب وعرف خلاصه العجيب فلا يحتمل عذاب النفوس الجاحدة التي سقطت تحت أسر عدو الخير منذ الصبا، إذ جاءت إلى العالم منذ البداية تحمل الخطية الجدية فتقول مع المرتل: بالآثام حبل بيّ، وبالخطايا ولدتني أمي. ولعل هذا الابن يشير إلى الأمم الذين عاشوا منذ طفولتهم تحت سلطان عدو الخير خلال الرجاسات الوثنية.
سابعًا: يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على عبارة: "فصار كميت، حتى قال كثيرون أنه مات" [26] بقوله: [من يتحرر من سلطان الروح الشرير يُحسب كميت، لأنه كان خاضعًا للشهوات الجسدية والآن يميت في داخله هذه الحياة الجسدانية ويظهر للعالم كميت. الذين لا يعرفون كيف يعيشون حسب الروح يظنون أن من لا يسلك بالشهوات الجسدية ميت تمامًا.] هذه هي نظرة العالم إلى يومنا هذا نحو الروحيين، إذ يحسبونهم محرومين من متعة الحياة وأموات!
ثامنًا: إذ دخل السيد المسيح بيتًا سأله تلاميذه على إنفراد: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم: "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" [29]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشوا لئلا يكونوا قد فقدوا العطية التي وُهبت لهم، إذ كانوا قد نالوا سلطانًا على الأرواح النجسة.]
حقًا لقد تمتع التلاميذ بالسلطان، لكن يلزمهم إضرام الموهبة المجانية بالحياة التقوية بالصلاة مع الصوم، للتمتع بشركة عميقة مع الله في ابنه.
يحدثنا القديس يوحنا سابا عن فاعلية الصلاة، قائلاً: [مفاتيح الخزائن موضوعة في أيديكم لكي تأخذوا وتعطوا، حتى تحيوا آخرين وأيضًا]، [قدّس فراشك بالصلاة ورفرفة الروح القدس عليك، فتفوح رائحة أعضائك مثل الطيب.] كما يحدثنا أيضًا عن الصوم باعتدال: [لا تملأ بطنك كثيرًا لئلا يعذبك الزنا، ولا تضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. أمسك طقس الاعتدال، وأنت تسلك في الطريق الملوكي، وبغير خوف يكون مسيرك.]
4. الملكوت والصليب
كانت أحداث الصليب تقترب، لذلك ففي أكثر من مرة كان السيد يختلي بتلاميذه، ليؤكد لهم ضرورة تسليمه وقتله وقيامته. حقًا في المرة السابقة انتهره بطرس (8: 32)، أما في هذه المرة فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه [32]، إذ لم يكن ممكنًا للفكر البشري أن يتقبل قيام ملكوت الله على خشبة العار (الصليب)!
الصليب الذي لم يحتمل التلاميذ السماع عنه، إذ ذاقوه وأدركوا فاعليته فيهم أحبوه وحملوه مع عريسهم المصلوب بفرحٍ وسروًر.
يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد مشهد أعظم وأعجب من منظر ربنا يسوع المسيح ابن الله... لقد غلب العالم كله كما نرى أيها الأحباء... لقد قهر... لا بقوة عسكرية بل بجهالة الصليب!... لقد رُفع جسده على الصليب، فخضعت له الأرواح.] ويقول القديس مار أفرام السرياني: [بالشجرة التي قتلنا بها (الشيطان) أنقذنا الرب!]
5. الملكوت والتواضع
إن كان السيد قد رسم لنا طريق خلاصنا بصليبه الذي جاء مخالفًا تمامًا لما ظنه البشر، ففي محبته يشتاق أن يحملنا معه في طريقه الخلاصي خلال التواضع.
لقد ظن العالم أن الكرامة الزمنية والسلطة هما طريق الملكوت، لكن الصليب يعلن التواضع سمة ملكوت الله، لذلك إذ كان التلاميذ يتحاجون في الطريق في من هو الأعظم [24]، نادى السيد المسيح الإثني عشر وقال لهم: "إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون آخر الكل وخادمًا للكل. فأخذ ولدًا وأقامه في وسطهم ثم احتضنه، وقال لهم: من قبل واحدًا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني، فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني" [35-37].
لقد وضع السيد المسيح يده على جرحنا البشري القديم، ألا وهو حب الإنسان للكرامة الزمنية والتسلط. فضح جرحنا مقدمًا لنا نفسه مثالاً ودواءً! فقد بدأ أولاً بإعلان الجرح عندما سألهم عما كانوا يتكلمون فيه ليعلن أنه كلمة الله العارف الخفايا والناظر الكل، فاحص القلوب والكِلى. إذ كشف الجرح أعطى الدواء بتعليمه عن مفهوم الرئاسة الروحية خلال التواضع الممتزج حبًا. ثم قدم لهم مثلاً عمليًا باحتضانه ولدًا ليقبلوا هم البشرية بروح الحب كطفلٍ يحتضنوه ويغسلوا قدميه، فيصيروا خدامًا لا أصحاب سلطة. أما المثل العملي للآخرين فقد وضح بقوله أنه من يقبله لا يقبله هو، بل الذي أرسله، مع أنه واحد مع الآب! في حب ممتزج بالطاعة يقدم الابن الآب وإن كان لا ينفصلان قط!
فيما يلي بعض مقتطفات للآباء بخصوص الخدمة الحقيقية وروح التواضع:
+ ناقش التلاميذ في الطريق من يكون رئيسًا، أما المسيح نفسه فنزل ليعلمنا التواضع. فإن الرئاسات تجلب التعب، أما التواضع فيهب راحة!
القديس جيروم
+ يريدنا ألا نغتصب الرئاسات لأنفسنا، بل نبلغ العلويات السامية بالتواضع... يا لعظمة التواضع، إذ تربح لنفسها سكنى الآب والابن والروح القدس.
الأب ثيؤفلاكتيوس
+ حثهم على التواضع والبساطة بنفس المنظر، لأن هذا الولد طاهر من الحسد والمجد الباطل ورغبة الترأس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ التواضع رفع موسى، أما المتكبرون فابتلعتهم الأرض.
+ التواضع هو أرض حاملة للفضائل، فإن نُزع التواضع هلكت كل الفضائل.
+ آباؤنا الجبابرة مهدوا لنا الطريق، إذ لبسوا التواضع الذي هو رداء المسيح، وبه رفضوا الشيطان وربطوه بقيود الظلمة.
+ البس التواضع كل حين، وهو يجعلك مسكنًا لله.
القديس يوحنا سابا
6. الملكوت واتساع القلب
إذ حدثنا عن الملكوت الإلهي كيف نخدمه بالتواضع خلال الصليب، خشي لئلا يفهم ذلك بطريقة سلبية لذلك كشف ربنا يسوع المسيح هنا عن التزام أبناء الملكوت للعمل بقلبٍ متسعٍ. فإن كان السيد المسيح نفسه جاء إلى الصليب في اتساع قلب للبشرية لاق بأبنائه أن يحملوا ذات سمته.
قال له يوحنا: "يا معلم رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك، وهو ليس يتبعنا، فمنعناه، لأنه ليس يتبعنا" [38]. لعل القديس يوحنا لم يمنعه عن غيرة منه أو حسد، لكنه اشتاق أن تكون لهذا الإنسان تبعية للسيد المسيح ولقاء معه، ولا يكون مستغلاً لاسم السيد المسيح في إخراج الشياطين. لكن السيد قال له: "لا تمنعوه، لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعًا أن يقول عليّّ شرًا. لأن من ليس علينا فهو معنا، لأن من سقاكم كأس بارد باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره" [39-41].
هذا الحديث يكشف أن ذاك الذي كان يخرج الشياطين لم يكن ضد المسيح لا بفمه ولا بقلبه، بل كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق، وإن لم تكن قد أُتيحت له الفرصة للتبعية الظاهرة. إيماننا لا يقوم على أساس تعصبي وتحكم في الآخرين، بل اتساع القلب للكل والوحدة مادام الكل يعمل خلال إيمان مستقيم. وحدتنا الكنسية المسكونية لا تقوم على تجمعات، وإنما على وحده الإيمان الحيّ.
هذا ونلاحظ أن السيد قد تحفظ في كلماته، إذ يوجد أيضًا من يصنع قوات باسم المسيح لكنه يضمر شرًا في قلبه كالهراطقة مسببي الانقسامات والأشرار في حياتهم العملية. يقول السيد نفسه "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: أني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23).
بهذا القلب المتواضع والمتسع بالحب يلزم أن نسلك دون أن نعثر الآخرين، وفي نفس الوقت دون أن نتعثر بسبب الآخرين، أي ليكن قلبنا متسعًا بالحب، لا على حساب خلاص إخوتنا الأصاغر، ولا على حساب خلاص نفوسنا.
فمن جهة تحذيرنا من عثرة الصغار يقول: "من أعثر أحد الصغار المؤمنين بي، فخير له لو طوّق عنقه بحجر رحىَّ وطرح في البحر" [42]. بمعنى آخر يليق بنا أن تكون قلوبنا متسعة، فنحتمل ضعفات الآخرين كصغارٍ نترفق بهم ولا نعثرهم في الإيمان. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا لهذه العبارات بقوله أن حجر الرحى يُشير إلى العلماني الذي يرتبك بأمور هذه الحياة فيدور حول نفسه كما حول حجر رحى في مللٍ وتعبٍ بلا هدف ولا راحة، أما الطرح في أعماق البحر فيعني أشر أنواع العقوبة، وكأنه خير لذلك الذي يرتدي ثوب العمل الكرازي أو الخدمة ويعثر الصغار أن يترك وظيفته ويصير علمانيًا، فإنه حتى وإن نال أشر أنواع العقوبة فسيكون له أفضل من إعثار الآخرين وهو خادم، لأنه بدون شك إن سقط بمفرده تكون آلامه في جهنم أكثر احتمالاً.
بقدر ما يتسع قلبنا بالحب لا نُعثر صغار نفوس، ويلزمنا بحكمة أيضًا أن نهرب من النفوس المعثرة لنا، لكن دون إدانة لهم، إذ يقول: "وإن أعثرتك يدك فأقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أقطع، من أن تكون لك يدان وتمضي في جهنم إلى النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تُطفأ" [43-44]. وما يقوله عن اليد يكرره بخصوص الرجل والعين أيضًا. وقد سبق لنا تفسير مفهوم اليد والرجل والعين روحيًا، لذا نكتفي بعبارة القديس يوحنا الذهبي الفم [لا يتحدث هنا عن أعضائنا الجسدية بل عن أصدقائنا الملازمين لنا جدًا، والذين يحسبون ضروريين لنا كأعضاء لنا، فإنه ليس شيء يضرنا مثل الجماعة الفاسدة (الصداقات الشريرة).]
أخيرًا يختم حديثه عن فاعلية المسيحي باتساع قلبه نحو الكل، مشبهًا إياه بالملح الذي يُصلح الآخرين من الفساد، قائلاً: "لأن كل واحد يُملح بنارٍ، وكل ذبيحة تُملح بملح. الملح الجيد، ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة، فبماذا تصلحونه، ليكن في أنفسكم ملح، وسالموا بعضكم بعضًا" [49-50]. كأنه يقول أن الملح يفقد كيانه إن فقد ملوحته التي بها يُصلح الطعام، هكذا المسيحي يفقد كيانه كمسيحي إن فقد حبه للغير ومسالمته للآخرين. الحب ليس سمة أساسية في حياتنا بل هو بعينه حياتنا، بدونه نفقد وجودنا المسيحي.
ماذا يعني بقوله "كل واحد يُملح بنار"؟ في العهد القديم كانت الذبائح يلزم أن تُملح قبل تقديمها على المذبح لتحرق، هكذا إن كانت حياتنا ذبيحة حب، فالله لن يقبلها ما لم تكن مملحة بملح الحب الأخوي.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح التاسع
الآيات (1:9) في كتاب إنجيل متى (مت28:16)
الآيات (2:9-8): في كتاب إنجيل متى (مت1:17-8)
الآيات (9:9-13): في كتاب إنجيل متى (مت9:17-13)
الآيات (14:9-29): في كتاب إنجيل متى (مت14:17-21)
الآيات (30:9-32): في كتاب إنجيل متى (مت22:17،23)
الآيات (33:9-37): في كتاب إنجيل متى (مت1:18-5)
الآيات (42:9) في كتاب إنجيل متى (مت6:16،7)
الآيات (43:9-48): في كتاب إنجيل متى (مت8:18-10)
الآيات (2:10-12): في كتاب إنجيل متى (مت1:19-12)
الآيات (13:10-16): في كتاب إنجيل متى (مت13:19-15)
الآيات (17:10-27): في كتاب إنجيل متى (مت16:19-26)
الآيات (28:10-31): في كتاب إنجيل متى (مت27:19-30)
الآيات (32:10-34): في كتاب إنجيل متى (مت17:20-19)
الآيات (35:10-45): في كتاب إنجيل متى (مت20:20-28)
(مر 1:9):
وقال لهم الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة.
بعد الآية السابقة والتى تحدث فيها السيد المسيح عن المجد، أصبح إشتياق التلاميذ شديداً أن يروه أو حتى يعرفوا ما هو. والسيد فى هذه الآية يطمئنهم بأن بعضاً منهم لن يذوقوا الموت قبل أن يروا ملكوت إبن الإنسان. فما هو ملكوت إبن الإنسان؟
ملكوت إبن الإنسان هو حين يجلس عن يمين أبيه، ويكون فى صورة مجد الآب. ويجلس ليدين. ويملك على الأبرار وهم يخضعون لهُ، ويطأ إبليس وتابعيه ويحبسهم فى البحيرة المتقدة بالنار فيكفوا عن مقاومتهم لملكه. كل هذا سيكون فى يوم الدينونة وما بعده.. ولكن نلاحظ أن كل من أستمع للسيد المسيح وهو يقول هذا الكلام، الكل ما توا أو استشهدوا قبل مجىء السيد المسيح فى مجده ليدين الجميع. فما معنى أن منهم من يموت قبل أن يرى إبن الإنسان آتياً فى ملكوته ؟
نلاحظ أن بعد هذه الآية مباشرة، وفى الأناجيل الثلاثة تأتى قصة تجلى المسيح على الجبل. وفى التجلي رأى بعض التلاميذ بعضاً من مجد السيد المسيح بقدر ما كشفه لهم، وعلى قدر ما إحتملوا، وهم تمتعوا بمجده، وكان هذا إعلاناً عن بهائه الإلهي، وهؤلاء لم يموتوا حتى رأوا هذا المجد وآخرون ممن سمعوا كلمات المسيح هذه رأوا قيامته وصعوده وحلول الروح القدس على الكنيسة وبدء ملكوت الله داخل قلوب المؤمنين، رأوا آلاف تترك آلهتها الوثنية (بل وتبيع ممتلكاتها كما رأينا فى سفر أعمال الرسل) ويحرقوا كتب السحر ويتبعوا المسيح ويملكوه على قلوبهم، ورأوا آلاف الشهداء يبيعون حياتهم حباً فى المسيح، كل هؤلاء كان ملكوت الله فى داخلهم (لو 21:17). لقد رأوا ملكوت الله معلناً فى حياة الناس ضد مجد العالم الزائل.
كل هؤلاء الشهداء والذين باعوا العالم لأجل المسيح تذوقوا حلاوة ملك المسيح على قلوبهم، وكان هذا عربون المجد الأبدي إلى أن يحصلوا على كمال مجد الملكوت المعد لهم. وهناك ممن سمعوا قول المسيح هذا لم يموتوا حتى رأوا خراب أورشليم وحريقها الهائل سنة 70م، لقد رأوا صورة للمسيح الديان، ورأوا عقوبة رافضى المسيح. ولاحظ أن الله دبر هروب المسيحيين كلهم من أورشليم قبل حصارها النهائي.
لا يذوقون الموت =هذه لا تقال إلاّ على الأبرار فهم لا يموتون بل ينتقلون، وكما قال المسيح عن الموت أنه نوم ( عن إبنة يا يرس وعن لعازر). أماّ الأشرار فهم يموتون وهم مازالوا على الأرض "إبنى هذا كان ميتاً فعاش + لك إسم أنك حى وأنت ميت ( لو 24:15+رؤ 1:3). وذاق الموت قيلت عن المسيح (9:2) فتذوق الموت هو موت بالجسد أما الروح فتذهب إلى الله فى انتظار القيامة. ومن يتذوق عربون المجد الأبدى هنا على الأرض لا يموت بل يتذوق الموت فقط. ويكون معنى كلام السيد أن من الموجودين، من لن ينتقل قبل أن يتذوق حلاوة ملكوت الله فى داخله، وهذا ما حدث بعد يوم الخمسين حينما حل الروح القدس فملأهم سلاماً وفرحاً، وكان المسيح يحيا فيهم (غل 20:2).
(مر 2:9-8):-
وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة. وجاءوا إليه مقدمين مفلوجا يحمله أربعة. وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من اجل الجمع كشفوا السقف حيث كان وبعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعا عليه. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم. لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فللوقت شعر يسوع بروحه انهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم
1) فى الآية السابقة وعد السيد تلاميذه أن منهم من سوف يرون إبن الإنسان آتياً فى ملكوته، ها هو هنا يريهم عربون المجد الأبدى فى الملكوت.
2) أخذ السيد معه 3 تلاميذ ليشهدوا على ما حدث، ورقم 3 كافى جداً كشهود بحسب الناموس. وكان الثلاثة دائماً يرافقونه فى الأحداث الهامة مثل إقامة إبنة يايرس وفى بستان جثسيمانى، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. وبطرس لم ينسى ما رآه وسجله فى رسالته (2 بط 16:1-18) وهكذا يوحنا (يو14:1).
3) يقول تقليد الكنيسة أن الجبل كان هو جبل تابور. وهو جبل عالٍ يشير للسمو، سمو قدر المسيح الذى سيرونه الآن متجلياً
4) التجلي هو إعلان لمجد المسيح ولا هوته بخروجه عن مستوى الأرض والزمن. فيه أعطى السيد لتلاميذه أن يتذوقوا الحياة الأخروية، معلناً أمجاده الإلهية بالقدر الذى يستطيع التلاميذ أن يحتملوه وهم بعد فى الجسد.
5) السيد حدث تلاميذه عن آلامه وموته، فكان لابد له أن يظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، وإذ رأوا مارأوه كان هذا قوة لهم وسنداً على إحتمال الآلام والاضطهادات التى سيواجهونها دون أن يتعثروا فيه. والله دائماً يعزى كل متألم ليحتمل ألمه.
6) صعدوا أولاً على جبل لكى يتجلى أمامهم. ولكى نعاين نحن مجد الرب يجب أن ندرب أنفسنا أن نحيا فى السماويات، وتكون لنا خلوة هادئة باستمرار نتأمل فيها فى الكتاب المقدس، ونرتفع فوق شهوات العالم ورغبات الذات لنحقق وصية بولس الرسول " فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق.. إهتموا بما فوق لا بما على الأرض.. اميتوا أعضاءكم التى على الأرض (كو1:3-5"). وتأملنا فى كلمة الله المكتوبة فى الكتاب المقدس تكشف لنا عن كلمة الله أى المسيح، وكلما عاشرناه نحيا فى السماويات كمن يرتفع فوق جبل.
7) التجلي محسوب للإنسان، فنحن سنحصل على جسد ممجد (فى 21:3 + 1يو 2:3).
(مر 9 : 9-13):-
وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم أن لا يحدثوا أحدا بما أبصروا إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات. فحفظوا الكلمة لأنفسهم يتساءلون: «ما هو القيام من الأموات؟» فسألوه: «لماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولا؟» فأجاب: «إن إيليا يأتي أولا ويرد كل شيء. وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل. لكن أقول لكم: إن إيليا أيضا قد أتى وعملوا به كل ما أرادوا كما هو مكتوب عنه».
آية (9):- السيد يوصيهم أن لا يعلموا أحد بما رأوه على الجبل لماذا؟
وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات.
حتى لا يظن الناس أن التجلى مقدمة لملك عالمى (وبعد القيامة لن يحدث هذا).
حتى لا يتشكك الناس إذ تأتى ألامه، لذلك فليقولوا هذا بعد القيامة.
عليهم بالتأمل فيما رأوه، حتى يقوم المسيح وويمتلئوا بالروح القدس، هنا سيروا أحداث التجلى فى قلوبهم وليس كمنظر خارجى فقط
حتى لا ينشغلوا بالمجد عن أحداث الصليب والآلام القادمة.
الناس لن تصدق أن هذا الإنسان المتواضع له كل هذا المجد وسيتهمهم الفريسيين بالكذب، أما بعد القيامة يمكن إثبات هذا المجد.وفيما هم نازلون = بعد الخلوة التى نستمتع فيها مع المسيح ننزل لنخدم موضوع أن إيليا ينبغى أن يأتى أولاً آيات (10:17-13).
تفسير هذه الآيات ورد تحت تفسير آيات (14:11،15). ولاحظ أن الكتبة كان لهم معرفة نظرية بالكتاب ولكن دون روح، فيوحنا أتى كسابق وبروح إيليا فى زهده وتقشفه وشهادته للحق أمام ملوك ولكنهم لم يعرفوه فعيونهم مغلقة. فإيليا قد جاء ليس بحسب الفكر الحرفى، ولكن هناك إعداد تم بواسطة المعمدان للناس فقداموا توبة إستعداداً لمجىء المسيح الأول، وسيأتى إيليا فعلاً قبل المجىء الثانى لإعداد الناس برد قلوب الأباء على الأبناء (ملا 6:4)= قال لهم أن أيليا يأتى أولاً ويرد كل شىء
آية (11). وكلام السيد هنا يعنى أنه المعمدان جاء بروح إيليا وقوته ليكون سابقاً للمسيح الذى هو إبن الإنسان الذى أتى هو أيضاً ولم يعرفوه بل سيتألم منهم. وكما لم يميزوا أن المعمدان هو السابق، لن يميزوا المسيح فهو ضد فكرهم الحرفى أن المسيح يأتى كملك زمنى. وكما قتل هيرودس يوحنا المعمدان سيقتلون هم المسيح.
(مر 10:9) لاحظ أن التلاميذ ما كانوا فاهمين معنى القيامة.
(مر 14:9-29):-
ولما جاء إلى التلاميذ رأى جمعا كثيرا حولهم وكتبة يحاورونهم. وللوقت كل الجمع لما رأوه تحيروا وركضوا وسلموا عليه. فسال الكتبة بماذا تحاورونهم. فأجاب واحد من الجمع وقال يا معلم قد قدمت إليك ابني به روح اخرس. وحيثما أدركه يمزقه فيزبد ويصر بأسنانه وييبس فقلت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا. فأجاب وقال لهم أيها الجيل غير المؤمن إلى متى أكون معكم إلى متى احتملكم قدموه إلى.فقدموه إليه فلما رآه للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويزبد. فسال أباه كم من الزمان منذ أصابه هذا فقال منذ صباه. وكثيرا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه لكن أن كنت تستطيع شيئا فتحنن علينا وأعنا. فقال له يسوع أن كنت تستطيع أن تؤمن كل شيء مستطاع للمؤمن. فللوقت صرخ أبو الولد بدموع وقال أؤمن يا سيد فاعن عدم أيماني. فلما رأى يسوع أن الجمع يتراكضون انتهر الروح النجس قائلا له أيها الروح الأخرس الأصم أنا أمرك اخرج منه ولا تدخله أيضا. فصرخ وصرعه شديدا وخرج فصار كميت حتى قال كثيرون انه مات. فامسكه يسوع بيده وأقامه فقام. ولما دخل بيتا سأله تلاميذه على انفراد لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه. فقال لهم هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم.
1) هنا يشفى السيد ولداً يصرعه الشيطان، أن يخرج منه هذا الشيطان وتأتى هذه المعجزة مباشرة وراء حادثة التجلى. فليس معنى أن يعطينا الله ونحن مازلنا على الأرض بعض التعزيات السماوية أن نكف عن الجهاد ضد الشيطان. ونلاحظ دعوة السيد لتلاميذه لأن يصوموا ويصلوا ليهزموا إبليس. إذاً الحياة الروحية هى جهاد ضد مملكة إبليس بصوم وصلاة وخدمة النفوس التى يعذبها الشيطان بل يستعبدها، وجَذْبَها للمسيح، وهى أيضاً تعزيات سماوية مفرحة. ولننظر لخادم مثالى هو بولس الرسول، وقارن تعزياته (2كو3:1-7) (كم مرة يذكر كلمة تعزية) مع جهاده فى خدمته (2كو 23:11-33). ولكن هناك من يخطىء ويظن أن الحياة الروحية هى خلوة مع الله فقط، وأيضاً هناك من يخطىء ويظن أنه قادر على الخدمة المتواصلة بدون خلوة مع الله.
2) يُصرع ويتألم شديداً = أصل الآية يُصرع فى رؤوس الأهلة وبعض الترجمات ترجمتها يُصرع بالقمر (رؤوس الشهور القمرية) وهذا خداع شيطانى ليوحى للناس علاقة صرع الولد بالكواكب. عموماً فلنلاحظ أن كل من يُستعبد لإبليس يفقد سلامه ويعيش فى ألام حقيقية.
3) يقع كثيراً فى النار وكثيراً فى الماء= وهذا ما يفعله إبليس مع كل واحد منها فهو يحاول أن يدفعنا لنيران الشهوات أو نيران الغضب أو يدفعنا لبرودة الفتور. إن يخضع للخطية يفقد سلامه ويتشتت فكره ويتألم جسده، ويندفع فى خصام بل قتال عنيف مع من حوله، أماّ عن حياته الروحية فهى فتور كامل.
4) تلاميذك لم يقدروا أن يشفوه = المسيح منع عنهم الموهبة حتى يفهموا أهمية الصلاة (الصراخ لله باستمرار) وأهمية الصوم (الزهد فى ملذات الدنيا ) ويكون لديهم شعور مستمر بالإحتياج. فيبدو أنهم بعد التجلى وما رأوه شعروا بنشوة وإكتفاء جعلهم ينسون الصلاة والصوم.
5) أيها الجيل غير المؤمن= 1) ضعف إيمان التلاميذ 2) ضعف إيمان الوالد وهو صرح بهذا أعن عدم إيماني (مر 24:9) 3) ضعف بل عدم إيمان الجمع، جلسوا يحاورونهم فى إستخفاف وقساوة قلب وعدم إيمان. هنا نلمس فى كلمات الرب رنة عدم الرضا ونفاد الصبر فالمسيح أراد أن يرى تلاميذه ولهم صلوات قوية وأصوام يصرع أمامها الشيطان.ولنعلم أن الإيمان ينمو حتى ولو كان مثل حبة خردل، لذلك فالتلاميذ طلبوا مرة من السيد قائلين زد إيماننا (لو 5:17) وبولس يمدح أهل تسالونيكى أن إيمانهم ينمو (2تس 3:1). والله يعمل مع كل واحد من أولاده ليزيد إيمانه، تارة بعطايا حلوة وتارة بتجارب نرى منها يد الله. ولكن من يأخذ عطايا حلوة فليشكر ويسبح، ومن تأتى عليه تجارب فليسلم الأمر لله ويصلى فيرى يد الله. أماّ من يأخذ عطايا فينشغل بها عن الله أو من تأتى لهُ تجارب فيتذمر ويترك صلواته، فمثل هذا لن ير يد الله ولن ينمو إيمانه. ونرى هذا الأب أتى للمسيح وإعترف بأن إيمانه ضعيف أو معدوم، لكن المسيح لم يرفضه إذ أتى إليه، بل شفى له إبنه وبهذا زاد إيمانه. فلنصرخ لله بدون تذمر شاكرين على كل حال فينمو إيماننا وما يساعد على نمو الإيمان. أيضاً الصلاة الكثيرة والأصوام المصاحبة لها.
6) تقولون لهذا الجبل إنتقل=الجبل هو أى خطية محبوبة او شهوة نستعبد لها أو عقبة مستحيلة أو أى صعوبة بحسب الظاهر تواجه المسيحى، كل هذا يمكن أن يتزحزح بالصلاة والصوم مع الإيمان. ولقد تم نقل جبل المقطم فعلاً بحسب هذه الآية
7) جاء المسيح للتلاميذ فى الوقت المناسب، فهم فشلوا فى إخراج الروح والكتبة والجمع يحاورونهم فى إستهزاء. ودائماً يأتى المسيح لكنيسته فى الوقت المناسب ليرفع عنها الحرج ويبكم المقاومين "الله فى وسطها فلا تتزعزع (مز 5:46). وهذا هو وعده (مت 19:10،20) فهو المسئول عن الكنيسة والمدافع عنها، فهى عروسه.
8) مفهوم السيد المسيح هنا عن الصلاة والصوم ولزومهم لطرد الأرواح الشريرة إلتقطته كنيستنا ووضعت أصواماً كثيرة مع صلوات وتسبيحات عديدة، حتى تعطى شعبها قوة فى حربه ضد إبليس. والله يعطى مواهب ( كما أعطى التلاميذ سلطان إخراج الشياطين ) لكن لنحافظ على هذه الموهبة لابد من الصلاة والصوم.
9) (مر 15:9):- تحيروا= رما لأنه كان نازلاً من الجبل مبكراً، أو لأنهم فوجئوا به، وهم أرادوا أن يستمر حديثهم السافر مع تلاميذه، وهم يعلمون انهم لا يستطيعون شيئاً أمامه هو شخصياً، فإن حضر لن يستطيعوا السخرية من عجز التلاميذ. أو هل كان وجهه مازال يشع نوراً من أثار التجلى !! عموماً فالسيد لاحظ تكتل الكتبة ضد تلاميذه فسألهم بماذا تحاورنهم (مر 16:9) فلم يجيبوا. ثم صرخ هذا الأب طالباً الشفاء.
10) (مر 20:9) للوقت صرعهُ الروح= إن طرد روح الشر من حياتنا يصحبه صراع شديد، ولكن بعد أن تتقابل النفس مع المسيح وتدخل فى عشرة معه يمسك بيدها ويقيمها فتقوم مستندة على ذراعه.
11) أومن يا سيد فأعن عدم إيماني= أعلن الوالد إيمانه = أومن.. ولكن خشى أن لا يكون كافياً فصرخ متذللا= أعن عدم إيمانى … فهو إعتبر إيمانه كالعدم، وطلب من الرب أن يعينه فى حالته. فمهما كان إيماننا فهو مازال ناقصاً، وإذا قيس بما يجب أن تكون عليه ثقتنا فى المسيح فهو عدم. ولكى يقوى إيماننا يجب أن نصرخ أؤمن يا سيد فاعن عدم إيمانى. والله دائماً يستجيب لهذه الصرخة وإستجابته تزيد إيماننا. ولاحظ أن السيد لم يرفضه إذ اعترف بعدم إيمانه بل شفى له ابنه وبالتالى شفى له إيمانه.
12) قول المسيح إلى متى أكون معكم= فيه إشارة لصعوده، فإن كان تلاميذه ضعفاء وهو فى وسطهم يسندهم، يرونه ويسألونه ويكلمونه، فماذا سيحدث لهم بعد الصعود إذ لا يجدوه.. هذا يحتاج لإيمان، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان.
13) كم من الزمن منذ أصابه هذا(مر21:9) = هذا السؤال يوجه لكل من طال زمانه فى الخطية (زمان بقائه مستعبداً لها ) وطال زمان بقائة فى أسر إبليس. وسؤال المسيح معناه لماذا لم تأتى إلىّ لأشفيك منذ زمان. ويشير السؤال لتأثر المسيح لاستعباد الشيطان للبشر كل هذا الزمان.
14) (مر 26:9) فصار كميت = من يخرج منه روح شرير يصير كميت عن العالم (مر27:9) فأمسكه يسوع وأقامه= هو ميت عن العالم حى مع المسيح وهذين = مع المسيح صلبت فأحيا (غل 20:2).
15) السيد أعطى تلاميذه الموهبة على الشفاء وإخراج الشياطين ولكن يلزم إضرام أى موهبة بالصلاة والصوم (2تى 6:1).
16) نفهم من (لو 37:9) أن هذه القصة كانت فى اليوم التالى للتجلى.
17) إلى متى أكون معكم وأحتملكم= واضح تكرار الأناجيل الثلاثة لهذه الجملة. إن أكثر ما يحزن الرب يسوع هو أن يرى أولاده مهزومين أمام الشياطين. لقد أعطانا سلطاناً أن ندوس الحيات والعقارب (لو 19:10) فلماذا لا نستخدمه، لماذا نستسلم ونقول " الشيطان شاطر " هذه الجملة تحزن رب المجد جداً.
(مر 30:9-32):-
وخرجوا من هناك واجتازوا الجليل ولم يرد أن يعلم أحد. لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم أن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث. وأما هم فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه
السيد يخبر تلاميذه بالصليب وهذا ياتى بعد 1) التجلى 2) إخراج الروح الشرير. وهذا يعنى 1) مع أهمية التجلى وأفراحه وتعزياته لكن حتى ننعم بهذا أبدياً لابد من الصليب.
2) حتى يُهزم عدو الخير نهائياً فلابد من الصليب (كو 14:2،15).
3) ولاحظ أن أحداث الصليب كانت تقترب لذلك كان السيد المسيح ينبه تلاميذه حتى لا يفاجئهم ما سوف يحدث. ولكن كون السيد يخبرهم بما حدث إذاً هو يذهب للصليب بسلطانه إذ هو آتى لذلك.
4) السيد لا يريد أن تلاميذه يذهب فكرهم إلى الأمجاد الزمنية خصوصاً بعد التجلى وبعد معجزة إخراج الروح النجس، فيعود ويحدثهم عن أهمية الصليب فالعالم هنا طالما كنا فى الجسد هو عالم ألم وصليب أماّ المجد فهناك.لم يفهموا = فهم فى ذهنهم الأمجاد العالمية، فما علاقة هذا بالصليب. ولم يفهموا أن الصليب هو طريق المجد.
5) لاحظ البعض أن السيد فى بعض الأحيان كان يطلب إخفاء أخبار مجده كما حدث فى موضوع التجلى، وهنا فى ( لو 44:9) يطلب من تلاميذه كتمان موضوع ألامه. فضعوا أنتم هذا الكلام فى أذانكم = فكلا الأمرين غير منفصل فالمسيح تمجد بقيامته وبتجليه وبصعوده.
(مت 24:17-27) إيفاء الدرهمين
الدرهمين=هى ضريبة تدفع لقيصر، وهذه هى الجزية التى تدفعها الشعوب المستعمرة لقيصر. وكان رئيس الكهنة والكهنة معافين من دفع هذه الجزية. وكان قد فات، أو قد حان ميعاد دفع الجزية فتساءل الناس هل يدفع المعلم الجزية أم لا. وكان السؤال حرجاً للمسيح، فقد عُرِفَ أن المعلم هو المسيا المنتظر، وكان بعض الناس يرددون هذا الكلام ولكن رسمياً فهو ليس بكاهن، والنظام السائد يلزمه بالدفع، فهل يدفع وهو المسيا أم لا ؟ وبطرس لهذا تحرج أن يسأله، ولكن العارف بما فى القلوب بادره بالسؤال، وسؤال المسيح يشير لأن النظام جائر فقيصر لاحق له أن يطالب أصحاب الأرض بدفع جزية. ولكن المسيح أظهر طاعة للنظام مهما كان جائراً.
وهذه المعجزة لها معنى فللرب الأرض وملكها، والرب اراد أن يقول لبطرس إدفع الجزية مهما كانت جائرة والله الذى له كل الأرض يعوضك من غناه. ولاحظ أن الرب لم يقل لبطرس إذهب إصطاد سمكاً وبعه وأوفى الدرهمين. ولكن طلب منه أن يصطاد سمكة واحدة، وهنا نرى مثالاً جديداً للجهاد والنعمة. فيا بطرس لأنك صياد إذهب وصِدْ (الصيد = جهاد) ولأنك خادم الله فستجد أعوازك مسددة بطريقة معجزية (نقود فى بطن السمكة = نعمة). وحين يرعانا الله فلا يعوزنا شىء.
ولاحظ أن حرج موقف المسيح أيضاً فى ان الوطنيين كانوا يعارضون دفع الجزية للأجانب أى الرومان. ولكن المسيح فضل أن يخضع للنظام الموجود ولا يعثر أحد. ولكن لاحظ فقر المسيح وتلاميذه، إذ لا يمكلون مقدار هذه الجزية. فالدرهمين = ½ شاقل يهودى = تقريباً 6 قروش، ولكن الرب إفتقر ليغنينا (2كو 9:8) والأستار= شاقل يهودى. والسيد أعطى لبطرس من بطن السمكة ما يكفى تماماً لدفع الجزية عنه وعن بطرس، فقد كان النظام الرومانى يقضى بأن يدفع كل يهودى ½ شاقل = ½ أستار والأستار هو عملة.
(مر 33:9-37):-
وجاء إلى كفرناحوم وإذ كان في البيت سألهم بماذا كنتم تتكالمون فيما بينكم في الطريق. فسكتوا لأنهم تحاجوا في الطريق بعضهم مع بعض في من هو اعظم. فجلس ونادى الاثني عشر وقال لهم إذا أراد أحد أن يكون أولا فيكون أخر الكل وخادما للكل.فاخذ ولدا وأقامه في وسطهم ثم احتضنه وقال لهم. من قبل واحدا من أولاد مثل هذا باسمي يقبلني ومن قبلني فليس يقبلني أنا بل الذي أرسلني.
فكر التلميذ المتأثر بالفكر اليهودى، أن المسيا حين يأتى، سيأتى لكى يملك على الأرض، جعلهم يشتهون أن يجلسوا واحداً عن يمينه وواحداً عن يساره (مت 21:20،22)..هذا الفكر إستمر حتى ليلة العشاء السرى (لو 24:22-27) ولكن المسيح كان يتكلم عن ملكوت السموات أمامهم دائماً، فإختلط عليهم الأمر، وظنوا أن ملكوت السموات هذا يمكن أن يكون على الأرض، وبنفس الفكر بدأوا يحلمون بمراكز أرضية حين يملك المسيح فى ملكوت السموات هذا، ودخلهم تساؤل عمن يكون الأعظم فى هذا الملكوت. وبمقارنة ما حدث فى إنجيلى متى ومرقس نجدهم وقد شغل هذا الموضوع ذهنهم تماماً يتحاورون فى الطريق عمن هو الأعظم فيهم، بالتالى سيكون هو مثلاً الوزير الأول فى ملك المسيح. ولما أتوا إلى البيت فى كفر ناحوم سألهم الذى لا يُخفى عليه شئ عمّا كانوا يتكلمون فيه، فسكتوا (مر 34:9) ثم تساءلوا علناً ولم يستطيعوا أن يستمروا ساكتين (مت 1:18)، فإذا دب فكر العظمة والكبرياء فى القلب فهو لا يهدأ. وحتى يكسر السيد كبريائهم أتى بولد ودعاهم أن يتشبهوا بالأولاد ومن يفعل فهو الأعظم.. قطعاً ليس فى السن بل :-
1. فى حياتهم المتواضعة الوديعة كالأطفال (1كو 20:14)
2. فى الثقة فى كلام أبيهم السماوى والإتكال عليه وطاعته.
3. البساطة وتقبل الحقائق الإيمانية والروحية، فالطفل يصدق ما يقال له.
4. الأطفال لا يشعرون أنهم أفضل من الأخرين فالغنى يلعب مع الفقير.
5. لاحظ أن الأطفال لا يشعرون بأنهم متواضعين، فمن يشعر أنه متواضع، أو أنه يتواضع حين يكلم إنساناً فقيراً فهو ليس متواضع.
6. التسامح المطلق فالطفل لا يحتفظ فى قلبه بأى ضغينة.
7. إذا أحزن إنسان طفلاً فهو لا ينتقم لنفسه بذراعيه بل يلجأ لوالديه.
8. الطفل بلا شهوات، بلا طلب للمجد الباطل، بلا حسد للآخرين.
9. إذا تشاجر الأطفال فهم سريعاً ما يتصالحون ويعودون للعب معاً.
10. ملكوت الله الذى يؤسسه المسيح لا وجود فيه لمن يبحث أن يكون الأقوى والأعظم بل من يدخله هو من يحس بضعفه وأنه لا شئ ولكن قوته وعظمته هى فى حماية الله له (2كو 9:12،10). وهذه طبيعة الأطفال.
11. بلغة التعليم المعاصر، فهذا الولد فى حضن المسيح هو وسيلة إيضاح.
12. الطفل يطلب ما يريده واثقاً فى أخذه من أبيه، وهو لا يفكر فى أن أبوه يعطيه لأنه يستحق، بل هو يطلب بدالة المحبة.
ولاحظ قول السيد المسيح من قبل ولداً واحداً مثل هذا بإسمى فقد قبلنى فالمسيح هنا وحَّد نفسه بالأطفال والبسطاء والضعفاء.. بإسمى = أى من أجل المسيح، فمن يقبل طفلاً يكون كمن قبل المسيح نفسه. والحقيقة فإن المسيح حين يقول إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فهو يقصد نفسه، أى إن لم ترجعوا وتستعيدوا صورتى التى حصلتم عليها فى المعمودية فلن تدخلوا ملكوت السموات. فنحن نولد بالمعمودية على صورة المسيح. نحن خلقنا أولاً على صورة الله (تك 26:1،27) وفقد الإنسان الصورة الإلهية باختياره لطريق العصيان والخطية. وأتى المسيح وفدانا وأعطانا سر المعمودية وفيها ندفن ونموت ونقوم مع المسيح وبصورة المسيح. ولكننا مع إحتكاكنا بالعالم نفقد هذه الصورة الإلهية ثانية، وكلام السيد المسيح هنا، أن هناك إمكانية لإستعادة هذه الصورة = إن لم ترجعوا = إذاً هناك إمكانية للرجوع ولكن كيف؟ هذا هو عمل النعمة، التى تعيدنا للصورة الإلهية، والنعمة تحتاج لجهاد، لذلك نسمع بولس الرسول يقول " يا أولادى الذين أتمخض بهم (ألام الجهاد والخدمة) إلى أن يتصور المسيح فيكم(عمل النعمة) وعمل النعمة يعطينا أن نصير خليقة جديدة على صورة المسيح (غل19:4 + 2كو 17:5) لذلك نحن نخلص بالنعمة (أف 8:2) التى بها نعود للصورة الإلهية. والأولاد هم المولودين من الماء والروح وقد خرجوا بدون خطية، والمسيح هو الذى قال عن نفسه "من منكم يبكتنى على خطية"، لذلك كان هذا الولد فى حضن المسيح إشارة للمسيح نفسه. ونحن إن لم نحصل على صورة المسيح لن ندخل ملكوت السموات. هذه تشابه أن لكل بلد فى العالم عملة يتم التعامل بها داخل حدود هذا البلد، لكن إن حاولت التعامل بعملة عليها صورة ملك آخر لن يُسمح لك بأن تتعامل بها. فنحن نصبح عُملة قابلة للتداول فى السماء لو إنطبعت علينا صورة الملك السماوى. فإن كان المسيح قد تواضع وترك مجده السمائى لأجلنا، أفلا نتخلى نحن عن أفكار العظمة الأرضية مثل ما فعل هو ونتصاغر أمام الناس وأمام أنفسنا، إذا كان المسيح قد صار عبداً أفلا نقبل أن نتصاغر مثله أمام إخوتنا. خصوصاً أن النعمة تسندنا، وبالمسيح نستطيع كل شئ (يو 5:15 + فى 13:4) فهل نقبل؟ والسيد يشرح كيف تساندنا النعمة.... هذا يكون بالجهاد.. وكيف نجاهد ؟
إذا أراد أحد أن يكون أولاً فيكون أخر الكل وخادماً للكل (مر 35:9) من أراد أن يصير فيكم عظيماً يكون لكم خادماً (مر 43:10)
من أراد أن يصير فيكم أولاً يكون للجميع عبداً (مر 44:10) والسيد ضرب بنفسه المثال فقال عن نفسه أنه أتى ليَخدم لا ليُخدم (مر45:10).
وهو غسل أرجل تلاميذه وطلب أن نفعل ذلك (يو 12:13-17).
ومن يفعل تسانده النعمة ليرجع ويكون كالأولاد أى يستعيد صورة المسيح ولاحظ قول السيد من وضع نفسه مثل هذا الولد = كلمة وضع نفسه تعنى أنه لا يدعى الإتضاع طلباً لمديح الناس، فما أخطر أن تدعى النفس الإتضاع. بل هو عليه أن يفهم الحقيقة "اننا لا شئ.. تراب.. بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولكن نحن بالمسيح، وليس من أنفسنا، قد أصبحنا أولاداً لله. فقيمتنا ترجع لا لأنفسنا بل للمسيح الذى فينا. ولاحظ أن عمل المسيح فى أن يأتى بطفل ويعمل ما عمله، بأن يحتضنه ويوحد نفسه به، ويقول ما قاله. هذا كان عجيباً فى أيامه، فقد إحتقر الرومان الطفولة، ولم يكن للطفل أى حق من الحقوق، ويستطيع الوالدان أن يفعلا بطفلهما ما يشاءا بلا رقيب، وتعرضت الطفولة فى اليونان لمتاعب كثيرة، فكانوا يتركون الأطفال فى العراء أياماً حتى يموت الضعيف ويبقى القوى. واليهود فى أى حصر أو تعداد ما كانوا يحصون النساء ولا الأطفال. ولكننا هنا نجد السيد يشير للطفل بأنه مثال يجب أن نتشبه به. الرومان واليونان كانوا يفتخرون بالقوة والعظمة لذلك إحتقروا الأطفال لضعفهم، أماّ المسيح فيطالبنا بالتشبه بهم فى ضعفهم وأن نعتبر أن قوتنا هو الله نفسه.. هذا هو ملكوت الله.
· نستطيع أن نقول أن هذا الإصحاح وما يقابله فى إنجيل القديس مرقس. يشتمل على قوانين الملكوت. أى كيف ندخل الملكوت.
القانون الأول:- نعود ونكون مثل الأطفال.
(مر 38:9-41):-
فأجابه يوحنا قائلا يا معلم رأينا واحدا يخرج شياطين باسمك وهو ليس يتبعنا فمنعناه لأنه ليس يتبعنا. فقال يسوع لا تمنعوه لأنه ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعا أن يقول علي شرا. لان من ليس علينا فهو معنا. لان من سقاكم كاس ماء باسمي لأنكم للمسيح فالحق أقول لكم انه لا يضيع اجره.
يا معلم رأينا واحداً يخرج شياطين بإسمك = طالما يستخدم إسم المسيح فهو مؤمن وهو ليس يتبعنا= أى ليس من الإثنى عشر أو السبعين. ولنلاحظ أنه ما كان ممكناً لهذا الإنسان أن يخرج شياطين إن لم يكن مؤمناً بالمسيح. لكن يوحنا تعجب أنه ليس من تلاميذ المسيح إذ ظن يوحنا أن المعجزات هى للتلاميذ فقط. لكن هذا الإنسان كان يعمل لحساب المسيح بإيمان صادق وإن لم تكن له فرصة للتبعية الظاهرة ونفهم من درس المسيح أن الكنيسة كنيسة واحدة ولا معنى فيها للتعصب لشخص ما أو جماعة ما، وهذا قطعاً لا يعنى قبول تعاليم مخالفة لتعاليم وعقيدة الكنيسة. ولكن على الكنيسة أن تفهم أنها متسعة القلب للجميع، لها وحدة ومحبة تجمع الكل خلال إيمان مستقيم. أماّ من يعمل قوات وأيات من خارج إطار الإيمان المستقيم فهؤلاء ينطبق عليهم قول السيد إذهبوا عنى يا فاعلى الإثم (مت 22:7،23). من ليس علينا= الذى ليس مخالفاً لنا ولكنيستنا فى الإيمان = فهو معنا فى وحدة ومحبة
وهذه الأيات أوردها القديس مرقس مباشرة بعد مشاجرة التلاميذ فمن هو الأعظم فيهم. ومن هذا نفهم أن العثرة تأتى فى الكنيسة من مفهوم من هو الأعظم. فيوحنا إعتبر أن هذا الشخص طالماليس من مجموعتهم فهو أقل منهم وليس من حقه أن يحصل على نفس مواهبهم فى إخراج الشياطين. والسيد يعلمهم مفهوم آخر، يُفهم أن من ليس ضدنا ( ضدنا = يعلم تعاليم مخالفة للإيمان) وهو يحب المسيح ويستخدم إسمه فهو معنا، فالكل جسد واحد والكل فى مملكة المسيح لهم سلطان على إبليس. ومن هذا نفهم أن
القانون الثالث:- الكنيسة أو ملكوت الله هو ملكوت الوحدة والمحبة. كنيسة واحدة وحيدة مقدسة رسولية.
من سقاكم كأس ماء بإسمى.. لا يضيع أجره
كما يعاقب الله معثرى الكنيسة نجده هنا يكافئ من يقدم لها الخدمات، ولكن على أن يكون بإسم المسيح. فمن يقدم لخدام المسيح لأجل إسم المسيح فهذا ينال مكافأته من الله وبهذا نفهم أن
القانون الرابع:- الملك الذى يعاقب أعداء كنيسته هو يجازى من يخدمها.
(مر 42:9):-
ومن اعثر أحد الصغار المؤمنين بي فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح في البحر.
نفهم من هذا أن العالم مملوء عثرات والكنيسة ستواجه ضيقات، ألام جسدية وإضطهاد وإستشهاد وستواجه حروباً شيطانية وخداعات وتشكيك من هراطقة أو إثارة حب العالم وشهواته فى قلوب أولاد الله (1يو 19:5)، لكن الله يحفظ أولاده (يو 15:17). ولاحظ فالشيطان يعمل لحساب مملكته بأن يستخدم أولاده وأتباعه ليعثروا أولاد الله، إماّ بأن يوقعوا بهم فى شباك الخطية أو يضطهدونهم جسدياً. وهذا الأسلوب إستعمله إبليس مع يسوع نفسه فهو على الجبل حاول أن يعثر المسيح ويجعله يسجد لهُ ولما فشل دبر مؤامرة الصليب. ولكن الله فى مملكته يحفظ أولاده (يو 11:17،12) هؤلاء الذين دخلوا مملكته وذلك بتواضعهم وبساطتهم = الصغار المؤمنين. صغار تعنى ضعيف وبسيط ويمكن إسقاطه فى الخطية فربما يظن أحد أنه بسبب بساطة ووداعة أولاد الله، فهو يستطيع أن يفعل بهم ما أراد.. ولكن لا فمملكة الله لها ملك قوى يدافع عنهم (خر 14:14) ويا ويل من يقع فى يد الله الحى (عب 30:10،31). والوقوع فى يد الله ليس هيناً، بل خيرٌ لذلك الإنسان أن يُعلق فى عنقه حجر الرحى ويغرق فى لجة البحر. وكانت هذه عقوبة رومانية ويونانية. حجر الرحى = حجر ثقيل يستعمل فى طحن الحبوب.
ولاحظ أن الله قد يسمح ببعض الألام تقع على أولاده من الشرير إبليس أو من أولاده الأشرار (كما حدث مع أيوب ومع بولس) ولكن يكون هذا بسماح منه لإعدادهم للملكوت ولتأديبهم (عب 5:12-11).
وحجر الرحى هنا هو خطية هذا المعتدى على الكنيسة التى تجعله يغوص فى بحر الدينونة الرهيبة.
ولاحظ أن الشرير قد يحاول إثارة إضطهاد ضد الكنيسة أو ضد إنسان مؤمن، حتى يخيفه وينكر الإيمان فيهلك. من كل هذا نفهم أن
القانون الثانى:- الكنيسة موجودة فى عالم ملئ بالعثرات
لكن ملك الكنيسة ورئيسها يحميها وينتقم من أعدائها.
(مر 43:9-48):-
وأن اعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة اقطع من أن تكون لك يدان وتمضي إلى جهنم إلى النار التي لا تطفا. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا. وأن اعثرتك رجلك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة اعرج من أن تكون لك رجلان وتطرح في جهنم في النار التي لا تطفا. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا. وأن اعثرتك عينك فاقلعها خير لك أن تدخل ملكوت الله اعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفا.
سبق السيد وتكلم عن العثرات الموجودة فى العالم، فماذا يصنع الإنسان المسيحى أمام هذه العثرات والشهوات المحاربة فى أعضائه ؟ قطعاً المسيح لا يقبل أن نقطع أيادينا وأرجلنا.. الخ. بل أن نحيا كأموات أمام الخطية. فإن كانت أعيننا تعثرنا فلنمنع أعيننا من أن تنظر، فهناك من يسير فى طريقه وعيناه للأرض ويمنع عن عينه كل الصور المعثرة.وقطعاً فى هذا تغصب، ولكن الملكوت يغصب (مت 12:11). ومن تعثره أماكن معينة فعليه أن لا يذهب فيكون كمن قطع رجله، وهناك من يعثره صديق معين أو جماعة معينة، فعليه أن يمتنع عنهم ويكون كمن قد مات.. وهكذا. وهذا ما يُسمى الجهاد، أن تغصب نفسك أن لا تفعل ما ترغب فيه إن كان فيه خطأ وتحيا كميت أمامه. وتغصب نفسك أن تفعل ما لا ترغب فيه إن كان صحيحاً كالمثابرة فى الصلاة والمواظبة على الذهاب مبكراً للكنيسة. والصيام بقدر الإمكان.. الخ. فهناك عثرات من الآخرين وعثرات من أنفسنا عندما ننخدع من شهواتنا وهذه يجب أن نقطعها مهما كانت عزيزة علينا، كما أن اليد والرجل والعين عزيزة علينا، أى نتخلص مما يسبب لنا العثرة [ اليد (نبتعد عن أى عمل ردئ) والرجل (نمتنع عن الذهاب للأماكن المعثرة)..] أقمع جسدى وأستعبده (1كو 27:9) ومن يجاهد ويغصب نفسه تملأه النعمة، فالنعمة لا تُعطى إلاّ لمن يستحقها والنعمة تعطينا أن نكون خليقة جديدة، الشهوات فيها ميتة، خليقة لا تفرح بالخطية ولا تسودها الخطية رو 14:6. ومن يصلب نفسه عن شهواته يقول مع بولس "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ غل 20:2 ويقول لى الحياة هى المسيح (فى 21:1) من هذا نفهم أن
القانون الخامس:- أولاد الملكوت يحيون كأموات عن العالم لكن أحياء بالمسيح الذى فيهم، المسيح سر حياتهم الجديدة.
أنظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار.. ملائكتهم فى السموات.. ينظرون وجه أبى الصغار هم الأطفال الأبرياء، أو هم الذين بتواضعهم وقداستهم دخلوا من أبواب الملكوت وصاروا أو رجعوا وصاروا مثل الأطفال، هم المؤمنين بالمسيح والمتواضعين الذين يبدو أنهم ضعفاء لا حيلة لهم. وهنا المسيح يحذر العالم أن هناك ملاك حارس معين لمرافقة وحراسة كل منهم وهو غير مرئى، ولكنه قادر أن ينصف هؤلاء الضعفاء، وأن هؤلاء الملائكة ينظرون وجه الآب أى قادرين على حمل البركات منه لهؤلاء الصغار والآن نفهم أن
القانون السادس:- ملكوت السموات صار مفتوحاً للأرضيين المجاهدين كما للسمائيين (يو 51:1) والملائكة تحرس أولاد الله.
(مر 9 : 49-50):-
لان كل واحد يملح بنار وكل ذبيحة تملح بملح. الملح جيد ولكن إذا صار الملح بلا ملوحة فبماذا تصلحونه ليكن لكم في أنفسكم ملح وسالموا بعضكم بعضا
لأن كل واحد= كل مؤمن إنتمى إلى ملكوت السموات. يُملح بنار= النار هى الروح القدس، روح الإحراق (أع 3:2،4 + إس 4:4). والملح يصون من الفساد والعفونة (كو 6:4). والروح القدس هو الذى يُعطى نعمة لكل مؤمن، تعطيه أن يصير خليقة جديدة. ولاحظ أن هذه الأيات جاءت فى إنجيل مرقس بعد حديث السيد المسيح عن أهمية قطع اليد والرجل وقلع العين التى تعثر، وكما قلنا فإن هذا إشارة للجهاد، وأمام الجهاد يملأنا الروح القدس نعمة تغير من طبيعتنا وتكتم وتميت الخطية التى فينا، أو الشهوة التى فينا (رو 3:8) (فقوله دان الخطية أى حكم عليها بالموت). فنار الروح القدس أحرقت الشهوة أو الخطية فينا، وصارت الخطية بلا سلطان علينا لأن النعمة تسود علينا (رو 14:6) وبهذا فنار الروح القدس تملح المؤمن أى تحفظه من الفساد.
وكل ذبيحة تملح بملح= هذا إشارة إلى (لا 13:2-15) لأن ذبائح العهد القديم تشير للمسيح الذى قَدَّمَ نفسه ذبيحة، وإضافة الملح إلى ذبائح العهد القديم يشير لأن المسيح هو بلا خطية وأنه حين يموت لن يطوله الفساد بل سيقوم ثانية (مز10:16) "لن تدع تقيك يرى فساداً" وكل مؤمن عليه أن يقدم جسده ذبيحة حية، كيف؟ بقطع يده ورجله وقلع عينه (بالمفهوم الروحى وليس الحرفى). ومن يعمل تحفظه النعمة = تملح بملح.
الملح جيد= سبق السيد وقال أنتم ملح الأرض (مت 13:5) ومن الذى يكون ملح الأرض إلاّ كل من إمتلأ نعمة. مثل هذا الملح يكون جيد.
ملح بلا ملوحة= أى ملح فاسد، أو هو لا يعُطى طعماً للطعام، فالمؤمنين المملوئين نعمة، بذوبانهم وسط العالم، يتقبل الله هذا العالم، قيل أن الله يفيض مياهاً فى نهر النيل بسبب وجود الأنبا بولا فى مصر. ليكن لكم فى أنفسكم ملح= أى لتمتلئوا نعمة لتكونوا ملحاً جيداً ويكون هذا بجهادكم وبأن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية. ولكن ما يبطل مفعول النعمة فينا، نزاعاتنا وصراعاتنا على الرئاسات والمجد الدنيوى، كما بدأ هذا الإصحاح بصراع التلاميذ عمن هو الأعظم. والسيد يعطى نصيحته بأن نحيا فى سلام، وطوبى لصانعى السلام ومن هذا نفهم أن
القانون الثامن:- النعمة تحفظ أولاد الملكوت من الفساد
وشرط بقاء النعمة 1) نكون ذبائح (نصلب شهواتنا) 2) نحيا فى سلام
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع
التجلى * إبراء مجنون * حديث مع التلاميذ
(1) تجلى المسيح ( ع 2 - 8 ) :
ع 2 : بعد حوالى أسبوع من حديث المسيح السابق عن آلامه وموته وقيامته وعن ملكوته الآتى بقوة ، أخذ معه ثلاثة من تلاميذه يتمتعون بمحبة وإيمان أكثر من غيرهم ، وصعد بهم إلى جبلٍ عالٍ ، وهناك تغيرت هيئته ( صورته ) قدامهم ، وظهر بمجد عظيم كما سنرى ، ولكن يهمنا هنا المعانى التالية :
(1) ثلاثة تلاميذ فقط : ليس عند الله محاباة ، ولكن الأكثر استعداداً ينال بركات أكبر.
(2) جبلٍ عالٍ : لا يستطيع إنسان معاينة أمجاد الله ، إلا إذا ارتفع وصَغُرَ العالم أمام عينيه.
ع 3 : يشرح القديس مرقس هنا صورة هذا التغيّر فى هيئة الرب ، إذ ابيضت ثيابه جداً بلمعان كالتوهج أو النور. وللدلالة على شدة اللمعان ، أضاف أنه لا يقدر قصَّارٌ على الأرض أن يُبيِّضَ مثله ، والقصَّار هو مبيّض الأقمشة كآخر خطوة من خطوات صناعة الغزل والنسيج.
ع 4 : ومع تغيّر هيئته إلى هذا المجد ، ظهر لهم إيليا الذى يمثل الأنبياء والأحياء ( لأنه لم يمت بعد ) ، ويمثل البتولية ودرجتها العالية ( لأنه لم يتزوج ). وظهر أيضاً موسى الذى يمثل الراقدين على رجاء فداء المسيح ، وكذلك القيادة الروحية لشعب الله. وكلاهما صام أربعين يوماً ، رمزاً للقداسة التى عاشا بها على الأرض ، ورمزاً أيضاً لشكل الحياة الروحية ، سواء كانت فى الرهبنة أو سر الزيجة. وإكراماً لهما ، أضاف القديس مرقس أنهما كانا يتكلمان مع يسوع.
+ أخى الحبيب. . . هل فكّرنا فى نوال كرامة وبركات التكلم مع يسوع ؟!!
ع 5 - 6 : مع مفاجأة المنظر ومهابته وروعته ، تكلم بطرس معلناً عن سعادته بهذه الرؤيا ، وأن الأحاسيس السمائية الروحية أفضل من المشاعر الأرضية مهما بلغت روعتها ، ولكنه أضاف أيضاً ، بحسب فكره البشرى ، أن المسيح مع إيليا وموسى قد يكونوا فى احتياج لمظال تظللهم ، ويُرجع القديس مرقس قول بطرس هذا إلى حالة الرعب التى كان عليها أثناء التجلى.
ع 7 : " سحابة تظللهم " : أضاف القديس متى ( 17 : 5 ) أن هذه السحابة كانت " نيّرة " للتدليل على الحضور الإلهى ، كما ظهرت السحابة المنيرة لهرون ( خر 16 : 10 ). . . وصاحب ظهور السحابة إعلان الآب عن إبنه ولاهوته ، تماماً كما حدث فى معمودية المسيح.
ع 8 - 10 : وفجأة ، إنتهى المشهد السماوى ، وعاد شكل الرب إلى طبيعته الأولى ، واختفى موسى وإيليا. وعند نزولهم ، أوصاهم المسيح ألا يخبروا أحداً بما رأوه إلا بعد قيامته من الأموات ، إلا أنهم لم يفهموا فى ذلك الوقت معنى قيامته من الأموات ، ولكنهم لم يسألوه عن ذلك ، بل احتفظوا بكل شىء لأنفسهم ( داخلهم ).
تعليق على التجلى :
(1) ربما يكون التلاميذ قد تعرّفوا على شخصى موسى وإيليا إما بالروح ، وإما أن يكون المسيح قد نطق باسميهما أثناء الحديث.
(2) " جيد أن نكون ههنا " : جيد للخادم والإنسان الروحى حياة التأمل والخلوة ، فيأخذ منها زاداً وقوة يعيناه على النزول إلى حقل الخدمة والألم.
(3) حديث المسيح مع إيليا وموسى ، يوضح أن هناك كلاماً لا ينقطع بين الله وبين قديسيه. ولهذا تعلمنا الكنيسة أنه بجانب الحديث مع الله ، نستطيع التحدث مع القديسين فى صلواتنا ( دون عبادتهم ).
(4) إذا كان المنظر رائعاً إلى هذه الدرجة ، فكم يكون المنظر فى السماء يا صديقى ؟! هلم. . . تشجع. . . فما أجمل السماء بمسيحها وقديسيها !! ولا تنسَ أن لك مكاناً هناك.
(2) سؤال عن إيليا ( ع 11 - 13 ) :
ع 11 : أثار ظهور إيليا فى التجلى سؤالاً عند التلاميذ طرحوه على المسيح ، وهو أن الكتبة يعلّمون الناس أن إيليا لابد أن يظهر أولاً وقبل ظهور المسيح ، وإذا كان ما رأيناه هو المقصود ، فكيف يكون ظهور إيليا بعد المسيح ؟
ع 12 - 13 : " إيليا يأتى أولاً " : أى أن ما يقوله الكتبة صحيح فى هذا التعليم ، بأن يسبق إيليا ظهورَ المسيح. " ويرد كل شىء " : أى يُرجع اليهود بالتوبة استعداداً لقبول المسيح. " أن يتألم كثيراً ويُرْذَلَ " : كان للتلاميذ نظرة محدودة ، ولذلك لم يفهموا أن المسيح لابد أن يتألم ( اش 53 : 2 ؛ مز 22 : 6 ). " إيليا. . . أتى " : إشارة واضحة إلى يوحنا المعمدان الذى شابه إيليا فى عمله وشخصه ، فيوحنا أتى وقتله اليهود ( عملوا به كل ما أرادوا ) ، راجع أيضاً شرح ( مت 17 : 10 - 13 ).
(3) شفاء غلام به روح نجس ( ع 14 - 29 ) :
ع 14 - 16 : " تحيروا ، وركضوا " : يصور القديس مرقس حال الجمع عند رؤية المسيح ، فلقد ركضوا إليه من فرحتهم. . . أما حيرتهم ، فقد كانت بسبب غيابه المفاجئ وعدم علمهم بمكانه. بعد التجلى ، عاد الرب يسوع مع تلاميذه الثلاثة إلى باقى التلاميذ ، ووجد كثيرين يناقشونهم ، ومنهم الكتبة الذين انتهزوا فرصة غياب المعلم لإحراج التلاميذ. ولهذا ، عند وصول المسيح ، كان أول ما تكلم به هو سؤال للكتبة : " بماذا تحاورونهم ؟ " والغرض من سؤاله أن يرفع الحرج عن تلاميذه ويجيب عنهم.
ع 17 - 18 : لم يتلق السيد المسيح إجابة من الكتبة ، إذ قطع الحديث رجل ذو احتياج شديد قائلاً : أتيت إليك بابنى الذى يسكنه شيطان أخرس ، ولم أجدك. ويضيف القديس لوقا أنه كان إبن وحيد لأبيه ( 9 : 38 ). وقد ذكر القديس مرقس هنا هذه القصة ، ليوضح أن صراعنا مع الشيطان مستمر ، ولابد من الإيمان بالمسيح حتى تتحقق النصرة عليه. . . وبدأ الرجل فى شرح أعراض سكنى وهياج الشيطان. " حيثما أدركهُ " : عند هياج الشيطان عليه. " يمزقه " : يعرضه لنوبات شديدة ، فيأتى بحركات لا إرادية يؤذى بها نفسه. " فَيُزْبدُ ويَصِرُّ بأسنانه " : أعراض تشبه الصرع ، فيتشنج الفم ويسيل اللعاب ، وتتجمد كل عضلاته ويفقد القدرة على الحركة. . . وقد طلبت من تلاميذك لغيابك أن يخرجوه فلم يقدروا.
ع 19 : أجاب السيد المسيح بإجابة تحمل توبيخاً. ولكن ، لمن هذا التوبيخ ؟ " أيها الجيل غير المؤمن " :
أولاً : من الممكن أن يكون التوبيخ للتلاميذ الذين لم يقدروا ، بسبب ضعف إيمانهم ، أن يخرجوا هذا الشيطان وشفاء المريض.
ثانياً : ربما يكون اللوم للأب الذى بالرغم من احتياجه كان متشككاً ، ولم يكن إيمانه كاملاً ، إذ قال فى كلامه للمسيح : " إن كنت تستطيع شيئاً ؟ ".
ثالثاً : وقد يكون اللوم للجمع كله ، الذى رأى معجزات سابقة هذا عددها ولم يؤمن ، بدليل قول الرب : " أيها الجيل ".
" إلى متى أحتملكم ؟ " : بالطبع احتمل المسيح كثيراً ، وسوف يحتمل أيضاً ، ضعفات تلاميذه ، وخاصة عند آلامه وصلبه. . . ولكن المقصود هنا توضيح أن قلب الله لا يحتمل عدم الإيمان به أو الشك فيه ، فهذا يجرحه كثيراً. ولهذا ، وبخ أيضاً التلاميذ على قلة إيمانهم. . . وفى حادثة هياج البحر على السفينة ( مت 8 : 23 - 26 ) ، وأيضاً لما وبخ بطرس عندما شك وبدأ يغرق ( مت 14 : 25 - 32 ). " قدموه إلىَّ " : دليل على حنو الرب يسوع علينا ، وتأكيد لقوله فى ( مت 11 : 28 ) " تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم ".
ع 20 : عند اقتراب الولد من المسيح ، هاج الشيطان هياجاً شديداً ، حتى أنه أسقط الولد بقسوة ، فصار يتمرغ ويُزبْدُ ( سال لعابه ). . . وهذا يعلمنا قسوة الشيطان وشره من جهة ، ويوضح أيضاً أنه علم أنه خارج لا محالة. ولهذا ، فكأنه يحارب بيأس حربه الأخيرة. . .
ع 21 - 22 : " كم من الزمان ؟ " : بالطبع كان المسيح يعلم كل شىء ، ولكن الغرض من السؤال هو إيضاح للجمع وتعليمه أنه ليس شيئاً يصعب عليه مهما طال الزمن ، أو طالت قسوة وشدة المرض. واستطرد الأب فى الإجابة موضحاً أمور أخرى أتى بها الشيطان مع إبنه ، إذ حاول قتله مراراً ، فكثيراً ما ألقاه فى النار وفى الماء ليهلكه " إن كنت تستطيع " : سؤال يعكس رجاء الرجل فى أن يكون المسيح قادراً على شفاء إبنه من جهة ، ويحمل أيضاً فى لهجته شكاً فى هذه القدرة من جهة أخرى ، أو لنقل ضعف إيمان. " فتحنن علينا وأعنّا " : أى الإبن والأب ، وعلى أمه وكل أسرته.
ع 23 : " إن كنت تستطيع " : أجاب المسيح الرجل بمثل ما سأل ، والمعنى : أنا أستطيع كل شىء ، ولكن عملى وكل أعمالى ، لا يراها سوى من آمن بقدرتى هذه ؛ وشكّك وضعف إيمانك هو أكبر عائق لشفاء إبنك.
ع 24 : " صرخ. . . بدموع " : جاءت إجابة الرجل معبرة عن حاله ، فصراخه معناه : لا رجاء لى سواك. ودموعه تعبّر عن ضعفه واعتذاره عن عدم ثقته. ثم أعلن إيمانه ، وأعرب عن أنه ضعيف الإيمان حقاً ، طالباً معونة المسيح فى تثبيت وتكميل إيمانه الناقص.
ع 25 : إزداد الزحام جداً ، وأمر المسيح الشيطان بالخروج بانتهاره ، واصفاً إياه بالنجاسة كمثل كل مملكته وناداه : " أيها الروح الأخرس الأصم " ، ليوضح أن الشيطان هو السبب فى هذين العرضين. " أنا آمرك " : توضح لنا لاهوت المسيح وسلطانه المطلق على مملكة الظلام وقواتها ، وأنه لا شىء منها يستطيع مقاومته أو عصيانه ، فأكمل : " اخرج منه ، ولا تدخله أيضاً " ، أى لا تعاود الرجوع إليه.
ع 26 - 27 : " فصرخ " : الشيطان المهزوم واليائس هو الصارخ هنا ، معبّراً عن غيظه لخروجه ، فطرح الولد أرضاً مغشياً عليه بلا حراك ، حتى ظن كثيرون إنه مات. إلا أن المسيح ، بحنانه ، تقدم إلى الولد وأمسكه. . . وأقامه ، فقام معه معافى من كل مرض.
ع 28 - 29 : بعد نهاية الحدث ، وعند انفراد التلاميذ بالمسيح ، سألوه عن سر عجزهم ، وهل فقدوا سلطانهم على الأرواح النجسة الممنوح لهم فى ( مت 10 : 1 ) ، أم ماذا ؟! فجاءت إجابة المسيح لهم : إن الموهبة الممنوحة من الله ، لابد من المحافظة عليها بالحياة الروحية المتمثلة فى طلب المعونة الدائمة من الله " الصلاة " ، والترفّع عن العالم وشهواته ومادياته " الصوم ".
+ هكذا يا صديقى. . . نرى أن الإيمان هو جوهر العلاقة مع الله ، وبدونه ، نخسر رؤية عمله فى حياتنا. وللأسف ، زادت تيارات العقلانية والتشكيك فى قدرة الله على حل مشاكلنا ، وازداد الهم والقلق ، وبقيت المشاكل كما هى. . . ألا توافق معى أن كلانا محتاج أن يصرخ فى صلاته قائلاً : " أؤمن يا سيد ، فأعن عدم إيمانى " ؟ وقبل أن نبدأ بعقولنا ، أليس من الأفضل أن نختبر يد الله فى إعانتنا ؟
(4) الإنباء بموته وحديث عن العظمة ( ع 3. 37 ) :
ع 30 - 31 : كما فعل السيد المسيح فى الأصحاح السابق ( 31 - 32 ) ، وتحدث عن تسليمه وموته وقيامته ، يعيد نفس الكلام هنا فى إعداد لتلاميذه للأحداث المستقبلية الصعبة.
ع 32 : " لم يفهموا " : ليس بسبب صعوبة القول نفسه ، فالكلام مفهوم لغوياً ، ولكن لبُعد ما يقوله السيد المسيح عن الصورة التى فى خيالهم عن مُلكه المنتظر بمجده الأرضى. " خافوا " : أى فضّلوا عدم سؤاله لحرجهم من التكلم فى هذا الشأن. . . والحقيقة أن أحداً منهم لم يفهم أىٍّ من إعلانات المسيح إلا بعد الفداء والقيامة.
ع 33 - 34 : دار حديث بين التلاميذ أثناء سيرهم. وعند وصولهم إلى البيت ( منزل بطرس على الأرجح ) ، سألهم السيد المسيح عما دار بينهم ، وكان الغرض من سؤاله ليس العلم فهو العالم بكل شىء ولكن من أجل تعليم التلاميذ وتصحيح مفهوم خاطئ لديهم ، فقد شغلتهم فكرة من هو الأعظم فيهم ، وأساسها كبرياء القلب.
ع 35 : جلس السيد المسيح وجمع تلاميذه حوله ، وبدأ فى التعليم مباشرة : من أراد أن يكون أكثر عظمة وسيداً للكل ، عليه أن يكون خادماً ، واضعاً نفسه آخر الكل ، وأقل من الجميع. وما يعلّمه المسيح هنا ، يخالف بالتمام مفهوم العالم عن العظمة ، فعظمة العالم هى التسلط والكبرياء والتحكم ". . . رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم " ( مت 20 : 25 ). أما عظمة المسيحية ، فهى الإتضاع وإنكار الذات وخدمة الآخر. . . ( راجع شرح مت 20 : 20 - 28 ).
ع 36 - 37 : فى حنان ، أخذ السيد المسيح طفلاً وضمه إلى صدره وهو لا يزال موجهاً حديثه لتلاميذه ، قائلاً : إن من قدّم عملاً مهما كان صغيراً كتقديم الحنان لولد باسم المسيح يعتبره المسيح عملاً مقدماً له شخصياً وللآب الذى أرسله ؛ فالمهم هو الخدمة والبذل من أجل الآخرين ، وليس منظر الرئاسة أو العظمة الخارجى.
(5) الخدمة باسم المسيح ( ع 38 - 41 ) :
ع 38 : فى ( ع 37 ) ، قال الرب : " من قَبِلَ. . . باسمى " ، لعل هذا القول جعل يوحنا يتذكر حدثاً مر به مع التلاميذ ، إذ رأوا إنساناً يستخدم إسم الرب فى إخراج الشياطين ، ولم يكن من الإثنى عشر أو جملة السبعين رسولاً ، فأخذتهم الغيرة فمنعوه لأنه ليس منهم.
ع 39 - 40 : عاتبهم الرب على منعهم إياه ، فالرجل كان مؤمناً ومحباً للمسيح ، وكان إيمانه سبب خروج الشيطان. . . فمن اختبرنى واختبر قوة عملى معه ، لا ينقلب علىَّ أو يجدّف على إسمى. . . وطالما أن الإنسان لا يقاوم الحق والإيمان السليم المسلَّم للكنيسة من المسيح ، فلا داعى لمنعه ، وإلا صار هذا رغبة فى احتكار المواهب والخدمة.
ع 41 : فإن كان العمل زهيداً ، حتى لو قدّم أحد لكم باسمى كوب ماء ، لا يُضِيعُ أجره ، فكم بالحرى من يستخدم إسمى ليرحم مريضاً ويخرج منه شيطاناً ؟!
تعليق :
يقول الرب فى ( ع 40 ) : " من ليس علينا فهو معنا " ، وفى ( مت 12 : 30 ؛ لو 11 : 23 ) : " من ليس معى فهو علىَّ ". وقد يبدو لأول وهلة أن المعنيان يتعارضان ، ولكن فى الحقيقة الأمر المعنى واحد ، لأن الحياد فى شأن الإيمان بالمسيح مستحيل ، فأما معه أو عليه بما يتبع ذلك من تصرفات.
وللتوضيح نقول :
قد تكون علامة الصداقة هى عدم المقاومة للمسيح ، وبالتالى نفهم : " من ليس علينا يقاومنا فهو معنا ". وقد تكون علامة العداوة هى عدم الإشتراك فى العمل الإيجابى ، فنفهم : " من ليس معى فى عملى فهو علىَّ ".
(6) العثرة ( ع 42 - 50 ) :
ع 42 : التعليم هنا بعدم الإعثار ، هو تعليم عامة للتلاميذ والخدام وكل المؤمنين ، ويوضح خطورة إعثار بسيطى الإيمان. " ومن أعثر " تعنى من كان سبباً مباشراً فى خطأ الآخر ، أو سبّب له ارتباكاً وشكوكاً بتعليم غير قويم أو قول خاطئ أو تصرف شائن. ومن خطورة هذه الخطية وشرها فى نظر الله ، يقول : أفضل للإنسان لو رُبِطَ من رقبته بحجر رحًى ( حجر كبير لطحن الحبوب ) وأُلْقِىَ فى البحر ، ليموت ، عن أن يعثر آخر بسيطاً فى إيمانه.
ع 43 - 48 : سبق الشرح التفصيلى لهذا النص فى ( مت 5 : 29 - 30 ، 18 : 8 - 9 ) ، وسنكتفى هنا بتوضيح المعانى الآتية : " اقطعها. . . اقلعها " : قطع اليد أو الرِّجْل أو قلع العين ليس معنًى حرفياً ، بل معنًى مجازياً المقصود به أن يقطع الإنسان كل أسباب وطرق الشر التى مصدرها حواسه أو الناس المحيطين به. واستخدم السيد المسيح لفظى " القطع والقلع " ، ليوضح لنا درجة الحسم المطلوبة منا جميعاً فى مواجهة العثرات ومداخلها ، فالعثرة الصغيرة تنشئ شراً كبيراً. " دُودُهُمْ لا يموت ، والنار لا تُطفأ " : تعبير آخر يرعب المستهين بجزاء الله العادل ، وكل من تهاون فى حواسه وأعثر نفسه ، أو صار سبب عثرة للآخرين. . . فكلمات " لا يموت لا تُطفأ " ، دليل على أبدية العذاب وعدم توقفه.
+ وهكذا يا صديقى. . . فكل المخدوعين بملذات العالم وشهواته الزمنية الزائلة ، يدفعون أنفسهم إلى عذاب قاسياً فى شدته ، والأسوأ أنه لا ينتهى أبداً.
ع 49 : الحديث فى الأعداد السابقة عن الهروب من الخطية والعثرة ، وهذا ما يسميه الآباء بالجهاد السلبى. أما الكلام فى هذا العدد ، فهو عن الجهاد الإيجابى ، والمعنى المقصود هو : كما أن كل ذبيحة مقدمة لله تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ من أجل حفظها ، فعلى الإنسان الروحى أن يحفظ نفسه ، ليس بالهروب وتجنّب العثرة فقط ، بل أيضاً بالنمو فى الفضائل التى تحفظه وتجعل له مذاقاً أمام الله ، وهذه الفضائل كالنار فى ضوئها وإشاعة الدفء للآخرين ( خر 43 : 24 ).
+ إحرص أيها الصديق على التوبة والجهاد الدائم ضد كل مصادر العثرات ، واهرب لحياتك بكل قوتك ، جاذباً معك آخرين ما أمكن. . .
ع 50 : ولكن إذا صارت الفضيلة فى حياة المؤمن بلا ملوحة ، أى بلا طعم ، وباهتة اللون ، فلا يمكن إذن قبول الإنسان من الله. ولهذا اجتهدوا أن تحيوا بالفضيلة ليكن لكم فى أنفسكم ملح ، أى يكون لكل منكم سلاماً مع نفسه ، ولجميعكم سلاماً نحو بعضكم.
+ إهتم أيها الحبيب فى سر التوبة والإعتراف ، ليس فقط أن تسرد الخطايا الواضحة التى أحزنت بها قلب الله ، بل أعلن أيضاً عن تقصيرك فى الفضائل المسيحية ، واطلب من أبيك إرشاداً وتدريباً ، حتى نُملّح جميعاً بملح نُرضى به مسيحنا. . .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح