كلمة منفعة
حقًا إن الله عنده حلول كثيرة..نحن نفكر في مشاكلنا بعقلنا البشرى، وعقلنا محدود، أما الله فهو غير محدود في معرفته وفي حكمته.
— حلول الرب
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 5 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 5 الأصحاح الخامس : دستور الملك (1) قدّم لنا الإنجيلي دستور الملك الذي أعلنه للشعب أو خطاب العرش، لكي تلتزم به مملكته، وقد دُعيَ بالموعظة على الجبل، إذ ألقاه السيّد المسيح جالسًا على الجبل. 1. مقدّمة الدستور 1-2. 2. التطويبات 3-12. 3. رسالة المسيحي 13-16. 4. تكميل الناموس 17-20. 5. القتل 21-26. 6. الزنا 27-30. 7. التطليق 31-32. 8. القسم 33-37. 9. مقاومة الشرّ بالخير 38-41. 10. محبّة الأعداء 42-48. 1. مقدّمة الدستور شغلت "الموعظة على الجبل" الأصحاحات الثلاثة من إنجيل معلّمنا متّى [5-7]، وقد اهتم بها آباء الكنيسة الأولى، كما شغلت أذهان الحكماء من غير المسيحيّين، بكونها تمثل دستورًا حيًا للحياة الكاملة. يقول القدّيس أغسطينوس: [فيها كل المبادئ السامية اللازمة للحياة المسيحيّة الكاملة.] بدأ الإنجيلي إعلانه هذا الدستور بهذه المقدّمة: "ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل، فلما جلس تقدّم إليه تلاميذه، ففتح فاه وعلّمهم قائلاً: [1-2]. التقى المسيّا الملك بشعبه على الجبل ليتحدّث معهم معلنًا دستور مملكته. في القديم صعد موسى النبي على الجبل ليتسلّم الشريعة بعد صوم دام أربعين يومًا، مع استعدادات ضخمة التزم بها الكهنة واللاويون والشعب، ولم يكن ممكنًا لأحد غير موسى أن يتسلّم الشريعة أو يسمع صوت الله، إنّما يرون الجبل يدخن والسحاب الكثيف يحيط به والرعود ترعب، أمّا الآن فقد نزل كلمة الله في شكل العبد ليجلس مع بنيّ البشر على الجبل يتحدّث معهم مباشرة وفي بساطة. يقول القدّيس أغسطينوس [يُشير (الجبل) إلى النفس العالية، هذه التي ارتفعت فوق الأمور الزمنيّة محلِّقة في السماويات. على هذا الجبل تظهر مدينة الله المقدّسة التي لا يمكن إخفائها، فتظهر الكنيسة المقدّسة متحلّية في حياة القدّيسين. وعلى هذا الجبل المقدّس يصعد الرب بنفسه ليتحدّث مع شعبه، فيكون الجبل شاهد حق له خلال الحياة المقدّسة العمليّة.] يُشير الجبل أيضًا إلى تلك النفوس العالية التي للآباء والأنبياء في العهد القديم وللتلاميذ والرسل في العهد الجديد بكونهم جميعًا يمثّلون جبلاً واحدًا مرتفعًا إلى الأعالي، فقد جلس السيّد عليه يتحدّث، لأن هذا هو غاية الناموس والنبوّات أن يقودنا إلى المسيّا المخلّص، وهذا هو غاية كرازة التلاميذ والرسل أن ندخل إلى المسيّا ونسمع له. إذ جلس السيّد على الجبل "تقدّم إليه تلاميذه". وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [ليكونوا قريبين منه بالجسد ليسمعوا كلماته، كما هم قريبون منه بالروح بتنفيذ وصاياه.] حقًا كلما دخلنا إلى الوصيّة الإلهيّة خلال ممارستها يدخل بنا الروح القدس الذي يسندنا في تنفيذها إلى أعماقها كما إلى جبل عالٍ لنجد يسوعنا يتحدّث معنا بفمه الإلهي، يناجينا ونناجيه. "ففتح فاه وعلّمهم قائلاً..." لم يعتد الله أن يحدّثنا بفمه الإلهي مباشرة، إنّما كان يعلّمنا خلال أعماله معنا ورعايته الدائمة، كما حدّثنا خلال النبوّات المستمرّة، أمّا الآن فقد جاء يحدّثنا بفمه حديثًا مباشرًا. تعبير "ففتح فاه" في اليونانيّة يُشير إلى أهمّية الحديث ووقاره من ناحية، ومن الناحية الأخرى أن ما يُقال يصدر عن المتكلّم مباشرة، ليس نقلاً عن الآخرين، أي أنه من وحي فكره ومن أعماق قلبه. لقد فتح السيّد فاه ليحدّثنا عن أهم رسالة وهي دستوره، تكشف عمّا في داخله وتُعلن أسراره الداخليّة من نحونا. إنها تفتح قلبه لنا. وقد جاء الفعل "علّمهم" في اليونانيّة بصيغة الماضي المستمر، وكأن معلّمنا متّى الإنجيلي يقول بأن يسوع فتح قلبه وكان دائم التعليم. إنه يريد أن يدخل بكل شعبه إلى أسراره القلبية ليتعلّموا أسرار محبّته لهم. 2. التطويبات بدأ المسيّا الملك دستوره بالجانب الإيجابي، فلم يتحدّث عن الممنوعات بل جذبهم إلى "الحياة الفاضلة"، كاشفًا لهم عن مكافأتها، ليحثّهم عليها. يقول القدّيس أغسطينوس: [مادمنا نحب المكافأة، يلزمنا ألا نهمل الجهاد لبلوغها. لنلتهب شوقًا نحو العمل للحصول عليها.] أ. طوبى للمساكين بالروح ما هي "المسكنة بالروح" إلا حياة التواضع، خلالها يدرك الإنسان أنه بدون الله يكون كلا شيء، فينفتح قلبه بانسحاق لينعم ببركاته. فإن كانت خطيّة آدم الأولى هي استغناءه عن إرادة الله بتحقيق إرادته الذاتيّة، لذلك جاء كلمة الله الغني بحق مفتقرًا من أجلنا، ليس بالإخلاء عن أمجاده فحسب، وإنما بإخلائه أيضًا عن إرادته التي هي واحدة مع إرادة أبيه. كنائبٍ عنّا افتقر ليتقبّل غنى إرادة أبيه الصالح، قائلاً: "لتكن لا إرادتي بل إرادتك". إن كان الكبرياء هو أساس كل سقطة فينا، فإن التواضع أو مسكنة الروح هو مدخلنا للملكوت: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" [3]. + كما أن الكبرياء هو ينبوع كل الشرور هكذا التواضع هو أساس كل ضبط للنفس. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + بالحق ليس للتطويبات أن تبدأ بغير هذه البداية، مادامت موضوعة لأجل بلوغ الحكمة العالية "رأس الحكمة مخافة الرب" (مز 111: 10)، ومن الناحية الأخرى "الكبرياء أول الخطايا" (حكمة يشوع 10: 15). إذن ليبحث المتكبّر عن الممالك الأرضيّة ويحبّها، ولكن "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات". القدّيس أغسطينوس + حقًا أي فقر أشد وأقدس من أن يعرف إنسان عن نفسه أنه بلا قوّة ليدافع بها عن نفسه، طالبًا العون اليومي من جود غيره، وهكذا يعلّم أن كل لحظة من لحظات حياته تعتمد على العناية الإلهيّة... فيصرخ إلى الرب يوميًا : "أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي" (مز 40: 17). الأب إسحق + لقد وضع هذا (التواضع) كأساس يقوم عليه البناء في أمان، فإن نُزع هذا عنّا حتى وإن بلغ الإنسان السماوات ينهار تمامًا، ويبلغ إلى نهاية خطيرة، بالرغم من ممارسته الأصوام والصلوات والعطاء والعفّة وكل عمل صالح. بدون التواضع ينهار كل ما تجمعه داخلك ويهلك. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + المسكين بالروح وديع، يخاف كلمة الله، ويعترف بخطاياه، ولا يغتر باستحقاقاته وببرّه. المسكين بالروح هو من يسبّح الله حين يأتي عملاً صالحًا، ويشكو نفسه حين يأتي سوءًا. المسكين بالروح هو من لا يرجو سوى الله، لأن الرجاء فيه وحده لا يخيب. المسكين بالروح يتخلّى عن كل ماله ويتبع المسيح... وإذ يتحرّر من كل حمل أرضي يطير إليه كما على أجنحة. القدّيس أغسطينوس ب. طوبى للحزانى الإنسان المتواضع ينطلق بالروح القدس إلى "الحزن الروحي"، حيث يدرك خطاياه ويشعر بثقلها مقدّمًا التوبة الصادقة. إنه يتلمّس أيضًا الضعف البشري فيحزن من كل نفس ساقطة. وإن كان السيّد بلا خطيّة، لكنّه انطلق بنا أيضًا إلى هذا الباب "الحزن الروحي"، فكان في لقائه مع الأشرار، "حزينًا على غلاظة قلوبهم" (مر 3: 5). وعند دخوله أورشليم بكى من أجل قسوة قلوبهم. وهكذا وُجد السيّد باكيًا، لكنّه لم يوجد قط ضاحكًا! حقًا لقد كان بشوشًا يسكب سلامه على الآخرين، لا يعرف العبوسة، لكنّه لم يُوجد قط ضاحكًا. حمل القدّيس بولس روح سيّده، فقضى سنوات خدمته يبكي بدموع من أجل خلاص كل إنسان، فيقول: "إن لي حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبي... لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو 9: 2-3). كما يقول: "لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة" (2 كو 2: 4). + الحزن هو التأسّف بسبب فقدان أشياء محبوبة، غير أن الذين يهتدون إلى الله يفقدون تلك الأشياء التي اعتادوا اقتنائها في هذا العالم كأشياء ثمينة، لأنهم لا يفرحون فيما بعد بما كانوا يبتهجون به قبلاً. فإذا وُجدت فيهم محبّة الأشياء الأبديّة. فإنهم يكونون مجروحين بقدرٍ ضئيل من الحزن. لهذا يتعزّون بالروح القدس الذي دعي بسبب ذلك "الباركليت" أي المعزّي، حتى يتمتّعوا إلى التمام بما هو أبدي بفقدانهم المتع الوقتيّة. القدّيس أغسطينوس + لا يُشير هنا ببساطة إلى كل الذين يحزنون بل الذين يحزنون على الخطايا، حيث أن النوع الآخر من الحزن هو ممنوع بالتأكيد، هؤلاء الذين يحزنون لأجل أمر يخصّ هذه الحياة (الزمنيّة). هذا ما أعلنه بولس بوضوح بقوله: "حزن العالم ينشئ موتًا، وأما الحزن الذي بحسب مشيئة الله فينشئ توبة لخلاص بلا ندامة" (راجع 2 كو 7: 10)... إنه يأمرنا أن نحزن ليس فقط على أنفسنا، وإنما أيضًا من أجل شرور الآخرين. هذه النزعة اتّسمت بها نفوس القدّيسين مثل موسى وبولس وداود. نعم هؤلاء جميعًا كانوا يحزنون مرّات كثيرة عن خطايا لا تخصّهم... حينما يهب الله تعزية فإنه وإن حلّت بك أحزان بالآلاف تصير كطبقات ثلجيّة تقف فوقها (تهبك برودة). حقًا إن ما يقدّمه الله أعظم بكثير جدًا ممّا نتحمّله من أتعاب! القدّيس يوحنا الذهبي الفم + سفر طويل بدون دموع لا يكشف عن الرغبة في رؤية الوطن. إن كنت ترغب فيما لست فيه فأسكب دموعك. وإني أسألك أن تقول لله: لقد وضعت دموعي أمام وجهك (مز55: 9). وأن تقول له: أصبح دمعي خبزي ليلاً ونهارًا! أصبح دمعي خبزًا لي: تعزّيت به حين انتحبت، واغتذيت منه حين جُعتُ. وأي بار خلا من هذه الدموع؟ إن من لم تكن له هذه الدموع لا يكتئب على غربته. + أطفئ لهيب الخطيئة بدموعك، وابْكِ أمام الرب! اِبكِ مطمئنًا أمام الله الذي صنعك، والذي لا يحتقر ما صنعته يداه. + إن من يبكي ههنا يلقى تعزيته حيث يخشى أن يبكي من جديد! + لتكن الدموع نصيبي الآن حتى تتعرّى نفسي من أوهامها ويلبس جسمي الصحّة الحقّة التي هي الخلود. ولا يقل لي أحد: أنت سعيد؛ لأن من يقول لي أنت سعيد يريد أن يغويني! القدّيس أغسطينوس + كما أنه إذا سقط المطر على الأرض أنبتت وأنتجت الثمار، وفي ذلك راحة وفرح للناس، كذلك الدموع إذا ما وقعت على قلب أثمرت ثمارًا روحيّة وراحة للنفس والجسد معًا. القدّيس مقاريوس الكبير + الإنسان المتسربل بثوب الأنين المقدّس الذي أنعم به الله عليه، يكون كمن ارتدى ملابس العُرس ويعرف فرح النفس الروحي. + لا يستطيع أحد أن يعارض في أن الدموع التي تُسكب من أجل الله مفيدة ومُجْدية، سوف ندرك فائدتها وقت رحيلنا من هذا العالم. + الشخص الذي يطوي طريقه في حزن وأنين مستمر من أجل حب الله، هذا لا ينقطع عن السعادة والفرح كل يوم. القدّيس يوحنا الدرجي ج. طوبى للودعاء الحزن الدائم على خطايانا وخطايا الآخرين يصقل النفس فيجعلها وديعة، لا يقدر أمر ما - مهما بلغت خطورته - أن يفقدها سلامها الداخلي، فالوداعة في حقيقتها ليست استكانة، لكنها قوّة الروح الداخلي الذي يدرك أسرار الخلاص الأبدي فلا تربكه الأمور الزمنيّة. يتفهّم رسالته الحقيقية، فلا يتأثّر بالتفاهات الباطلة. إنه كالأسد الذي لا يهتز أمام من يظن أنه يستفزّه، وليس كالعصفور الذي يتأثّر جدًا لأية حركة تصدر عن طفل صغير، هكذا النفس الوديعة إذ تدرك إمكانيّات الله فيها، وتتفهّم قوّة الروح، تحيا بوداعة داخليّة تنعكس على التصرّفات الخارجيّة. الكلمة اليونانيّة هنا المترجمة "ودعاء" إنّما تستخدم لوصف الحيوانات المستأنسة، وكأن السيّد يطوّب طبيعتنا التي كانت قبلاً شرسة، وقد خضعت لله مروّضها، فتحوّلت إلى كائن أليف بعدما كانت عنيفة مع الآخرين بل ومع نفسها صارت وديعة وخاضعة، قد رُوِّضت غرائزها ودوافعها. أمّا المكافأة فهي أن ترث الأرض التي هي "الجسد الترابي"، فبعدما كان شرسًا ومقاومًا للروح صار خادمًا لها ملتهبًا بنار الروح القدس. ولئلا تُفهم الوداعة كحياة خنوع أو ضعف قدّم السيّد نفسه مثالاً للوداعة، بقوله: "تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب"، ليس لأنه كان محتاجًا إلى ترويض، بل بوداعته الطبيعيّة غير المكتسبة يُروِّضنا. يهبنا حياته فينا فتحمل وداعته داخلنا. إذ يحسب العالم أن الشخص الوديع يفقد الكثير بسبب خبث الأشرار ومكائدهم، لهذا أكّد السيّد أن المكافأة هي "ميراث الأرض". وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [أن الأرض هنا تُفهم بالمعنى الحرفي، بينما يظن أن الوديع يفقد ماله، يعد المسيح عكس ذلك، إنه لا يحثّنا بالبركات العتيدة فحسب بل وبالبركات الحاضرة أيضًا... لكن ما يقوله لا يعني أنه يحدّد المكافأة في الأمور الحاضرة، وإنما يربطها بالعطايا الأخرى أيضًا. ففي حديثه عن الأمور الروحيّة لا يستبعد الأمور الخاصة بالحياة الزمنيّة، ولا أيضًا بوعده بالأمور الخاصة بالحياة الحاضرة يُحد الوعد عند هذا.] ويرى القدّيس أغسطينوس: [أن الأرض هنا إنّما تعني أرض الأحياء الواردة في سفر المزامير (142: 5)، حيث تستقرّ فيها النفس بالتدبير، وذلك كما يستريح الجسد على الأرض ويتقوّت بطعامها.] ويمكننا تفسير "الأرض" هنا رمزيًا بكونها الأشرار الذين يرتبطون بالأرضيّات، فإنّنا إذ صرنا بالمسيح يسوع ربّنا سماءً نستطيع بوداعة المسيح السماوي أن نربح هذه الأرض ونرثها لكي تصير هي أيضًا سماءً، إذ يتقبّل الأشرار الحياة السماويّة فيهم. وتُشير الأرض إلى الجسد، فإنه خلال الوداعة الداخليّة والمنعكسة على تصرفاتنا مع الآخرين ليس فقط يخضع لنا الآخرون روحيًا ويتحوّلون إلى سماء بالروح القدس العامل فيهم، وإنما يخضع حتى جسدنا لنا فلا يكون مقاومًا للروح. ويحذّرنا القدّيس أغسطينوس من أن يصير ميراثنا للأرض بالمفهوم الحرفي هو هدفنا، إذ يقول: [إنكم ترغبون في امتلاك الأرض، ولكن احذروا من أن تمتلككم هي. إنكم ستمتلكونها إن صرتم ودعاء، وستمتلككم إن لم تكونوا هكذا. عند سماعكم هذه الجعالة، أي امتلاك الأرض، لا تبيحوا لأنفسكم الطمع الخفي.] + تريد الآن أن ترث الأرض، حذار من أن ترثك الأرض. إن كنت وديعًا ورثتها، أو قاسيًا ورثَتكََ... سوف ترث الأرض حقًا متّى استمسكت بصانع السماء والأرض! + ماذا ينفعك صنع العجائب بكبرياء، إذا لم تكن وديعًا ومتواضع القلب؟! ألم توضع في مصاف القائلين أخيرًا: ألسنا باسمك تنبّأنا؟ وباسمك صنعنا آيات كثيرة؟ وماذا يسمعون؟ لا أعرفكم، ابعدوا عني يا فاعلي الإثم. القدّيس أغسطينوس + يجد الرب راحة في القلوب الوديعة، أمّا الروح المضطربة فهي كرسي للشيطان. الودعاء يرثون الأرض، أو بالأحرى يسيطرون عليها، أمّا ذوو الخلق الشرّير فيطردون من أرضهم. القدّيس يوحنا كليماكوس يتحدّث القدّيس أمبروسيوس في كتابه الأول عن "واجبات الكهنة" عن الوداعة التي يلتزم بها المسيحي خاصة الكاهن كحياة داخليّة تمسّ كيانه في الداخل، وتمتد إلى كل تصرفاته، حتى في عبادته وكرازته، نقتطف منها: + ما أجمل فضيلة الوداعة، وما أعذب رقَّتها حتى تبدو لا في تصرفاتنا فحسب، بل وفي كلماتنا أيضًا حتى لا تتجاوز الحدود اللائقة في أحاديثنا، بل وحتى لا تكون نبرات هذه الكلمات ونغماتها مستهجنة، بل تصبح كلماتنا مرآة تعكس صورة الذهن... حتى في التسبيح والترتيل ينبغي أن ندرك أن الوداعة هي القاعدة الأولى الجديرة بالأتباع... ومن أهم مظاهر الوداعة الصمت، حتى تستقرّ كل الفضائل الأخرى. ولا يُلام الصمت إلا إذا كان نابعًا عن روح الكبرياء أو أعمال الطفولة... لا شك أن هناك وداعة في نظرات العين؛ وهذه الوداعة بدورها تنزع من المرأة تلك الرغبة في التملّي بطلعة الرجال، أو الرغبة في أن يتطلّع إليها الرجال... وفي صلواتنا نفسها تكون الوداعة مقبولة ومرضيّة جدًا، وتكسبنا نعمة عظيمة لدى الله... وأكثر من ذلك، يجب أن نتمسّك بالوداعة في حركاتنا وملامحنا وفي طريقة سيرنا ومشينا، لأنه - في الغالب - تفصح حركات الجسد عن حالة العقل. القدّيس أمبروسيوس د. طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ إذ يحمل المؤمن وداعة المسيح في داخله يرث الأرض التي تطلب بالأكثر أن ترتوي بالمسيح نفسه، برّنا، فيصرخ قائلاً: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مز 42: 1). يدخل بنا الروح القدس خلال هذا الجوع والعطش إلى اتّحاد أعمق مع السيّد المسيح برّنا، ويرتفع بنا إلى حضن الآب لنراه فنشبع به. لهذا يقول المرتّل: "أمّا أنا فبالبرّ (أي بالمسيح) انظر وجهك، أشبع إذا استيقظت بشبهك" (مز 17: 15). بالسيّد المسيح ندخل إلى حضن أبيه، فنرى وجهه، ونشبع إذ نستيقظ من غفلتنا حاملين شبهه فينا. إذ نعطش لله يتقدّم إلينا السيّد المسيح بكونه الصخرة المضروبة تفيض لنا مياه الحياة. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [يروي ظمأنا بواسطة الصخرة في البرّيّة، فإن ضربت الصخرة في البرّيّة، فإن الصخرة هي المسيح التي ضُربت بالعصا لتفيض ماءً. ولكن لكي تفيض، ضُربت الصخرة مرّتين لأن للصليب عارضتين.] ويمكننا أن نتفهّم هذه العبارة إن رجعنا إلى الشعب القديم في البرّيّة حين جاءوا وعطشوا؛ لم يكن الجوع بالنسبة لهم مجرّد إحساس بالمعدة الفارغة بين الوجبات، ولا العطش مجرّد رغبة في التمتّع بقليل من الماء لإرواء ظمأ عادي، إنّما كان الأمر يمثّل حياة أو موت، كان الجوع والعطش في البرّيّة ليسا أمرين كماليّين أو عاديّين، وإنما صراع من أجل الحياة ضدّ الموت. هكذا اشتياقنا إلى السيّد المسيح برّنا، لا يكون ثانويًا في حياتنا، إنّما هو يمثّل حياتنا إلى الأبد أو هلاكنا الأبدي. وفي اليونانيّة جاء تعبير "إلى البرّ" بمعنى "إلى كل برّ"، فجوعنا وعطشنا ليس إلى نصيب من البرّ، بل إلى التمتّع بكمال البرّ، أي التمتّع بالسيّد المسيح نفسه برّنا الكامل. + ليت إنساننا الداخلي يجوع ويعطش، فيكون له الطعام والشراب الخاصين به. فقد قال السيّد المسيح: "أنا هو الخبز الذي نزل من السماء" (يو 6: 41)، فهذا هو خبز الجياع. لنشتاق إلى الشرّاب كالعطشى "لأن عندك ينبوع الحياة" (مز 36: 9). + إن كنّا نودّ أن نمتلئ يلزمنا أن نجوع ونعطش، فنسأل ونطلب ونقرع كجائعين وعطشى... الشبع لابد أن يسبقه جوع حتى لا يشمئز الإنسان من الخبز المقدّم له. + فليكن فيك عطش إلى الحكمة والبرّ؛ لن تشبع من الحكمة وتمتلئ من البرّ قبل أن تنتهي حياتك هذه وتبلغ حيث وعدك الله! القدّيس أغسطينوس هـ. طوبى للرحماء إن كان الجوع الروحي يدفعنا بالروح إلى التمتّع بالسيّد المسيح وانطلاقنا إلى حضن الآب، فإن علامة هذا الشبع هو تمتّعنا بسماته فينا خاصة الرحمة المملوءة حبًا. يقول السيد: "كونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم" (لو 6: 36)، ليس كوصيّة نلتزم بها بقدر ما هي هبة إلهيّة ننعم بها خلال شركتنا مع الله الرحيم في ابنه. الرحمة هي وصيّة الله لنا وعطيّته المجّانيّة، تفتح قلبنا لا عند حد العطاء المادي للفقراء، وإنما يحمل طبيعة الرحمة في كل تصرفاتنا. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يبدو أنه يتحدّث ليس فقط عن الذين يظهرون الرحمة بتقديم المال، وإنما أيضًا الذين هم رحماء في تصرفاتهم، فإن إظهار الرحمة متعدّد الأشكال، والوصيّة واسعة.] لا تصدر الرحمة عن ضعف واستكانة وإنما عن قوّة. نذكر في هذا تصرف أدريانوس قيصر إذ قيل أن شخصًا أهانه قبل أن يصير ملكًا، فلما صار ملكًا قال له: "لقد نجوت يا إنسان، لأني أنا اليوم ملك". هكذا إذ يدرك الإنسان مركزه الملوكي باتّحاده مع ملك الملوك، يحمل في داخله الرحمة حتى بالنسبة للمسيئين إليه، بكونها سِمة ملوكيّة سماويّة. ويلاحظ أن كلمة "الرحمة" هنا لا تُشير إلى مجرّد العطاء المادي أو حتى العاطفة وإنما المشاركة الفعليّة للآخرين، وكأننا نحتل مكانهم، فنشعر بآلامهم وأتعابهم، كما فعل السيّد المسيح نفسه الذي رحمنا باقترابه إلينا وقبوله طبيعتنا وحمله آلامنا، لذلك يوصينا الرسول بولس قائلاً: "اذكروا المقيّدين كأنكم مقيّدون معهم والمذلّين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3). فإن كنّا ندخل مع إخوتنا تحت آلامهم لنسندهم بالحب والرحمة يدخل إلينا ربّنا يسوع نفسه تحت آلامنا ليهبنا حبّه ورحمته! وعلى العكس "الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة، والرحمة تفتخر على الحكم" (يع 2: 13). + أعمال الرحمة بذار حصاد الآتي. إن من يزرع بالشُحّ فبالشُحّ يحصد أيضًا، ومن يزرع بكثرة فبكثرة يحصد أيضًا، ومن لا يزرع شيئًا لا يستغل شيئًا... + اعط ما لكَ فتستحق أن تأخذ ما ليس لك! القدّيس أغسطينوس + من لا يرحم لا يستحق مراحم الله، ولا يتحصّل على أي نصيب من العطف الإلهي بصلواته! الشهيد كبريانوس + من يرحم إنسانًا يصير باب الرب مفتوحًا لطلباته في كل ساعة. الشيخ الروحاني + إن رأيت إنسانًا بائسًا فأذكر... أنه وإن كان الظاهر ليس هو المسيح، لكنّه هو الذي يسألك ويأخذ منك في زيّ ذاك. إنك تستحي وتستنكف إن سمعت أن المسيح يسأل، لكن لتستنكف إن سأل ولم تعطه. القدّيس يوحنا الذهبي الفم و. طوبى لأنقياء القلب من يتشبّه بالرب حاملاً سِمة الرحمة المملوءة حبًا، يعمل الله في قلبه بلا انقطاع لتنفتح بصيرته الداخليّة على معاينة الله. القلب النقي هو العين الروحيّة الداخليّة التي ترى ما لا يُرى. "النقاوة" كما جاءت في التعبير اليوناني إنّما تُشير إلى الغسل والتطهير كإزالة الأوساخ من الملابس، وتعني أيضًا تنقية ما هو صالح ممّا هو رديء كفصل الحنطة عن التبن، وتطهير الجيش من الخائفين. وتستخدم أيضًا بمعنى وجود مادة نقيّة غير مغشوشة، كتقديم لبن بلا مادة غريبة. هكذا القلب الذي ينحني على الدوام عند أقدام ربّنا يسوع المسيح يغتسل على الدوام بالدم المقدّس فيتنقّى من كل شائبة، يقوم الروح القدس نفسه الذي تمتّع به خلال سرّيّ العماد والميرون بحراسته، فلا يترك مجالاً لفكرٍ شريرٍ أو نظرةٍ رديئة أن تقتحمه، ولا يسمح لشهوة رديئة أن تسيطر عليه... وهكذا يصفو القلب ويتنقّى بكل اشتياقاته وأحاسيسه ودوافعه فلا يطلب في كل شيء إلا الله وحده، فيعاينه خلال الإيمان بالروح القدس الساكن فيه. + لنُنقِّ قلوبنا بالإيمان، لكي تتنهيأ لذاك الذي لا يُوصف، أي للرؤيا غير المنظورة. + لنجاهد بالعفّة حتى يتطهّر ذاك الذي يرفع الإنسان لله. القدّيس أغسطينوس + هنا يدعو "أنقياء" من حصلوا على كل فضيلة، أو الذين لا يحملون أي مشاعر شرّ فيهم، أو الذين يعيشون في العفّة. فإنه ليس شيء نحتاج إليه لمعاينة الله مثل الفضيلة الأخيرة. لهذا يقول بولس أيضًا: "اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب 12: 14). القدّيس يوحنا الذهبي الفم + هذا هو غاية حبّنا، هذه هي النهاية التي بها نصير كاملين غير هالكين... فإنّنا إذ نُعاين الله لا نحتاج بعد لشيء من أفعالنا وأعمالنا الصالحة واشتياقاتنا ورغباتنا الطاهرة. لأنه ماذا نطلب بعد مادام الله حاضرًا؟ ماذا يُشبع الإنسان ما لم يشبعه الله؟... سبق رب المجد فعدّد المطوّبين وأسباب تطويبهم، ذاكرًا أعمالهم وجزاءاتهم واستحقاقاتهم دون أن يذكر عن أحدهم أنه "يعاين الله"، ولكن عند ذكره نقاوة القلب وعد بمعاينة الله، ذلك لأن القلب يحوي العيون التي تُعاين الله هذه العيون يتحدّث عنها الرسول بولس قائلاً: "إنارة عيون قلوبكم" (أف 1: 18). أنها تستنير الآن بالإيمان، إذ يتناسب مع ضعفنا، أمّا في الأبديّة، فتستنير بمعاينة الله بسبب قوّتها: "فإذ... نحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغرّبون عن الرب. لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (2 كو 5: 6-7). وإذ نسلك الآن بالإيمان يُقال عنّا: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز، ولكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 12). القدّيس أغسطينوس + إن كل ما تقدّمه الكتب المقدّسة الإلهيّة لا يهدف إلا إلى تنقية النظر الباطني ممّا يمنعه عن رؤية الله. وكما أن العين خُلقت لكي ترى هذا النور الزمني حتى إذا داخلها جسم غريب عكّر صفوها وفصَلها عن رؤية ذلك النور، كذلك هي عين قلبك فإنها إن تعكّرت وجُرحت، مالت عن نور البرّ وما تجاسرت أو تمكّنت من النظر إليه... وما الذي يُعكّر صفاء عين قلبك؟ الشهوة والبُخل والإثم واللذّة العالميّة؛ هذا كلّه يُعكّر عين القلب ويغلقها ويعميها. القدّيس أغسطينوس هل نُعاين الله بصورة مجسّمة؟ يحذّرنا الآباء من التفكير في اللاهوت بصورة مجسّمة تُعاينه العين الجسديّة، إنّما هو فوق كل الحواس، يُعلن ذاته في القلب بطريقة فائقة، بالطريقة التي يمكن للقلب أن يحتملها وينعم بها كمن في مجد. + لقد طوَّب الرب الكثيرين لكنه لم يعد بمعاينة الله سوى أنقياء القلب... إننا لا نعاين الله في مكان ما بل نعاينه في القلب النقي. لا نبحث عنه بالعين الجسديّة، فإنه لا يُحد بالنظر ولا بسمع الأذن، ولا يُعرف بخطواته، وإنما وهو غائب (بالجسد) نراه، وقد يكون موجوداً (بالجسد) ولا نراه. لم يره جميع التلاميذ لذلك قال: "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟" (يو 14: 9) أما من استطاع أن يدرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو ويعرف محبّة المسيح الفائقة المعرفة (أف 3: 18-19) فإنه يرى المسيح ويرى الآب أيضًا. لأننا "الآن لا نعرف المسيح حسب الجسد" (1 كو 5: 16) بل حسب الروح... فليترآف الله علينا ويرحمنا ويملأنا إلى ملء الله حتى نستطيع أن نعاينه. القدّيس أمبروسيوس + لا تستسلّموا للتفكير بأنكم سترون الله وجهًا جسديًا، لئلا بتفكيركم هذا تهيّئون أعينكم الجسديّة لرؤيته فتبحثون عن وجه مادي لله... تنبّهوا من هو هذا الذي تقولون له بإخلاص: "لك قال قلبي... وجهك يا رب أطلب"... فلتبحثوا عنه بقلوبكم. يتحدّث الكتاب المقدّس عن وجه الله وذراعه ويديه وقدميه وكرسيه وموطئ قدميه... ولكن لا تظنّوا أنه يقصد بها أعضاء بشريّة. فإن أردتم أن تكونوا هيكل الله، فلتكسروا تمثال البهتان هذا (أي تصوّر الله بصورة مجسّمة بشريّة)! إن يد الله يُقصد بها قوّته، ووجهه يقصد به معرفته، وقدميه هما حلوله، وكرسيه هو أنتم إن أردتم... نعم، لأنه ما هو كرسي الله سوى الموضع الذي يسكنه؟ وأين يسكن الله إلا في هيكله؟ "لأن هيكل الله مقدّس الذي أنتم هو" (1 كو 3: 17). اسهروا إذن لاستقبال الله! "الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو 4: 24). ليدخل تابوت العهد قلوبكم وليسقط داجون إن أردتم (1 صم 5: 3). القدّيس أغسطينوس ز. طوبى لصانعي السلام معاينة الله بالقلب النقي لا يعني مجرّد اكتشاف أسرار الله فكريًا، وإنما هو دخول إلى الحياة الإلهيّة، وتمتّع بالشركة مع الله، لنعمل عمل السيّد المسيح أي "السلام" بكوننا أبناء الله. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [نعم قد صار هذا هو عمل الابن الوحيد أن يُوحِّد المنقسمين ويصالح الغرباء.] لقد دعي السيّد "رئيس السلام" (إش 9: 6)، إنجيله هو "إنجيل السلام" (أف6 : 15)، وملكوته ملكوت "برّ وسلام وفرح في الروح" (رو 14: 17)، أمّا ثمن هذا السلام فهو دمه الثمين المبذول على الصليب. ويرى القدّيس أغسطينوس أن صنع السلام ليس عملاً خارجًا يمارسه الإنسان، وإنما هو طبيعة ينعم بها أولاد الله في داخلهم، خلال السلام الداخلي الذي يحلّ بين الروح والجسد بالروح القدس في المسيح يسوع، فيظهر ملكوت السماوات داخلنا. + يكون كمال السلام حيث لا توجد مقاومة. فأبناء الله صانعوا سلام، لأنه ينبغي للأبناء أن يتشبّهوا بأبيهم. إنهم صانعوا سلام في داخلهم، إذ يسيطرون على حركات أرواحهم ويخضعونها للصواب أي للعقل والروح، ويُقمعون شهواتهم الجسديّة تمامًا، وهكذا يظهر ملكوت الله فيهم فيكون الإنسان هكذا: كل ما هو سامٍِ وجليل في الإنسان يسيطر بلا مقاومة على العناصر الأخرى الجسدانيّة... هذا وينبغي أن يخضع ذلك العنصر السامي لما هو أفضل أيضًا، ألا وهو "الحق" ابن الله المولود، إذ لا يستطيع الإنسان السيطرة على الأشياء الدنيا، ما لم تَخضع ذاته لمن هو أعظم منها هذا هو السلام الذي يعطي الإرادة الصالحة، هذه هي حياة الإنسان الحكيم صانع السلام! القدّيس أغسطينوس + السلام هو قوّة المسيحيّين: "سلام الله الذي يفوق كل (فهم) عقل" (في 4: 7). طوبى لصانعي السلام، لا بإعادة السلام بين المتخاصمين فحسب، وإنما للذين يقيمون سلامًا في داخلهم... فإنه إن لم يوجد سلام في قلبي ماذا يفيدني أن يكون الآخرون في سلام؟! + المسيح ربّنا هو السلام... لنحفظ السلام فيحفظنا السلام في المسيح يسوع. القدّيس جيروم + الكمال في السلام حيث كل شيء مقبول؛ ولذا فإن فاعلي السلامة هم أبناء الله، إذ لا شيء يخالف الله، وعلى الأولاد أن يتشبّهوا بأبيهم. فاعلوا السلامة في نفوسهم هم الذين يسيطرون على جميع ميولهم النفسيّة ويخضعوها للعقل، أي للفكر والروح، وقد كبحوا جماح شهواتهم اللحميّة، وصاروا ملكوت الله، حيث انتظم كل شيء وراح ما هو سامٍ في الإنسان ورفيع يأمر ما دونه المشترك بين الإنسان والحيوان، ثم أن ما سما في الإنسان، أي الفكر والروح، هو عينه خاضع للأسمى منه، أي الله. في الواقع يستحيل عليك أن تحكم من هم دونك، إن لم تخضع لمن هو أعلى منك، وذاك هو السلام الذي يهبه الله في الأرض لذوي الإرادة الصالحة... أتريد السلام؟ اعمل برًا يكن لك السلام، "السلام والبرّ تعانقا" (مز 85: 10). + ليكن السلام حبيبًا لك وصديقًا؛ واجعل قلبك مضجعًا له نقيًا. ولتكن لك معه راحة مطمئنة بدون مرارة، وعناق عذب، وصداقة لا تنفصم عراها. القدّيس أغسطينوس + "سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم" (يو 14: 27). لقد أعطانا هذا ميراثًا، فقد وعدنا بكل العطايا والمكافآت التي تحدّث عنها خلال حفظ السلام. إن كنّا ورثة مع المسيح فلنسكن في سلامه، إن كنّا أبناء الله يلزمنا أن نكون صانعي سلام... إذ يليق بأبناء الله أن يكونوا صانعي سلام، ذوي قلب حنون، بسطاء في الكلام، متّحدين في المحبّة، مترابطين معًا رباطًا وثيقًا بربط المودّة الأخويّة. القدّيس كبريانوس ح. طوبى للمطرودين من أجل البرّ "طوبى للمطرودين من أجل البرّ، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شرّيرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" [10-12]. إذ ننعم بالبنوّة لله خلال اتّحادنا مع ابن الله الوحيد في مياه المعموديّة نمارس عمله الذي هو السلام، الأمر الذي يقابله الشيطان بالمقاومة فيثير حتى الأقرباء ضدّنا. يلاحظ أنه في التطويبات السابقة وجه السيّد الحديث بصفة عامة، أمّا هنا فيوجّه الحديث بصفة خاصة للحاضرين، وذلك لأن الضيق إنّما يتقبّله المؤمن - كراع أو من الرعيّة - كهديّة شخصيّة مقدّمة من الله لنا. إن كان السيّد قد ختم التطويبات باحتمال التعيير والطرد أي الاضطهاد فقد اشترط لنوال المكافأة السماويّة أن نحتمل ذلك "من أجل البرّ" أو كما يقول "من أجلي" إذ هو برّنا، وأن ما يُقال عنّا من تعييرات يكون كذبًا. كتب العلاّمة أوريجينوس إلى القدّيسين أمبروسيوس وبروتكتيتوس وهما تحت المحاكمة في ظل الاضطهاد الذي أثاره مكسيميانوس تراكس، يقول لهما: [في أثناء محاكمتكما القائمة الآن بالفعل، أودّ أن تتذكّرا دائمًا تلك المجازاة العُظمى التي يعدّها الآب في السماء من أجل المظلومين والمُزدرى بهم بسبب البرّ، ومن أجل ابن الإنسان. افرحا بالله وابتهجا كما فرح الرسل وابتهجوا، لأنهم حُسبوا أهلاً أن يهانوا من أجل اسم المسيح (أع 5 : 41)، وإذا شعرتما بالحزن، فاستغيثا بروح المسيح الذي فينا، لكي يردّ روح الحزن وينزع القلق من قلبيكما. "لماذا أنت حزينة يا نفسي، لماذا تزعجينني؟ ترجّي الرب لأني أقدّم له التسبيح" (مز 42: 5)، إذن فلا تجزع أرواحنا، بل حتى أمام كراسي القضاء وفي مواجهة السيوف التي شحذت لكي تقطع رقابنا، تظل أرواحنا محفوظة في سلام الله الذي يفوق كل عقل، نستطيع أن نشعر بالطمأنينة والهدوء، عندما نتذكّر أن الذين يفارقون الجسد، يعيشون مع إله الكل (2 كو 5: 8).] عندما عانى القدّيس يوحنا الذهبي الفم الآلام والاضطهاد من أفدوكسيا يعاونها رجال الدين أنفسهم كتب من سجنه إلى الأسقف قرياقوص: [عندما اُستبعدت من المدينة لم أقلق، بل قلت لنفسي: إن كانت الإمبراطورة ترغب أن تنفيني، فلتفعل ذلك، فإنه "للرب الأرض"! وإن كانت تود أن تنشرني، فإني أرى إشعياء مثلاً! وإن أرادت إغراقي في المحيط، أفكر في يونان! وإن أُلقيت في النار، أجد الثلاثة فتية قد تحمّلوا ذلك في الأتون! إن وُضعت أمام وحوش ضارية، أذكر دانيال في جبّ الأسود! إن أرادت رجمي، فإن استفانوس أول الشهداء أمامي! إن طلبت رأسي، فلتفعل، فإن المعمدان يشرق أمامي! عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أترك العالم. بولس يذكّرني: إن كنت بعد أرضي الناس لست عبدًا للمسيح.] وكتب القدّيس كبريانوس إلى بعض المعترفين يقول لهم: [في كل هذه الأمور نحن أعظم من غالبين لذاك الذي أحبّنا.] ترتيب التطويبات يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [في كل مثال الوصيّة تهيئ الطريق للوصيّة اللاحقة، والوصايا كلها معًا تكون أشبه بسلسلة ذهبيّة تُقدّم لنا. فالمتواضع بالتأكيد يحزن على خطاياه، والحزين يكون وديعًا وبارًا ورحومًا، والشخص الرحوم والبار والنادم يكون بالتأكيد نقي القلب، مثل هذا يصنع أيضًا السلام. ومن يحصل على هذه جميعها، إنّما يتهيّأ للصراع ضدّ المخاطر، ولا يرتبك عندما ينطقون عليه بالشرّ، محتملاً التجارب المحزنة غير المحصيّة.] ويتحدّث القدّيس أغسطينوس في شرحه الموعظة على الجبل عن ارتباط التطويبات ببعضها البعض، كما يربط بينها وبين أعمال روح الرب السبعة كما وردت في إشعياء النبي (إش 11: 2-3). ترتيب الجزاءات ربّما يتساءل البعض هل الجزاءات الواردة في هذه التطويبات كمكافآت هي أمور متنوّعة؟ أو بمعنى آخر هل المسكين بالروح يتمتّع بملكوت السماوات ولا ينعم بالتعزية أو الشبع أو الرحمة أو معاينة الله الخ؟ وإن كان الجزاءات كلها إنّما هي مكافأة واحدة، فلماذا يميّز السيّد بينها؟ لكي نفهم هذه المكافآت يلزمنا أولاً أن ندرك معنى "تطويب". فإنها في الحقيقة لا تعني مجرّد غبطة أو سعادة، وإنما هي سِمة تمسّ طبيعة الشخص، لهذا كان اليونان يلقّبون آلهتهم بالمطوّبين أو "مكاريوس" وليس بالسعداء. التطويب هي حالة تمسّ حياة الإنسان الداخلي، وليس مجرّد سعادة تنبع عن ظرف خارجي يحيط به. وكأن السيّد بالتطويبات لم يقدّم لنا جزاءات خارجيّة، إنّما مكافآت تمسّ طبيعتنا الداخليّة. كأن نصير نحن أنفسنا ملكوت الله، نحمل طبيعة الرحمة التي لله فينا وسلامه ونقاوته. بهذا تكون الجزاءات متنوّعة، لكنها متكاملة، تمسّ حياتنا الداخليّة الواحدة من جوانب مختلفة. لعلّ هذا هو ما قصده عندما أجاب القدّيس أغسطينوس على التساؤل: هل يُحرم المطوّبون الآخرون من معاينة الله؟ إذ يقول: [لا تفهموا من هذه الوصايا وجزاءاتها على أن المساكين بالروح أو الودعاء أو الحزانى أو الجائعين والعطاش إلى البرّ أو الرحماء لا يعاينون الله. لا تحسبوا أن أنقياء القلب سيعاينون الله بينما يُحرم المطوّبون الآخرون من معاينته، لأن هذه الصفات جميعها لنفس الأشخاص. جميع المطوّبين سيعاينون الله، ولكنهم لا يعاينوه بسبب مسكنهم بالروح أو وداعتهم أو حزنهم أو جوعهم أو عطشهم للبرّ أو رحمتهم، إنّما يعينوه بسبب نقاوة قلبهم. مثال ذلك أعضاء الإنسان. الجسديّة متعدّدة، ولكل منها عملها الخاص بها. فنقول مثلاً: طوبى لمن لهم أقدام لأنهم يمشون، ولمن لهم أيدي لأنهم يعملون، ولمن لهم صوتًا فيصرخون، ولمن لهم فمًا ولسانًا فيتحدّثون، ولمن لهم أعينًا فإنهم ينظرون. هكذا أيضًا بالنسبة للروح... فالتواضع يؤهل لامتلاك ملكوت السماوات، والوداعة تؤهل لامتلاك الأرض، والحزن لنوال التعزية، والعطش والجوع إلى البرّ للشبع، والرحمة لنوال الرحمة أيضًا من الرب، ونقاوة القلب لمعاينة الله.] القدّيس أغسطينوس التطويبات ويسوعنا الداخلي في الوقت الذي فيه يوصينا السيّد بالوداعة قائلاً: "طوبى للودعاء" إذ به يقول: "تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29)، وبينما يقول: "طوبى لصانعي السلام" إذا بالرسول يُعلن عن رب المجد يسوع أنه "جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسّط، أي العداوة" (أف 2: 14-15)، وبينما يقول السيّد "طوبى للمطرودين من أجل البرّ" إذ بالسيّد نفسه يُطرد خارج أورشليم ليحمل عار الصليب. وهكذا أيضًا إذ يقول "طوبى للحزانى" نراه حزينًا على أورشليم يبكيها من أجل ثقل خطايانا (لو19: 42)... في اختصار نقول إن السمات التي ننال خلالها الطوبى إنّما هي سمات السيّد المسيح نفسه، وليست مجرّد ممارسات نجاهد فيها بذواتنا، لذا فإن دخولنا إلى الحياة المطوّبة إنّما يكون خلال يسوعنا الداخلي الذي وحده يهبنا شركة سماته فينا، يكون هو سرّ وداعتنا وسلامنا واحتمالنا الضيّق وحزننا على خطايانا وخطايا الآخرين! لنقتنيه فنقتني الشركة في أمجاده في عربونها هنا وفي كمالها في يوم الرب العظيم. نتمسّك به فننعم بالحياة المطوّبة الحقّيقية! 3. رسالة المسيحي "أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملح؟! لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجًا، ويُداس من الناس" [13]. بعد أن تحدّث عن التطويبات كسُلّم روحي يرتفع عليه المؤمن بالروح القدس لينعم بالحياة المقدّسة في المسيح يسوع ربّنا أوضح التزام المؤمن بالعمل في حياة الآخرين، مشبّهًا إيّاه بالملح الذي لا يُستغنى عنه في كل وجبة. دعاه ملح الأرض، لأنه يعمل في حياة البشر الذين صاروا أرضًا خلال ارتباطهم بالفكر الأرضي. لملح الطعام أو كلوريد الصوديوم خصائص وسمات فريدة تنطبق على حياة المؤمن الحقيقي، نذكر منها: أ. هو الملح الوحيد بين كل الأنواع الذي يتميّز بأنه متى اُستخدم في حدود معقولة وباعتدال لا يظهر طعمه ومذاقه في الطعام، وإنما يُبرز نكهة الطعام ذاته، وإذا وضعت كميّة كبيرة منه في طعام يفقد الطعام لذّته ومذاقه وتظهر ملوحة الملح هكذا، وإن كان يليق بالمسيحي أن يذوب في حياة الغير لكن في اعتدال دون أن يفقدهم شخصياتهم ومواهبهم وسماتهم الخاصة بهم، فلا يجعل منهم صورة مطابقة له، فيكون أشبه بقالبٍ يصب فيه شخصيّات الآخرين، ويفقدهم حيويّتهم، الأمر الذي يجعلهم كالطعام المالح. المسيحي الروحي هو من كان كالنسيم الهادئ يعبر ليستنشق الآخرون نسمات الحب، لا عواطف الرياح الشديدة. ب. يتكوّن كلوريد الصوديوم من عنصرين هما الكلور والصوديوم وكلاهما سام وقاتل، لكن باتّحادهما يكوّنان الملح الذي لا غنى لنا عنه في طعامنا اليومي. والمسيحي أيضًا يتكوّن من عنصري النفس والجسد، إن انقسما بالخطيّة فقدا سلامهما، وصارا في حكم الموت، وصار الإنسان معثرًا. لهذا تدخّل السيّد المسيح واهبًا السلام الحقيقي بروحه القدّوس مخضعًا النفس كما الجسد في وحده داخليّة، ليكون الإنسان بكلّيته سرّ عذوبة الآخرين، يشهد للحق. إن كانت النفس تتسلّم قيادة الجسد في روحانيّة، فإن الجسد بدوره إذ يتقدّس يسند النفس ويعينها، فيحيا الإنسان مقدّسًا نفسًا وجسدًا، ويُعلن بوحدته الداخليّة في الرب عمل الله أمام الآخرين. ج. ملح الطعام من أرخص أنواع الأطعمة يسهل استخراجه في أغلب بقاع العالم، لكن لا يمكن الاستغناء عنه. هكذا يليق بالمؤمنين أن يعيشوا بروح التواضع كسيّدهم، مقدّمين حياتهم رخيصة من أجل محبّتهم لكل إنسان في كل موضع. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على قول السيّد لتلاميذه: "أنتم ملح الأرض" هكذا: [لا أرسلكم إلى مدينتين أو عشرة مدن أو عشرين مدينة، ولا إلى أمة واحدة كما أرسلت الأنبياء، إنّما أرسلكم إلى البرّ والبحر والعالم كله، الذي صار في حالة شرّيرة. فبقوله: "أنتم ملح الأرض" عني أن الطبيعة البشريّة كلها قد فقدت نكهتها، وأننا قد فسدنا بسبب خطايانا.] لكن يحذّرنا السيّد لئلا نفسد نحن الذين ينبغي أن نكون كالملح، فلا نجد من يملِّحنا وينزع عنّا الفساد. هذا الحديث موجّه بصفة عامة لكل مؤمن، وعلى وجه الخصوص للرعاة والخدّام: + إن كنتم أنتم الذين بواسطتكم تحفظ الأمم من الفساد، تخسرون ملكوت السماوات بسبب الخوف من الطرد الزمني، فمن هم الذين يرسلهم الرب لخلاص نفوسكم، إن كان قد أرسلكم لأجل خلاص الآخرين؟! القدّيس أغسطينوس + يشفع الكاهن لدي الله من أجل الشعب الخاطئ، ولكن ليس من يشفع في الكاهن (متى أخطأ). القدّيس جيروم + إن سقط الآخرون ربّما يستطيعون أن ينالوا العفو، ولكن إن سقط المعلّم، فإنه بلا عذر، ويسقط تحت انتقام غاية في القسوة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم بعدما تحدّث عن المؤمنين كملح الأرض وجّهنا إلى رسالتنا كنورٍ للعالم، قائلاً: "أنتم نور العالم. لا يمكن أن تُخفي مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجًا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت. فيضيء نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات"[14-16]. إن كنّا في محبتنا للبشر نشتهي أن نخدمهم ونذوب فيهم كالملح في الطعام لنقدّمهم خلال التوبة طعامًا شهيًا يفرح به الله، فإن الله لا يتركنا نذوب في الأرض، وإنما يرتفع بنا ويحسبنا كنور يضيء للعالم. إنه يقيمنا كالقمر الذي يستقبل نور شمس البرّ، ليعكس بهاءها على الأرض، فتستنير في محبّته. يعكس نوره على المؤمن، فيصير أكثر بهاءً من الشمس المنظورة، لا يقدر أحد أن يخفيه حتى وإن أراد المؤمن نفسه بكل طاقاته أن يختفي. لا يقدر أحد أن يسيء إليه، حتى مقاوميه الأشرار، يقول الرسول بولس: "لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاد الله بلا عيب في وسط جيل معوجّ وملتوٍِ تضيئون بينهم كأنوار في العالم" (في 2: 15) ويقول الرسول بطرس "أطلب إليكم... أن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة، لكي يكونوا فيما يفترون عليكم كفاعلي شرّ يمجّدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها" (1 بط 2: 11-12). يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [الحياة التي نقدّمها أمامهم هي أكثر بهاءً من الشمس فإن تكلم علينا أحد بشرٍ، لا نحزن كمن شُوهت صورته، بل بالأحرى نحزن إن شوهت بعدلٍ.] هذا ويكشف السيّد بقوله هذا عن فاعلية الكرازة، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إنهم كما لو كانوا بأجنحة يعبرون كل الأرض أكثر سرعة من أشعة الشمس، ينشرون نور الصلاح.] إذ تقوم كلمة الله على الحق تعلنها الكنيسة علانيّة كسراج موضوع على منارة، أما الهرطقات فتنتشر خفية بطرق ملتوية خلال الظلمة. هذا ما أكّده البابا أثناسيوس الرسولي في خطابه إلى أساقفة مصر حيث أوضح لهم منهج الأريوسيّين وأسلوبهم المخادع في العمل. يشبّهنا السيّد المسيح بالمدينة القائمة على جبل، فلا يُمكن إخفائها. ما هي هذه المدينة التي تقوم على جبل إلا الإنسان الذي يحمله الروح القدس إلى الرب نفسه، ليجلس معه على الجبل يسمع وصاياه ومواعظه؟! هناك يلتصق به ويجلس عند قدميه، فيصير أشبه بمدينة مقدّسة يسكنها الله نفسه، ويضم إليها مملكته من ملائكة وقدّيسين، وخلالها يلتقي الخطاة بالمسيّا الملك بالتوبة. يصير المؤمن وهو يتقدّس على الجبل المقدّس أورشليم التي يراها الكل ويفرحون. هذا المفهوم يذكرنا بكلمات القدّيس جيروم في إحدى رسائله: [ما يستحق المديح ليس أنك في أورشليم، إنّما تمارس الحياة المقدّسة (كمدينة مقدّسة)... المدينة التي نبجِّلها ونطلبها، هذه التي لم تذبح الأنبياء (مت23: 37)، ولا سفكت دم المسيح، وإنما تفرح بمجاري النهر، وهذه القائمة على الجبل فلا تُخفي (مت 5: 14)، يتحدّث عنها الرسول كأمٍ للقديسين (غل 4: 26)، ويبتهج الرسول أن تكون له المواطنة فيها مع البرّ (في 3: 20).] بهذا التشبيه أيضًا، المدينة القائمة على جبل والتي لا يمكن أن تُخفى، أراد السيّد تشجيع تلاميذه على خدمة البشارة بالكلمة مؤكّدًا لهم أن المضايقات لا يمكن أن تخفي الحق أو تُبطل عمل الله. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [أظن أنه لا يمكن لمدينة كهذه أن تُخفي، هكذا يستحيل أن ينتهي ما يكرزون به إلى السكون والاختفاء.] يشبّهنا أيضًا بالسراج الذي لا يُخفي تحت المكيال بل يُوضع على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت. ما هو هذا المكيال الذي يطفئ سراج النور الداخلي إلا الخضوع للمقاييس الماديّة في حياتنا الروحيّة، فإنه "ليس بكيل يعطي الله الروح" (يو 3: 34). كثيرًا ما تقف حساباتنا البشريّة الماديّة عائقًا أمام الإيمان، الأمر الذي يفقد صلواتنا وطلباتنا حيويّتها وفاعليّتها، لهذا عندما أرسل السيّد المسيح تلاميذه للكرازة سحب منهم كل إمكانيّات ماديّة، فلا يكون لهم ذهب ولا فضّة ولا نحاس ولا مزود ولا ثوبان ولا أحذية ولا عصا (مت 10: 9-10)، لكي ينزع عنهم كل تفكير مادي، تاركًا كل الحسابات في يديّ السيّد نفسه، فيكون هو غناهم وطعامهم وشربهم وملبسهم وحمايتّهم! والمكيال يُشير أيضًا إلى حجب النور الروحي، حيث يغلف الإنسان روحه بالملذّات الجسديّة الكثيفة والزمنيّة، فيحبس الروح ويحرمها من الانطلاق لتحلق في الاشتياقات الأبديّة. يتحوّل الجسد إلى عائق للروح، عِوض أن يكون معينًا لها خلال ممارسته العبادة، وتقدّيس كل عضو فيه لحساب الملك المسيّا. ليتنا لا نحبس النور الروحي فينا في غلاف الشهوات الجسديّة، وإنما ننطلق به لنضعه فوق المنارة، أي فوق الجسد بكل حواسه، فلا يكون الجسد مسيطرًا بل مستعبدًا للنور الحق. لقد وضع الرسول بولس سراجه على المنارة حينما قال: "أضارب كأني لا أضرب الهواء، بل أقمع جسدي واستعبده، حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 26-27). بهذا يضيء السراج في البيت. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [أظن أن الذي دُعي بالبيت هنا هو مسكن البشر، أي العالم نفسه، وذلك كقوله "أنتم نور العالم". إلاّ أنه إذا فهم شخص ما البيت على أنه الكنيسة فهذا صحيح كذلك.] ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على السراج المتّقد على لسان السيّد نفسه، قائلاً: [حقًا أنا الذي أوقد النور، أمّا استمرار إيقاده فيتحقّق خلال جهادكم أنتم... بالتأكيد لا تقدر المصائب أن تعطِّل بهاءكم إن كنتم لا تزالون تسلكون الحياة الدقيقة، فتكونون سببًا لتغيير العالم كله. إذن، فلتُظهروا حياة تليق بنعمته، حتى إذ تكرزون في أي موضع يصاحبكم هذا النور.] بهذا يضيء نورنا، الذي ليس هو إلا نور الروح القدس الساكن فينا، قدام الناس، لكي يروا أعمال الله فينا، فيتمجّد أبونا الذي في السماوات. لسنا نقدّم العمل الروحي طلبًا لمجد أنفسنا بل لمجد الله. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [لم يقل "لكي يروا أعمالكم الحسنة" فقط، بل أضاف: "ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات"، لأن الإنسان يُرضي الآخرين بأعماله الحسنة، لا لأجل إرضائهم في ذاته، بل لتمجيد الله. فيرضي البشر ليتمجّد الله في عمله، لأنه يليق بالذين يعجبون بالأعمال الحسنة أن يمجّدوا الله لا الإنسان، وذلك كما أظهر ربّنا عند شفاء المفلوج، إذ يقول معلّمنا متى: "تعجّبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانًا مثل هذا" (مت9: 8).] ومما يجب تداركه أن الله وهو يدعو تلاميذه "نور العالم" لا يشعر التلاميذ أنهم هكذا وإلا فقدوا تواضعهم وانطفأ النور الروحي فيهم، فموسى النبي لم يكن يعرف أن وجهه كان يلمع، وإنما من أجل طلب الشعب كان يغطِّي وجهه بالبرقع. ما أحوجنا لا أن نشهد لأنفسنا، بل يشهد الله نفسه والآخرون بنوره فينا! 4. تكميل الناموس إن كان المسيّا الملك يطالبنا أن نعلن النور الإلهي الساكن فينا خلال حياتنا العمليّة، فتصبح حياتنا كسراجٍ على منارة يضيء لكل من في البيت، ويتمجّد أبونا السماوي أمام الجميع، فما هي الوصايا المسيحانيّة التي نلتزم بها في حياتنا؟ هل هي وصايا غير الشريعة الموسويّة؟ وهل تتعارض معها؟ يجيب السيّد مؤكدًا: "لا تظنّوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل" [17]. لقد ظنّ اليهود خاصة قادتهم أنهم حفظة الناموس والحارسون له، مع أنهم كانوا ينقضونه بأعمالهم المخالفة له، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [مع أنهم لم يكمِّلوا الناموس، إلا أنهم كانوا يتطلّعون إليه بضمير حيّ عظيم. وبينما كانوا يفسخونه كل يوم بأعمالهم، لكنهم يحافظون على حروفه لتبقى كما هي بلا تغيير، ولا يضيف عليه أحد شيئًا. لكنهم بالحقيقة أضافوا هم ورؤساؤهم إليه لا ما هو أفضل بل ما هو أردأ، إذ اعتادوا أن يتركوا التكريم اللائق بالوالدين جانبًا بإضافات من عندهم.] أمّا السيّد المسيح فقد جاء ليكمّل الناموس والأنبياء بطرق متنوّعة، منها: أولاً: تحقّقت النبوّات في شخص المسيّا، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أكمل الأنبياء بقدر ما أكّد بأعماله كل ما قيل عنه، فقد اعتاد الإنجيلي أن يقول في كل حالة: "لكي يتم ما قيل بالنبي" (مت 1: 22-23)، وذلك عندما وُلد، وعندما ترنم له الأطفال بالتسبحة العجيبة، وعندما ركب الأتان (مت 21: 5-16)، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة. لقد حقّق هذه الأمور التي ما كان يمكن تحقيقها لو لم يأتِ.] ثانيًا: أكمل السيّد الناموس بخضوعه لوصايا دون أن يكسر وصيّة واحدة. يقول ليوحنا المعمدان: "لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل له كل برّ" (مت 3: 15)، ويقول لليهود: "من منكم يبكّتني على خطيّة؟" (يو 8: 46)، كما يقول لتلاميذه: "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء" (يو 14: 30). هذا وقد شهد عنه النبي، قائلاً: "إنه لم يعمل ظلمًا، ولم يكن في فمه غش" (إش 53: 9). ثالثًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح لم يكمّل الناموس في نفسه فحسب، وإنما يكمّله أيضًا فينا، قائلاً: [هذا هو العجب ليس أنه هو حقّق الناموس، بل وهبنا نحن أيضًا أن نكون مثله، الأمر الذي أعلنه بولس بقوله: "لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رو 10: 4)، كما قال: "دان الخطيّة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد" (رو 8: 3-4) وأيضًا: أفنُبطل الناموس بالإيمان؟! حاشا! بل نثبِّت الناموس" (رو 3: 31). فإنه مادام الناموس كان عاملاً لكي يبرّر الإنسان، لكنّه عجز عن تحقيق ذلك. جاء (المسيح) ودخل بالإنسان إلى طريق البرّ بالإيمان مثبتًا غاية الناموس. ما لم يستطع الناموس أن يتمّمه بالحروف تحقّق بالإيمان، لهذا يقول: "ما جئت لأنقض بل لأكمل".] رابعًا: أكمل أيضًا السيّد الناموس بتكميل نصوصه، بالدخول إلى أعماقه. ففي القديم أمر الناموس بعدم القتل، فجاء السيّد ليؤكّد الوصيّة لا بمنع القتل فحسب، وإنما بمنع الغضب باطلاً، أي نزع الجذر، فتبقى الوصيّة في أكثر أمان، إنه بهذا لم ينقضها، بل قدّمها في أكثر حيويّة وقوّة. يقول القدّيس يوحنا كاسيان: [تأمرنا كلمة الإنجيل باستئصال جذور سقطاتنا، وليس نزع ثمارها، فعند إزالة جميع الدوافع بلا شك لن تقوم من جديد.] يؤكّد السيّد عدم نقضه للناموس بقوله: "فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف (i) واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" [18]. ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على هذه العبارة، قائلاً: [إن كانت الإضافة كاملة فبالأولى تكون البداءة كاملة، لذلك يفهم قوله: "لا يزول حرف (i) واحد أو نقطة واحدة من الناموس" على أنه تعبير عن كمال الناموس. لقد أشار بحرف صغير، لأن حرف (i) أصغر الحروف يتكون من خط صغير، ثم أشار إلى النقطة التي توضع على الحرف، مظهرًا بذلك أن لأصغر الأجزاء في الناموس قيمة.] يؤكّد السيّد قدسيّة الناموس حتى في أصغر حروفه أو نقطة، أي في أصغر وصاياه، معلنًا التزامنا بتكميله في حياتنا العمليّة كما في التعليم. يقول: "فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السماوات. وأما من عمل وعلَّم فهذا دُعي عظيمًا في ملكوت السماوات. فإني الحق أقول لكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" [19-20]. لقد ظنّ الفرّيسيّون أنهم يحفظون الناموس خلال غيرتهم بالتعليم، ولم يدروا أنهم ينقضونه بحياتهم الشرّيرة، فالتعليم بغير عمل يُحسب كنقضٍ للناموس، ولا يكون للتعليم فاعليته، وأيضًا العمل بغير الشهادة أمام الآخرين يقلّل المكافأة. + كما أن التعليم بدون عمل يدين المعلّم، كذلك العمل دون مساندة الآخرين يقلّل من المكافأة. + من لا يقدر أن يُعلّم نفسه ويحاول إصلاح الآخرين يسخر به الكثيرون، أو بالأحرى مثل هذا لا يكون له أي قوّة للتعليم نهائيًا، لأن أعماله تجعل كلماته ضدًا له. القدّيس يوحنا الذهبي الفم إذ دخل السيّد بالناموس إلى الكمال، لهذا يلتزم أبناء الملكوت أن يرتفعوا إلى حياة أكمل ممّا للكتبة والفرّيسيّين. يقدّم لنا الآباء تفسيرًا لذلك: + برّ الفرّيسيّين هو عدم القتل، وبرّ المُعَدّين لملكوت السماوات هو عدم الغضب باطلاً. لذلك فالوصيّة الصغرى هي أن لا تقتل، ومن ينقضها يُدعى أصغر في ملكوت السماوات، وأما من عمل بها فليس من الضروري أن يكون عظيمًا، بل يرتفع إلى درجة أسمى من الأولى، ولكنه يصير كاملاً إن كان لا يغضب باطلاً، وبالتالي سوف لا يكون قاتلاً. القدّيس أغسطينوس + حيث إن المكافأة هنا أعظم والقوّة الممنوحة بالروح أغزر، لذا يجب أن تكون فضائلنا أيضًا أعظم. فإنه لم يعدنا هنا بأرض تفيض لبنًا وعسلاً، ولا براحة طول العمر، ولا كثرة الأطفال، ولا (ببركة) الحِنطة والخمر والغنم والقطعان، إنّما صارت لنا السماء والسماويّات والتبنّي والأخوة للابن الوحيد وشركة الميراث معه، وأن نتمجّد معه ونملك معه، وغير دلك من الجزاءات غير المحصيّة. أمّا بخصوص تمتّعنا بعونٍ أعظم، فاسمع ما يقوله بولس: "إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيّة والموت" (رو 8: 1-2). القدّيس يوحنا الذهبي الفم بين التطويبات وتكميل الناموس قبل أن ندخل في الحديث عن تكميل الناموس، نودّ أن نشير إلى ما قاله القدّيس يوحنا الذهبي الفم من وجود ارتباط قوي بين التطويبات الواردة في مقدّمة العظة وما جاء هنا. فالتطويبات قدّمت لنا الجانب الإيجابي للحياة الفاضلة في المسيح يسوع ربّنا ومكافآتها، أمّا هنا فيقدّم لنا السيّد الجانب السلبي بالامتناع عن الشرّ، لا في التصرّفات الظاهرة فحسب، وإنما باقتلاعه من القلب في الداخل، مهدّدًا بالجزاءات. فالمسكنة بالروح إنّما تطابق عدم الغضب، لأن المسكين بالروح أو متواضع القلب لا يجد الغضب فيه موضعًا. ونقاوة القلب تقابل عدم النظر إلى امرأة بقصد الشهوة، وعدم وضع الكنز على الأرض، فإن القلب النقي الطاهر لا يشتهي الجسديّات من زنا ومحبّة مال. صُنع الرحمة، والحزن الروحي، واحتمال التعيير والطرد، هذه جميعها تقابل الدخول من الباب الضيق، حيث يشتهي الإنسان أن يحتمل آلامًا من أجل المسيح، فيمتلئ قلبه رحمة، ويتألّم لآلام الآخرين، ويقبل إهاناتهم وشرهم، مقدّمًا الخير عِوض شرّهم. الجوع والعطش إلى البرّ يقابله الوصيّة الإلهيّة، بأن تفعل ما يريد الناس أن يفعلوا بنا، فالنفس التي تتوق إلى السيّد المسيح لا تقدر إلا أن تقدّم السيّد المسيح للآخرين، معلنًا في تصرفاتهم الظاهرة كما في أحاسيسهم الداخليّة. صنع السلام يقابل ترك القربان، حيث لا يقدر إنسان أن يلتقي مع الله مقدّمًا القرابين المقدّسة بغير تمتّعه بالمصالحة مع الآخرين. 5. القتل بعدما أكّد السيّد عدم نقضه للناموس بل تكميله، حوّل هذا الحديث العالم إلى التطبيق في الوصايا الناموسيّة، موضّحًا كيف يدخل بها إلى الكمال، مبتدئًا بوصيّة عدم القتل، إذ يقول: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم" [21-22]. + من يعلّمنا عن عدم الغضب لا ينقض الوصيّة الخاصة بعدم القتل، بل بالأحرى يكمّلها، إذ في عدم الغضب نتنقّى، من الداخل في قلوبنا، ومن الخارج أيضًا بعدم القتل. القدّيس أغسطينوس + القول "اقتل" يضاد الوصيّة "لا تقتل"، أمّا أن المسيح لا يسمح بالغضب، فبهذا يثبت فكر الناموس بصورة أكثر كمالاً، فإن من يطلب تجنّب القتل لا يوقفه مثل من يستبعد حتى الغضب، فإن الأخير يبعد بالأكثر عن الجريمة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم ماذا يقصد السيّد بقوله "باطلاً"؟ إنه يريدنا ألا نخسر إخوتنا بسبب أمور زمنيّة تافهة وباطلة، مهما بدت ذات قيمة. أمّا إن كان من أجل أبديّتهم، فيليق بالأب أن يغضب على ابنه، والمعلّم على تلميذه، ليس غضب الانتقام، بل غضب التأديب النابع عن الحب. فإنه لا يقدر أحد أن يُعلّم الآخرين بغضب الكراهيّة، فالحق لا يُعلَن بالباطل، ولا يفقد الإنسان نفسه فيما يظن أنه يُصلِح الآخرين. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تقف في جانب نفسك في المعركة، ولا تنتقم لذاتك، فإن رأيت إنسانًا يرتكب خطأ قاتلاً ابسط يدك لتعينه.] إذ يثور الإنسان بالغضب لأن أخاه ارتكب شرورًا ضدّه فلينظر إلى أخيه أنه يقتل نفسه ويهلكها، فيسنده باللطف والحنو حتى يعينه للخروج من شروره لا أن يطلب ما لذاته. + ليس شيء أكثر خطورة من الحنق، ولا أقسى من الغضب! + يوجد سُكر بالغضب أكثر خطورة من السُكر بالخمر! القدّيس يوحنا الذهبي الفم ينتقل بنا السيّد من الغضب كانفعال داخلي خفي إلى الغضب الذي يصاحبه تعبير خارجي عنه بكلمة لا تحمل معنى قبيحًا، وإنما مجرّد تحقير، إذ يقول: "ومن قال لأخيه رقّا، يكون مستوجب المجمع" [22]. يقول القدّيس أغسطينوس أنه سأل رجلاً عبرانيًا عن كلمة "رقا Raca" فأجابه أنها لا تعني سوى مجرّد تعبير عن انفعال الغضب يصعب ترجمته إلى لغة أخرى. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنها تعبير سرياني كان مستخدمًا في الحديث مع الخدم والأشخاص الذين من الطبقات الدنيا، وذلك بدلاً من قوله "أنت" في هذا التعبير نوع من عدم الاحترام للشخص الموجّه إليه الحديث. إذ يدخل الإنسان إلى مرحلة أردأ بالإعلان عن غضبه بكلمة تدل عليه يصير مستحقًا المجمع وليس فقط الحكم. ففي الحكم يكون الاتهام مشكوكًا فيه، فيبحث القاضي في الاتهام ليتأكّد من صحّته، أمّا المجمع فيحمل نوعًا من التأكّد أن الاتهام ثابتًا على المتهم، فيحدّد القضاة الجزاء الذي يسقط تحته. ففي النظام اليهودي كانت تقام محاكم في القرى والمدن يتراوح أعضاؤها ما بين 3 و23 شيخًا، يقف أمامها المتّهمون بجريمة معيّنة. أمّا المجمع فهو أعلى من هذه المحاكم إذ هو أعلى هيئة قضائيّة في ذلك الحين ويسمى "مجمع السنهدرين". وواضح من كلمات السيّد أنه يقتبس التشبيه ليبرز خطورة الغضب المصحوب بكلمة، فلا يقف الإنسان أمام محكمة صغرى يمكن نقض حكمها، وإنما أمام أكبر هيئة قضائيّة للبت في أمره! أما المرحلة الثالثة ففيها الغضوب، وقد التهب فيه الغضب، لا ليعبّر عنه بكلمة بلا معنى أو مجرّد تعبير عن الاستياء، إنّما ينطق بكلمات جارحة، فإنه يستحق عقابًا أعظم: "ومن قال يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنّم" [22]. كلمة "جهنّم" تتركّب من كلمتين عبريّتين: "جه، هنوم" أي "داخل هنوم". هنوم هو وادي فيه كانت تُلقى مخلّفات الذبائح بميازيب خاصة، فكانت دائمًا مملوءة دودًا من مخلّفات الحيوانات، وكانت النار مشتعلّة فيها بلا انقطاع، لهذا جاءت رمزًا لعقاب إبليس وجنوده الأبدي، إذ قيل "دودها لا يموت ونارها لا تُطفأ". في هذا الوادي أجاز أحاز ومنسي أولادهما بالنار (2 مل 16: 3، 2 أي 28: 3؛ 33: 6). إن كانت جهنّم، موضع العقاب الأبدي لإبليس الذي صار بطبعه قتالاً، فإن من يترك نفسه لروح الغضب في استسلام فلا يقف عند الانفعال الداخلي ولا التعبير عنه بكلمة دون معنى، إنّما ينطلق إلى كلمات جارحة، هذا يسلّمه الله لسيّده فيبقى معه في جهنّم، يتركه لمشتهى قلبه الذي يستسلم للغضب! إن كان الغضب يحمل هذه الخطورة، فكيف نستطيع أن نضبط لساننا عن كلمات الغضب؟ يجيب القدّيس أغسطينوس: [إننا نرتعب... لأنه مَنْ من الناس لا يخاف من قول الحق: "من قال لأخيه يا أحمق يكون مستحق نار جهنّم"، وفي نفس الوقت يقول الكتاب المقدّس: "اللسان لا يستطيع أحد من الناس أن يذله" (يع 3: 8). يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أمّا لسانه فلا يقدر أن يلجمه... يستطيع أن يهذب كل ما يخاف منه، وكل ما ينبغي أن يخشاه، لكنّه لا يقدر أن يهذّب نفسه التي لا يخافها... إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يلجمه!... لنبحث بدورنا عن الله لكي يروّضنا... أنتم تروِّضون الأسد الذي لم تخلقوه، أفلا يستطيع خالقكم أن يروّضكم؟!... من أين أتيتم بهذه القوّة التي بها تُخضِعون الحيوانات المفترسة؟! هل تستطيع صورة الله (الإنسان) أن تروض الأسد المفترس، ولا يستطيع الله ترويض صورته؟] أخيرًا يختم السيّد حديثه عن عدم الغضب بمصالحة الإخوة قبل تقديم ذبيحة حب له، إذ يقول: "فإن قدّمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولاً اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال وقدّم قربانك. كن مراضيًا لخصمك سريعًا مادمت معه في الطريق، لئلا يسلّمك الخصم إلى القاضي، ويسلّمك القاضي إلى الشرّطي، فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير" [23-26]. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة: [يا للصلاح! يا للحب المتزايد نحو الإنسان! فإن الله لا يهتم بالكرامة الخاصة به من أجل محبتنا لأخينا!... هذه هي إرادته أن يعطي المحبّة تقديرًا عظيمًا حاسبًا إيّاهم أعظم ذبيحة وبدونها لا تُقبل ذبيحة!... فإن كنت تقدّم بذهنك صلاة، فمن الأفضل أن تترك صلاتك وتصطلح مع أخيك وعندئذ تقدّم صلاتك.] يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنت في عداوة فاصطلح. إن جاءتك الفرصة للوصول إلى مصالحة، لا تترك نفسك في نزاع.] إن كان الله يفرح بنا ككنيسة واحدة، عروس مقدّسة، فإنه يتقبّل تقدمة كل عضو خلال حياة الشركة القائمة على المحبّة... وبدون المحبّة لا يمكن أن تقوم الشركة ولا تُقبل تقدمة. ما أجمل العبارة التي قالها القدّيس جيروم التي يعبّر بها عن الكنيسة أو حياة الشركة: [لا أعرف سلامًا بغير حب، ولا شركة بدون سلام.] يُعلّق القدّيس يوحنا كاسيان على قول الرسول: "اغضبوا ولا تخطئوا، لا تغرّب الشمس على غيظكم" (أف 4: 26)، قائلاً: [كيف يمكننا الاعتقاد بأن الرب لا يسمح باستبقاء الغضب، ولو إلى لحظة في حين أنه لا يأذن لنا بتقديم قرابين صلواتنا الروحيّة إن تذكرنا ثمة أحدًا يشعر بمرارة من نحونا... ويوصينا الرسول، قائلاً: "صلّوا بلا انقطاع" (1 تس 5: 17)، وأيضًا: "في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال" (1 تي 2: 8). إذن، إمّا أننا لا نصلّي على الإطلاق محتفظين بسمّ الغضب في قلوبنا، فنكون مذنبين ضدّ الوصيّة الرسوليّة أو الإنجيليّة التي تأمرنا بالصلاة في كل حين بلا انقطاع، أو نتجاسر ونقدّم صلواتنا خادعين أنفسنا، غير آبهين بوصيّته الإلهيّة (مت 5: 23-24)، وعندئذ يليق بنا أن ندرك أننا لا نقدّم صلوات لله، بل سلوكًا عنيدًا بروحٍ متمردٍ.] ترك الرداء يقدّم السيّد مثلاً آخر لمقابلة الشرّ بالخير، قائلاً: "ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا" [40]. إن كان إنسان قد أخذ منك الثوب ودخل معك في خصومة، وأراد أن يسحبك إلى المحكمة ويسبّب لك متاعب، فاشتري راحتك وسلامك بترك الرداء أيضًا. بهذا تربح وقتك وقلبك وفكرك كما تربح المخاصم وتقتنيه بالحب والعطاء. يقول القدّيس أغسطينوس: [ليتنا نحتقر كل تلك الأشياء التي نحسبها ملكًا لنا وبسببها يخاصمنا إخوتنا... ليتنا ننقل ملكيتها لهم.] الثوب هو القميص الذي يلبسه الإنسان تحت ردائه أو عباءته، عادة يُصنع من القطن، أمّا الرداء فهو العباءة الثقيلة وهي أثمن من الثوب، يرتديها الإنسان في النهار ويستدفئ بها في الليل. فإن كان ثوبك الرخيص قد اغتصب بغير إرادتك، فإنك تحمل حرّية الحب لتقدّم معه ما هو أثمن منه. المسيحي في اتّساع قلبه وحرّية نفسه الداخليّة لا يئن بسبب حقوقه المغتصبة، وإنما يقدّم ما لديه للآخرين بفرح. هذا هو كمال الحرّية الداخليّة! يأمر السيّد الإنسان الغضوب أن يسرع بمصالحة خصمه مادام معه في الطريق، لئلا يسلّمه الخصم إلى القاضي، ويسلّمه القاضي إلى الشرطي، فيلقى في السجن ولا يخرج من هناك حتى يوفي الفلس الأخير. ما هو هذا الخصم إلا "الوصيّة الإلهيّة"، فإنها تدخل كطرفٍ في الخصومة مع الإنسان الغضوب. تقف "وصيّة الحب" كخصم حقيقي له، تدينه في يوم الرب أمام الديان، أي السيّد المسيح، (يو 5: 22)، الذي يسلّمه إلى الملائكة كشرطي ليلقيه في "الظلمة الخارجيّة" (مت 8: 12)، ولا يخرج من هناك حيث لا يقدر أن يفي العدل الإلهي حقّه. يقول القدّيس أغسطينوس: [أي شيء سيكون خصمًا لمحبي الخطيّة مثل وصايا الله، أي شريعته المدوّنة في الكتاب المقدّس، ذلك الكتاب الذي وُهب لنا ليكون معنا في الطريق، أي في الحياة الحاضرة، لكي ننفذ تعاليمه سريعًا ولا نخالفها. حتى لا يسلّمنا إلى القاضي؟! فعلينا أن نخضع له سريعًا، لأنه من يَعلَم متى نرحل من هذه الحياة؟ من يستطيع أن يخضع للكتاب المقدّس غير الذي يقرأه ويستمع له بتقوى، خاضعًا له كما لو كان لسلطانٍ عظيمٍ، غير متضايق ممّا يجده معارضًا لخطاياه، بل بالأحرى يحبّه لأنه يبكِّته عليها، ويفرح به لأنه يشفي أمراضه، ويصلّي ليفهم ما بدا له غامضًا أو غير مقبول، عالمًا أنه ينبغي تقديم كل وقار لسلطان كهذا.] 6. الزنا "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" [27-28]. يقول القدّيس أغسطينوس: [إن الخطيّة تكمل على ثلاث مراحل: إثارتها، التلذّذ بها، ثم إرضائها.] فإن كان الناموس قد حرّم إرضاء الخطيّة أي تنفيذها، فإن السيّد المسيح جاء ليقتلع جذورها بمنع الخطيّة من المرحلة الأولى. إن كانت الخطيّة تبدأ بالإثارة خلال النظرة الشرّيرة، ليتقبّلها الفكر ويتلذذ بها ثم تدخل إلى الإرضاء بالتنفيذ العملي، فإنه يسهل على المؤمن أن يواجهها في مرحلتها الأولى قبل أن يكون لها موضع في الذهن أو لذّة خلال الممارسة للخطأ. + يجب أن نلاحظ أنه لم يقل "من اشتهى امرأة"، بل "من ينظر إلى امرأة ليشتهيها" أي ينظر إليها بهذه النيّة، فهذه النظرة ليست إثارة للذّة الجسديّة بل تنفيذًا لها، لأنه بالرغم من ضبطها فستتم لو سمحت الظروف بذلك. القدّيس أغسطينوس + لم يخلق الله لك عينيّن لكي تدخل بهما إلى الزنا، وإنما لكي برؤيتك خلائقه تعجب... + إن رغبت أن تنظر بلذّة فتطلّع إلى زوجتك وحبّها باستمرار، فإن الشريعة لم تمنعك من هذا. أمّا إن كنت محبًا للاستطلاع نحو جمال من هنّ لغيرك، فإنك بهذا تؤذي زوجتك، لأن عينيّك تجولان في كل موضع، وتؤذي من تتطلّع إليها بالاقتراب منها بطريقة دنسة. فإنك وإن كنت لا تمسّها بيديك لكنك تلاطفها بعينيّك فيحسب ذلك زنا... ليست هي التي صوّبت سهمها إليك، وإنما أنت الذي سبّبت لنفسك حرجًا مميتًا بنظرك إليها. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + الله دائمًا يقطع جذور الخطايا بطريقة عجيبة، فإذ يقول: "لا تزن" (خر 20: 14) يقول أيضًا "لا تشته"، لأن الزنا هو ثمرة الشهوة التي هي جذرها الشرّير. القدّيس إكليمنضس السكندري إذ يتحدّث السيّد عن الشهوة والنظرة يتطرّق إلى الحديث عن العثرة، قائلاً: "فإن كانت عينك اليُمنى تعثّرك فاقلعها واِلقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يُلقي جسدك كلّه في جهنّم، وإن كانت يدك اليُمنى تعثّرك فاقطعها واِلقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقي جسدك كلّه في جهنّم" [29]. + من يتعثّر بعينه اليُمنى يسقط بالتأكيد في ذات الشرّ بعينه اليُسرى أيضًا. إذن لماذا أشار إلى العين اليُمنى كما أضاف إليها اليد؟ إنّما لكي يظهر أنه لا يتحدّث عن الأعضاء بل على من هم أقرباء لنا. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + إن كنّا نحتاج إلى شجاعة عظيمة لبتر أحد أعضائنا، لذلك فهو يقصد بالعين شيئًا محبوبًا، فلقد اعتاد الراغب في التعبير عن محبّته لآخر أن يقول: "إنّني أحبّه كعينيّ أو حتى أكثر من عينيّ"، لذلك ربّما قصد الرب من العين شدّة المحبّة... ليس هناك تفسير للعين اليُمنى أكثر ملاءمة من أن يقصد بها الصديق المحبوب حبًا شديدًا، الذي تصبح علاقته كعلاقة العضو بالجسد. هذا الصديق يكون مشيرًا حكيمًا لصاحبه، كما لو كان عينًا يرى بها الطريق، ويكون مشيرًا مخلصًا في الأمور الإلهيّة، لأنه عين يُمنى. أمّا العين اليُسرى فتُشير إلى صديق يُشير في الأمور الخاصة باحتياجات الجسد، الذي لا يلزم الحديث عنه كعثرة مادامت العين اليُمنى أهم من اليُسرى (أي أنه إذا أعثرتنا العين اليُمنى نقلعها، فكم تكون اليُسرى إن أعثرتنا). ويكون المشير عثرة إذا قاد صاحبه إلى هرطقة خطيرة في زيّ التديّن والتعليم. أما اليد اليُمنى فإنها تُشير إلى الشخص الذي يساعد ويعمل في الأمور الروحيّة. فالتبصُّر في الأمور الروحيّة له مكانه العين اليُمنى، كذلك العمل في الأمور الروحيّة له مكانه اليد اليُمنى، وبالتالي فاليد اليُسرى تعني الأمور الضروريّة لاحتياجات الجسد. القدّيس أغسطينوس 7. التطليق "وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق، أمّا أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلّة الزنا، يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلّقة فإنه يزني" [31-32]. كان الزواج قد انحط تمامًا عند الأمم، فالرومان الذين كانوا قبلاً يقدّسون الزواج فيحترم الرجل أسرته وتقوم المرأة أو الزوجة بدور رئيسي في الأسرة، قد تأثّر باليونان فكريًا، فصار الطلاق شائعًا جدًا. قيل عن امرأة أنها تزوّجت ثماني مرّات في خمس سنوات. أمّا اليونان فقد عرفوا في ذلك الوقت بالفساد حتى كان الرجال يحاولون عزل نساءهم خشية ممارستهم الشرّ، وفي كورنثوس تكرّست ألف كاهنة لبناء هيكل آخر لأفروديت إلهة الحب، فيجمعن المال بطريقة مملوءة خلاعة. أمّا بالنسبة لليهود فقد حملوا تقديسًا للزواج، فكان الطلاق مكروهًا لديهم. يقول الرب: "فاحذروا لروحكم ولا يغدر أحد بامرأة شبابه، لأنه يكره الطلاق قال الرب" (مل 2: 15-16). ومن أمثال الربيين: "يفيض المذبح دموعًا عندما يطلق إنسان امرأة شبابه". هكذا كان الطلاق مكروهًا جدًا، لكن الله سمح لهم به من أجل قسوة قلوبهم. وقد اختلفت مدارس التفسير اليهوديّة في تقديم الأسباب التي تبيح الطلاق. فمدرسة شمعي تميل إلى التضييق، فلا تسمح بالطلاق إلا في حالة فقدان العفّة. أمّا مدرسة هليل فكانت متحرّرة للغاية. يمكن للرجل أن يطلق امرأته لأي سبب مهما كان تافهًا مثل افسادها الطعام أو خروجها برأس عارية، بل ويستطيع أن يطلقها بلا سبب إن جذبته إنسانة أخرى. جاء السيّد المسيح يرتفع بالمؤمنين إلى مستوى النضوج الروحي والمسئولية الجادة فلا يطق الرجل امرأته إلا لعلّة الزنا. ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على كلمات السيّد بخصوص عدم التطليق قائلاً: [لم تأمر الشريعة الموسويّة بالتطليق، إنّما أمرت من يقوم بتطليق امرأته أن يعطها كتاب طلاق، لأنه في إعطائها كتاب طلاق (تطليق) ما يهدئ من ثورة غضب الإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب تطليق أشار عن عدم رغبته في التطليق ما أمكن. لذلك عندما سُئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلاً: "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم" (مت 19: 8)، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في تطليق زوجته إذ يعرف أنها بواسطة كتاب التطليق تستطيع أن تتزوج بآخر، لذلك يهدأ غضبه ولا يطلقها. ولكي يؤكّد رب المجد هذا المبدأ - وهو عدم تطليق الزوجة باستهتار - جعل الاستثناء الوحيد هو علّة الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى بثبات من أجل المحبّة الزوجيّة ولأجل العفّة، وقد أكّد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوج بمطلّقة "زانيًا".] 8. القسم "وأيضًا سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث، بل أوْف للرب أقسامك، وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتّة، لا بالسماء لأنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه، ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. ولا تحلف برأسك، لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء، بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرّير" [33-37]. لم يكن ممكنًا في العهد القديم أن يمتنع المؤمنون وهم في الطفولة الروحيّة عن القسم، لهذا طالبهم أن لا يحنثوا بل يوفوا للرب أقسامهم. أحيانًا كان يأمرهم أن يقسموا به ليس لأنه يودّ القسم، وإنما علامة تعبّدهم له وحده دون الآلهة الغريبة، بهذا كان يمنعهم من القسم بآلهة الأمم المحيطين به. في العهد الجديد إذ دخلنا إلى النضوج الروحي يأمرنا السيّد ألا نقسم مطلقًا بل ليكن كلامنا نعم نعم ولا لا. ويعلّل القدّيس يوحنا الذهبي الفم هذا بقوله إن القسم أشبه بالريح بالنسبة لسفينة الغضب، بدونه لا يمكنها أن تبحر في حياة الإنسان. إنه يقول: [ضع قانونًا على إنسان كثير الانفعال ألاّ يقسم قط فلا تكون هناك حاجة لتعليمه الاتّزان.] ويعتبر القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن عدم القسم هو العلامة التي تميّز المسيحي ولغته الخاصة: [لنتقبّل هذا كختم من السماء، فيُنظر إلينا في كل موضع أننا قطيع الملك. ليتنا نعرف من نحن خلال فمنا ولغتنا.] 9. مقاومة الشرّ بالخير "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرّ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا" [38-39]. في القديم منع الله شعبه من مقاومة الشرّ بشرٍ أعظم سامحًا لهم بذلك من أجل قسوة قلوبهم، أمّا وقد دخلنا العهد الجديد فقد ارتفع بنا إلى مقابلة الشرّ لا بشر مماثل أو أقل أو حتى بالصمت وإنما نقابله بالخير مرتقبًا بنا إلى أعلى درجات الكمال. يرى القدّيس أغسطينوس أن السيّد المسيح قد دخل بنا إلى درجة الكمال المسيحي كأعلى درجات الحب التي تربط الإنسان بأخيه، إذ يرى العلاقة التي تقوم بين البشر تأخذ ست درجات: الدرجة الأولى: تظهر في الإنسان البدائي الذي يبدأ بالاعتداء على أخيه. الدرجة الثانية: فيها يرتفع الإنسان على المستوى السابق، فلا يبدأ بالظلم، لكنّه إذا أصابه شر يقابله بشرٍ أعظم. الدرجة الثالثة: وهي درجة الشريعة الموسويّة التي ترتفع بالمؤمن عن الدرجتين السابقتين فلا تسمح له بمقاومة الشرّ بشر أعظم، إنّما تسمح له أن يقابل الشرّ بشر مساوٍ. أنها لا تأمر بمقابلة الشرّ بالشرّ، إنّما تمنع أن يرد الإنسان الشرّ بشرٍ أعظم، لكنّه يستطيع أن يواجه الشرّ بشر أقل أو بالصمت أو حتى بالخير إن أمكنه ذلك. الدرجة الرابعة: مواجهة الشرّ بشرٍ أقل. الدرجة الخامسة: يقابل الشرّ بالصمت، أي لا يقابله بأي شر، أي عدم مقاومته. الدرجة السادسة: التي رفعنا إليها السيّد وهي مقابلة الشرّ بالخير، ناظرين إلى الشرّير كمريض يحتاج إلى علاج. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على مقاومة الشرّ بالخير، قائلاً: [لا تُطفأ النار بنارٍ أخرى، وإنما بالماء... ليس ما يصد صانعي الشرّ عن شرّهم مثل مقابلة المضرور ما يصيبه من ضرر برقّة. فإن هذا التصرّف ليس فقط يمنعهم عن الاندفاع أكثر، وإنما يعمل فيهم بالتوبة عما سبق أن ارتكبوه، فإنهم إذ يندهشون بهذا الاحتمال يرتدّون عما هم فيه. هذا يجعلهم يرتبطون بك بالأكثر، فلا يصيروا أصدقاءً لك فحسب، بل وعبيدًا عِوض كونهم مبغضين وأعداء.] ماذا يقصد بالخد الأيمن والآخر؟ قدّم لنا السيّد أمثلة لمقابلة الشرّ بالخير في مقدّمتها إنه إذا لطمنا شخص على خدّنا الأيمن نحوّل له الآخر أيضًا. ولقد أوضح الآباء أن السيّد في تقديمه الوصيّة لم يقصد مفهومها بطريقة حرفيّة، لأن الإنسان لا يُلطم على خدّه الأيمن بل الأيسر اللهم إلا إذ كان الضارب أشولاً. إنّما الخدّ الأيمن يُشير إلى الكرامة الروحيّة أو المجد الروحي، فإن كان إنسان يسيء إلينا ليحطّم كرامتنا الروحيّة فبالحب نقدّم له الخد الأيسر أيضًا، أي الكرامة والأمجاد الزمنيّة والماديّة. ويحذّرنا الأب يوسف من تنفيذ الوصيّة حرفيًا بينما لا يحمل القلب حبًا حقيقيًا نحو الضارب، خاصة وأن البعض يعملون على إثارة الآخرين ليضربوهم، الأمر الذي يسيء إلى الوصيّة الإلهيّة. ويختم حديثه بقوله: [إن كان خدّك الأيمن الخارجي يستقبل لطمة من الضارب فليقبل الإنسان الداخلي بتواضع أن يتقبّل الضربة على خدّه الأيمن. بهذا يحتمل الإنسان الخارجي بلطف، ويخضع الجسد لمضايقات الضارب فلا يضرب الإنسان الداخلي.] + كثيرون تعلّموا كيف يقدّمون الخدّ الآخر، ولكنهم لم يتعلّموا كيف يحبّون ضاربهم. المسيح رب المجد، واضع الوصيّة ومنفّذها الأول، عندما لُطم على خدّه بواسطة عبد رئيس الكهنة ردّ قائلاً: "إن كنت قد تكلَّمت رديًا فاشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟!" (يو 18: 23). فهو لم يقدّم الخدّ الآخر، ومع ذلك فقد كان قلبه مستعدًا لخلاص الجميع لا بضرب خده الآخر فقط من ذلك العبد، بل وصلب جسده كله. القدّيس أغسطينوس الميل الثاني "ومن سخرك ميلاً واحدًا فاذهب معه اثنين، ومن سألك فاعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه" [41-42]. تظهر أهمّية هذه الوصيّة من دعوة المسيحيّة بديانة الميل الثاني، حيث يقدّم المؤمن للآخرين أكثر ممّا يطلبون، لكي يربح نفسه ويربحهم بحبّه. سير الميل الثاني علامة قوّة الروح وانفتاح القلب بالحب، فلا يعمل الإنسان ما يطلب منه عن مضض، وإنما يقدّم أكثر ممّا يطلب منه. كان اليهودي - تحت الحكم الروماني - مهدّدًا في أية لحظة أن يسخره جندي روماني ليذهب حاملاً رسالة معيّنة على مسافة بعيدة أو يقوم بعمل معين، وذلك كما فعل الجند حي سخروا سمعان القيرواني لحمل الصليب. فإن كان تحت العبوديّة القاسية يتقبّل الإنسان الميل المطلوب سيره، فإنه تحت نعمة الحرّية الكاملة يقدّم بكل سرور الميل الثاني دون أن يُطلب منه، إنّما هو علامة حرّيته. + بالتأكيد إن الرب لا يقصد كثيرًا تنفيذ هذه الوصيّة بالسير على الأقدام، بقدر ما يعني إعداد الذهن لتنفيذ الوصيّة. القدّيس أغسطينوس كشف السيّد مفهوم العطاء بقوله "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه" ولعلّه أراد بذلك أن تكون لنا طبيعة العطاء السخيّة، فإن البعض في عزّة نفس لا يقدر أن يستعطي فيطلب قرضًا، فلا تطلب ردّه منعًا من إحراجه... 10. محبّة الأعداء "سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوّك، وأما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات..." [43-45]. لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تحلّ معه" (خر 23: 5). وقيل أيضًا: "لا تكره أدوميًا لأنه أخوك، ولا تكره مصريًا لأنك كنت نزيلاً في أرضه" (تث 23: 7)، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم. هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطي والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم. لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا: الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه. الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن (المستوى الناموسي الموسوي). الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ. الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا. الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلاً يسير معه ميلين. الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم. الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم". الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير. الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه. هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: [جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا.] ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" [45]. إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.] فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء: + لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته! + كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق. + عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34) . القدّيس أغسطينوس + لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء!... فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر. + يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة. القدّيس يوحنا الذهبي الفم الكمال إذ يتحدّث عن درجات الكمال ويبلغ إلى قمّتها، أي حب الجميع حتى الأعداء بلا مقابل، يُعلن السيّد غاية ذلك ألاَ وهو الدخول في الحياة الكاملة والتشبّه بالله نفسه، إذ يقول: "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنه إن أحببتم الذين يحبّونكم فأي أجر لكم؟! أليس العشّارون أيضًا يفعلون ذلك؟! وإن سلّمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشّارون أيضًا يفعلون هكذا؟! فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" [45-48]. إن كانت غاية الله فينا أن يرانا أولاده نحمل صورته فينا وننجذب إليه بالحب لنحيا معه في أحضانه الإلهيّة ننعم بأمجاده، فإن غاية حياتنا الروحيّة ولقائنا معه هو أن ننعم بأبوّته لنا ونتأهل لنصير على مثاله فنحسب كاملين كما هو كامل! + إنه يقول: الذين تشكّلت أساليب فكرهم فصارت مترفّقة ومملوءة حبًا نحو إخوتهم على مثال صلاح أبيهم، هم أبناء له! القدّيس غريغوريوس النيسي + إذ لا يمكننا أن نصير كالله في الجوهر، لكنّه بالتقدّم في الفضيلة نتشبّه بالله، حيث يمنحنا الرب هذه النعمة! البابا أثناسيوس الرسولي + للمسيح إخوة مشابهون له، يحملون صورة طبيعته الإلهيّة خلال طريق التقدّيس، لأنه هكذا يتشكّل المسيح فينا... الذين يصيرون شركاء الطبيعة الإلهيّة خلال شركة الروح القدس، يحملون ختم شبه المسيح الفائق ويشِع في نفوس القدّيسين الجمال الذي لا يُعبّر عنه. القدّيس كيرلّس الكبير من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الخامس العظة على الجبل تشمل الإصحاحات 5، 6، 7 من إنجيل معلمنا متى العظة على الجبل وهى كما يسمونها دستور الحياة المسيحية، ألقاها المسيح لكى تلتزم بها مملكته وقد ألقاها المسيح من على جبل، كان جالساً على جبل، والجبل رمز للسماويات فى إرتفاعه، وهذه التعاليم لو نفذناها نحيا السماويات على الأرض. ولقد لخص معلمنا لوقا بعض تعاليم المسيح فى هذه العظة أمّا القديس مرقس فلم يورد منها شيئاً فمرقس لم يهتم بالتعاليم قدر إهتمامه بإبراز قوة المسيح الجبارة فهو يقدمه للرومان الذين يهتمون بالقوة وليس بالتعاليم. هذه العظة فيها كل المبادئ السامية اللازمة للحياة المسيحية الكاملة ومن يلتزم بها يرث الحياة الأبدية. ونرى فيها الإنتقال من الناموس للنعمة، الناموس كان يعطى قوانين ولكن النعمة هى أن المسيح يعطينا حياته، فنستطيع أن نحيا هذه الفضائل، فالمسيح قادر أن يعطينا فيه الكمال المسيحى. ولنلاحظ أن معلمى اليهود زادوا الشعب هماً على همه وإستخدموا الناموس ليخيفوا الناس من الله، أما المسيح هنا فهو يصالح الناس على الله بأن يعلن لهم أن الله يريد لهم الطوبى والبركة. المسيح يعلن لهم هنا عن قلب الله الرحيم. آية (1):- ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل فلما جلس تقدم إليه تلاميذه. لما رأى الجموع= رآها فى حاجة للتعليم حتى لا تهلك من عدم المعرفة. صعد إلى الجبل = ليسمعه ويراه الجميع. ونلاحظ أن المسيح يعلن دستوره من على جبل وموسى صعد إلى جبل ليستلم شريعة العهد القديم، فالجبل رمز للسمو والعلو والثبات والإرتفاع عن الماديات والأرضيات فلما جلس = كمشرع يعلن شريعة العهد الجديد ووصايا الحق. آية (2):- ففتح فاه وعلمهم قائلا. ففتح فاه = الله تكلم قديماً بأفواه الأنبياء والآن يكلمنا فى إبنه (عب 1:1،2) آية (3):- طوبى للمساكين بالروح لان لهم ملكوت السماوات. طوبى = أى البركة والسعادة لهؤلاء. ونلاحظ أن المسيح لم يبدأ تعليمه بأن يتحدث عن الممنوعات، بل هو يبدأ بالجانب الإيجابى، والحياة الفاضلة كاشفاً عن مكافأتها ليحثهم عليها. والصفات التى طوبها المسيح فى هذه الآية والآيات التالية ليست صفات منفصلة بل متكاملة، فالمسكين بالروح هو بلا شك وديع، وصانعو السلام بلا شك هم رحماء والذين يجوعون ويعطشون للبر والملكوت يكشف جوعهم وعطشهم عن قلب نقى بلا جدال والمضطهدون من أجل البر هم باكون حتماً وبالنهاية يتعزون بالضرورة. المساكين بالروح = ليسوا هم المعتازين مادياً ولكن هم من يشعرون بفقرهم الشديد بدون الله، ويشعرون بحاجتهم لله، وأنه كل شئ لهم لذلك فهم يطلبونه بإنسحاق شديد،وهذا هو مفهوم الإتضاع، وهؤلاء يرفعهم الله لملكوته ويسكن عندهم (أش 15:57). الكبرياء يسقطنا من الملكوت والإتضاع يرفعنا إليه. والإتضاع والمسكنة بالروح ضد مفاهيم الفريسيين. آية (4):- طوبى للحزانى لأنهم يتعزون. الحزانى= لا يقصد الذى يحزن لضياع ما له أو ممتلكاته فهذا حزن باطل، بل من يحزن على خطاياه ويحيا حياة التوبة. بل يبكى على خطايا الآخرين ويحزن على هلاكهم، هؤلاء حزنهم مقدس والله يحوله لفرح روحى ( يو 22:16 + 2كو 10:7). فمن يزرع بالدموع يحصد بالإبتهاج (مز 5:126) = لأنهم يتعزون ولنلاحظ الترتيب فالمتضع أى المسكين بالروح يسكن الله عنده فينير بصيرته فيعرف خطاياه ويراها فيحزن عليها، فيحول الله حزنه إلى فرح. ونلاحظ أن السيد المسيح ذُكِرَ عنه أكثر من مرة أنه بكى ولم يذكر عنه أنه ضحك، مرة واحدة قيل عنه تهلل بالروح إذ رأى عمل الله فى تلاميذه. آية (5):- طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض. الودعاء = مرة أخرى لاحظ الترتيب، فالحزين على خطاياه، حزنه يصقله ويصير وديعاً. الودعاء هم ذوى القلوب المتسعة البسيطة التى تحتمل إساءات الآخرين، ولا تقاوم الشر بالشر، هم الذين فى ثقة فى مسيحهم يقابلون من يعاديهم بإبتسامة وديعة، لا تربكهم إساءات الآخرين فيفقدوا سلامهم، ليس عن ضعف (فالمسيح القوى كان وديعاً)، بل ثقة فى قوة المسيح يرثون الأرض = هذه مثل إن أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداؤه يسالمونه، فالوديع يتمتع بحب الناس فيعيش فى هدوء وسكينة. والكلمة اليونانية هنا المترجمة ودعاء تستخدم لوصف الحيوانات الأليفة المستأنسة، وكأن السيد يطوب طبيعة المؤمن التى كانت قبلاً شرسة وقد خضعت لله فروضها فتحولت لكائن أليف وديع. آية (6):- طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون. الجياع والعطاش إلى البر= نلاحظ الترتيب فالتطويب حتى الآن كان لنفس متضعه سكن فيها الله ورأت خطاياها فحزنت، وحول الله حزنها فرح، وبدأ المسيح يشفيها من شراستها فتغيرت طبيعتها. مثل هذه النفس قطعاً ستشتاق للمزيد، والبر هنا هو بر المسيح، فهو صار لنا برأ من الله. وطوبى لمن يشتاق أن يشبع من الله، طوبى لمن يجوع للطعام الروحى أى معرفة الله ومعرفة المسيح. وكما أن الجوع الجسدى علامة صحة، فالجوع الروحى علامة صحة روحية. ومعرفة الله والمسيح حياة (يو 3:17)، كما أن الشبع بالطعام يعطى حياة للجسد. ومن يجوع ويعطش لله يشبعه الله ويرويه، يعطيه الله الروح القدس ليثبته فى المسيح ويعرفه المسيح ويشبعه بالمسيح (يو 37:7-39) هكذا صرخ المرنم " كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله (مز 1:42).الجوع والعطش إلى الله هو شعور دائم بالإحتياج لله وللإمتلاء به. آية (7):- طوبى للرحماء لأنهم يرحمون. الرحماء= كلما نتلامس مع الله ونعرفه ونشبع به نتمتع بسماته خاصة الرحمة. "كونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم لو 36:6". والذى لا يرحم أخاه لن يذوق من رحمة الله. والرحمة تشمل الفقراء والمحتاجين وأيضاً تشمل الخطاة فلا ندينهم بل نصلى لأجل توبتهم وخلاصهم. وكما يغير المسيح طبعنا الشرس لطبع وديع، هكذا يغير قساوتنا إلى طبع رحيم.الرحمة هى الإحساس بالآخر ومشاركته مشاعره. وتسديد إحتياجاته. آية (8):- طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله. أنقياء القلب= نحن أمام نفس يتعامل معها الله، حولها للوداعة وتشبهت به فصارت رحيمة، وماذا بعد؟ كيف نرتقى لدرجة أعلى؟ ينقى الله القلب فيصبح بسيط، والبسيط عكس المركب، أى أن القلب البسيط لا ينقسم بين محبة الله ومحبة العالم، يصبح هذا القلب غير محباً للخطية.وأصل كلمة النقاوة فى اليونانية تشير للغسل والتطهير كإزالة الأوساخ من الملابس، وتعنى أيضاً تنقيه ما هو صالح مما هو ردئ كفصل الحنطة عن التبن هكذا قلب المؤمن، يغسله ربنا يسوع المسيح بدمه من كل شائبة. يعاينون الله = هذه لا تعنى أننا نرى الله بضرورة مجسمة، فالله فوق الحواس بل أن من تطهر من حب الخطية تنفتح بصيرته الداخلية فيعاين الله، فالخطية هى التى تحجب رؤية الله، وبدون قداسة لن يرى أحد الرب (عب 14:12). الله يُرى ويُحَس ويُحَبْ بالقلب إذا تصفى من شوائب محبة العالم والخطية. أمّا من يعيش للخطية يصبح قلبه غليظاً لا يشعر ولا يحب الرب. لذلك هتف داود " قلباً نقياً فىّ يا الله ". مثل هذا الإنسان الذى له القلب البسيط يقال عنه أيضاً أن له عين بسيطة لا تبحث إلاّ عماّ هو لله، هذا الإنسان يكون جسده كله نيراً، أى يكون نوراً للعالم يرى الناس الله من خلاله فالله نور. وهذه يصل لها من من يقمع جسده وأهواءه ويضبط شهواته ويصلب نفسه عن العالم. آية (9):- طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون. صانعى السلام = من يعاين الله يشتهى أن يعمل فى كرم الله ولحساب مجد الله، والمسيح هو رئيس السلام جاء ليؤسس ملكوته على الأرض وهو ملكوت السلام. وإبن الله يعمل لحساب هذا الملكوت ويؤسس مع المسيح ملكوته بين الناس. أبناء الله ملأ الله قلبهم سلاماً فإندفعوا يعملونه بين الناس، متشبهين بالمسيح الذى صنع سلاماً بين السماء والأرض. وكل من يصنع سلاماً فهو إبن لله، ومن يزرع خصاماً فهو ليس إبناً لله. آية (10):- طوبى للمطرودين من اجل البر لان لهم ملكوت السماوات. المطرودين من أجل البر= أبنا الله المتحدين بالإبن البكر يسوع المسيح ينالهم ما نال المسيح، فكما طارد الشيطان المسيح، هكذا سيطارد المؤمنين فالشيطان والعالم يبغضون المسيح أى يبغضون البر وبالتالى يبغضون كل من يطلب البر ويحرمونه من ملكوت الأرض لكن الله يعطيه ملكوت السموات والمطرودين من أجل البر هم المضطهدين لأجل برهم. نلاحظ هنا أن المطرودين لأجل البر هم من أصحاب الطوبى الذين سبقوا. فكل من طوبه المسيح يكرهه العالم. فحامل الطوبى يعمل لحساب الله ولكن العالم لا يعمل لحساب الله فهو لا يعرف الله (يو 25:17). آيات (11-12):- طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من اجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لان أجركم عظيم في السماوات فانهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم. هنا السيد يوجه كلامه للسامعين = طوبى لكم= وهذا تشجيع لهم لأن يكونوا من المؤمنين، وأن يحتملوا ما سيواجهونه من ضيق كأولاد لله عيروكم = شتموكم فى وجودكم.... قالوا عليكم = فى غيابكم. كلمة شريرة = إتهامات باطلة. ولنلاحظ فى النهاية أن الجزاءات التى قالها السيد عن حالة ليست منفصلة بل هى متكاملة، هى تمس حياتنا الداخلية الواحدة من جوانب مختلفة، فمن المؤكد أن الرحماء يُدعون أبناء الله وأن صانعى السلام يُشبعون وهكذا قال القديس أغسطينوس هذا التشبيه ليشرح تكامل التطوبيات:- مثال ذلك أعضاء الإنسان الجسدية متعددة ولكن لكل منها عملها الخاص فنقول طوبى لمن لهم أقدام لأنهم يمشون، ولمن لهم أيدى لأنهم يعملون. هكذا نحن سنعاين الله بسبب نقاوة القلب. ولكن نقى القلب هو صانع سلام، لكن لن يعاين الله بسبب صنعه السلام لكن سبب نقاوة قلبه. ونقى القلب هو رحيم ولكنه لن يعاين الله بسبب رحمته ولكن بسب نقاوة قلبه وهكذا. (لو 17:6-26) ونزل معهم ووقف في موضع سهل هو وجمع من تلاميذه وجمهور كثير من الشعب من جميع اليهوديةوأورشليم وساحل صور وصيدا الذين جاءوا ليسمعوه ويشفوا من أمراضهم. والمعذبون من أرواح نجسة وكانوا يبراون. وكل الجمع طلبوا أن يلمسوه لان قوة كانت تخرج منه وتشفي الجميع.ورفع عينيه إلى تلاميذه وقال طوباكم أيها المساكين لان لكم ملكوت الله. طوباكم أيها الجياع الآن لأنكم تشبعون طوباكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون. طوباكم إذا أبغضكم الناس وإذا افرزوكم وعيروكم واخرجوا اسمكم كشرير من اجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك اليوم وتهللوا فهوذا أجركم عظيم في السماء لان آباءهم هكذا كانوا يفعلون بالأنبياء. ولكن ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم قد نلتم عزاءكم. ويل لكم أيها الشباعى لأنكم ستجوعون ويل لكم أيها الضاحكون الآن لأنكم ستحزنون وتبكون. ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسنا لأنه هكذا كان آباؤهم يفعلون بالأنبياء الكذبة واضح أن هناك خلافات فى النص الوارد فى تطوبيات إنجيل متى مع تطوبيات إنجيل لوقا. فمثلاً يقول فى متى طوبى للمساكين بالروح وفى لوقا يقول طوباكم أيها المساكين.. وهكذا. وحل هذا الإشكال سهل جداً. فنحن نسمع فى إنجيل متى أن المسيح ألقى عظته على الجبل 1:5 ولكننا نسمع فى لوقا أن المسيح قال عظته الثانية بعد ان نزل من على الجبل وذهب إلى سهل 17:6. فعظة إنجيل متى من على الجبل وعظة إنجيل لوقا فى سهل.وسبب إختلاف المعانى أن الجمع الذى إحتشد حول المسيح بعد نزوله من على الجبل كان مكوناً من تلاميذه الذين تركوا كل شىء وتبعوه، ومن كثيرين من المتألمين والمرضى والمعذبين، فكان كلام المسيح لهؤلاء يختلف عن كلامه لمن كانوا على الجبل، كان كلام المسيح على الجبل (والجبل رمز للسماويات ) موجهاً للنواحى الروحية مثل الإتضاع وهو المسكنة بالروح، والجوع والعطش للبر. أماً كلام المسيح فى السهل ( والسهل رمز للمستوى الروحى الأدنى ) فقد كان متأثراً بحالة الجموع المعذبة، هؤلاء الذين يحيون فى ذل وشقاء ونجد هنا المسيح يتحنن عليهم ويشفيهم، ويطوبهم على إحتمالهم ما هم فيه. لم يكلمهم المسيح عن المسكنة بالروح بل طوبهم على إحتمالهم المسكنة وأنهم تبعوه ويسمعونه،أى هم يبحثون عن الحق. وطوب هؤلاء الجياع لأنهم إحتملوا جوعهم بلا تذمر. وقطعاً فالمسيح لن يطوب إنساناً مسكيناً فقط لأنه مسكين وفقيرة، إن لم يكن له روحيات ترضى المسيح كتسليم حياته لله، والشكر على ما هو فيه، وعدم التذمر. المسيح فى عظة إنجيل لوقا يرفع من معنويات هؤلاء المساكين (راجع قصة الغنى والعازر). وبعد أن يرفع معنوياتهم، يرفع روحياتهم بأن يكلمهم عن المسكنة بالروح. المسيح كان يشفى أمراضهم ويحررهم من الأرواح النجسة أولاً وبعد ذلك يكلمهم عن الجوع والعطش إلى البر. ونلاحظ أن هناك من صار فقيراً وجائعاً فعلاً لأجل المسيح كالرهبان وعلى رأسهم الأنبا أنطونيوس الذى باع كل ما يملكه وصار فقيراً ليتشبه بسيده الذى إفتقر وهو غنى ( 2كو 9:8). عظة إنجيل لوقا فى السهل هى الدرجة الأولى فى السلم الروحى يليها الدرجة الأعلى على الجبل فى إنجيل متى. ونزل معهم=هو نزل معهم لكى يرفعهم.وهو تحنن عليهم إذ جاءوا ليسمعوه... وطلبوا أن يلمسوه..لذلك إذ طلبوه بصدق طوب فقرهم وجوعهم وعلمهم( مر 34:6 ) لأن قوة كانت تخرج منه وتشفى الجميع=فالسيد المسيح هو القوة الخالقة، هو الذى به كان كل شىء وبغيره لم يكن شىء مماّ كان، وهو القوة المصححة الشافية للخليقة، لهذا تجسد. طوباكم =طوبى بمعنى يسعد وينعم وتعنى الغبطة. وفى عظة الجبل كان السيد يقول طوبى، وهنا يوجه السيد كلامه لسامعيه من المساكين ليشجعهم أيها المساكين=العالم يفهم أن السعادة والغبطة هى للأغنياء، والسيد هنا يقول إن الطوبى للمساكين فلهم ملكوت الله، لهم السعادة فى السماء أما الأغنياء فقد إستوفوا أجرهم على الأرض ( قصة لعازر واغنى) هنا المسيح يرفع المساكين والمتألمين لشركة أمجاده. ومن آية 24 يقدم المسيح بعض الويلات، مثلاً للأغنياء ونلاحظ:- 1- المسيح بدأ بالتطويبات قبل الويلات فهدفه تشجيع السامعين وبث الرجاء فيهم. 2- المسيح ليس ضد الأغنياء ولكن ضد الأغنياء قساة القلوب أو الذين يعتمدون ويتكلون على أموالهم (مر 19:4+ مر 24:10). 3- المسكين مادياً ولكنه متكبر مثلاً لن يكون له نصيب فى الملكوت. أيها الباكون =المقصود بهم المظلومين والمقهورين، ومن ظلمهم العالم سينصفهم الله. أفرزوكم = هو حكم يصدر من المجمع، فلا يحق للمحكوم عليه دخوله 30-90 يوماً. وعيروكم= الحكم الأول أفرزوكم هو حكم دينى، وهذا الحكم عيروكم حكم مدنى. أخرجوا إسمكم كشرير= هذا حكم أدبى يُحرم فيه الإنسان من حقوقه الدينية والمدنية والشخصية. من أجل إبن الإنسان =مبارك من يُحكم عليه بما سبق لكونه مسيحى. كانوا يفعلون بالأنبياء = الصليب والإضطهاد واقع على كل أولاد الله. الأغنياء=المتكلين على أموالهم، وقلوبهم بلا رحمة، الشباعى=من مسرات العالم. الضاحكين = يلهيهم العالم بإغراءاته عن طلب التوبة بدموع. قال فيكم جميع الناس حسناً =هؤلاء الذين يسعون وراء المجد الباطل (مت 13:5-16) آية 13:- انتم ملح الأرض ولكن أن فسد الملح فبماذا يملح لا يصلح بعد لشيء إلا لان يطرح خارجا ويداس من الناس. صفات الملح 1) يعطى طعماً ويبرز نكهة الطعام لو ذاب بكمية معقولة 2) يحفظ بعض الأطعمة من الفساد 3) نقى وابيض. وبهذا التشبيه فالسيد المسيح يدعو المؤمنين للذوبان فى المجتمع، فالطبيعة البشرية فسدت وفقدت نكهتها بسبب الخطية. وعلى المؤمنين أن يعيشوا بحياتهم النقية (بيضاء كالملح) وسط المجتمع. وهم قادرون بالمسيح الذى فيهم أن يؤثروا فيمن حولهم ويكونوا قدوة، وبهذا يتقدس العالم ويمتنع عنه الفساد. ولكن على المؤمنين أن يذوبوا فى حياة الآخرين بإعتدال فلا يفقدوهم شخصياتهم ومواهبهم ( كمن يضع كمية كبيرة من الملح فى الطعام فتفسده ) أما لو فسد الملح لصار خطراً وبيلاً على من يستعمله، والقدوة لو فسدت فأثرها لا يُطاق كالملح الفاسد. ولذلك طلب السيد المسيح من الآب ألاّ يأخذهم من العالم بل أن يحفظهم من الشرير (يو15:17) فهم لهم عملهم ودورهم كملح للعالم. آيات (14-16):- انتم نور العالم لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل. ولا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات. النور الحقيقى هو المسيح، جاء ليضىء للعالم، وجعل تلاميذه يعكسون نوره كما يعكس القمر نور الشمس، فيكونوا كمصباح يضىء للعالم.والنور يعنى أن يرشد الآخرين فى حياتهم ويكشف الشر، وهذا هو عمل أولاد الله. مدينة موضوعة على الجبل = المدينة الموضوعة على جبل هى أورشليم، فهى مبنية على جبل صهيون. وأورشليم هى رمز للكنيسة وللنفس البشرية المؤسسة على صخر الدهور وطالما المسيح فيها (فى النفس) تكون نوراً للعالم، لا يمكن إخفاؤه. يوقدون سراجاً= السراج يوقدونه بالزيت وفتيلة تحترق. وهكذا أولاد الله يوقدون بزيت النعمة ويحترقون أى يقدموا أجسادهم ذبائح حية والروح القدس يشعلهم ويجعلهم نوراً، هو يعكس نور المسيح الذى فيهم. والنور الذى فينا يختبىء بالخطية، لذلك نسمع قول بولس الرسول " لا تطفئوا الروح. ويطفىء النور أيضاً الماديات والمقاييس المادية= المكيال. فكثيراً ما تقف حساباتنا البشرية عائقاً أمام الإيمان، الأمر الذى يفقد صلواتنا حيويتها وفاعليتها، لذلك حينما أرسل السيد تلاميذه للكرازة سحب منهم كل إمكانيات مادية فلا يكون لهم ذهب ولا فضة.... ولا عصا لكى ينزع عنهم كل تفكير مادى، ويكون هو غناهم وقوتهم. والمكيال أيضاً يشير لحجب النور باللذات الجسدية فيُحرم الإنسان من الإشتياقات الأبدية.يتحول الجسد إلى عائق للروح عوضاً عن أن يكون معيناً لها خلال ممارسته العبادة وتقديس كل عضو فيه لحساب المسيا الملك والمصباح يجب أن يوضع على منارة = ليصل نوره لكل مكان. والمنارة هى الكنيسة (أى ليرتبط المؤمن بكنيسته) المسيح إذاً بحلوله فينا وبإمتلائنا بالروح القدس، يظهر نور المسيح الذى فينا والهدف أن يتمجد الله حين يرى الناس أعمالنا الحسنة، وما يطفىء هذا النور 1) الخطية 2) الإنغماس فى ملذات العالم 3) الحسابات البشرية. الآيات (17-48):- موضوع هذه الآيات هو أن المسيح جاء ليكمل الناموس فما معنى هذا ؟ 1- أولاً : المسيح يعلن أنه ليس ضد الناموس كما أشاعوا عنه. وكيف ينقضه وهو واضعه فهو الله الذى تجسد ليكمله. 2- هو يكمل عجز وصايا الناموس، هو يرفع المستوى لمستوى النعمة التى للعهد الجديد، ومع زيادة الإمكانيات أى مع وجود النعمة زاد المطلوب (فطالب سنة أولى إبتدائى إذا حفظ جدول الضرب صار هذا معجزة ولكنه إذا أتم دراسته الجامعية سيطالب بأكثر من هذا كثيراً ) ففى العهد القديم لم يطلب الله سوى الإمتناع عن الزنا، أما فى العهد الجديد صارت النظرة والشهوة ممنوعة. وبهذا فالسيد المسيح لم ينقض الناموس، إذ أن نقض الناموس يعنى مثلاً السماح بالزنا. فى العهد القديم منع الناموس القتل، أما فى العهد الجديد يمنع الغضب باطلاً. إذاً التكميل يعنى هنا الوصول لأعماق الخطية داخل النفس ونزع جذورها 3- تكميل الناموس أيضاً يعنى أن فى المسيح تحققت كل النبوات، وظهر معنى الطقوس والفرائض، ففرائض الذبائح والختان كانت رمزاً لشئ سيحدث وبحدوثه إنتهت هذه الفرائض. 4- السيد المسيح أكمل الناموس بخضوعه لوصاياه دون أن يكسر وصية واحدة " لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر ( مت 15:3+ غل4:4) ولذلك قال السيد " من منكم يبكتنى على خطية ( يو 46:8 + يو 3:14). 5- السيد المسيح لم يكمل الناموس فى نفسه فحسب وإنما هو يكمله أيضاً فينا ( رو 4:10+ رو 3:8،4). فالناموس كان مساعداً للإنسان لكى يسلك فى البر، لكن الناموس عجز عن هذا. فأتى المسيح ليدخل بالإنسان لطريق البر مثبتاً غاية الناموس. 6- أكمل المسيح الناموس بموته، إذ بموته إستنفذ عقوبة الناموس على البشر. 7- أكمل المسيح الناموس أنه كشف روح الحب فى الوصية " من يحبنى يحفظ وصاياى، فهو أعطانا أن نتجاوب مع وصايا الناموس ونتممها عن حب، وهذا كان بسكب روح المحبة فى قلوبنا بالروح القدس (رو5:5)، أى جعلنا نطيع الناموس ليس خوفاً من عقاب بل حباً فيه= اكتبها فى قلوبهم (عب 10:8). آية (17) :- لا تظنوا أنى جئت لانقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لانقض بل لأكمل. إنى جئت= هذا يعنى أنه جاء من نفسه وليس كالأنبياء أرسلهم الله.فهو بهذا القول يظهر نفسه أعظم من الأنبياء. آية (18):- فأنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. إلى أن تزول السماء والأرض= إستعداداً لظهور السماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤ 1:21). وربما يشير هذا لإنتهاء اللعنة أو أن هذا العالم الملعون منذ خطية آدم ستتغير صورته إلى صورة مجد (رو 21:8،22). الحق أقول لكم= تعبير يعنى أن ما سيقال شىء مهم، ولم يستعمله سوى المسيح له المجد حرف واحد أو نقطة واحدة=الأصل اللغوى لا يزول حرف ( i) واحد. وحرف ( i ) هو أصغر الحروف الهجائية فهو مجرد خط صغير وفوقه نقطة. وإضافة النقطة فوق الحرف تغير المعنى تغييراً جوهرياً، والسيد بهذا يظهر أن لأصغر الأجزاء فى الناموس قيمة، هذا تعبير عن كمال الناموس. حتى يكون الكل= أن يتم الغرض من الناموس، فالناموس يحمل معه المكافأة على طاعته والقصاص على عصيانه. آيات (19،20):- فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماوات وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات. فأنى أقول لكم أنكم أن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات. لقد ظن الفريسيين أنهم يحفظون الناموس خلال غيرتهم بالتعليم، ولم يدروا أنهم ينقضونه بحياتهم الشريرة، فالتعليم بغير عمل يُحسب كنقض للناموس، والتعليم يفقد فاعليته بدون أن يكون المعلم قدوة، بل نفهم من قول السيد هنا أن العمل بالتعليم دون أن يكون المعلم قدوة فى حياته، هذا يقلل من مكافأته. هنا دعوة من السيد لنا أن نلتزم بتكميل الناموس فى حياتنا العملية. بل أن يزيد برنا على الكتبة والفريسيين، أى لا نتمسك بحرفية الناموس بل نعبد الله بروح الحب، ولا نمتنع فقط عن الخطايا بالفعل بل نمتنع عن الأفكار الشريرة والإرادة المنحرفة.... ولماذا لا والله أعطانا النعمة تعيننا. الوصايا الصغرى =هى ما يراها الناس أنها وصايا صغيرة مثل النظرة أو الغضب فى مقابل الوصايا الكبرى كالزنا والقتل التى هى خطايا الفعل. واليهود كانوا يرتبون الوصايا فهناك وصية أكبر وأعظم من وصية وهكذا. آيات (21،22):- قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم.وأما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. نرى السيد المسيح هنا يتتبع البواعث الداخلية التى تدفع للخطية ليقتلع أصول الشر من النفس. والباعث على القتل هو الغضب، والسيد يحدد هنا ثلاث درجات. 1- الغضب الباطل= تحرك الغضب فى القلب وقوله أنه باطل أى صادر عن قلب شرير حاقد يفضى للعراك والقتل، وهناك غضب حميد قال عنه بولس الرسول " إغضبوا ولا تخطئوا"(أف 26:4) ولكن عموماً فغضب الإنسان لا يصنع بر الله (يع 20:1) وهذا الغضب الباطل يستوجب الحكم. والحكم هنا يعنى محاكم القرى وتتكون من (3-23) عضواً وقد يعنى الغضب الباطل، الغضب بسبب أمور تافهة وزمنية مهما بدت ذات قيمة، والغضب المطلوب هو غضب أب يغضب على إنحراف إبنه أو غضب معلم يغضب على إهمال تلميذه. ولاحظ أن الدرجة الأولى هى غضب داخلى لم يصاحبه التفوه بكلمات إهانة. 2- من قال لأخيه رقا= هنا خرج الغضب إلى الخارج فى صورة كلمة استهزاء للآخر. وكلمة رقا كلمة سريانية تعبير عن إنفعال الغضب، كلمه إمتهان يمتهن بها الشخص على سبيل الإحتقار ( بدلاً من قوله أنت يقول رقا) وقد تعنى باطل أو فارغ أو تافه، أو كمن يستهزئ بأحد ويقول "هئ" فى هذه الحالة يستوجب الشخص أعلى هيئة قضائية فى ذلك الحين وهى السهندريم= المجمع وهو مكون من 70 شيخ، وهذا له أن يحكم الرجم. وكان حكم محاكم القرى يمكن نقضه أمام المجمع، ولكن حُكم المجمع لا يُنقض. 3- من قال يا أحمق = هنا الشخص يعبر عن غضبه بكلمة ذم. فكلمة رقا كلمة بلا معنى ولكن هنا الحال أسوأ فكلمة أعمق كلمة جارحة، ومثل هذا يستوجب عقاباً أشد. فجهنم هى مكان إبليس الذى كان قتالاً للناس، ومن يترك نفسه للغضب يتشبه بإبليس فيكون معه فى جهنم. وكلمة جهنم تنقسم لقسمين أ-جيه وعنى أرض ومنها GE OGRAPHY علم خرائط الأرض، GE OLOGY علم طبقات الأرض. ب- هنوم وهو وادى تلقى فيه الفضلات ويحرقونها، فهو نار متقدة دائماً. ويصير معنى جهنم (جيه هنوم) أى وادى أو أرض هنوم وهو مكان نار مستمرة ودود مستمر، وهذا يشير للعذاب الأبدى. عموماً وصية العهد الجديد هى المحبة، وأى خروج عن المحبة هو خطية وعصيان لوصية الله أى المحبة، حتى الشتيمة البسيطة تجرح المحبة وتسىء إلى الله. ولاحظ أن الشتيمة البسيطة قد تثير عراك يفضى إلى القتل. أما أنا فأقول = لا يجرؤ نبى أن يقول هذا، فالنبى يقول " هكذا يقول الرب" أماّ المسيح واضع الناموس فيقول هذا. آيات (23،24):- فان قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك. فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك. يختم السيد كلامه هنا عن عدم الغضب بضرورة مصالحة الإخوة قبل تقديم ذبيحة حب له. والمعنى أننا قد نخطىء فى حق الآخرين ولكن هذا ليس معناه فقدان الرجاء فى عفو الله، بل علينا أن نذهب ونعتذر ونتصالح ونفهم من قول السيد هذا أن الغضب والخصومة تمنعنا من الصلاة والتناول فإن قدمت قربانك = ذهبت للتناول وقد تشير لذبائح التسبيح والعبادة. فالمحبة للناس هى أعظم ذبيحة لله ودليل حبنا لله (1يو 20:4) وبدونها لا تُقبل أى ذبيحة. آيات (25،26):- لها تفسيران 1) حرفى 2) رمزى التفسير الحرفى:- أن هاتين الآيتين هما إمتداد للأيات السابقة، ومعناهما حث المسيح لنا أن نصطلح مع الآخرين، فهذا خيرٌ من تطور الأمور حتى السجن إذا حدث غضب وتهور وإنتقام. التفسير الرمزى:- هو تفسير القديس أغسطينوس. ويقول أن الخصم هو الضمير إذا – يجب أن ترضى ضميرك سريعاً. والقاضى هو الله. والسجن هو جهنم والشرطى هو الملاك الموكل بالهاوية. وعبارة حتى توفى الفلس الأخير = هى تعبير يدل على الاستحالة، يوضع إلى جوارها "ولن توفى" فمستحيل على الإنسان أن يوفى العدل الإلهى مهما قضى فى السجن فخطايانا غير محدودة لأننا أخطأنا فى حق الله الغير محدود، لذلك تجسد الإبن لكى يوفى عنا. هو ناب عن البشرية فى دفع ثمن الخطية ووفاء العدل الإلهى فمن لم يؤمن ويقدم توبة لن يستفيد من دم المسيح. وبالتالى سيلقين القاضى فى جهنم التى لا خروج منهما، فما دام لم يستفد من دم المسيح، كيف سيوفى وهو ملقى فى السجن. ويكون معنى كلام المسيح أنه من الأفضل أن تصطلح مع أخيك ههنا وأنت فى حياتك على الأرض، قبل أن تلقى بسبب ذلك فى السجن الذى ن تخرج منه [ والخصم قد يكون الوصية الإلهية التى يجب طاعتها. فالوصية الإلهية هى ضد رغبة الإنسان العتيق] الفلس: هو أصغر عملة. آيات (27-30):- المسيح هنا أيضاً لا ينقص وصية لا تزن بل يطلب طهارة القلب فالزنا يبدأ من داخل القلب. وإنه من السهل مقاومة الخطية وهى فى مراحلها الأولى أى داخل القلب وذلك بأن يمتنع عن النظر بشهوة وبهذا يثير حواسه ويتلذذ بالنظر. فأن كانت عينك اليمنى = لا يمكن فهمها حرفياً وإلاّ لأغمضنا العين اليمنى ثم ننظر باليسرى. ولكن اليمنى تشير للخطية والشهوة المحبوبة. واليد تشير للعمل. ومعنى كلام السيد المسيح لا نفهمه بقطع اليد أو قلع العين فعلاً، لكن المقصود أن نضبط نظراتنا وشهواتنا وأفعالنا، نحيا كأموات أمام الخطية وهذا ما قاله بولس الرسول " إحسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية " (رو 11:6) وأيضاً " أميتوا أعضائكم التى على الأرض الزنا النجاسة...." (كو 5:3) ونصلب الأهواء والشهوات ونقمع الجسد ونستعبده، وهذا هو الجهاد، وهذا هو التعصب الذى يخطف ملكوت السموات (غل 24:5 + اكو 27:9 + مت 12:11+ غل 20:2) بهذا نقدم أجسادنا ذبيحة حية (رو 1:12). ولاحظ أن من يفعل يعينه الروح على هذا " إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد " (رو 13:8) " فالروح يعين ضعفاتنا " (رو 26:8) العين اليمنى= تعنى النظر بلذة إلى منظر محبوب، وبشهوة اليد اليمنى= تعنى تنفيذ ما إشتهاه الإنسان ( هنا خرجت الخطية خارجاً) آيات (31،32):- وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فانه يزني. المرأة فى اليهودية كانت مهانة، وكان الرجال يصلون يوماً "أشكرك يا رب لأنك خلقتنى رجلاً وليس إمرأة، خلقتنى حراً وليس عبداً...." وهذا يعبر عن قساوة قلوبهم من ناحية المرأة، ولقساوة قلوبهم هذه سمح لهم موسى بالطلاق (تث 1:24). ولقد شاع الطلاق عند الأمم واليهود على السواء. ولقد هناك مدرستان عند اليهود، مدرسة شمعى وهى تسمح بالطلاق فى حالة فقدان العفة، أماَ مدرسة هليل فتوسعت فى أسباب الطلاق حتى أنها سمحت بالطلاق إن أفسدت الطعام أو خرجت عارية الرأس أو عموماً إن إنجذب الرجل لإمرأة أخرى. وجاء المسيح ليقدس الزواج ويرتفع به لمستوى المسئولية الجادة، فلا يسمح بالطلاق إلاّ لعلة الزنى. كتاب طلاق= هو شهادة بطهارة الزوجة المطلقة 1) حتى لا ترجم 2) به يمكنها أن تتزوج رجلاً أخر. ولذلك يكون كتاب الطلاق هذا وسيلة لتهدئة مشاعر الزوج ورجوعه عن الطلاق، إذ يشعر الرجل حين يكتب هذا الكتاب ان إمرأته ستصير لآخر فيرجع عن نيته بطلاقها. آيات (33-37):- أيضا سمعتم انه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب اقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسي الله. ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا وما زاد على ذلك فهو من الشرير. سمح الله لليهود فى طفولتهم الروحية بأن يستخدموا إسمه فى القسم : 1) حتى يرتبطوا به ولا يرتبطوا بالآلهة الوثنية إذ يقسمون بها. 2) حتى لا يحنثوا بوعودهم بل يلتزمون بأن يوفوا أقسامهم أمام الرب وكان اليهود حتى يتجنبوا شر القسم بالله وحتى لا يعاقبهم الله إن حنثوا بما أقسموا عليه، قد سمحوا بالقسم بالسماء وبالأرض وبأورشليم وبرأس الإنسان وإعتبروا أن هذه الأشياء لا علاقة لها الله. ولكن السيد المسيح هنا يعلمنا أن كل خليقة الله لها علاقة بالله. وفى العهد الجديد ما عاد أحد يعبد آلهة غريبة، وبالتالى ما عاد القسم بالله علامة التعبد لله، فلا داعى إذاً لأن يقسم أحد بالله، خصوصاً أن اسم الله أسمى من أن نتعامل به فى الأمور المادية العالمية، بل يذكر فى العبادة فقط. والمسيحى له سمة مميزة، هى أنه لا يُقسم بل يكون كلامه نعم ولا = أى الصدق فقط. وما زاد عن الصدق أو قل عنه فهو كذب، والكذب هو من الشرير الكذاب وأبو الكذاب يو 44:8. آيات (38-42):- سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. من سالك فأعطه ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده. قيل عين بعين= وصايا الناموس هذه تصلح لشعب بدائى، لا يملك النعمة التى تعطى المسيحى أن يحب أعداءه. ولكن هذه الوصايا كانت لازمة لمنع التوحش والإنتقام الرهيب، إذ أن الإنسان البدائى مستعد أن يقتل من يفقده عينه. وجاء المسيح ليطلب أن نقابل الشر بالخير وهذه درجة عالية جداً، لا يملك الإنسان البدائى أن ينفذها، فما يساعدنا الآن على تنفيذها هو حصولنا على النعمة. لا تقاوموا الشر= المقصود الشخص الشرير وتقاوم فى اليونانية تعنى أن تقف فى حرب ضد من يقاومك مجاهداً أن تنتصر عليه خدك الأيمن = المقصود به الكرامة الشخصية. الآخر= رُبما يكون المقصود به هو أن تترك لهُ سبب الخلاف الذى أدى للإهانة. فلو أهانك أحد بسبب خلاف على شئ 1) سامحه 2) تنازل عن هذا الشئ. وهناك من طبق الوصية حرفياً فهزم الشيطان. إذ ذهب أحد القديسين ليصلى لفتاة بها روح شرير، ولما فتحت هى له الباب تحرك فيها الشطان ولطمت القديس فحول لها الخد الآخر، فخرج الشيطان حالاً صارخاً هزمتنى بتنفيذك للوصية، ولقد رأيت شخصياً أحد الإخوة غير المسيحيين، حين لطمه أحد أصدقائه فى مشادة فسكت بل طأطأ رأسه، وبعد دقائق إنهار من لطمه طالباً الصفح وباكياً. ولكن المهم هو الفهم الروحى وليس التطبيق الحرفى، فالسيد المسيح حين لُطِمَ قال للعبد الذى لطمه.... فلماذا تضربنى يو 23:18، فهو لم يقدم خده الآخر بل هو كان مستعداً أن يصفح بل أن يموت عمن لطمه. من سخرك ميلاً = كان اليهودى تحت الحكم الرومانى – مهدداً فى أى لحظة أن يسخره جندى رومانى ليذهب حاملاً رسالة معينة على مسافة بعيدة وهذا كان النظام البريدى المتبع فى ذلك الحين. أو كانوا يسخرون أحداً لعمل معين كما سخروا سمعان القيروانى ليحمل صليب المسيح. والسيد هنا يطلب أنه إن سخرك أحد لمسافة ميل وتضطر أن تعمله بنظام العبودية فبحريتك سر معه ميل آخر علامة المحبة. والميل الآخر سيزيل مرارة عبودية الميل الأول. أى كن مستعداً للعطاء والبذل بحب، وهذا لخصه السيد بقوله من سألك فأعطه نفهم من كلام السيد هنا هو أن لا نهتم بدرجة كبيرة بحقوقنا الشخصية بل نقل البذل والتضحية والعطاء بحب، والتسامح مع حتى من يوجه لنا إهانة وإن أخذ أحدٌ منك شئ فإتركه واترك غيره لتستريح من مشاكل القضاء أى إشتر راحتك وسلامك = اترك الرداء أيضاً فتربح وقتك وفكرك وربما تربح من يخاصمك بحبك له.والرداء عادة أغلى ثمناً. عموماً لن يستطيع هذا إلا من حسب مع بولس أن كل شئ فى العالم نفاية (فى 8:3) آيات (43-48):- سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم احبوا أعداءكم باركوا لأعنيكم احسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات فانه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنه أن أحببتم الذين يحبونكم فأى اجر لكم أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك. وأن سلمتم على اخوتكم فقط فأى فضل تصنعون أليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا. فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل. الله محبة، وفى العهد الجديد عهد النعمة يسكب الله روح المحبة فى قلوبنا، ومن ثماره المحبة (رو 5:5 + غل 22:5). وكمال الإنسان المسيحى أن يمتلئ محبة لله أولاً ولكل الناس حتى لمن هم يعادونه، فى العهد الجديد يتصور المسيح فينا ( غل 19:4) فلا نستطيع سوى أن نحب الجميع تحب قريبك وتبغض عدوك = الناموس لم يأمرهم أن يبغضوا أعداءهم ولكن تحب قريبك هذه وصية الناموس، أماّ تبغض عدوك فهى تعليم الكتبة. فوصية الناموس الأولى والعظمى هى المحبة. فالقريب فى نظرهم هو اليهودى. أما تفسير المسيح فنرى فيه أن السامرى هو قريبى. ونلمس فى الناموس بعض الوصايا التى تشير لمحبة العدو (خر 4:23،5 + تث 7:23،8) وقد نجد بعض الأيات التى قد تفهم على أنها كراهية للأعداء مثل (تث 6:23) وغيرها ولكن حتى نفهم هذه الأيات يجب أن نعلم أن الشعب اليهودى فى هذه المرحلة ما كان يميز بين الخطية والخاطئ، فحين يطلب منهم الله أن يكرهوا خاطئاً فكان هذا ليكرهوا الخطية التى يعملونها فلا يعملونها هم أيضاً أحبوا أعدائكم = هذه ليست فى قدرة الإنسان العادى فكيف ننفذها ؟ 1. فى عهد النعمة، يعطينا الروح القدس هذه الإمكانية، وهى ليست بإمكانيات بشرية ؟ بل هى عطية إلهية. ولكن النعمة لا تعطى إلاّ لمن يجاهد فى سبيلها لذلك فالسيد حدد شروط الجهاد حتى نحصل على هذه النعمة باركوا... أحسنوا... صلوا لأجل... باركوا لا عنيكم = تكلموا عنهم وأمامهم بكل ما هو صالح (بالغصب طبعاً) أحسنوا إلى مبغضيكم = قدموا لهم ما أمكن خدمات وأعمال محبة ومجاملات صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم = أطلبوا بركة الله لهم ولذويهم فى صلواتكم وربما يتساءل البعض.. هل أصلى وأقدم خدمة وأبارك شخص أساء لى، وقلبى مملوء غضباً عليه ؟ نقول نعم فهذا هو الجهاد، فالجهاد هو أن تغصب نفسك على شئ حسن صالح، لا رغبة لك أن تعمله، وفى مقابل جهادك تنسكب النعمة فيك. فتجد نفسك قادراً على حب عدوك، بل ستجد نفسك غير قادر أن تكرهه. وهذه الآية تثبت صحة وجهة نظر الأرثوذكسية فى أنه لا نعمة بدون جهاد. فالمحبة هى عطية من الله أى نعمة، وهذه لا تنسكب فينا بدون الجهاد الذى ذكره السيد المسيح. لكى تكونوا أبناء أبيكم= حتى تستطيعوا أن تستمروا وتظهروا هكذا أمام الناس والملائكة، وتكونوا مشابهين فى المحبة لله أبيكم. هذا هو الكمال المسيحى. فالله يعطى من بركاته للجميع حتى الأشرار = يشرق شمسه على الأشرار. والسيد يعطينا أن يكون المثل الذى نقيس عليه هو كمال الآب السماوى، ومن يفعل يفرح الله. أحببتم الذين يحبونكم = فهذه يصنعها حتى الأشرار، هذه تنتمى للإنسان العتيق، إنسان العهد القديم، الذى هو بدون نعمة. العشارون= كانوا يجمعون الجزية، ولكنهم استغلوا وظيفتهم فى إبتزاز الناس لذلك صار إسم عشار يرادف أحط الأشياء وأحقرها. (لو 27:6-36):- لكني أقول لكم أيها السامعون احبوا أعداءكم احسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لأعنيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً ومن اخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً. وكل من سالك فأعطه ومن اخذ الذي لك فلا تطالبه. وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا انتم أيضاً بهم هكذا. وأن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم فان الخطاة أيضاً يحبون الذين يحبونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم فأي فضل لكم فان الخطاة أيضاً يفعلون هكذا. وأن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي فضل لكم فان الخطاة أيضاً يقرضون الخطاة لكي يستردوا منهم المثل. بل احبوا أعداءكم واحسنوا واقرضوا وانتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيما وتكونوا بني العلي فانه منعم على غير الشاكرين والأشرار. فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضا رحيم. هنا نجد نفس تعاليم السيد التى قالها فى عظة الجبل، يكررها القديس لوقا ونفهم منها أن نعمل الخير للآخرين دون إنتظار مقابل ونرد العداوة بحب وهذا لا يستطيعه سوى من صار فى المسيح خليقة جديدة 2 كو 17:5 وقد يقول قائل وهل أنا المسيح لأفعل ذلك؟ حقاً يجب أن نعلم أن المسيح يسكن فينا ويعطينا حياته " لى الحياة هى المسيح فى 21:1" + مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ غل 20:2. من ضربك على خدك = نكرر، ليس المفهوم أن لا يدافع المسيحى عن نفسه بل أن يحتمل بقدر إمكانه، وبمحبة، الآخر لكى يربحه للمسيح، المطلوب أن يكون الرد بوداعة ولطف وحكمة، فكل موقف له رد، ولكن المفهوم العام هو أن نحتمل ضعفات الآخرين لأجل المسيح، ونحاول جذبهم إلى السلام. والمسيح يضع هنا حكمة ذهبية كما تريدون أن يفعل الناس بكم إفعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا = أى لا نرد على إخوتنا بمثل ما يفعلون بنا من شر، بل بحسب ما نحب أن يفعلوا هم بنا. نحن الآن لا نحيا بحسب الإنسان العتيق، فمثل هذا يحب من يحبه ويعطى من يرجو منه خيراً أما إنسان العهد الجديد المملوء نعمة فهو قادر أن يحب حتى من يكرهونه ويعادونه. لم يذكر القديس لوقا موضوع من سخرك ميلاً، فهو مكتوب لليونان والرومان فهذا الموضوع لا يخصهم، فلن يسخرهم أحد.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس العظة على الجبل * التطويبات * استكمال الناموس (1) مقدمة العظة على الجبل ( ع 1 - 2 ) : ع 1 : تكاثرت الجموع خلف المسيح ، فخرج بهم إلى الجبل ليحدثهم بكلامه المحيى0والجبل يشبر روحياً إلى الإرتفاع عن الماديات ، والقوة والثبات الروحى0وتكلم معهم فى خطاب طويل إستغرق ثلاثة أصحاحات ، ويُعتبر دستوراً للمسيحية فيه أهم تعاليمها0وقد إقترب منه تلاميذه لمحبتهم فيه0 " صعد " : كان هناك جموع كثيرة تتبع المسيح ، وهى التى ذُكرت فى نهاية الأصحاح السابق0وحتى يسمعوه ويروه بوضوح ، صعد مسافة صغيرة على الجبل وجلس ، واقترب منه تلاميذه0أما باقى الجموع ، فجلست أمامه على الأرض فى الوادى المتسع ؛ وهذا الجبل هو أحد الجبال القريبة من كفرناحوم فى الجليل0 ع 2 : بدأ المسيح يتكلم ويعلم الجموع بكلام مباشر ، وهذه العظة هى من أشهر عظاته0وقد يكون كرر بعض معانيها فى مناسبات أخرى ، ولكنها من أهميتها تُعتبر دستوراً للمسيحية0وقد كانت عظته بمثابة تفسير للناموس ، مضيفاً إليه كمال الحياة المسيحية ، فما جاء لينقض الناموس بل ليكمله ( ع 17 )0 (2) التطويبات وهى الغبطات أو البركات ( ع 3 - 12 ) : ع 3 : بدأ المسيح حديثه بتشجيع أولاده ومدحهم ، ليجاهدوا فى حياتهم الروحية ، فأظهر لهم المكافأة ، ليتحمسوا للعمل الروحى0وأول مدح كان " المساكين بالروح " ، أى المتضعين ، لأن الإتضاع هو أساس كل فضيلة ، كما أن الكبرياء هو الخطية الأولى التى أسقطت آدم ، وأيضاً الشيطان0وبالتالى ، فالمتضع يضمن ملكوت السماوات الأبدى بحلول الله فى قلبه بملكوته الروحى ، فيفرح ويتمتع كل حين0 ع 4 : ثم يمدح الحزانى على خطاياهم ، أى التائبين ، ومن يحزنون على خطايا الآخرين ، فيصلّون لأجلهم ، لأن الله يعطيهم سلاماً فى قلوبهم فى هذه الحياة ، ثم تعزيات سماوية وأمجاد فى الأبدية0ومن أجل هذا ، أحب أولاد الله الدموع والندم على الخطية ، ليحيوا فى البر بقلوب رقيقة ، تشعر بحنان الله وغفرانه ، وتشكره كل حين0وهذا الحزن طبعاً غير الحزن على فقدان الماديات ، أو عدم الحصول عليها ، فهذا حزن باطل ينبغى التحرر منه0 ع 5 : إذ يتحلّى الإنسان بالتوبة ، تهدأ نفسه ، فيصير وديعاً فى داخله لا ينفعل لأى مكسب أو خسارة0وعلى قدر قوة علاقة الروح بالله ، يهدأ الجسد وتُروَّض طاقاته ؛ وقد قدّم المسيح نفسه مثلاً أعلى فى الوداعة لنتعلم منه0ويظن البعض أن الوديع يخسر حقوقه فى هذه الحياة ، لكن الله يعد الودعاء بوراثة الأرض0والمقصود بـ " الأرض " ، ليس فقط الأرض الجديدة فى ملكوت السماوات ، بل أيضاً الأرض التى نعيش عليها ، إذ أن الوديع يحبه الجميع وتزداد بركات الله له ، المادية بالإضافة إلى الروحية ، فلا يحتاج لأى شئ مادى0وترمز الأرض أيضاً للجسد ، الذى يخضع للروح ، فيصير هيكلاً للروح القدس0وكذلك ترمز الأرض للأشرار ، الذين يتحولون عن طبعهم الشرير بمخالطة الودعاء ، وبهذا يكسبونهم للمسيح0 ع 6 : " البر " : هو الصلاح والأعمال الحسنة ، وكل حياة فى الله0وكمال البر هو المسيح ، فالجوع والعطش إليه هو الشعور بالاحتياج المستمر للإمتلاء به0وكما كان بنو إسرائيل فى البرّية ، يشبع الله جوعهم بالمن من السماء ويروى عطشهم بالماء من الصخرة ، مانحاً إياهم الحياة فى البرّية القاحلة ، كذلك المسيح هو حياتنا التى لا نستطيع أن نعيشها بدونه0ومن يطلب المسيح ، لابد أن يشبع ويمتلئ بفرح0وهذا الجوع والعطش ، يدفع الإنسان للنمو فى الحياة الروحية بالطموح والإقتراب المتزايد من الله ، وانتهاز كل فرصة لمعرفته بالصلاة والقراءة والتأمل ، وفوق الكل التمتع بالأسرار المقدسة0 ع 7 : الرحمة : هى الإحساس بالآخر ، ووضع نفسك مكانه ، فتعطيه ، ليس فقط الإحتياجات المادية أو العاطفية ، بل المشاركة ، فتأكل وتتحرك وتفكر معه ، كما فعل المسيح إذ تجسد ، وشاركنا طبيعتنا كلها ما خلا الخطية وحدها0وتذكّر أن المسيح هو من تصنع معه الرحمة ، لأنه دعا المحتاجين " إخوته " ، وما نفعله معهم كأننا فعلناه معه0ومكافأة الرحمة أننا ننال مراحم الله فى حياتنا وخاصة فى الضيقة ، ثم فى النعيم الأبدى ( راجع ص 10 : 42 ، ص 25 : 34 - 46 )0 ع 8 : " القلب " : يمثل داخل الإنسان وأعماقه ومشاعره ونياته ، ونقاوته معناها تجرده من كل شهوة شريرة ، وكل انشغال عالمى عن محبة الله ، إذ يصير القلب مهيّأً لسكنى الله بالنقاوة ، ويستطيع أن يعاين الله ويشعر أنه بداخله ومعه فى كل شئ ، ليس بالرؤية أو السماع الحسى ، بل بالإحساس الروحى ، لأنه أعمق من الأمور الحسية ، ومشبع للنفس جداً ؛ وكل الصفات السابقة تجتمع معاً لتؤهل النفس للنقاوة التى بها نعاين الله0 ع 9 : " السلام " : هو استقرار القلب وراحته وفرحه0وصنع السلام يكون مع النفس فأحيا فى سلام ، وهذا يستلزم التنازل عن كل ما يقلق من شهوات ردية وأطماع أرضية ، بل والإستعداد للتنازل عن جميع الحقوق والإحتفاظ بالحق الأهم ، وهو السلام الداخلى0وإذا اكتسبنا سلامنا ، نستطيع أن نصنع سلاماً مع الآخرين بالحب والصلوات لأجلهم ، ومساعدتهم على الخروج من متاعبهم ، حتى وإن احتملناهم كثيراً لأنهم مساكين فاقدين سلامهم0والسلام هو الخضوع لله ، إله السماء ، الذى يمنحه كهبة للذين يحبونه0وقد صنع سلاماً بين الأرض والسماء ، ومصالحة بينهما ، بدمه على الصليب0فإن سعينا فى طلب السلام ، نكون بالحقيقة أبناء له0 ع 10 - 12 : التطويب الثامن والأخير ، ينتج من كل الصفات السبعة السابقة ، وهو احتمال الإضطهادات من أجل الحياة النقية والأمانة ، ومن أجل طاعة المسيح ووصاياه0ويعدنا الرب ، مقابل الآلام المحدودة فى هذه الحياة ، بأمجاد ملكوت السماوات التى لا تنتهى0 " البر " : أى الصلاح وأعمال الخير والحياة مع الله ، وهذا شرط للمكافأة السماوية ، لأنه لو أساء الناس إلينا ليس لبرنا ، بل لأخطاء صنعناها ، فهذا جزاؤنا الطبيعى0 " عيَّروكم " : أى استهزأوا بكم وبمسيحكم وبكل معتقداتكم وسلوككم المستقيم0 " كل كلمة شريرة " : وهى اتهامات باطلة يدعيها الأشرار عليكم ، كما فعلوا أيام الإضطهاد الرومانى ، وفى كل جيل0 " افرحوا وتهللوا " : لأنكم شاركتم المسيح فى آلامه ، وللأمجاد السماوية التى تنتظركم عِوض كل ما احتملتموه0 " عظيم " : ليُظهر مقدار البركات السماوية التى لا يُعبَّرُ عنها0ويدعونا للثقة فى سلوكنا البار ، مهما كانت تشكيكات وادعاءات الأشرار التى نحتملها ، عالمين أنها طريقنا لننال أجرنا السمائى ، خاصة وأن كل الأنبياء والقديسين إحتملوا لأجل الله ، فالإحتمال شرط أساسى لنوال الملكوت0ونصوص هذه التطويبات هى صفات الإنسان المسيحى ، التى لا يُستغنى عن أحدها لنوال المكافآت الثمانية0وأمامنا مثلنا الأعلى ، المسيح ، لنجد التطبيق العملى لكل هذه الصفات فيه0 + إن كنت تبغى السعادة ، وتشتاق أن تصل إلى الملكوت ، فلابد أن تقتنى الفضيلة ، وتتعب لتقتنيها ، فتفرح بسكنى المسيح فيك0إفحص حياتك ، لتعرف الخطية المتكررة التى تعانى منها ، واسع لاقتناء الفضيلة المقابلة لخطيتك0فإن كنت تعانى من الكبرياء ، تعلم الإتضاع0وإن كنت محارباً بالنجاسة ، فأنت محتاج للطهارة000وإرشادات أب إعترافك تفيدك كثيراً فى هذا الأمر0 (3) رسالة المسيحى ( ع 13 - 16 ) : ع 13 : شبه المسيح أولاده " بالملح " الذى يملح الأرض ، أى البشر الأرضيين المرتبطين بالعالم0ويتميز الملح بذوبانه فى الطعام ، فيعطى مذاقاً أفضل ، دون أن يلغى طعمه الأصلى ، مثل المسيحى الذى يؤثر فى الآخرين فيصيروا فى حياة أفضل ، ولا يفقدوا شخصياتهم الخاصة0والملح رخيص ومنتشر فى العالم كله بسهولة ، مثل المسيحى المتضع الذى تنتشر خدمته لكل إنسان0والملح أبيض اللون ، فيرمز للنقاوة والطهارة0ويستخدم أيضاً فى حفظ الأطعمة من الفساد ، كما أن المسيحى يحفظ نفسه ومَن حوله ويثبتهم فى الحياة مع الله0المشكلة الحقيقية ، هى أن يفسد الملح الذى نعتمد عليه فى إصلاح الجميع0ومتى يفسد الملح ؟ (1) إذا اختلط بمواد غريبة ، فيضعف تأثيره ، مثل اختلاط المسيحى بالأشرار وتأثره بهم0 (2) دخول رطوبة عليه فتضعف ملوحته ، وهذا يرمز للتنعم والتلذذ براحة الجسد ، وشهوات الحياة الفاسدة0 (3) إذا اختلط بالماء ومر فيه تيار كهربائى ، يتحول إلى مواد ضارة مثل الصودا الكاوية ، وهذا يرمز لخضوع المسيحى لقوى العالم الشريرة ، مثل التعلق بمحبة المال والشهوات المختلفة ، فتملأ قلبه وتغيّره عن طبعه ، ويصبح ضاراً ومفسداً للمحيطين به الذين يرونه قدوة ، فيصبح مُعثراً لهم0 حينئذٍ تظهر مشكلة ، ألا وهى : بماذا نُملّح أو نصلح الآخرين ؟ ومن ناحية أخرى : ماذا نصنع بهذا الملح الفاسد ؟ إنه فقد عمله وهدف وجوده فى الحياة ، فلا ينتظره إلا أن يُلقى خارج الملكوت ، ويعانى آلام الدوس ، أى العذاب الأبدى ، والسحق الذى لا ينتهى0 ع 14 : يشبّه المسيحى " بالنور " الذى وظيفته أن ينير للآخرين ، وهو يتميز بما يلى : (1) يرشد الآخرين فى طريق حياتهم0 (2) يكشف لهم الشر وكل ما يضرهم ليبتعدوا عنه0 (3) يساعدهم على عمل الخير ، فالعمل يكون فى النور وليس فى الظلمة0 (4) النور قوى ، لا يخاف الظلام ، أى الشر ، بل إن الظلمة تهرب منه0 فلابد أن يكون المسيحى فى سمو حياة روحية كمدينة مبنية على جبل ، لا يمكن إخفاء نورها ، مثل القمر الذى يضئ العالم بنوره العاكس لضوء الشمس التى هى الله ، فهو يطالبنا أن ننير العالم كله بحياتنا الصالحة0 ع 15 : يشبّه أيضاً حياة المسيحى بسراج ( مصباح أو قنديل ) فى بيت ، الهدف منه إنارة هذا البيت ، ويوضع على منارة أو مكان مرتفع ليصل نوره إلى كل أرجاء البيت ؛ ومن غير المنطقى أن يوضع فوق السراج مكيال ليخفى ضوءه0 " المكيال " : هو وعاء ذو فوهة ضيقة وقاعدة أكبر ، يستخدم لتعيين حجم الحبوب عند بيعها ، فإذا وُضع فوق السراج يخفى ضوءه تماماً0وهو يرمز للماديات والقياسات العقلية ، وهموم العالم التى تمنع إنطلاق النور " نور عمل الروح القدس فينا " ليضئ للآخرين0 ع 16 : يطالبنا بالقدوة للآخرين فى الأعمال الصالحة ، فيروا المسيح فينا ، وعمل روحه القدّوس ، فيمجدوا الله وينجذبوا للحياة معه ، ولا يكون غرضنا من الأعمال الصالحة الكبرياء ومديح الناس ومجد أنفسنا ، بل نسلك بالبر من أجل الله كقدوة للآخرين ، فنجذب القلوب لمحبة الله0 + إن لك دور أساسى فى العالم ، وهو إظهار المسيح فى كلامك وتصرفاتك فى كل مكان تذهب إليه أو توجد فيه0فاسأل نفسك فى نهاية كل يوم ، هل أظهرت المسيح فى بيتك وعملك وكل مكان ذهبت إليه ؟ حتى تتوب عن خطاياك وتدقق فى سلوكك ، فتربح نفسك ومن حولك0 (4) تكميل الناموس ( ع 17 - 20 ) : ع 17 - 18 : المسيح هو الله ، واضع الناموس0وبالتالى ، من غير المعقول أن ينقض ما وضعه ، ولكنه تجسد ليكمله ؛ كيف ؟ أ ) فيه تتم كل الرموز والنبوات فى العهد القديم ، كما يذكر متى الإنجيلى هذه العبارة : " ليتم ما قيل بالأنبياء000" ب ) يتمم بنفسه كل ناموس عنا ، إذ عجزنا نحن عن إتمامه ، كما يقول ليوحنا المعمدان : " نكمل كل بر " ( ص 3 : 15 )0 حـ ) يكمل الناموس فى حياتنا بقوة روحه القدّوس ، فإن كنا قد عجزنا بقوتنا أن نتممه ، فالروح القدس يسندنا ويقوينا0 د ) يكمل تفاصيل الوصايا ، فيعطى أسبابها وجذورها حتى نتلافاها ، فالقتل مثلاً بدايته الغضب ، والزنا أوله نظرة شريرة0 " الناموس أو الأنبياء " : يقصد بهما كل أسفار العهد القديم0 " الحق " : تعنى " آمين " ، والمقصود تثبيت وتأكيد ما سيعلنه فى الآية0 " السماء والأرض " : تعبير عن أكثر الأمور ثباتاً فى العالم ، لتوضيح ثبات كلام الله فى الكتاب المقدس إلى نهاية الدهور0 " حرف واحد أو نقطة واحدة " : أى أن أصغر تعليم لا يمكن أن يتغيّر0 " حتى يكون الكل " : حتى تكمل خطة الله فى خلاص أولاده يوم الدينونة ، ويكمل تطبيق كل الناموس ، بتمجيد أولاد الله وعذاب الأشرار0 ع 19 - 20 : كان الكتبة والفرّيسيّون يحفظون الناموس حرفياً ، لكنهم ينقضونه بأعمالهم0فرغم أهمية الحرف ، فإن الأهم هو تنفيذه عملياً0فمن أهمل أصغر وصية ، وعلَّم بذلك ، يكون أحط وأقل إنسان فى ملكوت العهد الجديد ، أى الكنيسة ، وينبغى أن يتوب سريعاً حتى لا يخسر أبديته0لأن من نقض إحدى الوصايا ورفضها عمداً ، يكون قد رفض الكل0أما من يخطئ بضعفه ، فالتوبة تمسح الخطايا فى سر الإعتراف0ولكن من قَرَنَ تعليمه للوصايا بتنفيذها فى حياته ، فهذا يدعى عظيماً فى الكنيسة والملكوت الأبدى0ثم ينادى المسيح تابعيه أن يزيد برهم عن الكتبة والفرّيسّيين ، فلا يكتفوا بحفظ حروف الناموس ، بل لابد من تطبيق وصاياه عملياً فى حياتهم ، لأنهم إن لم يطبقوا الناموس لن يدخلوا ملكوت السماوات0 " الوصايا الصغرى " : هى التى تختص بالإبتعاد عن شئ ، أو التدقيق فى شئ صغير0فهى مهمة مثل الوصايا الكبرى كالوصايا العشر0 " الكتبة والفريسيين " : كان اليهود يظنون أنه لكثرة معلومات هاتين الفئتين ، أنهما أعظم مثال للحياة مع الله ، فأوضح المسيح ضرورة أن يزيد البر لأى إنسان يريد أن يخلص عن هذا البر النظرى0 + ليتك تطبق ما تقوله للآخرين فى حياتك قبل أن تعلّم به غيرك ، فتختبره وتنال بركته ، ويكون كلامك أكثر تأثيراً فى سامعيك0إن كل معرفتك الروحية ، الله أعطاها لك أنت أولاً قبل أن تعلّم بها غيرك0فاقبل كل ما تقرأه أو تسمعه للتطبيق العملى ، فتخلّص نفسك ومن يسمعونك ، إذ يظهر فى حياتك سلوك مستقيم يكون قدوة للآخرين دون أن تشعر0 (5) القتل ( ع 21 - 26 ) : ع 21 - 22 : إن كانت التطويبات قد تكلمت عن الصفات الإيجابية فى الإنسان المسيحى ومكافآتها ، فيذكر المسيح الآن الخطايا السلبية وكيفية معالجتها ، ويأخذ مثلاً وصية صعبة ، وهى " لا تقتل " فيأتى بجذرها ، وهو خطية الغضب ، لأنه إن ابتعدنا عن الغضب ، فبالطبع لن نقتل أحداً0وقد كان الكتبة والفرّيسّيون وشيوخ اليهود يعاقبون من يقتل عمداً ، أما غير المتعمد فيهرب إلى مدن الملجأ0ولم يعطوا اهتماماً بالغضب الداخلى ، بل اكتفوا بتنفيذ الغضب خارجياً بالقتل0ولكيما يوضح المسيح خطورة الغضب ، قال : " إن كل من يغضب على أخيه باطلاً " ، أى بسبب الأمور المادية الباطلة الزائلة ، يكون مستوجباً حكم المحاكم الصغيرة التى أقيمت فى كل البلاد اليهودية ، ويقضى فيها عادة 23 قاضٍ من الشيوخ ، وهذا الحكم يمكن استئنافه أو مراجعته فى المحاكم العليا ، وأكبرها مجمع " السنهدريم " فى أورشليم ، الذى يتكون من سبعين من كبار شيوخها رؤساء اليهود ، لذا يسمى أيضاً مجمع السبعين ، وهو المجلس الأعلى وتتبعه كل المجالس الفرعية0كما أنه أكبر سلطة يهودية تأخذ القرارات فى أمور اليهود الدينية ، وكان كثير من الكتبة أيضاً أعضاء فى هذا المجمع0والمقصود بالغضب هنا ، غضب داخلى قلبى ، دون إظهار أى تعبير عنه0أما " من قال لأخيه رقا " ، وهى كلمة سريانية تعبّر عن الإحتقار المرتبط بالغضب ، يستوجب هذا محاكمة المجمع ، أى مجمع السنهدريم الذى يتكون من كبار شيوخ أورشليم0ولكن ، إن تطاول الإنسان فى غضبه ، ووصف أخيه بالحمق والغباء ، فيستحق " نار جهنم "0 " جهنم " : مأخوذة من وادى هنُّوم الذى كانت تلقى فيه بقايا الذبائح ، وكان يسرى فيها الدود ، ويحرقونها بالنار ، فكانت النار لا تنطفئ فى هذا الوادى0ولذا شبه الله العذاب الأبدى بالنار التى لا تنطفئ ، والدود الذى لا يموت ، فى وادى هنُّوم ، ولكن بطريقة روحية أكثر عذاباً وقسوة0وهنا ، يظهر المسيح رفضه للغضب وخطورته ، فحتى الغضب الداخلى يستوجب محاكمة أمام الله ، وبالتالى أى تعبير عنه ، سيؤدى بالإنسان إلى الهلاك الأبدى0 ع 23 - 24 : يعلن المسيح بوضوح أن الصلوات والعطايا المقدمة لله ، لا تُقبل من الإنسان الغضوب ، أو المسئ لغيره ، أو المخاصم ، لأن الله يريد الصلوات المقدمة من القلب النقى المملوء محبة0فإن قدّم أحد اليهود قربانه كعطية لله ، ثم تذكّر وانتبه لوجود مخاصمة بينه وبين أحد ، فلا يكمل تقديم قربانه ، بل يصطلح أولاً مع أخيه ، ثم يعود ويكمل تقديم قربانه ، لكيما يُقبل من الله0 " لأخيك شيئا عليك " ، لم يقل لك عليه شئ ، فحاسب نفسك على واجباتك قبل حقوقك0 " اترك " : يوضح أهمية المصالحة وتقديم الحب قبل العبادة ، لأنه إن تنقَّى القلب بالمحبة يكون مقبولاً من الله ، وكذا العبادة التى يقدمها0 " اذهب " : أى إهتم بمصالحة أخيك حتى لو كان مخطئاً فى حقك ، كما يوصى المسيح بنفسه ، قائلاً : " إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه " ( ص 18 : 15 )0 + يلزم تنقية القلب من كل غضب قبل الصلاة ، سواء فى مخدع بيتك أو فى الكنيسة ، وخاصة عند التناول من الأسرار المقدسة ، لأن صلواتك غير مقبولة إن لم تُنقَّ قلبك0فأسرع لمصالحة الآخرين ، حتى لو كانوا مخطئين فى حقك ، فتكسبهم بالمحبة ، ولا تنزعج من كبريائهم أو قسوتهم ، بل صلَّ لأجلهم حتى يُنزع الغضب من قلوبهم ، واهتم بسلامك قبل كل شئ0 ع 25 - 26 : إن " خصمك " هو وصايا الله ، أو ضميرك الذى يذكّرك بكلام الله ، أو الروح القدس الساكن فيك ، إذ أنك صرت فى خصومة معه بسبب وقوعك فى الشر0 " الطريق " : هو هذه الحياة0فإن خضعت لصوت الروح القدس والضمير ، وأطعت الوصية ، مبتعداً عن الغضب والحقد وكل شر ، تُنجَّى نفسك ، وتصطلح مع هذا الخصم ، وإن لم تصطلح معه بالخضوع له والتوبة ، فإنه يسلمك إلى " القاضى " ، وهو الله الديان العادل فى يوم الدينونة ، فيحكم عليك بالهلاك الأبدى ، ويسلمك إلى " الشرطى " ، وهم الملائكة الذين يلقونك فى السجن ، أى العذاب الأبدى ، و " لا تخرج من هناك حتى تُوفى الفلس الأخير " ( كل ديونك حتى أصغر عملة )0ولأن خطيتك غير محدودة ، إذ هى موجه لله غير المحدود ، فعقابها غير محدود ، وبالتالى ، تظل فى العذاب الأبدى0 + ليتك تحترس من خطية الغضب ، ولا تعطى لنفسك أعذاراً لتتمادى فيها ، بل أشفق على الآخرين مهما كانت أخطاؤهم ، فتحمى نفسك من نتائج الغضب الشريرة ، وتستعيد سلامك ، وترجع إلى طريقك الروحى المؤدى إلى الملكوت ، وتكسب نفوس من حولك0 (6) الزنا ( ع 27 - 30 ) : ع 27 - 28 : إن الزنا هو النظر بقصد الشهوة ، وهذا يولد تلذذ بالشهوة فى الفكر ، الذى يؤدى إلى السقوط فى الفعل بدرجاته المختلفة0لذا ، أراد المسيح قطع الخطية من جذورها ، وهو النظر ، موضحاً أنه يعتبر زنا ، حتى لا يتهاون أحد فى نظرته أو أفكاره أو عواطفه ، ويظن هذا شيئاً عادياً ، وإلا سيتمادى ويعتبر حتى اللمسات الشريرة عادية0وإن سقط فى الزنا الكامل ، قد يعذر نفسه ، فيُغلق باب التوبة أمامه ، لتهاونه وتبريره للخطية0 + أما أنت يا إنسان الله ، فاهرب من التطلع بلا داعٍ حتى لا تسقط فى المناظر الشريرة ، كما يهرب الإنسان من الثعبان أو العقرب0 ع 29 - 30 : حيث أن الإنسان ، لضعفه ، معرض للسقوط بالنظر أو الفعل ، يقول المسيح : إن سقطت فى نظرة شريرة ، فاقلع عينك اليمنى التى أعثرتك وأسقطتك فى خطية الزنا0وإن سرقت ، فاقطع يدك اليمنى التى أعثرتك0والمقصود هنا ليس المعنى الحرفى ، لأنه ، ما الفرق بين العين اليمنى واليسرى ؟ إلا أن اليمين يرمز للقوة والأهمية ، فيشير بهذا إلى الصديق القريب جداً أو الشهوة المحببة ، أو أى شئ عزيز لديك مثل العين أو اليد ، ينبغى الإبتعاد عنه ، والتنازل عن الإرتباط به ، حتى لا تسقط فى الخطية ، ويكون مصيرك العذاب الأبدى0 + إفحص يا أخى مصادر سقوطك فى الخطية ، سواء الزنا أو أية خطية أخرى ، وتنازل وابتعد عنها مهما كانت غالية عندك ، لتكسب خلاص نفسك وأبديتك0 (7) الطلاق ( ع 31 - 32 ) : ع 31 - 32 : " كتاب طلاق " : يجلس الزوج مع أحد الكتبة ، ويكتب محضر طلاق ، فيعطى حرية للزوجة أن ترتبط بآخر0كان العالم الوثنى يبيح الطلاق لأى سبب ، خاصة اليونانيون الذين انتشر عندهم الفجور والزنا فى معابدهم0أما عند اليهود ، فكان لابد أن يراجع نفسه ، ويكتب كتاب طلاق ، لعله يرجع عن قراره ، إذا شعر أن امرأته ستكون لآخر ، ويهدأ غضبه وضيقه0أما المسيح ، فيظهر عظمة سر الزيجة أنه اتحاد لا يمكن فصله ، إلا إذا ارتبط أحد الطرفين بزنا ، فحينئذٍ يكون قد فصل نفسه عن الآخر وقسم هذا الإتحاد0أما من يطلق إمرأته لأى سبب آخر ، يجعلها تزنى إذا ارتبطت بآخر ، لأنها مازالت أمام الله زوجته ، والزوج الجديد يعتبر زانياً لأنه تزوج بامرأة غيره0والمسيح هنا يعارض ، ليس شريعة موسى المكتوبة فى ( تث 24 : 1 ) بإباحة الطلاق وكتابة كتاب بذلك ، بل يُرجع الأمور إلى أصلها0فإن كان موسى قد اضطر ، نتيجة اختلاط شعبه بالمصريين وتعودهم الطلاق ، أن يضع حدوداً لهم ، بأن يراجع الإنسان نفسه ويكتب شهادة بذلك0ولكن ، لم يكن هذا قصد الله حين خلق الإنسان ليتحد بالآخر فى سر الزيجة ، عندما قال : " لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً " ( تك 2 : 24 ) ، ولم يعط سماحاً بالطلاق إلا فى حالة الزنا ، لأنه يفصل بين جسدى الزوجين عندما يرتبط أحدهما بجسد آخر0 + فلنقدّس سر الزيجة ، لنرتفع عن أسباب الخلافات ، ونحاول حلها بالإرشاد الروحى ، والتوبة ، والإلتصاق بالكنيسة0 (8) القَسَم ( ع 33 - 37 ) : ع 33 : سمح الله قديماً لشعبه أن يقسِموا ( يحلفوا ) باسمه ، حتى يوجه قلوبهم لعبادته ، وعدم القَسَم بالآلهة الوثنية0وما نهاهم عنه هو " الحنث " ، أى القَسَم كذباً0ومعنى ذلك ، تنفيذ ما أقسموا به ، مثل النذور التى يجب الوفاء بها إذا ما نطق الإنسان بها ، ووعد الله أن يتممها0وكان الكتبة والفرّيسّيون يعلّمون أن القَسَم باسم الرب هو الذى ينبغى إيفاءه ، أما القَسَم بأى شئ آخر فيمكن الرجوع فيه0وهذا طبعاً تعليم خاطئ يقاومه المسيح هنا ، ويصححه فى الآيات التالية ، مُعلّماً بعدم الحلف أو القَسَم مطلقاً0 ع 34 - 37 : فى العهد الجديد ، يكمل الناموس بالنهى عن القَسَم ، لأن إسم الله أسمى من أن يقال لأجل معاملات مادية ، بل يذكر للعبادة ومباركة حياتنا0 " كرسىُّ الله " : السماء ترمز لوجود الله نظراً لسموها وارتفاعها ، فتناسب سموه0 " موطئ قدميه " : الأرض والأرضيات أدنى من السماء ، لذلك دُعيت موطئاً لقدمى الله0ومن ناحية أخرى ، نحن لا نملك أى شئ فى العالم ، بل نحن وكلاء عليه ، فكيف نقسم بشئ لا نملكه ؟ الله وحده القادر على القَسَم ، لأنه يملك كل شئ0ويوضح المسيح أننا لا نملك حتى شعرة واحدة من رؤوسنا ، وعاجزين عن تغيير لونها0وبالتالى ، لا يصح أن نحلف بحياة إنسان أو أى شئ من المخلوقات التى فى العالم ؛ لذا يطالبنا أن يكون كلامنا بسيطاً خالياً من القَسَم ، أى لا نحتاج أن نثبته بالقَسَم ، وتكون إجابتنا على الآخرين ، نعم أو لا فقط0 " نعم نعم ، لا لا " : أى لا نستخدم القَسَم ، ونعلن الحقائق أو موافقتنا على ما يقوله الآخرون بكلمة نعم ، أو النهى ورفض ما يناسبنا بكلمة " لا " ، دون الحاجة لإثبات ذلك بكلمات القَسَم0 " من الشرير " : أى أن استخدام القَسَم هو من عمل الشيطان الشرير ، فهو الذى أوجد الكذب والغش ، ويدعو الناس للقَسَم إثباتاً لكذبهم0منع القَسَم يضبط الغضب ، حتى لا يتمادى إلى قرارات ملزمة ، بل هو سمة للمسيحيين فى براءتهم0والقَسَم ليس دليلاً على الصدق ، بل يستخدمه الأشرار فى الكذب للوصول إلى أغراضهم0 + دقق فى كلماتك ، فيكون فيها إسم الله للبركة ، وابعد عن الكذب ، وبالتالى لا تحتاج إلى إثبات أقوالك بالأقسام الباطلة0ولا تستهن باسم الله ، أو حياة الناس فتُقسم بها باستهتار لمجرد التعود على ترديدها0 (9) مقابلة الشر بالخير ( ع 38 - 42 ) : ع 38 : أراد الله فى العهد القديم تثبيت فكرة العدل الإلهى ، والحاجة إلى الفداء ، وإن أخطأ الإنسان يحتاج لإنسان مثله يفديه0فالعين تُفدى بعين ، والسن ( مفرد أسنان ) يُفدى بسن مثله0ولأن الخطية غير محدودة ، إذ هى فى حق الله ، إحتاجت لفداء غير محدود ، أى بموت الله المتجسد ، المسيح إلهنا0وأراد أيضاً بهذه الوصية " عين بعين ، وسن بسن " ، ألا يرد الإنسان على الشر بشر أعظم منه ، بل يكفى أن يرد بشر مثلما أصابه0هذه هى وصايا العهد القديم ، لأن مستوى فهم الشعب لا يحتمل أكثر من هذا0والإنسان فى نضجه الروحى ، يتدرج فى ست درجات أمام الشر الذى يصيبه : (1) الإعتداء على الغير بالشر ، وهذا هو الإسلوب الهمجى0 (2) مقابلة الشر بشر أعظم ، لأن الآخر بدأ بالشر0 (3) مقابلة الشر بشر مثله ، وليس أكثر ، كما فى الشريعة اليهودية0 (4) مقابلة الشر بشر أقل ، وهذا فيه ضبط للنفس0 (5) عدم الرد على الشر ، بل الصمت ، وهذا ضبط كامل للنفس0 (6) مقابلة الشر بالخير ، وهذا هو المستوى المسيحى ، أعلى الدرجات0 ع 39 : ينبهنا المسيح إلى عدم اضطراب القلب ، فيرد على الشر بشر آخر ، لأنه إن امتلأ القلب بالمحبة ، يلتمس العذر للآخر ، فلا ينزعج من الإساءة الخارجية على الجسد ، أى اللطمة0وليس المقصود المعنى الحرفى فى اللطم ، لأن الإنسان يُلطم على خده الأيسر وليس الأيمن ، إلا إذا كان الضارب أعسر ، أى يستعمل يده اليسرى ، فتقع اللطمة على الخد الأيمن0ولكن المقصود المعنى الروحى ، وهو التسامح والإحتمال ، بل الإستمرار فى الإحتمال بقبول لطمة ثانية ، أى إساءة ثانية0 ع 40 : يعطى مثالاً آخر فى الإحتمال والتسامح ، وهو إذا حدثت مشاجرة ، وحاول الآخر اغتصاب ثوبك0 " الثوب " : هو اللباس الداخلى مثل جلباب ، والشريعة تقضى بألا يأخذه أحد لأنه غطاء الفقير ( خر 22 : 26 - 27 )0 " الرداء " : هو العباءة الخارجية ، وهو أغلى ثمناً0وبذلك نقابل الظلم بالحب ، وعطاء أكبر مما كان يريده الظالم ، مهما كان الظلم شديداً ، فيخجل الظالم ويهدأ غضبه0وهذا لا يمكن أن يتم إلا من قلب ممتلئ بالمحبة والشبع من الله ، فيتنازل بسهولة عن الماديات ، حتى لو ظن الآخر فى البداية أنه كسب شيئاً منه واستغله ، لكنه يقف مبهوراً أمام هذا الحب العجيب ، فهو بشارة صامتة تقدمها للأشرار حتى يتوبوا ، واثقاً من أن الله يعوضك أضعاف وأضعاف ، ليس فقط فى السماء ، بل وعلى الأرض أيضاً ، لأن وعده واضح : " ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل ، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان000وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية " ( مر 10 : 29 - 30 )0 ع 41 : السُّخرة : هى العمل بدون أجر0فإن أجبرك أحد على عمل ، قدّم له خدمة أكبر ، فتكسبه بمحبتك ، وتنال بركات سمائية0 " الميل الثانى " : هو الحب ، الذى تطفئ به شر وظلم الآخرين0 ع 42 : إن وجدت إنساناً محتاجاً طلب منك ، فأعطه0وهذا تنازل عن محبة المال ، وإحساس بالآخر ، وعدم النظر إليه كطامع ، فقد يكون طمعه نتيجة إحساسه بالحرمان ، فاحتمله0وقد يكون خجلاً من أن يستعطى منك ، فيطلب قرضاً وهو غير قادر على رده ، فلا تطالبه ، بل اتركه له كعطاء محبة منك0وطبعاً ، كل هذا على قدر المحبة التى فى قلبك0فإن لم تكن قادراً على هذه المحبة ، فعلى الأقل احتمله وسامحه0ولا تكن أنانياً شحيحاً فى عطائك ، لأن الله قال بوضوح : " طوبى للرحماء ، لأنهم يُرحمون " ( ع 7 )0 + إن آمنت بالحب ، تستطيع أن تطفئ كل لهيب الشر فى المحيطين بك ، فالحب أقوى من الكراهية0أشفق بمحبتك على الغضوبين والطامعين ، فهم مرضى محتاجون للدواء الذى هو الحب ، سواء باحتمالهم والصلاة لأجلهم ، أو التكلم معهم بلطف عِوض كلماتهم السيئة ، أو تقديم خدمات لهم ؛ ولا تستطيع أن تحتملهم وتحبهم ، إلا إذا امتلأ قلبك بمحبة الله0فاهتم بعلاقتك الروحية بالله ، واطلب معونته ، فتستطيع أن تفيض حباً منه على الآخرين0 (10) محبة الأعداء ( ع 43 - 48 ) : ع 43 : " قريبك " : فى نظر الفرّيسّيين هو اليهودى ، أما تفسير المسيح فهو كل إنسان كما فى مثل السامرى الصالح ( لو 10 : 30 - 37 )0أمرت الشريعة فى العهد القديم بمحبة القريب ، حتى يخرج الإنسان من أنانيته ، ويحب أقرباءه والمقربين إليه0 " تبغض عدوك " : هى إضافة من الفرّيسّيين لم تقررها الشريعة ، ولعلهم استنتجوا هذا من أمر الله بإبادة الأشرار من أرض الميعاد ، أى إزالة الشر0ومع هذا ، فالشريعة أقرت بمساعدة العدو إن وقع حماره تحت حمله ( خر 23 : 4 - 5 )0وأمرت أيضاً ألا يكره الأدومى لأنه قريبه ، ولا المصرى لأنه كان نزيلاً عنده ، مع أنهم من ألد الأعداء الذين أذلّوهم وحاربوهم ( تث 23 : 7 )0 ع 44 : مع النضج الروحى فى العهد الجديد ، طالبت الشريعة بمحبة الأعداء ، لأن طبيعتهم خلقها الله نقية ، والشر الذى فيهم دخيل عليهم من إبليس0فلا ننظر إليهم كأشرار ، بل كمرضى محتاجين للمحبة والشفقة ، فنباركهم بالكلمات الطيبة ، فتسكت كلمات الشر التى على أفواههم0وبعمل الخير معهم ، تهدأ قلوبهم0ونصلى لأجلهم ، حتى يرفع الله عنهم أفكارهم الردية ، وبهذا نكسبهم لنا أصدقاء فى الإيمان والمحبة0 " باركوا " : فلا تقتصر المحبة على المشاعر الداخلية ، بل تخرج فى كلمات طيبة ومشجعة0 " أحسنوا " : وترتبط المحبة أيضاً بتقديم خدمات وإحسانات للساقطين فى قضية البغضة لنا0 " صلّوا " : وهى أقل درجة فى المحبة أو الوسيلة التى لا يمكن منعها ، لأن من يعادينا قد يرفض الحديث معنا أو قبول خدماتنا ، ولكنه لا يستطيع منعنا من أن نصلى إليه ، مهما كان اضطهاده لنا0 ع 45 : " أبناء أبيكم " : الله محبة ، ودليل بنوتنا ، أن نحب كل أحد بما فيهم الأشرار والمسيئين0بهذه المحبة ، نتشبّه بالله الذى أحبنا ومات لأجلنا على الصليب ، نحن الذين عصيناه وتحديناه وصلبناه0والله مستمر فى عطائه لكل البشر ، سواء المؤمنين به أو الرافضين إياه ، فهو يشرق بشمسه على الكل ، وأمطاره تروى الكل0وقد استخدم الشمس والمطر لأجل نفعهما لكل البشر ، ولأنهما فى السماء فيرمزان لعطايا الله العلوية0 + إن كان الله ينير ويشبع الكل ، فقدم محبتك لكل من تقابله ، وانسَ ذاتك ، محتملاً الآلام لأجل المسيح ، مهما أساء إليك الآخرون0 ع 46 - 47 : " العشارون " : هم جامعو الضرائب الرومانية ، ويتصفون بالطمع والقسوة ، فكانوا أردأ جماعة فى المجتمع ، ويرتبط إسمهم بالخطاة0يعلن المسيح بوضوح أن محبتنا لمن يحبنا شئ عادى ، يشترك فيه معنا الأشرار ، الذين يمثلهم العشارون المتصفون بالقسوة والطمع0ولكن تميزنا كمسيحيين ، هو أن نحب ونعطى السلام ، ونعمل الخير مع من يسئ إلينا ويعادينا0 " سلّمتم " : كانت الشريعة تقضى بعدم السلام على الأمم ، وتقصره على اليهود ، وبهذا يظهر قصور المحبة وعدم اتساعها لتشمل كل البشر ، فأوصت شريعة العهد الجديد بمحبة الكل0 ع 48 : " كونوا أنتم كاملين " : أى اسعوا نحو الكمال0يؤكد المسيح أن هذا هو كمال المحبة ، أى محبة الأعداء ، فنصير أبناء الله الكامل ، وهو يدعونا للسعى نحو الكمال الذى لا يمكن الوصول إليه تماماً ، ولكن الله يفرح بهذا السعى لأنه هو الكامل ، فيكون هذا سعياً نحوه0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح