كلمة منفعة
في فترة الصوم يليق بك أن تتدرب على ضبط النفس، كما تدرب نفسك على ضبط جسدك..
— تداريب في ضبط النفس
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 19 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 19 الأصحاح التاسع عشر : مدعُوُّو الملكوت يقدّم لنا الإنجيلي متّى عيِّنات من المدعوِّين للملكوت من متزوّجين وبتوليّين وأطفال وأغنياء ورعاة: 1. الملكوت والحياة الزوجيّة 1-9. 2. الملكوت والبتوليّة 10-12. 3. الملكوت والأولاد 13-15. 4. الملكوت والغِنى 16-26. 5. الملكوت والرعاة 27-30. 1. الملكوت والحياة الزوجيّة باب الملكوت ضيق وقليلون هم الذين يجدونه، لكنّه في جوهره هو شخص السيِّد نفسه الذي يحملنا فيه، ويدخل بنا إلى حضن أبيه، فنكون معه شركاء في مجده. هذا الباب مفتوح للمتزوّجين كما للبتوليّين، للأطفال كما للناضجين، للفقراء كما للأغنياء، للرعاة والرعيّة. إنه يمس حياة كل من يقبله فيجعلها حياة فردوسيّة أبديّة. فمن جهة المتزوّجين، يقدّم لنا السيِّد مفهومًا جديدًا للحياة الزوجيّة خلاله نتفهم لقاء المتزوّجين مع التمتّع بالملكوت. "وجاء إليه الفرّيسيّون ليجرّبوه، قائلين له: هل يحلّ للرجل أن يطلِّق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى. وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" [3-6]. أراد الفرّيسيّون أن يجرّبوه ربّما لأنهم سمعوا ما قاله بخصوص التطليق في الموعظة على الجبل، فقدّموا له سؤالاً لعلّه يجيب بخلاف ما ورد في شريعة موسى رافضًا التطليق (إلا لعلّة الزنا)، فيُحسب في أعينهم كاسرًا للشريعة. أمّا هو فاستغلّ الفرصة ليقدّم لهم "الحياة الزوجيّة" في مفهوم روحي عميق ومن منظار إلهي كحياة فردوسيّة، وليس عقدًا اجتماعيًا مجرّدًا، خلالها يختبر الزوجان اتّحاد النفس بالله، فينجذِبا خلال هذه الحياة المقدّسة إلى تذوّق الملكوت الداخلي. ويلتهب قلباهما نحو الحياة السماويّة الأخرويّة ليدخلا إلى عرس أبدي، وكأن الزواج ليس عائقًا عن الملكوت وإنما هو ظلُّه، خلاله يختبر المؤمنون بحق الانطلاق نحو زواج روحي مع العريس الأبدي بفعل الروح القدس. والعجيب أن السيِّد المسيح قد بارك البشريّة وقدّس أعمالها، فجاء ابنًا للإنسان ليقدّس بنيّ البشر، ويقدّس الحياة البشريّة ويرفع من شأنها. بطفولته قدّس الطفولة التي احتقرها البشر زمانًا طويلاً، وبمشاركته للقدّيس يوسف أعماله اليوميّة قدّس العمل اليومي، بصلواته وأصوامه قدّس عبادتنا، ببتوليّته قدّس الحياة البتوليّة، فما هو موقفه من الحياة الزوجيّة؟ لقد قدّس السيِّد المسيح الحياة الزوجيّة بأن قدّمها فيه بطريقة فائقة كعريس يمد يده للبشريّة كلها ويتقبّلها عروسًا له، دافعًا حياته مهرًا لها وواهبًا إيّاها روحه القدّوس عطيّته المجّانيّة للعروس الواحدة. إنه كعريس واحد للعروس الواحدة، يقدّم لنا صورة حيّة للحياة الزوجيّة خلالها استمدّت الأسرة المسيحيّة كيانها وتقديسها. إن كان السيِّد يقول: "أما قرأتم أن الذي خلق منذ البدء خلقهما ذكرًا وأنثى" [4]. إنما يدخل بنا إلى آدم الأول وحواء، فنفهم الحياة الزوجيّة خلال آدم الثاني وحواء الجديدة التي هي عروسه الكنيسة. لقد خلق الله الرجل أولاً ثم المرأة من جنبه، صورة حيّة للعريس الأبدي الواحد الذي فيه أوجدت الكنيسة مقدّسة خلال جنبه المطعون. يرى المتزوّجون في آدم الأول وحواء الأولى مثالاً حيًا للحياة الزوجيّة الأمينة والوحدة الأسريّة، يعرف آدم حواء كمعينة تسنده في وحدته وسط الفردوس يحبّها كجسده ويعرف موضعها الحقيقي أنها في جنبه، تشاركه كل شيءٍ. أمّا هي، فتعرف آدم رأسًا لها ليس متعاليًا، لأنها ليست من قدميه، ولا بغريبة عنه لأنها واحد معه من جسده! ويرى المتزوّجون في آدم الثاني العريس الحقيقي الذي فَتح جنبه بالحب، لا لتخرج منه حواء، بل لتدخل فيه جموع البشريّة المؤمنة عروسًا واحدة، جسده المقدّس! هذا ما تؤكّده الكنيسة في ليتورجيّة الزواج فتركّز في صلواتها وطلباتها وألحانها على الكشف عن هذه العلاقة الروحيّة التي تربط العريس الملك الأبدي بعروسه الكنيسة المقدّسة . لقد تلقَّفت الكنيسة هذا الفكر عن الرسول بولس أثناء حديثه عن العلاقات الأسريّة، إذ يقول: "أيها النساء اِخضعْن لرجالكُن كما للرب، لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح هو رأس الكنيسة وهو مخلّص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء. أيها الرجال أحبُّوا نساءكم كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها." إن كان السيِّد قد قدّس الحياة الزوجيّة بتقديم حياة عُرْسيّة ملكوتيّة فائقة، فيه يقبل البشريّة عروسًا له، فإنه أيضًا قدّس الزواج الذي يتمّ هنا على الأرض بين الرجل والمرأة، بحضوره عرس قانا الجليل كأول عمل له بعد عماده. هذا هو الطريق الثاني لمباركته هذه الحياة. يقول القدّيس أغسطينوس: [بحضور الرب العرس الذي دُعي إليه أراد بطريقة رمزيّة أن يؤكّد لنا أنه مؤسِّس سرّ الزواج، لأنه يظهر قوم قال عنهم الرسول أنهم مانعون عن الزواج (1 تي 4: 3)، حاسبين الزواج شرًا من صنع الشيطان.] يكشف لنا السيِّد هذه الحياة الزوجيّة بقوله: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرِّقه إنسان" [5-6]. لقد تمّم السيِّد هذا العمل أيضًا، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [ترَك أباه إذ أظهر ذاته كمن هو غير مساوٍٍ للآب بإخلاء نفسه وأخذ شكل العبد (في 2: 7) وترك أمُّه المجمع الذي منه وُلد حسب الجسد، ملتصقًا بامرأته أي كنيسته.] خلال هذا العرس الأبدي يتمتّع المتزوّجون بهذا الحب الذي به يلتصق كل منهما بالآخر، وكما يقول الرسول: "هذا السرّ عظيم، ولكني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة، وأمّا أنتم الأفراد فليُحب كل واحد امرأته هكذا كنفسه، وأما المرأة فلتهب رجلها" (أف 32:5-33). يقول الآب يوحنا من كرونستادت: [لنفهم العبارة يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته إمّا بالمعنى الحرفي للكلمات أو المعنى الرمزي، إذ يلتصق الإنسان بالمسيح حيث الحب الأسمى والأقدس، الذي هو أعظم من الحب للزوجة.] إذ حدّ السيِّد التطليق حتى كاد أن يمنعه تمامًا إلا في حالة الزنا (مت 5: 31-32)، ظنّوا أنه يكسر الوصيّة الموسويّة، قائلين: "فلماذا أوصى موسى أن يُعطي كتاب طلاق فتطلَّق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قسوة قلوبكم أذن لكم أن تطلِّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم إن من طلَّق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوَّج بأخرى يزني، والذي يتزوَّج بمطلَّقة يزني" [7-9]. في هذا يقول القدّيس أغسطينوس: [لم تأمر الشريعة الموسويّة بالطلاق بل أمرت من يطلق امرأته أن يعطيها كتاب طلاق، لأن في إعطائها كتاب طلاق ما يهدِّئ من ثورة غضب الإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب طلاق أشار إلى عدم رغبته في الطلاق ما أمكن. لذلك عندما سُئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلاً: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذِن لكم، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في طلاق زوجته، إذ يعرف أنه بواسطة كتاب الطلاق تستطيع أن تتزوّج من آخر، يهدأ غضبه ولا يطلّقها. ولكي ما يؤكّد رب المجد هذا المبدأ، وهو عدم طلاق الزوجة باستهتار جعل الاِستثناء الوحيد هو علّة الزنا. فقد أمر بضرورة احتمال جميع المتاعب الأخرى (غير الزنا) بثبات، من أجل المحبّة الزوجيّة ولأجل العفّة. وقد أكّد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوّج بمطلَّقة زانيًا.] ارتباط الزوجين معًا صورة حيّة للوحدة بين المخلّص وكنيسته إلى الأبد، فإن كان الرسول البتول يقول: "وأما المتزوّجون فأوصيهم لا أنا بل الرب، أن لا تُفارق المرأة رجلها، ولا يترك الرجل امرأته" (رو7: 2-3)، فكم بالأحرى يهتمّ الله ألا يفارق كنيسته ولا ينزعها من أحضانه الأبديّة، مقدّمًا كل إمكانيّاته الإلهيّة لثباتها فيه إلى الأبد. 2. الملكوت والبتوليّة إذ سمع التلاميذ كلمات السيِّد رأوا في الرباط الزوجي الذي لا ينحل إلا بالزنا أمرًا غاية في الصعوبة، فقالوا له: "إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوَّج" [10]. لم يكن التلاميذ قد أدركوا بعد سرّ الملكوت كما يليق ولا فهموا "الاتّحاد"، لهذا رأوا في الحياة الزوجيّة كما عرضها السيِّد تكاد تكون مستحيلة. أمّا المؤمن فإذ يتذوّق الملكوت السماوي في قلبه ويختبر ثباته في عرسه الأبدي وحلول عريسه في داخله يتقبّل زوجته من يديه، فيرى في اتّحاده معها عملاً إلهيًّا فائقًا يقوم به الروح القدس نفسه. لقد ظنّ التلاميذ البتوليّة أسهل من الزواج، لكن السيِّد صحَّح لهم مفهومهم معلنًا أنه كما الاتّحاد الزوجي هو صورة للحياة الملكوتيّة الأبديّة، فإن البتوليّة أيضًا تقدّم صورة حيّة لهذه الحياة وبشكلٍ أعمق. إنه يقول: "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أُعطى لهم. لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمَّهاتهم. يوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خَصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل" [11-12]. ليست البتوليّة الحقّة هروبًا من الزواج بسبب صعوبة الحياة الزوجيّة، لكنها دخول في الحياة الملكوتيّة الأبديّة. إن كان طريق الزواج المسيحي يبدو صعبًا، فإن الحياة البتوليّة الحقيقية هي هبة ليست للجميع، إذ يقول: "ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أُعطيَ لهم" [11]. ليست كل بتوليّة حسب الجسد هي بتوليّة حقَّة، فقد ميّز السيِّد بين ثلاثة أنواع من البتوليّة: أولاً: يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أمّهاتهم، يقصد بهم غير القادرين على الحياة الزوجيّة بسبب مرض جسدي. هؤلاء تُحسب بتوليّتهم - إن صح التعبير - ليست إلا عجزًا عن الزواج، يحمل الجانب السلبي، فلا تُقدّم شيئًا كبتوليّة. ثانيًا: يوجد خصيان خصاهم الناس، هؤلاء غالبًا ما كانوا نوعًا من العبيد اِئْتمنهم السادة على ممتلكاتهم، فخصُوهم لخدمة الرجال والنساء معًا في بيوت سادتهم. فيُحرم هؤلاء الخصيان من حياتهم الزوجيّة لأجل خدمة سادتهم! هذه صورة مرّة للحياة البتوليّة - إن صح التعبير - التي لا تُقدَّم عن عجز كالفئة السابقة وإنما يتقبّلونها إرضاءً للناس. إنهم يحملون صورة التقوى والعفّة لا من أجل الملكوت، وإنما من أجل كرامةٍ زمنيّةٍ ومجدٍ باطلٍ، وهذه أخطر صورة للحياة المسيحيّة الشكليّة. ثالثًا: يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، وهذه فئة روحيّة رائعة تضم في الحقيقة جميع المؤمنين العاملين بالحب لله بكونهم بتوليّين روحيّين، عذارى ينتظرون العريس، وعلى وجه الخصوص جماعة البتوليّين روحًا وجسدًا من أجل الرب. البتوليّون من أجل الملكوت السماوي هم الذين تقدّموا لصليب ربّنا يسوع المسيح، لا ليُحرموا من الحياة الزوجيّة عن عجز ولا من أجل الناس، وإنما اشتياقًا للتكريس الكامل روحًا وجسدًا للعريس الأبدي. هؤلاء يناجيهم السيِّد، قائلاً: "أختي العروس جنّة مُغْلقة، عين مُقْفلة، ينبوع مختوم" (نش 4: 12). أنها ليست عاجزة ولا مقفرة، إنّما هي جنّة تكتظ بكل أنواع الأشجار وعين ماء وينبوع لا ينضب، لكنها لا تترك هذا كلّه لآخر غير عريسها. إنها بتول لا تعاني حرمانًا، كما لا تُسلّم ذاتها إلا لمن قدّم حياته لها. هذا ويلاحظ أن الحياة البتوليّة ليست إلزاميّة إذ يختم السيِّد حديثه هكذا: "من استطاع أن يقبل فليقبل" [12]. يقول القدّيس جيروم: [لا يوجد إلزام ترتبط به، فإن أردت أن تنال المكافأة إنّما يكون ذلك بكامل حريتك.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [أن ما يعلنه السيِّد هنا ليس بوصيّة ملزِمة لكنها مشورة يقبلها الراغبون في درجات الكمال.] يحذّرنا القدّيس كبريانوس لئلا نعتمد على بتوليّة الجسد وحدها حتى وإن كانت من أجل الرب، إنّما يلزم الجهاد في بتوليّة النفس خلال التمتّع بالحياة الكنسيّة المقدّمة. لقد خشَىَ َعلى البتوليّين من الكبرياء خلال بتوليّتهم الجسديّة، إذ يقول: [ليت الذين صاروا خصيانًا من أجل ملكوت السماوات مرّة يُرضون الله في كل شيء، ولا يضادّون كهنة الله ولا رب الكنيسة خلال عثرة شرّهم.] 3. الملكوت والأولاد رأينا التلاميذ يسألون السيِّد عمَّن هو أعظم في ملكوت السماوات فقدّم لهم ولدًا، قائلاً: "الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 18: 3). والآن نرى الأولاد يُقدّمون إليه ليضع يديه عليهم ويصلّي. حقًا لقد انتهرهم التلاميذ، "أمّا يسوع فقال: دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. فوضع يديه عليهم ومضى من هناك" [14-15]. إن كان المتزوّج يتلمَّس مفهوم الملكوت السماوي خلال حياته الزوجيّة المقدّسة والاتّحاد الزوجي الفائق، والبتول يلتهب قلبه حنينًا نحو الملكوت كعذارى تترقَّب عريسها، فإن الأولاد الصغار هم المَثل الحيّ الذي يُقدّم لكل مؤمن ليكون له حق العضويّة في هذا الملكوت. لم يقدّم الأولاد كفئة بين فئات كثيرة تتمتّع بالملكوت، وإنما هي الفئة الوحيدة التي يلتزم الكل أن يدخل إليها لينعم بالملكوت، فالملكوت إنّما هو ملكوت البسطاء! إذن لنرجع ونصر مثلهم، نحيا ببساطتهم فنكون بحق أبناء الملكوت. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هذه هي حدود الحكمة الحقيقيّة: أن تكون بسيطًا بفهم. هذه هي الحياة الملائكيّة، نعم لأن نفس الطفل الصغير نقيّة من كل الشهوات.] لنقف قليلاً عند حديث السيِّد مع تلاميذه بخصوص الأولاد: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات"، ففي هذا الحديث نكتشف أمرين: أولاً: ليس هناك طريق وُسطى، إمّا ندعو الأولاد للتمتّع بالسيِّد المسيح، أو نقف أمامهم عثرة فنمنعهم. إمّا نعمل لحساب الملكوت، فنجمع أبناء الملكوت، أو لحساب مملكة الظلمة، فنعوق الآخرين عن الحياة مع الله. هذا هو ما أعلنه السيِّد بقوله: "من لا يجمع معي فهو يفرّق". ثانيًا: إن عملنا لحساب الملكوت، فندعو الأولاد، يتحقّق هذا بإقتدائنا بالأولاد. لنحمل فينا روح البساطة كأولاد لله البسيط، حتى نقدر أن نلتقي بالأولاد فنحملهم بالحب إلى السيِّد المسيح محب البشر! 4. الملكوت والغِنى يروي الإنجيلي عن لقاء بين السيِّد المسيح وشاب غني: "وإذا واحد تقدّم وقال له: أيها المعلّم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبديّة؟" [16]. جاء هذا الشاب وكأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء الملكوت خلال الباب الضيق. ولكن قبل أن يجيبه على سؤاله قال له: "لماذا تدعوني صالحًا؟! ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله" [17]. إنه لم يقل "لا تدعوني صالحًا"، إنّما رفض أن يدعوه هكذا كمجرد لقب، ما لم يؤمن بحق أنه الصالح وحده. فقد اِعتاد اليهود على دعوة رجال الدين بألقابٍ لا تليق إلا بالله وحده، وقد أراد السيِّد تحذيرهم بطريقة غير مباشرة. وكأنه السيِّد يقول له: إن آمنت بي أنا الله فلتقبلني هكذا وإلا فلا. هذا وقد أكّد السيِّد نفسه أنه صالح، فيقول: "أنا هو الراعي الصالح" (يو 10: 11)، كما يقول: "من منكم يبكِّتني على خطيّة؟" (يو 8: 46) لقد عُرف الأغنياء بالمظاهر الخارجيّة وحب الكرامات، وكأن السيِّد المسيح بإجابته هذه أراد أن يوجِّه الأغنياء إلى تنقية قلوبهم من محبّة الغنى بطريق غير مباشر، مع رفض محبّة الكرامات والألقاب المبالغ فيها. لقد أظهر هذا الشاب شوقه للحياة، لذلك قدّم له السيِّد إجابة عن اشتياقه، وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [الذين ينحنون أمامه بعنق عقولهم للطاعة يهبهم وصايا ويعطيهم نواميس. ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويقدّم لهم البركات الروحيّة، فيكون بالنسبة لهم مخزنًا لعطايا لا تسقط.] لقد أجابه السيِّد: "إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" [17]. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كنت لا تريد أن تحفظ الوصايا، فلماذا تبحث عن الحياة؟ إن كنت تتباطأ في العمل، فلماذا تُسرع نحو الجزاء؟] دخل السيِّد مع الشاب في حوار حول حفظ الوصايا، حتى يكشف له نقطة ضعفه، ألا وهي محبّة المال. وجاءت النصيحة: "إن أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع أملاكك، وأِعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني" [21]. يقول القدّيس جيروم: [هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة أن يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء (لو 18: 22)، متحرّرًا من كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيحٍٍٍ.] [خادم المسيح الكامل ليس له شيء بجانب المسيح.] [ترْجِم كلماته إلى عمل، فإنك إذ تتعرى تتبع الصليب حيث العرس، وتصعد سلّم يعقوب الذي يسهل صعوده لمن لا يحمل شيئًا.] كما يقول: [يَََعد الشيطان بمملكة وغنى ليُحطم الحياة، أمّا الرب فيَعدْ بالفقر ليحفظ الحياة.] يقول القدّيس كبريانوس: [إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أن يُغلب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حرًا بلا قيود كما فعل الرسول - وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح برباطات لا تنفك.] يقول القدّيس أغسطينوس: [إن كانت لديهم الإرادة أن يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك... فإن كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ويذهب إلى حيث ذهب القلب... لنرسل أمتعتنا مقدّمًا إلى حيث نستعد للرحيل.] كثيرون نَفَّذوا هذه الوصيّة بطريقة حرفيّة، فمن أجل الدخول إلى الكمال باعوا كل شيء وأعطوا الفقراء، ليكون السيِّد المسيح نفسه كنزهم. لكن فيما هم يبيعون بطريقة حرفيّة باعوا ما في القلب فلم يعد للعالم مكان فيه. فالبيع الخارجي يلزم أن يرافقه بيع داخلي وشراء، أي بيع من القلب مع اقتناء للسيّد المسيح ليملأ القلب، الذي سبق فأسره حب الغنى واهتمامات بالحياة. هذا ما أكّده الآب موسى، قائلاً: [إننا نرى بعضًا ممن زهدوا أمور هذا العالم، ليس فقط الذهب والفضة، بل والممتلكات الضخمة يتضايقون ويضطربون من أجل سكِّينة أو قلم أو دبُّوس أو ريشة، بينما لو وجَّهوا أنظارهم نحو نقاوة القلب بلا شك ما كانوا يضطربون من أجل الأمور التافهة، فكما لا يبالون بالغنى العظيم، يتركون أيضًا كل شيء.] ويقدّم لنا الكتاب المقدّس أبانا إبراهيم مثالاً حيًا للغني الذي باع من قلبه من أجل الرب، مع أنه لم يعش كفقير. ففي الظهيرة كان يترقَّب مجيء غريب يشاركه الطعام، ويطلب من زوجته أن تهيئ الطعام بيديها ولا تتركه لجاريتها وخَدَمها. إنه يعيش كمن لا يملك شيئًا، فقد باع كل شيء، ليس في القلب موضع للغنى أو الهمّ. يظهر ذلك بوضوح في أكثر من موقف، فعندما حدثت مخاصمة بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي لوط في محبّة سأل ابن أخيه أن يختار الأرض التي تروق له دون أن يضع قلبه على موضع معيّن، قائلاً له: "لا تكن مخاصَمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخَوان. أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عنّي، إن ذهبت شمالاً فأنا يمينًا وإن يمينًا فأنا شمالاً" (تك 13: 8-9). وعندما أُنقذ لوط والملوك الخمسة والنساء وكل ممتلكاتهم في كسرة كدرلعومر، إذ أراد أن يترك ملك سدوم لإبراهيم الممتلكات مكتفيًا بأخذ النفوس، أصرّ إبراهيم ألاّ يأخذ خيطًا ولا شِراك نعْل، ولا من كل ما هو له (تك14: 23). إذ نعود إلى الشاب نراه غير قادرٍ على تنفيذ الوصيّة وقد مضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة. هنا وجّه السيِّد حديثه لتلاميذه: "الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" [24]. لم يقل السيِّد "أنه يستحيل"، وإنما "يعسُر"، ومع هذا فإنه إذ بُهت التلاميذ جدًا قائلين: "إذًا من يستطيع أن يخلُص؟" نظر إليهم يسوع ربّما نظرة عتاب مملوءة ترفُّقًا، وقال لهم: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" [26]. إنه يعاتب تلاميذه الذين لم يُدركوا بعد أنه ليس شيء غير مستطاع لدي الله. حقًا إن الله قادر أن يعبُر بالجمل من ثقب إبرة، بتفريغ قلب الغَني من حب الغِنى وإلهاب قلبه بحب الكنز السماوي. وللقدّيس جيروم تعليق جميل على ذلك، إذ يقول: [لكن ما هو مستحيل لدى البشر ممكن لدى الله" (مر 10: 27). هذا ما نتعلّمه من المشورة التي قدّمها الرسول لتيموثاوس: "أوْصِ الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يُلقوا رجاءهم على غير يقينيّة الغِنى، بل على الله الحيّ الذي يمنحنا كل شيء بغنى للتمتّع، وأن يصنعوا صلاحًا، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدّخرين لأنفسهم أساسًا حسنًا للمستقبل لكي يمسكوا بالحياة الحقيقيّة (الأبديّة)" (1 تي 6: 17-19). ها نحن نتعلّم كيف يمكن للجمل أن يعبُر من ثقب إبرة، وكيف أن حيوانًا بسنام على ظهره إذ يُلقي عنه أحماله يمكن أن يصير له جناحيّ حمامة (مز 55: 6)، يستريح في أغصان الشجرة التي نمت من حبّة الخردل (مت 13: 31-32). وفي إشعياء نسمع عن الجِمال بكران مديان وعيفة كلها تأتي من شبا تحمل ذهبًا ولبانًا لمدينة الرب (إش 60: 6). على هذه الجِمال الرمزيّة أحضر التجَّار الإسماعيليّون (تك 37: 25) روائح وبخور وبلْسم الذي ينمو في جلعاد لشفاء الجروح (إر 8: 22) ولسعادتهم اشتروا يوسف وباعوه، فكان مخلّص العالم هو تجارتهم.] يحذّر القدّيس أغسطينوس الفقراء لئلا يتّكلوا على فقرهم في ذاته كجواز لهم بالدخول إلى الملكوت، قائلاً: [ِاستمعوا أيها الفقراء إلى المسيح... من كان منكم يفتخر بفقره ليَحْذر من الكبرياء لئلا يسبقه الغَني بتواضعه. اِحذروا من عدم الشفقة لئلا يفوق عليكم الأغنياء بورعهم. اِحذروا من السُكر لئلا يفوق عليكم الأغنياء بوقارهم. إن كان ينبغي عليهم ألا يفتخروا بغناهم، فلا تفتخروا أنتم بفقركم.] وفي نفس المقال يحذِّر أيضًا الأغنياء قائلاً: [الكبرياء هو الحشرة الأولى للغِنى، إنه العُثْ المُفسد الذي يتعرّض للكل ويجعله ترابًا.] مرّة أخرى يحدّث الاثنين معًا فيقول: [أيها الأغنياء اُتركوا أموالكم، أيها الفقراء كُفُّوا عن السلب! أيها الأغنياء وزّعوا إيراداتكم، أيها الفقراء لجِّموا شهواتكم. استمعوا أيها الفقراء إلى الرسول نفسه: "وأمّا التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تي 6:6)... ليس لكم منزلاً مشتركًا مع الأغنياء، لكن تشاركونهم في السماء وفي النور. اطلبوا القناعة والكفاف ولا ترغبوا فيما هو أكثر.] 5. الملكوت والرعاة ختم الإنجيلي هذا الأصحاح بالرعاة بعد أن عرض بطريقٍ أو آخر المدعوّين للملكوت من متزوّجين وبتوليّين وأطفال وأغنياء. لقد قال بطرس: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا يكون لنا؟" لماذا ترك الحديث عن التلاميذ أو الرعاة كمدعوّين للملكوت حتى النهاية؟ أولاً: لأن الراعي الحكيم وهو يقود شعب الله بالروح القدس في مراعي الملكوت يبقى وراء القطيع، يحتل آخر الصفوف، فيطمئن على كل شخص أنه لم ينحرف عن الطريق الملوكي. إنه ينتظر حتى النهاية لكي يحمل على منكبيْه كل ضعيف قد تخلَّف عن موكب إخوته الأقوياء. هكذا يمتثل الراعي بمسيحه الراعي الصالح الذي احتلّ آخر الصفوف ليحتضن كل بشر ويحملهم إلى حضن أبيه. ثانيًا: ربّما أراد الوحي أن يؤكّد للرعاة أن يهتمّوا بخلاص أنفسهم أثناء رعايتهم للآخرين. فالراعي أكثر عرضة لضربات العدوّ من الشعب، يلزمه أن يجاهد مهتمًّا بأبديته. أمّا علامة اهتمامه بخلاص نفسه فهي تركه كل شيء، قائلاً مع الرسول بطرس: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك" [27]. ويُعلّق الأنبا بفنوتيوس على هذه العبارة الرسوليّة، قائلاً: [لم يتركوا شيئًا سوى الشِباك البالية، لذلك فإن عبارة "تركنا كل شيء" يُفهم منها ترك الخطايا التي هي بالحقيقة أهم وأخطر... فإن ترك التلاميذ لممتلكاتهم الأرضيّة المنظورة تركًا تمامًا ليس سببًا كافيًا لينعموا بالمحبّة الرسوليّة، ويتسلّقوا بشوق واجتهاد المرحلة الثالثة التي هي شاهقة وتخص قليلين.] يقول القدّيس جيروم: [خادم المسيح الكامل لا يطلب شيئًا بجانب المسيح وإلاَّ فهو ليس بكامل.] سأل القدّيس بطرس السيِّد المسيح: ماذا يكون لنا؟ أجاب: "الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على إثني عشر كرسيًا، تدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر. وكل من ترك بيوتًا أو اِخوة أو أخوات أو أبًا أو أمّا أو امرأة أولادًا أو حقولاً من أجل اسمي، يأخذ مائة ضعف، ويرث الحياة الأبديّة. ولكن كثيرون أوَّلون يكونون آخرين، وآخرون أوَّلين" [28-30]. سيقف التلاميذ في يوم الرب العظيم كديّانين للأسباط الإثني عشر، لأن ما كان ينبغي لهؤلاء أن يفعلوه، أي الكرازة بالمسيّا الملك قد تخلّوا عنه ليقوم التلاميذ البسطاء به، تاركين كل شيء من أجل الملكوت. هذه المكافأة الأبديّة يرافقها مكافأة في هذا العالم "مائة ضعف". يُعلّق الآب ثيوناس على ذلك، قائلاً: [بالأحرى إن جزاء المكافأة التي وعد بها الرب هو مائة ضعف في العالم لمن كان زهدهم كاملاً.... ويتحقّق هذا بحقٍ وصدقٍ. لا يضطرب إيماننا، لأن كثيرين استغلّوا هذا النص كفرصة لبلبلة الأفهام، قائلين بأن هذه الأمور (مائة ضعف) تتحقّق جسديًا في الألف سنة... لكن الأمر المعقول جدًا، والواضح وضوحًا تامًا أن من يتبع المسيح تخِِفْ عنه الآلام العالميّة والملذّات الأرضيّة، متقبِّلاً اخوة وشركاء له في الحياة، يرتبط بهم رباطًا روحيًا، فيقتني حتى في هذه الحياة حبًا أفضل، في هذه الحياة مئة مرّة عن (الحب المتأسِّس على الرباط الدموي)...] لتوضيح ذلك تقول بأن الله يهب المؤمن في هذه الحياة مائة ضعف مقابل ما تركه من أجل المسيح، بجانب الحياة الأبديّة. فالراهب الذي يرفض الزواج يُحرَم من وجود زوجة وأولاد له، فإذا به في حياته الرهبانيّة يتقبّل سلامًا فائقًا، ولذّة روحيّة خلال اتّحاده مع عريس نفسه تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسريّة. الراهب الذي يترك بيته بقلبٍ محبٍ بحق يجد البرّيّة كلها بيته، وكما نعلم عن راهب معاصر جاء من أثيوبيا بعد أن باع كل شيء من أجل المسيح، فردّ له الله عطاياه مضاعفة، إذ صارت تستأنِس له الوحوش المفترسة والضارة، فيعيش في البرّيّة في طمأنينة أكثر أمانًا ممن يعيشون في القصور. إنه يملك في قلبه مئات الأضعاف ممّا يملكه الأغنياء وعلى مستوى أعظم! يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [هل يصير الإنسان زوجًا لزوجات كثيرات أو يجد على الأرض آباء كثيرين عِوض الآب الواحد، وهكذا بالنسبة للقرابات الأرضيّة؟! لسنا نقول هذا، إنّما بالأحرى إذ نترك الجسديّات والزمنيّات نتقبّل ما هو أعظم، أقول نتقبّل أضعافًا مضاعفة لأمور كنّا نهملها... إن ترك بيتًا يتقبّل المواضع التي هي فوق، وإن ترك أبًا يقتني الآب السماوي. إن ترك اخوته يجد المسيح يضمُّه إليه في أخوة له. إن ترك زوجة يجد له بيت الحكمة النازل من فوق من عند الله، إذ كتب: "قل للحكمة أنتِ أختي واِدع الفهم ذا قرابة" (أم 7: 4). فبالحكمة تجلب ثمارًا روحيّة جميلة، بها تكون شريكًا في رجاء القدّيسين، وتُضَمْ إلى صحبة الملائكة. وإذ تترك أُمّك تجد أمًّا لا تقارن، أكثر سمُوًّا "أورشليم العُليا التي هي أمّنا (جميعًا) فهي حُرَّة" (غل 4: 26)... فإن من يُحسب مستحقًا لنوال هذه الأمور يُحسب وهو في العالم سامٍٍ وموضع إعجاب، إذ يكون مزيَّنًا بمجد من قبل الله والناموس.] من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح التاسع عشر (مت 1:19-12 + مر 2:10-12) (مت 1:19-12):- ولما اكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم اليهودية من عبر الأردن. وتبعته جموع كثيرة فشفاهم هناك.وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب. فأجاب وقال لهم أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى. وقال من اجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا. إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. قالوا له فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق. قال لهم أن موسى من اجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم أن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني والذي يتزوج بمطلقة يزني. قال له تلاميذه أن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطى لهم. لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم ويوجد خصيان خصاهم الناس ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل. قضى الرب فى الجليل فترة طويلة من خدمته، ولما أكمل الخدمة ترك الجليل ولم يعد إليها إلاّ بعد القيامة. وهنا نراه متجهاً إلى اليهودية وأورشليم للمرة الأخيرة، ماراً بعبر الأردن. وفى زيارته هذه الأخيرة لأورشليم صُلبَ. وفى أثناء هذه الرحلة تدخل أحداث (لو 51:9-34:18). ومنطقة عبر الأردن (بيرية وتسمى الآن الجولان) هى التى كان يوحنا المعمدان يعلم ويعمد فيها (يو40:10) ليجربوه = كانت هناك مدرستين عند اليهود فى موضوع الطلاق:- 1. مدرسة الراباى هليل، وهم يسمحون بالطلاق لكل سبب حتى عدم إجادة الطهى أو حتى لو أعجبت الرجل إمرأة أخرى وكره إمرأته. 2. مدرسة الراباى شمعى وهى تقيد الطلاق إلاّ لسبب الخيانة فقط وسؤال الفريسيين للمسيح هنا فى خبث، فهو موجه ضد هيرودس وهيروديا فهيرودس كان قد طلق إمرأته بنت الحارث ليتزوج بإمرأة أخيه فيلبس. فلو منع المسيح الطلاق لإشتكوه لهيرودس فيقتله كما قتل المعمدان. ولو سمح المسيح بالطلاق لكان أقل من المعمدان جرأة فى الشهادة للحق. لكل سبب= أى لكل ما لا يعجبه فيها بحسب مدرسة الرابى هليل. خلقهما ذكراً وأنثى= الرب هنا يقرر شريعة الزوجة الواحدة، فالله خلق إمرأة واحدة لآدم، بالرغم من حاجته لزيادة النسل فى الأرض. يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته= الرابطة الزوجية أقوى من كل الروابط العائلية ولا تفك. ولقد سمح موسى بالطلاق، لذلك كان هؤلاء الفريسيون الخبثاء، وكانوا قد سمعوا رأيه بمنع الطلاق أثناء عظته على الجبل (مت 31:5،32) يريدونه أن يكرر رأيه هذا ثانية ليتهموه بأنه كاسر للناموس. أما السيد المسيح فإستغل السؤال ليشرح لهم ولنا أن الزواج سر مقدس= فالذى جمعه هو الله= الله هو الذى جمع الزوجين ليصبحا جسداً واحداً. وإذا كان الله هو الذى جمعهما فكيف يفرق الإنسان بالطلاق ما جمعه الله. من أجل هذا يترك.. = من أجل أن يتم سر الزواج ليستقل الرجل عن عائلته ليبنى أسرة جديدة. والكتاب قدس سر الزواج فى عدة مناسبات:- 1. هنا يقول عنه السيد المسيح أن ما جمعه الله. إذاً هو رباط إلهى. 2. كثيراً ما سمعنا فى العهد القديم عن اليهود شعب الله أنهم عروس الله (أش 1:50 + هو 2:2). 3. بولس الرسول شبه علاقة المسيح بكنيسته بعلاقة الرجل بإمرأته وقال إن هذا السر عظيم (أف 23:5-32). 4. السيد المسيح كرم الزواج بحضوره عرس قانا الجليل (يو2). 5. يقول بولس الرسول "ليكن الزواج مكرماً عند كل واحد والمضجع غير نجس (عب 4:13) وراجع أيضاً (1تى 1:4-3 + 1كو 10:7،11). 6. المسيح كعريس للكنيسة ترك أباه= اى ترك مجده وأخلى ذاته أخذاً صورة عبد وترك أمه = أى الشعب اليهودى الذى أتى منه بالجسد. ليلتصق بإمرأته أى كنيسته. وموسى لم يوصى بالطلاق، فالسؤال خاطئ فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق. (تث 1:24) لكن موسى أوصى أنه فى حالة أن يطلق رجل زوجته يعطيها كتاب طلاق به يمكنها أن تصبح حرة وتتزوج من رجل آخر لو أرادت. والسيد يشرح لماذا سمح موسى بهذا. بأن موسى من أجل قساوة قلبهم أذن أو سمح ولم يوصى بهذا. وهم فى قساوة قلوبهم كانوا سيقتلون نساءهم لو تضايقوا منهم. إذاً طلاق الزوجات كان خيرٌ من قتلهن. بل ربما كان الرجل وهو يكتب كتاب طلاق لزوجته ويعرف أن بهذا الكتاب ستصير لآخر، يرجع عن فكرة الطلاق. والسيد أعطى سبباً واحداً للطلاق وهو الزنا. فالزنا يجعل الزانية جسد واحد مع الرجل الآخر، وبهذا هى قطعت علاقة الجسد الواحد مع زوجها وبهذا فرب المجد يقيد الطلاق تماماً إلاّ لعلة الزنا. وبهذا على الزوج والزوجة أن يحتملا بعضهما بثبات للحفاظ على العلاقة التى جمعها الله. ومن يطلق إمرأة لغير سبب الزنا ويتزوج بأخرى (عن طريق المحاكم العالمية) فهو يزنى، لأن الذى طلقه إنسان. ولكن الله لم يطلقه. ونرجع للقاعدة التى وضعها المسيح ما جمعه الله لا يفرقه إنسان. ومادام الله لم يحكم بالإنفصال فهما مازالا جسداً واحداً، فكيف يتزوج بأخرى؟ فهذا يكون زنا. فالزنا هو أن يقيم الرجل علاقة مع إمرأته اخرى غير زوجته، وزوجته الأولى (التى طلقها بواسطة إنسان) مازالت زوجته بحسب حكم الله، لذلك قال السيد فى (مر11:10) يزنى عليها فهى مازالت زوجته. وإن كان موسى قد سمح بالطلاق فملاخى النبى أعلن عن غضب الله على من يغدر بإمرأته (ملا13:2-16) وهنا يصرح أن الله يكره الطلاق. فالمسيح يشرح لهؤلاء القساة روح الناموس وليس حرفه. وواضح طبعاً أن فى كلام السيد المسيح منعاً باتاً من تعدد الزوجات فإذا كان من طلق إمرأته (بحكم من المحكمة) يزنى إن تزوج بأخرى. فماذا يكون الموقف ممن تزوج إمرأة أخرى دون أن يطلق الأولى (حتى بحكم من المحكمة) ونلاحظ فى (مر12:10) أن السيد ساوى بين الرجل والمرأة فقال وإن طلقت إمرأة زوجها.. واليهود كانوا يعطون حق طلب الطلاق للزوج فقط وليس للزوجة. فكان كلام المسيح هنا غريباً على أسماع اليهود. (آية 10):- قال له تلاميذه أن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فلا يوافق أن يتزوج = هذا الكلام معناه أن التلاميذ رأوا فى منع السيد للطلاق تقييداً لحرية الرجل، فقالوا إذاً الأ سهل أن يعيش الإنسان بلازواج حتى لا تضايقه إمرأة لا يستطيع أن يطلقها. (آية 11):- فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطى لهم. ليس الجميع يقبلون هذا الكلام= ليس كل إنسان يستطيع مقاومة الغريزة الطبيعية التى فيه ويتبتل، بل من يُعطى معونة إلهية فيصبح أعلى من الطبيعة. هؤلاء أعطى لهم = أعطى لهم معونة ونعمة للسمو فوق الطبيعة. هؤلاء أسماهم السيد فى آية 12 خصيان خصوا أنفسهم= لا بالمعنى الحرفى كما فعل العلامة أوريجانوس، فالكنيسة تحرم هذا، ولكن المعنى هو زيادة الجهاد والصلوات والأصوام فتزداد النعمة، ويفرح مثل هذا بالمسيح ولا يريد أن يعطله الزواج عن علاقته بالمسيح (1كو 32:7-34) فيمتنع مثل هذا عن الزواج مكرساً كل حياته وعواطفه لله. أما من يهرب من الزواج بسبب مسئولياته فلا يقال عنه هذا الكلام. فهناك فرق بين البتولية (من إمتنع عن الزواج حباً فى المسيح) وبين العزوبية (الهروب من مسئوليات الزواج). خصيان ولدوا هكذا= بسبب عيب خَلْقى. وهؤلاء لا يقال عنهم بتوليون. خصيان خصاهم الناس= كما كانوا يفعلون مع العبيد ليخدموا فى بيوت النساء الزواج فى المسيحية الزواج فى المسيحية هو سر من أسرار الكنيسة، وأسرار الكنيسة هى حصولنا على نعمة غير منظورة تحت أعراض منظورة. ففى سر الزواج يعطى الروح القدس للزوجان أن يصيروا جسداً واحداً ويجمعهما فى محبة روحانية [ من طقس صلوات سر الإكليل "إعطهم يارب المحبة الروحانية تجمع بين قلبيهما] والمحبة الروحانية تفترق عن المحبة الجسدانية فالمحبة الجسدانية هى محبة دافعها الأول والأخير الشهوات الجسدية وهذه مصيرها أن تضيع مع الأيام لذلك كثير من الزيجات التى بدأت بالحب إنتهت بالطلاق، لأن الحب كان جسدياً فقط. ولكن من حصل على نعمة الروح القدس فى سر الزواج يضع الروح القدس الحب فى قلب الزوجين، بل ويزيد هذا الحب طوال العُمر وهذه هى المحبة الروحانية. ولكن لماذا تفشل بعض الزيجات التى تتم بسر زواج؟ سر الزواج مثل أى سر نحصل فيه على النعمة ولكن علينا أن نضرمها. فمثلاً فى سر المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه فهل كل معمد هو ميت عن العالم ويتمتع بالحياة المقامة مع المسيح ؟ نحن حصلنا على النعمة فى سر المعمودية ولكن المستهتر فى جهاده يفقد هذه النعمة. مثال أخر:- فى سر الميرون يمتلئ المؤمن المعمد من الروح القدس فهل كل من يحصل على السر هو ممتلئ الآن؟ قطعاً لا فهذا يتوقف على جهادة وإلاّ لما قال بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس "إضرم موهبة الله التى فيك بوضع يدى (2تى6:1) ويقول لأهل أفسس إمتلئوا بالروح (أف 18:5) إذاً كل من يجاهد يمتلئ. ومن لا يجاهد يطفئ الروح (1 تس 19:5). وهذا ما يحدث فى سر الزواج، فالعروسين يحصلان على النعمة ولكن إن أهملا جهادهما الروحى وعاشا بلا صلاة وبلا صوم وبلا كتاب مقدس وبلا كنيسة تنطفئ النعمة التى حصلا عليها فى سر الزواج "لا تطفئوا الروح" وبهذا تختفى المحبة الروحانية الى كانت تبتلع الخلافات الطبيعية بين أى زوجين، فتكبر الخلافات.. وينتهى هذا البيت فى أحيان كثيرة بالطلاق. فالسيد المسيح حين منع الطلاق أعطى لكل زوجين نعمة تصون البيت من الإنهيار. ولكن هل يصون الزوجين هذه النعمة بأن تكون لهما علاقة مع الله ويستمروا فى جهادهم؟ لو فعلوا لما كان هناك طلاق ولما عانت الأسر المسيحية. (مت 13:19-15 + مر 13:10-16 + لو 15:18-17) المسيح يبارك الأولاد (مت 13:19-15):- حينئذ قدم إليه أولاد لكي يضع يديه عليهم ويصلي فانتهرهم التلاميذ. أما يسوع فقال دعوا الأولاد يأتون إلىّ ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت السماوات. فوضع يديه عليهم ومضى من هناك راجع تفسير (مت 1:18-6) بعض الأباء قدموا أطفالهم للسيد ليباركهم، أما التلاميذ إنتهروا الأطفال بحسب المفهوم اليهودى الذى يحتقر الأطفال(فلا يصح أن يوجدوا فى حضرة المسيح). ولكننا نجد هنا السيد يحنو على الأطفال كما يحنو على كل ضعيف. ومن يقبل للرب فى بساطة الأطفال يحتضنه الرب كما إحتضن هؤلاء الأطفال (مر16:10) ويباركه. وباركهم= الكلمة اليونانية تعنى باركهم بشدة مرة ومرات. (مت 16:19-26 + مر 17:10-27 + لو18:18-27):- الشاب الغنى (مت 16:19-26):- و إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح اعمل لتكون لي الحياة الأبدية. فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلاّ واحد وهو الله ولكن إن أردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له اية الوصايا فقال يسوع لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور. اكرم أباك وأمك واحب قريبك كنفسك. قال له الشاب هذه كلها حفظتها منذ حداثتي فماذا يعوزني بعد. قال له يسوع ان أردت ان تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا لأنه كان ذا أموال كثيرة. فقال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم انه يعسر ان يدخل غني الى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضاً ان مرور جمل من ثقب إبرة ايسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله. فلما سمع تلاميذه بهتوا جدا قائلين إذا من يستطيع ان يخلص. فنظر إليهم يسوع وقال لهم هذا عند الناس غير مستطاع ولكن عند الله كل شيء مستطاع هذه القصة مرتبطة بما سبق، فما سبق أن الرجوع لبساطة الطفولة هو شرط لدخول الملكوت، وتحدثنا هذه القصة عن الشرط الثانى وهو عدم الإعتماد على شىء سوى الله. ومن لوقا نفهم ان هذا الشاب كان رئيس أى رئيس مجمع لليهود أو عضو فى السنهدريم لكنه كان صادقاً فى سؤاله للمسيح لذلك أحبه يسوع (مر10:21).وقيل عنه ركض وجثا إذاً هو مهتم ويحترم المسيح. أيها المعلم الصالح.. لماذا تدعونى صالحاً.. ليس صالح إلاّ واحد وهو الله المسيح لم يقل له لا تدعونى صالحاً، والمسيح قال عن نفسه، أنا هو الراعى الصالح (يو11:10). ولكن المسيح أراد ألاّ يكلمه الشاب بلا فهم كما إعتادوا أن يكلموا معلمى اليهود، إذ يطلقون عليهم ألقاب لا تطلق إ لاّ على الله وحده والمسيح لا ينخدع بالألقاب التى تقال باللسان، بل هو يطلب إيمان هذا الشاب القلبى بأنه هو الله، وانه هو الصالح وحده "من منكم يبكتنى على خطية (يو 46:8). والمسيح كان يقود الشاب خطوة خطوة. وكانت الخطوة الأولى أن يقوده للإيمان به، أنه هو الله، فبدون الإيمان لا يمكن فعلاً حفظ وصايا الناموس وبالتالى لا يمكن له أن يرث الحياة الأبدية. وإذا آمن هذا الشاب لأمكنه حفظ الوصايا. فكيف يصير كاملاً ؟ الخطوة التالية هى التخلى عن الثقة فيما نملكه وأن نضع كل ثقتنا فى المسيح هذا هو المعنى المطلوب لقول السيد أذهب بع أملاكك... والسيد بنفسه فى (مر 24:10) فسر ما يعنيه بالقول السابق حين قال = ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله = فالبيع معناه أن أفقد إهتمامى بالشىء ولا أعود أعتمد عليه أو أضع فيه ثقتى =إتبعنى وبهذا المفهوم يستطيع الغنى أن يعطى للفقراء وللمحتاجين من ثروته دون خوف من المستقبل، فالله يدبر المستقبل، ولا يخاف مثلاً أن تضيع ثروته، فالله هو ضمان المستقبل، وليس الثروة. والسيد فى إجابته لم يقل أن الأغنياء لن يدخلوا إلى ملكوت السموات بل سيد خلوا إن هم قبلوا الدخول من الباب الضيق = مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله = ثقب الإبرة هو باب صغير داخل باب سور أورشليم الكبير. فهم تعودوا على إغلاق أبواب أورشليم قبل الغروب، وحينما تأتى قافلة متأخرة لا يفتحون الباب الرئيسى، بل باب صغير فى الباب الرئيسى. والجمل لا يستطيع أن يدخل من هذا الباب الصغير (ويسمى ثقب الإبرة) إلاّ بعد أن يناخ على ركبتيه (يركع على ركبتيه) وتُنْزَلْ كل حمولته ويُجَّرْ ويُدْفَعْ للداخل.وهكذا الغنى لا يدخل ملكوت السموات إلاّ لو تواضع وشعر أن كل أمواله هى بلا قيمة. وتدفعه النعمة دفعا، هذا معنى أنه عند الله كل شىء مستطاع = فالنعمة تفرغ قلب الغنى من حب أمواله وتلهب قلبه بحب الكنز السماوى. راجع (اتى 17:6-19). ومعنى الكلام أن الأغنياء يمكنهم ان يدخلوا الملكوت لو قبلوا الدخول من الباب الضيق والنعمة تعين من يريد.والمسيح بإجابته ليس أحد صالح يوجه الكل إلى عدم الرغبة فى محبة أى كرامة أو ألقاب مبالغ فيها، وأن ننسب كل كرامة لله لا لأنفسنا. وبقوله إذهب وبع كل أملاكك= هو قد لمس نقطة ضعف هذا الشاب أولا وهى محبته للأموال. الله ليس ضد الأغنياء فهو جعل سليمان الملك غنياً جداً وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب كانوا من الأغنياء. لكن المهم عند الرب هو أن لا يعتمد أحد أو يضع ثقته فى أمواله. مضى الشاب حزيناً= فالطبيعة البشرية بحكم التصاقها الشديد بمغريات هذا العالم، من العسير عليها جداً أن تترك العالم بإختيارها الطبيعة وتلتحق بالله والروحيات، ولكن بمساعدة نعمة الله تستطيع. هذا الشاب اراد أن يجمع بين حبه لله وحبه للمال ولكن محبة المال هى عداوة لله وأصل لكل الشرور (1تى 9:6،10). والعبادة يحب ان تكون لله وحده. وطالما هذا الشاب معلق بحب المال بهذه الصورة، فيستحيل عليه أن يحفظ الوصايا تماماً. والعجيب ان الله يفيض من البركات الزمنية مع البركات الروحية لمن ترك محبة العالم بإرادته (مت 29:19). وهذا ما حدث مع بطرس وباقى التلاميذ، فقد تركوا شباكاً ومهنة صيد وحصلوا على محبة الناس فى كل مكان وزمان وعلى أمجاد أبدية. ولاحظ فى (مر19:10) أن السيد يضع من ضمن الوصايا لا تسلب فالرب غير مقيد بحرفية الوصية، بل هو يشرح روح الوصية، والوصية العاشرة تتكلم عن لا تشته بيت قريبك ولا إمرأته ولا عبده.. والأغنياء والحكام والرؤساء ومنهم هذا الشاب معرضون بحكم قوتهم ومركزهم أنهم إذا إشتهوا ما لقريبهم أو جارهم يأخذوه منه عنوة أى يسلبوه، وهم أيضاً ينهبون أجر الفعلة (يع 4:5) (راجع قصة أخاب ونابوت اليزرعيلى) § كثيرون من الأغنياء تبعوا يسوع مثل نيقوديموس ويوسف الرامى ولم يطلب منهم أن يبيعوا ما لهم ولكنه طلب هذا من الشاب لأنه كان متعلقاً بأمواله وأحبها أكثر من الله. فكانت أمواله هى التى تمتلكه وليس هو الذى يمتلكها. لذلك تصلى الكنيسة "صلاحاً للأغنياء". الله خلق العالم والمادة والأموال لنستعملها لا لتستعبدنا، وبهذا بدلاً من أن تسند الأموال الناس ربطت البعض فى شباك التراب، والسيد شرح أن العيب ليس فى المال بل القلب المتكل على المال (كما شرح هذا إنجيل مرقس إذ قال ما أعسر دخول المتكلين على الأموال…). ولما سمع التلاميذ هذا التعليم بهتوا إلى الغاية.. قائلين.. فمن يستطيع أن يخلص = لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، وهم يعلمون أن الناس منكبين على المال لا يستطيعون أن يتخلوا عنه. واليهود كانوا يعتقدون ان لا شىء يفضل على الماديات. § واضح أن هذا الشاب كان يبحث عن طريق الكمال، لقد حفظ وصايا الناموس فماذا بعد ؟ ماذا يعوزنى بعد (مت 20:19) إذاً هو يطلب الكمال الذى فوق الناموس، ولا كمال فوق الناموس سوى المسيح الذى قال جئت لأكمل. لذلك حين قال الشاب للسيد "أيها المعلم الصالح" كان رد المسيح يعنى "أنت لاتؤمن إنى الله، وإرتدائى للجسد قد ضللك فلماذا تنعتنى بما يليق بالطبيعة العلوية وحدها مع أنك لا تزال تحسبنى إنساناً مثلك" وبهذا كان المسيح يجتذبه للإيمان به كإبن لله فهذا هو طريق الكمال، وإذا آمن به وجد فيه كل كفايته، وَجَدَ فيه اللؤلؤة الكثيرة الثمن، حينئذ يسهل عليه بيع اللالىء الكثيرة التى لديه أى يبيع أمواله، ويضع كل إعتماده وإتكاله عليه فقط. § فى الثلاثة أناجيل تأتى قصة ذلك الشاب الغنى وقول المسيح أن من العسير دخول الأغنياء إلى الملكوت، مباشرة بعد قصة مباركته للأطفال وقوله أن لمثل هؤلاء ملكوت السموات، فالأطفال فى بساطتهم وعدم تعلقهم بالعالم يسهل دخولهم للملكوت، أماّ من تثقل بمحبة العالم فمثل هذا يصعب دخوله للملكوت. وبهذا فالإنجيل يعرض صورتين متناقضين أحداهما للحياة والأخرى للموت ليختار كل إنسان بينهما.(تث 10:30). الصورتين إحداهما تصور البساطة مع غنى الله والملكوت والأخرى تصور غنى العالم ومجده وهو زائل وفانى وسوف نتركه. § ليس معنى هذه القصة أن الفقراء سيدخلون الملكوت بلا نقاش، فهناك فقراء بلا قناعة، متذمرين، يلعنون الزمان الذى جعلهم فقراء هكذا، يشتهون المال ضماناً لمستقبلهم، غير شاكرين الله على ما أعطاهم، فهؤلاء والأغنياء هم وجهان لعملة واحدة. العُملة هى عدم الإتكال على الله. (مت 27:19-30 + مر 28:10-31 + لو 28:18-30):- (مت 27:19-30):- فأجاب بطرس حينئذ وقال له ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا. فقال لهم يسوع الحق أقول لكم أنكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون انتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر. وكل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولادا أو حقولا من اجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية. ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرون أولين. بطرس هنا يقارن بينه وبين الشاب الغنى الذى رفض بيع أمواله وربما كان بطرس يريد أن يطمئن على نفسه. ولكن لنسأل بطرس ماذا تركت وماذا أخذت ؟ بطرس ترك شباكاً بالية وربما تركها لأنه ظن أنه يحصل من المسيح على مجد زمنى حين يملك المسيح. والمهم أن ندرك أن كل ما نتركه لن يزيد عن كونه أشياء بالية، بجانب ما سنحصل عليه من أمجاد فى السماء وتعزيات على الأرض= مئة ضعف = ربما ينظر الإنسان بفخر أن ما تركه لأجل المسيح كان شيئاً ذو قيمة، لكن حقيقة فإنه لا يوجد فى العالم شىء له قيمة. والله يعطى الكثير لمن يترك فهناك حقيقة مهمة.."أن الله لا يحب أن يكون مديوناً " ولكن لاحظ الآية فى (مر 30:10) يأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان … مع اضطهادات حقاً سيعوض الله من يترك العالم بخيرات زمنية مع تعزيات، ولكن لا ننسى أننا طالما نحن فى العالم، فالإضطهادات والضيقات هى ضريبة يفرضها العالم ورئيسه على من يحتقر العالم ويختار الحياة الأبدية، والله يسمح بهذه الضيقات 1) حتى لا يتعلقوا بالماديات ويفقدوا شهوتهم للسماء 2) بهذه الضيقات نَكْمُلْ ونزداد نقاوة 3) خلال الضيقات تزداد تعزيات الله 4) من يشترك مع المسيح فى الصليب سيكون شريكه فى المجد. تجلسون على إثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل =سيكون التلاميذ فى يوم الرب العظيم كديانين للأسباط الإثنى عشر، لأن ما كان ينبغى لهؤلاء أن يفعلوه، أى أن يؤمنوا بالمسيح ويكرزوا به ويكونوا نوراً للأمم قد تخلوا عنهُ ولم يقوموا به، ولكن التلاميذ وهم من شعب اليهود أى لهم نفس ظروف اليهود قد قبلوا المسيح وآمنوا به وكرزوا به وصاروا نوراً للعالم، بل هم تركوا كل شىء لأجله. فماذا سيكون عذر اليهودى الذى رفض المسيح وهو يرى أمامه التلاميذ الذين هم مثله فى كل الظروف فى مجد عظيم بسبب إيمانهم بالمسيح. مئة ضعف=الذى يقبل أن يترك من أجل المسيح سيعوضه المسيح هنا فى هذه الأرض بكل الخيرات المادية التى يحتاجها والأهم التعزيات السماوية. فالراهب أو البتولى الذى يرفض الزواج يُحرم من وجود زوجة وأبناء له، ولكنه يتقبل من الله سلاماً فائقاً ولذة روحية خلال إتحاده مع عريس نفسه يسوع، هذه اللذة تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسرية. وكل هذا ما هو إلاّ عربون ما سوف يناله من مجد أبدى. لاحظ قوله إخوة وأخوات وأولاداً.. وإمرأة = هذه شريعة الزوجة الواحدة، فلم يقل من يترك نساء بل إمرأة. والترك يعنى محبه المسيح أكثر وهناك شرط أن يكون الترك لأجل المسيح وليس لأى غرض آخر = لأجلى ولأجل الإنجيل= لأجل خدمة كلمة الإنجيل. أولون يكون آخِرين= هؤلاء هم من آمنوا أولاً ثم إرتدوا. والمقصود بهم اليهود والفريسيين فهؤلاء كانوا شعب الله لكنهم إذ رفضوا المسيح رُفِضُوا ويقصد بهم الأغنياء والملوك، فهم هنا أولون وفى الآخِرة آخِرون والآخِرون أولين = هؤلاء مثل الأمم كانوا فى وثنيتهم آخِرون وآمنوا بعد ذلك فصاروا أولون. وتشير للرسل والتلاميذ، فهؤلاء كانوا فقراء معدمين محتقرين فى الدنيا فجعلهم المسيح أولون. وكان من ترك حقه فى هذا العالم ليصير آخراً (أى يضع نفسه فى آخر الصفوف ) يجعله المسيح أولاً. وفى مرقس ولوقا يأتى بعد هذا مباشرة نبوة المسيح عن ألامه وصلبه وكأنه بهذا يضع نفسه كأعظم نموذج للترك، إذ ترك مجده أخذاً صورة عبد متألم يصلب فى نهاية الأمر..ولكن بعد هذا يقوم ويصعد ويجلس عن يمين الآب.. فهل نقبل أن نترك شىء لنحصل على هذا المجد المعد لنا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع عشر الزواج * البتولية * التجرد (1) الوحدانية فى الزواج ( ع 1 - 9 ) : ع 1 - 2 : " عبر الأردن " : هى المنطقة الواقعة بجوار نهر الأردن وتسمى بِيرِيَّة ، وقد سكنها قديماً سبط راؤبين وجاد ونصف سبط منسى ، وتسمى حالياً الجولان0بعد تعاليمه التى ذكرها متى البشير فى الأصحاح السابق ، ترك المسيح منطقة الجليل الواقعة فى الشمال ، التى قضى فيها ثلاث سنوات تقريباً ، وانتقل إلى اليهودية ، وهى المنطقة الجنوبية وفيها أورشليم ، ماراً بجوار نهر الأردن ، ولم يتجه سريعاً إلى أورشليم ، بل دار وتنقّل بهدوء فى هذه المنطقة قبل أن يصل إليها0قضى المسيح فى هذه الرحلة ، من الجليل إلى أورشليم ، مدة حوالى ستة أشهر حدثت خلالها أمور كثيرة ، ذكرها لوقا ويوحنا ، أما متى فذكر أحداث قليلة منها فى هذا الأصحاح والأصحاح التالى له0وذكر متى أنه كانت تتبعه جموع كثيرة ، فعلّمهم تعاليمه الروحية ، وشفى أمراضهم كعادته0 ع 3 - 6 : هنا كلام واضح عن سر الزواج ، الذى أسسه المسيح بحضوره عُرس قانا الجليل فى بداية خدمته0وكان الدافع إليه سؤال الفرّيسيّين له عن الأسباب المسموح بها حتى يطلق الرجل إمرأته ، هل لأى سبب ، أم أن هناك أسباب محددة ؟ وكانوا يعرفون ، من عظته على الجبل ، رأيه فى عدم جواز الطلاق إلا لعلة الزنا ( ص 5 : 32 )0لذا ، فإن سؤالهم هذا ، ليس لمعرفة الحق ، بل ليصطادوا عليه كلمة ، لأنه لو منع الطلاق يعتبر كاسراً لناموس موسى الذى يسمح به ( تث 24 : 1 ، 3 ) ، وليهيّجوا هيرودس عليه لأنه طلّق إمرأته وتزوج بهيروديا0واستشهد المسيح بكلام موسى فى التوراة ، فأعادهم إلى بداية الخليقة ، حين خلق الله حواء من جنب آدم ، وأعلن آدم بروح النبوة أنه عندما يتزوج الرجل ، ينبغى أن يترك أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ، " فيصير الاثنان جسدا واحدا " ( تك 2 : 24 ) ، فهكذا جمعهما الله فى سر الزيجة ، فكيف نسمح بفصل ما جمعه الله ؟! إذن ، فالطلاق كسر لما عمله الله ، فهو ضده0 ع 7 - 8 : إعترض الفرّيسيّون على كلام المسيح بأن موسى سمح بالطلاق ، فكيف يمنعه هو ؟! فرد عليهم المسيح أن هذا السماح كان من أجل إنخفاض مستواهم الروحى ، لأنه ، بعد اختلاطهم بالمصريين ، تعودوا الطلاق0فلما خرجوا إلى البرية ، نقلهم تدريجياً إلى الشريعة الأصلية بتضييق إمكانية التطليق ، حتى يتركوه بعد ذلك تماماً ، إذ أن الوضع الطبيعى السليم الذى أسسه الله فى جنة عدن بين آدم وحواء ، كان الإتحاد بين الإثنين وعدم السماح بالطلاق0وموسى لم يأمر بالطلاق ، بل على العكس ، أمر من يريد أن يطلق إمرأته بألا يتسرع ، بل يجلس ويكتب لها كتاب طلاق ، ليعطيه فرصة أن يراجع نفسه ، ويهدأ غضبه ، فيتراجع عن قراره إذا فكر أن إمرأته ستكون مع آخر ، وسيهدم بيته ويشتت أولاده0 ع 9 : بعد انتهاء حديث المسيح مع الفرّيسيّين ، دخل إلى بيت كما يذكر معلمنا مرقس ( 10 : 10 ) ، فأكمل حديثه مع تلاميذه مؤكداً شريعة العهد الجديد ، وهى أن السبب الوحيد المسموح فيه بالطلاق فى المسيحية هو سقوط أحد الطرفين فى الزنا ، فبهذا يكون قد انفصل جسدياً عن الآخر ، فيكون الطلاق قد حدث جسدياً فعلاً ، ويُسمح بكتابة ورقة طلاق0أما من يريد أن يطلّق إمرأته لأجل خلافات بينهما ، فلا توافق الكنيسة على ذلك ، إذ هو متحد بها فى نظر الله0أما إذا تحايل هذا الإنسان وحصل على طلاق مدنى لا تقرّه الكنيسة وتزوج بأخرى ، يسقط فى الزنا0ومن تزوج بإمرأة مطلّقة لغير علة الزنا ، يسقطان كلاهما فى الزنا0 + إن وجود إختلافات فى الآراء والطباع ، ليس حلها هو الطلاق ، بل الإلتجاء إلى الله ليتنازل الإنسان عن بعض طباعه0وبهذا ، ليس فقط يستعيد السلام فى بيته ، ولكن تنمو إرادته أيضاً ، فيستطيع أن يتقدم روحياً ويضبط شهواته وخطاياه ؛ وهكذا تتحوّل الضيقة إلى بركة ، أى تكون مشاكل الزواج وسيلة للنمو الروحى0 (2) البتولية ( ع 10 - 12 ) : ع 10 : إذ لم يسمح المسيح بالطلاق إلا للزنا ، شعر السامعون بأن هذا أمر فوق احتمال البشر ، والأفضل هو عدم الزواج ، لأنهم لم يفهموا عظمة الوحدانية بين الزوجين ، فكان من السهل فى نظرهم الطلاق لأجل أية خلافات ، ولم يكن لهم استعداد لاحتمال بعضهم البعض0 ع 11 - 12 : إنتهز المسيح هذه الفرصة ، ليوضح الفرق بين عدم الزواج ( العزوبية ) وبين البتولية ، فبيّن أن هناك ثلاثة أنواع من غير المتزوجين : النوع الأول : من وُلِدَ بعجز جنسى ، فلا يستطيع الزواج ، ليس حباً فى البتولية والوجود مع الله ، بل لعجزه عن ذلك0 النوع الثانى : من أرادوا الخدمة فى قصور العظماء والملوك ، فأجروا لهم عملية إستئصال ، فصاروا عاجزين جنسياً ، حتى ينالوا مركزاً أو عملاً فى هذه القصور ، فيأتمنوهم على خدمة النساء دون خوف من الإعتداء عليهن0فعدم زواجه فى هذه الحالة ، هو من أجل شهوة المركز والمال ، وإرضاءً للناس ، وهذا أسوأ نوع0 النوع الثالث : من ارتفعوا وسموا بالغريزة الجنسية ، وحوّلوها كطاقة حب لله ، فهُم ، وإن كانوا قادرين على الزواج جسدياً ، فقد حوّلوا فكرهم وقلبهم لمحبة الله كعريس سماوى ، فهم فى زيجة روحانية مع الله ، أسمى من كل زيجة بشرية0 هذه هى البتولية ، سواء الخادمة فى العالم أو فى الرهبنة ، وهى خاصة ببعض الناس الذين وهبهم الله هذه النعمة ، والميل للإكتفاء بها ، ولا يقدر الكل على قبولها ، فهى عظيمة جداً إن كان الإنسان مؤهلاً لها0 " من استطاع أن يقبل فليقبل " : أى من له ميل للبتولية ، فجيد له أن يحيا به ، فيتمتع بتكريس فكره وقلبه لله0 + إن لم تكن مؤهلاً للبتولية ، فعلى الأقل كن متعففاً عن الخطية قبل الزواج0وحتى بعد الزواج ، لا يكن شغلك الشاغل هو انهماكك فى العلاقة الجسدية لدرجة أن تختلف مع شريك حياتك ، بل أعطِ مكاناً أكبر لمحبة الله فى قلبك ، ومحبة الآخر وتقدير مشاعره ، فتترك التفكير فى هذه العلاقة إرضاءً للآخر ، أو ترتبط بهذه العلاقة ، حتى لو لم تكن ميالاً لها ، إرضاءً أيضاً للآخر ؛ فلا تطلب راحتك بل راحته ، فهذا هو الحب الحقيقى0 (3) محبة المسيح للأطفال ( ع 13 - 15 ) : ع 13 : كان المسيح يبارك ويشفى المرضى ، ويهتم بالتعليم وحل مشاكل الناس0فقدم له بعض الآباء أطفالهم ليصلى عليهم ويباركهم0أما التلاميذ ، فشعروا أن وقت معلمهم أثمن من أن يضيعه فى الإهتمام بالأطفال ، فحاولوا إبعادهم عنه ليهتم بشئون الكبار0 ع 14 - 15 : لم يكتف المسيح بمباركة الأطفال والترحيب بهم ، بل أعلن حقيقة هامة ، وهى أن هؤلاء الأطفال هم أبناء الملكوت السماوى ، ليدعونا جميعاً أن نتمثل ببراءتهم وبساطتهم0وإن كان الطفل مهملاً وقتذاك فى الديانات السائدة ، والعصور والممالك السابقة ، فإن المسيحية تهتم بالأطفال ، بل وتدعو الكبار للتعلم منهم ، والإهتمام بهم ورعايتهم0 " لمثل هؤلاء " : أى لمن يتمثل بهم فى البراءة والبساطة0 (4) الشاب الغنى ( ع 16 - 22 ) : ع 16 - 17 : تقدم إلى المسيح شاب غنى ( ع 22 ) ، وكان رئيس أحد مجامع اليهود ( لو 18 : 18 ) ، وإذ قد تعوّد الكلام المنمق ، لقّب المسيح بالمعلم الصالح ، وسأله سؤالاً روحياً ، وهو كيفية الوصول للحياة الأبدية0فاهتم المسيح بسؤاله ، ولكن ، قبل أن يجيبه ، وجّه نظره إلى عدم استخدام كلمات المديح دون فهم ، فقال له : " لماذا تدعونى صالحاً ؟ ليس أحد صالحاً إلا000الله " ومعنى السؤال : هل تؤمن أنى أنا الله ، أم تقولها مجرد مجاملة ؟ والمسيح بالطبع هو المعلم الصالح ، بل الراعى الصالح كما قال عن نفسه ( يو 10 : 11 ) ، وهو الله الذى بلا خطية ، كما قال لليهود : " من منكم يبكتنى على خطية ؟ " ( يو 8 : 46 ) ؛ ثم رد على السؤال بأن الطريق للأبدية هو حفظ الوصايا وتنفيذها فى الحياة0 ع 18 - 19 : سأل الشاب المسيح : " هل المقصود وصايا معينة ؟ " فأجاب المسيح : " كل الوصايا التى فى اللوحين اللذين استلمهما موسى من الله ، سواء الخاصة بعبادة الله ، أو التعامل مع الآخرين "0وركّز المسيح على وصايا اللوح الثانى ، وهى الخاصة بالتعامل مع الآخرين ، لأنه لا يمكن إتمامها إلا بحفظ اللوح الأول ، وهى عبادة الله ومحبته0ولخّص المسيح فى نهاية رده وصايا اللوح الثانى بقوله : " أحب قريبك كنفسك "0 ع 20 : أجاب الشاب بتسرع أنه قد حفظ هذه الوصايا منذ طفولته0ولم يكن قصد المسيح حفظها حرفياً ، أو تطبيقها سطحياً ، بل بكل أعماقها0لذلك ، ركّز المسيح على علاج المرض الذى فى داخله ، حتى يفهم عمق تطبيق الوصية ، فمشكلته هى محبة المال ، وقال له إنه محتاج لشئ واحد ، أى علاج محبة المال ( مر 10 : 21 )0 ع 21 : طلب المسيح من الشاب أن يبيع ممتلكاته ويوزّع ثمنها على الفقراء ، وبهذا يحوّل كنزه من الأرض إلى السماء ويتعلق قلبه بها0وامتداداً لهذا الفكر ، يتبع المسيح ليسير بتعاليمه0إن التطبيق الفعلى لهذه الوصايا هو الكمال المسيحى ، وإن لم يستطع الإنسان تطبيق هذا الكلام حرفياً ، كما فعل الأنبا أنطونيوس أب الرهبان ، فعلى الأقل يبيع محبة الماديات من قلبه ، أى يكون مستعداً للتنازل عنها ، ويترك جزئياً هذه الممتلكات ويعطيها للمحتاجين0 ع 22 : أمام كلام المسيح الواضح ، إنكشف ضعف هذا الشاب ومحبته للمال ، لأنه " مضى حزيناً " ، إذ لم يستطع تنفيذ كلام المسيح ، لأن محبته للمال أقوى من محبته لله ، وكثرة أمواله ساعدت على تعلق قلبه بمحبة المال0 + حتى تكون إبن الملكوت ، يلزمك أن تحب الله أكثر من محبة الماديات ، والدليل على ذلك تقديمك البكور والعشور مهما كانت ظروفك المالية ضيقة ، وتكون مستعداً للتنازل عن الماديات من أجل إرضاء من حولك ، والقناعة بكل شئ0 (5) محبة المال ( ع 23 - 26 ) : ع 23 - 24 : علّق المسيح لتلاميذه على حواره مع الشاب بعد انصرافه ، موضحاً خطورة محبة المال ، فقال إنه من العسير جداً دخول غنى ، محب لأمواله ومتكل عليها ، إلى ملكوت السماوات0وشبّه ذلك بمرور جمل ضخم من ثقب إبرة ، وهذا مستحيل ، فكذلك الغنى ، لا يمكن أن يدخل إلى الملكوت0فيلزم أولاً أن يبيع من قلبه محبة المال والإتكال عليه ، وحتى لو كان له أموال كثيرة ، لا تعوقه عن دخول الملكوت لأن قلبه ليس فيها0 ع 25 - 26 : شعر التلاميذ بصعوبة تنفيذ هذا الكلام ، لأن تفكيرهم كان متعلقاً بمُلك المسيح الأرضى ومحبة الغِنى والمركز ، فوجّه المسيح نظرهم إلى معونة الله التى تساعد الإنسان على ذلك ، فما يبدو مستحيلاً فى نظر الإنسان ، يسهل بمعونة الله0وهذا ما حدث فعلاً فى حياة كثير من القديسين الأغنياء ، الذين تركوا أموالهم وممتلكاتهم ، وعاشوا الفقر فى حياة الرهبنة ، أو تقدموا للعذاب والإستشهاد من أجل المسيح0 + إن كان لك أية ممتلكات وأموال ، فاشكر الله عليها ، ولا تقارن نفسك بغيرك ممن هم أغنى منك ، بل اكتفِ بما عندك ، ولا تحزن إن ضاع منك شئ من المال لأنه متغيّر ، بل ليكن هذا دافعاً لك للتعلق بمحبة الله ، فهى الأساس الوحيد الراسخ ، والسند الذى لا يتزعزع0 (6) مكافأة الرعاة ( ع 27 - 30 ) : ع 27 : بعد أن تكلم المسيح عن أهمية التنازل عن محبة المال ، ليستطيع الإنسان أن يتبعه ، أراد بطرس أن يطمئن على نفسه هو والتلاميذ ، ماذا تكون مكافأتهم ، إذ قد تركوا كل شئ لأجله ؟ وليس المقصود فقط ترك الشِباك والمقتنيات ، لأنها ضئيلة ، بل بالأكثر احتمال التعب والمقاومة من الفرّيسيّين0وقد يحمل كلام بطرس نوع من ضعف الإيمان ، فيحتاج لتأكيد المكافأة من المسيح ، وقد يحمل أيضاً نوع من الإحساس بنفسه أنه قد أعطى0ولكنه سيكتشف بعد إتمام الفداء أن كل ما يعطيه الإنسان لا شئ أمام الحب الكامل فى عطاء المسيح نفسه على الصليب من أجل خلاص البشرية0 ع 28 : أعلن المسيح مكافأة عظيمة لتلاميذه الذين تبعوه ، بل لكل من يتبعه ، أنه فى التجديد ، عندما تتغيّر صورة المسيح ، من المنظر البشرى الضعيف إلى الله الديّان فى الملكوت ، يكون تابعوه بجواره لهم مكانة عظيمة ، بدليل قوله : تجلسون على كراسى لتدينوا العالم ، وذلك بإيمان تابعيه وكرازتهم باسمه ، يدينون اليهود الذين رفضوا الإيمان ، مع أنهم كان المفروض أن يكونوا أول من يقبله0 ع 29 : أكد المسيح مكافأة المتجردين ، ومن يترك تعلقه بالممتلكات أو الأحباء ، لأجل تكريس قلبه لمحبة وخدمة الله ، وهى أنه يأخذ مائة ضعف فى هذه الحياة0والمقصود ليس تعويضات مادية ، بل بالأحرى سلاماً وحباً0فمثلاً الراهب الذى يترك أباً أو أماً ولا يتزوج وينجب أبناء لأجل الله ، يجعل الله كل الناس إخوة وأحباء له ، ويصير الله أباً له يهتم به ويعوضه عن كل أبوة جسدية ، ويصبح الكل أبناءه ، ويجد كفايته المادية ، وأكثر من ذلك0ويُختار بعض الرهبان ليصيروا أساقفة ، توضع كل أموال وممتلكات الكنيسة تحت أيديهم ، فيوجهونها بحكمة ثم ما هو أفضل من ذلك ، المكافأة الأبدية فى الملكوت ، هذه التى لا يُعبَّرُ عنها0الله لا يمكن أن يكون مديوناً لأحد ، فما يتنازل عنه الإنسان ، سيعوّضه عنه فى الحياة الحاضرة ، فيكفى احتياجات أولاده ، ثم يكافئهم بأعظم شئ وهو ملكوت السماوات0وهذه حقيقة واضحة نلاحظها ، أن الذين يحبون الله ويتنازلون عن الماديات ، يعطيهم نعمة فى أعين الكل ، ويكونون محبوبين من الكثيرين0 ع 30 : وهكذا نجد عظماء كثيرين فى العالم ، يكون مكانهم فى السماء متأخراً أقل من غيرهم ، أو ليس لهم مكان فى الملكوت0وعلى العكس ، كثيرون من المزدرَى بهم والأقل فى نظر البشر ، يصيرون عظماء فى ملكوت السماوات ، مثل القديسين الذين زهدوا العالم وعاشوا فى البريّة ، أو الشهداء الذين احتملوا عذابات كثيرة0وكذلك الأولون فى أعين أنفسهم ، أى المتكبرون ، يسبقهم المتضعون ، أى الآخرون فى أعين أنفسهم0وهناك معنى آخر ، فالذين دُعوا أولاً مثل اليهود ، يمكن أن يُرفَضوا إن لم يؤمنوا بالمسيح ، والأمم الذين دُعوا بعدهم وآمنوا ، يكون لهم مكان متقدم فى السماء0 + ثق أن كل ما تتركه على الأرض ، تنال عوضاً عنه سلاماً وفرحاً فى الأرض ، وأضعاف ذلك فى السماء0فلا تتضايق إن خسرت شيئاً من أجل المسيح ، أو تنازلت عن شئ من أجل كسب محبة الآخرين لخلاص نفوسهم0وعلى العكس ، أنت أكثر حكمة بقدر استطاعتك أن تبذل فى هذه الحياة ، لأن هذا إعلان محبتك للمسيح0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح