كلمة منفعة
* الإنسان الروحي لا يستخدم ألفاظًا قاسية، إنما ألفاظًا رقيقة، لأنه من ثمار الروح القدس (لطف). فهل أنت تتميز باللطف في كلامك ومعاملاتك..؟
— الألفاظ الرقيقة
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 27
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 27
الاصحاح السابع والعشرون :
الملك المصلوب
لما كان الصليب هو الطريق الملوكي، لذلك قدّم لنا الإنجيلي متى صورة دقيقة عن أحداث الصليب:
1. محاكمته أمام الوالي 1-2.
2. رد الفضّة 3-10.
3. صمتِه أمام الوالي 11-14.
4. إطلاق باراباس 15-26.
5. آلامه قبيل الصلب 27-31.
6. آلامه أثناء الصلب 32-38.
7. الاستهزاء به 39-44.
8. ظلمة على الأرض 45.
9. صراخه وتسليمه الروح 46-50.
10. انشقاق الحجاب 51-56.
11. دفن السيِّد 57-61.
12. خِتم القبر 62-66.
1. محاكمته أمام الوالي
تمت المحاكمات الدينيّة طوال الليل، وسط ظلمة الحقد والكراهيّة، "ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي" [1-2].
كان قادة اليهود يطلبون المسيّا المخلّص لينقذهم من الحكم الروماني، ويقيم لهم مملكة مسيانيَّة أرضيّة، يطمع الكل أن يكون لهم فيها مراكز مرموقة وسلطان. أمّا وقد حطَّم السيِّد كل مفهوم مادي للملكوت معلنًا المفهوم الروحي، التجأوا إلى قادة الرومان أنفسهم ليحكموا عليه ليس فقط من جهة أمورهم الدينيّة، وإنما كخائنٍ وطنيٍ يُقيم نفسه ملكًا. وكأن هؤلاء الذي يطلبون التخلُّص من قيصر هم أنفسهم من أجل مصالحهم الذاتيّة تظاهروا كمدافعين عنه ضدّ المخلّص! كان مبدأهم الداخلي والخفي هو المصلحة الخاصة لا الجماعة أو خدمة الله والوطن!
2. رد الفضة
لم يكن ممكنًا ليهوذا أن يترك الفضّة معه، فكما أن من يترك شيئًا من أجل السيِّد المسيح يرد له مئة ضعف في هذا العالم مع حياة أبديّة في الدهر الآتي (مت 19: 29)، هكذا من يبيع السيِّد بثمن يخسر مئة ضعف في هذا العالم ويفقد حياته إلى الأبد. كان يهوذا في طمعه يظن أنه يقتني ربحًا بالثلاثين من الفضّة، وإذا به يقتني همًّا وغمًا، فذهب يرد الفضّة في ندامة بلا توبة، ومرارة بلا رجاء، حتى لم يطِق حياته فمضى وخنق نفسه.
لم يقبل رؤساء الكهنة أن تُوضع الفضّة في خزانة، لأنها ثمن دمٍ، فاشتروا بها حقل فخَّاري مقبرة للغرباء وقد دُعيَ بحقل الدم، شهادة لما فعلته البشريّة بمخلّصها.
يُعلّق القدّيس كيرلّس الأورشليمي عن كلمات رؤساء الكهنة والشيوخ ليهوذا: "ماذا علينا؟ أنت أبصر" [4]، وقولهم عن الفضّة المطروحة في الهيكل: "لا يحلّ أن نلقيها في الخزانة، لأنه ثمن دم" [6]، قائلاً: [يا للعجب! القتلة يقولون: ماذا علينا؟ ويطلبون من الذي قبِل ثمن الجريمة أن يُبصر هو، أمّا هم قاتلوه فليس عليهم أن يُبصروا... يقولون في أنفسهم: لا يحلّ أن نلقيها في الخزانة، لأنه ثمن دم. إن ما نطقتم به هو الذي يدينكم! لأنه إذا كان وضع ثمن الدم في الخزانة يعتبر إثمًا، فكم يكون إهدار الدم؟! وإذا كنتم ترون عُذرًا لصلب المسيح فلماذا ترفضون قبول الثمن؟]
"حقل الدم" الذي اُشتُرى بالثلاثين من الفضّة كمدفن للغرباء يُشير إلى العالم الذي افتداه الرب بدمه لكي يدفن فيه الأمم، فينعمون معه بقيامته. وكما يقول القدّيس جيروم: [لماذا اِشتروه؟ لكي يستخدموه مدفنًا للغرباء. إننا نحن المنتفعون به، فقد اُشترى الحقل لأجلنا بثمن دم المسيح.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [الحقل حسب الكلمات الإلهيّة هو كل العالم الحاضر (مت 13: 36)، وثمن الدم هو ثمن آلام الرب الذي اشترى العالم بثمن دمه ليخلّصه (يو 3: 17). جاء لكي يحفظ الذين دُفنوا مع المسيح وماتوا معه في المعموديّة (رو 6: 4، 8؛ كو 2: 12) لنوال البركات الأبديّة... فعِوض أن يعيشوا غرباء تحت الناموس... صاروا قريبين بدم المسيح (أف 2: 11-13).] وقد سبق لنا تفسير الثلاثين من الفضّة وبيت الفخّاري وحقل الدم وما ترمز إليه في دراستنا لسفر زكريّا النبي (زك 11: 12-13).
3. صمتِه أمام الوالي
"فوقف يسوع أمام الوالي، فسأله الوالي، قائلاً: أأنت ملك اليهود! فقال له يسوع: أنت تقول. وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء. فقال له بيلاطس: أما تسمع كم يشتكون عليك؟ فلم يُجبه ولا عن كلمة واحدة، حتى تعجّب الوالي جدًا" [11-14].
كانت إجابته لبيلاطس الوالي مقتضبة للغاية، في الحدود التي فيها يكشف له عن الحق، فلا يكون له عذر. وعندئذ توقَّف عن الكلام سواء مع القادة الدينيّين أو الوالي، إذ لم يرد أن يدافع عن نفسه. لو أراد لأمكن أن يشهد عن نفسه، ويأمر السماء فتشهد له، لكنّه لم يكن محتاجًا إلى هذه الشهادة والدفاع عنه. حقًا إن كثرة الكلام وخاصة تبرير الإنسان نفسه يُعلن عن الفراغ الداخلي والضعف، ولكن بقدر ما تشبع النفس في الداخل ويكون إنساننا الداخلي قويًّا تقل الكلمات جدًا!
صمْتْ السيِّد أمام متَّهميه هو كنز ثمين ورصيد يَغترف منه المؤمن عندما يُهان ويُتَّهم ظلمًا فلا يثور أو يضطرب. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل شتمك أحد؟ اِرسم العلامة على صدرك وتذكَّر كل ما حدث (أثناء الصلب) وإذ بكل شيء ينطفئ".] ويكمّل قائلاً: [اشفق على من يشتمك فإنه خاضع لسيِّد هو شبَح رهيب أي الحَنق، ولشيطان خطير أي الغضب.]
+ كان مقتنعًا بأن حياته كلها وأعماله بين اليهود أفضل من أي كلام لدحض شهادة الزور، وأسمى من أي كلام يقوله للرد على الاتهامات.
+ على أي الأحوال، فإن يسوع يهاجمه شهود زور في كل وقت. طالما وُجد الشرّ في العالم فهو مُعرَّض للاتِّهامات بصفة دائمة. ومع ذلك فإنه لا يزال صامتًا أمام هذه دون أن يقدّم إجابة مسموعة، بل يضع دفاعه في حياة تلاميذه الحقيقيّين، وتعتبر هذه الحياة شهادة سامية جدًا تسمو فوق كل شهادة زور، وتفنِّد كل الهجمات والتهم التي بلا أساس وتهدمها.
العلاّمة أوريجينوس
4. إطلاق باراباس
بقدر ما تكاتفت قُوى الشرّ معًا ضدّ السيِّد المسيح للتخلُّص منه بالصلب، كان السيِّد وهو يقدّم نفسه فِصحًا عن البشريّة كلها بسرور، يسمح ببركات رمزيّة منظورة أثناء صلبه، كرمز للبركات غير المنظورة. ففي التشاور ضدّه التقت الجماعات الدينيّة المتضاربة معًا تشترك في هذا الهدف الواحد، وكأن بموته يقدّم المصالحة بين المتضارِبين في الفكر والمتخاصِمين ليس فقط بين فئات أُمَّة واحدة، وإنما بين أجناس وألسِنة وأممٍ متنوّعة. وأثناء محاكمته أرسله بيلاطس لهيرودس بكونه واليًا على الجليل، وكان الأخير يشتاق أن يراه فتمَّت مصالحة بين بيلاطس وهيرودس بسبب السيِّد المُقيَّد تحت المحاكمة! وقبْل الصلب مباشرة طلب بيلاطس من الشعب أن يطلق لهم واحدًا في العيد، فصرخوا أن يُصلب يسوع ويُطلِق باراباس الأسير المشهور، فأنقذ السيِّد بموته حياة باراباس!
إذ وقف السيِّد بين يديّ بيلاطس "تعجّب الوالي جدًا" [14]، كما "علم أنهم أسلموه حسدًا" [18]. وإذ أراد الله أن يُرشده حدَّثه خلال زوجته في حُلم، فأرسلت تقول له: "إيّاك وذلك البار، لأني تألّمت اليوم كثيرًا في حُلم من أجله" [19]. كان ذلك درسًا ليس لبيلاطس وحده، وإنما لرؤساء الكهنة والشيوخ لكي يروا ويسمعوا غريب الجنس بيلاطس يُعلن براءة السيِّد بغسل يديه قدَّام الجميع. وهو يقول: "إني بريء من دم هذا البار، أبصروا أنتم" [24].
5. آلامه قبيل الصلْب
بعد أن جُلد السيِّد [26] وأُسلِم للصلب، اجتمعت عليه كل الكتيبة، فعرُّوه وألبَسوه رداء قُرمزيًا، وضفروا إكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه، وقصبة في يمينه، وكانوا يجثون قدَّامه ويستهزئون به، قائلين: "السلام يا ملك اليهود"، وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه.
كان لابد للسيِّد وهو يقبَل الصلب أن يكشف عن ماهيّة ثمار الشرّ، بكونه نائبًا عن البشريّة يحمل ثمرة شرّهم.
يطلب الإنسان الخطيّة ويسعى إليها من أجل مُتعة وقتيَّة، أو لذّة جسديّة، فأسلم السيِّد جسده للجلد وتعرَّض القدّوس جسديًا للجلدات المُميتة! كان مع كل جلدة تطبع علاماتها على الجسد الرقيق الوديع يرى السيِّد ثقل خطايانا كجلدات أبديّة ليس من يقدر أن يحملها غيره، متقبِّلاً إيّاها عنا. لهذا يقول الرسول: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطيّة خطيَّة لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه" (2 كو5 : 21).
الخطيّة في حقيقتها هي ثمر الأنا ego وفي نفس الوقت تضَّخم من الأنا. فالإنسان بأنانيَّته يطلب ما لنفسه من أمور ماديّة أو كرامات أو ملذّات، وهذه بعينها تُشعل بالأكثر حبّه لذاته، فيظن في نفسه أنه مركز الكون كله، يعمل الجميع من أجله. هذا ما أعلنته الحيّة لحواء عند إغوائها: "الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله" (تك 3: 5). لقد أراد الإنسان أن يتألَّه، فتنفتح عيناه ليرى ذاته فوق الجميع، يُسخِّّر كل شيء لذاته! لهذا اجتمعت الكتيبة كلها عليه، وكأنها تُمثل البشريّة كلها أو العالم كلّه، وقد اِلتفُّواحول الخاطي لا ليُكرِّموه ويعملوا لحسابه، وإنما لينزعوا عنه ثيابه ويلبسوه ثوبًا قُرمزيًا للسُخرية، إذ أراد الخاطي أن يُقيم نفسه إلهًا أو ملكًا. بالخطيّة فقد الإنسان إكليل المجد الخفي الذي وهبه الله ليسيطر به على كل الخليقة الأرضيّة، وضفر لنفسه إكليل شوك، هو من صنع الأرض التي لُعنت بسببه. عِوض الصوْلجان الذي قدّمه له الله ليملك على قلبه وأحاسيسه ومشاعره، قبِل أن يملك على الغير سلمته الخطيّة قصبة في يمينه، هو قضيب سُخرية يكشف عن فقدانه السلطان على حياته الداخليّة وكل أفكاره وأحاسيسه، فصار كقصبة تحرّكها الريح! في سُخرية تمسِك الخطيّة بهذا الصولجان المستعار لتضرب به على رأسه، وكأنها تُعلن أن ما حسبه كرامة ومجدًا له، إنّما هو انهيار حتى لرأسه وأفكاره الداخليّة.
ظنّ الإنسان في خطيّته أنه يملك فيجثو له العالم، وإذا بالعالم في سُخرية يجثو ليهزأ به، قائلاً: "السلام يا ملك اليهود"، وكأنه يوبِّخه، قائلاً له: يا من فقدت سلامك الداخلي كيف تطلب سلامًا من الخارج؟! يا من خسرت ملكوتك على نفسك أتريد أن تملك على الآخرين؟!" فما حدث للسيِّد المسيح من آلام وسُخرية إنّما حمل صورة ظاهرة لِما كان يثْقُل على كتفيّ السيِّد، خلال خطايانا التي انحدرت عليه ليدفع عنّا ثمنها في جسده!
6. آلامه أثناء الصلب
انطلق السيِّد يحمل صليبه إلى جبل الجلجثّة أي الجمجمة، ويُقال أنه هناك دُفن آدم. على أي الأحوال، رُفع الصليب في موضع الجمجمة لكي يهب حياة للعظام الجافة الميّتة! لقد حمل عنّا الموت واهبًا إيّانا الحياة! يتحدّث القدّيس كيرلّس الكبير عن حمل السيِّد لصليبه هكذا:
[توجد ضرورة لهذه الحقيقة أن يحمل المسيح مخلّص الجميع الصليب، إذ قيل عنه على لسان إشعياء: "يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرئاسة على كتفه" (إش 9: 6). فالصليب هو رئاسته، به صار ملكًا على العالم. وإذ كان هذا حق "أطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفَعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة من في السماء وما على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الأب (في 2: 8).
وأيضًا أظن أنه يلزم مراعاة هذا هنا (أن يحمل الصليب)، لأنه عندما صعد الطوباوي إبراهيم على الجبل الذي رآه ليقدِّم اسحق محرقة كأمر الله وضع الحطب على الابن، وكان ذلك رمزًا للمسيح الحامل صليبه على كتفيه مرتفعًا إلى مجد صليبه. فقد كانت آلام المسيح هي أمجاده كما علَّمنا بنفسه: "الآن تمجّد ابن الإنسان وتمجّد الله فيه" (يو 13: 31).]
وفي الطريق إلى الصلب إذ سقط عدة مرّات تحت ثقل الصليب سخَّروا رجلاً قيروانيًا يسمّى سمعان ليحمل معه صليبه، وكأنه يمثّل كنيسة العهد الجديد التي يلزمها في نضوج الرجولة الروحيّة أن تغتصب الملكوت بشركتها مع السيِّد في صلبه. إنه لمجد عظيم أن ينحني المؤمن ليحمل مع سيّده آلامه، لكي تصير له معرفة اِختبارية بقوة القيامة وبهجتها فيه.
على الصليب "أعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولما ذاق لم يرِد أن يشرب" [34]. كانت هذه هي عادة الرومان في الصلب، يُعطي الخل الممزوج مرارة كنوعٍ من التخدير، فلا يشعر المصلوب بكل ثقل الآلام. لكن السيِّد ذاق المرارة عنّا ورفض أن يشرب الخل حتى يحمل الألم بكماله بإرادته الحرَّة.
إذ صُلب السيِّد اقتسم الجند ثيابه أربعة أقسام، أمّا قميصه الذي كان بلا خياطة منسوجًا كلّه من فوق (يو 19: 23) فقد ألقوا عليه قرعة "لكي يتمّ ما قيل بالنبي: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة" [35]، هذا ولم يوجد مع ثيابه أحذية. فمن جهة الثياب المقتسمة إلى أربعة أقسام، فإنها تُشير إلى الكنيسة جسد المسيح الملتصق به، فقد انتشرت في أربعة جهات المسكونة. صارت بين يديّ الجند الرومان، في متناول يد الأمم، يستطيعون التمتّع بالعضويّة فيها.
أمّا القميص الذي بلا خياطة، المنسوج كلّه من فوق، لا يُشق ولا يُقسَّم، فيُشير إلى الكنيسة الواحدة التي يلزم ألا يكون فيها اِنشقاقات أو انقسامات. لقد حرص السيِّد حتى في صلبه ألا يُشق ثوبه، وكأنه كلما دخلت الكنيسة في شركة صليبه، يحرص السيِّد ألا تدخل في انشقاق أو انقسام، لكن للأسف يحدث ذلك حينما توجد الكنيسة في فترة ترف بعيدًا عن الصليب.
لقد كشف الصليب أن ثوبه منسوج من فوق (يو 19: 13)؛ هكذا إذ تدخل الكنيسة دائرة الألم تنكشف طبيعتها السماويّة، أنها منسوجة بيد الله نفسه، هي من عمل روحه القدّوس! هذا ولم يوجد للسيِّد حذاء يخلعه، فقد رأينا في دراستنا سفر الخروج كيف يُشير الحذاء إلى الأعمال الشرّيرة الميّتة، لهذا يخلعه الإنسان عند وقوفه أمام الله في موضع مقدّس كما فعل موسى النبي (خر 3: 5).
بعد إلقاء القرعة على قميصه "جلسوا يحرسونه هناك" [36]. لم يكن السيِّد المسيح محتاجًا إلى حراسة، إنه الخالق الذي "به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء ممّا كان". لكنّه خضع بجسده لهذه الحراسة. حقًا لقد سمح السيِّد المسيح بطريقة خفيَّة للعسكر مضطهديه أن يكونوا حُرَّاسًا له على الصليب! إنها صورة مشرقة للعمل الإلهي، إذ يسمح للتجارب المحيطة بالكنيسة جسده المصلوب أن تكون حارسًا لها. التجارب تسند المؤمنين، فيعيشوا بروح التواضع وتزكّيهم! قدر ما يكون الأمر ثمينًا تزداد الحراسة، وقدر ما يعتزّ الله بأولاده وكنيسته يسمح له بالضيقات حتى يعبروا هذه الحياة محفوظين فيه.
"وجعلوا فوق رأسه عِلَّتِه مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود"...
لقد تُوِّج الملك بالصليب! وكما تقول الكنيسة في سفر نشيد الأناشيد: "اُخرجْن يا بنات صهيون، وانظرْن الملك سليمان بالتاج الذي توَّجته به أُمِّه في يوم عرسه وفي يوم فرح قلبه" (نش3: 11). أنها تدعو النفوس المؤمنة أن تخرج عن ذاتها وتتطلّع إلى ملكها واهب السماء، لتدخل معه خلال الصليب إلى عرسه وتنعم بالفرح القلبي الأبدي!
"حينئذ صلبوا معه لصَّان، واحد عن اليمين، وواحد عن اليسار" [38].
جلس المعلّمون اليهود على الكراسي يعلِّمون كمن هم من فوق، يوبِّخون وينتهرون، يخشون على أنفسهم لئلا يمسّوا نجسًا فيتنجَّسوا، أمّا السيِّد فقدَّم مفهومًا جديدًا للتعليم، إذ ترك الكرسي ليُحصى بين الأثمة والمجرمين، يدخل في وسطهم ويشاركهم آلامهم حتى الصليب ويقبل تعييراتهم، معلنًا حُبّه العملي لكي ينطلق بهم إلى حضن أبيه. لقد صُلب مع اللصّين ولأجلهما، حتى إن أراد أحدهما يقدر أن يقبَله داخله ملكًا حقيقيًا يرتفع به إلى فردوسه، قائلاً له: "اليوم تكون معه في الفردوس".
7. الاستهزاء به
تكاتفت كل قوى الشرّ ضدّ السيِّد المسيح لتقديم أمرّ صورة للصليب فقد "كان المجتازون يجدّفون عليه وهم يهزُّون رؤوسهم، قائلين: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلِّص نفسك؛ إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" [40].
فقد المجتازون به اتّزانهم، وصاروا يهزّون رؤوسهم علامة السُخرية به، وكانوا يجدّفون عليه، قائلين: "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلِّص نفسك". ولم يُدركوا أنهم هم الذين يبذلون كل الجهد لنقض هيكل جسده، إنّما يشهدون له بأنه سبق فأعلن عن قيامته مقدَّمًا، فصار المجدِّفون شهود حق لعمله الخلاصي وحياته المقامة، لقد طلبوا منه أن يخلِّص نفسه ولم يُدركوا أنه إنّما يخلِّصهم بقيامته، يقوم فيُقيمهم.
لعلّ الشيطان بدأ يتحسَّس خطورة الصليب، فارتعب واشتهى أن ينزل السيِّد عن صليبه، لكن فات الأوان، فأثار المجدّفين ليطلبوا منه: "إن كنت ابن الله فاِنزل عن الصليب". ازداد تخوُّفه فأثار أيضًا رؤساء الكهنة مع الكتبة والشيوخ ليسألوه إن كان يقدر أن ينزل عنه، قائلين: "خلَّص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلِّصها. إن كان هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب، فنؤمن به" [42]. لقد ركّز الشيطان في هذه اللحظات على نزوله من الصليب، حتى اللصان أيضًا كانا يعيِّرانه [44] لعلّه ينزل.
8. ظُلمة على الأرض
"ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة" [45].
سادت الظلمة على كل الأرض، إعلانًا عن سلطانها الذي ساد على العالم منذ لحظة السقوط، وقد تركه السيِّد يسود إلى حين إذ يقول: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53). ترك السيِّد للظلمة السلطان إلى ساعة لكي إذ تحاول أن تقتنص النور في شباكها يحطِّم - النور - الظلمة ويفسد شباكها.
جاءت الساعة قبل تسليم السيِّد روحه، وكأن السيِّد قد أعطى للجحيم فرصته أن يستقبل روحه، وهو لا يدري أنه وحده القادر أن يُحطِّم أبوابه، ليحتضن الذين رقدوا على الرجاء، ويحملهم كغنائم مقدّسة يدخل بهم إلى الفردوس.
اهتم الأنبياء بالتنبُّؤ عن ساعة الظلمة هذه، وكما جاء في القدّيس كيرلّس الأورشليمي: [يقول زكريا: "ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور..." ثم يقول النبي: "ويكون يوم واحد معروف للرب" (زك 14: 6-7). هل يجهل الرب الأيام الأخرى؟ حاشا... فالأيام كثيرة ولكن "هذا هو اليوم الذي صنعه الرب" (مز 118: 24) بصبره على الآلام. إذن، فماذا عسى أن يكون؟ هذا ما يفسِّره الإنجيل عندما يَروي لنا أنه لم يكن نهارًا عاديًا تشرق فيه الشمس كعادتها من الشرّوق إلى الغروب، ولكن من الساعة السادسة كانت ظلمة في نصف النهار حتى الساعة التاسعة. والظلمة يفسِّرها الله بقوله "والظلمة دعاها الله ليلاً" (تك 1: 5). ولهذا لم يكن نهارًا ولا ليلاً إذ لم يكن نورًا كلّه حتى يسمَّى نهارًا، ولا ليلاً كلّه حتى يسمَّى ليلاً، ولكن الشمس أشرقت بعد الساعة التاسعة. وعن هذا يتنبَّأ النبي أيضًا، قائلاً: "بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور" (زك 14: 7). تأمّل إلى أي مدى بلغت الدقّة وكيف تحقّقت. ويحدّد عاموس النبي اظلام الشمس... ليته يقول هذا لليهود الذي يصُمُّون آذانهم... يقول: "ويكون في ذلك اليوم، يقول السيِّد الرب إني أغيب الشمس في الظهر"، لأن الظلمة كانت من الساعة السادسة...، "وأُقتم الأرض في يوم نور" (عا 8: 9)، كما يحدّد أيضًا الموسم الذي يتمّ فيه ذلك فيقول: "وأحوِّل أعيادكم نوحًا"، لأن المسيح قد صلب في أيام الفطير في عيد الفِصح. وبعد ذلك يقول: "وأجعلها كمناحة الوحيد وآخرها يوم مرّ" (عا 8: 10)، لأنه في عيد الفِصح بكّت النسوة وانتحبْن، والرسل كذلك اِختبأوا وكانوا في مرارة المرّ.]
ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [كانت هذه علامة واضحة لليهود أن أذهان صالبيه قد اِلتحفت بالظلمة الروحيّة، إذ حدث عَمى جزئي لإسرائيل (رو 11: 25)، وقد وبّخهم (لعنهم) داود في محبّته لله قائلاً: "لتظلمّ عيونهم فلا ينظروا" (مز 69: 23). نعم، انتحبت الخليقة ذاتها ربّها، إذ أظلمت الشمس وتشقّقت الصخور وبدا الهيكل نفسه كمن قد اكتسى بالحزن، إذ انشقَّ الحجاب من أعلى إلى أسفل. وهذا ما عناه الله على لسان إشعياء: "أُلبس السموات ظلامًا، وأجعل المسح غطاءها" (إش 50: 3).]
9. صراخه وتسليمه الروح
"ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم، قائلاً: إيلي إيلي لما شبقتني؟! أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟! فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا: إنه ينادي إيليّا. وللوقت ركض واحد منهم، وأخذ إسفنجة وملأها خلاً، وجعلها على قصبة وسقاه. وأما الباقون فقالوا: أتركه، لنرى هل يأتي إيليّا يخلّصه؟! فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم، وأسلم الروح" [46-50].
إنه كممثّل للبشريّة التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن هو في حالة ترك، قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" فإذ أحنَى السيِّد رأسه ليحمل خطايا البشريّة كلها صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه، حتى يحكم سلطان الخطيّة بدفع الثمن كاملاً، فيعود بنا إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنّا.
ولعلّه بصرخته هذه أراد أن يوقظ الفكر اليهودي من نومه ليعود إلى المزمور الثاني والعشرين الذي بدأ بهذه الصرخة معلنًا في شيء من التفصيل أحداث الصلب. وكأنه أراد تأكيد أن ما يحدث هو بتدبيره الإلهي السماوي، سبق فأعلن عنه الأنبياء.
10. انشقاق الحجاب
إذ أسلم السيِّد المسيح روحه انشقَّ حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل [51]، وكان في ذلك إعلانًا لما سبق فقال "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه" (يو 2: 19). ما حدث في الهيكل اليهودي قد تحقّق في جسده المقدّس لكي يقيمه في اليوم الثالث. انشقاق حجاب الهيكل كان فيه إشارة إلى جحود اليهود للمسيّا ورفضهم لعمله الخلاصي فصاروا مرفوضين، وكما يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي: [لم يترك منه جزء إلا وانشقَّ، لأن السيِّد قال: هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا" (مت 23: 38).]
انشقاق الحجاب الذي يفصل قدس الأقداس عن القدس يكشف عن عمل السيِّد المسيح الخلاصي، إذ بموته انفتح باب السماوات للمرَّة الأولى لكي بدالة ندخل قدس الأقداس الإلهيّة خلال اتّحادنا بالسيِّد. يقول القدّيس جيروم أن مفارقة نعمة الله للهيكل القديم فتحت الباب للأمم وأقامت الهيكل الجديد، كما يقول: [إن يوسيفوس نفسه الكاتب اليهودي يؤكّد أنه في وقت صلب الرب خرج من الهيكل أصوات قوَّات سمائيَّة تقول: لنرحل من هنا.]
انشق حجاب الهيكل اليهودي وتزلزلت الأرض، أي اِنهار الفكر المادي اليهودي في العبادة وتزلزل الفكر الأرضي، لكي لا يعيش المؤمن بعد يطلب الأرضيّات، بل ينطلق نحو السماويات. بموت السيِّد يتزلزل إنساننا العتيق الأرضي داخل مياه المعموديّة، وننعم بالإنسان الجديد المقام من الأموات، لهذا: "القبور تفتَّحت، وقام كثير من أجساد القدّيسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدّسة، وظهروا لكثيرين" [52-53]. ما حدث أثناء الصلب كحقيقة واقعة لمسها الذين كانوا في أورشليم يتحقّق في حياة المؤمن حين يقبل الصليب مع السيِّد المسيح في مياه المعموديّة. إنه يزلزل أرضه الداخليّة ويشقِّق صخوره ويفتح القبر المقدّس لينعم بالقيامة مع السيِّد حاملاً الحياة الجديدة.
هذا وقيامة الكثير من أجساد القدّيسين الراقدين إنّما حمل تأكيدًا لقيامتنا ليس فقط روحيًا ولكن أيضًا جسديًا في يوم الرب العظيم. وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [عندما أسلم الروح أظهر أنه مات لأجل قيامتنا إذ عمل في نطاق القيامة.]
أما ثمر هذه الأحداث فقد أوضحه الإنجيلي بقوله: "وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جدًا، وقالوا: حقًا كان هذا ابن الله" [54]. لقد كانوا يمثِّلون كنيسة الأمم التي قبلت الإيمان بالمسيح خلال عمل الصليب.
11. دفن السيِّد
"ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف، وكان هو أيضًا تلميذًا ليسوع. فهذا تقدّم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، فأمر بيلاطس حينئذ أن يُعطي الجسد، فأخذ يوسف الجسد ولفَّه بكتَّان نقي، ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة، ثم دحرج حجرًا كبيرًا على باب القبر ومضى" [57-60].
لم نكن نسمع عن القدّيس يوسف الرامي من قبل، إذ كان تلميذا للسيِّد خِفية لسبب الخوف من اليهود (يو 19: 38)، لكنّه ظهر في لحظات المحنة ومعه نيقوديموس (يو 19: 39)عندما تخلَّى الكل عن المصلوب، فتقدّم الأول بشجاعة لبيلاطس يطلب الجسد المقدّس، فنال هذه الكرامة العظيمة أن يدخل بالجسد المقدّس إلى قبره الجديد الذي صار أقدس موضع على الأرض. في لحظات الضيق والألم يظهر القدّيسون، فبينما تجف الأوراق الصفراء من حرارة الشمس تزداد الأوراق الخضراء حيويّة! شمس التجارب التي تحرق العشب هي بعينها التي تهب الثمار نضوجًا.
نحت القدّيس يوسف لنفسه قبرًا في صخرة، ولو فضل نفسه عن سيّده لصار هذا القبر في نظر اليهود يمثّل النجاسة كسائر القبور، من يقترب إليه يبقى دنسًا طول يومه حتى يتطهّر، ولتحوّل القبر إلى موضعٍ يضم عظامًا نتنة وفسادًا، لا يسكنه أحد من الأحياء اللهُم إلا من تسلّطت عليهم الأرواح النجسة أو أُصيبوا بالبرص. لكنّه إذ قدّمه للسيِّد المسيح "الصخرة الحقيقيّة"، صار كنيسة مقدّسة يحج إليها المؤمنون من كل العالم عبر العصور، وموضع شهادة للنصرة على الموت وإعلانًا عن قوّة القيامة وبهجتها.
لقد سبق فأعلن الأنبياء عن دفنه أيضًا، فيقول إشعياء النبي: "ضُرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته" (إش 53: 8-9). كما يقول: "انظروا إلى الصخرة الذي منه قُطعتُم" (إش 51: 1)، أمّا عن باب القبر فيقول إرميا النبي: "قرضوا في الجُب حياتي وألقوا عليّ حجارة" (مرا 3: 53).
+ فتأمّل كيف أن حجر الزاوية المختار الكريم يرقد قليلاً خلف الحجارة، وهو حجر العثرة لليهود وصخر الخلاص للمؤمنين. لقد زُرعت شجرة الحياة في الأرض، حتى أن الأرض التي لُعنت تتمتّع بالبركة وقيامة الأموات.
القدّيس كيرلّس الأورشليمي
+ لم يُدبّر هذا الأمر جزافًا، وإنما وُضع الجسد في قبر جديد لم يكن قد وضع فيه أحد، حتى لا يظن أن القيامة قد صارت لآخر موضوع معه. وحتى يتمكن تلاميذه من أن يجيئوا بأيسر طريقة ويعاينوا ما سيحدث، ولكي يكون لدفنه شهود، ليس لهؤلاء فقط ولكن للأعداء أيضًا معه، بوضعهم الأختام على قبره وإقامة جنود يحرسونه كشهود لدفنه.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ كان يوسف ونيقوديموس قد أحضرا حنوطًا كثيرة لكثرة محبّتهما للمسيح. في هذا أيضًا أسرار إلهيّة، حتى إذا قام المسيح وخرج من هذه الحنوط مع شدة التصاقه بالأكفان تكون تلك آية عظيمة. وحقًا إنه لأمر عظيم أن الأكفان وُجدت بمفردها وكذلك المنديل، وذلك حتى لا يقول الخصوم أن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه فإن من يأتي ليسرقه لا يُمهله الوقت والخوف حتى يفصل المسروق من هذه الحنوط، ولا أن يجعل الأكفان بمفردها، والمنديل منفردًا، مع أن التصاقهما بالحنوط مانع له في مثل ذلك الوقت.
القدّيس بطرس السدمنتي
+ لما كان السيِّد قد وُلد من مستودع جديد طاهر لم يتقدّمه فيه غيره، حسن دفنه في قبر جديد لم يوضع فيه غيره.
+ أمّا كونه في بستان، فهو رمز إلى خلاص آدم الذي مات موت الخطيئة في بستان، فدُفن السيِّد في مثيله ليُزيل تبعة الجناية عنه، ويردّه إليه ثانية. ولمعنى آخر حتى يصير مؤكِّدًا أنه الذي قام لا غيره، لا سيما أن البستان لم يكن مقبرة، وإنما تقدّم يوسف فنحت هذا القبر بالإلهام في الموضع الذي لم يكن مشهورًا بالدفن.
القدّيس بطرس السدمنتي
12. خِتم القبر
اجتمع رؤساء الكهنة والفرّيسيّون مع بيلاطس، قائلين له: "يا سيّد، قد تذكّرنا أن ذلك المضلّ قال وهو حيّ إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمُر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه ليلاً ويسرقوه ويقولوا للشعب أنه قام من الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشرّ من الأولى" [63-64].
كان التصرّف بما يحمله من روح الحسد والكراهيّة نحو شخص السيِّد المسيح يقدّم شهادة حيّة من الأعداء أمام المسئولين الغرباء بأنه سبق فتحدّث عن القيامة. وكأن قيامة السيِّد ليست أمرًا غير متوقِّع بل سبق فأعلنه الرب كتهيئة للأذهان. بهذا التصرّف أشاعوا بالأكثر أمر قيامة السيِّد، وجعلوا منها حقيقة لا يُشك فيها، فقد حوصر القبر باليهود والأمم، بالحرَّاس كما بالختم.
+ لو كان الجند وحدهم هم الذين ختموا القبر لأمكنهم القول بأن الجند سمحوا بسرقة الجسد وأن التلاميذ اختلقوا فكرة القيامة ودبَّروها.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ السَّابعُ وَالْعِشْرُونَ
* محاكمته أمام رؤساء اليهود (متى 57:26-10:27)
* محاكمته أمام بيلاطس (متى 2:27، 11-31)
* صلب يسوع (متى 32:27-56)
* دفن يسوع (متى 57:27-61)
* الحراس على القبر يوم السبت (مت62:27-66)
(الآيات 1:27-10) يأس يهوذا وإنتحاره
الآيات (1،2): "ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه. فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي."
أنظر المحاكمة المدنية للمسيح.
آية (3): "حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه انه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ."
كان يهوذا في طمعه يظن أنه يقتني ربحاً بالثلاثين من الفضة وإذا به يقتني هماً وغماً، فذهب يرد الفضة في ندامة بلا توبة ومرارة بلا رجاء. وهكذا كل خاطئ فهو يظن أن الخطية ستعطيه لذة وإذا به يقتني هماً وغماً ويأساً.
الآيات (4-6): "قائلاً قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً فقالوا ماذا علينا أنت ابصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه. فاخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم."
ماذا علينا= عبارة تعني عدم إهتمامهم بما يقول، فقد حصلوا على ما يريدون. عجيب أن هؤلاء القتلة يقولون ليهوذا أنت أبصر، أما هم قاتلوه فليس عليهم أن يبصروا. ثم يقولون "لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم" فإذا كان وضع ثمن الدم في الخزانة يعتبر إثماً فكم يكون إهدار الدم. وإذا كنتم قد رأيتم عذراً لصلب المسيح فلماذا ترفضون قبول الثمن، حقاً قال عليهم السيد "يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل" إذ يشترون صاحب الدم الزكي بالمال ليقتلوه، ويرتابوا من وضع ثمن الدم في الهيكل.
ثم مضى وخنق نفسه= لعله تصوَّر أن المسيح سوف يخرج من بين أيديهم كما كان يفعل سابقاً. ولما لم يفعل ندم يهوذا. ولكن التوبة ليست مجرد ندم، ولكنها إيمان يملأ القلب بالرجاء، ويدفعه الحب للإرتماء في أحضان الله. ولكن يهوذا كان أعمى عن رحمة الله الواسعة. إن الشيطان الذي أغواه بالخطية دفعه لليأس بعد السقوط مصوراً له أن خطيته لن تغفر (2كو10:7). وفي (أع18:1) نفهم أنه في شنقه لنفسه سقط على وجهه فإنشق من الوسط وإنسكبت أحشاؤه كلها، ويبدو أنه بعد أن خنق نفسه سقط على شئ حاد أو بارز فشقت بطنه.
آية (7): "فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء."
حقل الفخاري= سمى هكذا لأن فخارياً كان يمتلكه ويستغله، وكان ثمنه زهيداً إذ لا يصلح للزرع ولا للرعي بسبب إستعمال الفخاري له. وهذا الحقل الذي إشترى بالثلاثين من الفضة وصار مدفناً للغرباء يشير للعالم الذي إفتداه الرب بدمه لكي يدفن فيه الأمم فينعمون معه بقيامته (الذين ماتوا مع المسيح وأيضاً سيقومون معه) وهذا ما يحدث في المعمودية.
آية (9): "حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل واخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل."
ما قيل بإرمياء النبي= الذي تنبأ هذه النبوة هو زكريا. ولكن كان سفر إرمياء في التلمود أول أسفار الأنبياء لذا كان إسم إرمياء يطلق على كل النبوات (زك12:11،13). فاليهود يقسمون العهد القديم ثلاثة أقسام الأول هو الشريعة والثاني يبدأ بالمزامير ويسمونه المزامير والثالث هو الأنبياء ويسمونه إرمياء.
المحاكمة المدنية (مت 2:27 ،11-31 + مر1:15-20 + لو1:23-25 + يو28:18-16:19)
(مت2:27 ،11-31)
الآيات (1،2): "ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه. فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي."
لقد حوكم المسيح دينياً أمام رؤساء اليهود، ومدنياً أمام بيلاطس حتى ينجوا الجميع يهود وأمم من دينونة اليوم الأخير. فأوثقوه أية (2) فهو قبل أن يربط ليحل الجميع من رباطات الخطية. أماّ هم فربطوه لأنهم خافوا أن يهرب كما كان يختفي من وسطهم من قبل.
ونلاحظ أن بيلاطس كان يقيم في قيصرية شمال أورشليم. لكنه في الأعياد الكبرى كان يوجد في أورشليم ليخمد أي ثورة أو فتنة وسط التجمعات في الأعياد.
واليهود لم يكن لهم سلطان على تنفيذ حكم الموت فهذا من إختصاص الوالي الروماني ولأن الوالي لن يحكم على المسيح بالموت بسبب تهمة دينية، فهم تشاوروا ليقدموه بتهمة أخرى وهي أنهم إدعوا أن المسيح يطلب الملك ويقاوم قيصر. وكانت خطتهم أن يصلب فهذه هي العقوبة الرومانية. وبارا باس كان محكوماً عليه بالصلب فأخذ السيد عقوبته، رمزاً لأنه حمل عقوبة الموت المحكوم بها علينا.
وكان خطيراً أن يطلب اليهود حكم الرومان على المسيح، إذ أن نفس الحكم الروماني قد نفذ فيهم هم على يد تيطس سنة 70م حين صلب منهم عشرات الألوف وقتل مئات الألوف وهم الذين بدأوا بالإلتجاء للحكم الروماني. (مز4:28)
الآيات (11-14): "فوقف يسوع أمام الوالي فسأله الوالي قائلاً أأنت ملك اليهود فقال له يسوع أنت تقول. وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء. فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جداً."
كانت إجابة السيد لبيلاطس مقتضبة للغاية. في الحدود التي يكشف فيها له عن الحق فلا يكون له عذر. وعندئذ توقف عن الكلام سواء مع القادة الدينيين أو الوالي إذ لم يرد أن يدافع عن نفسه.وهو لو أراد لأمكنه، بل يأمر السماء فتشهد لهُ. ولكنه لم يكن محتاجاً إلي هذه الشهادة والدفاع عنه.
صمت السيد يعلمنا أن لا نثور لكرامتنا ونضطرب، فهو إتهم ظلماً وأهين وصمت. بل حتى الآن يهاجمه كثيرين وهو صامت، بل يضع دفاعه في حياة تلاميذه الحقيقيين. هو جاء ليحمل خطايا البشرية فلماذا يدافع عن نفسه بأنه لم يخطئ.
الآيات (15-26): "وكان الوالي معتاداً في العيد أن يطلق للجمع أسيراً واحداً من أرادوه. وكان لهم حينئذ أسير مشهور يسمى باراباس. ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس من تريدون أن أطلق لكم باراباس أم يسوع الذي يدعى المسيح. لأنه علم انهم أسلموه حسداً. وإذ كان جالساً على كرسي الولاية أرسلت إليه امرأته قائلة إياك وذلك البار لأني تألمت اليوم كثيراً في حلم من أجله. ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع. فأجاب الوالي وقال لهم من من الاثنين تريدون أن أطلق لكم فقالوا باراباس. قال لهم بيلاطس فماذا افعل بيسوع الذي يدعى المسيح قال له الجميع ليصلب. فقال الوالي وأي شر عمل فكانوا يزدادون صراخا قائلين ليصلب. فلما رأى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً أني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم. فأجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا. حينئذ أطلق لهم باراباس وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب."
بار أباس = بار = إبن أباس = الأب. لقد أنقذ السيد بموته حياة بارا باس كما أنقذ حياة كل خاطئ محكوم عليه بالموت. لأنه علم أنهم أسلموه حسداً = كان بيلاطس يعلم شرهم ونيتهم الخبيثة. أرسلت إليه امرأته = الله لا يترك نفسه بلا شاهد. وأي شرٍ عمل = كان هذا درساً لرؤساء اليهود أن هذا الوالي الوثني غريب الجنس يشهد ببراءة المسيح. ولمن بيلاطس خاف من ثورة الجماهير وخاف أيضاً من قتل من يرى أنه بار فغسل يديه. ولكن هو بلا عذر فقد أرشده الله عن طريق زوجته بل هو نفسه رأى أن المسيح بار وليس هناك ما يدينه بسببه. بيلاطس كان قاسياً وسفك دماء كثيرين (لو1:13) ولكنه كان ضعيفاً أمام الحق لتمسكه بكرسيه.
جلده = من عذاب الجلد كان يموت البعض فكان الجلد بصورة بربرية بسوط به قطع عظم ورصاص وقد تصيب الضربات الرأس والعين.
أبصروا أنتم = أنتم المسئولون عن قتله.
الآيات (27-31): "اخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة. فعروه وألبسوه رداء قرمزياً. وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام يا ملك اليهود. وبصقوا عليه واخذوا القصبة وضربوه على رأسه. وبعدما استهزئوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب."
عروه لأجلنا (وتمثيلاً لذلك تعرى المذابح في أسبوع الآلام) نحن الذين نزعت عنا الخطية ثوب القداسة ليعيد لنا لباس البر. وضع على رأسه إكليل شوك ليزيل عنا لعنة الخطية التي بسببها حصدنا الشوك (تك18:3). سجدوا له في هزء ولم يعلموا أن أمم العالم سوف تسجد له في فرح. البسوه ثوب أرجوان وضربوه على رأسه.
لقد ظن بيلاطس أن منظر المسيح بعد هذه الآلام وهو مضرج بدمائه سيثير شفقة اليهود ويحرك قلوبهم فيكفوا عن طلب صلبه ولكنهم أصروا (يو5:19،6). لقد سخروا منه كملك فأعطوه قصبة في عينه كصولجان وجثوا أمامه كملك
صلب يسوع مت32:27-56 + مر21:15-41 + لو26:23-49 + يو16:19-37
(مت32:27-56 )
صُلِبَ المسيح يوم الجمعة، اليوم السادس، يوم سقط آدم وفيه تعرى من لباس البهاء وصار في هذا الجسد غير القادر أن يعاين بهاء الله ولا أن يراه، صار هذا الجسد لهُ حاجزاً كثيفاً. والظلمة التي حدثت تشير لظلمة عيون اليهود وعلامة على عقوبات قادمة كما عاقب الله فرعون بضربات منها الظلام. والظلمة هي مكان عقاب الأشرار. وكان الصلب يتم بأن يمدد المصلوب على خشبة الصليب إلى أقصى الحدود ثم يسمر بالمسامير. ويرفع الصليب ويضعونه في حفرة معدة بطريقة عنيفة. وكانوا يستخدمون عقوبة الصلب مع العبيد والمجرمين. ولكن بالصلب ملك السيد على قلوب المؤمنين به. لذلك قال إشعياء "وتكون الرئاسة على كتفيه" (إش6:9). وإبراهيم قدَّم إبنه إسحق في نفس المكان، وإسحق كان رمزاً للمسيح. وهذا المكان نفسه هو مكان الهيكل الذي كان يقدم فيه الذبائح رمزاً لذبيحة الصليب.
آية(32): "وفيما هم خارجون وجدوا إنساناً قيروانياً اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه."
قيروانياً= القيروان توجد في شمال إفريقيا، ومنها سكن كثير من اليهود وكان لهم مجمع في أورشليم (أع9:6). وقد صار إبنا سمعان وهما الكسندرس وروفس من المسيحيين المعروفين جداً (مر21:15). وفي الطريق حيث حمل ربنا الصليب سقط عدة مرات فسخروا سمعان القيرواني ليحمل معه صليبه. فكان سمعان رمزاً للكنيسة التي تحتمل صليبها وتحمله لتشارك ربها صليبه وبالتالي تشاركه مجده. واضح أن المسيح لم يستطع حمل الصليب بسبب جروح الجلدات.
سخروه = يفهم من الكلمة أن سمعان أجبر على ذلك، وربما قال أنا برئ فلماذا أحمل الصليب. ولم يدرى وقتها ربما أي كرامة ومجد حصل عليهما إذ إشترك مع المسيح في صليبه. وهذا ما يحدث مع كل منا إذ تواجهه تجربة فيقول "أنا برئ" "أنا لم أفعل شئ" فلماذا هذه التجربة. ولكن لنعلم أن كل من تألم معه يتمجد أيضاً معه (رو17:8).
آية(33): "ولما أتوا إلى موضع يقال له جلجثة وهو المسمى موضع الجمجمة."
يقال لُه الجمجمة= لأنه يقال أن آدم كان مدفوناً في هذا الموقع. أو أن الصخرة تشبه الجمجمة أو لكثرة المصلوبين في ذلك المكان وكثرة جماجمهم. المهم أن المسيح صُلِبَ ومات ليعطى حياة لآدم وبنيه (صُلِبَ على شجرة لأجل من مات بسبب شجرة).
آية(34): "أعطوه خلا ممزوجاً بمرارة ليشرب ولما ذاق لم يرد أن يشرب."
خلاً ممزوجاً بمرارة= هذا كان نوع من الشراب الذي يشربه الرومان عادة وهو خمر ممزوج بأعشاب مرة وله تأثير مخدر. وكان يعطى للمصلوبين لتخفيف آلامهم. لكن السيد رفض أن يشرب حتى يحمل الألم بكماله بإرادته الحرة.
آية(35): "ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها لكي يتم ما قيل بالنبي اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة."
قسموا ثيابه أربعة أقسام (يو23:19) إشارة لإنتشار الكنيسة لأربعة جهات المسكونة. وقميصه لم يقطع ويقسم لأن كنيسته واحدة، وغرض المسيح أن تكون بلا إنشقاقات ولا إنقسام. ثوبه منسوج من فوق= أي كنيسته طبعها سماوي، هي منسوجة بيد الله نفسه ومن عمل روحه القدس (مزمور18:22)
آية(37): "وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود."
هذه الجملة تختلف في البشائر ولكن البشيرين كتبوا الجملة وإهتموا بالمعنى دون الحروف (راجع نش11:3)
آية(38): "حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار."
جلس معلمو اليهود على كراسي يعلمون كمن هم من فوق، يوبخون وينتهرون يخشون أن يلمسوا نجساً فيتنجسوا، أماّ السيد فقدم مفهوماً جديداً إذ ترك الكرسي ليحُصى بين الأثمة والمجرمين، يدخل في وسطهم ويشاركهم آلامهم حتى إلى الصليب ويقبل تعييرا تهم، معلناْ لهم حبه العملي لينطلق بهم إلى حضن أبيه
الآيات (39-44): "وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم. قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك أن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا. خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها أن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. قد اتكل على الله فلينقذه الآن أن أراده لأنه قال أنا ابن الله. وبذلك أيضاً كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه."
هنا نرى الإستهزاء بالسيد فمن ناحية تكاتفت كل قوى الشر ضد السيد لتقديم أَمّر صورة للصلب ومن ناحية أخرى فلقد بدأ الشيطان فيما يبدو يتحسس خطورة الصليب فأثار هؤلاء المجد فين ليثيروا المسيح فينزل من على الصليب ليوقف عملية الفداء وما كان أتعس حال البشرية لو نزل المسيح فعلاً من على الصليب.
آية(45): "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة."
كانت الظلمة ظلمة إعجازية ولم تكن كسوفاً فالقمر كان بدراً لا هلالاً (عيد الفصح يأتي في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري) ومن المعروف أن الكسوف لا يحدث إلاّ والقمر محاق أي في نهاية الشهر القمري. والشمس قد حجبت نورها عدة ساعات لأن إله الطبيعة متألَمّ. لذلك فأحد علماء الفلك والفلسفة اليونانية علَّق على هذا الكسوف غير الطبيعي بقوله "إماّ أن إله الكون يتألَّم وإماّ يكون كيان العالم ينحل". ولماّ ذهب بولس الرسول إلى أثينا وذهب إلى أريوس باغوس وتكلم عن أن المسيح مات وقام وأنه هو الله كان هذا الفيلسوف الوثني حاضراً وهو ديونيسيوس الأريوباغى (أع22:17-34). وذلك لأن ديونيسيوس خرج وراء بولس وسأله متى تألَّم يسوع الذي يبشر به ومتى مات فلماّ حدّد لهُ الوقت والسنة تذكر قوله المذكور سابقاً وآمن. والظلمة التي سادت كانت إعلاناً عن الظلمة التي سادت العالم منذ لحظة السقوط ثم أشرق النور ثانية بعد أن مات المسيح وتمت المصالحة. وهذه الساعة التي أظلمت فيها الشمس في وسط النهار تنبأ عنها الأنبياء (زك6:14،7+عا9:8،10). وفيه نرى أن عيد فصحهم صار نوحاً لهم إذ بكت النسوة وغابت الشمس. بل بدأ في نهاية أمتهم وإنشقاق حجاب هيكلهم إذ تخلى عنهم الله.
آية(46): "ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي الهي الهي لماذا تركتني."
صرخ يسوع بصوت عظيم= كان المسيح في النزع الأخير، ولو كان إنساناً عادياً ما إستطاع أن يصرخ بصوت عظيم. فهذا يدل على لاهوته. وهو قال إلهي إلهي وهذا يدل على ناسوته. وبهذا دلَّ المسيح على أنه الإله المتأنس أو الله ظهر في الجسد. وصياحه هذا يدل على أن آلامه حقيقية وجسده حقيقياً لا خيال فالمصلوب المتألّم لا يستطيع الصراخ بصوت عظيم، وقوله إلهي إلهي لماذا تركتني إشارة إلى أنه إنسان كامل تحت الآلام. فهذه الآية تشير للاهوته وناسوته. إيلى= كلمة عبرانية معناها "إلهي" وبالسريانية إلوى (مر34:15)
إلهي إلهي لماذا تركتني= المسيح هنا كممثل للبشرية التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن في حالة ترك، فإذ أحنى السيد رأسه ليحمل خطايا البشرية كلهما صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه حتى يحطم سلطان الخطية بدفع الثمن كاملاً، فيعود بنا نحن البشر إلى وجه الآب الذي كان محتجباً عنا. وبهذا تكون صرخة المسيح إلهي إلهي لماذا تركتني تحمل المعاني الآتية.
1- إحتجاب وجه الأب عن الإبن كحامل خطايا العالم، وهذه يصعب فهمها على مستوانا البشرى، كيف حدث هذا لن نفهم ولكن كان هذا سبباً لألام المسيح غير المحتملة.
2- إلهي إلهي لماذا تركتني هو الإسم العبري (لمزمور22) الذى يتنبأ عن ألام المسيح ولو تذكر اليهود الذين يهزأون بالسيد كلمات هذا المزمور لوجدوها تنطبق عليه.
3- إذا فكَّر أيٌ مناّ في هذه الكلمات، ولماذا ترك الآب إبنه لهذه الآلام، تكون الإجابة .. لأجلى أنا فهو لا يستحق هذه الآلام.
لقد قبل الإبن أن ينظر الآب إليه كخاطئ لأجلنا وهو حمل الخطية في جسده وحمل لعنتها. ونلاحظ أن المارة أخطأوا فهم أو سمع ما يقول المسيح فالمسيح قال ما قاله بالآرامية فكان "إيلى إيلى لما شبقتنى" وهم أخطأوا السمع فظنوه ينادى إيليا. وقولهم إنه ينادى إيليا فيه سخرية منه إذ المعروف أن إيليا يسبق المسيح.
آية(48): "وللوقت ركض واحد منهم واخذ إسفنجية وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه."
هو رفض أن يشرب الخل الممزوج بمرارة الذي له مفعول تسكين الألم. لكنه شرب الخل فقط. ولاحظ أن الخل يزيد من إحساس بالعطش.
آية(50): "فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم واسلم الروح."
وأسلم الروح= يدل ذلك أن سلم روحه بإختياره لا عن قهر صالبيه وكان المصلوب ربما يستمر أياماً على الصليب. لذلك وبسبب الفصح كسروا سيقان اللصين ليموتوا سريعاً. أماّ المسيح فلم ينتظر أن يكسروا ساقيه فيكونوا هم الذين تسببوا في موته سريعاً بل هو بسلطانه أسلم روحه (يو17:10،18). لقد مات السيد قبل كسر رجليه ليعلم الجميع أنه مات بإرادته وليس بكسر رجليه. وكان هذا تحقيقاً للنبوات. وكان موته سبباً في طعن جنبه بالحربة ليتحققوا من موته، فكان هذا أيضاً لتحقيق نبوة زكريا "لينظروا إلى الذي طعنوه" (زك10:12). ولقد تعجب بيلاطس من موته سريعاً. ونلاحظ صراخه ثانية بصوت عظيم. وهذا لا يحدث مع من يُسِلمْ الروح بطرية عادية، ولكنه أسلم الروح وهو في ملء حياته.
آية(51): "وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى اسفل والأرض تزلزلت والصخور تشققت."
حجاب الهيكل إنشق= إنشقاق الحجاب الذي يفصل القدس عن قدس الأقداس يكشف عن عمل المسيح الخلاصى، إذ بموته إنفتح باب السموات للمرة الأولى، لكي بدالة ندخل قدس الأقداس الإلهية خلال إتحادنا بالمسيح. وكان قدس الأقداس لا يدخله سوى رئيس الكهنة ولمرة واحدة في السنة يوم عيد الكفارة، والحجاب كان ليحجب مجد الله الذي يظهر ما بين الكروبين المظللين لتابوت العهد. وكان مذبح البخور الذي يرمز لشفاعة المسيح خارج قدس الأقداس، هو موجود في القدس. ولكن بعد شق الحجاب تراءى مذبح البخور لقدس الأقداس وهذا معناه أن المسيح بموته على الصليب دخل إلى السماء ليشفع فينا أمام الآب شفاعة كفارية. ولذلك قال بولس الرسول أن شق الحجاب يرمز لموت المسيح على الصليب بل أن الحجاب نفسه يرمز لجسد المسيح (عب19:10+عب24:9)
ومن ناحية أخرى فشق الحجاب كان يدل على نهاية الكهنوت اليهودي "هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً (مت38:23)". ويوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول أنه في وقت صلب الرب من الهيكل أصوات قوات سمائية تقول "لنرحل من هنا" أماّ الحجاب في الكنائس المسيحية فهو ليس ليحجب مجد الله عن أحد، بل بحسب إسمه اليوناني إيكون ستاسيس أي حامل الأيقونات. ووضع الأيقونات عليه إشارة لأن هؤلاء القديسين هم في السماء، فالهيكل هو رمز للسماء في الكنيسة. ويوجد ستر يفتحه الكاهن حينما يبدأ الصلاة، وفي يده الصليب، بمعنى أنه بالصليب إنفتح الحجاب ولم تعد السماء محتجبة عنا.
الأرض تزلزلت والصخور تشققت= عجيب أن تتحرك الطبيعة الصماء ولا تتحرك قلوب اليهود. ولكن ما حدث كان إشارة لأن الأرض كلها ستتزلزل بالإيمان المسيحي، ويترك الناس الأمم وثنيتهم وتتكسر قلوبهم الصخرية وتتحول إلى قلوب لحمية تحب المسيح وتؤمن به (حز19:11). وبموت المسيح تزلزل إنساننا العتيق الأرضى داخل مياه المعمودية إذ نموت معهُ وننعم بالإنسان الجديد المقام من الأموات.
الآيات(52،53): "والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين. وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين."
غالباً تفتحت القبور بفعل الزلزلة ولم يستطيعوا إغلاقها لأن اليوم يوم سبت، وعند قيامة المسيح قام الأموات علامة إنتصار المسيح على الموت. وبقيامة هؤلاء الأموات تتكامل الصورة السابقة فلقد تحطم القلب الحجري أي مات الإنسان العتيق وقام الإنسان الجديد (هذا ما يحدث مع المعمودية والتوبة) وقيامة الأموات كما تشير لقيامتنا الروحية تشير أيضاً لقيامة الأجساد في يوم الرب العظيم. فهناك خطاة موتى يسمعون صوت المسيح الآن فيتوبون ويحيون .. وفي اليوم الأخير يسمع من في القبور صوته فيقومون (يو25:5-29) وكان خروج الموتى من قبورهم آية لليهود وكثيرون آمنوا. وهم لم يظهروا لكل الناس بدليل قوله وظهروا لكثيرين= ظهروا لمن هو متشكك ولكن قلبه مخلص لله، يطلب الله ولا يعرف فالله يساعده برؤية مثل هذه. ولكن من قلوبهم متحجرة لن تنفعهم مثل هذه الأدلة فهم حين أقام السيد لعازر فكروا في قتله ثانية.
آية(54): "وأما قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة وما كان خافوا جداً وقالوا حقاً كان هذا ابن الله."
قائد المئة سمع سخرية اليهود على المسيح وقولهم "إن كنت إبن الله" ولماّ حدث ما حدث آمن بالمسيح، وكان إيمانه إيذاناً بدخول الأمم للإيمان.
دفن المسيح مت57:27-61+مر42:15-47+لو50:23-56+يو38:19-42
(مت57:27-61): "ولما كان المساء جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف وكان هو أيضا تلميذاً ليسوع. فهذا تقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع فأمر بيلاطس حينئذ أن يعطى الجسد. فاخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي. ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة ثم دحرج حجراً كبيراً على باب القبر ومضى. وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر."
كان يوسف الراعي تلميذاً للمسيح في الخفية بسبب الخوف من اليهود (يو38:19) ومرقس يقول عنه أنه مشير شريف (مر43:15) أي أنه عضو في السنهدريم. وظهور يوسف في لحظات المحنة ومعه نيقوديموس (يو39:19) عندما تخلى الكل عن المصلوب. وتقدم يوسف في شجاعة يطلب جسد يسوع ووضعه في قبره الجديد فصار قبر يوسف الرامي أقدس مكان على الأرض. شجاعة يوسف الرامي تتضح أنه بعمله هذا سيعزل من مناصبه اليهودية وسيحتقره الرومان.
· في لحظات الضيق والألم يظهر القديسون، فبينما تجف الأوراق الصفراء وتتساقط من حرارة الشمس تزداد الأوراق الخضراء حيوية، والشمس هي شمس التجارب، وهي بينما تحرق العشب هي بعينيها تهب نضوجاً للثمر.
· كان من الممكن أن يفضل يوسف الرامي نفسه عن المسيح ويحتفظ بقبره لنفسه ولكن كان قد تحوَّل القبر إلي مكان نجاسة كسائر القبور، ولكن إذ قدّمه للسيد المسيح صار كنيسة مقدسة يحج إليها المؤمنون من كل العالم عبر كل العصور.
· هكذا لو أردنا أن نحتفظ بجسدنا لنتلذذ بلذات وخطايا العالم لتحول إلى قبر نجس أماّ لو وهبناه للمسيح فهو يقدسه (يو25:12)
· سبق إشعياء وتنبأ أن المسيح يدفن في قبر رجل غنى (إش8:53،9). ولو كانوا قد تركوا جسد يسوع (يوسف الرامي ونيقوديموس) لكان اليهود قد دفنوه في مدافن المجرمين واللصوص. = "وجعل مع الأشرار قبره ومع غنى عند موته".
· كان القبر يبعد مسافة قصيرة جداً(عدة أمتار) عن مكان الصليب.
· لما كان السيد قد وُلِدَ من مستودع جديد طاهر لم يتقدمه فيه غيره، حسن دفنه في قبر جديد لم يوضع فيه غيره.
· وُضِعَ في قبر لم يوضع فيه أحد حتى حينما يقوم لا يظن أحد أن غيره هو الذي قام. وكونه قبر لم يوضع فيه أحد سَهَّلَ مجيء تلاميذه لهُ، وصار سهلاً أن يعاينوا ما حدث من أحداث القيامة، وحتى الأعداء صاروا شهوداً على ما حدث بوضعهم الأختام على قبره وإقامة جنود حراسة صاروا شهود قيامته.
· كان يوسف ونيقوديموس قد أحضرا حنوطاً كثيراً، ومع هذا خرج المسيح من كفنه تاركاً إياه مكانه ولم يُعَوِّقه كل هذا الحنوط الذي جعل الجسد يلتصق بالأكفان، وكان هذا دليلاً على أن القيامة إعجازية.
· لكن لنلاحظ أنهم لفوا جسد المسيح بكتان، وهذا لبس الكهنة. فهو رئيس كهنتنا الذي قدم ذبيحة نفسه.
· مريم الأخرى. هي مريم أم يوسي (راجع مر47:15)
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع والعشرون
صلب المسيح ودفنه
(1) المحاكمة أمام السنهدريم ( ع 1 - 2 ) :
ع 1 : بعد محاكمة المسيح فى دار قيافا رئيس الكهنة ، أصعدوه إلى مجمع السنهدريم ( ص 5 : 20 - 21 ) فى أحد أروقة الهيكل ، وكان ذلك مع الفجر ، وحكموا بموته ، إذ أنه للحكم على أحد بالموت فى النظام اليهودى ، لابد أن يكون هناك أكثر من جلسة ، كذلك لا يصح الحكم على أحد بالموت إلا فى النهار0وهذه هى المحاكمة الثالثة للمسيح ، وهى المحاكمة الدينية الأخيرة0وقد قرروا فيها قتل المسيح ، ورتبوا الدعوة التى سيقدمونها لبيلاطس حتى يقتله ، وكانوا قد أجمعوا على الآتى :
(1) أن يطلبوا من بيلاطس الموافقة على قرارهم بقتله0
(2) إذا لم يوافق ، يتهمون المسيح بادعائه أنه ملك اليهود ، وبهذا يكون عاصياً ضد قيصر ، ومهيجاً للشعب ضد السلطة ، ويدّعوا أنه يمنع دفع الجزية ليثيروا ضده السلطة المدنية ، فتوافق على قتله0
(3) إتهام يسوع بالتجديف ، إذ أعلن أنه إبن الله0
وكان رد بيلاطس عليهم :
(1) لم يوافق على قرارهم بقتل المسيح0
(2) فحص اتهامهم الثانى ، فوجده بريئاً ، ولم يوافق على قرارهم بقتله0
(3) لم يهتم بأمر التجديف ، لأنه أمر يخص شريعتهم ، ولا يعاقب عليه القانون الرومانى0
لم يعد أمامهم سوى أن يؤكدوا الإتهام الثانى ، وهو ادعاءه أنه ملك اليهود ، وأحرجوا بيلاطس ، الذى اضطر ، لخوفه من أن يُعتبر مؤيداً للمسيح ضد قيصر ، أن يوافق على كلامهم ، وأمر بصلبه0
ع 2 : كان بيلاطس والياً على اليهودية من قِبَلِ السلطة الرومانية ، وكان قاسياً ، وسفك دماء كثيرين ، وتولى مدة عشر سنوات ، وشكاه اليهود كثيراً لقيصر ، ولكنه كان ضعيفاً فى تمسكه بالحق ، ومهتماً بأن يحتفظ بمركزه0
+ لا تحاول البحث عن اتهامات لمن تتضايق منهم حتى تثير الآخرين ضدهم ، مستخدماً عقلك بطريقة شريرة ، فإنك بذلك تجلب غضب الله عليك ، ويضطرب قلبك ، وتخسر محبة المحيطين بك حتى لو أيدوك فيما تقول أو تفعل ، لأنهم يشعرون بأفكارك العدوانية0
(2) يهوذا يرد الفضة ( ع 3 - 10 ) :
ع 3 - 4 : " قد دين " : حكم اليهود بقتله0 " ماذا علينا ؟ " : لا يهمنا كلامك ، فقد حصلنا على ما نريده ، وهو القبض على المسيح0 " أنت أبصر " : أنت المسئول عن ذنبك ، فتصرف كما تريد بعيداً عنا ، فلن نساعدك فى شىء0عندما علم يهوذا أن اليهود حكموا على المسيح بالموت ، نخسه ضميره وشعر بفظاعة خيانته ، بل صارت الفضة ثقلاً يوجع قلبه ويُذكّره بخطيته ، ذهب فى الصباح إلى الهيكل ، فوجد أنهم قد ذهبوا بالمسيح إلى بيلاطس ، ولكن قليلاً من الكهنة مازالوا موجودين ، فألقى لهم الفضة ليتخلص مما ينخس ضميره ، واعترف أن المسيح برىء ، وأنه خائن إذ أسلمه إليهم0ولكن للأسف ، كان ندماً بدون رجاء ، فهو ليس توبة ، لأن التوبة هى إيمان بالله ورجاء فى الحياة معه ، وليس مجرد ندم0أما الكهنة والشيوخ ، فحاولوا التنصل من خطيتهم برفض الفضة ، وقالوا ليهوذا أن يتحمل ذنبه ، فهم غير مسئولين0كيف هذا وهم سيتممون قتله بعد قليل ؟! إنه الخداع الذى يخدع به الإنسان نفسه حتى لا يتوب0
ع 5 : لما رفض الكهنة أخذ الفضة منه ، ألقاها أمامهم ليتخلص منها ، ظناً منه أن هذا يخلّصه من الإحساس بالذنب ، وترك الهيكل ، بل والمدينة كلها0لكن ضميره استمر ينخسه ويوبخه ، فلم يحتمل ، وذهب وشنق نفسه0والأرجح أنه علّق نفسه بحبل فى الجبل ، فاختنق ثم ثقل على الحبل ، فانفك من الجبل وسقط ، فانشق وخرجت أحشاؤه منه ، كما ذكر بطرس الرسول فى سفر أعمال الرسل ( 1 : 18 )0
ع 6 : لم يستطع رؤساء الكهنة وضع الفضة فى صناديق الخزانة التى فى الهيكل لأنها ثمن دم إنسان ، وهم يعتبرون أن العطايا التى توضع فى الخزانة مقدسة0ورغم علمهم بكل هذا لم يتوبوا ، واستمروا فى شرهم حتى صلبوا المسيح0
ع 7 - 8 : " تشاوروا " : أعضاء مجلس السنهدريم ، بعد أن قدموا المسيح ليصلب0 " حقل الفخارى " : حقل يسمى بهذا الإسم ، ولعله كان يؤخذ من ترابه لعمل الفخار فسُمى هكذا0وهو لا يصلح للزراعة ، فكان ثمنه زهيداً ، ويمكن فقط البناء عليه0 " للغرباء " : اليهود الغرباء عن أورشليم إذا ماتوا فيها ، ويكونون فقراء ليس لهم مكان يُدفنون فيه0 " حقل الدم " : لأنهم اشتروه بثمن دم إنسان وهو المسيح0 " اليوم " : وقت كتابة متى البشير إنجيله0وجد الكهنة حلاً ، وهو شراء شىء ما بهذه الفضة لعمل الخير ، فاشتروا حقل الفخارى وخصصوه مقبرة للغرباء الذين ليس لهم مكان يُدفنون فيه ، وسمى ذلك الحقل حقل الدم تأكيداً لشناعة خطيتهم ، ولم يستطع تخفّيهم وراء عمل الخير أن يمحو خطيتهم0
ع 9 - 10 : بِشَرّهم هذا تمموا ما تنبأ به إرميا النبى ( 18 : 2 ، 6 ) عن حقل الفخارى ، وزكريا النبى ( 11 : 13 ) عن ثمن هذا الحقل وهو ثلاثين من الفضة0وهكذا نجد أن كل تفاصيل آلام المسيح عن البشرية كلها ، قد تنبأ عنها العهد القديم ليؤمن اليهود ، ولكنهم للأسف قسّوا قلوبهم وصلبوه0
+ اُنظر ، لا تُقَسِّ قلبك وترفض توبيخ الآخرين وكلمات الكتاب المقدس والعظات الروحية ، بل اعتبرها رسائل من الله تنبهك وتعيدك إلى محبته ، فتتوب عن خطاياك0
(3) المحاكمة أمام بيلاطس ( ع 11 - 14 ) :
ع 11 : بدأت محاكمة المسيح أمام السلطة الرومانية ممثلة فى الوالى بيلاطس ، وهى المحاكمة الرابعة للمسيح0وقد سأله بيلاطس : هل أنت ملك اليهود ؟ فأجاب بالإيجاب ، لعله يراجع نفسه ولا يسقط فى خطية تسليمه لليهود ، ليس لأنه متراجع عن إتمام الفداء ، ولكن حتى يكون بيلاطس بلا عذر ، وينتبه أنه أمام ملك ، فلا يندفع فى الحكم عليه بأى شر0وقد أوضح المسيح فى حديثه مع بيلاطس ، كما ذكر يوحنا ( 18 : 36 - 37 ) ، أن ملكوته روحى وليس أرضياً ، فخاب ادعاء اليهود على المسيح ، الذى حاولوا به تهييج بيلاطس ليحكم عليه0وإذ علم أنه يقصد مُلك روحى ، حكم ببراءته عندما قال أنه لم يجد فيه علة ( لو 23 : 4 ، 14 ؛ يو 18 : 38 )0
ع 12 - 14 : حاول رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود أن يقدموا اتهامات على المسيح للوالى بيلاطس ، وهى بخصوص تهييجه للشعب كما يذكر لوقا البشير ( 23 : 5 )0ولم يدافع يسوع عن نفسه ، لأنه يعرف إصرار اليهود على لصق التهم الباطلة به ، ويعلم أيضاً ضعف بيلاطس ، الذى ، رغم علمه ببراءته ، يحاول إرضاء اليهود خوفاً منهم ، ويحاول اصطياد كلمة من المسيح ليحكم بها عليه0تعجب الوالى لصمته ، وسأله لماذا لا يرد على ادعاءاتهم حتى يثبت براءته0أما هو ، فظل صامتاً0فزاد بذلك تعجب الوالى ، لأن المتهمين فى مثل هذه الأحوال يدافعون عن أنفسهم حتى لا يُحكم عليهم بالموت ؛ فالمسيح لم يكن محتاجاً أن يدافع عن نفسه ، بل يريد أن يتمم خلاصنا بموته على الصليب0وبهذا ، ظهرت مرة أخرى أمام بيلاطس براءة المسيح ، وكان قد أرسله إلى هيرودس عندما علم أنه جليلى ، وعلم أيضاً أن هيرودس والى الجليل فى زيارة لأورشليم0ولما حاكمه الأخير ولم يجد فيه علة ( لو 23 : 15 ) ، وهذه هى المحاكمة الخامسة ، فرده إلى بيلاطس ليحاكمه المحاكمة السادسة والأخيرة0وبهذا ظهرت براءة المسيح ثلاث مرات ، مرتين أمام بيلاطس ، ومرة أمام هيرودس0ولكن ، لضعفه ، لم يستطع بيلاطس أن يطلقه ( راجع عدد المحاكمات الدينية والمدنية ص 26 : 66 )0
+ إذا صمت الآخرون أمام أخطائك ، فلا تتمادى فيها ، بل راجع نفسك لتتوب0
(4) إطلاق باراباس ( ع 15 - 26 ) :
ع 15 - 18 : وجد بيلاطس نفسه أمام إنسان برىء مسالم ، لا يجد عليه علة تستحق الموت0ولأن بيلاطس ضعيف الشخصية ، لم يستطع أن يعلن براءته0ففكر فى وسيلة ليخلّصه من الموت ، ولكن دون أن يعادى اليهود ، لأنه يبحث عن مركزه ورضا الشعب عنه0فكان معتاداً أن يطلق لليهود أحد المسجونين فى عيد الفصح ، ليظهر سماحته وعطفه على اليهود ، فسألهم هل يطلق لهم يسوع ، أم مجرماً مسجوناً يسمى باراباس كان مشهوراً بالإجرام ومعروفاً عند الشعب ؟ وكان يعلم أن يسوع برىء ، ورؤساء الكهنة والشيوخ يحسدونه ، لأنه اجتذب الجموع بمحبته وتعاليمه ومعجزاته0 " مجتمعون " : يقصد عامة الشعب وليس رؤساء الكهنة ، لأنه ظن أن المسيح إذ صنع خيراً معهم ، يطلبون إطلاقه0
ع 19 : نبه الله بيلاطس مرة أخرى ، حتى لا يخطئ فى حق المسيح ويحكم عليه بالموت ، إذ أرسلت إليه إمرأته تنذره ألا يحكم بشىء ضار على المسيح ، لأنها رأت حلماً فى ليلة محاكمته يؤكد بر المسيح ، وكم يحتمل آلاماً دون ذنب0لم يذكر الكتاب المقدس تفاصيل الحلم ، ولكنه شهادة ببر المسيح من إمرأة وثنية ، فى الوقت الذى يحكم عليه اليهود بالموت ، ويهرب تلاميذه وكل محبيه0 " اليوم " : أى فى ليلة اليوم التى تُحسَب جزءاً منه ، وهذا معناه أن الحلم إعلان إلهى ، لأنه لم يكن اليهود قد قدموا المسيح إلى بيلاطس حين حلمت حلمها ليلاً0
ع 20 : بحقد وحسد هيّج الكهنة وشيوخ اليهود كل الشعب المجتمع أمام بيلاطس ، ليطلبوا إطلاق باراباس المعروف بإجرامه وقتل يسوع ، فحاولوا مدح باراباس والتماس العذر له فى جريمته0أما المسيح ، فحاولوا إلصاق التهم به ليقنعوا الشعب بطلب إطلاق باراباس0
ع 21 - 22 : بعد أن ترك بيلاطس اليهود يفكرون ، سألهم عمن يريدون أن يُطلَق لهم ، يسوع أم باراباس ، فقالوا جميعاً : باراباس0فسألهم ماذا يصنع بيسوع ، فقالوا : اصلبه ؛ ولعل الرؤساء هم الذين بدأوا المطالبة بصلبه ، وتبعتهم الجموع0والصلب هو وسيلة قتل المجرمين عند الرومان ، والذى كان سيقع على باراباس ، فطلب اليهود أن يتم فى المسيح0
ع 23 : سألهم بيلاطس مرة أخرى بضعف ، ما هو الشر الذى صنعه ، لعلهم يتراجعون عن قرارهم ، كأن القرار هو للشعب وليس له ! إنه منتهى التخاذل000فازداد صراخ اليهود مطالبين بصلب المسيح0وهكذا يعطيهم الله أكثر من فرصة لعلهم يتوبون ، أما هم ، فأصروا على شرهم بقتل البار0ونلاحظ هنا أنه قد سبق تحذيران لهما : الأول من المسيح نفسه أنه يأتى ليدين العالم كله ، ( يو 5 : 22 ) ، ويدينهم على شرهم بقتله ( ص 26 : 24 )0والتحذير الثانى كان على لسان يهوذا الإسخريوطى مسلمه عندما أعلن براءته ( ع 4 )0والتحذير الثالث عندما غسل بيلاطس يديه أمامهم معلناً براءة المسيح كما سيأتى شرحه فى ( ع 24 )0
+ إن الله ينبهك مرات كثيرة لترجع عن خطاياك ، فلا تسد أذنيك وتتمادى فى شرك0
ع 24 : " يحدث شغب " : أى هياج فى المدينة ( أورشليم ) يلومه عليه القيصر ، ويكون سبباً فى عزله لعدم التحكم وضبط المدينة0 " غسل يديه " : عادة معروفة قديماً للدلالة على عدم مسئولية الإنسان عما يحدث أمامه ( تث 21 : 6 )0 " أبصروا أنتم " : أى أنتم المسئولون عن الحكم وقتله0أعلن بيلاطس أن المسيح بار وبرىء ، وغسل يديه أمام كل الشعب ليعلن براءته من جريمة قتل يسوع0ولكن هذا لا يعفيه أبداً من مسئوليته عن قتله ، لأنه كان فى إمكانه أن يحميه ولا يسلمه لليهود0ولكن ، لضعفه ، خاف من صراخهم ، واهتم بمركزه كوالٍ أكثر من اهتمامه بالحق0
ع 25 - 26 : أعلن اليهود المجتمعون مسئوليتهم عن قتل المسيح ، حتى يشجعوا بيلاطس على أن يأمر بصلبه ، وقالوا : " دمه علينا وعلى أولادنا "0لأن المشتكى على إنسان بتهمة ، إذا ظهرت بعد ذلك براءته ، يقع عقابها على المشتكى ، كما حدث مع الذين اشتكوا دانيال ( دا 6 : 24 ) ؛ ومازالت جريمة صلب المسيح على كل يهودى لم يؤمن به0وفى خضوع وضعف ، أمر بيلاطس بجلد المسيح وتسليمه لليهود حتى يصلبوه0 " جلده " : من يحكم عليه الرومان بالصلب ، يُجلد أولاً0وكان الجلد الرومانى قاسياً ، إذ يضربون بسيور جلدية فى نهايتها قِطع معدنية حادة ، فتجرح بقسوة من يجلدونه0
+ تمسك بالحق مهما كلفك ، لأن الحق هو الله ، وتخاذلك عن إعلانه هو رفض لله0فلا تترك بريئاً يُظلم وفى يدك أن تدافع عنه ، ولا تبحث عن مصلحتك وتنسى مصلحة غيرك المظلوم0
(5) الإستهزاء بالمسيح وتعذيبه ( ع 27 - 31 ) :
ع 27 : بعد أن جلدوه وألبسوه ثيابه ، أدخلوه إلى دار الولاية ، واجتمع عليه عساكر الكتيبة الرومانية ، وهى حوالى 600عسكرى ، لأنه يبدو أن اليهود كانوا قد حذروا بيلاطس من تابعى يسوع الذين قد يقومون بثورة ويختطفوه ، فلذا جمع عليه كل هذا العدد من العسكر0
ع 28 : عرّوه ثانية ، فقد نزعوا ثيابه أولاً عند جلده ، ولم يشفقوا على جسده الدامى الممزق بالجلدات ، ثم ألبسوه ثوباً قرمزياً ، يبدو أنه كان ثوباً قديماً من ثياب الملوك المخزونة فى دار الولاية0وهذا اللون القرمزى ، ويسمى أيضاً الأرجوانى ، أى الأحمر الداكن ، يرمز للدم والفداء الذى سيتممه لأجل خلاص البشرية0
ع 29 : إمعاناً فى الإستهزاء به ، فبدلاً من وضع تاج من الذهب والجواهر ، ضفروا إكليلاً من شوك وغرسوه فى رأسه ، وهو يشبه غطاء كامل للرأس ، كم كان مؤلماً !! وبدلاً من أن يمسك صولجاناً ( وهو قضيب من الذهب أو العاج يمسكه الملوك فى أيديهم ) ، وضعوا قصبة ( عصا صغير من خشب البوص ) فى يمينه ، ثم سجدوا أمامه باستهزاء قائلين : " السلام يا ملك اليهود "0
+ لقد حمل البار خطايانا ، واحتمل ما كان يجب أن نحتمله0فالخاطئ يضرب نفسه بجلدات الشهوة التى تمزقه ، فيظن بإتمامها أنه ملك ، ويلبس الملابس الملوكية فى كبرياء ، وأكاليل الكرامة التى يفتخر بها هى الماديات الفانية والأرض الملعونة التى تنبت شوكاً وحسكاً ، فلا يغطى رأسه إلا القلق والألم0وإذ قد فقد سلطانه على نفسه ، يصير مثل قصبة ( نبات ضعيف مثل البوص ) تحركها الريح ، أى ينساق مع تيار العالم الشرير0وإمعاناً فى خداع نفسه ، يفرح بكلمات النفاق والإحترام المزيّف الذى يُقدّم له من المنتفعين منه0
ع 30 : إستمروا فى الإستهزاء به واحتقاره ، وبصقوا عليه ، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه الدامى من الأشواك0وهذا هو الإستهزاء الثالث بالمسيح ، فالأول كان من خدام الهيكل فى بيت قَيَافَا ( ص 26 : 67 ، 68 ) ، والثانى بواسطة هيرودس وعسكره الذى يذكره لنا لوقا البشير ( 23 : 11 )0
ع 31 : بعدما استهزأوا به بكل نوع ، أعادوا إليه ثيابه وقادوه للصلب0وكان ذلك فى الساعة الثالثة ، فالمحاكمة أمام مجمع اليهود كانت فى باكر الجمعة0أما المحاكمات الثلاثة المدنية ، فقد بدأت فى باكر ، وامتدت إلى الساعة الثالثة حين سلّمه بيلاطس للجند حتى يصلبوه0
+ إن تعرضت لاستهزاء أو احتقار فلا تنزعج ، لأن إلهك قد احتمل لأجلك كل إهانة ، وهو البار القدّوس0فاحتمل لأجله ، وثق أنه سيسندك ، بل ويُظهر برك ويكافئك فى السماء ، ويمنحك السلام الداخلى على الأرض فى هذه الضيقات0
(6) صلب المسيح ( ع 32 - 38 ) :
ع 32 : حمل المسيح الصليب ، وسار به من دار الولاية إلى خارج أورشليم ، وكان جسده منهكاً مملوءاً بالجروح والكدمات ، فلم يستطع جسده الضعيف أن يواصل المسيرة تحت ثقل الصليب ، وهذا يؤكد ناسوت المسيح ، فقد أخذ جسداً حقيقياً أُرهق من كثرة الجلدات0وحتى لا يتعطل الجند الذين يقودونه ، أمسكوا رجلاً يسمى سِمعان ، كان فلاحاً راجعاً من حقله ، وألزموه أن يحمل الصليب دون مقابل ، ويسير خلف المسيح حتى يصلوا بسرعة إلى إتمام صلبه0وكان هذا الرجل يهودياً من القيروان فى شمال أفريقيا ، أى فى ليبيا الحالية ، ويبدو أنه قد ظهرت عليه علامات الإشفاق على المسيح ، فاستغل الجند ذلك وجعلوه يحمل الصليب ، ولم يحملوه هم لأنه علامة العار0إن سِمعان يرمز لكنيسة العهد الجديد ، أى المؤمنين الذين يحملون الصليب خلف المسيح ، كعلامة حب له فى ترك كل خطية واحتمال الآلام لأجله0
ع 33 : وصلوا إلى مكان خارج أورشليم يسمى جلجثة ، وهى كلمة عبرانية معناها الجمجمة0وهناك تقليد قديم بأن آدم قد دُفن هناك ، لذا سُمى المكان بهذا الإسم0وها آدم الثانى ، المسيح ، يُصلب فيه ليفدى آدم وكل بنيه0وقد صُلب خارج أورشليم ، كما كانوا يُخرجون بعض الذبائح ويذبحونها خارج المحلة التى يسكنون فيها ؛ فالمسيح حمل كل العار والخزى ، ورُفض من الجميع0وقد تم خروج المسيح ووصوله إلى الجلجثة أثناء الساعة الثالثة ، أى من الساعة الثالثة إلى الساعة السادسة ( راجع تفسير ص 20 : 2 - 7 )0
+ إذا رفضك الناس ، فتذكر ما فعلوه بسيدك يسوع المسيح ، وتحمّل من أجله كما تحمّل من أجلك0
ع 34 : كانت عادة الرومان أن يُسقوا المقدَّم للصلب خلاً ممزوجاً بمرارة حتى يُخدَّر جزئياً من يشربه ، فيتحمّل الآلام بسهولة أكثر0وكان بعض اليهود يقدّمون الخل الممزوج بمرارة كعمل رحمة للمحكوم عليه بالإعدام ، فقد يكون بعض اليهود هم الذين قدّموا هذا الخل للمسيح0أما المسيح ، الذى حمل مرارة خطايانا ، فلم يرد أن يشرب أى مُخدّر حتى يحمل كل أتعاب خطايانا ، فهو : " مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه ، وبحبره شفينا " ( اش 53 : 7 )0ويذكر مرقس البشير أنهم : " أعطوه خمراً ممزوجة بمر " ( 15 : 23 ) ، وليس هناك اختلاف مع متى الذى ذكر أنه خل ، لأن عسكر الرومان كانوا يستخدمون نوعاً رخيصاً وحامضاً من الخمر ، فطعمه يشبه الخل ، ويعطى نفس تأثير الخمر ، عند مزجه بالمر ، فى تخدير من يشربه0يلاحظ أن تقديم الخمر الممزوج بمرارة للمسيح قبل تعليقه على الصليب ، غير المرة الثانية التى قدّموا فيها خلاً له وهو معلّق ( ع 48 ) ، وعندما قال : " أنا عطشان " ( يو 19 : 28 )0
ع 35 : ثياب المسيح الملتصقة بجسده ترمز للكنيسة ، وقد قسمها الجند الذين قاموا بصلبه إلى أربعة أقسام بينهم ، رمزاً لخلاصه المقدم لأربعة أركان العالم0وقد أخذها الجند الأمميون ، فخلاصه مقدم للعالم كله ؛ لليهود والأمم ولكل من يؤمن به0أما لباسه ، فكان منسوجاً كقطعة واحدة ، وقد اقترعوا عليه ، فهو يرمز للكنيسة الواحدة المنسوجة من فوق ، أى من السماء ، ويريدها أن تحيا فى محبة واحدة دون انشقاق0وقد تنبأ داود عنه ( مز 22 : 18 ) ، أن ثيابه يقتسمونها ويقترعون عليها0وقد كان الصلب تعذيباً شديداً لمن يُصلب ، فبعد أن يُعرّوه ، يسمّرونه فى يديه ورجليه ، ويتركونه معلقاً حتى يموت وهو يعانى من النزيف والآلام الصعبة0وكان الصلب أيضاً يعنى العار والخزى عند الرومان ، الذين كانوا يحكمون العالم فى ذلك الوقت0واقتسام الثياب يظهر مدى قسوة البشر ، وانهماكهم فى تحصيل الماديات فيما هم يعذبون الآخرين0فالمسيح يموت لأجل خلاصنا ، أما نحن ، فننشغل باقتسام ثيابه أو الإقتراع عليها0وكانوا يضعون المصلوب على الصليب أفقياً ، ويسمرونه ، ثم يرفعون الصليب ويضعونه فى حفرة قد تم تجهيزها لذلك ، ويثبّتونه بحيث تكون رجلىّ المصلوب مرتفعة عن الأرض نحو 30 - 40 سم0وقد تم تسمير المسيح على الصليب فى نهاية الساعة الثالثة ، لذلك يذكر مرقس البشير أنهم صلبوه فى الساعة الثالثة ( 15 : 25 ) ، أما يوحنا البشير ( 19 : 14 ، 15 ) فيذكر أن نهاية محاكمة المسيح على يد بيلاطس كانت نحو الساعة السادسة ، أى قبل انتهاء الساعة الثالثة بقليل ، وهى الفترة التى تم خلالها الخروج من أورشليم إلى الجلجثة وتسمير المسيح على الصليب ، حتى أنه فى الساعة السادسة كان قد تم تعليقه على الصليب ، وتثبيت الصليب فى الأرض ، وحينئذٍ صارت الظلمة على الأرض كلها ( ع 45 )0
ع 36 : جلس الجند الرومان لحراسة يسوع ، مع أنه الحارس للعالم كله ، ولكنه اتضع وخضع ليفدينا0وبهذا يكون الحراس شهوداً على صلبه وموته ، ليكون ذلك دليلاً على قوة قيامته بعد الموت ، وكذلك لم يُصلب إنسان آخر شبيه له ، فهو المسيح الذى سلّمه يهوذا وحاكمه اليهود ، وصُلب ومات من أجل خلاص المؤمنين به0
ع 37 : كتب الرومان فوق الصليب أنه ملك اليهود ، وهو ليس ما أراده الكهنة وشيوخ الشعب ، ولكن كان هذا بسماح إلهى ، لأنه هو ملك الملوك الذى يفدى شعبه0وكانت العادة كتابة علة الصلب أو سببه ، وكان المقصود أن سبب صلب المسيح هو ادعاؤه أنه ملك اليهود ، وهذا مقاومة للقيصر0يلاحظ أن الإنجيليين الأربعة قد أجمعوا على أن سبب صلب المسيح هو ادعاؤه أنه ملك اليهود ، وقد أوردوه كالآتى ، مع مراعاة أن النقل من اللغات المختلفة قد يصحبه بعض الفروق فى التعبير :
* متى : " هذا هو يسوع ملك اليهود " ( 27 : 37 )0
* مرقس : " ملك اليهود " ( 15 : 26 )0
* لوقا : " هذا هو ملك اليهود " ( 23 : 38 )0
* يوحنا : " يسوع الناصرى ملك اليهود000 " ( 19 : 19 )0
ويلاحظ أن لوقا ويوحنا ( 19 : 20 ) البشيرين ، أضافا أن ما كتب كان بثلاث لغات ، هى العبرانية واليونانية واللاتينية0
ع 38 : لقد تنازل المسيح ليكون بين الأشرار ، فقد صُلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار ليطلب خلاصهما0وقد آمن به اللص اليمين ، فقبله فى فردوسه ( لو 23 : 40 - 43 )0
+ إتضع بين الضعفاء والمحتقرين لتشجعهم وتجذبهم للمسيح ، فيجدوا راحتهم ، كما اتضع المسيح وصُلب بين الأشرار0
(7) محاولة تعطيل الفداء ( ع 39 - 44 ) :
ع 39 - 40 : كان الشيطان فى حالة من الشك الدائم وعدم اليقينية نحو شخص الرب يسوع0وعندما خشى أن يكون هو ( المسيا ) المنتظر المعلق على الصليب ، حاول إيقاف عملية الفداء ، وبالتالى عملية تقييده من المسيح بأن جعل الذين يمرون عليه يستهزئون به ، ويستفزونه حتى ينزل عن الصليب ، وكانوا يذكّرونه بكلامه عن قدرته على هدم الهيكل وبنائه فى ثلاثة أيام ، أى إن كان قادراً على ذلك كما ادعى ، وإن كان أيضاً إبن الله كما يقول ، فلينزل عن الصليب ، مع أنه لم يقل هذا عن هيكل سليمان ، بل عن هيكل جسده الذى حين يصلبونه ويموت ، سيقيم نفسه فى اليوم الثالث0وكانت هذه هى الشهادة الزور عليه ، وهى قوله أنه سينقض هيكل اليهود ، وهذا لم يحدث0وقد اشترك فى هذا الإستهزاء اليهود الذين مروا فى هذا المكان ، وكذا رؤساء الكهنة ( ع 41 ) ، وأيضاً عساكر الرومان ( لو 23 : 36 )0فكانت الإستفزازات كثيرة للمسيح ، حتى ينزل عن الصليب ولا يكمل عملية الفداء0
ع 41 - 42 : إشترك رؤساء الكهنة أيضاً مع الكتبة والشيوخ فى الإستهزاء به ، بأنه إذا كان قد صنع معجزات وشفى مرضى وأقام من الأموات ، فليخلّص نفسه الآن ، أى يؤكدون عجزه ويستفزونه ليرد على إفتراءاتهم ، ناسبين معجزاته السابقة إلى السحر والعلاقة برئيس الشياطين ، بدليل عجزه الآن عن تخليص نفسه ، مستهزئين بادعائه أنه ملك إسرائيل ، لأن تفكيرهم فى المُلك أرضى مرتبط بالقوة والعظمة المادية ، وليس سماوياً0
ع 43 : إستمروا فى استهزاءاتهم بالمسيح ، فقالوا له : إن كنت أنت إبن الله ، واتكلت عليه كما ادعيت ، فلماذا لم يخلّصك الله من العذاب والموت ، فصلبك يؤكد أنك لست المسيا المنتظر ، وهذا الإستهزاء تنبأ عنه داود بالتفصيل فى ( مز 22 : 7 ، 8 )0
ع 44 : هنا استهزاء وتعيير آخر يأتى إليه من أحد اللصين ، وهو اللص اليسار ( بحسب التقليد الكنسى ) ، إذ قال له : " إن كنت أنت المسيح ، فخلّص نفسك وإيانا " ( لو 23 : 39 )0وقد كُتب أن اللصين كانا يعيّرانه ، باعتبار أن تعيير أحدهما يدل على كلاهما ، مع أن اللص اليمين لم يشترك فى هذا التعيير الشرير ، كما يذكر لوقا البشير ( 23 : 40 ، 41 ) ، والكتاب المقدس يذكر أن أحد اللصين آمن به0لذلك لقّبته الكنيسة باللص اليمين ، باعتبار أن اليمين يمثل البركة والقوة ، أما اليسار فيرمز للبعد عن الله0
+ لا ترد على الأشرار إذا استفزوك ، حتى لا تخطئ مثلهم ، بل اهرب بحياتك من الغضب ، فتكون بالحقيقة قوياً مثل المسيح وتتمم أهدافك0
(8) موت المسيح ( ع 45 - 50 ) :
ع 45 : أعلنت الطبيعة حدادها واستنكارها لما يصنعه البشر مع إلههم المصلوب ، بأن صارت ظلمة على كل الأرض فى منتصف النهار والشمس فى قوتها من السادسة إلى التاسعة بحسب التوقيت اليهودى ، وهى من الثانية عشرة حتى الثالثة ظهراً0وهذه الظلمة ترمز لظلمة الخطية التى عاش فيها العالم ، وقد صُلب المسيح ليرفعها عنا ، وكذا إعلاناً لحزن الطبيعة من أجل صلب وموت خالقها ، وتنبيهاً للأشرار حتى يتوبوا كما تاب وآمن اللص اليمين0
ع 46 : " نحو الساعة التاسعة " : أى قرب نهاية الساعة السادسة0 " إيلى " : كلمة عبرانية معناها : إلهى ، وبالسريانية : ألُوِى أو إلُوِى ، كما ذكر مرقس البشير ( 15 : 34 )0 " إلهى000إلهى ، لماذا تركتنى ؟ " : تعبير يهودى معروف ومحفوظ ، إذ أنه الآية الأولى من ( المزمور 22 ) الذى يشير إلى نبوات واضحة عن آلام وصلب المسيح ، ففيه تنبأ داود عن :
(1) إحتقار واستهزاء الشعب ( ع 6 - 8 )0
(2) عطشه قبل موته ( ع 15 )0
(3) ثقب يديه ورجليه ( ع 16 )0
(4) إقتسام ثيابه وإلقاء قرعة عليها ( ع 18 )0
لهذا إستخدمه المسيح ، كأنه يقول لليهود إرجعوا إلى ما كتب داود عنى ، لتعلموا ماذا تصنعون أنتم بى0ولا يُقصد طبعاً أن الله تركه ، لأنه هو الإله المتأنس ، والإبن والآب جوهر واحد0ومناداة المسيح تعلن شدة الآلام التى يعانيها ، سواء الآلام الجسدية أو الآلام الروحية ، لأنه يحمل خطايا العالم كله ، وهو الله القدّوس الذى يتنافر مع الخطية ، فيُظهر شناعتها0
ع 47 - 49 : كان اليهود الواقفون وسامعين له ، يظنون إنه ينادى إيليا ، لأن لفظة إيلى تشبه إيليا ، كما أنهم يعتقدون أن إيليا سيأتى مرة ثانية0فاستهزأوا به قائلين : اُنظروا ، هل يأتى إيليا يخلصه ؟ وهذا استفهام استنكارى ، أى لن يأتى إيليا0وأعلن المسيح عطشه وقال : أنا عطشان ( يو 19 : 28 ) ليؤكد ناسوته ، فالمصلوب يشعر بالعطش الشديد ، فتقدم واحد وقدم له خلاً ليشرب منه ، ووضعه فى إسفنجة ووضعها على قصبة من نبات الزوفا كما يذكر يوحنا البشير ( 19 : 29 )0والزوفا نبات كانت غصونه تستعمل لرش المياه المقدسة حسب الطقوس اليهودية0
ع 50 : بهذا أكمل المسيح كل الآلام عنا فصرخ بصوت عظيم تعبيراً عن شدة الألم ، ومات على الصليب ، وانطلقت روحه منفصلة عن جسده ، وبهذا تم الفداء ؛ ولكن ظل لاهوته متحداً بجسده وأيضاً بروحه0وقد نطق المسيح وهو على الصليب بسبعة أقوال ، هى :
(1) صلاته من أجل من يصلبونه ، قائلاً : " يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( لو 23 : 34 )0
(2) وعده للص التائب بالفردوس ، بقوله : " اليوم تكون معى فى الفردوس " ( لو 23 : 43 )0
(3) تسليمه العذراء أمه ليوحنا بقوله لها : " يا امرأة هوذا ابنك " ، ثم قوله ليوحنا : " هوذا أمك " ( يو 19 : 26 ، 27 )0
(4) صراخه إلى الله من شدة الألم ، قائلاً : " إيلى000إيلى لَمَا شبقتنى " ( مت 27 : 46 )0
(5) قوله : " أنا عطشان " ( يو 19 : 28 )0
(6) قوله : " قد أُكْمِلَ " ( يو 19 : 30 )0
(7) تسليم روحه لله ، قائلاً : " يا أبتاه فى يديك أستودع روحى " ( لو 23 : 46 )0
+ اُنظر لآلام المسيح على الصليب حتى تشعر بحبه لك ، فتحبه كل حين0
(9) حوادث مصاحبة لموت المسيح ( ع 51 - 56 ) :
ع 51 : عند موت المسيح فى الساعة التاسعة ، إنشق حجاب الهيكل ، وهو ستارة ضخمة من القماش ، عرضها حوالى 7 متر وارتفاعها 14 متراً ، وهى تفصل بين القدس وقدس الأقداس ( للتقريب لذهن القارىء ، كان الهيكل يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية : الدار الخارجية ، وهى تماثل صحن الكنيسة حالياً ، وكان ممكن للشعب التواجد بها0أما الجزءان الداخليان " القدس وقدس الأقداس " ، فلا يُسمح لأحد بالإقتراب منهما سوى الكهنة0ويمكن تشبيههما بالهيكل والمذبح فى كنائسنا ) ، ولا يمكن أن يرى هذا الإنشقاق إلا الكهنة ، فهم وحدهم المسموح لهم بالدخول إلى القدس ، وقد آمن بعضهم وأعلن ما حدث0وانشقاق الحجاب إشارة ثانية إلى نهاية الكهنوت اليهودى ، وبداية الكهنوت المسيحى ، { كانت الإشارة الأولى فى ( ص 26 : 56 ) ، عندما مزق قيافا رئيس الكهنة ثيابه } ، إذ أتم المسيح الفداء على الصليب كرئيس كهنة ، قدّم نفسه ذبيحة عنا ، وبموته فتح لنا الطريق إلى الأقداس ، أى فردوس النعيم وملكوت السماوات ، إذ لم يكن مسموحاً فى العهد القديم أن يدخل أحد إلى قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة ومعه دم يرشه على تابوت العهد0أما الآن ، فالمسيح رئيس الكهنة بشق جسده ، أى موته على الصليب ، فتح لنا الطريق إلى الأقداس ، فنستطيع ، ليس فقط أن ننظر إلى الهيكل والمذبح فى الكنيسة ، بل نتناول جسده ودمه الأقدسين0 " الأرض تزلزلت ، والصخور تشققت " : معناه اهتزاز الطبيعة أمام الخلاص الإلهى الذى تم على الصليب0ومن الناحية الروحية الرمزية ، يرمز إلى اهتزاز الشهوات الأرضية التى رفعها عنا المسيح ، وتشقُّق القلوب الصخرية ليسكن فيها0
ع 52 - 53 : بالإضافة إلى تأثر الهيكل والطبيعة ، تأثر الموت أيضاً ، فلم يعد له سلطان على أولاد الله ، إذ القبور تفتحت ، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين ( المؤمنين ) ، فقد نقلهم بصليبه من الجحيم إلى الفردوس ، فهم يعلنون بقيامتهم فرحتهم بالخلاص الذى نالوه ، وخرجوا من القبور بعد قيامته ، ودخلوا المدينة المقدسة ، أى أورشليم ، لأن فيها هيكل الله ، وظهروا لكثيرين ليعلنوا القيامة والخلاص لليهود حتى يؤمنوا بالمسيح الفادى ، سواء كانوا من القديسين المعروفين مثل الأنبياء ورجال الله ، أو المؤمنين بالمسيا المنتظر من اليهود الذين ماتوا من فترة قريبة ويعرفهم الناس الذين فى أورشليم0
ع 54 : عندما رأى قائد المئة والجند الذين معه المسئولون عن حراسة المسيح المصلوب ( وهم رومانيون أمميون ) تغيرات الطبيعة بالزلزلة وتشقق الصخور ، بالإضافة إلى معاينتهم الظلمة السابقة ، أعلنوا أن المسيح ليس إنساناً عادياً ، بل خافوه كإله ، وقالوا : " حقاً ، كان هذا ابن الله " ، مصدقين قوله عن نفسه أنه إبن الله ، كما علموا من الجموع الذين مروا بالصليب0ويذكر يوحنا البشير ( 19 : 31 ) أنه فى هذا الوقت ، طلب اليهود من بيلاطس كسر سيقان المصلوبين ، حتى يموتوا ولا تبقى أجسادهم معلقة فى عيد الفصح والفطير الذى يمتد ثمانية أيام ، فوافق ، وكسر الجند أرجل اللصين ، وعندما أتوا للمسيح وجدوه قد مات ، فطعنه أحد الجنود بحربة فى جنبه للتأكد من موته ، فخرج دم وماء0
ع 55 - 56 : وكانت هناك مجموعة من النساء ، هن اللاتى كن يتبعن ويخدمن المسيح بأموالهن ، وأتين معه من الجليل فى شمال اليهودية إلى أورشليم ، ومنهن مريم المجدلية التى أخرج منها سبعة شياطين ، ومريم زوجة كِلُوبَا أو حلفا أخت العذراء مريم ، وسالومة أم يعقوب ويوحنا ابنى زَبَدِى0وكن ينظرن من بعيد ، إما خوفاً من اليهود ، أو لأن العسكر أبعدوهن ، ولكن محبتهن جعلتهن يتابعن كل شىء حتى النهاية0
+ الله يُظهر أمامك علامات فى أحداث الحياة لتؤمن به وتتكل عليه ، يمكنك أن تفهمها إن كنت متمسكاً بعلاقتك به فى صلوات وأصوام وقراءات وتناول من الأسرار المقدسة0وإن فهمت ما يحدث حولك فلا تهمله ، بل ليكن دافعاً لك حتى تتوب ، وتُزيد علاقتك مع الله0
(10) دفن المسيح ( ع 57 - 61 ) :
ع 57 - 58 : أحد تلاميذ المسيح ، أى تابعيه ، يدعى يوسف الرامى ، والرامة قريبة من أورشليم0وكان هذا أحد شيوخ اليهود من مجمع السبعين شيخاً ، وهو غنى ، ولم يكن موافقاً لرأى شيوخ اليهود فى صلب المسيح ( لو 23 : 51 )0وبما له من علاقات ومركز ، استطاع بجرأة وإيمان أن يدخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع بعد أن مات ، فسمح له0وبتصرّفه هذا ، عرّض نفسه للخطر من بيلاطس واليهود ، لأن هذا دليل على ارتباطه الشديد بالمسيح المصلوب ، ولكنه لم يخف ، والله حفظه فلم يؤذه أحد0
ع 59 : اشترك مع يوسف الرامى نيقوديموس الذى كان مؤمناً بالمسيح ، ولكن خفية مثل يوسف خوفاً من اليهود ، وكان يحمل أطياباً وحنوطاً وضعاه على الجسد ( يو 19 : 39 )0ثم أخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى0والكتان يوضع للأغنياء إذ هو ملك الملوك ، وأيضاً لباس الكهنة إذ هو رئيس كهنتنا الذى قدّم نفسه ذبيحة على الصليب0
ع 60 : كان يوسف يملك بستاناً قريباً من مكان الجمجمة داخله صخرة نحت فيها قبراً لنفسه0وعندما مات المسيح ، فضّله على نفسه ووضعه فى قبره الجديد الذى لم يوضع فيه أحد0وكان هذا بتدبير الله ، ليؤكد قيامته ، فلا توجد أجساد أو عظام أخرى معه يُشَكّ أنها قامت0ووضع حجراً كبيراً على باب القبر لا يستطيع أحد بسهولة أن يدحرجه ، ليؤكد هذا عدم استطاعة تلاميذ المسيح أن يسرقوا الجسد دون ضوضاء يشعر بها حراس القبر0
ع 61 : مازالت بعض النساء ، فى محبتهن للمسيح ، يراقبن دفنه0ويذكر الكتاب المقدس منهن مريم المجدلية ومريم أخرى يذكر مرقس البشير أنها أم يوسى ( 15 : 47 ) ، ويذكر لوقا أنه : " تبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل ، ونظرن القبر وكيف وُضع جسده0فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً ، وفى السبت استرحن حسب الوصية " ( 23 : 55 ، 56 ) ، كما يذكر يوحنا : " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كِلُوبَا " ( 19 : 25 )0
+ محبتك لله تجعلك تراقب طرقه وتسير وراءه ، ليس فقط فى وقت الراحة ، بل وفى الضيقات أيضاً ، متمسكاً بوصاياه ، فكن جريئاً وأعلن محبتك له مهما كان الأشرار يرفضون طريق الله0
(11) ختم القبر ( ع 62 - 66 ) :
ع 62 - 64 : " رؤساء الكهنة والفريسيون " : أعضاء مجلس السنهدريم0 " المضل " : مازالوا يلقبون المسيح بذلك ، رغم رؤيتهم للظلمة والزلزلة ، لأنهم مصرون على الشر0فى مساء يوم الجمعة ، أى بداية السبت ، إذ أن اليوم يبدأ من ليلته ، وبعد انتهاء يوم الجمعة المسمى عند اليهود بالإستعداد ليوم السبت ، بعد دفن المسيح ، تذكّر رؤساء الكهنة والفريسيون كلام المسيح عن قيامته عندما : " قال لهم انقضوا هذا الهيكل أى جسده وفى ثلاثة أيام أقيمه " ( يو 2 : 19 ) ، وقد يكونوا عرفوا من أحد تلاميذه نبوته عن قيامته فى اليوم الثالث ( ص 16 : 21 ) ، وخافوا أن يسرق التلاميذ جسده ويدّعوا أنه قام0فذهبوا إلى بيلاطس وأخبروه بهذا ، وطلبوا منه أن يأمر بضبط القبر ، أى بوضع الأختام والحراس عليه ، ولم يفهموا أنهم بهذا يؤكدون قيامته عندما يقوم فى اليوم الثالث ، رغم وجود الأختام والحراس0 " الضلالة الأخيرة " : إذ اعتبروا كل تعليم المسيح ضلال للشعب ، فإذا سرق التلاميذ جسده وادعوا أنه قام ، يضلون الشعب أكثر من أيام حياة المسيح بينهم0
ع 65 - 66 : سمح لهم بيلاطس أن يضبطوا القبر ، فمضوا وضبطوا القبر بالحراس الرومانيين والأختام ؛ وبالطبع أتموا كل شىء بتدقيق ليضمنوا عدم سرقة الجسد0
+ لا تنزعج من حِيَلِ الأشرار وقوتهم ، فالله يحولها لمصلحتك وإظهار برك0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح