كلمة منفعة
المحبة التي لا تبذل، هي محبة عاقر، بلا ثمر.المحبة أم ولود، تلد فضائل لا تعد، منها الحنان والعطف، ومنها كلمة التشجيع وكلمة العزاء، ومنها الاهتمام والرعاية، ومنها الغفران، ومنها السعي إلى خلاص النفس، وهذه هي المحبة الروحية..
— البَذْل
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 14
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 14
الأصحاح الرابع عشر :
الملكُ المشبَع
يقدّم لنا الإنجيلي شخص السيّد المسيح بكونه الملك الذي يُشبع الروح والجسد، الذي يقوتنا روحيًا ونفسانيًا وجسديًا. وعلى العكس يقدّم لنا هيرودس الملك كإنسانٍ جائعٍ يسيطر عليه الخوف كفاقد السلام، والشهوة كفاقد الطهارة. أراد أن يُشبع قلب فتاة راقصة بمملكته كلها لكنّه فشل. إنه كجائعٍ لا يقدر أن يُشبع غيره!
1. هيرودس الجائع 1-12.
2. المسيح الجذّاب 13.
3. المسيح المُشبع 14-21.
4. المسيح واهب السلام 22-32.
5. المسيح واهب الشفاء 33-36.
1. هيرودس الجائع
"في ذلك الوقت سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع. فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان. قد قام من الأموات، ولذلك تُعمل به القوات" [1-2].
كان هيرودس قد قتل القدّيس يوحنا المعمدان، الصوت المُرهِب، الذي أعلن الحق، مانعًا زواجه من هيروديّا امرأة أخيه فيلبس. فبحسب الشريعة لم يكن ممكنًا للإنسان أن يتزوّج امرأة أخيه (لا 18: 16) إلا إذا كان أخوه قد مات ولم تنجب له امرأته، عندئذ يتزوّجها الأخ ليس اشتياقًا إليها، وإنما ليُقيم لأخيه الميّت نسلاً. لقد كان خطأ هيرودس أنه أراد الزواج بامرأة أخيه الذي على ما يُظن كان حيًا.
قتل هيرودس القدّيس يوحنا المعمدان ليكتم صوته، لكن الصوت لم يتوقّف، بل كان يزداد صراخًا في ذهن هيرودس. لهذا إذ سمع هيرودس عن يسوع المسيح فكَّر في الحال أنه يوحنا المعمدان قام من الأموات يصنع القوات. لقد قتل يوحنا لكي يهدِّئ ضميره، وتستريح نفسه فيه، لكن الخوف لم يفارقه. لقد كان هيرودس الملك جائعًا، ليس فيه سلام، بل خوف، لأن الخطيّة تفقد الإنسان شبعه الداخلي!
يروي لنا الإنجيلي قصّة استشهاد القدّيس يوحنا المعمدان على يديّ هيرودس ليكشف خلال تفاصيلها عن جوع الملك هيرودس، إذ يقول: "فإن هيرودس كان قد أمسك يوحنا وأوْثقه، وطرحه في سجنٍ، من أجل هيروديّا امرأة فيلبس أخيه. لأن يوحنا كان يقول له: لا يحلّ لك أن تكون لك" [3-4].
كان هيرودس صاحب السلطان يظن أنه قادر أن يكتم صوت الحق، ويحبسه بسجن يوحنا، مشتاقًا أن يقتله فيُبيد الصوت تمامًا، لكن الحبس كان يُزيد الصوت قوّة، والموت يختم على الصوت بختم الأبديّة، فصار موضوع كرازة الأجيال. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد سُمع صوت يوحنا بأكثر علوّ بعد هذه الأمور.] لقد حاول الشيطان يومًا أن يتخلَّص من كلمة الله بالصليب، فجاء الصليب ينقش بالحب الكلمة الإلهيّة على القلوب المحجرة ليُقيمها هيكلاً للرب. وتحالف اليهود مع الأمم ضدّ الكنيسة لإبادتها، وبقدر ما اضطهدوها كان صوت الله يُعلن بأكثر وضوح وسط العالم خلال الكنيسة!
يرى العلاّمة أوريجينوس في سجن النبي وقتله إشارة إلى ما فعلته الأُمّة اليهوديّة، إذ أرادت أن تكتم النبوّات وظنّت أنها قادرة على منع تحقيقها بموت المسيّا، إذ يقول: [إنه قيّد الكلمة النبويّة وسجَنها ومنَعها من الاستمرار في إعلان الحق في حرّية كما كان سابقًا.]
لقد أراد هيرودس قتله، لكنّه بسبب الخوف من الشعب توقَّف، ربّما إلى حين. بهذا استراح ولو مؤقَّتًا، وأقام حفلاً رسميًا، نعِم فيه بما يًشبع ذاته دون مُبكِّت. إذ يقول الإنجيلي: "ثم لما صار مولد هيرودس رقصت ابنة هيروديّا في الوسط، فسرَّت هيرودس. من ثم وعد بقسمٍ أنه مهما طلبت يعطيها" [6-7]. أقام هيرودس الجائع حفلاً يُشبع غروره وشهواته، وإذ رقصت ابنة هيروديّا، وسُرّ بها مشتهيًا أن يعطيها شيئًا يُشبعها! إن كانت هيروديّا تمثل الخطيّة التي يشتهيها هيرودس، فإن الخطيّة تلد خطيّة قادرة أن تأسِر قلبه الفارغ، مشتهيًا أن يقدّم كل حياته ثمنًا لرقصة واحدة! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [كان أسيرًا بواسطة شهواته، حتى قدّم مملكته ثمنًا لرقصة"، كما يقول: "بينما كان يجب عليه أن يشكر الله إذ جاء به في مثل هذا اليوم إلى النور (يوم ميلاده) تجاسر بارتكاب هذه الأعمال الشرّيرة، وبينما كان ينبغي عليه أن يحرّر من هم في القيود إذ به يُضيف إلى القيود قتلاً.]
في عيد ميلاد هيرودس قُتل القديس يوحنا المعمدان، فقد ظنّ أنه لا يستطيع أن ينعم بالحياة السعيدة ويُشبع شهوات جسده خلال حبّه لامرأة أخيه ورقصات ابنتها، إن لم يكتم أنفاس القدّيس يوحنا المعمدان. لكن يوحنا مات، وبقيَ صوته خالدًا إلى الأبد. ارتبط هيرودس بالشهوات الزمنيّة فزال مع الزمن، وارتبط يوحنا بالحق، فدخل إلى عدم الموت مع الحق نفسه. ونحن أيضًا إن أردنا أن ندخل إلى عدم الموت لنرتبط بيسوعنا "الحق الذي لا يموت"، فندخل معه وفيه إلى حضن أبيه حيث لا يمكن للموت أن يقترب إلينا!
أيّامنا محدودة وزائلة إن ارتبطت بالأمور الزائلة من محبّة العالم وشهوات الجسد؛ وخالدة إن اختفت في ربّنا يسوع المسيح الذي لم يقدر الموت أن يُمسك به، ولا القبر أن يغلق عليه، ولا متاريس الجحيم أن تقف أمامه!
يتساءل البعض: إن كان هيرودس قد أخطأ بوعده لابنة هيروديّا أن يعطيها ما تطلبه بقسم، فهل كان لهيرودس بعد أن طلبت رأس القدّيس يوحنا أن يحنث بوعده؟ يجيب القدّيس أمبروسيوس: [أحيانًا يكون الوفاء بالوعد بقسمٍ لا يتّفق مع الواجب، كما فعل هيرودس حين أقسم أن يُعطي ابنة هيروديّا ما تطلبه، وقد أدّى هذا إلى مقتل يوحنا حتى لا يحنث الملك بقسمه، وهكذا كان الحال مع يفتاح الذي قدّم ابنته ذبيحة، لأنها كانت أول من يقابله عندما رجع إلى بيته منتصرًا، وبهذا أوفى بقسمه... كان من الأفضل ألا يُعطي وعدًا بنذر، من أن يَفي بعهده بموت ابنته.] وكأنه من الخطأ أن يعدْ الإنسان بقسم، إذ يكون الإيفاء به أشرّ إن كان مخالفًا للوصيّة الإلهيّة.
هذا عن هيرودس، ولكننا لا نتجاهل موقف يوحنا الذي كان يمكنه أن يتخلَّص من الموت بصمتِه، لكنّه فضّل الشهادة للحق مع موت الجسد عن التغاضي عن الحق، مع راحة الجسد وسلامته إلى حين. وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [كان يمكنه أن يصمت... لقد عرف تمامًا أنه سيموت إن وقفَ ضدّ الملك، لكنّه فضّل الفضيلة عن الطمأنينة، فأي شيء يليق بالقدّيس مثل الألم الذي يجلب مجدًا؟!]
2. المسيح الجذّاب
"فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفردًا، فسمع الجموع وتبعوه مشاه من المدن" [13].
إذ سمع السيّد المسيح ما فعله هيرودس بالقدّيس يوحنا المعمدان انصرف إلى موضع خلاء، أي إلى البرّيّة، وكأنه يُعلن أنه منطلق إلى جماعة الأمم التي صارت برّيّة وقفرًا، ليُقيم منها فردوسًا له، بعد أن رفضته الأمة اليهوديّة، ممثّلة في شخص هيرودس قاتل يوحنا المعمدان.
ومن جهة أخرى فإن انصراف السيّد في سفينة يؤكّد المبدأ الذي قدّمه للبشريّة وهو الهروب من الشرّ وعدم مقاومته. لقد ترك الموضع الذي فيه قَتل هيرودس يوحنا، كما سبق في طفولته فهرب مع أمه والقدّيس يوسف من وجه هيرودس الكبير، محقّقًا عمليًا ما أعلنه لتلاميذه حين دعاهم للخدمة، سائلاً إيّاهم أن يهربوا من مضايقيهم.
+ "متى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى" (مت 10: 23). عندما تحل تجربة، إن كان ليس في استطاعتنا تجنُّبها يلزمنا أن نحتملها بشجاعة عظيمة وشهامة، أمّا إذا كان في استطاعتنا تجنُّبها ولم نفعل ذلك نحسب كمتهوِّرين.
العلاّمة أوريجينوس
لقد كان هيرودس يمثّل فاقد الحق، بل ومقاومه، يليق بنا أن نتركه باتّحادنا مع المسيح الحق لننطلق إلى سفينة الصليب، ونُحمل إلى موضع خلاء، فيه نلتقي مع الله نناجيه ويناجينا! ما أحوجنا أن نهرب من الأشرار ولا نقاومهم، خاصة المملوءين غضبًا، حتى لا نثير غضبهم، فيزدادون شرًا! لننصرف من روح الغضب كما من هيرودس القاتل، وبدخولنا إلى حياة الصلب (السفينة) ننطلق إلى الاتّحاد مع الله.
انصراف السيّد لم يكن خوفًا بل حكمة كنائب عنّا، وبانصرافه وانطلاقه إلى موضع الخلاء ليلتقي مع أبيه المتَّحد معه، أدركت الجموع أنه مصدر الشبع، فجاءت إليه من المدن وتبعوه مشاة. الانطلاقة إلى البرّيّة الحقيقيّة والانفراد مع الله يجذب النفوس، وينمّي الخدمة لحساب ملكوت السماوات!
3. المسيح المُشبع
"فلما خرج يسوع أبصر جمعًا كثيرًا، فتحنّن عليهم، وشفَى مرضاهم" [14].
إن كانت الجموع قد تركت المدن وخرجت مشاة لتلتقي مع السيّد المسيح المنصرف إلى موضع خلاء منفردًا، فالسيّد بدوره "خرج" إليهم ليلتقي بهم مقدّمًا مفهومًا جديدًا للخلوة والوحدة. أنها ليست عزلة عن البشريّة ولا انغلاقًا للقلب، بل هي انفتاح للقلب نحو الله والناس. تختلي النفس بالله، لا في انفراديّة متقوْقعة، وإنما هي تنفرد به لتحمل أمامه الكنيسة كلها، بل والعالم كلّه بالحب، لذا ينجذب الناس إليها وهي تخرج إليهم متحنّنة ومترفّقة، تشتهي شفاء كل نفس، إذ يقول: "تحنّن عليهم وشفَى مرضاهم".
وقد لاحظ العلاّمة أوريجينوس أن السيّد قد تحنّن على المرضى وشفاهم قبل أن يقدّم لهم خبز البركة، إذ يقول: [لقد شفَى المرضى، حتى إذ يصيروا أصحّاء يشتركون في خبز البركة، ولكن ماداموا مرضى فلا يقدرون أن ينالوا خبز بركة يسوع.] لعلّ هذا يحمل رمزًا لالتزامنا بسرّ التوبة والاعتراف لأجل شفاء النفس من مرضها الروحي، قبل أن تدخل إلى مذبح الرب، وتتقبّل من يديّ السيّد، لا خبز بركة بل جسده المقدّس.
أمضت الجماهير النهار كلّه مع السيّد تسمع صوته، وتتقبّل أعمال محبّته ورعايته. "ولما صار المساء، تقدّم إليه تلاميذه، قائلين: الموضع خلاء والوقت قد مضى، اصرف الجموع إلى القرى، ويبتاعوا لهم طعامًا" [15].
لقد رأى التلاميذ بأعينهم أعمال السيّد العجيبة، ومع هذا عندما جاء المساء ارتبكوا طالبين صرف الجموع إلى القُرى لشراء طعام يكفيهم. حقًا كثيرًا ما نرتبك في أمور الخدمة والمخدومين بحسابات بشريّة، مع أن الرب الحالّ في وسطنا قادر أن يعطي ويهب فوق كل حدود الطبيعة. فإن كنّا في موضع قفر والوقت مساء، لكن الرب الحالّ فينا قادر أن يُشبع. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بالرغم من أن الموضع قفر، إلا أن الذي يعول العالم موجود فيه. وإن كان الزمن قد أزفْ، لكن الذي لا يخضع للزمن يتحدّث معهم.]
لقد ركّز الإنجيلي في عرضه لإشباع الجموع أن الوقت كان مساءً وأن الموضع قفر، ليقدّم لنا صورة للواقع الذي نعيشه الآن، فقد جاء السيّد المسيح إلى العالم كما في وقت الساعة الحادية عشر، وفي المساء. وكما يقول القدّيس يوحنا: "أنها الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18). فقد انتهت الأيام وجاء ملء الزمان حيث توقَّفت النبوّات مئات من السنوات، وصار العالم في حالة قفر روحي شديد، ليس لهم طعام يأكلونه، حتى يئس التلاميذ، وأرادوا صرف الجموع جائعين، لكن الرب الحالّ فيهم جاء ليقدّم لهم ذاته طعامًا جديدًا يُشبع النفوس الجائعة.
نعود إلى المعجزة لنجد السيّد المسيح يجيب التلاميذ: "لا حاجة لهم أن يمضوا، أعطوهم أنتم ليأكلوا. فقالوا له: ليس عندنا ههنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان. فقال: اِئْتوني بها إلى هنا" [16-18].
لماذا طلب السيّد من التلاميذ أن يعطوا الجموع لتأكل؟
أولاً: ربّما أراد السيّد في محبّته للتلاميذ الذين عاشوا معه زمانًا، وسمعوا كلماته ولمسوا أعماله الفائقة، أن يقوموا هم بهذا العمل. كان يشتاق أن يكون لهم الإيمان لإشباع الجماهير، خاصة وإن واهب البركة حالّ في وسطهم.
ثانيًا: بسؤاله هذا أراد أن يكشف عن إمكانيّاتهم، لكي يضرموا مواهبهم، ويقدّموا ما لديهم مهما بدا قليل الشأن وعاجز عن الإشباع. فإن كان هو الذي يعول شعبه، لكنّه يطلب من الشعب أن يقدّم ما لديهم، حتى وإن كان ما لديهم هو سمكتين وخمس خبزات. إنه يطلب منّا ألا نبخل بالقليل الذي لدينا، إنّما نقدّمه فيَشبع به الكثيرين، ويفيض منه أكثر ممّا نقدّمه؛ يفيض اثنني عشر قُفّة مملوءة.
ثالثًا: كان التلاميذ يُمثِّلون الكنيسة التي يستخدمها الله لإشباع أولاده، مهما بدت فقيرة ومحتاجة. الله هو الذي يُعطي، وهو الذي يُبارك، وهو الذي يُقدّس، لكنه يعمل خلال جسده المقدّس أي الكنيسة. على سبيل المثال، في سرّ المعموديّة تقدّم الكنيسة المياه والزيت والصليب مع الصلوات وكأنها سمكتان وخمس خبزات، يتقبّلها العريس ليهب طالبي العماد البنوّة لله والعضويّة في جسده المقدّس، وينعم عليهم بالإنسان الجديد الذي على صورته. وهكذا في كل الأسرار وفي كل الليتورجيّات يتقبّل الله من الكنيسة أمورًا بسيطة جدًا خلالها يهب عطاياه المجّانيّة التي لا تقدَّر.
رابعًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد أراد من تلاميذه أن يقدّموا له القليل لينالوا من يديه ما يقدّموه للشعب، فيشهدون بأيديهم عن عمل بركته.
بين معجزتيّ إشباع الجموع
يروي لنا الإنجيلي معجزتين لإشباع الجموع، واحدة هي التي بين أيدينا والأخرى وردت في الأصحاح الخامس عشر [32-33]. ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح الذي صنع معجزات بلا حصر، لم يُشبع الجموع إلا مرتين، قائلاً: [لم يفعل هذه المعجزة على الدوام، وإنما مرتين فقط لكي يتعلّموا ألا يكونوا عبيدًا لبطونهم، وإنما يلزمهم أن يلتصقوا دومًا بالروحيّات. هكذا نلتصق نحن أيضًا بالروحيّات فنطلب الخبز السماوي، وبهذا نطرد عنّا كل اهتمام زمني. إن كان هؤلاء قد تركوا بيوتهم ومدنهم وأقرباءهم، تركوا الكل وقطنوا في الخلاء، فإنه إذ ضغط عليهم الجوع لم يتراجعوا، هكذا يليق بنا نحن أيضًا أن نظهر ضبطًا للنفس (تركًا) بصورة أعظم لنقترب إلى مثل هذه المائدة، مهتمّين بالروحيّات، وحاسبين الأمور الملموسة أمورًا ثانوية بالنسبة لها.]
حقًا لم يكرّر السيّد هذه المعجزة كثيرًا حتى لا يربط علاقتنا به خلال الأمور الجسديّة، ولكي لا نطلب في حياتنا معه أن يشبع احتياجاتنا الجسديّة بطريقة معجزيّة. لهذا رأيناه يترك تلاميذه الجائعين أن يقطفوا سنابل حنطة يوم السبت ويأكلون (مت 12: 1) دون أن يشبعهم بطريقة معجزيّة، بل وسمح لرسوله بولس أن يجتاز فترات جوع وعطش وعُري (2 كو11 : 22) ليشاركه آلامه، هذا الذي كان المرضى يأخذون الأقمطة من جسده المريض ليلمسوها فيُشفوا. إنه يريدنا أن نجري وراءه من أجل شخصه، لا من أجل العطايا الماديّة أو البركات الزمنيّة.
لماذا لم يكتفي السيّد بمعجزة واحدة؟
لقد أشبع الجموع مرتين، إنّما ليُعلن أنه جاء ليُشبع المؤمنين من الأصل اليهودي، كما الذين هم من أصل أممي. فالمعجزة التي بين أيدينا تُشير إلى اهتمامه باليهود، أمّا الأخرى (15: 32-38) فتُشير إلى اهتمامه بالأمم، يظهر ذلك خلال التفسير الرمزي لملامح وأحداث كل معجزة، منها:
أولاً: المادة التي استخدمها السيّد هنا سمكتان وخمس خبزات، أمّا في المعجزة التالية فاستخدم سبع خبزات وقليل من صغار السمك (مت 15: 34). فإن كان الطعام المُشبع هو شخص المسيح نفسه، فقد قدّم نفسه لليهود خلال الخمس خبزات أيضًا خلال أسفار موسى الخمسة التي تحوي الناموس الذي غايته المسيح (رو 10: 4). ويرى العلاّمة أوريجينوس أن الخمس خبزات تُشير إلى الحواس، فقد قدّم الله الكلمة نفسه لليهود بتجسّده كواحد منهم يمكنهم أن يلتقوا به خلال الحواس، ليتعرّفوا فيه على ما هو فوق الحواس. لقد رأوه وسمعوه ولمسوه وتذوّقوا حلاوته وتنسّموا رائحته الذكيّة، لكي يلتقوا به "ابن الله الوحيد الجنس" الذي يُشبع نفوسهم ويرويها!
عِوض الخمس خبزات نجد في المعجزة التالية سبع خبزات، فإن الأمم لم ينعموا بأسفار موسى الخمس، ولا رأوا السيّد المسيح بالجسد في وسطهم يلمسونه خلال حواسهم الخمس، وإنما تمتّعوا به خلال الكرازة بالروح القدس الذي يُعلن إشعياء النبي عن عطاياه السبع: "روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة ومخافة الرب" (إش 11: 2). الروح القدس هو الذي يقدّم للأمم "مسيحنا" المُشبع لنا.
أما بالنسبة للسمك، ففي المعجزة الأولى استخدم الرب سمكتين، وهما كما يقول الآب مكسيموس أسقف تورينو من رجال القرن الخامس [أنهما يُشيران إلى العهد القديم وكرازة يوحنا المعمدان، فقد جاء يوحنا يكرز بوضوح عن المسيّا مشيرًا إليه، هذا الذي سبق فأعلن عنه العهد القديم بناموسه ونبوّاته وأحداثه كاشفًا عن شخصه وأعماله الخلاصيّة. أمّا بالنسبة لنا فأظن أن السمكتين اللتين تُشبعا جموع الكنيسة المقدّسة هما العهدان القديم والجديد، إذ ننعم بالسيّد المسيح خلالهما... أمّا بالنسبة للأمم فقدّم لهم شبعًا خلال قليل من صغار السمك، إذ ليس لهما العهد القديم ولا كرازة يوحنا المعمدان، إنّما قدّم الكرازة خلال التلاميذ البسطاء، القطيع الصغير. لقد أشبعهم هؤلاء الصغار بالمسيح موضوع كرازتهم.]
ثانيًا: في المعجزة الأولى "فضَل من الكِسَر اثنتا عشر قُفّة مملوءة" [20]، أما في المعجزة التالية فقد "رفعوا ما فضل من الكِسَر سبعة سلال مملوءة" (مت 15: 26).
إن كانت كنيسة العهد القديم قد أشير إليها برقم 12، حيث كان عدد أسباطها اثني عشر، فإن السيّد أشبع جميع الأسباط، حيث ملأ الكل بالروح القدس. وقد رفع التلاميذ هذه السلال، إشارة إلى رفع اليهود الذين قبلوا الإيمان بالمسيح عن الفكر المادي الأرضي، ليختبروا الحياة السماويّة، كقول الرسول بولس: "أجلسنا معه في السماويات".
ويرى القدّيس جيروم أن الاثنتي عشرة قُفّة تُشير إلى الاثني عشر تلميذًا الذين احتلوا مركز الأسباط الاثتى عشر، إذ يقول: ]أطعم شعبه بخبزه وما تبقى جمعه في اثنتي عشرة قفة، أي في الاثني عشر رسولاً، حتى أن ما فُقد في الاثني عشر سبطًا يَخلُص في الاثني عشر رسولاً.]
أما كنيسة الأمم المرفوعة بأيدي التلاميذ، فيُشار إليها بسبعة سلال، فقد أعلن سفر الرؤيا عنها أنها كنائس سبع (رؤ 1: 4، 20) يرمز إليها بسبع منائر، إشارة إلى عمل الروح فيها ليُنيرها ويجعلها نورًا للعالم.
ثالثًا: في هذه المعجزة "أمر الجموع أن يتّكِئوا على العشب" [19]. بينما في المعجزة التالية "أمر الجموع أن يتّكِئوا على الأرض" (مت 15: 35). فإذ عاش اليهود زمانًا يتّكلون على الجسد مثل الختان والانتساب لإبراهيم والتطهيرات الجسديّة... ما كان يمكنهم أن ينعموا بالبركة الخاصة بالحياة الإنجيليّة، أو ما كان يمكنهم أن يقبلوا السيّد المسيح طعامًا روحيًا مشبعًا، ما لم يضعوا هذه الأمور تحتهم، أي يتّكئوا عليها، كما على العشب، لأن العشب يُشير إلى الجسد (إش 40: 6، رو 8: 6). ونحن أيضًا لا يمكننا أن نلتقي بالسيّد المسيح ولا نتقبّل عطيّة إلهيّة خلال التلاميذ أي الكنيسة، مادمنا نعيش حسب الجسد، لنُخضع الجسد لنفوسنا بالروح القدس ونتكئ عليه، فيكون خادمًا مطيعًا، يعمل في انسجام مع الروح، لا في مقاومة لها، عندئذ ننعم بالروحيّات.
أما بالنسبة للأمم فقد اتّكأوا على الأرض، إذ صار الأمم كالأرض، عبدوا الآلهة الباطلة فصاروا باطلين. انحطَّت حياتهم وأفكارهم إلى الأرض، لذا لن ينعموا بالطعام السماوي، إن لم يتّكئوا على الأرض ليجعلوها تحتهم لا أن يُستعبدوا هم لها.
رابعًا: في هذه المعجزة شبع نحو 5000 رجلاً ما عدا النساء والأطفال، وفي المعجزة التالية نحو 4000 رجلاً ما عدا النساء والأطفال. وقد سبق في دراستنا لسفر العدد أن رأينا في شيء من التوسُّع أن الله لم يحصِ النساء والأطفال إنّما الرجال وحدهم، ليس احتقارا للمرأة والطفل، وإنما رمزًا لرفض النفس المدلّلة كالمرأة وغير الناضجة كطفل. إنه يريد أن يكون كل مؤمن ناضجًا ومجاهدًا بالروح، يحارب الخطيّة لحساب مملكة النور. نكتفي هنا أن نقتطف عبارات من كلمات القدّيس أغسطينوس: [لم يشمل العدد الأطفال والنساء... فإن المدلّلين (المخنثين) الذين بلا فهم هم خارج العدد. لقد سُمِح لهم أن يأكلوا... ليأكل الأطفال لعلّهم ينمون فلا يعودوا بعد أطفالاً، وليأكل المدلّلون حتى يُصلح أمرهم ويتقدّسوا. إننا نوزِّع عليهم الطعام، وبسرورٍ نخدمهم.]
أما من جهة الأرقام فإن المعجزة الأولى أشبعت 5000 رجلاً، إشارة إلى أسفار موسى الخمسة (5) وقد دخلت إلى مفهوم روحي سماوي (1000)، أي أشبعت الذين عاشوا في الناموس، لكنهم تحرّروا من الحرف، وانطلقوا إلى الروح أو الفكر السماوي. هذا ورقم 5000 يُشير إلى الإنسان المسيحي الذي يشبع من الطعام الروحي، إذ تتقدّس حواسه الخمس لتحمل طبيعة سماويّة (1000).
أما في المعجزة الثانية فقد أشبع 4000 رجلاً إشارة إلى شبع العالم في جهاته الأربع، وقد حمل الطبيعة السماويّة (4 - 1000). ويمكننا أن نلمس ذلك في حياتنا، إذ خلال الطعام الروحي يتقدّس جسدنا الترابي (رمزه رقم 4) ليحمل أيضًا فيه فكرًا سماويًا (1000).
في اختصار نقول أن السيّد المسيح هو سرّ شبعنا يمسك بالسمكتين والخمس خبزات ليُشبع اليهود، أو بالقليل من السمك والسبع خبزات ليُشبع الأمم. إنه يُشبع الجميع خلال تلاميذه ولا يترك إنسانًا قادمًا إليه يرجع جائعًا! إنه وحده الذي يقدر أن يهبنا شبعًا خلال كنيسته (التلاميذ) بواسطة الناموس الروحي (5 خبزات) والكشف عن أسرار العهدين (السمكتين)، وكلمة الكرازة (قليل من السمك)، وعمل الروح القدس (السبع خبزات)... إنه يُشبع الفكر والقلب، ويقدّس المواهب ويضرمها فينا، ويقود الجسد والروح والنفس معًا بروح واحد نحو السماويات.
4. المسيح واهب السلام
إن كان هيرودس بكل مملكته لم تشبع نفسه، مشتهيًا رقصة فتاة، ليقدّم عنها ما تريد، لكن السيّد المسيح الملك السماوي افتقر لكي يغني كل من يؤمن به. إذ انصرف إلى موضع خلاء، انجذبت إليه الجموع [13] فجاءت إليه مشاة من المدن تطلب فيه شبعها الروحي. إنه كملك روحي شفى مرضاهم [14]، وأشبعهم روحيًا وجسديًا أيضًا، حتى فضل من الكِسَر اثنتا عشرة قُفّة مملوءة [20]. والآن يُلزم السيّد تلاميذه أن يدخلوا السفينة ليُعلن لهم عمل ملكوته الداخلي فيهم.
"وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردًا ليصلّي. ولما صار المساء كان هناك وحدة" [22-23].
إنه تصرُّف غريب، فقد ألزم التلاميذ أن يدخلوا السفينة، وصرف الجموع، أمّا هو فصعد إلى الجبل!
فمن جهة التلاميذ ألزمهم أن يدخلوا السفينة ليأمر العاصفة، أو يسمح لها أن تثور. إن ربّنا يسوع المسيح يحترم الإرادة البشريّة ويقدّسها، لكن حين يُلقي الإنسان بنفسه في يديه الإلهيتين بكامل حريّته يلزمه السيّد بالسلوك حسبما يريد. هذا ما نلمسه من قول الإنجيلي أنه ألزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة، وكأنهم إذ سلَّموا حياتهم في يديه بكامل حريتّهم، كان يدفعهم إلى وسط البحر، ليختبروا حضرته كسِرّ سلامهم عند هياج العاصف ضدّهم. إنه يعرف ما هو لصالحهم، فيقدّمهم إلى الطريق الكرب والباب الضيّق، ليس إمعانًا في آلامهم، وإنما ليلتقوا به وسط الآلام كمصدر تعزية لهم.
هذا، ومن ناحية أخرى فإن السيّد ألزمهم بالعبور كمن يدفعهم إلى السير وسط تيّارات هذا العالم - محمولين بالصليب - أي السفينة، ليجتازوا إلى الميناء السماوي في البرّ الآخر. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [هذا هو عمل تلاميذ يسوع، أقصد أن يذهبوا إلى الجانب الآخر، ويعبروا وراء الأمور المنظورة والماديّة الزمنيّة، وينطلقوا إلى الأبديّات غير المنظورة.]
أما من جهة الجموع فقد شبعوا من الطعام المادي، وتوقّفوا عند هذا الحد، فلم يكن لهم أن ينعموا بالدخول في السفينة والعبور إلى البرّ السماوي.
أما السيّد المسيح فقد صعد إلى الجبل منفردًا، وكأنه قد ارتفع إلى السماء هناك ليلتقي مع الآب من أجل تلاميذه. إنه يصلّي، أي يتحدّث مع أبيه، مقدّمًا دمه الكريم شفاعة فيهم يغفر خطاياهم، هذا هو الرصيد الذي يعيش به التلاميذ في وسط التجربة عندما تهب العواصف، وأيضًا العون الحقيقي لهم للعبور على الأبديّة. بصعوده إلى الجبل يصعدون هم أيضًا معه وبه وفيه، ليلتقوا مع الآب السماوي الذي يسندهم في الضيّق ويهبهم طبيعة الحياة السماويّة.
صعود السيّد إلى الجبل منفردًا ليصلّي لا يعني هروبًا من الخدمة، وإنما تأكيدًا للحياة العاملة التأمّليّة وخدمة الجماهير باللقاء السرّي مع الآب. حقًا ما أحوجنا إلى الجبل أو البرّيّة لتسندنا أثناء جهادنا الروحي والرعوي. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [البرّيّة هي أم السكون، إنها الهدوء والميناء الذي ينجينا من كل المتاعب.] وكما يقول مار اسحق السرياني: [أن مجرّد النظر إلى القفر يهب النفس سكونًا، ويقتل شهوات الجسد فينا.]
البرّيّة ليست مكانًا للهروب من الخدمة أو من العالم، لكنها بحق هي ميدان حرب روحيّة ضدّ إبليس نفسه، فيه تنفضح النفس وتتكشف أعماقها إن كانت ثابتة في الرب، مجاهدة في الطريق الروحي، أو خائرة ومستكينة. البرّيّة تصقّل الرجال وتزيدهم نضوجًا في الروح، وتفضح المتهاونين وتُعلن تراخيهم أو شرّهم!
"وأما السفينة فكانت قد صارت في وسط البحر معذّبة من الأمواج، لأن الريح كانت مضادة. وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيًا على البحر. فلما أبصره التلاميذ ماشيًا على البحر اضطربوا، قائلين: إنه خيال، ومن الخوف صرخوا" [24-26].
يقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد ألزم المخلّص التلاميذ أن يدخلوا سفينة التجارب، وأن يذهبوا قدّامه ليعبروا إلى الشاطئ الآخر... لكنهم إذ جاءوا إلى وسط البحر منعتهم أمواج التجارب والرياح المضادة من السير نحو الشاطئ الآخر، وصاروا عاجزين، يصارعون كمن هم بدون يسوع لكي يغلبوا الأمواج والأرواح المضادة لبلوغ الشاطئ الآخر. وإذ بذلوا كل ما في قدرتهم لبلوغ الشاطئ الآخر ترفّق بهم الكلمة وجاء إليهم ماشيًا على البحر، هذا الذي لا تعوقه أمواج أو رياح.]
ما حدث هنا يقدّم لنا صورة حيّة لقصة الخلاص كلها، فقد دخلت البشريّة إلى وسط البحر في الهزيع الأول، حين سقط أبوانا الأوّلاًن في الفردوس، وتعرّضت حياتهما للموت الأبدي خلال الريح المضادة، أي خداع الشيطان. وفي الهزيع الثاني خارج الفردوس خضعت البشريّة كلها، وهي تحت الناموس الطبيعي للموت الأبدي أيضًا، وليس من يخلّص أو ينقذ. وفي الهزيع الثالث قدّم الله الناموس الموسوي الذي عجز عن إنقاذ الإنسان من الموت، والعبور به إلى حياة البرّ. أمّا في ملء الزمان، وفي الهزيع الرابع، وسط الظلام الحالك، فقد جاء السيّد المسيح مشرقًا على الجالسين في الظلمة ليخلّصهم من الأمواج المهلكة. إنه الشخص الوحيد الذي يقدر أن يتقدّم إلى البشريّة ماشيًا على المياه، ولا تقدر الرياح المضادة أن تقف ضدّه. أمّا الذين سبقوه فلم يستطع أحد منهم قط أن يسير على مياه العالم أو يواجه الريح المضادة دون أن يغرق. لقد تثقَّلت البشريّة كلها بالخطيّة كما بالرصاص (زك 5: 7)، فغاصت في مياه غامرة (خر 15: 10)، أمّا كلمة الله فهو وحده بلا خطيّة يقدر أن يرتفع على المياه فلا تبتلعه!
تقدّم إليهم السيّد موجدًا لنفسه طريقًا على المياه، أي على العالم، دون أن يبتلعه العالم كسائر البشر، وكان متّجهًا نحو السفينة كما إلى الصليب أو إلى كنيسته، لكي يحمل تلاميذه معه فيها، ليكونوا معه وهو معهم، ويكونون فيه وهو فيهم، عابرًا بهم إلى الميناء الأبدي بسلام.
تقدّم إليهم وسط الأمواج الهائجة ليُعلن لتلاميذه أن الضيقات هي المناخ الذي فيه يتجلّى السيّد وسط أولاده. إنه لا ينزع الآلام، وإنما يتجلّى أمام أعينهم، معلنًا حضرته وأبوّته ورعايته قبل أن يُهدِّئ الأمواج.
+ إنه لم ينزع الظلمة ولا أعلن ذاته لهم في الحال، بل كما سبق فقلت أنه كان دائمًا يدرّبهم على احتمال هذه المخاوف ويعلّمهم أن يكونوا مستعدّين للألم... لم يُعلن المسيح نفسه قبل أن يصرخوا إليه حتى عندما يزداد رعبهم يزداد ترحيبهم بقدومه إليهم.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
إذا جاء السيّد المسيح إلى البشريّة في هزيعها الرابع، والأخير، وسط الظلمة القاتمة، سائرًا على الأمواج، ظنّ الكثيرون أنه خيال، فلم يدركوا حقيقة مجيئه ولا فهموا أسرار عمله الخلاصي، ولا أمكنهم الالتقاء معه وإدراك وجوده كمخلّص في حياتهم. تشكّك البعض في ناسوته ككثير من الغنوسيّين حاسبين أن جسده وهْم وخيال، وأنكر البعض لاهوته كالأريوسيّين. لكن الكلمة الإلهي المتجسّد يُعلن مؤكِّدًا: "تشجّعوا، أنا هو لا تخافوا" [27]. وكأنه يؤكّد حقيقة تأنّسه ووجوده في وسطنا كسِرّ قوّة روحيّة وسلام، نازعًا عنّا كل خوف.
لا يزال يسمح الله لكل مؤمن أن يدخل في السفينة وسط الأمواج، حتى يستطيع أن يدرك حقيقة وجوده في داخله، وسلطانه إذ هو قادر أن يهدِّئ الأمواج الخارجيّة والداخليّة، واهبًا إيّاه سلامًا فائقًا بإعلان حضرته الإلهية فيه!
بطرس على المياه
"فأجابه بطرس وقال: يا سيّد إن كنت أنت هو، فمُرْني أن آتي إليك على الماء. فقال تعال. فنزل بطرس من السفينة، ومشى على الماء، ليأتي إلى يسوع. ولكن لما رأى الريح شديدة خاف، وإذ ابتدأ يغرق، صرخ قائلاً: يا رب نجّني. ففي الحال مدّ يسوع يده وأمسك به، وقال له: يا قليل الإيمان لماذا شككت؟ ولما دخلا السفينة سكنت الريح. والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له، قائلين: بالحقيقة أنت ابن الله" [28-33].
في دراستنا لسفر الخروج سمعنا موسى النبي وشعبه يسبّحون الله من أجل خلاصهم وهلاك فرعون وجنوده قائلين: "قد هبطوا في الأعماق كحجر" (خر 15: 5). فالشرّ كالحجر أو الرصاص يغطس في المياه حتى الأعماق، أمّا الفضيلة الخفيفة فتعوم على المياه، والذين يسيرون فيها يطيرون كالسحاب وكالحمام بأجنحتهم الصغيرة (إش 9: 8).
يقول العلاّمة أوريجينوس: [لقد مشى ربّنا ومخلّصنا على المياه، هذا الذي بالحقيقة لا يعرف الخطيّة، ومشى تلميذه بطرس مع أنه ارتعب قليلاً إذ لم يكن قلبه طاهرًا بالكلّيّة، إنّما حمل في داخله بعضًا من الرصاص... لهذا قال له الرب: "يا قليل الإيمان لماذا شككت؟" فالذي يخلص إنّما يخلص كما بنار (1 كو 3: 15)، حتى إن وُجد فيه رصاص يصهره.]
رأى القدّيس بطرس شخص السيّد المسيح سائرًا على المياه فاشتهى أن يلتقي به عليها، وإذ طلب من الرب أمَره أن يأتي إليه، لكن بطرس خاف إذ رأى الريح شديدة. إنها صورة البشريّة قبل التجسّد، التي آمنت بالله القادر أن يسير على مياه العالم، فخرجت تلتقي به، لكنها عجزت تمامًا، وكادت أن تغرق. لكن إذ مدّ السيّد يده أي تجسّد الابن الكلمة، وأمسك بيده المجروحة أيدينا الضعيفة ضمَّنا إلى أحشائه غافرًا خطايانا، فصار لنا به إمكانيّة السير معه وفيه على المياه دون أن نغرق. به دخلنا إلى سفينة العهد الجديد كما دخل بطرس مع السيّد، ليبحر بنا إلى أورشليم العليا.
والعجيب أن السيّد لم يهدِّئ الأمواج لكي يسير بطرس على المياه، وإنما قال لبطرس: "تعال"، مهدّئًا أمواج قلبه الداخليّة ليسير بالإيمان على الأمواج ولا يغرق. حقًا إن سرّ غرقنا ليست الأمواج الخارجيّة، وإنما فقدان القلب سلامه وإيمانه!
5. المسيح واهب الشفاء
إذ وهب السيّد المسيح السلام للنفوس المضطربة بسبب الرياح المضادة ودخل بها إلى سفينة كنيسته المقدّسة لتعيش في سلامه الفائق، عبر بها إلى أرض جنِّيسارت، وهناك تعرّف عليه رجال هذا الموضع، فأحضروا إليه جميع المرضى، وطلبوا أن يلمسوا فقط هدب ثوبه، فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء.
إن كان ثوبه يُشير إلى كنيسته الملتصقة به، فإن جميع الذين قبلوه أرادوا أن يبقوا كهُدب ثوبه، أي يحتلّوا الصفوف الأخيرة في كنيسته لكي بالتواضع ينالوا الشفاء لنفوسهم كما لأجسادهم.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الرابع عشر
(مت 1:14-12+مر 14:6-29+ لو 7:9-9):-
(مت 1:14-12):-
في ذلك الوقت سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع. فقال لغلمانه هذا هو يوحنا المعمدان قد قام من الأموات ولذلك تعمل به القوات. فان هيرودس كان قد امسك يوحنا وأوثقه وطرحه في سجن من اجل هيروديا امرأة فيلبس أخيه. لان يوحنا كان يقول له لا يحل ان تكون لك. ولما أراد أن يقتله خاف من الشعب لأنه كان عندهم مثل نبي. ثم لما صار مولد هيرودس رقصت ابنة هيروديا في الوسط فسرت هيرودس. من ثم وعد بقسم انه مهما طلبت يعطيها. فهي إذ كانت قد تلقنت من أمها قالت اعطني ههنا على طبق راس يوحنا المعمدان. فاغتم الملك ولكن من اجل الأقسام والمتكئين معه أمر أن يعطى. فأرسل وقطع راس يوحنا في السجن. فاحضر رأسه على طبق ودفع إلى الصبية فجاءت به إلى أمها. فتقدم تلاميذه ورفعوا الجسد ودفنوه ثم أتوا واخبروا يسوع.
(مر 14:6-29):-
فسمع هيرودس الملك لان اسمه صار مشهورا وقال أن يوحنا المعمدان قام من الأموات ولذلك تعمل به القوات. قال آخرون انه ايليا وقال آخرون انه نبي أو كأحد الأنبياء. ولكن لما سمع هيرودس قال هذا هو يوحنا الذي قطعت أنا رأسه انه قام من الأموات. لان هيرودس نفسه كان قد أرسل وامسك يوحنا وأوثقه في السجن من اجل هيروديا امرأة فيلبس أخيه إذ كان قد تزوج بها. لان يوحنا كان يقول لهيرودس لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك. فحنقت هيروديا عليه وأرادت أن تقتله ولم تقدر. لان هيرودس كان يهاب يوحنا عالما انه رجل بار وقديس وكان يحفظه وإذ سمعه فعل كثيرا وسمعه بسرور. وإذ كان يوم موافق لما صنع هيرودس في مولده عشاء لعظمائه وقواد الألوف ووجوه الجليل. دخلت ابنة هيروديا ورقصت فسرت هيرودس والمتكئين معه فقال الملك للصبية مهما أردت اطلبي مني فأعطيك. واقسم لها أن مهما طلبت مني لأعطينك حتى نصف مملكتي. فخرجت وقالت لامها ماذا اطلب فقالت راس يوحنا المعمدان. فدخلت للوقت بسرعة إلى الملك وطلبت قائلة أريد أن تعطيني حالا راس يوحنا المعمدان على طبق. فحزن الملك جدا ولأجل الأقسام والمتكئين لم يرد أن يردها. فللوقت أرسل الملك سيافا وأمر أن يؤتى برأسه. فمضى وقطع رأسه في السجن وأتى برأسه على طبق
وأعطاه للصبية والصبية أعطته لامها. ولما سمع تلاميذه جاءوا ورفعوا جثته ووضعوها في قبر.
(لو 7:9-9):-
فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان منه وارتاب لان قوما كانوا يقولون أن يوحنا قد قام من الأموات. وقوما أن ايليا ظهر وآخرين أن نبيا من القدماء قام. فقال هيرودس يوحنا أنا قطعت رأسه فمن هو هذا الذي اسمع عنه مثل هذا وكان يطلب أن يراه.
هيرودس هذا هو هيرودس أنتيباس أحد أبناء هيرودس الكبير الذى كان يحكم كل اليهودية والجليل، ومات سنة 4 ق.م. وبعد موته إنقسمت مملكته أربعة أجزاء. ومن أولاد هيرودس الكبير.
1) اريسطوبولوس (لم يكن يحكم) وهو والد هيروديا.
2) هيرودس فيلبس(مر 17:6) وقد تزوج من هيروديا بنت أخيه.
3) هيرودس أنتيباس. وقد تركت هيروديا زوجها فيلبس لتتزوجه فى أثناء حياة زوجها فيلبس وهذا ما عارضه يوحنا المعمدان. ولقد كان مسموحاً، بل مطلباً للناموس أن يتزوج الأخ زوجة (أرملة) أخيه الراحل إذا كان هذا الميت قد مات دون نسل وذلك ليقيم نسلاً بإسم أخيه، لكن أن تترك زوجة زوجها لتتزوج بأخيه فهذا ضد الناموس.
هيرودس رئيس الربع= هو أنتيباس، والربع هو ربع مملكة هيرودس الكبير أبوه. والربع الذى حكمه هو الجليل وبيرية (وهيرودس هذا هو الذى حاكم المسيح عندما أرسلهُ له بيلاطس البنطى.
هو يوحنا المعمدان قد قام من الأموات= رغم أن يوحنا المعمدان لم يعمل معجزات (يو41:10)، والمسيح كان صانع للمعجزات، إلاّ أن تصور هيرودس أن المسيح هو يوحنا المعمدان وقد قام من الأموات، ما كان سوى إحساساً بالإثم وعذاباً للضمير. فالشرير يهرب ولاطارد (أم 1:28) (وهذا نفس ما حدث مع قايين). وهكذا تنتهى اللذة العابرة بعذاب مستمر وألم دائم. ولاحظ تدرج الشر فى حياة هيرودس 1) فهو أولاً قد إغتصب زوجة أخيه الحى.2) قتل يوحنا المعمدان. ولاحظ أن مؤامرة القتل قد تم تدبيرها وقت الإستمتاع الوقتى بالخطية. ولقد قتل هيرودس المعمدان ليكتم صوت الحق الذى كان يعذبه، لكن الخوف لم يفارقه، صار بلا سلام، فالخطية تفقد الإنسان سلامه الداخلى، وتفقده أبديته. أماّ الإلتزام بالحق فهو وإن كان ثمنه الإستشهاد لكن لن يفقد المؤمن سلامه على الأرض، وتكون له حياة أبدية. أين هيرودس الآن وأين يوحنا المعمدان؟!
نهاية هيرودس:- كان هيرودس متزوجاً من إبنة الحارث والى النبطيين وبسبب زواجه من هيروديا طلقها. فقام عليه الحارث وحاربه وسحق جيشه. وتم نفى هيرودس وزوجته إلى فرنسا سنة 39م، ونالت إبنة هيروديا جزاءها إذ سقطت فى بحيرة من الثلج وقطعت رقبتها.
ويضيف معلمنا مرقس على قصة متى أن هيرودس كان يحترم يوحنا ويهابه عالماً أنه رجل بار وقديس. وكان يحفظه آية(20) = واضح أن هيروديا كانت دائمة التدبير وحبك المؤامرات ضد يوحنا المعمدان (مر19:6). ولكنها لم تقدر لأن هيرودس كان يحفظه منها، إذ كان خائفاً من الشعب، ولأنه كان يعلم أنه رجل بار وقديس، ولكنه إنهار أخيراً أمام ألاعيب هذه المرأة التى أغوته برقصة إبنتها (سالومى) وهو فى حالة سكر ومجون,
إذ سمعه فعل كثيراً= آية (20) وفى الترجمة الأصلية "إذ سمعه إضطرب كثيراً " ولكنه سمعه بسرور. وواضح أن ضميره كان يستيقظ بعض الوقت ويفرح لكلام المعمدان المملوء قوة بالروح القدس، ولكنه أمام شهواته كان يرفض الإذعان لصوت الحق، فكان صوت المعمدان يعذبه. هو كان يتعذب إذ لم يكن مستقيماً فى قلبه وخاضعاً لشهواته.
وتمت جريمة القتل فى جو سُكر وعربدة ومجون، كان مجلس مستهزئين (مر 21:6) وإذ كان يوم موافق=هو كان موافقاً لأغراض هيروديا. وهيرودس هذا سماه السيد المسيح ثعلباً (لو 32:13).
(مت 13:14-23+مر30:6-44+ لو10:9-17+ يو1:6-15):-
(مت 13:14-23):-
فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة إلى موضع خلاء منفردا فسمع الجموع وتبعوه مشاة من المدن. فلما خرج يسوع ابصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم وشفى مرضاهم. ولما صار المساء تقدم إليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء والوقت قد مضى اصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى ويبتاعوا لهم طعاما. فقال لهم يسوع لا حاجة لهم أن يمضوا أعطوهم انتم ليأكلوا. فقالوا له ليس عندنا ههنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان. فقال ائتوني بها إلى هنا. فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب ثم اخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع. فأكل الجميع وشبعوا ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة. والآكلون كانوا نحو خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد. وللوقت الزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردا ليصلي ولما صار المساء كان هناك وحده.
(مر30:6-44):-
واجتمع الرسل إلى يسوع واخبروه بكل شيء كل ما فعلوا وكل ما علموا. فقال لهم تعالوا انتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلا لان القادمين والذاهبين كانوا كثيرين ولم تتيسر لهم فرصة للأكل. فمضوا في السفينة إلى موضع خلاء منفردين. فراهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هناك من جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه. فلما خرج يسوع رأى جمعا كثيرا فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعي لها فابتدأ يعلمهم كثيرا. وبعد ساعات كثيرة تقدم إليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء والوقت مضى. أصرفهم لكي يمضوا إلى الضياع والقرى حوالينا ويبتاعوا لهم خبزا لان ليس عندهم ما يأكلون. فأجاب وقال لهم أعطوهم انتم ليأكلوا فقالوا له انمضي ونبتاع خبزا بمئتي دينار ونعطيهم ليأكلوا. فقال لهم كم رغيفا عندكم اذهبوا وانظروا ولما علموا قالوا خمسة وسمكتان. فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقا رفاقا على العشب الأخضر.فأتكاوا صفوفا صفوفا مئة مئة وخمسين خمسين. فاخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك ثم كسر الأرغفة وأعطى تلاميذه ليقدموا إليهم وقسم السمكتين للجميع. فأكل الجميع وشبعوا. ثم رفعوا من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة ومن السمك. وكان الذين أكلوا من الأرغفة نحو خمسة آلاف رجل.
(لو10:9-17):-
ولما رجع الرسل اخبروه بجميع ما فعلوا فأخذهم وانصرف منفردا إلى موضع خلاء لمدينة تسمى بيت صيدا. فالجموع إذ علموا تبعوه فقبلهم وكلمهم عن ملكوت الله والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم. فابتدأ النهار يميل فتقدم الأثنا عشر وقالوا له اصرف الجمع ليذهبوا إلى القرى والضياع حوالينا فيبيتوا ويجدوا طعاما لأننا ههنا في موضع خلاء. فقال لهم أعطوهم انتم ليأكلوا فقالوا ليس عندنا اكثر من خمسة أرغفة وسمكتين إلا أن نذهب ونبتاع طعاما لهذا الشعب كله. لأنهم كانوا نحو خمسة آلاف رجل فقال لتلاميذه اتكئوهم فرقا خمسين خمسين. ففعلوا هكذا واتكاوا الجميع. فاخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وباركهن ثم كسر وأعطى التلاميذ ليقدموا للجمع. فأكلوا وشبعوا جميعا ثم رفع ما فضل عنهم من الكسر اثنتا عشرة قفة.
(يو1:6-15):-
بعد هذا مضى يسوع إلى عبر بحر الجليل وهو بحر طبرية. وتبعه جمع كثير لأنهم ابصروا آياته التي كان يصنعها في المرضى. فصعد يسوع إلى جبل وجلس هناك مع تلاميذه. وكان الفصح عيد اليهود قريبا. فرفع يسوع عينيه ونظر أن جمعا كثيرا مقبل إليه فقال لفيلبس من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء. وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل. أجابه فيلبس لا يكفيهم خبز بمئتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا. قال له واحد من تلاميذه وهو اندراوس أخو سمعان بطرس. هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان ولكن ما هذا لمثل هؤلاء. فقال يسوع اجعلوا الناس يتكئون وكان في المكان عشب كثير فاتكا الرجال وعددهم نحو خمسة آلاف. واخذ يسوع الأرغفة وشكر ووزع على التلاميذ والتلاميذ أعطوا المتكئين وكذلك من السمكتين بقدر ما شاءوا. فلما شبعوا قال لتلاميذه اجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شيء. فجمعوا وملاوا اثنتي عشرة قفة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير التي فضلت عن الآكلين. فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا أن هذا هو بالحقيقة النبي الاتي إلى العالم. وأما يسوع فإذ علم انهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده.
معجزة إشباع الخمسة الأف :
هذه المعجزة هى المعجزة الوحيدة التى يدونها البشيرون الأربعة لأهميتها. فهذه المعجزة، معجزة إشباع الجموع بالخبز هى إشارة لشخص المسيح المشبع الذى به نستغنى عن العالم وهى رمز لسر الإفخارستيا الذى يعطينا السيد فيه جسده على شكل خبز، ويشبعنا كلنا به. لذلك قبل إتمام معجزة إشباع الجمع شفى السيد مرضاهم آية (14) كما غسل السيد أرجل تلاميذه قبل العشاء الربانى وفى هذا إشارة لإلزامنا بالتوبة والإعتراف قبل التناول وذلك لأنه بالتوبة والإعتراف تشفى النفس من مرضها الروحى فتتأهل لتقبل الجسد المقدس. ولما صار المساء=إشارة رمزية لحال العالم من ضيقات وجوع نفسى وروحى قبل مجىء المسيح. لكن جاء المسيح ليقدم الشبع، قدم جسده طعاماً. إصرف الجموع = بالحسابات البشرية لا يمكن إطعام كل هذا الجمع. وكم تقف الحسابات البشرية عائقاً أمام إمكانيات الإيمان. وفى يو (5:6،6 ) نجد السيد المسيح يسأل فيلبس ليمتحنه " من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء" فالسيد يظهر حجم المشكلة أولاً، ثم يظهر لفيلبس ضعف إيمانه وخطأ حساباته البشرية، إذ أن فيلبس رأى كثيراً من المعجزات الخارقة ومازال غير واثق. وطبعاً فسؤال السيد المسيح لفيلبس سينتج عنه زيادة إيمان فيلبس بعد أن يرى المعجزة. وعلينا أن نضع كل إمكانياتنا البشرية بين يدى المسيح طالبين البركة فى الصلاة. وهنا نرى سبباً مهماً حتى تحل البركة وهو جلوس الشعب فى محبة وتآلف، فبدون محبة لا بركة. ونلاحظ أن المسيح يعطى للتلاميذ (الكنيسة بكهنوتها وخدامها) والتلاميذ يعطون الناس. وفى هذه المعجزة نرى النعمة تمتد بالموجود لحدود عجيبة، نرى خلق بصورة جديدة، فالمتاح قليل ولكن مع البركة صار كثيراً جداً.وما هو القليل المتاح:-
1. خمس خبزات وسمكتين.
2. الخبز من الشعير وهو أرخص أنواع الخبز.
3. ومع من ؟ مع غلام صغير
فالله يعمل بالقليل ويبارك فيه.
دخل عنصر سماوى للمادة فتحدت الأعداد والكميات وأشبعت الألاف وتبقى منها. كما قال الله لبولس "قوتى فى الضعف تكمل" أى مهم وجود الضعف أى القليل الذى عندنا. وهذا هو مفهوم الكنيسة الأرثوذكسية فى الجهاد والنعمة. أمثلة:-
1- الله يأمر نوح ببناء فلك (جهاد) ولكن الله يغلق عليه فيحميه (نعمة) (تك 16:7) فهل كانت التكنولوجيا أيام نوح قادرة أن تبنى هذا الفلك العجيب، الذى يقام مياهاً من فوق ومن تحت.
2- المسيح يأمر بملأ الأجران فى معجزة تحويل الماء الى خمر، فهل من حول الماء إلى خمر كان غير قادر على تحويل الهواء إلى خمر ولا داعى لشقاء الخدام فى ملء الأجران.
(ملء الأجران = جهاد وتحويل الماء لخمر = نعمة).
3- المسيح يأمر برفع الحجر عن قبر لعازر ثم أقام الميت، فهل من أقام الميت كان غير قادر على زحزحة الحجر. ولكن زحزحة الحجر هى الجهاد.
4- هنا المسيح يطلب ما معهم، وكل ما معهم، وهذا هو الجهاد. أماّ النعمة فهى قد حولت هذا القليل لإشباع الكثيرين.
إذاً نعمة المسيح تعمل مع من يجاهد بقدر استطاعته ولا تعمل مع المتكاسل لذلك نسمع أن بولس قد جاهد الجهاد الحسن (2تى 7:4) ونسمع أنه كان يقمع جسده ويستعبده (1كو 27:9). ومن هذه المعجزة نفهم معنى رقم 5 فهو رقم النعمة المسئولة فرقم 5 هو رقم الحواس وأصابع اليد والقدمين، وهو رقم النعمة فبخمسة خبزات أشبع المسيح خمسة ألاف. ويكون المعنى أن نعمة المسيح تعمل مع من يحفظ حواسه طاهرة، ويحفظ إتجاهاته (قدميه) ويحفظ أعماله طاهرة (يديه). فالنعمة لا تعمل مع المتهاون. من يقدس حواسه واعماله وإتجاهاته، أى يكرسها للرب، مانعاً نفسه من التلوث بالعالم يمتلىء نعمة، وهذه النعمة هى التى تعطية ان يصير خليقة جديدة (2كو 17:5). وبهذه الخليقة الجديدة أو الطبيعة الجديدة ندخل السماء، إذ أن هذه الخليقة على صورة المسيح (غل 19:4) لذلك يقول بولس الرسول بالنعمة أنتم مخلصون (أف8:2) ويكمل ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد (أف 9:2) وذلك يعنى أن الأعمال ليست هى السبب الرئيسى لحصولنا على الطبيعة الجديدة، ولكن نحصل عليها بالنعمة ولكن حتى نمتلىء من هذه النعمة علينا أن نعمل ونجاهد فى أعمال صالحة سبق الله وأعدها لكى نسلك فيها (أف 10:2).
والسيد المسيح كرر هذه المعجزة (مت 32:15-39). وكان عدد الجموع 4000 وعدد السمك (قليل لم يذكر عدده) والخبزات 7 وتبقى 7 سلال والسيد المسيح لم يكرر هذه المعجزات كثيراً حتى لا نطلب فى حياتنا معه أن يشبع إحتياجاتنا الجسدية بطريقة معجزية، لهذا رأيناه يترك تلاميذه الجائعين أن يقطفوا سنابل حنطة يوم السبت ويأكلونها، وترك بولس الرسول فى مرضه دون أن يشفيه فنتعلم أن نقبل من يده ما يسمح به دون طلب معجزات بصفة مستمرة إشباعاً لإحتياجات الجسد (طعام ومال وصحة) بل نطلب أولاً الروحيات= أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه تزاد لكم. والسؤال لماذا صنع السيد هذه المعجزة مرتين ومامعنى الأرقام؟ أشبع السيد الجموع مرتين إنما ليعلن أنه جاء ليشبع المؤمنين كلهم يهوداً وأمم. فالكنيسة اليهودية يمثلها الـ5000 إذ سبقت النعمة وعملت معهم خلال الناموس والأنبياء. وكنيسة الأمم يمثلها الـ4000 فرقم 4 يمثل كل العالم بإتجاهاته الأربعة. ولكن كلاهما بإيمانهما بالمسيح صار سماوياً. فرقم 1000 هو رقم السمائيين، فالملائكة ألوف ألوف وربوات ربوات. وتبقى من المعجزة الأولى 12 قفة ورقم 12 يشير لشعب الله المؤمن فى العهد القديم أو العهد الجديد. أى أن الشبع الذى يعطيه السيد هو لكل المؤمنين، هناك ما يكفى لكل مؤمن فى كل زمن وفى المعجزة الثانية تبقى 7 سلال إشارة للكنائس السبع أى كل كنائس العالم. فالشبع بشخص المسيح متاح للجميع فالكنيسة ستكرر إشباع الجموع تجسد المسيح عبر الزمن وإلى نهاية الدهور سمكتين= السمكة ترمز للمسيح (سمكة = إخثيس باليونانية وهذه الكلمة من خمسة حروف تشير لقولنا يسوع المسيح إبن الله مخلصنا وكونهم إثنتين لأن رقم 2 يشير للتجسد فهو الذى جعل الإثنين واحداً (أف14:2). وهو أشبعنا بجسده الذى قدمه لنا طعاماً.
وفى المعجزة الثانية نسمع عن 7 أرغفة ورقم 7 هو عمل الروح الكامل (اش 2:11) فالروح يعلن شخص المسيح للمؤمنين (يو 14:16) وهذا يشبعهم وصغار السمك إشارة للرسل البسطاء المتواضعين الذين تأسست الكنيسة عليهم، أى على الإيمان بالمسيح الذى كرزوا به (أف 20:2) فالتلاميذ هم الذين أعلنوا شخص المسيح المشبع، 7 خبزات = قد يشير رقم 7 لعمل الروح القدس فى الكنائس السبع ليشبع الجميع بشخص المسيح.ونسمع أن السيد أراد أن ينفرد مع تلاميذه، فى موضع خلاء (مت 13:14). ونحن نحتاج لهذه الخلوة الهادئة نسمع فيها صوت يسوع فى هدوء، فصوته لا يمكننا سماعه فى ضوضاء العالم (أمل 12:19،13). فى إنجيل معلمنا يوحنا بعد هذه المعجزة مباشرة نسمع المسيح يتحدث عن نفسه كخبز الحياة، هو كأنه يشرح معنى المعجزة (يو6) إلى ماذا ترمز. القفة= من أين أتوا بالقفف التى وضعوا فيها الكسر؟ كان اليهودى يحمل معه قفة بها طعامه حتى لا يضطر لشراء طعام من الأمم أو السامريين. خمسة ألاف رجل ما عدا النساء والأولاد= بولس الرسول يقول لأهل كورنثوس (رجالاً ونساء) كونوا رجالاً (1كو13:16) فى حديثه حتى يثبتوا فى الإيمان. فالنساء يرمزن للتدليل والأطفال يرمزون لعدم النضج، أما شعب الله فيأخذ أموره الروحية بجدية وهم ناضجين يستوى فى هذا الرجال أو النساء أو الأطفال (أبانوب الشهيد كان عمره 12 سنة) الشبع= من أشبع البطون قادر أن يشبع النفوس والعواطف وقادر أن يشبع الروح وهذا هو الأهم، فمن يشبع روحياً يشبع نفسياً بالتبعية والشبع النفسى أى العاطفى، فيه يحتاج الإنسان أن يُحَّبْ وأن يُحِّبْ أى يتبادل الحب مع الآخرين سواء زوجة أو أطفال. ولكن الله الآب يعطينا الحب الأبوى والمسيح عريس نفوسنا قادر أن يشبعنا عاطفياً والروح القدس يسكن المحبة فى قلوبنا وإلاً كيف عاش الرهبان القديسين وكيف يعيش إنسان بلا أهل ؟ الله يشبع نفوسنا. بل من يشبع روحياً بمعرفة المسيح تشبع بطنه. فكم من أباء سواح إكتفوا بعشب الأرض طعاماً لهم عشرات السنين. مشكلة العالم أنه يبحث عن الشبع الجسدى والعاطفى وينسى أن لهُ روحاً لا تشبع إلاً بعلاقتها مع خالقها. هذا سبب إنهيار الغرب وكثرة حالات الإنتحار والتعامل مع الأطباء النفسانيين أمر الجموع أن يتكئوا على العشب = والسمك الذى أكلوه كان سمكاً مملحاً (فسيخ) وكانت هذه عادة لسكان السواحل، فهم يملحون الأسماك الباقية من طعامهم، ويأخذونها معهم فى مناسبة كهذه. وهذا المنظر هو ما تعود الأقباط أن يعملوه بعد عيد القيامة أى فى يوم شم النسيم إذ يخرجوا إلى الحدائق الخضراء ويأكلون الفسيخ تذكاراً لهذه المعجزة، خصوصاً بعد عيد القيامة الذى فيه أخذنا قيامه وحياة مع المسيح لندخل إلى موضع الخضرة على ماء الراحة فى فردوس النعيم (أوشية المنتقلين) فالخضرة رمز للحياة، والقيامة حياة وشبع بشخص المسيح. وهذا ما نفعله فى شم النسيم بعد القيامة. الذهاب للحدائق = الخضرة وهذه إشارة للفردوس، حيث نذهب بعد القيامة.
(مر 6 : 39-40):-
فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقا رفاقا على العشب الأخضر. فاتكاوا صفوفا صفوفا مئة مئة وخمسين خمسين.
أمرهم بأن يجلسوا خمسين خمسين.. فإلهنا إله نظام وليس إله تشويش (1كو33:14). وهذا النظام حتى لا ينسوا أحداً فى التوزيع.
لاحظ الكلمات رفع نظره نحو السماء وبارك وكسَّر وأعطى=وهذا هو ما عمله عند تأسيس سر الإفخارستيا، فهو يُعلن عن نفسه كسر شبع لنا. وكلمة بارك هى نفسها كلمة شكر (بارك= عبرية وشكر = يونانية)
(لو 9 : 10-11):-
ولما رجع الرسل اخبروه بجميع ما فعلوا فأخذهم وانصرف منفردا إلى موضع خلاء لمدينة تسمى بيت صيدا. فالجموع إذ علموا تبعوه فقبلهم وكلمهم عن ملكوت الله والمحتاجون الى الشفاء شفاهم.
والمحتاجون إلى الشفاء شفاهم= لماذا لم يقل والمرضى شفاهم؟ هناك من يستخدم الله المرض لشفائه روحياً (أيوب وبولس) هؤلاء هم المحتاجين للمرض، هناك من يحتاج لمعجزة شفاء ليؤمن والسيد يعطيه الشفاء ليجذبه للإيمان، ولكن بعد ذلك قد يسمح ببعض الألام ليكمل إيمان هذا الشخص، فإن كان قد قيل عن المسيح أنه تكمل بالألام فكم وكم نحن الضعفاء (عب 10:2 + عب5:12-11+ابط 1:4)
والكنيسة تقرأ هذا الفصل فى الأحد الخامس من الشهر (لو تصادف وكان هناك أحد خامس) وتسميه إنجيل البركة. فرقم 5 يذكرنا بالمعجزة (خمس خبزات). وأكبر بركة حصلنا عليها هى القيامة. فإذا تصادف وجود خمس أحاد (والأحد هو يوم القيامة) تحتفل الكنيسة بهذه المناسبة وتقرأ إنجيل البركة.
(مت 22:14-33+مر 45:6-52 +يو14:6-21):-
(مت 22:14-33):-
وللوقت الزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع. وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردا ليصلي ولما صار المساء كان هناك وحده. وأما السفينة فكانت قد صارت في وسط البحر معذبة من الأمواج لان الريح كانت مضادة. وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيا على البحر. فلما أبصره التلاميذ ماشيا على البحر اضطربوا قائلين انه خيال ومن الخوف صرخوا. فللوقت كلمهم يسوع قائلا تشجعوا أنا هو لا تخافوا. فأجابه بطرس وقال يا سيد أن كنت أنت هو فمرني أن أتى إليك على الماء. فقال تعال فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتي إلى يسوع. ولكن لما رأى الريح شديدة خاف وإذ أبتدأ يغرق صرخ قائلا يا رب نجني. ففي الحال مد يسوع يده وامسك به وقال له يا قليل الإيمان لماذا شككت. ولما دخلا السفينة سكنت الريح. والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين بالحقيقة أنت ابن الله.
(مر 45:6-52):-
وللوقت الزم تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوا إلى العبر إلى بيت صيدا حتى يكون قد صرف الجمع. وبعدما ودعهم مضى إلى الجبل ليصلي. ولما صار المساء كانت السفينة في وسط البحر وهو على البر وحده. ورآهم معذبين في الجذف لان الريح كانت ضدهم ونحو الهزيع الرابع من الليل أتاهم ماشيا على البحر وأراد أن يتجاوزهم. فلما رأوه ماشيا على البحر ظنوه خيالا فصرخوا. لان الجميع رأوه واضطربوا فللوقت كلمهم وقال لهم ثقوا أنا هو لا تخافوا. فصعد إليهم إلى السفينة فسكنت الريح فبهتوا وتعجبوا في أنفسهم جدا إلى الغاية. لأنهم لم يفهموا بالأرغفة إذ كانت قلوبهم غليظة.
(يو14:6-21):-
فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا أن هذا هو بالحقيقة النبي الأتي إلى العالم. وأما يسوع فإذ علم انهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده. ولما كان المساء نزل تلاميذه إلى البحر. فدخلوا السفينة وكانوا يذهبون إلى عبر البحر إلى كفرناحوم وكان الظلام قد اقبل ولم يكن يسوع قد أتى إليهم. وهاج البحر من ريح عظيمة تهب. فلما كانوا قد جذفوا نحو خمس وعشرين أو ثلاثين غلوه نظروا يسوع ماشيا على البحر مقتربا من السفينة فخافوا. فقال لهم أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه في السفينة وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها.
وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة… صعد إلى الجبل. وأما السفينة فكانت قد صارت فى وسط البحر معذبة من الأمواج مضى إليهم يسوع ماشياً على البحر … إضطربوا.. وصرخوا.
هذه الأحداث لا يفسرها سوى ما ورد فى (يو14:6،15) أن الناس بعد أن رأوا معجزة إشباع الجموع إنبهروا بالمسيح وأرادوا أن يختطفوه ويجعلوه ملكاً. ففى نظر الناس لا يوجد ملك أفضل من هذا، يشبعهم بلا تعب، ومن المؤكد أنه قادر أن يخلصهم من الرومان ويعطيهم ملكاً عالمياً. هؤلاء كل ما يشغلهم هو البركات المادية، المجد العالمى. وربما تأثر تلاميذه بنفس أفكار الجموع، وتحمسوا لفكرة أن يكون المسيح ملكاً والتالى سيكونون هم أمراء، واحد عن يمينه وواحد عن يساره، كطلبة أم إبنى زبدى. وبدأت أفكار المجد العالمى تداعب خيالهم..هنا كان لابد للمسيح أن يعطيهم درساً لا يُنسى طوال حياتهم.. فالسيد نجده هنا يلزمهم أن يدخلوا السفينة، وهو ضابط الكل سمح بأن ريحاً عظيمة تهب فتعذب الأمواج السفينة، أماّ هو فيمضى إلى الجبل ليصلى. وأثناء رعبهم ليلاً وسط البحيرة يأتى إليهم ماشياً على البحر وأراد أن يتجاوزهم (مرقس) فصرخوا إليه، فدخل إلى السفينة، وللوقت صارت السفينة إلى الأرض (يوحنا) وسكنت الريح (متى). ما هو الدرس الذى يعطية السيد المسيح هنا لهؤلاء التلاميذ الذين يحلمون بالملك الأرضى؟
صعوده للجبل= أنه هو السماوى، ويلزمهم أن يفكروا فى أنهم أيضاً صاروا سماويين، وغرباء عن الأرض، لا يجب أن تداعب خيالاتهم أفكار المجد العالى. وأنه لن يبقى على الأرض بل سيأتى يوماً وهو قريب ينطلق فيه إلى السماء، يصعد للسماء ليجلس عن يمين أبيه.
ليصلى=المسيح يصلى، هذا علامة صلته بالآب. ونحن نصلى لتكون لنا صلة بالله، وتذكرنا الصلاة بأنناء غرباء فى هذا العالم، وتحفظنا فى سلام وسط العالم المضطرب لكن المسيح يشرح أهمية الخلوة.
السفينة=المسيح سيصعد إلى السماء ويترك كنيسته وتلاميذه فى العالم والعالم. ملىء بالتجارب والضيقات، هو هائج على أولاد الله، وعلينا أن نفهم هذا ولا نستغرب إذا هاج العالم.
الرياح والموج=هو هياج العالم ضد الكنيسة (السفينة)
المسيح يسير على الماء = علينا أن نفهم أنه مهما هاج العالم ضد الكنيسة فهو مازال تحت سيطرة رب المجد فهو الله. هو ضابط الكل،. لا يمكن لإنسان أن يمد يده علينا ما لم يسمح له رب المجد بهذا (يو10:19،11) هذه المعجزة تثبت لاهوته.
أراد أن يتجاوزهم = المسيح يتراءى أمامنا ولكن لا يتدخل فى حياتنا ما لم نطلبه. (هكذا فعل مع تلميذى عمواس)
هدوء الريح ووصول السفينة للبر= فى الوقت الذى يراه رب المجد أنه وقت مناسب تهدأ الريح. والمعنى العام لما حدث أو الدرس الذى أراد السيد أن يعطيه لتلاميذه أن لا يفكروا فى أى مجد عالمى، بل هم سيواجهون بإضطهادات عنيفة ولكنها تحت سيطرة رب المجد، هو حقاً سيصعد للسماء ولكن لن يترك كنيسته، وفى الوقت الذى يراه مناسباً تهدأ الثورات ضد الكنيسة وسيظل هذا حتى تصل الكنيسة للبر أى للسماء عند إنقضاء هذا الدهر. وكانت هناك دروس إضافية، فالسيد بعد معجزته الباهرة، الزمهم أن يدخلوا السفينة حتى يعانوا من البحر الهائج فلا ينتفخوا بل يعرفوا ضعفهم، إذ أن الجموع ستعطيهم إكراماً زائداً لأنهم تلاميذ هذا المعلم.
قارن آية (15) مع آية (23) نسمع كلمة المساء =فعند اليهود مساءين كل يوم
(يو 17:6،18) لاحظ الكلمات الظلام أقبل.... ولم يكن يسوع قد أتى إليهم.... وهاج البحر = هذا يعنى أن عدم وجود يسوع فى حياتى يشعرنى بهياج العالم ضدى وبالظلمة.
(يو 21:6) فرضوا = صحة الترجمة تلهفوا أن يقبلوه.
- فى الهزيع الرابع من الليل= أى من الساعة 3 إلى الساعة 6 صباحاً. أى أن التجربة إستمرت فترة طويلة. وهذا درس لنا أن لا نتضايق إذا استمرت التجربة فترة طويلة فوراء الإنتظار نفع كبير، بل أطلب الرب وهو سيأتى فى الوقت المناسب، ويدخل لحياتك ويكون هو سلامك. بلا أن المياه المضطربة أى التجارب هى التى حملت المسيح إلى التلاميذ، فالتجربة التى نخاف منها هى التى يأتى المسيح إلينا من خلالها.
(مت 27:14) :- أنا هو هو الإسم الالهى "يهوة" خر 14:3 فالمسيح هو يهوة.
(مر52:6) لأنهم لم يفهموا بالأرغفة إذ كانت قلوبهم غليظة= أراد المسيح أن يظهر لتلاميذه أنه سر الشبع الروحى لهم، وهو الذى سيعطيهم حياة أبدية وذلك بأن أظهر لهم قوته الخالقة فى معجزة إشباع الجموع، لكن إذ إتجه فكرهم للمجد العالمى بدلاً من الشبع الروحى، أراد المسيح أن يظهر لهم أنه لا معنى لأن نبحث عن مجد عالمى وسط عالم مضطرب، بل أن المسيح هو سر سلامنا وشبعنا وسط هذا الإضطراب.
بطرس يسير على الماء:-
هذا معناه ببساطة أن أى واحد مناّ قادر أن، ينتصر على ضيقات العالم، ندوسها ولا نعبأ بها طالما أن المسيح معنا، وطالما نحن ناظرين إليه، يضطرب العالم فى الخارج، ولكننا ونحن ناظرين للمسيح تمتلىء قلوبنا من السلام فنطأ التجارب ولا نهتم بها، ولا نفقد سلامنا الداخلى.
ونلاحظ أن بطرس سار على الماء طالما كان ناظراً للمسيح، ولكن لما نظر للمياه غرق، هو شك لأنه رأى الأمواج عظيمة والهواء رياحه عظيمة.هو كان إيمانه عظيماً إذ ألقى بنفسه فى البحر لكن عاد للسلوك بالعيان لا بالإيمان، ونحن يجب أن نسلك بالإيمان لا بالعيان. وعلاج ضعف الإيمان تثبيت النظر على المسيح دائماً دون النظر لكمية المخاطر التى نتعرض لها. فلو ركزنا أنظارنا على حجم المشكلة يتزعزع إيماننا، أما لو ركزنا أنظارنا على المسيح يثبت إيماننا.
ولاحظ أن المسيح لم يهدىء البحر حتى يسير بطرس على الماء، بل هو أعطاه أن يسير فوق البحر المضطرب، وهذا معناه ببساطة أنه لا يجب أن ننتظر حتى تنتهى التجربة لنحيا فى سلام، بل أننا قادرين بالمسيح الذى فينا أن نحيا فى سلام وسط التجربة.
عموماً حتى لو بدأنا نغرق فى هموم التجربة ومشاكلها فلنصرخ مع بطرس يا رب نجنى والمسيح يمد يده لينتشلنا. ولكن ما يجعلنا نغرق هو قلة الإيمان = يا قليل الإيمان لماذا شككت
سير المسيح فوق الأمواج =يعنى سلطانه وأن كل شىء خاضع لهُ، هو الذى يسيطر على الأحداث
سير بطرس فوق الأمواج =يعنى إنتصار المؤمن على آلام العالم، أى قدرته أن يحيا فى سلام بالرغم من كل ألام العالم.
(مت34:14-36 + مر53:6-56):-
(مت34:14-36):-
فلما عبروا جاءوا إلى ارض جنيسارت. فعرفه رجال ذلك المكان فأرسلوا إلى جميع تلك الكوره المحيطة واحضروا إليه جميع المرضى. وطلبوا إليه أن يلمسوا هدب ثوبه فقط فجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء.
(مر53:6-56):-
فلما عبروا جاءوا إلى ارض جنيسارت وارسوا. ولما خرجوا من السفينة للوقت عرفوه. فطافوا جميع تلك الكورة المحيطة وابتداوا يحملون المرضى على أسرة إلى حيث سمعوا انه هناك. وحيثما دخل إلى قرى أو مدن أو ضياع وضعوا المرضى في الأسواق وطلبوا إليه أن يلمسوا ولو هدب ثوبه وكل من لمسه شفي.
ذاعت شهرة المسيح فأتى إليه المرضى وكل من لمسه ُشفِىَ. وهل لابد أن نتلامس مع المسيح لنُشفى. التلامس ليس هو التلامس الجسدى بل بالإيمان، فكل من أدرك من هو المسيح وآمن به، تلامس معهُ ينال الشفاء الروحى أرض جنيسارات= تعنى "جنة السرور" وهى سهل خصب يقع على الشاطىء الغربى للبحيرة وكفر ناحوم فى أقصى الشمال بالنسبة لها.
وحقاً هى ستكون لنا جنة السرور على الأرض إذ نتلامس مع المسيح ونعرفه من هو وننال شفائنا الروحى ونمتلىء سلاماً.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الرابع عشر
قتل يوحنا المعمدان * إشباع الجموع * المشى على الماء
(1) قتل يوحنا المعمدان ( ع 1 - 12 ) :
ع 1 - 2 : " فى ذلك الوقت " : أثناء كرازة المسيح0 " هيرودس " : هو هيرودس أنتيباس ، وهو إبن هيرودس الكبير الذى قتل أطفال بيت لحم ، وهو الذى أرسل بيلاطس إليه المسيح ليحاكمه قبل صلبه ، وكان والياً على الجليل والسامرة وبيرية ، وهى المنطقة الشمالية من بلاد اليهود0وعندما سمع بكرازة المسيح ، ظن أنه يوحنا المعمدان وأنه قام من الأموات بعد أن قتله ، لأنه كان يخاف من يوحنا وتوبيخه له ، إذ أن كلامه هو الحق0 " الربع " : قسَّم الرومان مملكة اليهود إلى أربعة أقسام ، وأقاموا هيرودس أنتيباس والياً على أحدها0
ع 3 - 5 : إشتهى هيرودس أن يتزوج هيروديا إمرأة أخيه فيلبس ، فاغتصبها منه وهو حى ، ولم يستطع أحد أن يمانعه لأجل سلطانه وقوته0ولكن يوحنا المعمدان ، رجل البرية الذى لا يخاف أحداً لاعتماده على الله ، دخل إليه فى قصره ووبخه ، ودعاه لترك هيروديا والتوبة0ولكنه لم يتب ، وحاول إسكات يوحنا المعمدان فسجنه ، بل حاول قتله ، ولكنه خاف من اليهود لأنه كان محبوباً جداً وله شعبية كبيرة0
+ لا تحاول إسكات ضميرك وصوت الروح القدس ، بل إخضع له ، فسيظل يدينك إن لم تتب ، ليس فى هذه الأرض فقط ، بل إلى الأبد فى العذاب الأخير0فاسمع صوته الآن وتنازل عن رغباتك ، لتفرح إلى الأبد0
ع 6 - 7 : أقام هيرودس إحتفالاً كبيراً بمناسبة عيد ميلاده ، إحتوى غالباً على أطعمة وخمر كثير ، وامتلأ بالطرب والغناء0وقامت إبنة هيروديا من فيلبس ، وهى التى تُدعى سالومى ، ورقصت رقصاً خليعاً لتغرى هيرودس0وقد أغرته بالفعل ، لدرجة أنه حاول مكافأتها بأى ثمن ، حتى ولو أعطاها نصف مملكته0وقد يكون الخمر الذى شربه ساعد على امتلائه بالشهوة ، وعدم الإتزان ، فأقسم أن يعطيها أى شئ تطلبه0
+ لا تستسلم للشهوة حتى لا تفقد إتزانك وعقلك ، فتصير مثل الحيوانات ، وتندفع فى كلام تندم عليه ، أو أفعال تدنس حياتك0
ع 8 : كانت هيروديا قد أقنعت إبنتها سالومى بضرورة التخلّص من يوحنا المعمدان ، لأنه معطل لها عن البقاء كملكة بزواجها من هيرودس ، وبالتالى ستخسر هى وابنتها كل العظمة والمال اللذان تعيشان فيهما0بل قد تكون هيروديا هى التى دفعت سالومى لهذا الرقص الخليع ، حتى تغرى هيرودس وتثير شهوته ، فتستطيع أن تطلب منه قتل يوحنا0ولذلك ، أجابت سالومى فى الحال على هيرودس ، عندما سألها عما تريده كمكافأة على رقصها ، طالبة رأس يوحنا على طبق ، وبذلك تظل أمها زوجة للملك ، وتحصل على المملكة كلها وليس نصفها0
ع 9 : عندما سمع هيرودس ذلك ، إنتبه من غفلته وحزن جداً ، إما لخوفه من يوحنا وتقديره له ، أو لخوفه من هياج الشعب الذى كان يحب يوحنا0ولكنه ، لأجل كبريائه ، لم يستطع الرجوع عن قسمه ، مع أنه كان الأفضل لو اتضع ورفض ذلك0وإذ كان شهوانياً ، لم يستطع رفض طلب إبنة معشوقته ، وأمر أن يقطعوا رأس يوحنا ويحضروها على طبق0
+ إن الخطية توقعك فى حرج ، ولكن التوبة تجعلك نقياً فتسلك باستقامة وراحة بال0
ع 10 - 11 : قطعوا رأس يوحنا وأحضروها إلى الملك الذى أعطاها لسالومى ، فقدمتها لأمها هيروديا0وهكذا تممت الشريرة هيروديا قصدها ، ولكن مازال صوت الحق يوبخها إلى الآن ، وسيوبخها إلى الأبد وهى فى الجحيم0
ع 12 : " تلاميذه " : أى تلاميذ يوحنا0 " أخبروا يسوع " : لأن معلمهم يوحنا دفعهم لتبعية المسيح ، واللجوء إليه فى كل احتياجاتهم ؛ وقد يكون قصدهم أيضاً أن يحترس المسيح من هيرودس الشرير0حزن تلاميذ يوحنا جداً ، وذهبوا وأخذوا جسده ليدفنوه بإكرام ، وأعلموا يسوع بما حدث0وهكذا انتهت حياة الملاك الذى هيأ الطريق للمسيح ، بعد أن أعلن صوت الحق لكل من حوله0
(2) إشباع الجموع بالخمس خبزات والسمكتين ( ع 13 - 21 ) :
ع 13 : " فلما سمع " : أى سمع يسوع بخبر موت يوحنا ، وأن هيرودس يقول عنه أنه يوحنا وقد قام من الأموات0 " فى سفينة " : ركب سفينة من كفرناحُوم إلى الشاطئ الشرقى لبحيرة طبرية0 " موضع خلاء " : وادى بجوار بيت صيدا التى تقع شرق بحيرة طبرية0 " منفرداً " : كان تلاميذه أثناء ذلك قد أرسلهم يبشرون فى قرى اليهودية ( مر 6 : 30 - 31 ) ، وقابلوه بعد خروجه من السفينة0 " سمع الجموع " : عرفوا أنه ركب السفينة ، متجهاً إلى شرق بحيرة طبرية0 " مشاة " : يبدو أن الريح كانت خفيفة ، فاستطاعوا أن يلحقوا به بعد وصوله إلى شرق بحيرة طبرية0لم يقاوم يسوع شر هيرودس ، بل انصرف إلى البرية ، إذ له هدف أعظم وهو إتمام الفداء0وذهب إلى " موضع خلاء " ، ليعلمنا أهمية الخلوة والهدوء فى حياة أولاد الله ؛ فهى فرصة للإمتلاء الروحى ومراجعة النفس ، للإنطلاق فى الخدمة وعمل الخير0وعندما علمت الجموع ، تبعته مشياً على الأقدام ، فقد أصبح محبوباً من الكل ، لعظمة تعاليمه وكثرة معجزاته وحنانه على الكل0
ع 14 : " لما خرج " : خرج من السفينة ، والتقى بتلاميذه0 " جمعاً كثيراً " : الجموع التى وصلت تباعاً من مدن وقرى الجليل0 " تحنن عليهم " : أى أشفق عليهم لجهلهم طريق الخلاص ، وانشغالهم باحتياجاتهم الجسدية ، مثل شفاء أمراضهم ، ولكن عندهم استعداد لقبول التعليم0إستقبل المسيح الجموع بمحبة ، وشفى مرضاهم ، ووعظهم كعادته0وكان هذا إعداداً لهم ليأكلوا خبز البركة ، كما يستعد الإنسان بالتوبة والإعتراف ، بشفاء أمراضه الروحية قبل التناول من الأسرار المقدسة0وقد إستغرق إهتمامه بالمرضى وقتاً طويلاً ، إذ كان عدد الجموع بالآلاف حتى أقبل المساء ( كان عدد الرجال منهم خمسة آلاف )0
ع 15 : " المساء " : كان عند اليهود مساءان ، الأول فى العصر ، وهو المذكور هنا ، أما الثانى فبعده عند الغروب ، وهو المذكور فى ( ع 23 )0أشفق التلاميذ على الجموع ، وظنوا أن معلمهم غافل عن تأخر الوقت ، فنبهوه ليصرفهم قبل حلول الظلام ، خاصة وأنهم لم يأكلوا منذ الصباح عند اجتماعهم حوله ، وذلك لأن الموضع كان قفراً خارج المدن ولا يوجد فيه طعام ؛ ونسوا أن معهم المسيح المشبع للكل ، الذى صنع معجزات كثيرة ، فكيف يصعب عليه إطعامهم ؟!
ع 16 : معجزة إشباع الجموع هى المعجزة الوحيدة المذكورة فى الأربعة أناجيل ، لأنها تعلن بركة المسيح التى تغطى كل احتياجاتنا ، فنتكل عليه ، ولا نقلق من اضطرابات العالم0رد المسيح على تلاميذه طالباً منهم أن يعطوهم طعاماً ليأكلوا ، ويأخذوا مكانهم كمسئولين عن هذا الشعب ، وليمتحن إيمانهم ؛ هل سيطلبوا منه ، أى يؤمنوا بقوته ، أم يخضعوا للمنطق البشرى وعدم وجود طعام ؟
ع 17 : " ليس عندنا " : بحث التلاميذ بين الجموع عن أى إنسان معه طعام ، فلم يجدوا إلا هذا المقدار القليل " خمسة أرغفة وسمكتان " ، لأنه يبدو أن الجموع ظنوا أنهم سيعودون سريعاً ، ولكن كلام المسيح ومعجزاته جذبت قلوبهم ، فاستمروا معه إلى نهاية اليوم0 " خمسة أرغفة " : يذكر يوحنا ( 6 : 9 ) أنهم وجدوا مع غلام خمسة أرغفة شعير ، وهو أقل نوع من الخبز ، أى طعام الفقراء ، ولكنه ببركة المسيح يصير كثيراً ويُشبع الكل0عندما طلب المسيح من التلاميذ أن يطعموا الشعب ، لم يفكروا فى الرجوع إليه ليُشبعهم ، بل بحثوا عن أى طعام مع الشعب ، ولم يجدوا إلا سمكتين وخمس خبزات ، فأخبروا المسيح بعجزهم ، وقدموا له الطعام القليل الذى وجدوه0وتشير " الخمسة أرغفة " إلى أسفار موسى الخمسة ، أو الذبائح الخمسة عند اليهود ، والحواس الخمسة عند الإنسان ، فهى تمثل إمكانيات الإنسان الضعيفة المحدودة0 " سمكتان " : ترمزان إلى تعاليم العهدين القديم والجديد0
ع 18 : لم يستخف المسيح بهذه الإمكانيات الضعيفة ، بل طلب إحضارها ليباركها0
+ مهما كان جهادك الروحى ضعيفاً وقليلاً ، ينتظره الله باهتمام ليباركه بنعمته ، فيُشبِعُ حياتك كلها0
ع 19 : " على العشب " : كان الوادى الذى يجلسون فيه مكاناً للرعى وليس للزراعة ، فامتلأ بالعشب0 " بارك وكسر " : حجم الرغيف يكون كبيراً وجافاً ، فكسره حتى يقلل من فضلات الخبز بعد الأكل0والبركة إما أن تكون بعودة المكسور إلى حجمه الأول ، فيعود ويكسره مرة ثانية ، وهكذا000أو قد يكون أنه كلما مد يده فى الكيس الذى فيه السمكتان والخمس خبزات يجد غيرهم ، أو يخلق غيرهم ، ويستمر التوزيع حتى يأخذ الكل ، أو بأى طريقة أخرى ؛ المهم أنها زادت جداً حتى اكتفت الجموع من كثرة الطعام0بارك المسيح الطعام بعد أن جعلهم يجلسون فى هدوء ، ورفع عينيه إلى السماء ليعلمهم الصلاة قبل تناول الطعام لطلب بركة الله0ثم أعطى تلاميذه ليوزعوا على الشعب بنظام كما يذكر مرقس الإنجيلى ( 6 : 40 ) أن التلاميذ أجلسوا الجموع فى مجموعات ، كل مجموعة مائة أو خمسين ، فهم كهنة العهد الجديد المسئولون عن رعاية وإشباع الجموع ، وحتى لا يُنسَى أحد ، فالنظام يضمن وصول الطعام للكل0
ع 20 : كانت البركة كبيرة جداً ، حتى أن الجموع كلها أكلت وشبعت وفضل عنها ، فالله يعطى بسخاء دائماً0ثم أمر بجمع الكِسر إحتراماً وتقديراً لنعمة الله ، وإظهاراً لعظمة المعجزة ، فملأت الكِسر إثنتى عشر قفة ، على عدد التلاميذ0وحمل الإثنتى عشر قفة يعلن أن ما حدث ليس حلماً أو مجرد شعور أحست به الجموع ، ولكنه حقيقة0ثم عند انصرافهم ، وزعوا هذه الكِسر على الفقراء الذين وجدوهم فى القرى التى مروا بها0
ع 21 : لم يُذكر عدد النساء والأولاد ، ليس إهمالاً لهم ، بل باعتبار أن الرجل هو رب الأسرة ويعبر عنها0ومن الناحية الرمزية ، ترمز النساء للنعومة ، والأطفال إلى عدم النضج0فينبغى أن يكون الإنسان قوياً وناضجاً وليس مدللاً0وعدد خمسة آلاف يشير إلى أسفار موسى الخمسة كما ذكرنا ، والألف ترمز إلى السماء ، أى أن بركة الله السمائية تغطى كل أولاده0
(3) المسيح يمشى على الماء ( ع 22 - 33 ) :
ع 22 : " ألزم " : إما إشفاقاً عليهم من تعب اليوم كله ، أو لأنهم شعروا مع الجموع أنه المسيا المنتظر الذى قال عنه موسى0إذ أن موسى أشبعهم بالمن من السماء ، وها هو المسيح يشبعهم ببركته من السمكتين والخمس خبزات0ومن أجل هذا ، حاولوا أن يجعلوه ملكاً عليهم فيخلّصهم من الرومان ، وأول من يتعاطف مع هذا الفكر هم التلاميذ لمحبتهم له ، لذلك ألزمهم بالإنصراف0 " يسبقوه إلى العبر " : أن ينتقلوا من شرق بحيرة طبرية إلى مدينة كفرناحُوم0بعد معجزة إشباع الجموع ، ظلت الجماهير حوله لتنال بركته ، وتسأله أسئلتها المختلفة ، وليكمل شفاء أمراضهم0وحاول التلاميذ مساعدته فى تنظيم الجموع ، أما هو فصرفهم ، ليسبقوه ويعبروا إلى الشاطئ الآخر من بحيرة طبرية0ولما حاولوا الإنتظار معه ، ألزمهم أن يمضوا لأجل غرضين روحيين :
(1) أن يختلى وحده فى الجبل0
(2) أن يواجهوا تجارب الحياة ويظهر ضعفهم ، فينجدهم بقوته ويثبت إيمانهم0
ع 23 : " صرف الجموع " : إستغرق ذلك وقتاً طويلاً لتعلقهم به ، واستكمالاً لشفاء أمراضهم0 " الجبل " : صعد إليه ليبتعد عن الجموع ، وكان بجوار الوادى الذى اجتمعوا فيه0فمن يطلب الوحدة للصلاة ، يحاول أن يبتعد قدر ما يستطيع عن الحديث مع الناس والمقابلات الكثيرة ، كما فعل بعض القديسين مثل أنطونيوس الكبير0 " المساء " : أى ساعة الغروب0بعدما بارك المسيح الجموع وصرفهم ، ذهب ليختلى فى الجبل0وهكذا يكرر أهمية الخلوة والهدوء فى حياتنا ، خاصة قبل القيام بالأعمال والخدمات الهامة0
ع 24 : ركب التلاميذ السفينة وقت المساء ، ثم أقبل الليل0وبعد فترة قليلة ، هاجت الرياح المضادة فعطلت تقدم السفينة ، بل لطمتها الأمواج فكادت تغرق ، وحاول التلاميذ بخبرتهم فى ركوب البحر التقدم بالسفينة ، ولكن لم تنجح محاولاتهم0
ع 25 : ظل التلاميذ فى ضيق شديد حتى قرب نهاية الليل ، أى الهزيع الرابع ، وهو نهاية فترة الظلام وقبل طلوع الشمس بحوالى ثلاث ساعات ، أى حوالى الرابعة بعد منتصف الليل0
ع 26 : قبل أن يسقطوا فى اليأس ، ظهر لهم المسيح ماشياً على الماء ، مقبلاً نحو السفينة ، فخافوا منه إذ ظنوه روحاً غريبة0وهنا ، ظهر لاهوته وسلطانه على الطبيعة للمرة الثانية ، عندما كسر قوانينها ومشى على الماء ( المرة الأولى عندما " انتهر الرياح والبحر فصار هُدُوٌّ عظيم " ص 8 : 26 )0
+ أنت أيضاً تستطيع أن تكون فوق البحر وأمواجه ، أى العالم ، إن آمنت وتمسكت بالمسيح ، فلا تغرق فى شهواتك ، بل بالتوبة تعلو فوقها0
ع 27 : طمأنهم يسوع قائلاً : أنا هو المسيح معلمكم0فبدأ الخوف يزول عنهم ، عند سماعهم صوته المعروف لديهم0
ع 28 - 29 : " إن كنت أنت هو " : لا تعنى الشك ، لأنه لا يمكن أن يلقى بطرس بنفسه فى الموت وهو متشكك فى شخص المسيح ، بل بما أنك المسيح ، هبنى نعمة المشى على الماء0آمن بطرس بالمسيح الماشى على الماء ، وفى اندفاع حبه ، أراد أن يسرع إليه ، فطلب منه أن يسمح له بالمشى على الماء ليفرح بلقياه ، وكان فى داخله يؤمن بسلطان المسيح على ذلك0فأمره المسيح قائلاً : " تعال " فنزل ومشى على الماء ، فرِحاً بالتقدم نحو المسيح000لم يهدئ المسيح الأمواج ، بل أعطاه سلطاناً أن يمشى فوقها0
+ لا تنتظر من المسيح أن يرفع التجربة ، لأن الأهم أن يعطيك سلاماً وإيماناً ، فلا تنزعج منها وتسير فوقها0
ع 30 - 31 : سار بطرس بإيمان وهو ينظر إلى المسيح ، ولكن عندما تحوّل نظره إلى الأمواج شعر بعنفها ، فخاف وتشكك فى قدرته على مواصلة السير على الماء ، وحينئذٍ بدأ يغرق ، فصرخ مستنجداً بالمسيح الذى مد يده ورفعه ، معاتباً إياه لقلة إيمانه وشكه0
+ ثبّت نظرك على المسيح فى الضيقة ، فلا تنزعج من ضغوطها ، فهو يرفعك فوقها ويحفظ سلامك0
ع 32 - 33 : بعدما رأى التلاميذ سلطان المسيح على الطبيعة فى مشيه على الماء ، وسماحه لبطرس بذلك ، وسكون الرياح فجأة حينما دخل سفينتهم ثبت إيمانهم به ، وأعلنوا هذا بسجودهم ممجدين عظمته0
(4) المسيح يشفى الأمراض ( ع 34 - 36 ) :
" أرض جنِّيسارت " : وصلت السفينة إلى بيت صيدا ، ثم مروا بوادى جنِّيسارت فى طريقهم إلى كفرناحُوم التى تقع فى شمال شرقه0 " عرفه رجال ذلك المكان " : أى عرفه الناس من كثرة معجزاته وتعاليمه عندهم قبل ذلك0 " يلمسوا " : كان ممكناً أن يأمر المسيح فيُشفوا ، ولكنه سمح لهم أن يلمسوه ، ليعلنوا إيمانهم به عملياً ، فجهاد الإنسان وسعيه نحو المسيح أمر ضرورى لنوال الخلاص0عندما وصل بالسفينة إلى الشاطئ الآخر عند أرض جنِّيسارت ، وهى وادٍ خصب ، عرفه الناس هناك ، ففرحوا جداً وأسرعوا يأتون بمرضاهم ليلمسوا حتى ولو فقط طرف ثيابه ، فشفاهم جميعاً0لأنه إن كان المرض غريباً عن البشرية ، ودخل إليها بعد السقوط والطرد من الجنة ، فالآن ، إذ يأتى المسيح ليحررها من الخطية والموت ، يرفع عنها أيضاً كل ألم ومرض0وثوب المسيح يرمز لكنيسته الملتصقة به ، وهُدب الثوب ، أى آخر مكان فى الكنيسة ، إذا دخل إليه الإنسان يجد شفاءه وخلاصه0
+ إيمانك بالبركة يعطيك نعمة عظيمة ، سواء فى لمس سِتر الهيكل أو أجساد القديسين ، فهو إعلان إيمانك بالمسيح وقديسيه0فليكن هذا فرصة لطرد كل شر عنك لتبدأ بهذه البركة حياة جديدة نشيطة فى محبة الله0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح