كلمة منفعة
العُنف لا يحبه أحد من الناس.بل يكرهونه وينفرون منه ومن العنفاء.
— العنف
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 8 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 8 الاصحاح الثامن : أعماله الملوكيّة (1) بعدما قدّم لشعبه دستوره السماوي، متّحدثًا معهم بسلطان، صار يحدّثهم بلغة الحب العملي، مقدّمًا تطهيرًا وشفاءً للمرضى وتعزية للمتضايقين، وتحريرًا من سلطان الشيّاطين: لم تتم المعجزات استعراضًا لقوّة لاهوت السيّد، وإنما حملت أولاً وقبل كل شيء إعلانًا عن محبّة الله الفائقة نحو الإنسان، وقد اختار الإنجيليّون عيّنات من معجزات السيّد غير المحصاة ليقدّموا لنا فكر الله من نحونا. فالإنجيلي متّى يقدّم لنا بعد عرضه للموعظة على الجبل تطهير الأبرص اليهودي، وشفاء غلام قائد المائة الأممي، المعجزة الأولى تكشف عن رسالة السيّد نحو اليهود، ألا وهي تطهيرهم من كل دنس حلّ بهم، والثانية رسالته نحو الأمم الذين تعرّضوا للهلاك بسبب العبادة الوثنيّة. 1. تطهير الأبرص 1-4. 2. شفاء غلام قائد المائة 5-13. 3. شفاء حماة بطرس 14-17. 4. دعوته للكنيسة 18-22. 5. تهدئة الأمواج 23-27. 6. مجنونا كورة الجرجيسيّين 28-34. 1. تطهير الأبرص "ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة، وإذا أبرص قد جاء وسجد له، قائلاً: يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني" [1-2]. يقارن العلاّمة أوريجينوس بين التلاميذ الذين تقدّموا إلى السيّد على الجبل (مت 5: 1) ليسمعوا كلماته وبين الجماهير التي بقيت عند السفح ونزل السيّد إليهم، قائلاً: [إذ كان يسوع يُعلِّم على قمّة الجبل كان معه تلاميذه، هؤلاء الذين أُعطى لهم أن يعرفوا أسرار تعاليمه السماويّة، خلالها ينعم قلب العالم الجامد بمعرفة الخلاص وتنفتح عينا الأعمى اللتان اظلمّتا بظلال الهموم الأرضيّة بواسطة نور الحق... الآن إذ ينزل من الجبل تتبعه جموع كثيرة. إنهم لم يستطيعوا بطريق ما أن يصعدوا على الجبل، إذ تثقّلوا بأحمال الخطايا، فإن لم يُنزع عنهم هذا العبء لن يستطيعوا أن يرتفعوا إلى أعالي الأسرار الإلهيّة... لقد نزل إليهم الرب، أي تنازل إلى ضعفاتهم وعجزهم مُظهرًا رحمته نحو ضعفهم وبؤسهم، فتبعته الجموع: البعض لأنهم أحبّوه والكثيرون لأجل تعاليمه، وآخرون من أجل أعماله الشفائيّة وحنوّه.] وبنفس المعنى يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ أن التلاميذ وحدهم قيل عنهم أنهم صعدوا ليسوع على الجبل، لكنّه إذ نزل يسوع من الجبل تبعته الجموع، وبالحق جموع كثيرة لأن الجبل هو قمّة الفضيلة وبرج الكنيسة، حيث لا تقدر الجموع أن تأتي إلى المسيح وتقترب منها، إذ كانوا مثقّلين بالخطيّة أو الاهتمامات الزمنيّة... لكنّه بحنوّه السامي نزل إلى من هم أسفل هؤلاء الذين بسبب الضعف البشري لم يقدروا أن يسمعوه على قمّة الجبل، عندئذ تبعته الجموع.] يقول القدّيس جيروم: [بعد إلقاء عظته وتعليمه سنحت الفرصة لعمل معجزة بها يثبّت العظة التي سُمعت حالاً.] بعد إلقاء الموعظة التقى به أبرص، إذ يقول الإنجيلي: "وإذ أبرص قد جاء وسجد له، قائلاً: يا سيّد إن أردت تقدر أن تطهّرني" [2]. يرى القدّيس أمبروسيوس في تطهير هذا الأبرص صورة رمزيّة حيّة لتطهير كل إنسان قادم إلى كلمة الله الحي،ّ لينال منه تطهيرًا عن خطاياه. لهذا يقول: [في هذه الحادثة لم يعيّن البشير اسم المكان الذي تمّت فيه المعجزة، مشيرًا إلى أن الذي شفي لا ينتمي إلى مدينة معيّنة، وإنما لشعوب العالم أجمع.] يعود فيقول: [لم يُطهِّر الرب أبرصًا واحدًا، إنّما يُطهِّر الكل قائلاً: "أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذي كلّمتكم به" (يو 15: 3). فإن كان شفاء البرص يتم بواسطة كلمة الرب، فإن احتقار كلمة الرب هو البرص الذي يصيب الروح.] ويقدّم لنا هذا الأبرص صورة حيّة للصلاة الحقيقيّة من جانبين: أولاً: جاء للسيّد وسجد له قبل أن ينطق بكلمة تخص احتياجاته، وكأنه يقدّم العبادة لله والخضوع له أولاً. يطلب ما لله قبل أن يسأل ما لنفسه. بهذه الروح جعلت الكنيسة صلاة الشكر في مقدّمة كل الليتورجيّات والصلوات الجماعيّة والخاصة، مقدّمين ذبيحة الشكر لله قبل أن نسأله شيئًا لأنفسنا، معلنين حبّنا له! ثانيًا: لم يطلب الأبرص شيئًا محدّدًا لكنّه يعرض آلامه على مخلّصه، تاركًا الأمر بين يديه، فلم يقل له "طهّرني"، وإنما إن أردت تقدر أن تطهّرني. يتكلّم في ثقة وإيمان بإمكانيّة السيّد وحبّه ورعايته وحكمته، تاركًا أمر تطهيره بين يديه. بنفس الروح أرسلت أختا لعازر له قائلتين: "الذي تحبّه مريض". يُعلّق العلاّمة أوريجينوس على كلمات الأبرص وبلسانه قائلاً: [إني أعرف أنك قادر أن تفعل كل شيء. وأنا لا أسألك سلطانك، ولا أطلب قدرتك، فإني أعرف أن البشر ضعفاء، لكنّني أطلب إرادتك. فإذا ما تمتّعت بإرادتك يتبعها السلطان الذي يحقّق هذه النعمة لي... لي الربح، ولك أنت التسبيح، وللمشاهدين معرفة متزايدة للحق خلال المعجزة... أنت الذي سبق فطهّرت بخادمك إليشع نعمان الأبرص الرئيس بسوريا، آمرًا إيّاه أن يغتسل في الأردن، الآن تقدر إن أردت أن تطهّرني.] أمام هذا الإيمان "مدّ يسوع يده ولمسه، قائلاً: أريد فأطهر" [3]. إذ ترك الأبرص الأمر في يديّ ربّنا الذي يحبّه؛ وفي محبّة مدّ يده قائلاً له: "أريد فأطهر" معلنًا سلطانه على البرص وإرادته الطيّبة نحو خليقته. لكن نتساءل: لماذا مدّ السيّد يده ولمسه؟ أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل فقط وإنما تبع القول العمل في الحال".] حقًا إن السيّد هو كلمة الله صاحب السلطان الذي يقول فيكون، لكنّه ربط القول بلمس اليدّ كمثَل لنا، حتى تلتحم كلماتنا نحن أيضًا بعمل أيدينا، فلا نعيش كأصحاب كلام نظري، إنّما مع الكلمات نعمل بلا توقف. فنربط تسابيحنا وعبادتنا وقراءاتنا الإنجيليّة بأعمال المحبّة التقويّة، نحو الله والناس ونحو أنفسنا أيضًا. ليت صلواتنا تتزكّى بأعمال أيدينا بالروح القدس العامل فينا، فتصير مقبولة لدى الله! لهذا يقول الرسول: "طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها" (يع5: 16). سرّ اقتدارها ليس في الكلمات الخارجة، إنّما في الحياة المقدّسة في الرب، الحاملة لثمر الروح القدس العملي! ثانيًا: يقول القدّيس كيرلّس الاسكندري: [لقد وهبه لمسة يده المقدّسة المعتنية به، وفي الحال تركه البرص وفارقه المرض.] ما أحوجنا إلى إدراك يدّ الله المترفّقة بنا، ورؤيتنا لرعايته الإلهيّة فيزداد إيماننا به وننال أكثر ممّا نطلب. ثالثًا: بهذا التصرّف أوضح السيّد الفارق بينه وبين إليشع النبي، الذي لم يكن ممكنًا أن يلمس نعمان السرياني الأبرص، ولا خرج حتى للقائه، بل أرسل إليه يطلب منه أن يذهب إلى الأردن ويستحم فيه سبع مرّات. لقد خشيَ أن يتنجّس، أمّا السيّد فلمس الأبرص إذ لم يكن ممكنًا للبرص أن ينجِّسه بل يهرب البرص منه في الحال. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لكي يوضّح الرب أنه يشفي لا كعبد بل كسيّد مطلق، لذلك لمسه أيضًا، فإن يده لا تتدنّس من البرص، بل يُطهِّر الجسد الأبرص بيده المقدّسة.] ويقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد لمسه لكي يظهر أن كل شيء طاهر للطاهرين (تي 1: 15)، وأن دنس إنسان لا يلصق بغيره، ولا النجاسة الخارجيّة تنجّس طهارة القلب.] مرّة أخرى يقول على لسان السيد: [إني لا احتقر الناموس لكنّني أشفي الجرح! إنّني لا أكسر الوصيّة لكنّني أزيل البرص وأطهِّره، إذ أمدّ يدي يهرب البرص، ولا يقترب دنسه من كمالي، ولا يقاوم سلطاني.] رابعًا: في دراستنا لسفر حزقيال رأينا أن "اليد" تُشير إلى أقنوم الابن، ومدّها إنّما يُشير إلى ظهوره أو تجسّده، فمدّ يد السيّد ولمس الأبرص إنّما يُشير إلى ظهوره حسب الجسد في وسط اليهود، وتلامسهم معه جسديًا كما روحيًا حتى يطهَّروا من كل دنس قد تعلّق بهم. إذ طهّر الأبرص، "قال له يسوع: انظر أن لا تقول لأحد، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن، وقدّم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم" [4]. يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [لماذا أمره ألا يقول لأحد؟ حتى يتعلّم الذين ينالون من الله موهبة الشفاء ألا يطلبوا مديحًا ممن يشفونهم، ومجدًا من الآخرين، لئلا يسقطوا في الكبرياء الذي هو أشرّ الخطايا.] لماذا أمره بالذهاب إلى الكاهن؟ أولاً: أراد السيّد تأكيد احترامه للشريعة التي هي من وضعه، فإنه ما جاء لينقضها بل ليكمّلها. لقد طالبه أن يؤكّد طهارته عن طريق الكهنة - كما في الشريعة - قبل أن يلتقي به أحد. في أكثر من موضع كشف السيّد موقفه من الكنيسة اليهوديّة، أنه ما جاء ليهدم بل ليبني، فإن هدَم إنّما يهدِم ما حملته القيادات الكنسيّة اليهوديّة من رياء وحب للظهور واهتمام بالزمنيّات وحرفيّة في الفهم وشكليّة في العبادة، لكنّه ما جاء ليثور على النظام في ذاته أو الطقس إن قدّم بروحه لا في حرفيّة قاتله. لقد جاء لكي يدخل بالرمز إلى كمال ما يرمز إليه. فإن كان مجيئه ينهي الكهنوت اللاوي لا يكون هذا بتدميره، وإنما بظهور كهنوت السيّد المسيح على طقس ملكي صادق. ثانيًا: بإرساله للكهنة أراد شهادة عمليّة ملموسة بين يديّ الكهنة، ليدركوا أنه المسيّا المخلّص القادر على الإبراء من البرص. يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [سمح للأبرص بذلك شهادة لهم... فقد عُرف اليهود في كل العصور بإعلانهم عن غيرتهم على الناموس، قائلين أن موسى كان خادمًا لإرادة السماء، وقد بذلوا كل طاقتهم للتقليل من شأن المسيح كمخلّص البشر، فقالوا صراحة: "نحن نعلم أن موسى كلّمه الله، وأما هذا فما نعلم من أين هو" (يو 9: 29). لهذا كان من اللازم أن يقنعهم بهذه العلامات، أن كرامة موسى أقل من مجد المسيح. كان موسى مجرّد خادم أمين في بيت الله، أمّا المسيح فابن في بيت أبيه (عب 3: 5-6). شفاء الأبرص كان شهادة واضحة أن المسيح قد غيّر شريعة موسى بطريقة لا توصف. فإنه إذ تذمَّرت مريم أخت موسى عليه ضُربت بالبرص، وقد حزن موسى عليها حزنًا شديدًا، لكنّه عجز عن إزالة هذا المرض عنها. لقد سقط أمام الله يطلب منه: "اللهمّ اشفها" (عد 12: 13). لاحظ بعناية كيف وُجد هنا توسل مع صلاة وطلبة إلى السمو الإلهي، أمّا مخلّص البشريّة فبسلطان إلهي بحق يقول: أريد فأطهر. إذن شفاء الأبرص كان إنذارًا للكهنة، ليتعلّموا منه أن ظنّهم بأن موسى أعظم منه هو انحراف عن الحق. حقًا يليق بهم أن يكرموا موسى كخادم للناموس، معيّن للنعمة ومعروف للملائكة (غل 3: 19)، أمّا عمانوئيل فبالأكثر يُقدَّم له التسبيح والمجد بكونه ابن الآب الحق.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [عندما يراه الكاهن (اليهودي) يتحقّق أنه لم ينل الشفاء حسب الناموس، لكن أبرأته نعمة الله التي تفوق الناموس.] ثالثًا: بإرساله للكاهن أراد من اليهود أن يعيدوا النظر في طقس تطهير الأبرص (لا 14)، فيشهد لعمل السيّد المسيح الخلاصي، خاصة أمر العصفورين، حيث يذبح الواحد ويطير الآخر، إشارة إلى موت السيّد وقيامته، الأمر الذي أرجو الحديث عنه بأكثر تفصيل في دراستنا لسفر اللآويين. رابعًا: يرى القدّيسان جيروم وأمبروسيوس في هذا التصرّف توجيه السيّد لنا بالخضوع للكهنة في الرب. خامسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا التصرّف أن السيّد يعلّمنا تجنّب الكبرياء والافتخار. إن كان رب المجد الذي يشفي بسلطانه الشخصي أراد أن يخفي أعماله العجيبة، فكم بالأكثر يليق بنا نحن الذين تحت الضعف أن نخفي ما ينعم به علينا السيّد، من عطايا ومواهب ونعم، حفظًا عليها من حرب محبّة مديح الناس، التي تقتل كل عطيّة صالحة. لنتمثل بوالديّ موسى النبي اللذين أخفيا الطفل جميل الصورة في بيتهما ثلاثة شهور فلم يقتله فرعون، مقدّمين لنا العظيم في الأنبياء. هكذا لنُخفِ كل فضيلة جميلة في بيتنا ولا نعرضها لفرعون الحقيقي، شيطان حب الظهور! سادسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه قد دفعه نحو الكنيسة ليقدّم ذبيحة شكر لله، معلقًا على هذا التصرّف بقوله: [ليتنا نقدّم لله التشكّرات على الدوام، فنجعلها تسبق كلماتنا وأعمالنا.] [ليتنا لا نقدّم التشكّرات فقط من أجل البركات التي تحل بنا، وإنما من أجل البركات التي تحل بالآخرين.] ويكمّل حديثه عن أهمّية الشكر بقوله: [هذا هو الأمر الذي يحرّر الإنسان من الأرض، ويرفعنا إلى السماء، ويجعلنا ملائكة بدلاً من أن نكون بشرًا. فإن الملائكة يشكِّلون طغمة تقدّم التشكّرات لله من أجل الصالحات الموهوبة لنا، قائلين: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو2: 14).] 2. شفاء غلام قائد المائة "ولما دخل يسوع كفرناحوم جاء إليه قائد مائة يطلب إليه ويقول: يا سيّد، غلامي مطروح في البيت مفلوجًا متعذّبًا جدًا" [5-6]. لقد جاء هذا القائد الروماني يمثّل كنيسة الأمم المعذّبة جدًا في شخص العبد (الغلام) بسبب العبادة الوثنيّة، وجهلها التام عن حياة الشركة مع الله. لقد جاءت إليه تصرخ أن عبدها مطروح في البيت، مصاب بالفالج، وهكذا تقدّمت بالإيمان إلى السيّد المسيح الذي لم يقم في وسطها كما أقام في الأمة اليهوديّة، إنّما سمعت عنه خلال كلمة الكرازة، فطلبت الشفاء من الفالج الذي أصابها كل هذا الزمان. إن كان السيّد المسيح لم يولد جسديًا وسط الأمم، لكنّه يقول لهم "أنا آتي واشفيه" [7]. إنه لا يستنكف من دخوله بيتهم الذي تدنّس بالأوثان، فهو عالم أنه بحلوله فيه تتحطّم الوثنيّة وُيطرد الشرّ، ويتحقّق الشفاء الروحي للنفوس التي تتقبّله. إنه وعد يُقدّم لكل نفس تشعر بفالج الخطيّة ومرارتها، وتصرخ إلى مخلّصها في أدب ووقار، وطرح عليه أتعابها وآلامها، لتسمع صوته المحب "أنا آتي واشفيه". نعم تعال أيها الرب يسوع، لتحل بالإيمان فينا، أنت سرّ شفائنا. إذ وعده السيّد بالذهاب إلى بيته ليشفي عبده، في تواضعٍ مملوءٍ إيمانًا أجاب: "يا سيّد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي، لأني أنا أيضًا إنسان تحت السلطان. لي جند تحت يدي، أقول لهذا اذهب فيذهب، ولآخر اِئْتِِ فيأتي، ولعبدي أفعل هذا فيفعل" [8-9]. لقد فاق الأممي اليهود أصحاب المواعيد، مظهرًا تواضعًا أمام الملك المسيّا، وإيمانًا بسلطانه الفائق. + دعا (قائد المائة) نفسه غير مستحق لدخول السيّد بيته، فأظهر نفسه مستحقًا لدخوله لا في بيته بل في قلبه. فلو لم ينطق قائد المائة هذه الكلمات في إيمان وتواضع ما استطاع قلبه أن يحتمل دخول من يخاف من دخوله تحت سقف بيته. لا يُسر ربّنا كثيرًا بدخوله منزل قائد المائة قدر ما يُسر بدخوله قلبه. رب التواضع - سواء بالكلام أو العمل - جلس في منزل فرّيسي متكبّر يُدعى سمعان، ومع ذلك لم يكن في قلبه لكي يسند فيه رأسه (لو9: 58)... لم يدخل منزل قائد المائة لكنّه امتلك قلبه، أمّا زكا فقد قبل الرب في منزله كما في قلبه أيضًا (لو 19: 8). + لم يدخل (السيّد) منزل قائد المائة بالجسد؛ كان غائبًا عنه جسديًا، لكنّه كان حاضرًا فيه بجلاله، شافيًا غلامه... لقد كان الرب متجسّدًا بين اليهود وحدهم، فلم يُولد من عذراء ولا عاش بين شعوب الأمم... ومع هذا فقد تحقّق ما قيل عنه: "شعب لم أعرفه يتعبّد لي" (مز 18: 43)، ولكن كيف يتعبّد له دون أن يعرفه؟ "من سماع الأذن يسمعون لي" (مز 18: 44). لقد عرفه اليهود فصلبوه، وأما العالم كلّه فسمع عنه وآمن به. القدّيس أغسطينوس + هذا السقف سِرِّيًا هو الجسد الذي يغطّي النفس، وغلق الذهن عن معاينة السماء، لكن الله لم يستنكف من أن يسكن في جسم ولا من أن يدخل تحت سقف جسدنا! الأب خريسولوجيوس أسقف رافينا + حتى الآن يدخل تحت سقفنا خلال رؤساء الكنيسة القدّيسين والذين يُسر الله بهم... عندما تتناولون جسد الرب ودمه يدخل الرب نفسه تحت سقفكم، ففي تواضع ردّدوا: يا سيّد "لست مستحقًا..." العلاّمة أوريجينوس + كن متسلّطًا على قلبك مثل ملك، لتجلس في عمق التواضع، تأمر الضحك أن يذهب فيذهب، وتدعو البكاء الحلو أن يأتي فيأتي، والجسد العبد العاصي أن يفعل هذا فيفعل. القدّيس يوحنا الدرجي "فلما سمع يسوع تعجّب، وقال للذين يتبعون: الحق أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا بمقدار هذا. أقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتّكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. وأما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجيّة. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. ثم قال يسوع لقائد المائة: اذهب وكما آمنت ليكن لك، فبرأ غلامه في تلك الساعة" [10-13]. حقًا ليس شيء يفرِّح الله مثل إيماننا به، فقد تعجّب السيّد عندما رأى في قائد المائة هذا الإيمان في قلبه ومُعلنًا على لسانه. يقول العلاّمة أوريجينوس: [لاحظ أي أمر عظيم، هذا الذي يجعل يسوع ابن الله الوحيد يتعجّب! فإن الذهب والغنى والممالك والسلاطين في عينيه كالظل أو كزهرة تذبل، ليس شيء من هذه الأمور تجعل الله يُعجب بها أو ينظر إليها كأمر عظيم أو ثمين اللهم إلا الإيمان! بهذا يعجب الله ويكرمه، ويتطلّع إليه كأمر مقبول لديه.] يقول القدّيس أغسطينوس: [من الذي عمل فيه هذا الإيمان إلا ذاك الذي تعجّب منه؟!... أمّا كونه قد تعجّب إنّما لكي نعجب نحن أيضًا مقدّمًا نفسه مثالاً نقتدي به.] بهذا الإيمان الذي يُعجب منه السيّد ليجتذبنا إليه، انفتح حضن آبائنا إبراهيم واسحق ويعقوب ليستقبلوا المؤمنين من الأمم، بينما حُرم منه أولادهم حسب الجسد الذين رفضوا هذا الإيمان، فلم ينعموا بالنور الإلهي معهم بل يُطرحون خارجًا في الظلمة. لقد طُرد أبناء الملكوت - أي اليهود - من حضن إبراهيم، إذ يقول القدّيس أغسطينوس: [اليهود هم الذين تقبّلوا الناموس الحاوي أمثال الأمور المقبلة، لكنها إذ تحقّقت رفضوها.] ويقول القدّيس جيروم: [يدعى اليهود أبناء الملكوت، لأن سبق فملك عليهم من بين الأمم.] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد حسبهم كأبناء الملكوت هؤلاء الذين لأجلهم أُعد الملكوت، وبسبب رفضهم غضب.] يُعلّق القدّيس أغسطينوس على حرمان أبناء الملكوت من الاتكاء مع آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب هكذا: [إن كان موسى قد قدّم لشعب إسرائيل إله إبراهيم واسحق ويعقوب وليس إله آخر، فإن هذا ما فعله المسيح. إنه لم يحاول أن يرد هذا الشعب عن إلههم، لذلك يُحذّرهم بأنهم سيذهبون إلى الظلمة الخارجيّة إذ يراهم يرتدّون عن إلههم، الذي دعا الأمم من كل العالم إلى ملكوته، ليتّكئوا مع إبراهيم واسحق ويعقوب، وذلك ليس إلا لأنهم تمسكوا بإيمان إبراهيم.] يقول القدّيس جيروم: [تُدعى الظلمة خارجيّة، لأن من يسحب من عند الرب يصير النور خلفه.] أما عن البكاء وصرير الأسنان فيرى القدّيس جيروم أن هذا يُشير إلى قيامة الجسد، ليشترك مع النفس في الجزاء. [إن كان يوجد بكاء للعيون وصرير للأسنان أي للعظام، فبالحق ستكون قيامة للأجساد التي سقطت.] 3. شفاء حماة بطرس "ولما جاء يسوع إلى بيت بطرس رأى حماته مطروحة ومحمومة، فلمس يدها فتركتها الحمى، فقامت وخدمتهم" [14-15]. أعلن السيّد اهتمامه ببيت خادمه أو تلميذه، فإن كان الخادم قد سلّم حياته في يديّ السيّد مشتهيًا أن تكون كل لحظة من لحظات عمره لحساب الخدمة، يعوِّضه الرب بالاهتمام بعائلته حتى في الأمور الزمنيّة. إن كان في تطهير الأبرص اليهودي أعلن السيّد تطهيره لليهود القابلين الإيمان به، وبشفاء عبد قائد المائة أوضح شفاءه للأمم، فإنه بشفاء حماة بطرس أعلن اهتمامه بالنساء أيضًا إذ شفاها لتقوم فتخدمه. إنه يطلب خدمة كل إنسان. ويُعلّق القدّيس أمبروسيوس على شفاء حماة بطرس التي أصابتها الحمى بقوله: [ربّما كانت حماة سمعان تصوّر جسدنا الذي أصابته حُمَّى الخطايا المختلفة ودفعته نحو الشهوات الكثيرة، فإن هذه الحَمى ليست بأقل من التي تصيب الجسد، إذ تحرق القلب!... لقد كانت (حماة سمعان) مطروحة ومسمّرة وأسيرة تتألّم بسبب حُمى الجسد، وكانت الضرورة تقتضي البحث عن طبيب، لكن من يستطيع أن يشفي جراحات الروح؟! أي طبيب يقدر أن يبرئ الآخرين وهو عاجز عن إبراء نفسه؟ من يقدر أن يهب الحياة للغير وهو عاجز عن الهروب بنفسه من الموت، لأن الجميع قد ماتوا في آدم، لأنه كما بإنسان واحد دخلت الخطيّة إلى العالم وبالخطيّة الموت هكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع؟ (رو 5: 12).] 4. دعوته للكنيسة قدّم لنا معلّمنا متّى البشير أمثلة للدعوة. المثال الأول هو أن السيّد إذ رأى الجموع الكثيرة تلتف حوله أمر بالذهاب إلى العبر، فتقدّم إليه كاتب يقول له: "يا معلّم أتبعك أينما تمضي". فقال له يسوع: "للثعالب أوْجرة ولطيور السماء أوكار، أمّا ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" [18-20]. ما هي هذه الجموع الكثيرة التي التفَّت حوله إلا الطغمات السمائيّة التي تتعبّد له وتخدمه... لكنّه أمر بالذهاب إلى العبر، وكأنه قد حمل سفينة طبيعتنا البشريّة وترك سمواته ليأتي إلى أرضنا، فنلتقي به بعد العداوة التي حلّت بيننا وبينه بسبب خطايانا. لقد جاء إلينا وحلّ بيننا، فتقدّم إليه الكاتب اليهودي ممثِّلاً الأمة اليهوديّة كلها يسأله أن يتبعه، ظانًا أنه مَلكًا أرضيًا. لقد التصق به اليهود أولاً بفكرهم المادي حاسبين أنه يخلّصهم من الاستعمار الروماني ويسيطر بهم على العالم... وبفكرهم المادي هذا وجدت الثعالب الماكرة لها أوْجرة في داخلهم، وطيور السماء المتشامخة في قلوبهم أوكارًا. سلكوا بخبث الثعالب وبكبرياء الطيور، فلم يكن ممكنًا أن يجد السيّد المسيح البسيط والمتواضع موضعًا في داخلهم يسند فيه رأسه. إن كان الآب هو رأس المسيح، فإن السيّد المسيح وهو يشتهي أن يستريح في كل قلب ليدخل بالآب فيه خلال الصليب لا يجد موضعًا للمصالحة مع الخبيث المتعالي. ليهبنا الله قلوبًا متواضعة بسيطة فلا تجد الثعالب لها فينا أوْجرة ولا الطيور المتشامخة أوكارًا، إنّما يسند السيّد المسيح رأسه فيها، مقدّسا إيّاها هيكلاً مقدّسًا وسماءً ثانية، ومنزلاً له ولأبيه. يقول القدّيس أغسطينوس: [لقد رفض رب المجد إنسانًا متكبّرا من تلمذته، هذا الذي أراد أن يتبعه... لقد قال له ما معناه: إن فيك خداعًا كالثعالب وكبرياء كطيور السماء، أمّا ابن الإنسان البسيط غير المخادع والمتواضع بلا كبرياء فليس له فيك أين يسند رأسه... إنه يسند رأسه ولا يرفعها، قاصدًا التواضع.] يقول القدّيس جيروم: [إن هذا الكاتب قد رفضه (الرب) لأنه شهد المعجزات العظيمة وأراد أن يتبع المخلّص لينتفع من المعجزات. كان يتمنّى ما تمنّاه سيمون الساحر عندما أراد شراء الموهبة من بطرس، لهذا أدان المسيح إيمان هذا الكاتب وقال له: لماذا تريد أن تتبعني؟ هل من أجل الغنى والمكسب؟ إنّني فقير جدًا ليس لي مأوى أو حتى سقف يظلّلني!] ويكتب القدّيس جيروم في إحدى رسائله موضّحًا كيف نقيم الموضع الذي فيه يسند السيّد رأسه، قائلاً: [ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، فهل تخطط أنت لإقامة مبانٍ شاهقة وقاعات فسيحة؟! إن كنت تنظر أن ترث خيرات هذا العالم فإنك لا تستطيع أن تكون شريكًا مع المسيح في الميراث (رو8: 17).] المثال الثاني: "وقال له آخر من تلاميذه: "يا سيّد ائذن لي أن أمضي أولاً وأدفن أبي. فقال له يسوع: اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم" [21-22]. إن كان الكاتب الأول قد تقدّم ليتبع السيّد وبسبب تمسكه بفكره المادي ورياء قلبه حُرم من التمتّع بالتلمذة له، فإن هذا الكاتب الآخر كان يمثّل الأمم الذين مات آباؤهم في عبادة الأوثان، وفي شعور بالعوز والاحتياج تقدّموا يطلبون التلمذة له. لقد قبلهم السيّد من أجل عطشهم وجوعهم للبرّ، سائلاً إيّاهم أن يتركوا الموتى أي يتركوا آباءهم الذين فقدوا حياتهم الروحيّة وعاشوا كأموات. لعلّ هذا الكاتب كان مشتاقًا أن يتبع السيّد، وكأن العائق هو أباه الذي في سن الشيخوخة، فطلب السيّد منه أن يأذن له أن يبقى مع والده حتى يموت وعندئذ يكرِّس حياته له. طلب السيّد منه أن يترك الأموات حسب الروح أن يدفنوا من يموت حسب الجسد، أمّا هو فيتفرّغ للخدمة. وكأن السيّد أراد أن يميّز بين الأموات حسب الجسد والأموات حسب الروح. خدمة دفن الأموات حسب الجسد أمر سهل يمكن للجميع أن يقوموا به، أمّا ما هو أهم، فهو دفن الأموات حسب الروح مع السيّد المسيح ليقوموا معه، أي خدمة الكرازة بالمسيح المصلوب القائم من الأموات حتى ينعم الأموات بالروح بالقيامة الروحيّة. بمعنى آخر يسأله السيّد ألا يبكي على الميّت حسب الجسد، حتى وإن كان والده، إنّما يبكي على الميّت حسب الروح، وإن كان ليس قريبًا له حسب الدم أو الجنس! + فلتبكِ بالأحرى على الذين يتركون الكنيسة بسبب جرائمهم وخطاياهم، الذين يسقطون تحت الدينونة بسبب أخطائهم. القدّيس جيروم + كان هناك ميّت يحتاج إلى دفن، ووجد أموات أيضًا يدفنون الميّت. واحد ميّت بالجسد والآخرون أموات بالروح. + كيف يحدث موت للنفس؟ عندما لا يوجد إيمان! كيف يحدث موت للجسد؟ عندما لا توجد النفس! إذن فنفس النفس هو الإيمان. يقول المسيح: من آمن بي، وإن كان ميّتًا بالجسد، فإنه يحيا في الروح، حتى يقوم الجسد أيضًا ولا يموت بعد. القدّيس أغسطينوس + كما أن الجسد يموت بفقده النفس التي هي حياته، هكذا تموت النفس بفقدها الله الذي هو حياتها. + يريدنا أن نموت لكي نعيش، فإنّنا نعيش لكي نموت! القدّيس أغسطينوس 5. تهدئة الأمواج "ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه، وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطّت الأمواج السفينة، وكان هو نائمًا. فتقدّم تلاميذه وأيقظوه، قائلين: يا سيّد نجّنا فإنّنا نهلك. فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟ ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم. فتعجّب الناس، قائلين: أي إنسان هذا، فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه" [23-27]. دخل السيّد السفينة وتبعه تلاميذه، وفجأة حدث اضطراب عظيم، فقد عُرف بحر الجليل بالعواصف العنيفة المفاجئة، وهو بحيرة صغيرة طولها ثلاثة عشر ميلاً وأكبر أجزاء عرضها ثمانية أميال. ما حدث إنّما يقدّم لنا صورة حيّة للكنيسة في جهادها في بحر هذا العالم، فإنها تُهاجَم بعواصف شديدة يثيرها الشيطان ضدّها، إذ لا يطيق المسيح الحالّ فيها رأسًا لها، فيظن حتى التلاميذ أحيانًا أنهم يهلكون. لكن يتجلّى مسيحها الحيّ ليعطيها سلامه. وما أقوله عن الكنيسة إنّما أكرّره بخصوص المؤمن كعضو في الكنيسة المقدّسة الذي ينعم بهذه العضويّة خلال مياه المعموديّة، فيتمتّع بسكنى السيّد المسيح فيه، ويصير ملكوتًا سماويًا وهيكلاً لله. هذا لا يعني توقُّف التجارب عن مهاجمته، بل بالعكس يزداد هجومها بالأكثر من أجل السيّد المسيح الساكن فيه. لكنها تعجز عن أن تهلكه مادام المؤمن في يدّ عريسه، في سهر روحي ويقظة بلا نوم. يعلّل القدّيس يوحنا الذهبي الفم حدوث ذلك قائلاً: [لقد نام لكي يعطي فرصة لظهور خوفهم، ولكي يجعل فهمهم لما يحدث أكثر وضوحًا... لكنه لم يفعل هذا في حضرة الجماهير حتى لا يُدانوا على قلّة إيمانهم، وإنما انفرد بهم وأصلح من شأنهم، وقبل أن يُهدئ عاصفة المياه أنهى أولاً عاصفة نفوسهم موبّخا إيّاهم: لماذا شككتم يا قليلي الإيمان؟ معلّمًا إيّاهم أيضًا أن الخوف سببه ليس اقتراب التجارب إنّما ضعف ذهنهم.] هكذا يظهر السيّد المسيح معلّمًا مُحبًا وأبًا مترفّقا، يريد أن يكشف جراحاتهم ويظهر لهم ضعفهم دون أن يجرح مشاعرهم، إذ سحبّهم من وسط الجماهير ليعلّمهم عمليًا ما في قلوبهم وأذهانهم من ضعفات. إنه يقدّم لنا المثال الحق للأبوة الحانية التي لا تتساهل مع الخطيّة والخطأ، لكنها لا تشهِّر بالابن الخاطئ. تفضحه أمام نفسه لا أمام الآخرين، مرّة ومرّات، وأخيرًا إن احتاج الأمر يستخدم التأديب العلني كتوبيخه للكتبة والفرّيسيّين. في أبوّته قدّم السيّد العلاج الأصيل مُظهرًا أن سرّ التعب الحقيقي ليست الرياح الخارجيّة والعواصف الظاهرة إنّما رياح النفس غير المستقرة وأمواجها الداخليّة بسبب عدم إيمانها، لهذا هدّأ نفوسهم في الداخل وعندئذ أسكت الخارج! لقد نام السيّد في السفينة، الأمر الذي يحدث فينا حين نتعلّق بالخطايا ونتفاعل معها، ولا نترك ربّنا يسوع يعمل فينا ويقود سفينة حياتنا، لذلك يرى القدّيس جيروم أننا نوقظ السيّد بالتوبة عن خطايانا، إذ يقول: [إن كان بسبب خطايانا ينام فلنقل: "استيقظ لماذا تتغافى يا رب؟!" (مز 44: 23). وإذ تلطم الأمواج سفينتنا فلنوقظه قائلين: "يا سيّد نجّنا فإنّنا نهلك" (مت8: 25، لو8: 24).] ويرى القدّيس أغسطينوس أن نوم السيّد المسيح إنّما هو تجاهلنا الإيمان له ونسياننا إياه، فيكون المسيح الذي يحلّ بالإيمان في قلوبنا (أف 3: 17) كمن هو نائم في قلوبنا. لهذا يلزمنا أن نوقظهk أي نستدعي إيماننا به. بالإيمان الحيّ نلتقي بعريسنا القادر وحده أن يهدّئ الأمواج الثائرة ضدّنا في الداخل كما في الخارج. ويُعلّق أيضًا القدّيس أغسطينوس على هذه المعجزة سائلاً إيّانا أن نوقظ السيّد المسيح فينا بتذكُّرنا كلماته التي لها فاعليّتها فينا، إذ يقول: [البحارة هم النفوس التي تعبر هذا العالم في السفينة التي هي رمز الكنيسة. في الحقيقة كل إنسان هو هيكل الله، وقلبه هو السفينة التي تبحر ولا تغرق إن كانت أفكاره صالحة. لقد سمعتَ إهانة، فهي ريح! لقد غضبتَ، فهذه موجه! إذ تهب الرياح (الإهانات) وتعلو الأمواج (الغضب) تصبح السفينة في خطر، ويصير القلب في تهلكةk يترنّح هنا وهناك. عندما تسمع إهانة تشتاق إلى الانتقام، وتُسر بضرر الآخرين فتهلَك. لماذا يحدث هذا؟ لأن المسيح نائم فيك... إنك نسيت المسيح! أيقظه فيك، أي تذَكِّره. نبِّهه إلى اشتياقاتك بأنك تريد أن تنتقم... تذَكِّره، بتذكُّر كلماته، وبتذكُّر وصاياه... ما قلته عن الغضب ينطبق على أية تجربة أخرى. فإنه إذ تهاجمك التجربة يكون ذلك ريحًا، وإذ تضطرب يكون أمواجًا. لتوقظ المسيح! دعه يتكلّم فيك... "أي إنسان هذا فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه"؟ [27] .] ويرى القدّيس كيرلّس الكبير أن إيقاظ المسيح إنّما يعني الصراخ إليه وسط الضيقات والآلام والاتّكال عليه، إذ يقول: [المسيح حال وسط مختاريه، وإذ يسمح لهم بحكمته المقدّسة أن يعانوا من الاضطهاد يبدو نائمًا. ولكن إذ تبلغ العاصفة عنفها والذين في صحن السفينة لا يقدرون أن يحتملوا يلزمهم أن يصرخوا: "قم لماذا تتغافى يا رب" (مز 44: 23)، فإنه يقوم وينزع كل خوف بلا تأخير. إنه ينتهر الذين يحزنوننا (أي عواصف الضيق، سواء كانت في الداخل أو الخارج، إن كانت حربًا من الشيطان أو تعبًا جسدانيًا أو مشاكل)، ويحوّل حزننا إلى فرح، ويكشف لنا سماءً مضيئة بلا اضطرابات، إذ لا يحوِّل وجهه عن الذين يتّكلون عليه.] ويُعلّق القدّيس أغسطينوس أيضًا على خضوع الطبيعة له، قائلاً: [لتمتثل بالرياح والبحر! أطع الخالق! لقد أصغى البحر للمسيح وأنت ألا تنصت له؟ سمع البحر وهدأت الرياح وأنت أفلا تهدأ؟ إنّني أقول وانصح بأن ما هذا إلا عدم هدوء وعدم رغبة في طاعة كلمة المسيح... لا تدع الأمواج تسيطر على قلبك فيضطرب. فإنّنا إن كنّا بشرًا لا نيأس متى هبّت الرياح وثارت عواصف أرواحنا، إذ نوقظ المسيح فنبحر في بحر هادئ ونصل إلى موطننا.] وللعلامة أوريجينوس تعليق على هذا الحدث "تهدئة الأمواج" نقتطف منه الآتي: [لم تثر العاصفة من ذاتها بل طاعة لسلطانه: "المُصعِد السحاب من خزائنه" (مز 135: 7)، "الذي وضع الرمل تُخومًا للبحر" (إر 5: 22)... فبأمره وكوصيّته ارتفعت العاصفة في البحر... لكن قدر ما تعظُم الأمواج الثائرة ضدّ القارب الصغير، يصعد خوف التلاميذ، فتزداد رغبتهم في الخلاص بأعاجيب المخلّص. لكن المخلّص كان نائمًا، يا له من أمر عظيم وعجيب! هل الذي لا ينام ينام الآن؟! الذي يدبّر السماء والأرض، هل ينام؟... نعم إنه ينام بجسده البشري، لكنّه ساهر بلاهوته... لقد أظهر أنه حملَ جسدًا بشريًّا حقيقيًا... لقد نام في جسده، وبلاهوته جعل البحر يضطرب كما أعاد إليه هدوءه، نام في جسده لكي يوقظ تلاميذه ويجعلهم ساهرين. هكذا نحن أيضًا إذ لا ننام في نفوسنا ولا في فهمنا ولا في الحكمة بل نكون ساهرين على الدوام، نمجِّد الرب ونطلب منه خلاصنا بشغف... حقًا إن كثيرين يبحرون مع الرب في قارب الإيمان، في صحن سفينة الكنيسة المقدّسة، وسط حياة مملوءة بالعواصف، إنه نائم في هدوء مقدّس يرقب صبركم واحتمالكم، متطلّعا إلى توبة الخطاة ورجوعهم إليه. إذن، تعالوا إليه بشغف في صلاة دائمة، قائلين مع النبي: "استيقظ لماذا تتغافى يا رب؟ انتبه، لا ترفض إلى الأبد... قم عونًا واِفدنا من أجل اسمك" (مز44: 23، 26). إذ يقوم يأمر الرياح، أي الأرواح الشيطانيّة الساكنة في الهواء والمثيرة لعواصف البحر، والتي تسبب الأمواج الشرّيرة القاتلة... وتثير اضطهادات ضدّ القدّيسين وتسقط عذابات على المؤمنين في المسيح، لكن الرب يأمر الكل، وينتهر كل الأشياء، فيلتزم كل شيء بما عليه يدبّر كل الأمور ويهب النفس والجسد سلامًا، ويرد للكنيسة سلامها ويُعيد للعالم الطمأنينة... إنه يأمر البحر فلا يعصاه، ويحدّث الرياح والعواصف فتطيعه! يأمر كل خليقته فلا تتعدّى ما يأمر به، إنّما جنس البشر وحدهم هؤلاء الذين نالوا كرامة الخلقة على مثاله ووُهِب لهم النطق والفهم، هؤلاء يقاومونه ولا يطيعونه. هم وحدهم يزدرون به! لذلك فإنهم يُدانون ويعاقَبون بعدله! بهذا صاروا أقل من الحيوانات العجماوات والأشياء الجامدة التي في العالم بلا إحساس ولا مشاعر!] 6. مجنونا كورة الجرجيسيّين يذكر معلّمنا متّى البشير أن السيّد المسيح بعد عبوره إلى البرّ شفى مجنونين بكورة الجرجسيّين، بينما يذكر معلّمنا مرقس (5: 1) ومعلّمنا لوقا (8: 26) أنه شفى مجنونًا بكورة الجدريّين، فهل هما حدث واحد أم أكثر؟ إذ يكتب معلّمنا متّى لليهود ذكر "كورة الجرجسيّين" محدّدًا المدينة وهي "جرجسة"، التي تقع على الشاطئ الشرقي لبحر الجليل، وهي لا تزال خرائب تعرف باسم "كرسة" مقابل مجدلة على مسافة خمسة أميال من دخول الأردن إلى البحيرة. وهناك بين وادي سمك ووادي فيق حيث تقترب الهضاب إلى البحر ممّا يسهل لقطيع الخنازير أن يندفع مهرولاً إلى البحر. أمّا القدّيسان مرقس ولوقا فإذ هما يكتبان للأمم لم يهتمّا بالبلدة وإنما باسم المقاطعة كلها "كورة الجدريّين". ويبدو أن أحد المجنونين كان شخصيّة معروفة هناك، وأن جنونه كان شديدًا بطريقة واضحة فاهتم به القدّيسان لوقا ومرقس متجاهلين المجنون الآخر. يروي لنا الإنجيلي متّى هذه المعجزة هكذا: "ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجيسيّين استقبله مجنونان، خارجان من القبور، هائجان جدًا،حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق. وإذ هما قد صرخا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذّبنا؟" [28-29] بعد معجزة تهدئة الأمواج وإنقاذ السفينة التي هي الكنيسة قام السيّد بإنقاذ هذين المجنونين، وهما يشيران إلى عنف سطوة الشيطان على الإنسان، روحًا وجسدًا. كان المجنونان الخارجان من القبور يشيران إلى الروح والجسد، وقد خضعا لحالة من الموت بسبب الخطيّة، فقط ملك الشيطان على الروح، ففقدت شركتها مع الله، أي فقدت سرّ حياتها. وملك الشيطان على الجسد، ففقد سلامه مع الروح، وانحلّ بعيدًا عن غايته، فصارت دوافعه وأحاسيسه منصبّة نحو الذات، يطلب المتعة الوقتيّة. هذا هو فعل الخطيّة، أنها تدفن الروح والجسد كما في القبور، ويصير الإنسان كما في حالة هياج شديد لا يعرف السلام له موضع فيه، بل ولا يترك الآخرين يعبرون الطريق الملوكي. يتعثّر الآخرين، فلا ينعم بالحياة الحقيقية ويحرم الآخرين منها. مجرّد عبور السيّد في الطريق فضح ضعف الخطيّة وأذل الشيطان الذي صرخ على لسان المجنونين: "مالنا لك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذّبنا؟" هذا هو طريق خلاصنا من سلطان إبليس أن يعبّر بنا المسيّا المخلّص، الذي وحده يقيمنا من قبورنا ويحرّرنا من سلطان الخطيّة. يقول القدّيس جيروم: [إذ رأت الشيّاطين المسيح على الأرض ظنّوا أنه جاء يحاكمهم! وجود المخلّص في ذاته هو عذاب للشيّاطين.] "وكان بعيدًا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى، فالشيّاطين طلبوا إليه قائلين: إن كنت تخرجنا فأذَِن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. فقال لهم: امضوا. فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير، وإذا قطيع الخنازير كلّه قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه. أمّا الرعاة فهربوا ومضوا إلى المدينة، وأخبروا عن كل شيء، وعن أمر المجنونين، فإذا كل المدينة قد خرجت لملاقاة يسوع، ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تخومهم" [30-34]. ربّما يتساءل البعض: لماذا سمح الله للشيّاطين أن تذهب إلى قطيع الخنازير؟ ما ذنب هذه الخليقة؟ وما ذنب أصحابها؟ أولاً: لم تحتمل الخنازير دخول الشيّاطين بل سقط القطيع كلّه مندفعًا إلى البحر ومات في الحال، وكأن السيّد أراد أن يوضّح عنف الشيّاطين، فما حدث للمجنونين كان أقل بكثير ممّا حدث للخنازير... معلنًا أن الله لم يسمح للشيّاطين أن تؤذي المجنونين إلا في حدود معيّنة. يُعلن القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ما حدث للخنازير عندما دخلتها الشيّاطين، قائلاً: [هكذا تفعل الشيّاطين عندما تسيطر! هذا مع أن الخنازير بالنسبة للشيّاطين ليست ذات أهمّية، أمّا نحن فبالنسبة لهم توجد بيننا وبينهم حرب بلا هوادة، ومعركة بلا حدود، وكراهيّة بلا نهاية. فإن كان بالنسبة للخنازير التي ليس بينهم وبينها شيء هكذا لم تحتمل الشيّاطين أن تتركها ولا واحدة منها، فكم بالأكثر تصنع بنا ونحن أعداء لهم... ماذا يصنعون بنا لو كنّا تحت سيطرتهم؟! أيِّ مضارٍ شديدة لا يحدقوننا بها!! لهذا سمح الرب لهم أن يدخلوا قطيع الخنازير حتى نتعلّم عن شرّهم بما فعلوه بأجساد الحيوانات غير العاقلة، ونعرف ما يحدث لمن تمتلكهم الشيّاطين... إنه يحدث لهم ما حدث مع الخنازير.] ثانيًا: أعلن السيّد بتصرّفه هذا تقييمه للنفس البشريّة، فهو مستعد أن يترك قطيع الخنازير يهلك من أجل إنقاذ شخصين! وكما يقول القدّيس جيروم: [ليخز ماني القائل بأن أرواح الناس والبهائم واحدة من نفس العنصر... إذ كيف يكون خلاص رجل واحد على حساب غرق ألفين من الخنازير!] ثالثًا: أظهر الرب عنايته بخليقته فإنه لن تستطيع الأرواح الشرّيرة أن تدخل حتى في الخنازير بدون استئذانه. يقول القدّيس سيرينوس: [إن كان ليس لديهم سلطانًا أن يدخلوا الحيوانات النجسة العجم إلا بسماح من الله، فكم بالأحرى يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق على صورة الله!] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إننا نستطيع من أمر إخراج الشيّاطين أن نُدرك كِلا الأمرين: حنوّ الله، وشرّ الشيّاطين. شرّ الشيّاطين بإقلاقهم نفسي المجنونين، وحنوّ الله عندما صدّ عنهما الشيّاطين القاسية ومنعهم. فالشيطان الذي وجد له مسكنًا في المجنون، رغب أن يؤذيه بكل قوّته، لكن الله لم يسمح له أن يستخدم كل قوّته بكاملها... بل ألزمه بالفضيحة بقوّة بعودة الإنسان إلى حواسه، وظهور الشرّ بما حدث في أمر الخنازير.] رابعًا: ربّما سمح الله بذلك تأديبًا لأصحاب الخنازير، إذ كانت تربيتها ممنوعة حسب الناموس. أما ثمرة هذا العمل الإلهي هو إنقاذ المجنونين، ولكن للأسف لم يحتمل أهل الكورة الخسارة الماديّة، فطردوا رب المجد من كورتهم. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم [إن اللذين سقطا تحت سلطان الأرواح الشرّيرة أمكن خلاصهما منها بسهولة، أمّا الطامعون (أصحاب الخنازير) فلم يقدروا أن يحتملوا السيّد ولا أطاعوا وصيّته. الساقطون تحت سيطرة الأرواح الشرّيرة يستحقّون عطفنا ودموعنا، أمّا الساقطون تحت الطمع فهم أكثر منهم مرارة!] وإن كان القدّيس جيروم يرى في تصرّف أهل الكورة تواضعًا إذ حسبوا أرضهم ليست أهلاً لوجود السيّد عليها، ذلك كما طلب بطرس الرسول من السيّد أن يخرج من سفينته. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثامن آية (1): - ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة. ولما نزل من الجبل تبعته جموع= ورآهم وتحنن عليهم وخاطبهم ببعض ما قاله من قبل فى عظته على الجبل (لو 17:6-26) نزل من الجبل = إشارة لنزوله من السماء ليشفى طبيعتنا من الخطية (يشير لها البرص) آيات (4-2):- وإذا ابرص قد جاء وسجد له قائلا يا سيد أن أردت تقدر أن تطهرني. فمد يسوع يده ولمسه قائلا أريد فاطهر وللوقت طهر برصه. فقال له يسوع انظر أن لا تقول لأحد بل اذهب أر نفسك للكاهن وقدم القربان الذي أمر به موسى شهادة لهم. قَدَّم السيد المسيح أولاً التعاليم المحيية، ثم هاهو يقدم الشفاء. فهدف المسيح الأساسى هو التعليم وليس شفاء الأمراض، فالتعليم هو الذى سيقدم الشفاء من مرض الخطية. والإنجيليون قدموا لنا بعضاً من المعجزات التى صنعها السيد ليقدموا لنا فكر الله من نحونا. بل أن السيد المسيح كان بمعجزاته يستعلن لنا محبة الله الآب. فهو حينما يشفى أبرصاً أو أعمى أو يقيم ميت فهو يريد أن يقول إرادة الأب من نحوكم هى الشفاء والبصيرة والحياة. والآب قطعاً لا يريد لنا أن نُشفى من أمراضنا الجسدية ثم نهلك أبدياً، لكن إرادة الآب من نحونا هى شفائنا روحياً وأن تكون لنا البصيرة الروحية أى أن نعاين الله وأن تكون لنا حياة أبدية (والأمراض قد تكون وسيلة يستخدمها الله للشفاء الروحى، وهذا حدث مع بولس ومع أيوب ) والمسيح صنع معجزات مع اليهود ومع الأمم فهو يعلن أنه أتى لخلاص الجميع. والمسيح قطعاً إستخدم المعجزات لجذب الناس، وليعرفوا قوته فيقبلوا على سماع تعاليمه، وحتى الآن فالمعجزات التى تحدث بأسماء قديسين كثيرين هى لجذب مؤمنين كثيرين تنفعهم المعجزة فى تثبيت إيمانهم. أبرص= البرص هو رمز للخطية ( راجع كتاب اللاويين). وسجد = هو يقدم العبادة والخضوع قبل أن يقدم مشكلته- يطلب ما لله قبل أن يطلب ما لنفسه. ولذلك تبدأ كنيستنا فى كل مناسبة صلواتها بصلاة الشكر. إن أردت تقدر= هذه صلاة إيمان بقدرة المسيح على الشفاء أريد فأطهر= المسيح يعلن سلطانه على البرص وإرادته الطيبة نحو خليقته. وصاحب كلمات السيد وإرادته عمله مد يسوع يده ولمسه ونلاحظ أن من كان يتلامس مع أبرص يتنجس ويحتاج إلى أن يتطهر، لكن السيد الرب القدوس لم يكن ممكناً للبرص أن ينجسه، بل البرص يهرب من أمامه. وهو يدخل إلى أى نفس مهما كانت نجاستها ليطهرها. والمريض كان يحتاج إلى لمسة يد الرب ليدرك حنانه عليه، فهو لم يكن محتاجاً فقط للشفاء الجسدى، بل إلى لمسة حنان ليدرك محبة الرب له. أنظر أن لا تقول لأحد = كان اليهود فى انتظار ظهور المسيا ليخلصهم من حكم الرومان، وبهذا القول الذى إستعمله السيد مراراً كان يتجنب أن يأخذوه عنوة ليجعلوه ملكاً فتحدث ثورة وسط الشعب تثير السلطات والمسيح لم يأت ليكون ملكاً أرضياً. بل أن هذا سيثير الكهنة والكتبة فيخططون لموته قبل أن ينهى تعليمه. والسيد يهتم بالتعليم أكثر من المعجزات. أر نفسك للكاهن= فالسيد يحترم الشريعة، وهو لم يأت لينقص الناموس وهو أراد أن يُظهر للكهنة أنه قادر على شفاء البرص فيدركوا أنه المسيا. ولقد بدأ القديس متى معجزات المسيح بهذه المعجزة، فالبرص كما قلنا رمز للخطية، والمسيح أتى لشفاء البشرية من الخطية أساساً. (مر 40:1-45): فآتى إليه ابرص يطلب إليه جاثيا وقائلا له أن أردت تقدر أن تطهرني. فتحنن يسوع ومد يده ولمسه وقال له أريد فاطهر. فللوقت وهو يتكلم ذهب عنه البرص وطهر. فانتهره وأرسله للوقت. وقال له انظر لا تقل لأحد شيئا بل اذهب أر نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك ما أمر به موسى شهادة لهم. وأما هو فخرج وأبتدأ ينادي كثيرا ويذيع الخبر حتى لم يعد يقدر أن يدخل مدينة ظاهرا بل كان خارجا في مواضع خالية وكانوا يأتون إليه من كل ناحية. بدأ القديس مرقس معجزات المسيح بمعجزة إخراج روح نجس، فالمسيح أتى ليخلص البشرية من سلطان إبليس. ومرقس يكتب للرومان وبهذا يظهر قوة المسيح على الأرواح التى تخيف البشر. أماَ متى فإذ يكتب لليهود يبدأ بمعجزة شفاء أبرص، فاليهود يعرفون أن البرص هو ضربة غضب من الله، ولا يشفيه سوى الله. وقول المسيح له أر نفسك للكاهن، فهذا لأن هذا الشخص كان معروفاً بأنه أبرص، وكان معزولاً لا يستطيع أن يحيا وسط المجمع ويحتاج لشهادة من الكهنة بأنه قد برأ ليعود لحياته الطبيعية.تحنن= هذه هى محبة الرب يسوع. فإنتهره = هذه أتت بعد تحنن فلا نفهمها بأن السيد زجره، بل نبهه لعدم العودة للخطية لو(12:5-16):- وكان في إحدى المدن فإذا رجل مملوء برصا فلما رأى يسوع خر على وجهه وطلب إليه قائلا يا سيد أن أردت تقدر أن تطهرني. فمد يده ولمسه قائلا أريد فاطهر وللوقت ذهب عنه البرص. فأوصاه أن لا يقول لأحد بل امض وأر نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك كما أمر موسى شهادة لهم. فذاع الخبر عنه اكثر فاجتمع جموع كثيرة لكي يسمعوا ويشفوا به من أمراضهم. وأما هو فكان يعتزل في البراري ويصلي. يبدأ القديس لوقا أيضاً إنجيله بأول معجزات السيد وهى معجزة إخراج روح نجس، إذ يكتب لليونانيين والرومان (لو 33:4) أريد فأطهر= كلمة أريد تظهر الوهية السيد المسيح، فهولا يطلب ولا يصلى لله ليشفى المريض، بل إرادته تشفى المريض. ولاحظ قوله فأطهر لأن البرص فى نظر اليهود نجاسة. آية (16):-حين نرى السيد المسيح يصلى أفلا ندرك إحتياجنا للصلاة وحين نراه يختلى، أفلا ندرك إحتياجنا للخلوة والهدوء مع النفس والتأمل فى كلمة الله. والمسيح يصلى كممثل ونائب عنا. ونلاحظ أسلوب القديس لوقا كطبيب إذ يقول رجل مملوء برصاً= بينما أن مرقس ومتى يقولان رجلاً أبرص فلوقا كطبيب يحدد مدى إنتشار المرض. فهذا الرجل كان فى حالة متأخرة من المرض. فالبرص يمتد ويغزو الجسم. مت(5:8-13+ لو 1:7-10):- (مت5:8-13):- ولما دخل يسوع كفرناحوم جاء إليه قائد مئة يطلب إليه. ويقول يا سيد غلامي مطروح في البيت مفلوجا متعذبا جدا. فقال له يسوع أنا أتى واشفيه. فأجاب قائد المئة وقال يا سيد لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي لكن قل كلمة فقط فيبرا غلامي. لأني أنا أيضا إنسان تحت سلطان لي جند تحت يدي أقول لهذا اذهب فيذهب ولأخر ائت فيأتي ولعبدي افعل هذا فيفعل. سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعون الحق أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيمانا بمقدار هذا. وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. ثم قال يسوع لقائد المئة اذهب وكما آمنت ليكن لك فبرا غلامه في تلك الساعة. (لو 1:7-10):- ولما اكمل أقواله كلها في مسامع الشعب دخل كفرناحوم. وكان عبد لقائد مئة مريضا مشرفا على الموت وكان عزيزا عنده. فلما سمع عن يسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسأله أن يأتي ويشفي عبده. فلما جاءوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد قائلين انه مستحق أن يفعل له هذا.لأنه يحب امتنا وهو بنى لنا المجمع. فذهب يسوع معهم وإذ كان غير بعيد عن البيت أرسل إليه قائد المئة أصدقاء يقول له يا سيد لا تتعب لأني لست مستحقا أن تدخل تحت سقفي. لذلك لم احسب نفسي أهلا أن أتى إليك لكن قل كلمة فيبرا غلامي.لأني أنا أيضا إنسان مرتب تحت سلطان لي جند تحت يدي وأقول لهذا اذهب فيذهب ولأخر ائت فيأتي ولعبدي افعل هذا فيفعل. ولما سمع يسوع هذا تعجب منه والتفت إلى الجمع الذي يتبعه وقال أقول لكم لم أيجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا. ورجع المرسلون إلى البيت فوجدوا العبد المريض قد صح. هنا نحن أمام رجل اممى أى وثنى، وضابط، ولكن إهتمامه بعبد عنده يظهر تقواه، فالرومان يعاملون العبيد على انهم أقرب للحيوانات. ولكن واضح أنه تأثر بالعبادة اليهودية وعرف الله ثم سمع عن المسيح وأحبه.هذا إنسان تغير قلبه إذ تلامس مع الله. بل هو فى محبته بنى مجمعاً لليهود وفى قصة القديس لوقا نجد أن هذا القائد فى تواضع وجد نفسه غير مستحقاً أن يذهب للمسيح فطلب من اليهود ان يكلموا لهُ المسيح، أماّ القديس متى فقد أورد القصة على لسان القائد نفسه فالشيوخ اليهود هم مندوبون عنه. هذه القصة رمزياً تشير للأمم المعذبين من سلطان الشيطان والخطية عليهم وصراخهم للمسيح. أنا آتى وأشفيه فيه إعلان أن السيد المسيح أتى ليشفى الأمم كما يشفى اليهود، وأن المسيح لا يستنكف من دخول بيوت الخطاة ولا الأمم، بل هو يدخل ليشفى ويحطم الوثنية ويعطى الشفاء الروحى للنفوس. ولقد ظهرت عظمة هذا الأممى فى إيمانه أن المسيح بكلمة له سلطان على أن يشفى. تحت سقفى = فاليهود لا يدخلون تحت سقف الأمم أى بيوتهم. كثيرين سيأتون من المشارق..: هذا إعلان عن دخول الأمم للإيمان ويتكئون= هذه صورة الجلوس فى الولائم (مت 10:22،11) (عشاء العرس) أما بنو الملكوت = هم اليهود الذين رفضوا المسيح فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هم حسبوا كأبناء الملكوت لأن لأجلهم أعد الملكوت. والظلمة الخارجية هى خارج مكان الوليمة الذى ينيره المسيح بنفسه (رؤ 5:22). ولنلاحظ أن من عاش فى ظلمة داخلية يستحق أن يُلقى فى الظلمة الخارجية، كإعلان عما هو فيه. البكاء وصرير الأسنان = هذا يشير لقيامة الجسد ليشترك مع النفس فى الجزاء. آية( 10):- تعجب= نسمع مرتان ان يسوع تعجب 1) من إيمان هذا القائد الأممي 2) من عدم إيمان اليهود بنى جنسه فى الناصرة ( مر 6:6). وهناك تفسير للفروق بين قصة متى ولوقا يكمل ما سبق:- أن قائد المئة أرسل أولاً للسيد المسيح بعض اليهود إذ حسب نفسه غير مستحق أن يذهب للمسيح، ولما شعر بقبوله له ذهب بنفسه. وركز متى على كلام السيد مع قائد المئة مباشرة وركز لوقا على كلمات السيد لليهود وربما هذا بسبب أن متى يكتب لليهود فهو يريد إثارة حماستهم وغيرتهم إذ يجدوا أن الأمم لهم علاقة بالمسيح بل قد سبقوهم (رو 19:10، رو 14:11). ولوقا إذ يكتب للأمم يوضح لهم فضل اليهود فى خلاص الأمم، فالمسيح أتى منهم، وهاهم يتوسطون لشفاء الأمم، وهذا ليقبل الأمم اليهود بمحبة. لأنى أنا أيضاً تحت سلطان. لى جند= هو كقائد مئة يخضع لرئيس له ربما يكون قائد ألف وينفذ أوامره. وهو له جند أيضاً ينفذون أوامره. وهو هنا يتصور أن المسيح خاضع لسلطان الله وله سلطان على الأمراض وخلافه. وبهذا التصور لم يخطر على بال هذا القائد أن المسيح هو الله نفسه. (مت 14:8-17 + مر 29:1 – 34 + لو 38:4 –41):- (مت 14:8-17):- ولما جاء يسوع إلى بيت بطرس رأى حماته مطروحة ومحمومة. فلمس يدها فتركتها الحمى فقامت وخدمتهم. ولما صار المساء قدموا إليه مجانين كثيرين فاخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم. لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل هو اخذ أسقامنا وحمل أمراضنا. (مر 29:1 – 34):- ولما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت إلى بيت سمعان واندراوس مع يعقوب ويوحنا. وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة فللوقت اخبروه عنها.فتقدم وأقامها ماسكا بيدها فتركتها الحمى حالا وصارت تخدمهم.ولما صار المساء إذ غربت الشمس قدموا إليه جميع السقماء والمجانين. وكانت المدينة كلها مجتمعة على الباب. فشفى كثيرين كانوا مرضى بأمراض مختلفة واخرج شياطين كثيرة ولم يدع الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه. (لو 38:4 –41):- ولما قام من المجمع دخل بيت سمعان وكانت حماة سمعان قد أخذتها حمى شديدة فسألوه من اجلها. فوقف فوقها وانتهر الحمى فتركتها وفي الحال قامت وصارت تخدمهم. وعند غروب الشمس جميع الذين كان عندهم سقماء بأمراض مختلفة قدموهم إليه فوضع يديه على كل واحد منهم وشفاهم. وكانت شياطين أيضا تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول أنت المسيح ابن الله فانتهرهم ولم يدعهم يتكلمون لأنهم عرفوه انه المسيح. هنا نرى السيد المسيح يشفى حماة بطرس، فالسيد يهتم ببيت خادمه أو تلميذه، فعلى الخادم أن يقدم عمره كله للمسيح ولا يفكر فى أموره الخاصة، والمسيح يتكفل بإحتياجات بيته. وكلما خدمنا المسيح يخدمنا المسيح. فقامت وخدمتهم= دليل الشفاء الفورى والكامل ( لم توجد فترة نقاهة) فلمس يدها= المسيح كان يمكن أن يشفى بمجرد كلمة منه. ولكن كان يلمس فى بعض الأحيان المرض ليعلمنا أن جسده المقدس كان به قوة الكلمة الإلهى وهذا لنفهم أنه إذا إتحدنا بجسده المقدس يمكن للنفس أن تُشفى من امراضها وتقوى على هجمات الشياطين. وهنه المعجزة جذبت كثيرين فأتوا، والسيد شفى كثيرين. وربما من لم يحصل على الشفاء، كان هذا بسبب عدم إيمانه. والشياطين إذ رأت قدرته عرفته فلم يدعهم ينطقون فهو يرفض شهادتهم. ولوقا وحده إذ هو طبيب يصف الحمى بأنها شديدة. ونلاحظ أن بطرس لم يسأل السيد بنفسه، إنما الموجودين سألوه، وهذه الصورة محببه لدى السيد وهى تطبيق لقول يعقوب صلوا بعضكم لأجل بعض. هى صورة حية لشفاعة الأعضاء بعضها لبعض أمام رأسنا يسوع. لماذا أسكت السيد الشياطين أن تنطق بأنه إبن الله ؟ لقد تصوُر اليهود أن المسيح أت كمخلص من الرومان، فهموا بعض الآيات كما فى المزامير مثل تحطيمهم بقضيب من حديد ( مز 9:2+ مز 6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص السيد أن لا ينتشر خبر انه المسيا اولاً، حتى لايفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان، لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا إنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل الذين أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وهنا ينتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع لأن الجموع كان لها فهم سياسى وعسكرى لوظيفة المسيح. ولكن حينما أعلن بطرس أن المسيح هو إبن الله تهلل المسيح وطوب بطرس، ولكنه وجه تلاميذه للفهم الصحيح والحقيقى للخلاص وأن هذا سيتم بموته وصلبه وقيامته وليس بثورة سياسية أو عمل عسكرى ( مت 15:16-23). فالمسيح يود أن يعرف الناس حقيقته ولكن لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر ايام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله ( مت 63:26،64) ولكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحسب حالة السامعين، فإن من لهُ سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى، فمستوى السامع فى نموه هو الذى يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. الله يعطينا إذاً أن نكتشف اسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك.السيد أيضاً أنتهر الشياطين لعلمه بأن الشيطان مخادع، فهو اليوم يشهد للمسيح وغداً يشهد ضده فيضلل الناس لذلك أسكته حتى لا ينطقوا بأنه إبن الله. ملحوظة:- يبدو أن المسيح كان قد إعتاد أن يأتى لبيت بطرس لتناول الطعام وأنه أتى فى هذا اليوم لهذا الغرض، بدليل أن حماة بطرس قامت واعدت الطعام وكان السيد يأخذ معهُ تلاميذه الأخصاء يوحنا ويعقوب (مر 29:1).عموماً حماة سمعان ترمز لكل نفس أصيبت بالخطية فأقعدتها عن الحركة والخدمة فجاء المسيح ليشفيها. (متى 18:8-22 + لو 57:9-62):- (متى 18:8-22):- ولما رأى يسوع جموعا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر. فتقدم كاتب وقال له يا معلم اتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. وقال له أخر من تلاميذه يا سيد ائذن لي أن امضي أولا وادفن أبى. فقال له يسوع اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم. (لو 57:9-62):- وفيما هم سائرون في الطريق قال له واحد يا سيد اتبعك أينما تمضي. فقال له يسوع للثعالب اوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. وقال لأخر اتبعني فقال يا سيد ائذن لي أن امضي أولا وادفن أبى. فقال له يسوع دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله. وقال أخر أيضا اتبعك يا سيد ولكن ائذن لي أولا أن أودع الذين في بيتي. فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله. يقدم القديس لوقا هنا ثلاث عينات لثلاث أشخاص أرادوا أن يتتلمذوا للسيد المسيح. وذكر القديس متى مثلين منهم فقط. الأول:- هذا الإنسان رأى المسيح واحبه، نمت مشاعره تجاه السيد، لكنه لم يفهم أن تبعيته المسيح فيها حمل للصليب، لقد فرح بالمعجزات وبسلطان المسيح وربما تصوَّر أن تبعية المسيح فيها مجد أرضى، لذلك أفهمه المسيح أنه حتى المسيح وهو السيد ليس له مكان يسند رأسه فيه. ونلاحظ انه فى الحالات الثلاث كان السيد يجيب ليس بحسب قول الشخص ولكن بحسب ما فى فكره الداخلى. كثيرون يشتهون الخدمة لإمتيازاتها ولا يعرفون صليبها فيسرعون بدخول الخدمة، وما ان تصادفهم مشاكل الخدمة يسرعون بالهرب لذلك نجد السيد هنا يُظهر هذا لذلك الشخص، أن هناك تكلفة للتلمذة أوجرة = كهوف. أوكار= مآوى. وهناك تفسير موازٍ، أن المسيح لا يجد فى قلب هذا الشخص مكاناً يسند راسه فيه وذلك لرفضه الصليب، بينما وجدت الطيور رمز الكبرياء لإرتفاعها والثعالب رمز الخبث أمكنة داخل قلب هذا الشخص. إذاً نفهم من كلمات المسيح هنا أن هذا الشخص كان يطلب تبعية المسيح فى خبث ليحصل على إمتيازات كشفاء المرضى، أو المناصب العالمية، وقطعاً فهو رافض الصليب. هو ظن المسيح سيملك ملكاً عالمياً وسيملك هو معهُ (مثل سيمون الساحر) وكون السيد ليس له أين يسند رأسه فذلك لأنه سماوى، لا مكان لهُ ولا راحة لهُ على الأرض، ومن يتبعه فعليه أن يقبل هذا الوضع.ويتجرد من محبة المال والمجد الأرضى. الثانى:- هذا الشخص كان يفكر فى أن يتبع المسيح لكنه مرتبك ببعض الأمور فلربما كان له والد شيخ وكان ينتظر موته ليدفنه ثم يتبع المسيح. فهو حسن النية مشتاق للتلمذة، لكن عاقته الواجبات العائلية. مثل هذا يشجعه المسيح ليتخذ قراره، لذلك نسمع السيد يقول له إتبعنى وهنا يصرح بمشكلته ويقول له السيد دع الموتى يدفنون موتاهم= أى دع الموتى روحياً (الذين يرفضون أن يتبعوننى) يدفنون الموتى جسدياً (أى يدفنوا أباك حين يموت بالجسد طبيعياً). والمسيح هنا لا يدعو للقسوة مع الوالدين، بل معنى قوله أن هناك كثيرين سيقومون بهذا الواجب ولكن إتبعنى أنت. ومن شفى حماة بطرس قادر أن يدبر كما قلنا كل إحتياجات تلاميذه بما فيها دفن موتاهم. ولربما لو بقى لدفن والده تنطفأ الأشواق المباركة للتلمذة التى كانت داخله ويعوقه العالم. كثيراً ما منعت العواطف البشرية كثيرين من تبعية المسيح. دعوة المسيح لهذا الشخص تعنى أنا أريدك لأعمال اعظم من دفن الموتى. من يريد أن يصير تلميذاً للرب عليه أن يترك أهل العالم يعيشون حياتهم العادية، أما هو فيكرس نفسه لخدمة الملكوت. فتلميذ المسيح كرس حياته لخدمة الأحياء، ليس لخدمة الموتى، هو بخدمته يقود الناس للحياة وهذا أهم.قطعاً السيد لن يمنعه من دفن والده إذا مات، لكن المقصود عدم التعطل عن الخدمة بسبب التعلقات العاطفية الزائدة، والإنشغال بميراث الميت وتقسيمه.. الخ. ومراسيم العزاء اليهودية تمتد لشهور. الثالث:- هذا له نظرة مترددة، قلبه موزع بين المسيح والعالم. وكل من يهتم بهموم العالم أو يخشى الإضطهادات أو خسارة المال، مثل هذا لا يستطيع خدمة الإنجيل أو أن يتبع يسوع، فيسوع لا يقبل من قلبه موزع بينه وبين العالم. هذا الشخص الثالث يشبه إمرأة لوط. هذا الثالث يطلب التلمذة ولكنه بقلبه مع عواطفه البشرية تجاه أهل بيته، مثل هذا يبدأ الطريق مع المسيح لكنه لا يكمل. من يضع يده على المحراث، لابد وأن ينظر للأمام ليسير فى خط مستقيم غير ملتو، ومن ينظر للخلف يلتوى منه خط السير. وهكذا من يرتد ليهتم بالمشاعر الإنسانية ويترك خدمة المسيح بسببها، أو تفشل خدمته. لاحظ أن المسيح لا يمنع من أن يذهب هذا الشاب لوداع أهله لكن إذ يذهب هو سيبقى معهم فترة ربما تمنعه من تبعية يسوع بعد ذلك. v ونلاحظ فى إنجيل لوقا أن لوقا وضع هذه الشروط للتلمذة مباشرة قبل إرساليته السبعين رسولاً لتكون لهم دستور حياة. (مت 23:8-27 + مر 35:4-41 + لو 22:8-25):- (مت 23:8-27):- ولما دخل السفينة تبعه تلاميذه. وإذا اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة وكان هو نائما. فتقدم تلاميذه وأيقظوه قائلين يا سيد نجنا فإننا نهلك. فقال لهم ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان ثم قام وانتهر الرياح والبحر فصار هدو عظيم. فتعجب الناس قائلين أي إنسان هذا فان الرياح والبحر جميعا تطيعه. (مر 35:4-41):- وقال لهم في ذلك اليوم لما كان المساء لنجتز إلى العبر. فصرفوا الجمع وأخذوه كما كان في السفينة وكانت معه أيضا سفن أخرى صغيرة. فحدث نوء ريح عظيم فكانت الأمواج تضرب إلى السفينة حتى صارت تمتلئ. وكان هو في المؤخر على وسادة نائما فأيقظوه وقالوا له يا معلم أما يهمك أننا نهلك. فقام وانتهر الريح وقال للبحر اسكت ابكم فسكنت الريح وصار هدوء عظيم. وقال لهم ما بالكم خائفين هكذا كيف لا إيمان لكم. فخافوا خوفا عظيما وقالوا بعضهم لبعض من هو هذا فان الريح أيضا والبحر يطيعان. (لو 22:8-25):- وفي أحد الأيام دخل سفينة هو وتلاميذه فقال لهم لنعبر إلى عبر البحيرة فاقلعوا. وفيما هم سائرون نام فنزل نوء ريح في البحيرة وكانوا يمتلئون ماء وصاروا في خطر. فتقدموا وأيقظوه قائلين يا معلم يا معلم أننا نهلك فقام وانتهر الريح وتموج الماء فانتهيا وصار هدو. ثم قال لهم أين أيمانكم فخافوا وتعجبوا قائلين فيما بينهم من هو هذا فانه يأمر الرياح أيضا والماء فتطيعه. آية (23):-هذه رد على (مت 18:8) أمر بالذهاب إلى العبر، وهاهم الآن ينفذون ويركبون السفينة ليذهبوا إلى العبر. ولقد عُرِف بحر الجليل بالعواصف العنيفة المفاجئة وهو بحيرة صغيرة (13 ميل × 8 أميال) صورة هذه المركب المعذبة وسط الأمواج، هى صورة الكنيسة التى تتعرض لعواصف شديدة يثيرها الشيطان ضدها، وصورة لكل نفس بشرية تقبل المسيح داخلها رأساً لها فيثير الشيطان ضدها رياح التجارب. لكن لنصرخ طوال حياتنا للمسيح، وهو قطعاً لن يسمح للسفينة أن تغرق لسبب بسيط.... هو انه بداخلها. إذاً لنصرخ للمسيح دون أن نفقد إيماننا، ودون أن نشك ولو للحظة أن السفينة ستغرق، وإلاّ سنسمع توبيخ المسيح ما بالكم خائفين يا قليلى الإيمان. والخوف هو طاقة مدمرة ونصيب الخائفين البحيرة المتقدة بالنار (رؤ 8:21) فالخوف سببه عدم الإيمان. والخوف الصحى الوحيد هو الخوف من الله (مت 28:10 + رو 20:11) وكان هو نائماً= مثلما يحدث كثيراً فى مشاكلنا إذ نصرخ ونظن أنه لا يسمع أو أنه لا يستجيب. ويكون هذا حتى تنكشف لنا طبيعتنا الخائرة الضعيفة وينكشف لنا ضعف إيماننا ونشعر بالإحتياج للمخلص، وعندما يستجيب نُشفى من هذه الأمراض الروحية. فتأخر إستجابته هى فرصة لشفائنا ولإصلاح شأننا، قبل أن يهدئ المسيح عاصفة المياه يهدئ المسيح النفوس الهائجة المضطربة. ولنعلم أنه طالما نحن فى الجسد، وطالما كانت الكنيسة على الأرض فهناك عواصف فالعالم مضطرب.. لكن لنطمئن فالمسيح داخلنا فلن نغرق، ولكن وجوده لا يمنع التجارب. وهناك ملحوظة رائعة يقدمها القديس مرقس وكان هو فى المؤخر على وسادة نائماً= هذه رؤية شاهد عيان. ولكنه كان يركز على المسيح فلاحظ أنه كان نائماً على وسادة. وقوله فأيقظوه يشير لأن مرقس كان معهم على السفينة لكن لم يشترك فى إيقاظ السيد، فهو لم يكن مثلهم خائفاً، والسبب بسيط أنه ركز فكره فى المسيح حتى أنه إنتبه لوجود وسادة تحت رأسه، فمن يركز نظره على المسيح لا يخاف، بل هذا يمنح النفس سلاماً وسط التجربة. ونوم المسيح إثبات لكمال بشريته. ومرة أخرى فوجود المسيح فى حياتنا وفى الكنيسة لا يمنع التجارب لكن هو يحفظنا منها. وأخذوه كما كان فى السفينة (مر 36:4) أى أن المسيح كان فى السفينة يُعَلِّم ولما قرر أن يعبر بحر الجليل بسبب الزحام، إنطلقوا بالسفينة والمعلم فى مكانه وهذه أيضاً ملاحظة شاهد عيان. والعجيب أن داود النبى تنبأ عن هذه الحادثة تفصيلاً (مز 23:107-32). لنطمئن فالمسيح له قدرة على كل ما هو فوق قدرة الإنسان كالرياح والبحر.. الخ. يشير القديسين مرقس ولوقا أن التلاميذ خافوا إذ رأوا المعجزة، هم ما كانوا يخافوا من المسيح، ولكنهم خافوا الآن إذ شعروا بالسلطان الإلهى على الرياح والبحر. وهذا هو الخوف المطلوب. أما خوف عدم الإيمان فهو خوف يُهلك. من هو هذا فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه (مر 41:4) هذه شهادة بلاهوت المسيح. فهذا قيل عن يهوة " أنت متسلط على كبرياء البحر (مز 9:89،11). عموماً وجود المسيح فى الكنيسة أو فى حياتنا لا يمنع التجارب، لكن هو له سلطان عليها ومتى يريد يسكتها. لكن فائدتها أن نصرخ دائماً له ونشعر بالإحتياج إليه. وحينما يستجيب يزداد إيماننا به. (مت 28:8-34 + مر 1:5-20 + لو 26:8-39):- (مت 28:8-34):- ولما جاء إلى العبر إلى كوره الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدا حتى لم يكن أحد يقدر أن يجتاز من تلك الطريق. وإذا هما قد صرخا قائلين ما لنا ولك يا يسوع ابن الله اجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا. وكان بعيدا منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى. فالشياطين طلبوا إليه قائلين أن كنت تخرجنا فإذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. فقال لهم امضوا فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير وإذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه. أما الرعاة فهربوا ومضوا إلى المدينة واخبروا عن كل شيء وعن أمر المجنونين. فإذا كل المدينة قد خرجت لملاقاة يسوع ولما أبصروه طلبوا أن ينصرف عن تخومهم. (مر 1:5-20):- وجاءوا إلى عبر البحر إلى كوره الجدريين. ولما خرج من السفينة للوقت استقبله من القبور إنسان به روح نجس. كان مسكنه في القبور ولم يقدر أحد أن يربطه ولا بسلاسل. لأنه قد ربط كثيرا بقيود وسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود فلم يقدر أحد إن يذلله. وكان دائما ليلا ونهارا في الجبال وفي القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة. فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له. وصرخ بصوت عظيم وقال ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي استحلفك بالله أن لا تعذبني. لأنه قال له اخرج من الإنسان يا أيها الروح النجس. وسأله ما اسمك فأجاب قائلا اسمي لجئون لأننا كثيرون. وطلب إليه كثيرا أن لا يرسلهم إلى خارج الكوره. وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إليه كل الشياطين قائلين أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فإذن لهم يسوع للوقت فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير فاندفع القطيع من على الجرف إلى البحر وكان نحو ألفين فاختنق في البحر. وأما رعاة الخنازير فهربوا واخبروا في المدينة وفي الضياع فخرجوا ليروا ما جرى. وجاءوا إلى يسوع فنظروا المجنون الذي كان فيه اللجئون جالسا ولابسا وعاقلا فخافوا. فحدثهم الذين رأوا كيف جرى للمجنون وعن الخنازير. فابتداوا يطلبون إليه أن يمضي من تخومهم. ولما دخل السفينة طلب إليه الذي كان مجنونا أن يكون معه. فلم يدعه يسوع بل قال له اذهب إلى بيتك وإلى اهلك واخبرهم كم صنع الرب بك ورحمك. فمضى وأبتدأ ينادي في العشر المدن كم صنع به يسوع فتعجب الجميع. (لو 26:8-39):- وساروا إلى كوره الجدريين التي هي مقابل الجليل. ولما خرج إلى الأرض استقبله رجل من المدينة كان فيه شياطين منذ زمان طويل وكان لا يلبس ثوبا ولا يقيم في بيت بل في القبور. فلما رأى يسوع صرخ وخر له وقال بصوت عظيم ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي اطلب منك أن لا تعذبني. لأنه أمر الروح النجس أن يخرج من الإنسان لأنه منذ زمان كثير كان يخطفه وقد ربط بسلاسل وقيود محروسا وكان يقطع الربط ويساق من الشيطان إلى البراري. فسأله يسوع قائلا ما اسمك فقال لجئون لان شياطين كثيرة دخلت فيه. وطلب إليه أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية. وكان هناك قطيع خنازير كثيرة ترعى في الجبل فطلبوا اله أن يأذن لهم بالدخول فيها فأذن لهم. فخرجت الشياطين من الإنسان ودخلت في الخنازير فاندفع القطيع من على الجرف إلى البحيرة واختنق. فلما رأى الرعاة ما كان هربوا وذهبوا واخبروا في المدينة وفي الضياع. فخرجوا ليروا ما جرى وجاءوا إلى يسوع فوجدوا الإنسان الذي كانت الشياطين قد خرجت منه لابسا وعاقلا جالسا عند قدمي يسوع فخافوا. فاخبرهم أيضاً الذين رأوا كيف خلص المجنون. فطلب إليه كل جمهور كوره الجدريين أن يذهب عنهم لأنه اعتراهم خوف عظيم فدخل السفينة ورجع. أما الرجل الذي خرجت منه الشياطين فطلب إليه أن يكون معه ولكن يسوع صرفه قائلا. ارجع إلى بيتك وحدث بكم صنع الله بك فمضى وهو ينادي في المدينة كلها بكم صنع به يسوع. ولما جاء إلى العبر= أى عبروا البحيرة فى الآيات السابقة رأينا عواصف تواجه السفينة، ظهرت الطبيعة ثائرة على الإنسان، وهنا نرى أن الشيطان يواجه نفوس البشر ليحطمها ويذلها. والمسيح أتى ليخلصنا من سطوة هذا العدو المهول. بمقارنة الأناجيل الثلاثة نجد أن هناك فروق فى القصة:- 1. متى يذكر أنها حدثت مع شخصين أما لوقا ومرقس فيقولان أنها حدثت مع شخص واحد. ويبدو أنها فعلاً قد حدثت مع شخصين لكن كان أحدهما هو المشهور، أو أن أحدهما كان الأكثر شراسة ووحشية. وكان أن إكتفى مرقس ولوقا بذكر الشخص الأكثر شهرة. 2. يقول معلمنا متى أن الحادثة وقعت فى كورة الجرجسيين. ويقول مرقس ولوقا أنها فى كورة الجدريين. وهذا لأن القصة حدثت فى مدينة جرجسة وهى إحدى المدن العشر، وهذه المدينة تقع فى مقاطعة إسمها كورة الجدريين، ومتى إذ يكتب لليهود يذكر إسم البلدة فهم يعرفونها، اما مرقس ولوقا إذ يكتبان للأمم يكتبان إسم المقاطعة ونلاحظ فى القصة. 1. عنف وسطوة الشيطان على الإنسان روحاً وجسداً وكان هذا بسبب سقوط الإنسان فى الخطية.لا يلبس ثوباً = فالشيطان يفضح. 2. مجرد عبور السيد فى الطريق فضح ضعف الشيطان وأذ له فصرخ الشيطان على لسان المجنون ما لنا ولك.. أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا فإذ رأت الشيطان المسيح على الأرض ظنوا أنه جاء يحاكمهم، وجوده عذاب لهم. 3. الشياطين دفعت المجنونين للقبور كما تدفعنا لقبور نجاسة الخطية فالموت والقبور إشارة للنجاسة. ونلاحظ أنهما كانا يقطعان السلاسل التى يربطونهما بها. وكل خاطىء يتملكه روح الشر يقطع كل القيود الدينية والاجتماعية ليجرى نحو قبور الخطية ونجاسة الشهوة وهناك يؤذى نفسه ويجرحها، فالخطية نار من يحضنها يحترق وتؤذيه. 4. الشياطين تجد راحتها فى دفع الإنسان للخطية لتتلذذ بإيذائه لنفسه. هم يجدون راحتهم فى مملكتهم التى يقيمونها فى القلب الفاسد.ولكننا من قول الشياطين أجئت قبل الوقت لتعذبنا نفهم أنهم واثقين من إنهيار مملكتهم. وقولهم قبل الوقت= أى وقت الدينونة. 5. طلبت الشياطين أن تذهب لقطيع الخنازير لتسبب كراهية الناس فى هذه المنطقة للرب فيرفضه الناس، وأيضاً فهى تفرح بأى أذى يصيب الناس. 6. سمح السيد للشياطين أن تدخل فى الخنازير للأسباب الآتية:- أ‌- لم تحتمل الخنازير دخول الشياطين بل سقط القطيع كله مندفعاً إلى البحر ومات فى الحال، ومن هذا نعلم شر الشياطين. مما فعلوه بأجساد الحيوانات ونعرف ما يحدث لمن تمتلكهم الشياطين. ولكن نرى أن ما حدث للمجنونين كان أقل بكثير مما حدث للخنازير،وهذا يوضح أن الله لم يسمح للشياطين أن تؤذى المجنونين إلاّ فى حدود معنية. ب-بهذا يعلن السيد أنه يسمح بهلاك قطيع خنازير من أجل إنقاذ شخصين فنفهم أهمية النفس البشرية عنده. ج- نفهم من القصة أن الشياطين لا تقدر أن تفعل شىء، حتى الدخول فى قطيع خنازير إلاّ بسماح منه. د- كان هذا تأديباً لأصحاب الخنازير فتربيتها ممنوعة حسب الناموس. هـ لم تطلب الشياطين الدخول فى إنسان فهى تعرف أن المسيح الذى اتى ليشفى الإنسان سيرفض هذا حتماً. وهى لم تطلب الدخول فى حيوانات طاهرة يقدم منها ذبائح فالمسيح سيرفض، ولكنها تطلب الدخول فى حيوانات نجسة. ومن هذا نتعلم شىء عن عالم الأرواح....فنحن معرفنا ناقصة جداً عن عالم الأرواح فنحن لا نعرف كيف تسكن روح الإنسان فى الإنسان، ولا كيف تسكن روح شريرة فى الإنسان ولا كيف تدخل الأرواح الشريرة فى الحيوانات، ولكن من هذه القصة نفهم أن المسيح يسمح بدخول الأرواح الشريرة للحيوانات النجسة أو للإنسان الذى يحيا فى نجاسة، فمن يقبل أن يسلم حياته للشيطان ويحيا فى النجاسة يكون معرضاً لأن تدخل فيه الأرواح الشريرة وتحطم حياته. فالإنسان الذى يعيش عيشة الخنازير يتمرغ فى خطاياه يكون للشيطان سلطان عليه، ويدفعه للهلاك كما دفع الخنازير للهلاك. 7. هذان المجنونان يمثلان الإنسان أو البشرية التى بقيت زماناً طويلاً مستعبده لعدو الخير بسلاسل الخطية وقيود الشر، لا تقوى على العمل لحساب مملكة الله، تعيش خارج المدينة أى خارج الفردوس، لا تستطيع السكن مع الله فى مقدسه. وهى قد تعرت من ثوب النعمة الإلهية تؤذى نفسها بنفسها، تعيش فى البرارى منعزلة عن شركة الحب مع الله والناس.يصيح ويجرح فى نفسه = حينما يستحوذ الروح الشرير على إنسان يورثه قلقه وبؤسه. 8. أصحاب الخنازير رفضوا المسيح بسبب خسارتهم. وهذا هو منطق العالم للآن الذى يخاصم المسيح بسبب أى خسارة مادية، بل قد يرفضه بسببها. 9. المسيح عبر البحيرة وتعرضت السفينة للغرق لينقذ نفسا هذين المجنونين. 10. لجيئون = هى كلمة لا تينية تعنى لمن كان تحت حكم الرومان ويفهم لغتهم العدد الكثير والقوة والطغيان. وقيل أنها إسم فرقة رومانية قوامها ستة ألاف جندى. والمسيح بسؤاله عن إسمه يكشف قوته. ما إسمك والسؤال موجه للشيطان وليس للرجل، فالشيطان قد إمتلك الرجل وسلبه عقله وشخصيته. وسؤال السيد لإبليس هنا ما إسمك، ليعلن شخصيته أمام الناس، فالإسم هو الرمز الخارجى للشخصية. ونلاحظ أنه بعد هذا السؤال تكلم الشيطان بلغة الجمع لأننا كثيرون. 11. وطلب إليه (لو 31:8) طلب الشيطان من المسيح أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية= فالهاوية هى مكان عذاب حقيقى لهم ينتظرهم حتماً. وهذا معنى قولهم أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الوقت ( مت 29:8). والمسيح لم يرسلهم إلى الهاوية، فهذا محدد له وقت هو يوم الدينونة. 12. لاحظ قول لوقا كيف خلص المجنون آية (36). فلهذا آتى المسيح المخلص لكى يخلصنا من سطوة الشياطين ويشفينا روحياً. 13. الرعاة وجمهور الكورة الذين رفضوا المسيح مفضلين عليه أن يسكنوا مع خنازيرهم، هؤلاء يشبهون من يفضل حياة الخطية والنجاسة عن التوبة (2 بط 21:2،22). 14. علاقة خلاص هذا المجنون قبوله للمسيح إذ هو أراد أن يتتلمذ للسيد المسيح، لكن المسيح فضل أن يتحول هذا الشخص لكارز. وهذا هو الإنجيل أن مريم المجدلية التى كان بها سبعة شياطين تتحول إلى كارزة بالقيامة ولمن؟ للتلاميذ. وهذا المجنون البائس يطلب من الرب بعد أن شفاه أن يتحول إلى كارز بكم صنع به يسوع. 15. هناك من يتصور أن الشيطان أو أى قوة شيطانية لها سلطان عليه (كالأعمال والسحر والحسد). ومن هذه القصة نفهم عكس هذا. فلا سلطان للشيطان مطلق. بل المسيح له سلطان عليه. وإن كان دخول الخنازير احتاج لسماح من المسيح فهل يكون للشيطان سلطان على الإنسان الذى فداه المسيح وسكن فيه الروح القدس. أما من يفارقه الروح فللشيطان سلطان عليه (شاول الملك) والشيطان يذل من هذا الإنسان ويعذبه ليلاً ونهاراً (مر5:5) أى دائم العذاب.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن شفاء المرضى * إنتهار الرياح (1) شفاء الأبرص ( ع 1 - 4 ) : ع 1 : إذ تأثرت الجموع بكلامه ، تعلقت القلوب به ، فتبعوه ليسمعوا المزيد من عظاته0ورحب المسيح بهم ليعمل معجزاته أمامهم ، فيُثبّت إيمانهم0وسار فى السهل بجوار بحر طبرية فى طريقه إلى مدينة كفرناحوم0 ع 2 : مرض البَرصَ يظهر فى شكل بقع على الجلد ، فهو يشبه مرض البهاق الحالى ، وكذلك يمكن لبعض الأجزاء المصابة أن تنفصل عن الجسد ، فهو يشبه أيضاً مرض الجزام ، وهو يرمز للنجاسة ، ويلزم لمن يصيبه أن يُعزل عن الناس مهما كان مركزه ، ويشق ثيابه ويغطى شاربيه ويكشف رأسه0وإذا اقترب منه إنسان ينادى : " نجس ، نجس " ، حتى ينبهه ليبتعد عنه ( لا 13 : 45 ) ؛ وهذا المرض غير موجود حالياً0وفيما كان المسيح نازلاً من الجبل ( وهذا يرمز لتنازل المسيح بالحب ليشفى نجاستنا وضعفنا ) ، طهّر هذا اليهودى الأبرص ( إشارة إلى تطهير الأمة اليهودية من التعاليم الغريبة ) ورجوعها إلى وصايا الله0وقد قابل هذا الأبرص المسيح خارج المدينة ، حيث كان معزولاً ، لأنه سمع عن تعاليمه وقوته فى شفاء الأمراض0 " سجد له " : إعلاناً لإيمانه بالمسيح واتضاعه أمامه0 " إن أردت " : صيغة مهذبة فى التخاطب مع المسيح ، وتسليم لمشيئته0 " تقدر " : ثقة وإيمان بالمسيح الشافى0 + آمن بقدرة الله على غفران خطيتك ، واطلب معونته ، فيحررك منها ، ويعطيك مشاعر التوبة والإعتراف ، مهما كان ضعفك0 ع 3 : أمر المسيح الأبرص أن يطهُر ، وقَرَنَ كلامه بالفعل ، ولمسه فشُفى فى الحال ، وتغير لون جلده وعاد طبيعياً0وقد لمسه المسيح ليعلمنا أن نقرن كلامنا بالأفعال ، وليعلن سلطانه وطهارته التى لا تتأثر بلمس النجسين ، بل تطهّرهم ، لأنه هو الله القادر على التطهير0كما أننا أيضاً إن عشنا فى طهارة القلب ، لا نتنجس بالشر إن اضطرتنا الظروف لمواجهته فى العالم0 ع 4 : " لا تقول لأحد " : لأن المسيح لا يطلب الكرامة من الناس ، ولأن هدفه من المعجزات تثبيت تعاليمه وليس إبهار الجموع0وأعلن المسيح عدم نقضه للناموس ، بل تكميله بإرساله الأبرص الذى شفاه ، ليقدم ذبيحة حسب الشريعة ، بعد أن يفحصه الكاهن ويتأكد من شفائه ، وحتى تكون هذه بشارة للكهنة اليهود ليؤمنوا به ، إذ يروا أن سلطانه أقوى من سلطانهم فى القدرة على الشفاء0 " القربان " : الذى أوصت به الشريعة ، وهو عصفوران ( لا 14 : 4 )0 (2) شفاء غلام قائد المائة ( ع 5 - 13 ) : ع 5 - 6 : " جاء " : يظهر من ( لو 7 : 3 ) أنه أرسل شيوخ اليهود للمسيح ، ليطلبوا باسمه شفاء لعبده ، ونُسب المجئ هنا للقائد لأن الشيوخ مندوبون عنه0 " قائد مئة " : مسئول عن تشكيل رومانى قوامه مائة جندى ، يوجد فى المدن الكبيرة مثل كفرناحوم0وهو رجل وثنى ، ولكنه تقى ويحب اليهود0دخل يسوع بعد ذلك مدينة كفرناحوم ، وهى مدينة كبيرة فى الجليل ، فتقدم إليه قائد مائة ، وطلب منه شفاء أحد عبيده كان مصاباً بالشلل ومطروحاً فى بيته ؛ وهذا يُظهر حنان هذا القائد وعنايته بعبيده0 " متعذباً جداً " : بعض أنواع الشلل يصاحبها آلام شديدة ، أو قد يكون معذباً نفسياً من انطراحه على الفراش ، وعجزه عن الحركة والقيام بحاجته الضرورية0ويرمز هذا إلى التجاء الأمم للمسيح ، حتى يخلّصهم من الشلل الروحى الذى سقطوا فيه بعبادتهم للأوثان ، وكانت نفوسهم معذبة به0 ع 7 : أظهر يسوع محبته للأمم كما لليهود ، واستعداده لأن يدخل بيوتهم ويشفيهم ، فهو لا يحتقر الأمم ؛ وباتضاع ، مستعد أن يذهب إليهم ، لأنه تجسد لخلاص العالم كله0 " آتى وأشفيه " : هذا يعلن قدرته الكاملة على الشفاء0 ع 8 - 9 : " لست مستحقاً " : رغم مركز هذا القائد ، وتعوّد الرومان إحتقار اليهود ، أظهر هذا القائد إتضاعاً غير متوقع أمام المسيح0 " تحت سقفى " : لأن اليهود لا يدخلون بيوت الأمم ، فلا يحرج المسيح إذا دعاه لشفاء عبده0قال قائد المائة باتضاع للمسيح إنه غير مستحق أن يزوره فى بيته ليشفى عبده ، وأعلن إيمانه أن كلمة واحدة من المسيح قادرة أن تشفى0فهو قائد وله سلطان على جنوده ، فبالأولى المسيح ، الإله العظيم ، له سلطان على كل شئ0 " تحت سلطان " : أى تحت سلطة قادة فى الجيش أكبر منى ، أو تحت سلطان الملك ، مع هذا أستطيع أن آمر عبدى فيطيعنى ، فكم بالأحرى أنت القادر على كل شئ ؟! ع 10 : أُعجب المسيح بهذا الإيمان ومدحه ، معلناً أنه أعظم من أى إيمان ظهر بين اليهود0فالله عادل يعطى كل إنسان حقه فى الكرامة0 ع 11 - 12 : " المشارق والمغارب " : أى من الأمم ، وهذا إعلان واضح من المسيح أن ملكوته يشمل الأمم أيضاً مثل اليهود0أضاف أن كثيرين من الأمم سيؤمنون ويسبقون إلى الملكوت حيث إبراهيم والآباء ، وفى نفس الوقت كثيرون من اليهود ، الذين يسميهم " بنو الملكوت " ، إذ اختارهم الله شعباً خاصاً له ، وأعطاهم وصاياه ، ووُلد بينهم ليخلهم ، سيرفضون الإيمان ، فيُطرحون فى العذاب الأبدى خارج الملكوت ، الذى يعبر عنه بـ " الظلمة " حيث لا يوجد نور المسيح0 " صرير الأسنان " : يمثل العذاب والغضب واليأس0 ع 13 : وهب المسيح الشفاء بكلمته عن بُعد ، فشُفى العبد فى الحال ، وتمتع قائد المائة بالفرح لأجل إيمانه ، وهذا يُظهر أمرين هامين : (1) قدرة المسيح على الشفاء فى الحال0 (2) أهمية الشفاعة فى نظر الله ، باستجابة المسيح لطلب القائد عن عبده0 + إن طلب منك أحد خدمة ، تحنن عليه وأسرع لمساعدته ، بل ليتك تشفق على المتعبين حولك قبل أن يطلبوا منك ، وتكون مستعداً لبذل كل الجهد حتى تساعدهم ، متنازلاً عن كرامتك لأجل راحتهم ، واثقاً أن هذا هو أعظم شئ فى نظر الله ، أى عمل الرحمة0 (3) شفاء حماة سمعان ( ع 14 - 17 ) : ع 14 - 15 : " بيت بطرس " : كان له بيت فى كفرناحوم ، مع أن أصله فى بيت صيدا0 " حماته " : هذا معناه أنه كان متزوجاً ، ولم يعطله زواجه عن اتباع المسيح وخدمته0 " مطروحة ومحمومة " : يظهر من هذا أن الحمى كانت شديدة أفقدتها القدرة على الحركة والعمل0 " لمس يدها " : ليعلن للناس بطريقة ملموسة قدرته على الشفاء ، وأنه مصدر الصحة التى ستنالها المريضة0والمسيح هنا يهتم بخدامه ، فإن كانوا قد تبعوه واتكلوا عليه ، فهو يهتم بكل شئونهم ، فيشفى أمراضهم هم وأهلهم ؛ فالمسيح يعتنى عناية خاصة بأولاده الخدام0وفى هذه المعجزة أيضاً إهتمام بالنساء وترحيب بخدمتهن ، إذ عندما شفاها ، قامت لتخدمهم0ومن الناحية الروحية ، ترمز الحُمى للأمراض الروحية التى تعطل النفس عن حياتها مع الله وخدمتها له0ولكن ، عندما نلتجئ إليه ، يشفينا ونستعيد قوتنا الأولى0 ع 16 - 17 : إنتشر خبر معجزات المسيح فى كل كفرناحوم0ولأن اليوم كان سبتاً ، كما يذكر معلمنا مرقس الرسول ( 1 : 21 ) ، أتوا بالمرضى إليه عند المساء ، أى بعد إنتهاء يوم السبت الذى لا يعملون فيه شيئاً ( مر 1 : 32 )0وكانوا مرضى بأمراض جسدية مختلفة ، أو سكنتهم الشياطين وأحدثت لهم أمراض مثل الجنون ، فشفاهم جميعاً بمحبته وحنانه0فقد أتى ليرفع عنا أمراضنا ، وقد حمل كل آلامنا على الصليب وفدانا ، كما تنبأ إشعياء ( 53 : 4 )0 + الله يبحث عن المتعبين ، ويذهب إليهم لشفائهم ، كما تجسد ليرفع عنا أتعابنا0لذا ، فلنتشجع ونلتجئ إليه فى كل إحتياجاتنا ، واثقين من أبوته ومحبته ، وكذلك قدرته على حل جميع مشاكلنا0فلا نعتمد على عقولنا وإمكانياتنا أو قدرات المحيطين بنا ، فكلها بلا نفع إن لم تكن فى يد الله ؛ وبهذا يطمئن قلبنا دائماً لوجوده معنا ، ولا نقلق من أى شئ يمكن أن يحدث فى المستقبل0 (4) تبعية المسيح ( ع 18 - 22 ) : ع 18 : تبعت الجموع الكثيرة المسيح للتمتع بعظاته ومشاهدة معجزاته ، فقال لتلاميذه المقربين إليه أن يعبروا من الشاطئ الغربى لبحر الجليل إلى الشاطئ الشرقى ، وهو حوالى ستة أميال ، أى يستغرق حوالى ساعتين فى السفينة ، وذلك حتى تكون هناك فرصة لتبشير أماكن أخرى ، وأيضاً كراحة لجسده ولتلاميذه ، وحتى يهرب من اليهود الذين يريدون أن يقيموه ملكاً أرضياً يحررهم من الرومان ، لأن ملكوته أعظم من هذا ، وهو ملكوت السموات0 ع 19 : فيما هو ذاهب إلى الشاطئ ، تقدم إليه واحد من الكتبة ، وهم جماعة متقدمة بين اليهود ، عارفين بالكتب المقدسة ، لأنهم يهتمون بنسخها ، وبالتالى معرفة ما فيها0وطلب هذا الكاتب أن يكون تابعاً للمسيح فى كل مكان ، بعدما رأى سلطانه على الأمراض ، وذلك ليصير له مركزاً فى المملكة الجديدة التى يظن اليهود أنه سيقيمها على الأرض0 ع 20 : كان رد المسيح عليه أنه فقير ، ليس له مسكن يسكن فيه مثل باقى البشر ، أو حتى الحيوانات مثل الثعالب التى لها مساكن ، أى جحور تسمّى أوجرة ، ولا أيضاً مثل الطيور التى لها مساكن هى أعشاشها أى أوكارها ، بل كان يبيت فى أى مكان يستضيفونه فيه ، أو ينام أحياناً فى المركب ، وأحياناً أخرى يقضى الليل كله مصلياً فى الخفاء0ورد المسيح يُظهر أن غرض هذا الكاتب كان الحصول على مركز مادى ، وليس المحبة وطلب التلمذة له0 + إسأل نفسك فى تبعيتك للمسيح : هل من أجل محبته أم لنوال طلبات مادية ؟ وهل تتذمر إذا لم يستجب الله صلاتك ، أو تأخر فى الإستجابة ؟ حاول أن تفهم مقاصد الله ، لأن غرضه من كل معاملاته معك خلاص نفسك واقترابك إليه ، حتى لو استدعى هذا أن تمر ببعض الضيقات ، أو تنقصك بعض الأمور المادية0 ع 21 : تقدم شخص آخر من تابعى المسيح والمتتلمذين على يديه ، ولكن ليس من الإثنى عشر تلميذاً ، معلناً إستعداده للإستمرار فى تبعيته دون أى غرض مادى ، مثل الكاتب الذى طلب تبعية المسيح فى العدد السابق ، ولكن إستأذن المسيح فى دفن أبيه0وليس المقصود مجرد دفن الجسد ، ولكن مراسم الدفن والتعزية التى كانت تستغرق مدة طويلة ، وقد يرتبط بها إجراءات تقسيم الميراث ، كما أنها تعلق القلب عاطفياً بأحزان كثيرة يمكن أن تشغله عن خلاص نفسه0 ع 22 : قال له المسيح : ينبغى التركيز فى التبعية له ، وعدم الإنشغال بعادات البشر ومشاغلهم العالمية الكثيرة0 " الموتى " : يقصد الأحياء جسدياً لكن موتى بالروح ، أى غير مؤمنين بالمسيح ولا يهتمون بخلاص نفوسهم0وهؤلاء ، من أقارب وأصدقاء الميت الذين سينشغلون بمراسم الدفن والتعزية0فتعلق هذا التلميذ بالماديات الزائلة سيعطله عن الله ، فليترك الموتى بالروح ينشغلون بالماديات ، أما هو فليتفرغ لله0ويُفهم من هذا أن المسيح لا يقصد مجرد دفن جسد الميت ، ولكن عدم التعطل عن تبعيته بسبب أية تعلقات عاطفية زائدة ، وليس العاطفة العادية فى دفن الموتى ، أو محبة المحيطين بنا ، بل على العكس ، نقوم بواجباتنا نحو الوالدين وكل الأحباء من أجل الله ، وهدفنا واضح أمامنا ، وهو خلاص نفوسنا0 (5) إنتهار الرياح ( ع 23 - 27 ) : ع 23 - 24 : دخل المسيح السفينة ليعبر بحيرة طبرية ، أى بحر الجليل إلى الجانب الشرقى ، ونام داخل السفينة0 " اضطراب عظيم " : كانت بحيرة طبرية منخفضة كثيراً عن سطح البحر ، ومحاطة بالجبال ، وبالتالى معرضة لرياح فجائية تهيّج أمواجها0 " نائماً " : بالإضافة إلى أن نوم المسيح يؤكد ناسوته ، وحاجته إلى النوم والراحة ، إلا أنه كان نوماً مقصوداً حتى يمتحن إيمان تلاميذه ، ومن ناحية أخرى ، يظهر عجزهم ، رغم خبرتهم فى الصيد وركوب البحر ، فيشعروا بالحاجة لله المخلّص0واجهت السفينة رياحاً شديدة ، وارتفعت الأمواج حتى غطتها ، وكادت أن تغرق0وتشير " الرياح " للتجارب ، و" الأمواج " للعالم المضطرب ، و" السفينة " لحياتنا التى يسكنها المسيح ، ولكنه نائم ، أى غير عامل فينا ، لعدم التجائنا إليه ، واعتمادنا على قوتنا الذاتية التى يظهر عجزها أمام قسوة حروب إبليس0 ع 25 : أخيراً ، إذ تأكد التلاميذ من عجزهم ، إلتجأوا للمسيح ، معلنين أنهم هالكون ، لضعفهم أمام عنف الرياح والأمواج ، طالبين منه أن ينجيهم0 ع 26 : قبل أن يُظهر المسيح سلطانه على الطبيعة ، وبخ ضعف إيمانهم0فبعدما رأوا معجزاته ، كان ينبغى أن يثقوا ويؤمنوا بلاهوته ، فلا يخافوا من الأمواج ؛ ثم أمر الرياح والأمواج فهدأت0 " قليلى الإيمان " : إن لهم إيمان ولذلك إلتجأوا إليه ، ولكنه قليل ، بدليل خوفهم وعدم ثقتهم فى قدرته الكاملة على إنقاذهم0 " انتهر " : إعلان للاهوت المسيح وسلطانه على الطبيعة ، كأنها شخص يأمره فيطيعه0 " هُدُوَّ عظيم " : يُظهر قوة المعجزة فى سكون الرياح والأمواج حالاً وتماماً0 + إذا قابلتك تجربة أو سقطت فى خطية ، فأسرع لتوقظ المسيح النائم فيك بصلاة متضرعة واتضاع ، فينجيك ويعيد إليك سلامك0 ع 27 : أمام سلطان المسيح على الطبيعة ، وظهور قوة لاهوته ، تعجب التلاميذ ، وبدأ إيمانهم ينمو ، ومعرفتهم بالمسيح الإله الحقيقى تزيد0 (6) مجنونا كورة الجرجسيين ( ع 28 - 34 ) : ع 28 : " إلى العبر " : وصل المسيح بالسفينة إلى الشاطئ الشرقى من بحر الجليل0 " كورة الجرجسيين " : قرية موجودة بين بلاد الجدريين ، على الشاطئ الشرقى من بحيرة طبرية0أسرع نحو المسيح مجنونان كانا يسكنان فى قبور هذه المدينة0ويبدو أن أحدهما كان أكثر هياجاً من الآخر ، فذكره معلمانا مرقس ولوقا ( مر 5 : 1 - 20 ؛ لو 8 : 26 - 39 ) ، وأهملا ذكر المجنون الثانى0ومن شدة هياجهما ، قطعا الطريق على المارة ، فكان الناس يخافون المرور فى هذا الطريق0وقد سكنت الشياطين فى هذين المجنونين فأفقدتهما عقليهما ، ولم يعودا يتمتعان بالسلام الطبيعى الذى للبشر0هذا هو فعل الشياطين القاسية على البشر المتهاونين ، عندما يبتعدون عن الله0بل أكثر من هذا كانا ، بهياجهما ، يمنعان الآخرين من المرور فى هذا الطريق ، فالشيطان يحاول تعطيل الناس عن المرور فى طريق الله0 ع 29 : لم تحتمل الشياطين رؤية المسيح ، فصرخت فى ضعف وخوف من سلطانه ألا يعذبهم0وكانت تسكن فى هذين المجنونين مجموعة كبيرة من الشياطين ، وليس شيطان واحد ، لذلك تكلموا بصيغة الجمع0 " قبل الوقت " : أى قبل يوم الدينونة0 " تعذبنا " : تهلكنا وتلقينا فى العذاب الأبدى0 ع 30 - 31 : كان بجوار المدينة هضاب ترعى فيها قطعان من الخنازير يبلغ عددها حوالى ألفين ( مر 5 : 13 ) ، فطلبت الشياطين من المسيح ، إذا أراد أن يخرجهم من المجنونين ، أن يسمح لهم بالدخول فى الخنازير0وهذا يُظهر بوضوح سلطان المسيح على الشياطين ، فلا تتحرك دون إذنه ، وكذلك يُظهر شر الشياطين التى تريد قتل الخنازير لتهييج أصحابها ضد المسيح ومنع كرازته0 ع 32 : سمح لهم المسيح بدخول الخنازير ، فاندفعت من الشاطئ إلى البحر وغرقت كلها0هذا يُظهر قسوة الشياطين التى تريد إهلاكنا ، ولكن المسيح لم يسمح لهم بإهلاك المجنونين ، وسمح فقط بإهلاك الخنازير ، لأن الخنازير محرمة عند اليهود ، فتربيتها كانت ضد الناموس الإلهى0وهذا يُظهر أن الهياج والجنون الذى فى المجنونين لم يكن مرضاً عصبياً ، بل بفعل الشياطين0 " الجرف " : أى من سفح الجبل إلى حافة البحر0 ع 33 - 34 : إنزعج الرعاة جداً من قوة المعجزة ، وحزنوا لضياع ثروتهم ، وأخبروا الجرجسيين سكان المدينة ، الذين خرجوا ورأوا المسيح ، وخافوا من قوته ، وحزنوا لضياع ممتلكات المدينة ، وهى هذه الخنازير0وفى قسوة قلب ، لم يهتموا بشفاء المجنونين ، لأن تعلقهم بالماديات أعمى عيونهم ، ولم يروا النعمة الإلهية التى يمكن أن يتباركوا بها من المسيح ، بل خافوا أن يخسروا شيئاً مادياً آخر ، فطلبوا من المسيح ألا يدخل مدينتهم0تركهم المسيح لتعلقهم بالماديات ، وإن كان فى نفس الوقت أرسل المجنونين اللذين شُفيا ، ليكرزا باسمه " فى العشر المدن " ( مر 5 : 20 ) ، وهى المدن المحيطة بمدينتهما0 + إن محبة المال والماديات تعمى عينيك عن فهم أعمال الله ، بل تجعلك ترفض عمل نعمته فيك ، فتخسر سكنى المسيح فى قلبك0لذا ، حاول أن تشعر بمن حولك وتسعى لخدمتهم ، وتضحى بشئ من الماديات التى عندك ، حتى تنتبه وتنفتح عيناك ، وترى عمل الله المقدم لك0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح