كلمة منفعة
لقد قال الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو 3: 16). وقال أيضًا: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم.. فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله (1كو 6: 19، 20).
— هيكل الروح
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 15 انجيل معلمنا مرقس الإصحاح رقم 15 الأصحاح الخامس عشر : أحداث الصليب إذ تمت محاكمة السيد المسيح دينيًا في دار رئيس الكهنة، اُقتيد إلى بيلاطس الوالي الذي من حقه تنفيذ الحكم، وتحت إصرار الجماهير حكم عليه بالموت صلبًا. 1. محاكمته مدنيًا 1-15. 2. الاستهزاء به 16-20. 3. في الطريق إلى الصليب 21-22. 4. تقديم خمر ممزوجة مرًا 23. 5. اقتسام ثيابه 24. 6. صلبه بين لصين 25-28. 7. السخرية منه 29-32. 8. حدوث ظلمة 33. 9. تسليم الروح 34-37. 10. انشقاق حجاب الهيكل 38. 11. إيمان قائد المئة 39. 12. التفاف النسوة حوله 40-41. 13. دفنه 42-47. 1. محاكمته مدنيًا إذ قضى السيد المسيح الليل كله في دار رئيس الكهنة يحتمل الإهانات وسط ظلمة أفكارهم الشريرة استقر الرأي أن يُسلم في يديّ الحاكم الروماني لقتله. يقول الإنجيلي: "وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله، فأوثقوا يسوع، ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس" [1]. يا للعجب! قبضوا عليه وضمروا ضده لأنه لم يحقق لهم شهوة قلوبهم: الخلاص من المستعمر الروماني والسيادة الصهيونية في العالم، ولكي يقتلوه سلموه للحاكم الروماني بكونه مثير فتنة، يقيم نفسه ملكًا، ويحرض الشعب على عدم دفع الجزية لقيصر (لو 23: 1-2). سلموه للحاكم الروماني ليقتله، فسلمهم الله لتيطس الروماني يحرق مدينتهم ويهدم الهيكل الذي ثاروا لأجله قائلين أنه سيهدمه... فتحقق فيهم قول المرتل داود: "أعطهم حسب فعلهم، وحسب شر أعمالهم، حسب صنع أيديهم أعطهم، ردّ عليهم معاملتهم" (مز 28: 4). إذ جاءوا به إلى بيلاطس يوجهون له أخطر اتهام في ذلك الحين، إنه يقيم نفسه ملكًا، الأمر الذي لا يمكن للحاكم أن يتهاون فيه وإلا حُسب خائنًا لقيصر. لذلك "سأله بيلاطس: أنت ملك اليهود؟". "فأجاب وقال له: "أنت تقول" [2]. هكذا لم ينكر السيد المسيح مركزه كملكٍ، لكنه بحسب إنجيل يوحنا - أوضح لبيلاطس أنه ملك روحي، مملكته ليست من هذا العالم. كان بيلاطس يتوقع أن يسمع حديثًا طويلاً من السيد المسيح فيه يدافع عن نفسه بشأن هذا الاتهام الذي عقوبته الموت، خاصة أنه يسمع عنه كمعلمٍ للجماهير في الهيكل وعلى الجبال وعلى الشواطئ، لا تنقصه البلاغة والقدرة عن الدفاع عن نفسه، لكن السيد المسيح التزم بالصمت، حتى سأله بيلاطس: "أما تجيب بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك"، فلم يجيب يسوع أيضًا بشيء حتى تعجب بيلاطس [5]. يقول القديس أمبروسيوس: [أنه مثل رائع يدعو قلوب البشر أن تحتمل الإهانة بروح ثابتة. أتهم الرب وصمت! وكان في صمته محقًا لأنه لم يكن في حاجة أن يدافع عن نفسه. الدفاع عن النفس هو عمل الذين يخشون الهزيمة. أنه لا يؤكد الاتهام، إنما يستخف به بعدم تنفيذه. تُرى ماذا يخشى إن كان لا يريد أن يخلص نفسه، بل يود خلاص الجميع، مضحيًا بحياته ليقتني خلاصهم. لقد صمتت سوسنة وانتصرت (دا 13: 35)! إن أفضل القضايا هي التي تتبرر فيها دون دفاع!] يقول العلامة أوريجينوس: [كان مقتنعًا بأن حياته كلها وأعماله بين اليهود أفضل من أي كلام لدحض شهادة زور، وأسمى من أي كلام يقوله للرد على الاتهامات.] كان صمت السيد المسيح يحمل قوة اجتذبت قلب بيلاطس فاشتاق أن يطلقه مقدمًا لليهود فرصًا كثيرة للتراجع، وإن كان من أجل الخوف خضع لمطلبهم. من بين هذه الفرص التي قدمها لهم الآتي: الفرصة الأولى: كان عادة يطلق لهم في كل عيد أسيرًا واحدًا من طلبوه [6]، فسألهم: "أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ لأنه عرف أن رؤساء الكهنة قد أسلموه حسدًا" [9-10]. لكن رؤساء الكهنة هيجوا الجمع لكي يطلق لهم باراباس الموثق مع رفقائه في الفتنة ولا يطلق يسوع. هكذا كان الكأس يمتلئ أكثر فأكثر، إذ يشتاق الروماني أن يطلقه، أما هم فكانوا يصرون على قتله! يرى العلامة أوريجينوس في إطلاق باراباس اللص وذبح السيد المسيح تحقيقًا لما جاء في سفر اللاويين عن يوم الكفارة العظيم (لا 16)، حيث يُطلق تيس في البرية يسمى باسم عزازيل ويذبح الآخر ويحسب من نصيب الرب. وفي نص منسوب للقديس جيروم يكرر فكرة العلامة أوريجينوس فيقول بأنه يوجد أمام بيلاطس تيسان، واحد يُطلق في برية الجحيم ترافقه خطايا الناس، والثاني يُذبح كحمل من أجل غفران الخطايا. باراباس من نصيب عزازيل، والمسيح هو الحمل الذي من نصيب الله. الفرصة الثانية: عاد يسألهم من جديد لعلهم يراجعون أنفسهم، قائلاً لهم: "فماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود؟ فصرخوا أيضًا: اصلبه. فقال لهم بيلاطس: وأي شر عمل؟ فازدادوا جدًا صراخًا: أصلبه" [12-14]. يحدثهم بيلاطس بنطس بلغتهم فيدعو السيد المسيح "ملك اليهود"، فكان يليق بهم ألا يرفضوا هذا الملك السماوي لكنهم أصروا على رفضه طالبين صلبه، حتى بسقطتهم هذه انفتح الباب للأمم كقول الرسول بولس: "بذلتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم، فإن كانت ذلتهم غنى للعالم ونقصنهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟" (رو 11: 11-12). كانوا عن حسد وجهالة يصرخون: "أصلبه"، ولم يدركوا أنهم يحققون بغير إرادتهم النبوات والرموز التي بين أيديهم. لم يدركوا أن بين أيديهم هابيل الذي وجده أخوه في الحقل فقتله بلا ذنب، دمه يصرخ لا للانتقام إنما لتطهير العالم. بين أيديهم إسحق الحامل خشب المحرقة ليقدمه أبوه ذبيحة محرقة. إنه موسى الحامل عصاه لا ليعبر بهم البحر الأحمر منطلقًا بهم نحو أورشليم، وإنما يعبر بهم الموت ليهبهم حياة جديدة فيه ويدخل بهم إلى حضن الآب. إنه عنقود العنب الذي حمله يشوع على خشبة، لا كعربون لأرض الميراث، وإنما حياة أبدية لمن يتناول منه ويثبت فيه. إنه إليشع النبي الذي لما ألقى بخشبة في المياه ليطفوا الفأس الحديدي ويأتي به من العمق إنما ليرفع البشرية المثقلة بالخطايا ويطلقها من أعماق الجحيم، يسحبها بالصليب شجرة الحياة ليردها إلى الفردوس السماوي: اشتهى اليهود صلب السيد المسيح للخلاص منه بالصليب، بينما كان الأنبياء يشتهون أن يجلسوا تحت ظل المصلوب، قائلين على لسان العروس: "تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي" (نش 2: 3). هذا الصليب الذي سحب قلوب المؤمنين ليترنموا مع الرسول قائلين: "وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 4). على أي الأحوال اشترك معهم بيلاطس وإن كان ليس عن اقتناع إنما لإرضائهم: "فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس وأسلم يسوع بعدما جلده ليُصلب" [15]. أسلمه للجَلْد والإهانة لنسمع السيد يقول على لسان نبيه إشعياء: "بذلت ظهري للضاربين وخديّ للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 5: 6). وكما يقول القديس أمبروسيوس: [جُلد هو لكي لا نجلد نحن.] 2. الاستهزاء به "فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية، وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه أرجوانًا، وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه، ثم يسجدون له جاثين على ركبهم، وبعدما استهزءوا به نزعوا عنه الأرجوان، وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه" [16-20]. ما حدث معه خلال طريق الصليب لم يكن بلا معنى، فقد أعد الطريق لنفسه منذ الأزل في فكره لخلاصنا. من أجلنا احتمل الصليب بسرور مستهينًا بالخزي (عب 12: 2). يرى بعض المفسرين أن خلع ثيابه إلى حين ليلبس الثوب الأرجواني يشير إلى خلع اليهود الذين كانوا ملاصقين له حسب الجسد، أنكروه فخلعوا أنفسهم بأنفسهم عنه، حتى إن تابوا ورجعوا إليه بالإيمان بعيدًا عن الفكر المادي (الصهيوني) أي صاروا مسيحيين في أواخر الدهر يلتصقون به، كقول الرسول: "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو 11: 25). يحدثنا القديس أمبروسيوس عن الثوب الأرجواني، قائلاً: [أما الثوب الأرجواني الذي ألبسه له الجند، الرداء الأحمر، فيشير إلى نصرة الشهداء وإلى السلطان الملوكي. لأنه كان ينبغي لجسده أن يجمع لأجلنا الدم المسفوك ويهبنا بآلامه مُلكه فينا.] يعلق القديس مار يعقوب السروجي على هذه الأحداث قائلاً: [عَرّاه الصالبون كالجزارين، أما هو فسكت يشبه النعجة قدام الجزازين. ترك لباسه حين فرح، حتى يلبس الذين خرجوا من الفردوس عرايا! يلبسهم ثيابه ويبقى هو في هزء، لأنه عرف أنها تصلح لآدم المفضوح! عروا ثيابه وألبسوه ثوبًا قرمزيًا لون الدم، حتى يتزين به العريس المقتول! ضفروا إكليل الشوك ووضعوه له، وهذا يليق به، إذ جاء ليقتلع الأشواك من الأرض! حمل لعنة الأرض بالإكليل الذي وضعوه على رأسه، وحمل ثقل العالم كله كالجبار! الخطايا والذنوب والأوجاع والآلام والضربات ضُفرت بالإكليل، وُوضعت على رأسه ليحملها! وانحلت بالأشواك لعنة آدم! صار لعنة حتى يتبارك به الوارثون الراجعون! بإكليله خلع زرع الحية الملعون!... بإكليل الشوك هدم تاج الشيطان الذي أراد أن يكون إلهًا على الخليقة! بإكليل شوكه ضفر إكليلاً لابنة الأمم، العروس التي خطبها من بين الأصنام وكتبها باسمه!... لطموا بالقصبة الرأس المرتفع فارتعبت الملائكة!... انظر إلى المسيح، كيف احتمل من الآثمة؟ ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه؟ نظرة مخوفة، مملوءة دهشة، أن ينظر الإنسان الشمع قائمًا ويتفل في وجه اللهيب!... وهذه أيضًا من أجل آدم حدثت، لأنه كان مستحقًا البصاق لأنه زلّ! وعوض العبد قام السيد يقبل الجميع!] 3. في الطريق إلى الصليب يروي لنا الإنجيليون عن تسخير رجل كان مجتازًا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه، وجاءوا به إلى موضع جلجثة الذي تفسيره جمجمة (21: 22). إن كانت كلمة "سمعان" تعنى "يسمع" أو "يطيع" وكلمة "قيروان" تعنى "ميراثًا"، وهى مدينة أممية في ليبيا، فان سمعان القيرواني يشير إلى كنيسة العهد الجديد التي صارت وارثة خلال طاعة الإيمان، وقد جاءت من الأمم لكي تشارك مسيحها صليبه، وتنعم معه بهذا الشرف العظيم. لقد حمل السيد المسيح صليبه (يو 19: 17) على كتفه علامة ملكه كقول إشعياء النبي: "وتكون الرئاسة على كتفه" (إش 9: 6)، وقد رُمز له بإسحق الذي حمل خشبة المحرقة إلى موضع الذبيحة (تك 22: 6). وفى الطريق إذ سقط السيد تحت ثقل الخشبة عدة مرات سخر الجندي سمعان القيرواني ليحمل الصليب، فصار يمثل الكنيسة التي تشارك عريسها آلامه لتنعم بقوة قيامته وشركة أمجاده السماوية. "جاءوا به إلى موضع جلجثة، الذي تفسيره "جمجمة" [22]، ويقال أن هناك دفن آدم. وكأن السيد المسيح قد ارتفع على شجرة ليهب حياة لآدم فاقد الحياة بسبب الشجرة. ويرى القديس كيرلس الأورشليمي أن هذه التسمية تذكرنا أن المصلوب هو "رأس كل رياسة وسلطان" (كو 2: 10)، تألم الرأس فوق موضع الجمجمة! 4. تقديم خمر ممزوجة مرًا "وأعطوه خمرًا بمر ليشرب، فلم يقبل" [23]. كانت هذه عادة الرومان كنوعٍ من التخدير حتى لا يشعر المصلوب بكل ثقل الآلام، لكن الرب جاء ليحمل الآلام عنا بإرادته، ينحني نيابة عنا لهذا الثقل. 5. اقتسام ثيابه "ولما صلبوه اقتسموا ثيابه، مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحدٍ" [24]. إن كانت ثيابه تشير إلى الكنيسة جسد المسيح، فإن اقتسامها بين الجند الرومان دون تمزيقها، إنما يشير إلى الكنيسة الممتدة في الأمم، فهي ثياب كثيرة لكن يلزم أن تكون بلا تمزيق ولا انقسام. يقول القديس كيرلس الكبير :[أرجاء المسكونة الأربع اقتسمت بينها رداء الكلمة أي جسده الذي ظل أيضًا غير مقسم، ورمز إلية بالقميص. لأن الابن الوحيد يقسم جسده الذي يقدس به نفوس وأجساد الذين يتناولونه إلى أجزاء صغيرة حسب الاحتياج... إلا أن جسده واحد حي في الكنيسة كلها دون أن ينقسم، لأن بولس يقول أن المسيح لا يمكن أن ينقسم (1 كو 1: 13) وهذا هو معنى السرّ الخاص بالمسيح.] يرى بعض الآباء في تقسيم الثياب بين الجند إشارة إلى تمتع كل الفئات بالإيمان الواحد، وهم الكهنة، والبتوليون، والأرامل، والمتزوجون. 6.صلبه بين لصين "وكانت الساعة الثالثة فصلبوه. وكان عنوان علته مكتوبًا: ملك اليهود. وصلبوا معه لصين، واحدًا عن يمينه وآخر عن يساره. فتم الكتاب القائل: وأحصى مع أثمه" [25-28]. حسب القديس مرقس بدأ الصلب منذ صرخ الشعب أمام بيلاطس "أصلبه"، وقد وافقهم بيلاطس على طلبهم. وإن كان رفعه على الصليب قد تم في وقت الساعة السادسة. لهذا يرى القديسان جيروم وأغسطينوس أن القديس مرقس بقوله هذا حمل الشعب اليهودي مسئولية صلبه، صلبوه بألسنتهم قبل أن ينفذ الرومان حكمهم هذا! كُتبت علته على الصليب "ملك اليهود"، ولم يكن ذلك جزافًا فقد تضايق اليهود وأرادوا أن يُكتب أنه قال عن نفسه أنه ملك اليهود، لكنهم لم يستطيعوا بالصليب أن ينزعوا عنه انتسابه لملكه، إذ جاء الصليب يقيم مملكته فينا! يقول القديس أمبروسيوس: [كان المسيح يسوع المصلوب، وكان مجده الملوكي يشع من فوق الصليب.] يحدثنا القديس كيرلس الأورشليمي عن صلبه بين لصين، قائلاً: [فيما يتعلق باللصين الذين صُلبا معه، كتب: "وأُحصِيَ مع آثمة" (إش 53). كان كلاهما أثيمين قبلاً، ولكن أحدهما لم يعد كذلك. الذي ظل أثيمًا رفض الخلاص إلى النهاية، وإذ كانت يداه موثقتين كان يضرب بلسانه مجدفًا... ولكن الآخر كان ينتهره. كان هذا نهاية حياته وبداية توبته، فأسلم روحه وتلقى الخلاص، إذ أنه بعد أن وبخ رفيقه قال: "اذكرني يا رب فإني إليك أصرخ. أترك هذا لأني عيني فهمي مغلقتان، ولكن اذكرني. لا أقول أذكر أعمالي فإنها تخيفني. كل إنسان طيب نحو رفيق سفره، وأنا لا أقول اذكرني الآن، وإنما عندما تأتي في ملكوتك". أية قوة أنارتك أيها اللص؟ من علمّك أن تعبد هذا المحتقر والمصلوب معك؟ أيها النور الأزلي الذي يضيء لمن هم في الظلمة.] يقول القديس كيرلس الكبير: [عُلق معه لصان كما قلت، يسخران بالآلام التي تجلب خلاصًا للعالم كله، لكن واحدًا منها شابه في سلوكه اليهود الأشرار... وأما الآخر فأخذ اتجاهًا مختلفًا يستحق بحق إعجابنا، إذ آمن به وفي وسط معاناته المرة للعقوبة انتهز الصخب العنيف الذي لليهود وكلمات زميله المعلق معه. لقد اعترف بخطاياه وأنه بعدل جُزي، صار ديانًا لطرقه الشريرة لكي يغفر الله جريمته، إذ قيل "قلت أعترف للرب بذنبي، وأنت رفعت آثام خطيتي" (مز 32: 5). لقد حمل للمسيح شهادة غير ملومة، وبكت نقص اليهود لمحبة الله، وأدان حكم بيلاطس، قائلاً: "أما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو 23: 41). يا له من اعتراف جميل!... لقد ربح ميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السماء، في سفر الحياة ذاك الذي حُكم عليه بالموت، وأُحصى مع سكان المدينة العلوية.] يرى البعض أن اللصين يشيران إلى الشعبين اليهودي والأممي، أحدهما حُكم عليه بالموت خلال الناموس الموسوي، والثاني خلال الناموس الطبيعي، وقد صلب السيد المسيح بينهما ليضمهما معًا فيه كحجر زاوية للكنيسة الجامعة، مقدمًا دمه ثمنًا للوحدة فيه! 7. السخرية منه "وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين: آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام. خلص نفسك وانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا: خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها. لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن. واللذان صُلبا معه كانا يعيرانه" [29-32]. اتفقت كل القوى على السخرية بالصليب، فكان المجتازون يجدفون ويهزون رؤوسهم، وأيضًا رؤساء الكهنة والكتبة حتى اللصان كان يعيرانه. إذ لم يكن ممكنًا لهم أن يدركوا سرّ الخلاص، ولا أن يتفهموا عمل الله. حسبوا الصليب نهايته، فصار في أعينهم مضللاً ومخادعًا لا يقدر على خلاص نفسه، فكيف يقيم نفسه ملكًا؟ لعل عدو الخير قد بدأ يدرك الخطر يحدق به حين ارتفع السيد على الصليب، وشعر السماء والأرض كلها تترقب الأحداث، فأسرع يحث تابعيه أن يطلبوا آية منظورة ألا وهي أن ينزل عن الصليب فيؤمنوا به، لكن السيد الذي رفض في أكثر من موقف أن يصنع آية استعراضية لم يعطِ اهتمامًا لسخريتهم التي تصير شاهدًا عليهم، ويحكم عليهم خلال تصرفاتهم ذاتها، من نواحٍ كثيرة، منها: أولاً: كان المجتازون يجدفون قائلين: "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام"، فانتشرت هذه العبارة سريعًا خلال الأحداث، حتى متى تمت القيامة لا يستطيع أحد أن ينكر قوله أنه يقيم هيكل جسده في ثلاثة أيام! هكذا نشر المجدفون الشهادة لقيامته في أمرّ لحظات الصليب. ثانيًا: اعترف رؤساء الكهنة مع الكتبة أنه "خلص آخرين"، وهذه شهادة القيادات اليهودية الدينية في لحظات الضعف عينها. ثالثًا: قال هؤلاء المسئولون: "لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن". في تعليق منسوب للقديس جيروم: [لقد رأوه قائمًا من القبر ومع ذلك لم يريدوا أن يؤمنوا أنه كان قادرًا أن ينزل من خشبة الصليب. أين هو افتقاركم للإيمان أيها اليهود؟ فإنني أستدعيكم أنتم أنفسكم قضاة لأنفسكم! كم بالأكثر يكون مستحقًا للدهشة أن يقوم ميت من بين الأموات عن أن يختار الحيّ أن ينزل من الصليب! لقد طلبتم أمرًا صغيرًا فحدث ما هو أعظم، لكن افتقاركم للإيمان لم يكن ممكنًا أن يُشفى بالآيات أكثر مما رأيتم.] 8. حدوث ظلمة "ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة" [33]. إذ ارتفع الخالق على الصليب بيدي خليقته التي أرادت الخلاص منه بجحودها، حرمت نفسها من شمس البرّ، فسادت الظلمة داخل القلوب، أعلنها احتجاب الشمس من وقت الساعة السادسة حتى التاسعة. يذكر سفر التكوين أن آدم وحواء بعد السقوط "سمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة" (تك 3: 8)، أي عند الظهيرة، ويرى بعض المفسرين أنه سمع الحكم بالموت في وقت الساعة التاسعة. وكأنه في اللحظات التي اختفى فيها أبونا من وجه الرب وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة! لهذا فإن الظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أُعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين، كقوله: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53). في حديث العلامة ترتليان لليهود قال: [حدثت ظلمة في وسط النهار، وهكذا تحولت أعيادكم إلى نوح وجميع أغانيكم مراثي (عا 8: 10). فإنه بعد آلام المسيح أُخذتم كما إلى السبي والتشتت، كما سبق فأنبأ الروح القدس.] يقول القديس كيرلس الكبير: [جعلوا عملهم تسليم رئيس الحياة للموت، فصلبوا رب المجد. لكنهم إذ سمروا رب الكل على الصليب انسحبت الشمس من فوق رؤوسهم والتحف النور في وسط النهار بالظلمة كما سبق فأنبأ عاموس بالوحي الإلهي (عا 5: 18)... وكانت هذه علامة واضحة لليهود أن أذهان صالبيه قد التحفت بالظلمة الروحية لأن "العمى قد حصل جزئيًا لإسرائيل" (رو 11: 25). وقد لعنهم داود في محبته لله، قائلاً: "لتظلم عيونهم عن البصر" (مز 69: 23). نعم، انتحبت الخليقة ذاتها ربها، إذ أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وبدأ الهيكل نفسه كمن اكتسى بالحزن، إذ انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل. وهذا ما عناه الله على لسان إشعياء: "أُلبس السماوات ظلامًا وأُجعل المسح غطاءها" (إش 50: 3).] 9. تسليم الروح "وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً: ألوي ألوي لما شبقتني، الذي تفسيره: إلهي إلهي لماذا تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا: هوذا ينادي إيليا. فركض واحد وملأ إسفنجة خلاً، وجعلها على قصبة وسقاه، قائلاً: اتركوا، لنَرَ هل يأتي إيليا لينزله. فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح" [34-37]. بحسب الجسد كان السيد المسيح قد أُنهمك تمامًا، ولم يكن ممكنًا في ذلك الوقت أن يصرخ هكذا، لكنه صرخ ليُعلن أنه ما يتم الآن بين أيديهم ليس عن ضعف، بل تحقيقًا لعمله الإلهي الذي سبق فأعلنه بأنبيائه. جاءت الكلمات "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" لا تحمل لهجة اليأس كما قد يظن البعض فإن الابن لن ينفصل قط عن الآب، إنما أراد أن يبرز بشاعة الخطية التي حملها على كتفيه نيابة عنا، فجعلته كمن يسقط تحت الغضب وهو الابن المحبوب لديه. بهذه الصرخة أيضًا يذكرهم بالمزمور الثاني والعشرين بكونها افتتاحيته، وقد جاء المزمور يصف أحداث الصلب. إنه بهذه الصرخة يقدم انذرًا أخيرًا لليهود كي يعيدوا النظر فيما يفعلون قبيل تسليم روحه، لعلهم يدركوا أنه المسيا محقق النبوات فيرجعون. أما ظنهم أنه يطلب إيليا، فقد ارتبط شخص إيليا النبي بالمسيح كسابق له يهيئ له الطريق، ولأن اليهود كانوا يرون في إيليا المعين في السماء يشفع في المتضايقين والمظلومين، فهو يطلب شفاعته! 10. انشقاق حجاب الهيكل "وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل" [38]. لماذا انشق حجاب الهيكل عندما أسلم السيد المسيح الروح؟ أولاً: سبق فأعلن السيد المسيح أنه يسلم الروح بسلطان، ويتقبلها ثانية بسلطان وليس عن ضعف، إذ قال: "ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو 10: 8). وقد جاءت أحداث الصلب تعلن ذلك، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذه الصرخة شقت الحجاب وفتحت القبور وجعلت البيت خرابًا. فعل ذلك ليس إهانة للَّهيكل، وإنما إعلانًا عن أنهم غير مستحقين لسكناه، كما سبق فسلمه قبلاً للبابليين.] بصرخته أعلن سلطانه، فشق حجاب الهيكل، مؤكدًا حزن الهيكل على ما يفعله العابدون فيه، معلنًا رفضه لعبادتهم بعد أن لطخوا أيديهم بالدم البريء في قسوة وتجاسر وحسد! ثانيًا: يقدم لنا الرسول بولس مفهومًا لاهوتيًا لانشقاق الحجاب في رسالته إلى العبرانيين ألا وهو انفتاح المقادس السماوية أمامنا بذبيحة الصليب. فالحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس يشير إلى عجز الإنسان عن تمتعه بالأقداس الإلهية السماوية، وقد جاء السيد المسيح يفتح طريق السماء بدمه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه ننعم بمقدساته. فمن كلماته: "الذي هو لنا كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب، حيث دخل يسوع كسابقٍ لأجلنا صائرًا على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد" (عب 6: 19-20). مرة أخرى يقول: "ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا" (عب 9: 12؛ راجع عب 9: 10). في نص منسوب للقديس جيروم جاء [انشق حجاب الهيكل وانفتحت السماوات.] يقول القديس أمبروسيوس: [انشق حجاب الهيكل حتى تعبر نفوسنا وأرواحنا إلى الله وتراه وجهًا لوجه، وتعاين الأسرار الخفية.] ثالثًا: لعل انشقاق حجاب الهيكل يعني انفتاح الباب للأمم، الذين لم يكن ممكنًا لهم أن يشتركوا مع اليهود في العبادة داخل الهيكل. هذا ما أعلنه الرسول بولس بقوله: "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، ونقض حائط سياج المتوسط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا صانعًا سلامًا، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به" (أف 2: 14-16). 11. إيمان قائد المئة "ولما رأى قائد المئة الواقف أمامه أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال: حقًا كان هذا الإنسان ابن الله" [39]. يا للعجب آمن قائد المئة الروماني بالسيد المسيح المصلوب حين رآه يصرخ ويسلم الروح، وكأنه قد أدرك خلال صرخته وتسليم روحه أنه لم يمت عن ضعف وإنما في قوة وبسلطان. يقول القديس أغسطينوس: [أظهرت نفس الشفيع أنه لم يكن لعقوبة الخطية سلطان عليها ليموت الجسد، إذ لم تترك الجسد بغير إرادتها إنما بإرادتها، فقد اتحدت النفس مع كلمة الله أقنوميًا.] وجاء في نص منسوب للقديس جيروم: [آخرون صاروا أولين. الشعب الأممي اعترف، والشعب اليهودي الأعمى أنكر، فصار شرهم الأخير أقسى من الأول.] 12. التفاف النسوة حوله "وكانت أيضًا نساء ينظرن من بعيد، بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة. اللواتي أيضًا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل، وأخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم" [40-41]. يقول العلامة أوريجينوس أنه قد يبدو ظهور ثلاث نساء ذكرن بالاسم هن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب والثالثة التي دعاها متى "أم ابني زبدي" ودعاها مرقس "سالومة". على أي الأحوال بينما هرب التلاميذ من متابعة المصلوب ولو من بعيد، كانت النسوة يتبعنه، وصار لبعضهن شرف التمتع بالمسيح القائم من الأموات قبل التلاميذ. بهذا ردّ الإنجيل للمرأة كرامتها، وأعلن قدسيتها بعد نظرة مرة عاشها العالم لأجيال طويلة من جهتها. 13. دفنه تجاسر يوسف الذي من الرامة وهو مشير شريف ودخل إلى بيلاطس يطلب جسد الرب يسوع، فتعجب بيلاطس أنه مات هكذا سريعًا، وإذ تأكد من قائد المئة أنه مات وهب ليوسف الجسد، فاشترى كتانًا وأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر منحوتًا في صخرة، ودحرج حجرًا على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسى تنظران أين وُضع [43-47]. كان لابد من إنزال الجسد قبل الغروب، لأنه كان يوم الصلب هو "الاستعداد"، إذ اعتاد اليهود أن يلقبوا يوم الجمعة بالاستعداد، إذ فيه يستعدون ليوم السبت للراحة. في هذا اليوم صُلب السيد، في اليوم السادس. فكما أعد الله كل الخليقة في ستة أيام ليستريح في السابع، هكذا ارتفع على الصليب مجددًا خليقته في ذات اليوم السادس ليدخل بخليقته إلى سرّ الراحة الحقيقية. لعل صلب السيد في اليوم السادس، يوم الاستعداد، يعلن التزامنا نحن فيه أن يحملنا الصليب إليه مادمنا في هذا العالم بكون حياتنا كلها هي يوم الاستعداد. نبقى معه على الصليب حتى النفس الأخير، فإذا ما غربت حياتنا الزمنية أرسل إلينا ملاكه، وكأنه بيوسف الرامي ليستريح جسدنا قليلاً حتى يقوم ثانية في يوم الرب العظيم. لم يسمح الرب أن يكفنه التلاميذ حتى لا يقوم الاتهام بأنهم سرقوه دون دفنه، بل كفنه رجل شريف بار. وقد تأكد الكل من دفنه حينما خُتم القبر. يعلق القديس أمبروسيوس على تكفين السيد بالقول: [كفن البار جسد المسيح بالطيب ولفه بالطيب! البرّ هو لباس الكنيسة (جسد المسيح) والبراءة هو جمالها. فألبس أنت أيضًا جسد الرب بمجده فتكون بارًا! إن آمنت بموته فكفنه بملء لاهوته، ادهنه بالمر والحنوط رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15). كفنه يوسف بكفنٍ جديدٍ، ربما كان هو الملاءة الجديدة التي رآها بطرس نازلة من السماء وقد حوت كل حيوانات الأرض ودوابها (أع 40: 11). فقد تكفنت بها الكنيسة سريًا ووحدت الشعوب المختلفة في شركة إيمانها... وُضع في قبر جديد، في قبر يوسف إذ لم يكن للمسيح مقبرة خاصة به، لأن القبر يُقام من أجل الذين يتعرضون لقانون الموت، أما غالب الموت فليس له مقبرة ملكًا له. موت المسيح له طابعه الخاص المختلف عن موت عامة البشر، لذا لا يُدفن مع آخرين، بل يُدفن في القبر وحده. فيتجسد الرب اتحد بكل البشرية لكنه وجد بعض الاختلاف. شابهنا في ميلاده، لكنه اختلف عنا في الحبل به من العذراء... من هو يوسف هذا الذي وُضع المسيح في قبره؟ بالتأكيد هو ذاك البار الذي سلم للمسيح مقبرته ليجد ابن الإنسان أين يسند رأسه (لو 9: 58) وهناك يستريح... الحنجرة هي قبر مفتوح (مز 5: 11)، هذه هي حنجرة الإنسان عديم الإيمان الذي ينطق بكلمات ميتة، لكنه يُوجد قبر في أعماق الإنسان يحفره البار ليدخل كلمة الله في قلوب الأمم بالإيمان... يُوضع حجر على القبر حتى لا يكون مفتوحًا، لأنه متى كُفّن المسيح جيدًا في نفوسنا يجب حفظه بعناية كي لا نفقده. كان القبر محفورًا في صخرة أي مؤسسًا على الإيمان بالله الثابت... لا يستطيع كل أحد أن يكفن المسيح، لذا فالنساء التقيَّات بقين من بعيد، لكنهن كن ينظرن بعناية أين وُضع حتى يأتين إليه بالطيب ويسكبنه. ومع ذلك ففي محبتهن كن آخر من ترك القبر وأول من رجعن إليه.] أخيرًا فإن دفن السيد المسيح بواسطة يوسف الرامي يمثل خبرة روحية تقوية يليق بنا أن نعيشها كل يوم. فيوسف هذا جاء من الرامة يقال أنها راماتيم صوفيم (1 صم 1: 1) وأنها رام الله الحالية، ولما كانت كلمة "رامة" في العبرية تعني مرتفعة، فإنه لا يستطيع أحد أن يتمتع بهذا الشرف ما لم يأتِ من المرتفعات السماوية، أي يكون من الرامة، ينعم بالحياة السماوية كموطنٍ له ومكان نشأته، إذ كيف يحمل على يديه جسد الرب ما لم يكن له السمة الروحية السماوية. ما هو هذا الجسد الذي نحمله إلا حياتنا بكوننا أعضاء جسده نكفنها في الكتان، أي في النقاوة الحقيقية، ونطيّبها برائحة المسيح، وندخل بها إلى السيد المسيح نفسه، كما في داخل الصخرة، فتحمل حياتنا قوة قيامته، وتكون في صحبة الملائكة، كما كان الملائكة في قبر السيد. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ * يوم الجمعة: - محاكمته أمام رؤساء اليهود: مرقس 53:14-72؛ 1:15 - محاكمته أمام بيلاطس: مرقس 1:15-20 - صلب يسوع: مرقس 21:15-41 - دفنه: مرقس 42:15-47 (مر 15 : 1-15): "وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله فأوثقوا يسوع ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس. فسأله بيلاطس أنت ملك اليهود فأجاب وقال له أنت تقول. وكان رؤساء الكهنة يشتكون عليه كثيراً. فسأله بيلاطس أيضاً قائلاً أما تجيب بشيء انظر كم يشهدون عليك. فلم يجب يسوع أيضاً بشيء حتى تعجب بيلاطس. وكان يطلق لهم في كل عيد أسيراً واحداً من طلبوه. وكان المسمى باراباس موثقاً مع رفقائه في الفتنة الذين في الفتنة فعلوا قتلاً. فصرخ الجمع وابتدأوا يطلبون أن يفعل كما كان دائماً يفعل لهم. فأجابهم بيلاطس قائلا أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود. لأنه عرف أن رؤساء الكهنة كانوا قد أسلموه حسداً. فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس. فأجاب بيلاطس أيضاً وقال لهم فماذا تريدون أن افعل بالذي تدعونه ملك اليهود. فصرخوا أيضاً اصلبه. فقال لهم بيلاطس وأي شر عمل فازدادوا جداً صراخاً اصلبه. فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس واسلم يسوع بعدما جلده ليصلب. فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه أرجواناً وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه." مرقس يكتب للرومان ويظهر لهم أن الحاكم الروماني لم يجد فيه شراً، وأنه ليس ثائراً أو مهيج سياسي. بل هي مؤامرة يهودية. وبيلاطس حكم سوريا واليهودية جزء منها من سنة 26م إلي سنة 36م. وكان فاسداً قاسياً. ولكن نجد الإنجيليين لا يشيرون إلي هذا، فهم يلقون كل التبعية على اليهود، إلاّ أنهم لم يبرأوا بيلاطس فهو حكم على من قد إعتقد ببراءته. ونلاحظ أن اليهود إستخدموا عن المسيح لقب ملك اليهود ولم يستخدموا لقب المسيا الذي لن يفهمه بيلاطس. وبيلاطس سأل المسيح أنت ملك اليهود. فالتهمة التي وجهها اليهود للمسيح هي أخطر تهمة في ذلك الحين ولا يمكن أن يتهاون فيها بيلاطس وإلاّ حُسِبَ خائنا لقيصر. والمسيح لم ينكر أنه ملك ولكنه أوضح لبيلاطس أنه مُلك روحي ومملكته ليست من هذا العالم كما أوضح إنجيل يوحنا. ولكن بيلاطس أخيراً أسلمه مع إقتناعه ببراءته. فهو فضل مصلحته الشخصية وأن تهدأ الفتنة عن الوقوف بجانب الحق. وكان العسكر الرومان يهزأون به ليس بشخصه ولكن بصفته ملكاً لليهود فهم لا يحترمون اليهود وكانوا يهزأون بهم في شخصه. وإكليل الشوك مؤلم جداً، وهو به رفع عنا لعنة الخطية، وحمل لعنة الأرض. ونلاحظ في آية1 تشاور الرؤساء فجراً لكي يصبح حكم الإعدام قانونياً فصدوره ليلاً باطل بحسب الأعراف اليهودية. الآيات (مر 15 : 21-25): "فسخروا رجلاً مجتازاً كان آتياً من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه. وجاءوا به إلي موضع جلجثة الذي تفسيره موضع جمجمة. وأعطوه خمراً ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل. ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد. وكانت الساعة الثالثة فصلبوه." هل صلب المسيح في الساعة الثالثة أم السادسة في (مرقس 25 : 15) وكانت الساعة الثالثة فصلبوه." وفى ( يوحنا 19 : 14) "وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال لليهود هوذا ملككم." في (مر25:15) وكانت الساعة الثالثة فصلبوه وفي (يو14:19) وكان إستعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال (بيلاطس) هو ذا ملككم.. فحينئذ أسلمه اليهود ليصلب: كان اليهود يقسمون الليل إلى 4ساعات كبيرة ويقسمون النهار إلى 3ساعات كبيرة (الساعة الكبيرة = 3ساعات بتوقيتنا). وتبدأ ساعات النهار عند شروق الشمس ولمدة (3ساعات بحسب ساعاتنا وتسمى الساعة الأولى. وتبدأ بعدها الساعة الثالثة ولمدة (3ساعات) وبعدها الساعة السادسة. وبهذا تنتهي الساعة الثالثة عند نصف النهار وتنتهي الساعة السادسة عند بعد الظهر وتمتد الساعة التاسعة للغروب. ولم تكن هناك ساعات في يدهم لتحديد الزمن، بل بالتقريب. وربما يطلقون على نهاية الساعة الثالثة أنها الساعة السادسة وعلى بداية السادسة أنها الثالثة. فالتدقيق في الساعات لم يكن مهماً في ذلك الوقت. فإن قال مرقس أن الصلب قد حدث في الساعة الثالثة فهو يقصد نهايتها وإذا قال يوحنا أن الصلب حدث في الساعة السادسة فهو يقصد بدايتها وكلاهما يصح التعبير عنه بطريقتهم كما حدث. ويقول أحد المفسرين أن نهاية أحد السواعى هو إبتداء الساعة الأخرى والقدر الذي بين الساعتين من الزمان مجهول. والفعل قد ينسب إلى زمانين (الثالثة والسادسة) لجواز وقوع طرفيه في طرفيهما، أي طرف الساعة الثالثة وطرف الساعة السادسة. شروق الشمس الساعة الأولى الساعة الثالثة الساعة السادسة الساعة التاسعة أحداث الصلب بدأت في الثالثة وعلِّق السيد في السادسة وأحداث الصلب (تسليم بيلاطس السيد في يد اليهود/ الحكم بالصلب/ الجلد/ الإهانات/ كتابة اللوح/إقتسام الجند لثيابه/محاورة اللصين/ إستهذاء العابرين/ إعتراض المجتازين/ صلب المسيح على الصلب) هذه الأحداث بدأت في الساعة الثالثة وإنتهت في الساعة السادسة. والظلمة حدثت في الساعة السادسة وإستمرت حتى الساعة التاسعة. وغالباً فقد قصد مرقس أن هذه الأحداث بدأت بصدور الحكم الذي صدر في خلال الساعة الثالثة. ويوحنا يشير بقوله نحو الساعة السادسة أن الأحداث التي يشير إليها كانت في نهاية الساعة الثالثة وقد إقتربنا من الساعة السادسة. أماّ قول مرقس فصلبوه فيشير لصدور الحكم ضد السيد بالصلب وبداية الأحداث وإتفاق قرار بيلاطس مع إرادة اليهود في الصلب. · إلاّ أن بعض المفسرين ذهبوا لأن يوحنا يقصد بقوله الساعة السادسة أنها الساعة بالتوقيت الحالي أي فجراً ودليلهم على ذلك أن يوحنا كان يعيش في أفسس التي كانت تستخدم توقيتات مشابهة، وأنه عُثِرَ على كتابات تعود لذلك الزمان أن الشهيد فلان أستشهد في الساعة الثامنة صباحاً. والشهيد فلان أستشهد في العاشرة صباحاً مماّ يشير لإستخدام توقيت مشابه لتوقيتنا. والرأي الأول أرجح. (مر21:15-41) آية(26): "وكان عنوان علته مكتوباً ملك اليهود." ملك اليهود= قيل أن بيلاطس لغيظه من اليهود كتب هذا إعلاناً عن صلب ملك اليهود. آية(27): "وصلبوا معه لصين واحد عن يمينه وآخر عن يساره." لقد إحتل اللصين المكانين الذين طلبهما من قبل يعقوب ويوحنا، يمينه ويساره لقد سَمَّر المسيح الخطية حتى لا تملك مرة أخرى. وبسط يديه ليمسك بكل الخليقة ويحملها بذراعيه ليقدمها للآب. وهو مازال فاتحاً ذراعيه فلنسرع بالتوبة ونرتمي بينهما. آية(28): "فتم الكتاب القائل وأحصى مع آثمة." (أش12:53) الآيات (29-31): "وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام. خلص نفسك وانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها." قال لهُ المستهزئون "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام" وإنتشرت هذه العبارة سريعاً وصارت شاهدة عليهم بعد قيامته بعد 3أيام. بل هم نشروا خبر قيامته بعد 3أيام دون أن يدروا. وقولهم خلَّص آخرين= كان فيه إعتراف من رؤساء الكهنة والقيادات بأن أعماله كانت صالحة. وأنه أتى ليخلص آخرين وليس نفسه. آية(33): "ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة." في اللحظة التي صدر حكم الموت على آدم وحواء وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة. لهذا فالظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين كقوله "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو53:22). فآدم خالف الوصية في اليوم السادس وفي حوالي الساعة السادسة (كما جاء في التكوين أن صوت الرب كان ماشياً في النهار). وسادت الظلمة بالخطية على العالم إلى أن أنهاها المسيح بموته في الساعة التاسعة. آية(34): "وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً الوي الوي لما شبقتني الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني." إلهي إلهي لماذا تركتني= لن نستطيع فهم هذه العبارة تماماً، كما لن نستطيع فهم ألام المسيح تماماً ولكننا نقف صامتين أمام عظمة كفارة المسيح. آية(37): "فصرخ يسوع بصوت عظيم واسلم الروح." وأسلم الروح= موته لم يكن بأسباب طبيعية بل بسلطانه أسلم روحه لذلك لم يقل أيٌ من البشيرين أنه مات بل هو أسلم الروح طواعية. والمسيح بعد أن أسلم الروح نزل إلى الجحيم يكرز لهم ويخرج من مات على الرجاء من أباء العهد القديم (1بط19:3+أف9:4،10). آية(38): "فانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى اسفل." شق حجاب الهيكل يشير لأن اليهود صاروا غير مستحقين لوجود الله في وسطهم وكما غادر الرب الهيكل مرة سابقة فخربه البابليين (حز18:10،23:11) فارقه هذه المرة أيضاً فحطمه الرومان سنة 70م. آية(41): "اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل وآخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم." النساء تبعن السيد في شجاعة بينما الرجال هربوا. (مر42:15-47): "ولما كان المساء إذ كان الاستعداد أي ما قبل السبت. جاء يوسف الذي من الرامة مشير شريف وكان هو أيضاً منتظرا ملكوت الله فتجاسر ودخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فتعجب بيلاطس انه مات كذا سريعا فدعا قائد المئة وسأله هل له زمان قد مات. ولما عرف من قائد المئة وهب الجسد ليوسف. فاشترى كتانا فأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتاً في صخرة ودحرج حجراً على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظران أين وضع." · دفن المسيح يشير إلى أنه مات موت حقيقي (1كو3:15-5) · مات هكذا سريعاً=كان هذا بسبب آلامه الجسدية والنفسية والروحية التي لن نستطيع أن نتصورها ولا نفهمها ولا ندركها. بالإضافة إلى أنه هو الذي أسلم روحه بإرادته بعد أن أنها مهمته في خلاص الإنسان.(أش8:53) من الضغطة والدينونة أخذ، بينما أن المصلوب العادي قد يستمر مصلوباً لأكثر من يوم قبل أن يموت. · ولما كان المساء إذ كان الإستعداد. أي ما قبل السبت= كل يوم جمعة يسمى الإستعداد للسبت. ولكن هذا السبت كان عظيماً لأنه الفصح. لقد مات المسيح يوم الجمعة أي اليوم السادس، ليستريح في السابع، وراحته كانت بأن أكمل لنا الفداء.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس عشر محاكمة المسيح * صلبه * دفنه (1) المحاكمة المدنية أمام بيلاطس ( ع 1 - 15 ) : ع 1 : بعد محاكمة الرب أمام المجمع اليهودى فى بيت " قَيَافَا " رئيس الكهنة ، ومجلس السبعين ( السنهدريم راجع مت 5 : 21 - 22 ) أعلى سلطة يهودية ، كان القرار بالتخلص منه. ولما كان حكم الإعدام من اختصاص الحاكم الرومانى دون اليهود ، تحفظوا على الرب يسوع موثقاً حتى الصباح ليذهبوا به إلى دار الولاية الرومانية ويقدموه إلى بيلاطس الحاكم. ع 2 : سؤال بيلاطس هنا : " أنت ملك اليهود ؟ " قد يكون ما سمعه قبلاً عن موكب استقبال الجموع للرب يوم الأحد السابق عند دخوله لأورشليم ، أو نتيجة وشاية رؤساء الكهنة له أن تهمة هذا الإنسان هى الثورة على الحكم الرومانى ورغبته فى تنصيب نفسه ملكاً. أما إجابة المسيح : " أنت تقول " ، فهى تعبير يهودى معناه الموافقة ، والمقصود بالطبع المُلك الروحى ، إذ سبق المسيح وصرّح بأنه من فوق ، وبأن مملكته ليست من هذا العالم ( يو 8 : 23 ، 18 : 36 ). ع 3 - 5 : كان القديس مرقس أكثر إختصاراً فى إنجيله عن غيره من البشيرين ، فلم يذكر شيئاً عن زوجة بيلاطس ، أو غسل يديه ، أو تفاصيل الشكايات على الرب يسوع ، بل اكتفى بالقول بأنها كانت كثيرة. وأمام هذه الشكاوى ، عرض بيلاطس على الرب فرصة للدفاع عن نفسه ، ولكن المسيح آثر الصمت على الكلام ، لتتم نبوءة إشعياء " ظُلِمَ ، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه ، كشاةٍ تُسَاقُ إلى الذبح " ( 53 : 7 ). أما بيلاطس ، فتعجّب جداً لرفض الرب الكلام. ع 6 - 7 : إعتاد بيلاطس أن يطلق لليهود فى كل عيد أحد المقبوض عليهم ، لأنه كان على السلطة الرومانية فض الإشتباكات اليهودية. وفى ذلك الوقت ، كان المسمى باراباس موثقاً ( محبوساً ) إذ كان قاتلاً فى أحد أعمال الشغب ، وكان محكوماً عليه بالصلب وينتظر الموت. ع 8 - 9 : يوضح القديس متى فى إنجيله ( 27 : 17 ) أن بيلاطس خَيَّرَ الشعب فى إطلاق أحدهما ( الرب يسوع أو باراباس ) ، وقد وضع هذا الإختيار لعل الجمع يطلب إطلاق الرب يسوع ، ولكن هذا الشعب كان من اليهود الموالين للكهنة والرؤساء ، وكانوا يخافونهم. ع 10 : هذا العدد يوضح سبب ما فعله بيلاطس من تخيير الشعب بين ( الرب وباراباس ) ، إذ كان يعلم دافع رؤساء الكهنة الأشرار ، وأنه لم يجد فى المسيح علة يستوجب معها الموت. ع 11 - 13 : كانت مشاعر الغيظ والحسد والشر المشتعلة داخل قلوب الكهنة محركاً لهم فى التأثير على جموع الشعب المنقادة وراءهم ، فالجميع طالبوا بإطلاق باراباس. وعندما سأل بيلاطس الجمع عن مصير المسيح ، صرخوا جميعاً : " اصلبه " ، وهى العقوبة الرومانية للعبد المتمرد. ع 14 : لم يجد بيلاطس فى كل ما سمعه شيئاً كافياً لصلب المسيح ، وعبّر عن ذلك بسؤاله لهم : " وأى شر عمل ؟ " إلا أن هذا السؤال لم يفعل شيئاً سوى زيادة هياجهم عليه ، ومطالبتهم بالأكثر بصلب المسيح. ع 15 : باختصار أيضاً ، يمر القديس مرقس على الأحداث سريعاً ، ولكنه لم يَفُتْهُ أن يذكر أن بيلاطس حكم على المسيح دون اقتناع ، ولكن لـ " يرضيهم " ، مخالفاً بذلك ضميره ، وخائفاً من الشغب الممكن حدوثه ( مت 27 : 24 ) ، وإذا تحوّل هذا الشغب إلى ثورة فقد تطيح بكرسيه ، ولهذا حكم بجلد الرب يسوع وتسليمه للصلب. + صديقى العزيز. . . لاحظ معى كم مرة أتيحت الفرص لتبرئة الرب وإطلاقه ، فأولاً خيّرهم بيلاطس بينه وبين باراباس ، ولكنهم اختاروا تبرئة الطالح دون الصالح. ومرة تالية يعلن بوضوح أمامهم : " أى شر عمل ؟ " فى محاولة لإيقاظ ضمائرهم ، ومع هذا لم يتراجعوا عن شرهم ، وازدادوا إصراراً. يا أخى. . . نحن هنا لا نحاكم اليهود ، بل نأخذ عبرة ودروساً ، أولها : ألا نأخذ قراراً ونحن فى حالة هياج وغضب. وثانيهما : ألا نتجاهل نداءات الله بتصويب قرارتنا. وآخرها : ألا ننقاد لتأثير أحد على ضمائرنا ، بل نفحصها جيداً أمام الله وحده ، وتذكّر أن : " مُبَرِّئُ المذنب ومذنِّب البرئ كلاهما مكرهة الرب " ( ام 17 : 15 ). لو سألت نفسى من المسئول عن صلب المسيح ؟! فى هذا المشهد نجد أن يهوذا أسلمه ، والقادة الدينيون يطالبون بموته ، وبطرس أنكره ، والتلاميذ تركوه خوفاً ، وبيلاطس خاف على كرسيه ، والجموع كانت سلبية ولم تفعل شيئاً ، والعسكر استهزأوا به وضربوه وعذبوه ! فماذا عنى لو تعرضت لنفس الموقف ؟! يا له من سؤال صعب عسير !!! (2) الإستهزاء بالمسيح ( ع 16 - 20 ) : ع 16 - 18 : " كل الكتيبة " : كانت الكتيبة الرومانية تتكون من ستمائة جندى ، اجتمعوا كلهم على المسيح فى فناء دار الولاية الرومانية ، وجعلوا من المسيح تسلية لهم ، إذ استهزأوا به. " أُرْجَُوَاناً " : الرداء الأرجوانى ، أو القرمزى كما دعاه متى ، هو رداء أحمر اللون كان يلبسه الملوك. " إكليلاً من شوك " : صنعوا من ساق ( أو فرع ) نبات شوكى معروف باسم " البلان " إكليلاً دائرياً ووضعوه على رأسه. ويضيف القديس متى فى ( 27 : 29 ) أنهم أمسكوه " قصبة فى يمينه " ، لتكمل بذلك سخريتهم منه ، إذ جعلوه فى منظر الملوك. وفى تهكم ، سلموا عليه ، وقدموا إليه تحية كملك لليهود. ومن التأملات الرمزية الجميلة أن ثيابه التى خلعها تشير إلى خلع الأمة اليهودية ورفضها ، أما الرداء الأحمر فيرمز إلى دم المسيح الذى يفدينا به ويملك به على قلوبنا. لاحظ أيضاً تمادى الأمة اليهودية فى الرفض ، إذ سبق لها أن قطعت آذانها عن الإستماع للرب ( راجع تفسير 14 : 46 - 47 ). ع 19 - 20 : إستمرار لهذا المشهد الحزين والمخزى للبشرية كلها ، التى تهزأ من خالقها ومدبرها وفاديها ، تطاول جند الكتيبة على الرب بالضرب على رأسه فى أسوأ صور الإهانة ، وبصقوا عليه ، وسجدوا سخرية منهم للقب الملك. وبعد هذا المشهد المؤلم جداً ، نزعوا عنه رداء الأرجوان وألبسوه ثيابه الأولى ، ثم خرجوا به إلى طريق الصليب. + يا نفسى. . . ماذا يمكن أن تقولى أمام هذا المشهد العجيب والفائق عن الوصف. . . من يهزأ بمن ، ولماذا كل هذا ، أليس بسببِك. . . أليس من أجل تحريرك ؟! وفى المقابل ، ماذا تفعلين. . . هل تحفظين الصنيع. . . أم أنك لازلت تؤلمينه بكثرة خطاياكِ ؟! توبى يا نفسى ولا تنسى آلام مخلّصك ، فهى إن ظلت أمامك ، لا أعتقد أنكِ تجسرين على الخطأ. . . سامحنا أيها المخلّص القدّوس. . . ونشكرك على كل ما احتملت من أجلنا. (3) الصليب ( ع 21 - 41 ) : ع 21 : حمل المسيح صليبه فى أول الطريق ( يو 19 : 17 ) ، وعندما أصابه الإعياء ، بسبب الجلد والسهر طوال الليل والمحاكمات المتعددة ، أجبر الجند الرومان إنساناً يهودياً نشأ بالقيروان شمال ليبيا فصار لقبه القيروانِىُّ. ويبدو أن إبنيه ألكسندرُسَ ورُوفُسَ صارا معروفين لجماعة المسيحيين بعد ذلك ، إذ حرص القديس مرقس على ذكر إسميهما. ع 22 : " جلجثة " : أى " جمجمة " ، وهى موضع خارج أورشليم. ويقول البعض أنها تكوين صخرى مرتفع يشبه جمجمة الإنسان ، ويقول آخرون أن سبب تسميتها هكذا هو اعتقاد اليهود بأن جمجمة آدم دُفَنت فى هذا المكان. ع 23 : " خمراً ممزوجة بِمُرٍ " : كان المر أحد المسكنات القوية والمعروفة التى تصل إلى درجة من التخدير ، وكان يُمزَج بالخمر الذى يشبه فى طعمه الخل لرخص ثمنه ( راجع تفسير مت 27 : 34 ) حتى يسهل تناوله ، وكان عادة يقدم للمصلوب لتخفيف بعض آلامه ، ولكن المسيح رفضه حتى تكمل آلامه !! ع 24 : " صلبوه " : رفعوا المسيح ، مُسمّرين يديه ورجليه ، على عود الصليب. وبدأت معاناة الألم ونزيف الدم داخل وخارج جسده ، نتيجة صعوبة التنفس وهو مسمر. وكان من حق الجند الرومان أن يأخذوا ثياب من يصلبونه ، فخلعوا ثيابه عنه وصار عارياً من يستر الخليقة كلها بمراحمه وقَسَمَ الجند الرومان ثيابه عليهم بإلقاء القرعة عليها. . . فى إشارة واضحة لما تنبأ به داود فى مزموره ( 22 : 18 ) : " وعلى لباسى يقترعون ". ع 25 : يقول القديس يوحنا والتقليد أن الصلب كان نحو الساعة السادسة ( التى تبدأ فى الثانية عشرة ظهراً يو 19 : 14 ) ، أما مرقس بقوله هنا الساعة الثالثة ( التى تبدأ فى التاسعة صباحاً ) ، فهو بذلك يعنى إجراءات بدء الصلب ، والتى أخذت بعض الوقت ، والأرجح أن الصليب انتصب كاملاً قبل الساعة السادسة بقليل ، قرب نهاية الساعة الثالثة. ويلاحظ أنه بالنسبة للتوقيت اليهودى لا توجد فواصل بين الساعة الثالثة والساعة السادسة ، فنهاية الأولى هى بداية الثانية ، مثل الفرق بين الصباح والظهر فى توقيتنا الحالى. ع 26 : " علته " : كان من المتبع أن يحمل المصلوب مع صليبه علته ( أى سبب جريمته وصلبه ). ولما لم يجد بيلاطس سبباً يستحق الصلب ، جعل العلة التى تعلق على الصليب مع المصلوب هى : " هذا هو يسوع ملك اليهود " ، وقد كتبها بالثلاث لغات المنتشرة فى المنطقة فى ذلك الوقت ، وهى العبرانية واليونانية واللاتينية. ويضيف البعض أن بيلاطس كتب ذلك إغاظة لليهود فى أن ملِكهم قد صُلب. ع 27 - 28 : ونُفذّ حكم الإعدام صلباً أيضاً على لصين يستوجبان الحكم ، فوضعوا واحد عن يمينه وآخر عن يساره ، فتتم بذلك نبوءة إشعياء بأنه : " أُحْصِىَ مع أثمة " ( 53 : 12 ) ، ولعل فى صلب اللصين إشارة إلى أن فداء المسيح يشمل كل اليهود والأمم. ع 29 - 30 : فى استهزاء وسخرية ، جدف كل المارون على مشهد الصليب ، مرددين ما ادعاه شهود الزور فى تأويلهم لقول المسيح بأنه سوف يهدم الهيكل ويقيمه فى ثلاثة أيام بينما كان يقصد جسده وكانوا يقولون : بدلاً من أن تهدم الهيكل وتقيمه ، أليس من الحرى أن تُنزل نفسك إن استطعت من على عود الصليب ؟! ع 31 : مجموعة أخرى من الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب إشتركوا فى السخرية من رب المجد ، وكانت هذه السخرية بغرض إثبات أن ما قاموا به من قتله كان قراراً سليماً ، فلو كان هو المسيح الممسوح من الله أما كان يقدر أن يخلّص نفسه مما هو فيه الآن ، وقالوا : " خلص آخرين ، وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها ". ع 32 : برهاناً لكلامهم فى العدد السابق ، وضعوا شرطاً أنه لو تمكن بالفعل من تخليص نفسه لآمنوا به. " يعيَرانه " : أى اللصان اللذان صلبا معه. ذكر متى ومرقس أن اللصين كان يعيّرانه ، بينما ذكر لوقا الحديث نفسه ، ونستنتج من حديثه أن الإثنان أخذا فى تعيير المسيح ، إلا أن أحدهما لم يشترك بالفعل فى هذا التعيير ، كما أوضح القديس لوقا فى ( 23 : 39 ) ، راجع أيضاً شرح ( مت 27 : 44 ). ع 33 : " ظلمة على الأرض كلها " : كانت هذه الظلمة معجزة بكل المقاييس ، فلا يوجد كسوف كلى للشمس يستمر لأكثر من دقائق ، فكيف إذن إستمر ثلاث ساعات ؟! وكان من الأجدر أن ينتبه اليهود لهذه الظاهرة ، ولهذا الغضب المستعلن من السماء والطبيعة بسبب فعلتهم ، ويتعظوا. . . ولكن ، هكذا من استبد به الظلم والعمى الروحى ، لا يستطيع أن يرى أبسط وأوضح الأشياء. + يا نفسى إفهمى. . . إتشحت الطبيعة كلها بالسواد حزناً على خالقها الذى حمل كل آثامنا. . . وأنتِ ، ماذا تفعلين الآن ؟ راجعى ضميرك وارجعى. . . ع 34 - 35 : إستمرت الظلمة من الساعة السادسة بالتوقيت اليهودى ( تقابل الثانية عشرة ظهراً ) إلى الساعة التاسعة ( تقابل الثالثة عصراً ). وفى الساعة التاسعة ، صرخ الرب يسوع بصوت عظيم قائلاً : " إلُوِى ، إلُوِى ، لَمَا شبقتنى ؟ " وتعنى فى اللغة السريانية : " إلهى ، إلهى ، لماذا تركتنى ؟ " وقد نطق بها المسيح وهى أول كلمات المزمور ( 22 : 1 ) الذى تنبأ فيه داود عن كل آلام المسيح ، وإلقاء القرعة على ثيابه ، والإستهزاء والسخرية به. . . وكأن المسيح يقول لليهود فى نداء أخير : إرجعوا إلى نبواتكم لتعلموا أن كل شىء كمل بالتمام كما هو مكتوب. . . أما الحاضرون ، فقد إعتقد بعض منهم أنه ينادى إيليا النبى. ملاحظة : يلاحظ أن السيد المسيح وهو على عود الصليب كانت له سبعة أقوال ، ولكن القديس مرقس لم يذكر سوى هذا القول الرابع ( راجع شرح مت 27 : 50 ). ع 36 : " خلاً " : الخل هنا هو الخمر الحامض ، له تأثير الخمر ، ولكنه لاذع الطعم ، وكان رخيصاً جداً ويقدم للجنود. فأخذ أحد الجنود إسفنجة مملوءة خمراً وقدمها إليه لكى يسقيه ، ربما بنوع من الشفقة ، ولكن لا تخلو من سخرية ، إذ قال : " لِنَرَ هل يأتى إيليا لينزله ؟! ". ع 37 : " صرخ " : كانت هذه آخر صيحة نطق بها المسيح على عود الصليب ، ولم يذكر متى ومرقس إذا ما كانت هذه الصرخة تحوى كلاماً. . . ولكن القديس يوحنا يذكر فى ( 19 : 30 ) أن المسيح قال : " قد أُكْمِلَ " كآخر كلام له. . . ولعل المسيح قد قال : " قد أُكْمِلَ " بصراخ ، لأنه يريد أن يعلن بقوة أن الفداء قد تم وشمل جميع من يقبله فى العالم أجمع ، ثم أسلم روحه الإنسانية. ع 38 : فى نفس اللحظة انشق حجاب الهيكل ، وهو سِتر من القماش يفصل بين القدس وقدس الأقداس فى الهيكل ، ويرمز للفصل بين الله القدّوس والبشر الخطاة. . . وانشقاق الحجاب له أكثر من معنى كالآتى : (1) أن المسيح قدّم نفسه ذبيحة كاملة دخل بها إلى أبيه ( قدس الأقداس ) أبطل بها الذبائح الحيوانية والعبادة اليهودية ، وبداية العهد الجديد ( عب 9 : 11 ، 12 ). (2) بطلان العداوة بين الله القدّوس ، الذى لا يعاينه الإنسان الخاطئ إلا من خلال التوبة ، وقبول الفداء بدم المسيح الذى بذل ذاته من أجل هذه المصالحة. ع 39 : كان من بين الوقوف قائد مائة ( رومانى ) ، وهو المكلف بالإشراف وتنفيذ الحكم. وعندما رأى الرجل كل هذه الأحداث من ظلام وأحاديث على عود الصليب وخروج الدم والماء من جنب رب المجد ، لم يجد شيئاً يقوله سوى أن يعلن أن المسيح هو إبن الإله العظيم ( الله ). + تأمل معى يا أخى شهادة هذا الرجل الوثنى ، فهو ليس من نسل إبراهيم ، ولم يكن منتظراً للمسيح ، ولم يحفظ نبوات اليهود. . . ومع هذا نطق وشهد وكانت شهادته حقاً. . . بينما ظل اليهود المدعوين رافضين فى عناد وقسوة قلب وعمى للبصيرة الروحية. . . حقاً ، إنها شهادة من وثنى أدان بها كل من لم يؤمن بالمسيح من اليهود. ع 40 - 41 : تبع المسيح طوال حياته وكرازته على الأرض كثيرات من النساء قمن بخدمته بصورة لا نعرف تفاصيلها ، وإن كان القديس لوقا يشير إلى أن : " أُخَرُ كثيراتٌ كن يخدمنه من أموالهن " ( 8 : 3 ) ، أما القديس مرقس فيذكر أن من هؤلاء النساء من تبعن المسيح حتى الصليب ، وإن وقفن بعيداً قليلاً ، بعكس القديسة العذراء مريم التى وقفت تحت الصليب تماماً ( يو 19 : 26 ، 27 ). " مريم المجدلية " : وهى من تبعت المسيح بعد أن أخرج منها سبعة شياطين ، وهى أصلاً من قرية مجدل بالقرب من مدينة طبرية. " مريم أم يعقوب الصغير ويوسى " : وهى زوجة حَلْفَى الذى يسمى أيضاً كِلُوبَا ، وهى أخت العذراء مريم ( يو 19 : 25 ). " سالومة " : هى زوجة زَبَدِى وأم يعقوب ويوحنا. هكذا ظهرت شجاعة النساء اللواتى أحببن المسيح ، فلم يستطع الخوف أن يمنعهن من تبعيته حتى الصليب ، بينما اختفى الرجال ( فيما عدا يوحنا بتدبير إلهى حتى يترك المسيح أمه العذراء فى رعايته ) !!! + هكذا أيها الحبيب. . . إذا ملك الرب المسيح بالحب على القلب ، لا يخاف الإنسان شيئاً ، بل يتبع مسيحه حتى المنتهى وسط الآلام والمصاعب. (4) الدفن ( ع 42 - 47 ) : ع 42 - 43 : " المساء " : أى قبل السبت الذى يبدأ مع غروب الجمعة. " الاستعداد " : أى الإستعداد لأكل الفصح الجمعة مساءً ، والإستعداد أيضاً للسبت أول أيام الفطير. " مشير شريف " : لقبين أطلقهما القديس مرقس على يوسف الرامى ، فلقب " مشير " يطلق على أعضاء مجلس اليهود الأعلى ( السنهدريم ) ، ولقب " شريف " تعنى كرامته ومكانته الإجتماعية ونبل أخلاقه أمام الناس. وقد كان تلميذاً للمسيح " ولكن خُفْيَةً لسبب الخوف من اليهود " ( يو 19 : 38 ) ، كما كان نيقوديموس أيضاً. تجرأ يوسف ولم يخف اليهود ، بل وضع رجاءه كله فى ملكوت الله. ولهذا ، ذهب إلى بيلاطس ليطلب الإذن بدفن جسد يسوع. ولو أن الرومان دفنوا جسد الرب يسوع ، لما تأكد لليهود أنه مات ، وبالتالى يجادلون فى قيامته. ع 44 - 45 : تعجب بيلاطس من موت المسيح السريع ، إذ أنه فى عقوبة الصلب ، كان يمكن أن يظل المصلوب أكثر من يوم معلقاً دون أن يموت. ولهذا دعا قائد المئة الذى كان مكلفاً بالتنفيذ وسأله هل له زمان قد مات. ولما تأكد من قائد المئة تمام موت المسيح ، وهب الجسد ليوسف. ع 46 : إشترى يوسف كفناً غالياً من الكتّان الأبيض الرامز للنقاوة ، وكفنه بالأطياب ولفه بِالكتَّانِ ولم يكفن التلاميذ الجسد وكان ذلك ترتيباً إلهياً حتى لا يُتهموا بسرقته. ووضع يوسف الجسد فى قبر جديد كان قد اشتراه لنفسه ، لأن الرب لم يكن له قبر خاص ، فمن يغلب الموت لا يقتنى قبراً ، ودفن الرب فيه وحده ، وبعد ذلك دحرج يوسف ومن معه حجراً كبيراً سدّ به باب القبر المنحوت. وراقب القادة الدينيون القبر ، ووضعوا عليه " الحراس وختموا الحجر " ( مت 27 : 66 ). + أخى الحبيب. . . يذكرنا يوسف الرامى هنا بمعنى روحى هام ، وهو أن من يأخذ نعمة يجب أن يغلق عليها ليحفظها ، كما نضع نحن لفافة على فمنا عند تناول جسد المسيح الأقدس. ع 47 : لم يكن فى مقدرة المريمات والنساء الوقوف أمام بيلاطس أو السنهدريم أو جماهير الشعب ، ولكنهن فعلن أقصى ما فى مقدرتهن ، فذهب الحب بهن حتى القبر والدفن ، وكأن أعينهم رفضت أن تفارق منظر جسد الحبيب حتى آخر لحظة يمكن للعين أن تراه فيها. . . + حقاً. . . طوبى وسعادة للنفس التى تتمسك بالمسيح حتى آخر لحظة ، فلها يقول : " من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلهاً وهو يكون لى ابناً " ( رؤ 21 : 7 ). أعطنا يارب ألا نغلق أعيننا كل ليلة إلا وتكون صورتك هى آخر ما نظرناه بقلوبنا. . . آمين.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح