كلمة منفعة
قال الكتاب: "لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السماء وقت" (جا3: 1). والعمل الروحي ينبغي أن يعمل في الحين الحسن.
— الوقت المناسب
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 11
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 11
الأصحاح الحادي عشر :
قبول الملك
بعد دعوة التلاميذ والرسل كسفراء للملك المسيّا أوضح الإنجيلي متّى موقف اليهود من كرازته، فقد أرسل يوحنا تلميذين له لكي يدخل بجميعهم إلى التلمذة على يديّ الملك نفسه، وقد قابل السيّد هذا العمل بالشهادة ليوحنا.
1. إرسال يوحنا تلميذين 1-6.
2. شهادة السيّد ليوحنا 7-14.
3. رفض اليهود له 16-24.
4. قبول البسطاء له 25-30.
1. إرسال يوحنا تلميذين
"ولما أكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثنى عشر انصرف من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم" [1].
إذ دعا السيّد تلاميذه للكرازة، مقدّمًا لهم إمكانيّات العمل الروحي، وموضّحًا لهم موضوع إرساليّتهم وحدودها ومنهجها ومصاعبها، تقدّم هو بنفسه "يُعلّم ويكرز" لكي يتقبّلوا روح الكرازة لا خلال الوصايا فحسب وإنما عمليًا خلال حياته وسلوكه وكرازته. هذه هي القيادة الحيّة، إنها ليست مجرّد توجيهات وتوصيات، وإنّما دخول بالتلاميذ إلى التدرّب على الشهادة بممارسة العمل الكرازي ذاته، فيتذوّقه الشخص ويختبره عمليًا.
"أمّا يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه، وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟!" [3]
لقد أدرك القدّيس يوحنا المعمدان أن انتقاله قد اقترب جدًا، وأن رسالته أوشكت أن تنتهي تمامًا، فبعث باثنين من تلاميذه للسيّد يسألاه ليس عن تشكّك في أمره، وإنما ليقدّم لتلميذيه الفرصة أن يلمسا بنفسيهما عمل السيّد المسيح ويتعلقا به، فينجذبا إليه ويجذبا بقيّة إخوتهما تلاميذ يوحنا ليسيروا وراءه. لا يمكن للقدّيس يوحنا أن يشك فيه، هذا الذي شهد له وهو في أحشاء أمه حين دخلت القدّيسة مريم تحمل في أحشائها السيّد المسيح جنينًا، فركض مبتهجًا، وكان هذا هو أول عمل كرازي خفي، فيه شهد الجنين يوحنا لأمه أليصابات عن الكلمة المتجسّد. إنه أول من تقدّم بالفرح مبتهجًا، يخضع ويسجد بالتهليل وهو بعد في الأحشاء. لقد جاء القدّيس يوحنا كسابق للرب إذ قيل عنه: "ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيّئ طريقك قدامك" [10]. فكيف يهيئ الطريق ويشك فيه؟
+ تظاهر عمدًا بالجهل لا ليتعلّم، فقد كان مدركًا أسرار التجسّد، وإنما تجاهل ليحدّث تلاميذه عن تفوُّق السيّد عليه، ويقنعهم بما ورد في الكتاب المقدّس أنه هو الله قد أتى متجسّدًا، وأن جميع الناس خدّام له يمهدون الطريق لقدومه، كقول المرتّل: "مبارك الآتي باسم الرب".
القدّيس كيرلّس الكبير
+ لقد خصص لنفسه تلاميذ ليكونوا شهودًا للمسيح لا لينفصلّوا عنه... وكان هؤلاء يقدِّرون معلّمهم تقديرًا عظيمًا، وقد سمعوا منه شهادته عنه وتعجّبوا. وإذ اقترب موت يوحنا أراد تثبيتهم في الإيمان بالمسيح نفسه... فقال لتلميذين منهم: "اذهبا واسألاه"... لا لأنّني أشك فيه، وإنما لأجل تعليمكما. اذهبا واسألاه، اسمعا منه ما أخبرتكما به عنه، لقد سمعتما منّي أنا الرسول، فلتُثبِّنا ما سمعتماه منّي بواسطة الديان...
أما قول المسيح فكان لأجل تعليمهما أيضًا: "العّمي يبصرون"... كأنه يقول لهما: لقد رأيتماني فلتعرفاني! لقد رأيتما أعمالي، إذن فلتعرفا صانعها... وطوبى لمن لا يعثر فيّ، وهذا أقوله لأجلكم وليس لأجل يوحنا.
القدّيس أغسطينوس
+ كنبي تنبأ خلال حياته بسجنه، فكان رمزًا للناموس الصامت (المسجون).
جاء الناموس ليخبر عن المسيح وغفران الخطايا واعدًا البشريّة بملكوت السماوات، الأمر الذي صنعه يوحنا ليحقّق هدف الناموس. لكن الناموس (في شخص يوحنا) قد صمت، إذ سجنه الأشرار وصار كمن في قيود السجن حتى لا يعرف أحد المسيح...
بعث الناموس (يرمز له بيوحنا) برسله لينظروا أعمال الإنجيل، ويتأمّلوا حقيقة الإيمان خلال نور هذه العجائب. وبهذا فإن الناموس الذي أُحيط بعنف الخطاة يتبرّر بفهم الحرّية التي حرّرنا بها المسيح (غل 4: 31).
بهذا لم يكن يوحنا يقصد معالجة جهل خاص به، إنّما كان يعالج جهل تلاميذه، فقد سبق فأعلن بنفسه أن المسيح يأتي لمغفرة الخطايا. والآن يرسل تلاميذ إلى المسيح لينظروا أعماله، فتثبت تعاليم المسيح لهم فلا يكرزون إلا به، غير متطلّعين إلى مسيح آخر.
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه
+ كان من الطبيعي أن هذا الناموس الذي يتكلّم عن المسيح وقد صار سجينًا في قلوب المؤمنين ووُضع في الحبس أن يفتقر إلى النور، فقد قاسى عذابات خلف قضبان عدم الفهم، لهذا فهو لا يقدر أن يسير إلى النهاية كشاهدٍ للمقاصد الإلهيّة ما لم تسنده بشارة الإنجيل.
القدّيس أمبروسيوس
إن كان القدّيس يوحنا في السجن يحمل سرّيًا تقييد الناموس وكسره فقد أرسل تلميذين له لينعما بالإنجيل القادر أن يدخل بهما إلى ملكوت الله. هنا يسلّم الناموس البشريّة للنعمة الإلهيّة المجّانيّة. أمّا إرساله تلميذين إنّما يُشير إلى جماعة اليهود وجماعة الأمم، إن كان اليهود قد كسروا الناموس المكتوب فإن الأمم كسروا الناموس الطبيعي، وكما يقول الرسول بولس: "قد شكونا أن اليهود واليونانيّين أجمعين تحت الخطيّة" (رو 3: 9)، واحتاج الكل إلى نعمة الإيمان بالمسيح للخلاص.
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن القدّيس يوحنا المعمدان قد أرسل تلميذيه للسيّد المسيح لأن الغيرة كانت قد دبّت في تلاميذه، إذ جاء في إنجيل معلّمنا يوحنا: "جاءوا إلى يوحنا وقالوا له: يا معلّم هوذا الذي كان معك في عبر الأردن الذي أنت شهدت له هو يعمدّ والجميع يأتون إليه" (يو 3: 26). مرّة أخرى يروي لنا إنجيل معلّمنا متّى أن تلاميذ يوحنا جاءوا إلى السيّد قائلين: "لماذا نصوم نحن والفرّيسيّون كثيرًا وأما تلاميذك فلا يصومون؟" (مت 9: 14). وقد أخذ القدّيس كيرلّس الكبير بذات الرأي.
كانت إجابة السيّد المسيح لتلميذيّ يوحنا عمليّة، إذ قال لهما: "اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران، العُمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يُطهَّرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيّ" [4-6].
قدّم السيّد لتلميذيّ يوحنا صورة حيّة خلال السمع والرؤية، فقد سمعا كلمات محبّته الإلهيّة الفائقة نحو البشريّة ورأيا أعماله، وأخيرًا حذّرهما من التعثّر فيه. لأنه إذ يدخل إلى الآلام ويجتاز الصليب يتعثّر فيه من لا يدخل إلى أسراره العميقة. هذا التحذير ليس موجَّهًا للقدّيس يوحنا المعمدان، فقد سبق فأعلن يوحنا بنفسه عن سرّ الصليب بقوله: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم" (يو 1: 29)، فبدعوته "حمل الله" يُعلن الصليب، الذي به يحمل خطيّة العالم. فالحديث إذن موجَّه لتلاميذ يوحنا حتى لا يتعثّروا في صليبه.
ويرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن تلميذيّ يوحنا قد شكّا في قلبيْهما، فكان السيّد يوبّخهما دون جرح لمشاعرهما: لقد أضاف العبارة الأخيرة موبّخا إيّاهما سريًا، إذ كانا قد تعثّرا فيه. لقد رأى في نفسيهما احتجاجهما عليه، ولم يدع أحدًا يشهد ذلك، إنّما تركهما لضميرهما، جاذبًا إيّاهما بالأكثر إليه بقوله: "طوبى لمن لا يعثر فيّ". لقد قال هذا فاضحًا نفسيهما لنفسيهما.
+ ماذا يعني بقوله: "طوبى لمن لا يعثر فيّ؟"... إنه كمن يقول: حقًا إنّني أصنع عجائب لكنّني لن اَستنكف من احتمال الإهانات. فإنّني إذ أسير في طريق الموت ليت الذين يكرمونني بسبب العجائب لا يحتقرونني في الموت!
الأب غريغوريوس (الكبير)
2. شهادة السيّد ليوحنا
"وبينما ذهب هذان، ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا: ماذا خرجتم إلى البرّيّة لتنظروا؟ أقصبة تحرّكها الريح؟" [7]
لم يتحدّث السيّد المسيح عن القدّيس يوحنا المعمدان إلا بعد أن رحل التلميذان، لكي لا يبدو متملقًا للرجل. مدحه السيّد قائلاً: "أقصبة تحرّكها الريح؟!" [7] وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [بالتأكيد لم يكن يوحنا قصبة تحرّكها الريح، لأنه لم يكن محمولاً بكل ريح تعليم.]
+ "لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة، هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك" [8]. فيوحنا كان يرتدي لباسًا خشنًا، إذ كان رداؤه من شعر الإبل.
"لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أنبيًا؟ نعم أقول لكم، وأقضل من نبي" [9]. لماذا كان يوحنا أفضل من نبي؟ لأن الأنبياء تنبّأوا عن مجيء الرب، واشتهوا أن يروه، فلم يستطيعوا، أمّا هو فنال ما طلبوه. لقد رأى الرب وأشار إليه بإصبعه، قائلاً: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيّة العالم" (يو1: 29)... بهذا قدّم يوحنا شهادة صادقة عن المسيح، كما قدّم المسيح شهادة عنه إذ قال: "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه" [11].
إنه الأصغر من جهة الزمن، وإن كان الأعظم في الكرامة... فيوحنا عظيم جدًا بين البشر، الذين ليس فيهم من هو أعظم منه سوى المسيح!
ويقصد بالأصغر في ملكوت السماوات، أي الأصغر بين الملائكة فالأصغر بين السمائيّين أعظم من يوحنا. بهذا يكون قد عرض الرب صورة عن عظمة ملكوت السماوات ليشوّقنا إليه، واضعًا أمام أعيننا مدينة ينبغي أن نشتهي السكنى فيها.
القدّيس أغسطينوس
+ "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه" [11]. المعنى الذي قصده هو أن يوحنا أعظم من كل البشر، إن أردت أن تعرف فهو ملاك (مت 11: 10)، لكن من كان ملاكًا (رسولاً) على الأرض فهو الأقل في ملكوت السماوات، أي أقل من رتبة الملائكة. علاوة على هذا، فمن كان الأصغر في ملكوت السماوات، أي ملاكًا، فهو أعظم ممن هو أعظم من كل البشر على الأرض.
القدّيس جيروم
+ كان يوحنا مثله مثل الآخرين الذين سبقوه تنسب ولادته إلى امرأة، أمّا أولئك الذين قبلوا الإيمان بالمسيح فليسوا أبناء نساء، بل أبناء الله، كقول الإنجيلي الحكيم: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله..." (يو 1: 11-12). لقد أصبحنا أبناء الله العليّ، "مولودين ثانية لا من زرع يفنى، بل ممّا لا يفنى بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد" (1 بط 1: 23). إذن كل من ولد لا من زرع فانٍ بل من كلمة الله الباقية يفوق المولود من امرأة... لاحظوا أنه قبيل قيامة المسيح من الأموات وصعوده إلى السماء لم يوجد بين الناس روح التبنّي ولا دُعي أحد ابنًا لله (يو 7: 39)... إذن لا ينقص المسيح من مكانة الأنبياء... وإنما أراد أن يظهر ما في الحياة الإنجيليّة من سموّ أعظم بكثير من سموّ الحياة الناموسيّة.
القدّيس كيرلّس الكبير
"لكن ماذا خرجتم لتنظروا، أإنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة، هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك" [8].
+ الثياب تعني سرّيًا الجسد الذي تلبسه النفس، فيكون ناعمًا خلال الترف والخلاعة. أمّا "الملوك" فهذا الاسم (هنا) يخصّ الملائكة الساقطين، الذين يسيطرون على الناس كسلاطين للعالم. هؤلاء يلبسون الثياب المترفة ويسكنون بيوت الملوك، بمعنى أن من كانت أجسادهم منحلّة وهالكة خلال الخلاعة، إنّما هم مساكن للشيّاطين، التي تختار هذه المواضع كسكنى لهم تناسب تدابيرهم وأعمالهم الشرّيرة.
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه
+ لم يلبس يوحنا الثياب الناعمة لأنه لم يتغاضَ عن الخطيّة، متملّقًا السالكين فيها، بل بالأحرى وبّخهم بقسوة، بكلمات مرّة، قائلاً: "يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟!" (لو 3: 7)، حيث يقول سليمان أيضًا: "كلام الحكماء كمهاميز (عصا في رأسها حديدة تنخس بها البهائم) وكمسامير منغرزة" (جا 12: 11). كلمات الحكماء تشبه بالمسامير والمهاميز فلا تداهن غباوة الخطاة بل تجرحها.
الأب غريغوريوس (الكبير)
"ماذا خرجتم إلى البرّيّة لتنظروا؟ أقصبة تحرّكها الريح؟" لتُفهم البرّيّة بطريقة سرّيّة أنها الموضع المحروم من الروح القدس، الذي لا يكون فيه أي مسكن لله، وتؤخذ القصبة بمعنى الإنسان الذي امتصّه مجد العالم تمامًا وفرّغ حياته، فلا يوجد في داخله ثمر الحق، إنّما يحمل مظهر الفرح من الخارج دون الداخل. إنه يستجيب لكل ريح، أي لاقتراحات الأرواح النجسة، فلا يقدر أن يقف ثابتًا.
هل ذهبتم لتنظروا إنسانًا فارغًا من معرفة الله، يستجيب لنسمات كل روح دنس؟ فإذ كان يحدّثهم بروح من يزكي القديس بوحنا وليس من يوبّخ، راغبًا في تأكيد أنهم لا يروا في يوحنا شيئًا فارغًا أو متقلّبًا.
+ ماذا يقصد بالقصبة إلا النفس البشريّة المُحبّة للعالم؟ هذه التي إن لمسها أي مديح أو ذمّ تنحرف في الحال عن الطريق الذي تريده. فإن وُجد ريح مديح يصدر عن فم بشري يلاطفها فإنها تفرح وترتفع ثم تنحني في شعور بالجميل. وإذ تهبّ ريح ذمّ من نفس المصدر الذي قدّم نسمات المديح تنحني للمرة الأخرى من الجانب الآخر وتخنع لقوة العاصفة. أمّا يوحنا فلم يكن بالقصبة التي تحرّكها الريح، فلا يتملّقه المديح، ولا يغضبه الذمّ؛ لا يرفعه النجاح ولا تطرحه المحنة. لم يكن يوحنا بالقصبة التي تحرّكها الريح، إنّما كان إنسانًا لا يتأثّر بالظروف لينحرف عن طريقه... ليتنا نحتفظ بنفس ثابتة بين رياح ألسنة الناس المتغيّرة فلا الذم يثيرنا للغضب ولا النجاح يحرّكنا لمنح عطايا ضارة.
القدّيس غريغوريوس (الكبير)
"ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السماوات يُغصب والغاصبون يختطفونه" [12].
جاء يوحنا المعمدان كسابق للسيّد المسيح فانفتح طريق الملكوت، ليستطيع كل مؤمن أن يسرقه، مختطفًا إيّاه بالجهاد الحيّ. حقًا أن الملكوت هو عطيّة الله المجّانيّة، لكنها لا تقدّم للمتهاونين المتراخين، إنّما للمجاهدين كمن يسرقها.
يتحدّث القدّيس يوحنا الدرجي عن ضرورة الجهاد والتغصّب، قائلاً: [كل الذين يبدأون النضال الصالح الذي هو صعب وضيق لكن في نفس الوقت سهل، يليق بهم أن يدركوا أنه يجب عليهم أن يقفزوا في النار، إن كانوا يودّون أن تمكث النار السماويّة فيهم فعلاً. ليفحص كل إنسانٍ نفسه، ويأكل خبزه بأعشاب مرّة، ويشرب الكأس بدموع، لئلا تؤدي خدمته إلى دينونة الذات.] كما يقول: [لنركض في طريقنا بحماسٍ كأناسٍ مدعوّين من إلهنا وملكنا، لئلا بسبب قصر عمرنا نوجد في يوم موتنا بلا ثمر ونهلك جوعًا.]
ويتحدّث الأب يوحنا من كرونستادت عن الجهاد والتغصب قائلاً: [من الذي جعل طريق المختارين ضيقًا؟ العالم يضغط على المختارين، والشيطان يضغط عليهم، وكذلك الجسد، هذا هو ما جعل طريقنا لملكوت السماوات ضيقًا.] كما يقول: [إن كنّا لا نجاهد يوميًا لنغلب الشهوات التي تهاجمنا ونقتني ملكوت الله في قلوبنا، فالشهوات تمتلكنا بطغيان شديد وعنف، وتسلب نفوسنا كالصوص.]
ويقدّم لنا الأب يوحنا من كرونستادت مثالاً عن الجهاد في الصلاة، قائلاً: [يقول الناس إن لم تشعر بميل للصلاة فالأفضل لا تصلِِّ. هذه سفسطة مخادعة وجسدانيّة. إن كنت تصلّي فقط عندما تشعر بميل للصلاة، فستتوقّف عن الصلاة تمامًا، وهذا ما يطلبه الجسد. "ملكوت السماوات يغتصب"، فلا تستطيع أن تعمل لخلاصك بدون اغتصاب نفسك.] كما يقول: [لا تتمّم عملك فقط عندما تشتاق إليه، تمّمه على وجه الخصوص عندما لا تشتاق إليه. لتفهم أن هذا ينطبق على كل عمل عادي زمني، كما ينطبق على وجه الخصوص على الأعمال التي تخص خلاص النفس، كالصلاة والقراءة في كلمة الله وكتب التهذيب، والاشتراك في الخدمة الإلهيّة والأعمال الصالحة، والكرازة بكلمة الله وهكذا. لا تطِعْ الجسد الخامل المملوء شرًا، فإنه مستعد للراحة دومًا ليقودنا إلى الهلاك الأبدي خلال الهدوء الوقتي والمتعة الزمنيّة، وقد قيل: "بعرق وجهك تأكل خبزًا" (تك3: 19).]
ويشدّد القدّيس أمبروسيوس على الجهاد المستمر دون تهاون، بقوله: [فقدان ساعة واحدة ليس بالأمر الهيّن، فالساعة هي جزء من حياتنا كلها.]
ربّما يسأل أحد: لماذا يقول السيّد المسيح "ملكوت السماوات يغتصب"؟ يجيب القدّيس جيروم: [انظر، أليس بالحق يُحسب اغتصابًا عندما يرغب الجسد أن يصير إلهًا ويصعد إلى الموضع الذي منه سقطت الملائكة، ويدين ملائكة؟]
ويرى القدّيس أمبروسيوس أن الكنيسة استطاعت بالإيمان أن تغتصب الملكوت من المجمع اليهودي، تمتّعت بالنبوّة لله بينما حُرم منها.
يكمّل السيّد المسيح حديثه قائلاً: "لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبّأوا. وإن أردتم أن تقبلوا، فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع" [13-15].
في الوقت الذي فيه يُعلن السيّد عن يوحنا أنه إيليّا الذي سبق مجيئه مهيّئًا له الطريق، إذ بيوحنا نفسه عندما سُئل إن كان هو إيليّا يجيب: "لست أنا"؛ كيف هذا؟
يقول العلاّمة أوريجينوس: [إنه يوحنا وليس هو إيليّا في نفس الوقت، ليس شخصه، إذ لا يعرف عن نفسه أنه مارس حياة شخصيّة سابقة. بهذا يؤكّد القدّيس يوحنا المعمدان رفضه لفكره تناسخ الأرواح، بمعنى إعادة تجسّدها، لكنّه جاء يحمل ذات الفكر والاتّجاه لإيليّا النبي.]
هذا ما أكّده كثير من آباء الكنيسة مثل القدّيس يوحنا الذهبي الفم والقدّيس أغسطينوس وغيرهما.
يقول الأب غريغوريوس (الكبير): [يقول الملاك لزكريّا بخصوص يوحنا: "ويتقدّم أمامه بروح إيليّا وقوّته" (لو 1: 17). كما أن إيليّا يسبق المجيء الثاني، فإن يوحنا يسبق المجيء الأول. وكما أن إيليّا هو السابق للديّان القادم، هكذا يوحنا هو السابق للمخلّص الآن. إذن فيوحنا هو إيليّا في الروح، وليس في شخصه.]
هكذا يقول السيّد: "من له أذنان للسمع فليسمع" أي من كانت له الأذنان الداخليّتان القادرتان على سماع الأمور الروحيّة وإدراكها، يمكنه أن يسمع ويدرك أن إيليّا قد جاء يسبق المسيّا المخلّص، الذي تنبأ عنه جميع الأنبياء ومهّد له الناموس خلال الرموز والظلال.
هاتان الأذنان هما عطيّة إلهيّة، وكما يقول القدّيس جيروم: [يقول إشعياء: "أعطاني الرب أذنًا" (راجع إش 50: 5)، فإذ لم يكن لي أذن للقلب وهبَني أذنًا اسمع بها رسالة الله.]
3. رفض اليهود له
إذ كان السيّد يتحدّث عن شخص القدّيس يوحنا المعمدان ويشهد له بكونه السابق الذي أعدّ له الطريق، أوضح أن البعض رفضه كما رفضوا الملك السماوي نفسه، مقدّمين تبريرات وتعليلات خاطئة لرفضهم.
"وبمن أشبِّه هذا الجيل؟ يشبه أولادًا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم. ويقولون: زمّرنا لكم فلم ترقصوا، نُحنا لكم فلم تلطموا. لأنه جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فيقولون فيه شيطان. جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون هوذا إنسان أكّول وشَرّيب خمر، محب للعشّارين والخطاة، والحكمة تبرّرت من بنيها" [16-19].
لقد رفضه الكتبة والفرّيسيّون والصدّوقيّون، ومن تتلمذوا على أيديهم، وحملوا روحهم المتكبّر، فلم يقدروا أن ينطلقوا من الذات ego ليتقبّلوا كلمة الحق ويُدركوا الحكمة. أرسل الله لهم من ينوح كيوحنا المعمدان الثائر على الخطيّة، فلم يلطموا كخطاة بالتوبة بل ثاروا ضدّه. وهوذا يأتيهم السيّد نفسه يزمِّر لهم بمزمار الحب المترفِّق، فلا يرقصون رقصات الروح المتهلّل. جاءهم النبي زاهدًا حتى في ضروريّات الحياة، من أكلٍ وشربٍ وملبسٍ لكي يسحبهم من الحياة المترفة المدلّلة، فاتهموه أن به شيطان، وجاءهم ابن الله المتجسّد حالاً في وسطهم، يشاركهم حياتهم البشريّة، لكي يجتذبهم إليه بالحب كصديقٍ لهم فإذا بهم يزدرون بسلوكه كمحب للخطاة والعشّارين.
حينما تفسد بصيرة الإنسان الداخليّة يستطيع أن يجد لنفسه كل المبرّرات لرفض العمل الإلهي، فلا يحتمل حب الله وحنانه، ولا يتقبّل تأديباته؛ لا تجتذبه الكلمات الإلهيّة الرقيقة كما لا تردعه التهديدات.
لقد جاء العهد القديم مشحونًا بالترنيمات المستمرّة ليبهج قلب العروس بعريسها، فلم يدرك اليهود هذه التسابيح المفرحة بل أغلقت الباب في وجه عريسها، وجاء الأنبياء أيضًا بمراثي كثيرة لعلّها تليّن قلبهم الحجري، لكنهم لم يرتعبوا. لم يقبلوا السيّد المسيح عريسًا يفرح قلبهم ويبهجه، ولا فاديًا خلّصهم من العقاب الأبدي!
بعدما قدّم السيّد تعاليمه وقوّاته مؤكّدًا حبّه لهم صار يوبّخهم على عدم توبتهم قائلاً: "ويل لكِ يا كورزين، ويل لكِ يا بيت صيدا، لأنه لو صُنعت في صور وصيدا القوّات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا في المسوح والرماد" [21]. ليس شيء يُحزن قلب الله مثل قسوة قلب أولاده، هؤلاء الذين قُدّمت لهم نعم إلهيّة كثيرة ولم تتحرّك قلوبهم، بينما لو قُدّمت هذه العطايا للغرباء ربّما يسرعون بالتوبة والرجوع إلى الله. لهذا يؤكّد السيّد أن كثيرين يأتون من المشارق والمغارب إلى ملكوت الله وينعمون بحضن إبراهيم، بينما يُحرم بنو الملكوت منه!
مرة أخرى يؤكّد السيّد أن الغرباء وإن طردوا من الملكوت، لكن مرارتهم تكون أقل من مرارة أبناء الملكوت المطرودين منه، إذ يقول: "ولكن أقول لكم أن صور وصيدا تكون لهما حالة أكثر احتمالاً يوم الدين ممّا لك" [22]. فإن الذي يعرف كثيرًا ويخطئ يُضرب أكثر!
4. قبول البسطاء له
الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم حكماء رفضوه، بينما قبله البسطاء، فأعلن لهم أسراره الإلهيّة، مقدّمًا تسبحة فرح وتهليل لأبيه من أجلهم:
"في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال: أحمدك (اعترف لك) أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال" [25].
حقًا إن الله يشتهي أن يقدّم أسراره للبشريّة بلا محاباة، ولا يمنع أحدًا من معرفته، لكن الذين يظنّون في أنفسهم أنهم حكماء وفهماء كالفرّيسيّين المتعجرفين أو الغنوسيّين الذين نادوا أنهم أصحاب معرفة gnosis عقليّة قادرة على خلاصهم، هؤلاء يتثقّلون بالأنا فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهيّة الحقّة، أمّا من يقبل المسيّا الملك في بساطة قلب ويحمل صليبه في تواضعٍ، يكون كطفل قد ارتمى في حضن أبيه، فيدخل به السيّد إلى معرفته، إذ يقول السيّد المسيح: "نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرّة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له" [26-27].
+ "اعترف لك (أحمدك) أيها الآب..." [25]. تبصَّروا الآن إن كان المسيح البعيد عن كل الخطايا يقول: "اعترف"، فإن الاعتراف لا يخصّ الخطاة فحسب بل يخصّ أحيانًا الذين يسبّحون الله أيضًا. لذلك فإنّنا نعترف بتسبيحنا لله أو باستذناب أنفسنا. وكِلا الأمرين هو اعتراف حسن، سواء في لوْمكم أنفسكم يا من لستم بلا خطيّة، أو في تسبيحكم الله الذي بلا خطيّة.
+ استمع إلى اعتراف الرب! "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض". هذا الاعتراف كما سبق أن قلت يعني "الحمد". لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال". ما هذا يا إخوتي؟ لتفهموا (ماذا يقصد بالحكماء والفهماء) ممّا جاء بعكسهم (الأطفال)، إذ لم يقل أعلنتها للأغبياء والجهلاء، بل "أعلنتها للأطفال"... أخفاها عن هؤلاء الحكماء، الذين هم بالحق مثار سخرية ومتكبّرون، الذين يتظاهرون باطلاً أنهم عظماء، ولكنهم بالحق ليسوا إلا متكبّرين... من هم الأطفال؟ إنهم المتّواضعون... بقوله "أعلنتها للأطفال" أوضح أنه يقصد "الكبرياء" تحت اسم الحكمة والفهم...
"بينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 22). هنا تجد علاجًا تعرفه من الضدّ. فإذ تزْعم أنك حكيم تصير جاهلاً! فلتعترف في نفسك أنك بذاتك جاهل فتصير حكيمًا، ولكن لتشهد بذلك بالحق. اعترف بهذا في القلب، لأن هذه هي الحقيقة. فإن شهدت بذلك لا تشهد به أمام الناس دون أن تعترف به أمام الله، معلنًا أن كل ما يخصّك بكلّيتك مظلم... لتعترف أنك لست نورًا لنفسك بل بالحقيقة أنك عين لا نور، وما فائدة العين حتى المفتوحة والسليمة دون وجود نور؟ لتعترف أنك لست نورًا لنفسك، ولتصرخ كما هو مكتوب: "لأنك أنت تضيء سراجي. الرب إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 28). لأني كنت بكلّيتي ظلمة ولكنك أنت هو النور الذي يبدّد ظلمتي وينير لي. أنا لست نورًا لنفسي، ليس لي نصيب في النور إلاّ بك!
+ "اعترف لك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء". أخفيتها عن هؤلاء الذين ظنّوا في أنفسهم أنهم نور مع أنهم ظلمة... فلم يستطيعوا أن يستضيئوا. وأما الذين هم ظلمة واعترفوا بذلك، فقد كانوا أطفالاً صغارًا وليسوا بعظماء، كانوا متواضعين وليسوا متكبّرين. لقد حقّ لهم أن يقولوا: "أنت تضيء سراجي". إنهم يعرفون أنفسهم ويمدحون الله فلم يضلّوا عن طريق الخلاص.
القدّيس أغسطينوس
حقًا إنه لم يمنع أحدًا عن معرفته، لكن الطريق إليه بالنسبة لنا كرب والباب ضيق، لا يقدر أحد أن يدخله سوى البسطاء المتواضعون. ما هو الطريق إلا شخص المسيح نفسه، الذي يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة"، يحملنا فيه بكوننا نحمل سماته من بساطة وتواضع وحب الخ. كأعضاء في جسده المقدّس، ليدخل بنا إلى حضن أبيه ونتعرّف على أسراره، فيفرح بنا الآب. لهذا يكمّل السيّد حديثه، قائلاً: "نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك. كل شيء قد دُفع إليّ من أبي، وليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يُعلن له. تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم، وتعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري هيّن وحملي خفيف" [26-30].
لقد أوضح السيّد في حديثه الآتي:
أ. الابن هو الطريق لمعرفة الآب.
ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة.
ج. يدعونا الابن لحمل نيره خلال سمتيّ الوداعة وتواضع القلب.
د. نيره الذي نحمله حلو، وحمله خفيف.
أ. الابن هو طريق معرفة الآب
لا يستطيع أحد أن يدرك من هو الآب في جوهره إلا الابن الوحيد الجنس، الواحد معه في الجوهر، ولا يقدر أحد أن يدرك من هو الابن غير الآب وحده. ولما كانت مشيئة الله أن نتعرّف عليه فنحبّه ونقبل الاتّحاد معه، لهذا جاءنا الابن يحمل طبيعتنا لكي يدخل بنا إلى المعرفة الإلهيّة، حملنا فيه حتى نقدر أن نُعاين ما لا يُرى وندرك ما لا يُدرك. ليس طريق آخر به تقدر النفس أن تتعرَّف على إلهها إلا باتّحادها بالابن الوحيد. يخاطب القدّيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول أنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك.]
في دراستنا لسّر الإفخارستيا، أدركنا أن ذبيحة المسيح تحملنا إلى الثبوت في المسيح يسوع الذبيح بكونه رأسنا، خلالها نتعرّف على الآب الذي يعرفه الابن. وقد ركَّزت الليتورجيّات الأولى على تأكيد سرّ الإفخارستيا كسرّ معرفة الله خلال ابنه. ففي قداس الأسقف سرابيون يُقال: لتتبارك نفوسهم بالفهم والمعرفة والأسرار لكي يشتركوا فيها، ليتبارك الكل معًا خلال الابن الوحيد يسوع المسيح.]
ب. يدعو الابن المتعبين للدخول إلى راحة المعرفة الحقيقيّة
ينادي السيّد جميع المتعبين، قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" [28].
ليس عجيبًا أن يدعو السيّد المتعبين جميعًا لنوال الراحة فيه بعد أن أعلن أنه وحده العارف للآب وواهب المعرفة. ففيه نكتشف محبّة الآب الفائقة ونتعرّف على حنوّه نحونا، إذ يقول الرسول بولس: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟! من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرّر! من الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات بل بالأحرى قام أيضًا الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا!" (رو 8: 32-35). ففي المسيح يسوع عرفنا الآب كمحب البشر لم يبخل علينا بشيء بل قدّم ابنه فِدية عنّا. فماذا نطلب بعد؟! وفي المسيح رأيناه الديّان الشفيع في نفس الوقت. فممن نخاف؟! هذا هو سرّ راحة الجميع!
يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة السيّد المسيح للمتعبين من أجل راحتهم قائلاً: [إذ يحمل الرب نحونا حنانًا يدعونا إليه ولا يرهبنا. جاء في وداعة، أتى في تواضع... إنه يلاطفنا ولا يطردنا أو يلقينا خارجًا. هكذا اختار أيضًا تلاميذ مناسبين يفسِّرون إرادة الرب إذ يجمعون شعب الله (بالحب) ولا يشتّتونه (بالقسوة).]
يناجي القدّيس يوحنا سابا ربنا يسوع كسرّ راحته، قائلاً: [طوبى للحامل في قلبه ذِكرك في كل وقت، لأن نفسه تسكر دائمًا بحلاوتك!... طوبى لذاك الذي يطلبك في داخله كل ساعة، منه تجري له الحياة ليتنعّم!...] كما يقول: [إن كنت تحزن في طلبه فستبتهج بوجوده! إن كنت تتألّم لكي تنظره بالدموع والضيق، فإنه يظهر لك حسنة (جماله) داخلك فتنسى أحزانك.]
ج. يدعونا الابن لحمل سمتيّ الوداعة وتواضع القلب
لا نستطيع أن ندخل طريق المعرفة الحقيقيّة إلا بالمسيح يسوع نفسه الوديع المتواضع القلب، نحمله فينا فنحمل سماته ونتأهّل لإدراك الأسرار الإلهيّة:
+ "احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني" [29]، لا في خلقه العالم، ولا في خلقه الأمور المنظورة وغير المنظورة، ولا في صنع المعجزات وإقامة الموتى في العالم الذي خلقه هكذا، وإنما "لأني وديع ومتواضع القلب".
أتريد أن تكون عظيمًا؟ ابتدئ من الآخر!
أتريد أن تقيم بناءً غالبًا قويًا؟ فكِّر أولاً في أساس التواضع!...
ما هي قمّة تشييد هذا البناء الذي نؤسّسه؟ إلى أين تبلغ قمّة هذا البناء العالي؟ أقول حالاً إلى رؤية الله! ألا ترى كم هو عظيم أن تُعاين الله؟! إن من ارتفع إلى هذا الأمر يقدر أن يفهم ما أقوله وما يسمعه!... وإذ القمّة مرتفعة فكّر في الأساس. أي أساس؟ ماذا تقول؟ تعلّموا منه لأنه وديع ومتواضع القلب. لتحفر فيك أساس التواضع هذا عميقًا، فتحصل على قمّة المحبّة!
القدّيس أغسطينوس
د. النير العذب
إذ يدخل البسطاء باب المعرفة الحقيقيّة خلال اتّحادهم بالسيّد المسيح نفسه. يحملونه فيهم، فيجدون نيره هيّن وحمله خفيف، فتستريح نفوسهم في داخله. حقًا لقد دعانا لحمل الصليب والإماتة معه كل، لكن مادام الصليب خاص به والموت هو شركة معه تتحوّل الآلام إلى عذوبة والموت إلى حياة والصلب إلى قيامة، بهذا يصير النير هيّنًا، لأنه نير المسيح، والحمل خفيفًا لأنه حمله هو.
+ إن كنت لا تصدّق أقوالنا اسمع من رأوا ملامح الشهداء وقت صراعاتهم، عندما كانوا يُجلدون ويُسلخون، إذ كانوا في فرحٍ زائد وسرور. حينما كانوا يُقصون على حديد محمّى بالنار يتهلّلون وتبتهج قلوبهم كمن هم ملقون على سرير من الورود. لهذا يقول بولس وهو يرحل خاتمًا حياته بموت عنيف: "أُسرّ وأفرح معكم أجمعين، وبهذا عينه كونوا أنتم مسرورين أيضًا وافرحوا معي" (في2: 17-18). انظروا بأي لغة قويّة يدعو العالم كلّه ليشترك معه في بهجته؟
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ "احمل نيري عليك، لأن نيري طيّب وحملي خفيف". حين أقول بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني، فهل تجد وصيّتي هذه قاسية وصعبة؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني معين لك. المحبّة تخفّف من قسوة الوصيّة!
القدّيس أغسطينوس
+ أي شيء يكون ثقيلاً وصعبًا على من احتضن بكل قلبه نير المسيح، متأسّسًا على التواضع الحقيقي، مثبِّتًا أنظاره على آلام الرب على الدوام، فرحًا بكل ما يصيبه، قائلاً: "لذلك أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي" (2 كو 12: 10)... كيف تصير حلاوة نير المسيح العجيبة مرّة؟ إلا بسبب مرارة شرّنا! كيف يصير الحمل الإلهي الخفيف للغاية ثقيلاً؟ إلا لأنه في وقاحتنا العنيدة نستهين بالرب الذي به نحمل حمله!، خاصة وأن الكتاب المقدّس بنفسه يشهد بذلك بوضوح، قائلاً: "الشرّير تأخذه آثامه وبحبال خطيّته يُمسك" (أم 5: 22)؟أقول أنه من الواضح أننا نحن الذين نجعل من طرق الرب السهلة السليمة طرقًا متعبة، وذلك بسبب حجارة شهواتنا الرديئة الثقيلة، إذ بغباوة نجعل الطريق الملوكي محجرًا، وبترك الطريق الذي وطأته أقدام كل القدّيسين بل وسار فيه الرب نفسه، باحثين عن طريق ليس فيه آثار لمن سبقونا، طالبين أماكن مملوءة أشواكًا، فتعمينا إغراءات المباهج الحاضرة، وبتمزّق ثوب العرس بالأشواك في الظلام... وقد تغطى الطريق بقضبان الخطايا، حتى أننا ليس فقط نتمزّق بأشواك العوسج الحادة، وإنما ننطرح بلدغات الحيّات المميّتة والأفاعي المتوارية هناك، "لأنه شوك وفخوخ في طريق الملتوي" (أم 22: 5).
الأب إبراهيم
+ نسمع الرسول وهو تحت هذا النير الهيّن والحمل الخفيف يقول: "بل في كل شيء نُظهر أنفسنا كخُدّام الله في صبرٍ كثيرٍ في شدائدٍ في ضروراتٍ في ضيقاتٍ في ضرباتٍ الخ..." (2 كو 6: 4). وقي موضع آخر من نفس الرسالة يقول: "من اليهود خمس مرّات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرّات ضُربت بالعصى، مرّة رجمت، ثلاث مرّات انكسرت في السفينة ليلاً ونهارًا قضيت في العمق" (2 كو 11: 24، 25) الخ، وبقيّة المخاطر التي حقًا يمكن إحصاءها، ولكن لا يمكن احتمالها إلا بمعونة الروح القدس. لقد كان يعاني على الدوام وبكثرة من كل هذه التجارب الثقيلة والخطيرة التي أشرّنا إليها، ولكن في نفس الوقت كان الروح القدس يعمل فيه لإبطال الإنسان الخارجي وتجديد إنسانه الداخلي دومًا فيومًا. فبتذوّقه الراحة الروحيّة في مباهج الرب الغزيرة تهون المتاعب الحاضرة، على رجاء البركة المستقبلة وتخِفّ التجارب الثقيلة. هوذا ما أحلى نير المسيح الذي حمله! وما أخف ذلك الحمل!...
+ كم يسهل احتمال الضيقات الزمنيّة من أجل تجنُّب العقاب الأبدي وإدراك الراحة الأبديّة. لم يقل الإناء المختار اعتباطًا بفرح زائد: "فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستُعلن فينا" (رو 8: 18). انظر كيف أن ذلك "النير الهيّن والحمل الخفيف"، إن كان عسيرًا على القليلين الذين اختاروه لكنّه سهل للذين يحبّونه.
القدّيس أغسطينوس
+ كل شيء يقلقنا ويفسد القلب في أساسه ويضغط علينا هو من الشيطان، الذي هو نفسه الاضطراب والضيق الأبدي، أمّا الرب فهو سلام القلب وراحته.
الأب يوحنا من كرونستادت
يمكننا في إيجاز أن نقول أن البسطاء يقبلون الملك المسيّا ويحملون صليبه كنيرٍ عذبٍ، سرّ عذوبته أنهم فيما هم يحملونه يكتشفون ملكهم الحامل للصليب معهم وعنهم وفيهم أيضًا.
مرحِّبًا بالنير إن كان هو نير المسيح، فإنّنا لن نقدر أن نلتقي بمسيحنا خارجًا عن نيره، ولا أن نتعرّف على أبيه بدون صليبه!
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الحادى عشر
الآيات (متى 1-6):- + (لو18:7-23):-
(متى 1-6):-
ولما اكمل يسوع أمره لتلاميذه الاثني عشر انصرف من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم. أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه. وقال له أنت هو الآتي أم ننتظر آخر. فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا واخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر في.
(لو18:7-23):-
فاخبر يوحنا تلاميذه بهذا كله. فدعا يوحنا اثنين من تلاميذه وأرسل إلى يسوع قائلا أنت هو الآتي أم ننتظر آخر. فلما جاء إليه الرجلان قالا يوحنا المعمدان قد أرسلنا إليك قائلا أنت هو الآتي أم ننتظر أخر. وفي تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة ووهب البصر لعميان كثيرين. فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا واخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما أن العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون.
فلما سمع فى السجن = راجع (مت 3:14-12)
ويوحنا المعمدان أدرك أنه سوف يستشهد، فأرسل تلاميذه للسيد المسيح ليلمسوا بأنفسهم من هو المسيح، هو أراد تحويل تلاميذه حتى لا يقاوموا المسيح فيما بعد بل يتتلمذوا له. وسؤال يوحنا أنت هو الآتى (أى المسيح المنتظر) أم ننتظر آخر. كان هذا السؤال ليس عن شك فى المسيح، فمن عرف المسيح وهوفى بطن أمه (لو 44:1) ورأى حمامة تحل عليه يوم عماده (يو 29:1-34). فمن شهد للمسيح كل هذه الشهادات أيعود ويشك فيه! قطعاً لا. ولكن كان السؤال لأجل أن يؤمن تلاميذه بالمسيح. خصوصاً أن الغيرة كانت قد بدأت فى قلوب تلاميذ المعمدان من نجاح خدمة المسيح (يو 26:3). خصوصاً أنه واضح من (يو 35:1-37) أن المعمدان كان يشهد لتلاميذه عن المسيح ليتبعوه كما تبعه هنا يوحنا وأندراوس.
وحين سأل تلاميذ المعمدان السيد المسيح أجابهم بأن العمى يبصرون والصم يسمعون … وكأنه يقول لهم لقد تحققت النبوات فىَّ (اش 5:35 +1:61). والسيد حذر التلميذان من أن يستمر شكهم فيه بعد أن سمعوا ما سمعوه ورأوا مارأوه= طوبى لمن لا يعثر فىّ وربما كان قصد السيد المسيح لاتشكا فىّ بالذات إذا رأيتمونى معلقاً على عود الصليب، أو معرضاً لإهانات اليهود. ويعثر فىَّ تعنى عدم الإيمان بى.المساكين= ليس فقط الفقراء والضعاف بل المساكين بالروح أى المتضعين.
الآيات (متى 7-11) - (لو24:7-28)
وبينما ذهب هذان أبتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا اقصبة تحركها الريح. لكن ماذا خرجتم لتنظروا اانسانا لابسا ثيابا ناعمة هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك. لكن ماذا خرجتم لتنظروا أنبيا نعم أقول لكم وافضل من نبي. فان هذا هو الذي كتب عنه ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء اعظم من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت السماوات اعظم منه.
(لو24:7-28):-
فلما مضى رسولا يوحنا أبتدأ يقول للجموع عن يوحنا ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا اقصبة تحركها الريح. بل ماذا خرجتم لتنظروا اانسانا لابسا ثيابا ناعمة هوذا الذين في اللباس الفاخر والتنعم هم في قصور الملوك. بل ماذا خرجتم لتنظروا أنبيا نعم أقول لكم وافضل من نبي. هذا هو الذي كتب عنه ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. لأني أقول لكم انه بين المولودين من النساء ليس نبي اعظم من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت الله اعظم منه.
حتى لا يظن أحد أن يوحنا المعمدان يشك فى المسيح، فلقد شهد له هنا السيد المسيح. وكانت شهادة المسيح عن المعمدان بعد أن مضى تلاميذه حتى لا يكون كلام المسيح عنه تملقاً له أو لهما. عموماً كان قول المسيح أنه ليس بقصبة تحركها الريح= يعنى أن يوحنا لن يتأثر بالمديح كما أنه لا يتأثر بالذم. فلقد تعرض يوحنا لكثير من المديح من الناس ولكثير من الألم من هيرودس ولكن لم يتزعزع لا من هذا ولا من ذاك. وأيضاً لأنه ليس قصبة تحركها الريح فهو لم يستجيب لحروب الأرواح النجسة ولا لأى تعليم غريب، بل ظل على طهارته شاهداً للحق لا يتزعزع عنه يحيا حياة خشنة، ويرتدى لباساً خشناً، إذ كان رداؤه من شعر الإبل. والقصبة فارغة أما يوحنا فمملوء من الروح لذلك لم يهتز من أفكار العالم الشريرة.
وأفضل منى نبى= فلا يوجد نبى تنبأ آخر عن مجيئه. الوحيد الذى جاءت عنه نبوات من أنبياء العهد القديم (غير المسيح طبعاً ) هو يوحنا المعمدان (ملا 1:3 + أش 3:40). وتنبأ ملاك بولادته (لو 13:1) وإمتلأ بالروح من بطن أمه (لو 15:1 + لو 44:1). وكل الأنبياء تنبأوا عن المسيح، أما يوحنا فأعد له الطريق مباشرة. كل الأنبياء أشتهوا أن يروا المسيح ولم يروه، أما يوحنا فرآه.
لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان= هو الأعظم لأنه إستحق ان يعمد المسيح. وهو شهد للحق حتى الموت. وحينما أتى له تلاميذه ليثيروه ضد نجاح عمل المسيح وذيوع شهرته بينما أن المعمدان هو الذى عمده، قال قولاً عظيماً " ينبغى أن هذا يزيد وإنى أنا أنقص " (يو 30:3). وكل الأنبياء تنبأوا عن المسيح ولم يروه، أماّ يوحنا فرآه وعمّده وشهد لهّ، وهو وحده أدرك سر الثلاثة الأقانيم يوم المعمودية. وأضف لهذا ما قيل فى تفسير أنه أفضل من نبى، وأنه عاش ناسكاً زاهداً مثل إيليا. وكما لم يهاب إيليا آخاب وإيزابل، لم يهاب يوحنا المعمدان هيرودس وهيروديا.
هأنذا أرسل أمام وجهك= هى نبوة ملاخى عن المعمدان (ملا 1:3) ولكن لاحظ قول ملاخى فيهيىء الطريق أمامى= والمتكلم هنا هو بهوة وقول متى يهيىء طريقك قدامك= وهذه عن السيد المسيح. فبمقارنة الآيتين نسنتج بسهولة أن المسيح يسوع هو يهوة نفسه.
ولكن الأصغر فى ملكوت السموات أعظم من يوحنا المعمدان= ملكوت السموات يبدأ هنا على الأرض بالمعمودية ندخله وبالتوبة نثبت فيه، فهو موت مع المسيح وقيامه معهُ. وبالمعمودية نصير أولاداً لله، وليس أولاداً للرجال أو للنساء (يو 12:1،13). أماّ يوحنا مثله مثل من سبقوه تنسب ولادته لإمرأة. لذلك قال المسيح عنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا.. أما الأصغر فى ملكوت السموات أعظم منه= يعنى أن المولود من الله بالمعمودية، ويحية حياة التوبة، فى إتضاع = الأصغر ( فالاصغر تشير للإتضاع ) هو أعظم من المعمدان. فيوحنا كان له كل بر الناموس. ولكن أولاد الله بالمعمودية خصوصاً المتضعين، قد تبرروا بدم المسيح وهم ثابتين فى المسيح، هؤلاء أعظم من أى شخص كان له بر الناموس. والمسيح هنا لا ينقص من مكانة الأنبياء، وإنما أراد أن يظهر ما فى الحياة الإنجيلية من سمو أعظم بكثير من سمو الحياة الناموسية. فخلال الناموس مهما جاهد الإنسان يبقى من مواليد النساء، أما عطية الله فى العهد الجديد فترفعنا فوق اللحم والدم لننال البنوة لله. وهناك رأى للقديس يوحنا فم الذهب أن الأصغر فى ملكوت السموات هو المسيح نفسه لأنه أصغر من المعمدان سناً.
ما سبق كان عن يوحنا المعمدان وهو على الأرض. ولكن بعد أن فتح السيد المسيح الفردوس للبشر، ودخل أباء وأبرار العهد القديم ودخل معهم أبرار العهد الجديد كان هناك كلاماً آخر، فالكنيسة المقدسة تضع ترتيب السمائيين هكذا مريم العذراء أولاً ثم الملائكة ثم يوحنا المعمدان ثم الشهداء ثم القديسين والأبرار. أى أن يوحنا المعمدان تضعه الكنيسة على رأس كل المؤمنين فى السماء من البشر ما عدا القديسة العذراء مريم التى حملت الله إلهنا فى بطنها.
مت(12:11،13) + (لو 16:16):-
(مت12:11،13):-
ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السماوات يغصب والغاصبون يختطفونه. لان جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا.
(لو 16:16):-
كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله وكل واحد يغتصب نفسه إليه.
هنا نرى سبباً آخر لعظمة يوحنا المعمدان، إذ بتعليمه ومناداته بالتوبة جعل الكثيرين يجاهدون ويتوبون فيغتصبون ملكوت السموات فمنذ ظهور يوحنا المعمدان منادياً بدعوة التوبة واليهود يتزاحمون عليه ويقدمون توبة فى جهاد وتغصب، وإعتمدوا على يديه وغيروا سيرتهم ونبذوا خطيتهم فبهذا هم يغتصبون ملكوت السموات.
كان يوحنا المعمدان نهاية للعهد القديم، وبه يبدأ العهد الجديد، به إنتهت رسالة الأنبياء، ومن يوم إبتدأ خدمته فى تعميد التائبين بدأت خدمة ملكوت السموات، لأن هؤلاء التائبين صاروا مستعدين لقبول المسيح، بل مستعدين أيضاً لمعرفته. فالتوبة تنقى القلب، والقلب النقى يعاين الله أى يعرف المسيح ومن يقبل المسيح مجاهداً غاصباً نفسه على ترك الخطية، أيضاً غاصباً نفسه على الإلتصاق بالله يكون له ملكوت السموات. فملكوت السموات هو عطية الله المجانية لكنها لا تقدم للمتهاونين المتراخين.
المعمدان بواسطة إعداد القلوب بالتوبة والعودة إلى الله جعل إشتياق الناس يهتاج لدخول ملكوت المسيا الذى أعلن عنه، وهذا صاحبه جهاد وعبادة وتقوى وتغصب.
ما هو الجهاد؟ نسمع بولس الرسول يقول جاهدت الجهاد الحسن.. فما هو هذا الجهاد. الجهاد يبدأ بالتغصب. فالخاطىء يميل لعدم ترك الخطية وعليه أن يغصب نفسه فلا يذهب لأماكن الخطية، من له عين تشتهى. عليه أن يجاهد بأن يغصب نفسه وذلك بأن يضع عينه فى التراب. وهذا هو الجهاد السلبى ولكن هناك أيضاً الجهاد الإيجابى فالجسد متكاسل محب لإرضاء لَذّاتهُ. ومن يريد أن يجاهد يغصب نفسه على الوقوف والجهاد فى الصلاة، والإمتناع عن الأكل اللذيذ والصوم فترات طويلة. ومن يجاهد غاصباً نفسه تنسكب عليه النعمة فيجد لذة فى صلبه لأهوائه. وشهواته، ويجد لذة فى صلواته وفى أصوامه وميطانياته. وبهذا يغتصب ملكوت السموات. وإن كنا لا نغصب أنفسنا ستملك علينا الخطايا والشهوات وتسود علينا فنخرج من ملكوت السموات.
لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا.... = الناموس والأنبياء كانا يتنبآن عن المسيح ومجيئه، وكانا يكلمان اليهود عن الطقوس والفرائض القديمة.
أماّ يوحنا المعمدان فقد بدأ فعلاً الإستعداد لنشر هذا الملكوت السماوى فى العالم. لقد إنتهى عصر طقوس الناموس التى كانت تشير للمسيح فالمسيح نفسه أتى، وها هى النبوات قد تحققت، وبدأ تأسيس ملكوت الله. كان هذا بدءاً من يوحنا المعمدان وحتى الآن. والطريق لدخول هذا الملكوت هو نعمة الله، ولكننا لا نأخذ ولا نحصل على هذه النعمة ما لم نغصب أنفسنا ونجاهد.
مت(14:11،15):-
وأن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع.
إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتى:-
لنفهم هذه الآية نرجع إلى نبوة ملاخى وسنجد نبوتين :
1. هاأنذا أرسل ملاكى فيهىء الطريق أمامى ويأتى بغتة إلى هيكله السيد الذى تطلبونه وملاك العهد الذى تسرون به ( ملا 1:3).
2. هاأنذا أرسلُ إليكم إيليا النبى قبل مجىء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف فيرد قلب الأباء على الأبناء (ملا 5:4،6) وواضح أن الآية الأولى هى عن مجئ يوحنا المعمدان كسابق للمسيح، أى قبل مجىء المسيح الأول فى تجسده. والآية الثانية تشير لمجىء إيليا النبى قبل المجىء الثانى للمسيح( مجىء إيليا هذا نجده فى رؤ 3:11-12) ولكن بالنسبة لليهود فهم ما كانوا يدرون أن هناك مجىء أول ومجىء ثانٍ للمسيح فخلطوا بين النبوتين، وفهموا أن الملاك الذى يهيىء الطريق أمام المسيا والمذكور فى (ملا 1:3) هو نفسه إيليا المذكور فى (ملا 5:4) لذلك فحين رأى التلاميذ المسيح فى مجد عظيم على جبل التجلى آمنوا أنه المسيا المنتظر لكنهم تشككوا بسبب هذا المفهوم الخاطىء، فسألوا السيد المسيح " فلماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغى أن يأتى أولاً (مت 10:17) والمسيح لم يرضى أن يكشف حقيقة المجىء الأول والمجىء الثانى فى ذلك الوقت، فأشار إشارة غامضة أن إيليا قد جاء.. (مت 12:17) وهم فهموا أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان. وهنا فى هذه الآية يقول لهم السيد إن أردتم أن تقبلوا (تقبلونى على أننى المسيح المنتظر). ولكن كل مشكلتكم أن إيليا لم يأتى بعد، فالمعمدان الذى نتحدث عنه هو السابق للمجىء الأول والذى أتى بروح إيليا =فهذا هو إيليا المزمع أن يأتى. فالمعمدان له نفس قوة وشجاعة إيليا أمام الملوك، وله نفس زهد وتقشف إيليا. وكلاهما مملوء من الروح القدس.
من له أذنان للسمع فليسمع= من كانت له الأذنان الداخليتان القادرتان على سماع الأمور الروحية وإدراكها سيدرك ما أقوله عن المعمدان وإيليا والأهم أنه سيفهم أننى المسيح المنتظر فيؤمن بى.
(مت 16:11-19 + لو 29:7-35)
(مت 16:11-19):-
وبمن أشبه هذا الجيل يشبه أولادا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم. ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا نحنا لكم فلم تلطموا. لأنه جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان. جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة والحكمة تبررت من بنيها.
(لو 29:7-35):-
وجميع الشعب إذ سمعوا والعشارون برروا الله معتمدين بمعمودية يوحنا. وأما الفريسيون والناموسيون فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم غير معتمدين منه. ثم قال الرب فبمن أشبه أناس هذا الجيل وماذا يشبهون. يشبهون أولادا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضا ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا نحنا لكم فلم تبكوا. لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزا ولا يشرب خمرا فتقولون به شيطان. جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة. والحكمة تبررت من جميع بنيها.
فى لوقا 29:7،30 نجد موقفين لمن سمع دعوة يوحنا المعمدان.
1. الشعب البسيط برروا الله.. معتمدين = أى معترفين أن الله بار ولا يخطئ، إنما هم المخطئين المحتاجين لتوبة ومعمودية. والذى يبرر الله فى كل جيل يعترف بفضل الله عليه وأن كل أعماله وعطاياه هى كريمة وأن كل شر يقع عليه هو يستحقه لأجل خطاياه، وأن الله لم يخطئ فى أحكامه. مثل هؤلاء ينسبون كل خير لله وينسبون كل شر لأنفسهم لذلك فهذه الفئة الأولى شعروا بخطاياهم وببر الله وكانت علامة توبتهم هى معموديتهم. وهم برروا الله أيضاً إذ قبلوا ملاكه الذى أرسله، وقبلوا كلامه ودعوته (ملاكه أى يوحنا المعمدان).
2. الفريسيون والناموسيون = هؤلاء مشكلتهم أنهم يشعرون ببرهم الذاتى، مثل هؤلاء لا يشعرون بإحتياجهم لله. كبرياؤهم يعميهم فلا يروا ولا يسمعوا فلا يفهموا ولا يدركوا. فرفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم. هؤلاء لا يشعروا بخطاياهم إذ هم عميان، وبالتالى لا يشعرون بإحتياجهم للتوبة لذلك رفضوا معمودية يوحنا، بل قالوا عنه كلاماً سيئاً علَّقَ عليه السيد المسيح فى الأيات التالية. والمتكبر فى كل جيل يرفض الإعتراف بخطيته، إذ هو نظر نفسه بار دائماً، ولا يفكر فى التوبة، وبالتالى لا يبرر الله إذا أراد الله أن يؤدبه، وسيرفض مشورة الله من جهته، ويرفض تأديب الله (عب 8:12). لذلك فمثل هؤلاء لا يميزون رجال الله مثل المعمدان ولن يعرفوا الله ولا مسيحه. هؤلاء رفضوا المعمدان إذ كان يحيا فى زهد ورفضوا المسيح إذ عاش ببساطة والحقيقة أنهم سيرفضون كل من يأتى مرسلاً من الله، فهم رافضين لله. ومعنى المثل الذى قاله المسيح:-
كانت هذه لعبة يقوم بها الأطفال الصغار. وهم ينقسمون إلى فريقين فريق يمثل دور الفرح أى حفلة عُرس. فيقوم الفريق الأخر بالرقص والزمر. ثم يقوم فريق بتمثيل دور جنازة فيبدأ الفريق الأخر يحزن ويولول. ولكننا هنا أمام أولاد متمردين فالفريق الذى يمثل دور الفرح يقابل بصمت، أى لا تتجاوب حركاتهم مع نغمات وحركات الفريق الذى يقابلهم. والمسيح بهذا يشير للفريسيين، الذى ارسل الله لهم يوحنا المعمدان زاهداً ليجذبهم بالتوبيخ والحزن للتوبة فقالوا فيه شيطان ورفضوا التوبة، جاءهم المسيح فى ود ومحبة شافياً أمراضهم عارضاً عليهم المحبة والصداقة الإلهية، فرفضوه أيضاً وقالوا عنه أكول وشريب خمر. فحينما تفسد بصيرة إنسان الداخلية يستطيع أن يجد لنفسه كل المبررات لرفض العمل الإلهى، فلا يحتمل حب الله وحنانه ولا يتقبل تأديباته، لا تجتذبه الكلمات الإلهية الرقيقة كما لا تردعه التهديدات.
الحكمة تبررت من جميع بنيها= الله لم يترك نفسه بلا شاهد، لأنه يعلم الذين له. فإذا كان الفريسيون قد رفضوا مشورة الله من جهة أنفسهم، فإن للحكمة أبناءها. والله له أولاده الذين يبررونه (مثل الذين إعتمدوا من يوحنا) فإذا كان أعداء الحكمة يسفهونها فإن أبنائها يبررونها، مثل هؤلاء الذين برروا الله معتمدين من يوحنا. والحكمة هنا هى التدبير الإلهى الذى دبر إرسال يوحنا المعمدان ثم تجسد المسيح لأجل خلاص البشرية هذه الحكمة ظهرت بارة لا غبار عليها فى نظر بنيها أى جماعة شعب الله الذين رحبوا بيوحنا والمسيح وتابوا.
وحتى الآن فأولاد الله فى كل جيل يبررون الله فى كل تصرفاته، بلا تذمر يقبلون ما يحكم به، ناسين أى ضرر أو شر لخطاياهم والعكس فالأبرار فى أعين أنفسهم يرفضون دائماً أحكام الله قائلين " لماذا يارب تفعل كذا وكذا.. " ولنلاحظ أن الله كثيراً ما يسمح ببعض التأديبات كجزء من خطة الخلاص لكن هناك من يرفضها. أماّ أبناء الله حقيقة فهم يقبلون أحكامه ويبررونه فيها.
(آيات 20-24 + لو 12:10-16):-
(لو 12:10-16):-
وأقول لكم انه يكون لسدوم في ذلك اليوم حالة اكثر احتمالا مما لتلك المدينة. ويل لك يا كورزين ويل لك يا بيت صيدا لأنه لو صنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديما جالستين في المسوح والرماد. ولكن صور وصيدا يكون لهما في الدين حالة اكثر احتمالا مما لكما. وأنت يا كفرناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية. الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني.
كما نفهم أن هذه الأيات فى إنجيل متى (20-24) بمقارنتها بنظيرتها فى إنجيل لوقا. قد قالها السيد المسيح فى عقب إرسالية السبعين رسولاً. وملخص القول الذى يسمع منكم يسمع منى لو 16:10 ومن يرذلكم يرزلنى ويا ويل من يرذل رسل المسيح فهو بهذا يرذله، أيضاً هو يرذل الآب السماوى. والذى يرذلنى يرذل الذى أرسلنى. ويل لكِ يا كورزين ويلٌ لك يا بيت صيدا = كورزين وبيت صيدا غرب بحر الجليل. وكورزين مدينة فى الجليل بجوار بيت صيدا وكفر ناحوم. وبيت صيدا هى على بحيرة طبرية أى فى الجليل. وبيت صيدا اى بيت صيد السمك. وصور وصيدا هما مدينتين فينيقيتين وثنيتين على البحر المتوسط. والمعنى أن السيد المسيح بالرغم من عمله معجزات كثيرة فى كورزين وبيت صيدا رفضوه فالويل لهم. ومما يحزن قلب الله جحود أولاده بالرغم مماّ يقدمه لهم والسيد يقول أن هذه العطايا لو قدمت للغرباء لتابوا وأكرموا الله. ويلٌ لكِ يا كورزين = إن الذى يعرف كثيراً ويخطئ يضرب أكثر. لذلك فعقوبة سدوم أخف من عقوبة كورزين وبيت صيدا. ولنلاحظ أن سدوم رفضت ملاك الله بينما أن كورزين رفضت الله نفسه.
لو 12:10 فى ذلك اليوم = يوم خراب أورشليم أولاً ثم يوم الدينونة. ففى حرب تيطس ضد أورشليم سنة 70م كانت كورزين وكفر ناحوم من المدن التى ضربت بشدة وكانت الجثث تملأ الشوارع وليس من يدفن = وأنت يا كفر ناحوم.. ستهبطين إلى الهاوية آية (15) من هنا نفهم أن هناك درجات فى العذاب الأبدى، كما أن هناك درجات فى المجد الأبدى (1كو 41:15) * هى مرتفعة إلى السماء = لأنها مبنية على ربوة عالية
(مت 25:11-30 + لو 21:10-24):-
(مت 25:11-30):-
في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم آيها الآب لان هكذا صارت المسرة أمامك. كل شيء قد دفع إلى من أبى وليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له. تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم. لان نيري هين وحملي خفيف.
(لو 21:10-24):-
وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال نعم أيها الآب لان هكذا صارت المسرة أمامك. والتفت إلى تلاميذه وقال كل شيء قد دفع إلى من أبى وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له.والتفت إلى تلاميذه على انفراد وقال طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه. لآني أقول لكم أن أنبياء كثيرين وملوكا أرادوا أن ينظروا ما انتم تنظرون ولم ينظروا وأن يسمعوا ما انتم تسمعون ولم يسمعوا.
فى ذلك الوقت= نفهم من إنجيل لوقا أن السيد قال هذه الكلمات بعد ما رجع الرسل السبعون وأخبروه بخضوع الشياطين لهم بإسمه. هذا ما جعل يسوع يتهلل بالروح، فهو أتى لهذا وهاهو يرى نجاح رسالته تهلل يسوع بالروح = هناك من يتهلل بالجسد أى يفرح بملذات العالم ولكن يسوع يتهلل بالروح، فما يفرحه هو الروحيات. وهنا نراه يتهلل أى يبتهج بنجاح الإنجيل، وخضوع الشياطين بإسمه لرسله. ولم يذكر فى كل الإنجيل أن يسوع تهلل سوى فى هذا الموضع، فهو يتهلل فقط لأن الخطاة فازوا بالخلاص.
أحمدك = ليست بمعنى الشكر على إحسان، بل إعلان الرضا عن المشهورة الإلهية، وكأنه يقول لأبيه حسناً فعلت إذ أعلنت الإنجيل لهؤلاء السبعين وحجبتها عن المتعجرفين، وحرفياً تعنى أعترف لك. ومن المهم أن نقارن المناسبة التى قيلت فيها هذه الأيات فى كلا الإنجيلين. فمتى يذكرها عقب تقسيم المؤمنين أو الناس عموماً إلى فئتين:- الأولى هم من يبرون الله وهم الذين يفرحون بإحكام وحكمة الله والثانية هم من يرفضون مشورة الله أمثال الفريسيين وكفر ناحوم وكورزين.. الخ. ومعنى كلام السيد المسيح هنا أن حكمة الله تُعلن لمن يؤمن بالمسيح ويقبله ويبرر الله ويتصرف فى بساطة قلبه بإتضاع = أعلنتها للأطفال. أما من يرفض مشورة الله، لأنه حكيم فى عينى نفسه يسلك بلا تواضع فلن يفهم مشورة الله وحكمته ولن يفرح بها = أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء= أى الحكماء فى أعين أنفسهم.
أماّ فى إنجيل لوقا فلقد وردت هذه الأيات فى عقب نجاح إرسالية السبعين رسولاً وخضوع الشياطين لهم، ومن هذا نفهم أن الشياطين لا تخضع سوى للمتضعين وليس للمتكبرين.
أخفيت هذه= حكمتك ومشورتك وتدبيراتك فيما يخص الخلاص سواء على المستوى العام للناس كلها أو تدبير الله للشخص نفسه.
الأطفال= من يقبل المسيا فى بساطة قلب ويحمل صليبه فى إتضاع، هو من يرتمى فى حضن أبيه، لا ينتقم لنفسه بل يشكو لأبيه، إطمئنانه وقوته هو ابوه السماوى، يجد لذته فى حضنه، هؤلاء يدخل بهم السيد إلى معرفته. لذلك إختار المسيح تلاميذه من البسطاء (1كو 18:3) الحكماء والفهماء= هؤلاء متثقلين بالأنا، فلا يقدرون أن يدخلوا طريق المعرفة الإلهية الحقة. ولنلاحظ أن الله لم يقل أعلنتها للجهلاء والأغبياء، بل للأطفال، فالأطفال هم البسطاء المتضعين، ولكنهم فى الحقيقة مملوئين حكمة وفهم، هؤلاء يعطيهم الله. من يعترف أنه جاهل يعطيه الله حكمة وفهم قلب. وهذه هى مسرة الآب أن يعطى حكمة للمتضعين كل شئ قد دُفع إلىّ من أبى = يقول هذا حتى لا يظن التلاميذ أن كل سلطان المسيح هو فى إخراج الشياطين. وقول المسيح هنا يفيد مساواته للآب فى الجوهر. وأنه صار وارثاً لكل شئ (عب 2:1). طبعاً وارثاً لكل شئ بجسده، فكل مجد وكل سلطان صار لجسد المسيح هو لحساب كنيسته جسده (يو 22:17+ أف 30:5 + أف 12:4). ولكن لا يصح أن نقول أن المسيح بلاهوته صار وارثاً، فهو والآب واحد فى الجوهر الإلهى.
ليس أحد يعرف الإبن إلاّ الآب = الإبن بطبيعته الإلهية غير المحدودة لا يعلمها سوى الله غير المحدود. وبنفس المفهوم = ولا من هو الآب إلاّ الإبن فالآب يعرف الإبن والإبن يعرف الآب خلال وحدة الجوهر، وهذه المعرفة غير متاحة لمخلوق سواء ملاك أو إنسان.
ومن أراد الإبن أن يعلن له = لهذا تجسد المسيح حتى يعلن لنا الآب، فإذ كان الله محتجب عن الإنسان، والإنسان غير قادر على الإقتراب منه، بل حين أراد الله أن يظهر لبنى إسرائيل إرتعبوا مماّ حدث، وطلبوا من موسى أن لا يظهر لهم الله ثانية حتى لا يموتوا، بل أن موسى نفسه إرتعب (عب 18:12-20 + تث 15:18-19). فكان تجسد المسيح هو ليعلن الله الآب، ولهذا قال المسيح من رأى فقد رآنى الآب (يو 9:14). فالمسيح حين أقام موتى كان يعلن إرادة الآب فى أن يعطينا حياة وحين فتح أعين عميان كان يعلن إرادة الأب أن تكون لنا بصيرة روحية بها نراه وهكذا. وحين صُلبَ رأينا محبة الله الذى بذل إبنه الوحيد عنا وحين تجسد وقبل الإهانة رأينا تواضعه العجيب. إذاً جاء الإبن يحمل طبيعتنا لكى يدخل بنا إلى المعرفة الإلهية. حملنا فيه حتى نقدر أن نعاين ما لا يُرى ونُدرك ما لا يُدرك. وليس هناك سوى طريق واحد لندرك به الله ونتعرف عليه، وهذا الطريق هو الإتحاد بالإبن.
وكلمة يعرف تعنى فى لغة الكتاب المقدس " الوحدة أو الإتحاد "
فحين يقول " عرف آدم حواء امرأته " (تك 1:4) فهذا يعنى أنهما صارا جسداً واحداً، أى إتحد بها جسدياً وهذه المعرفة أو هذا الإتحاد يكون له ثمر. فلقد أنجبت قايين، لذلك يقول " وعرف أدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين "
وهكذا قيل هنا " ليس أحد يعرف الإبن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الإبن " لأنهما فى وحدة. هما واحد.
وهذه تساوى تماماً " أنا فى الآب والآب فىَّ " (يو 10:14) وتساوى " أنا والآب واحد " (يو 30:10)
وبنفس المفهوم حين يقول " لا أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن أراد الإبن أن يعلن له " فهذا يعنى أن المسيح يعطينا أن نتحد به. فالمعرفة تعنى أتحاد يعطى حياة، فالمسيح يوحدنا فيه لنكون أحياء فهو الحياة.
ونفهم هذا من قول بولس " وأوجد فيه...... لأعرفه...... " (فى 9:3-10) فالثبات فيه والإتحاد به يعنى معرفته. وهذا معنى " وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته " (يو 3:17). والإتحاد به أشار إليه المسيح فى صلاته الشفاعية (يو 21:17-26).
والاتحاد به له شروط
1) الإيمان به 2) المعمودية التي تعطي إستنارة 3) حلول الروح القدس الذي يشهد للإبن وللآب 4) القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب (عب14:12) وهذه تحتاج لتوبة مستمرة. ومن يحيا في طهارة يثبت في المسيح. 5) تكون لنا الأعمال الصالحة التي تمجد إسم الله ومن يوفي هذه الشروط يريد الإبن أن يعلن له الآب= ومن أراد الإبن أن يعلن لهُ. فالإبن يود لو أعلن الآب للجميع. ولكنه لا يعلن الآب سوى لمن يستحق بإيمانه العامل بمحبة، وبتمتعه بأسرار الكنيسة. تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين..= هم المتعبين من الخطايا والمثقلين بحملها وأيضاً المتعبين من آلام العالم. وهذه الآية تشير أن المسيح يريد أن يعلن الآب للكل. ولكن خطايانا تمنعنا من هذا. والحل هو أيضاً أن نلجأ للمسيح ليحمل عنا خطايانا ويريحنا من أتعابنا. ومن يقبل للمسيح طالباً غفران خطاياه، فمثل هذا يريد المسيح أن يعلن له الآب. فأريحكم= هي ليست وعد بان يزيل المسيح الآلام بل يعطي الراحة خلالها.
ولاحظ أن الخطية هي حمل ثقيل. وحين يغفر المسيح يرفع هذا الحمل فيبطل وخز الضمير، ونكتشف محبة الآب وحنوه من نحونا. وسنشتاق لمحبة الآب بالأكثر فنقول للإبن عن الآب مع عروس النشيد "ليقبلني بقبلات فمه" (نش2:1) أي ليعلن لي محبته أكثر فأكثر.
(مت 11 : 29-30):-
المسيح يدعو الخطاة أن يأتوا إليه ليريحهم، ويدعو المتألمين والمضطهدين أن يأتوا إليه فيريحهم (آية28) وهنا سيتساءل البعض كيف أستطيع أن أتخلص من خطيتي المحبوبة، كيف أستطيع أن أنفذ هذه الوصية الصعبة التي أرى إستحالة تنفيذها، كيف يحمل عني المسيح هماً أعاني منه من إضطهاد واقع علىَّ؟ كيف يعزيني المسيح وأنا متألم خائف من مرض خطير أعاني منه.؟ والمسيح يرد إحملوا نيري= والنير هو العصا التي تربط ثورين إلى المحراث. ولكن تصور أننا ربطنا حملاً صغيراً مع ثور بنير واحد، فالذي سوف يحمل كل الحمل هو الثور. وهذا ما يدعوني إليه المسيح، أرتبط بي، تعال إلىّ وسوف ترى أنك ستكون قادراً على تنفيذ الوصية، وستجد تعزية فأنا الذي سأعمل كل شئ حقيقة، وبدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئاً (يو5:15). ويقول بولس الرسول أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني (في13:4). تصوَّر معي أنني طلبت منك أن تحمل رجلاً ثقيلاً جداً يقف في البحر وأنت لا تعلم شيئاً عن قانون الطفو. ستقول لي لا يمكنني حمله. ولكن لو تقدمت لتحمله ستجده خفيفاً جداً بسبب قوة حمل الماء الخفية له. إذاً تعال للمسيح بأن تحاول أن تنفذ الوصية وستجد هذا سهلاً جداً، لأنه عملياً فالمسيح هو الذي يقوم بالعمل. ولكنه لن يقوم بالعمل إلاّ إذا تقدمت وحاولت، حينئذ ستكتشف قوة المسيح الخفية التي لا يكتشفها إلاّ كل من حاول. تقدم بإيمان وحاول فنيره هين وحمله خفيف (رو5:10-11).
وهناك شرط آخر أن نتعلم من المسيح الوداعة والتواضع= تعلموا مني فمن يحاول تنفيذ الوصية ومن يتعلم من المسيح سيدخل طريق المعرفة الحقيقية للآب، وإكتشاف محبته الفاخرة= فتجدوا راحة لنفوسكم.
(لو10 : 23-24):-
طوبى للعيون التي تنظر ما تنظرونه= هؤلاء التلاميذ الذين عاشوا بإتضاع ورأوا المسيح وعرفوه فعرفوا الآب ومحبته هم أفضل من قديسي العهد القديم الذين آمنوا بالمسيح وتنبأوا عنه لكنهم لم يروه، هم عاشوا في الظلال ولكن التلاميذ رأوا المسيح حقيقة. ولا نقصد بالرؤية رؤية جسدية فالفريسيين رأوه ولم يؤمنوا به ولا قبلوه. أمّا رؤية التلاميذ فكانت رؤية حقيقية إذ عرفوا المسيح وآمنوا به. والسبب كبرياء الفريسيين وبساطة التلاميذ لذلك قال المسيح في (مت29:11) تعلموا مني فإني وديع ومتواضع. وهذه الآية هي التي نصليها دائماً في أوشية الإنجيل، فالآن نحن بالإنجيل نرى ونسمع المسيح الذي إشتهى أباء العهد القديم أن يروه ويسمعوه فلم يروا ولم يسمعوا. فإننا كلما نسمع كلمات الإنجيل نتأمل شخص المسيح فنعرفه، فالكتاب المقدس هو كلمة الله المكتوبة التي تكشف المسيح كلمة الله. قارن أيضاً أوشية الإنجيل بالآية (مت17:13).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادى عشر
الحديث عن يوحنا المعمدان * رفض الإيمان
(1) يوحنا يرسل تلميذين للمسيح ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : بعدما وضح المسيح لتلاميذه كيفية الكرازة ، قدّم نفسه مثالاً عملياً فى تنفيذ ما أمرهم به ، إذ بدأ يعلّم بما علّمهم به فى المجامع المنتشرة بالجليل0
+ إهتم بأن تنفذ ما تعلّمه للآخرين ، ليكون كلامك مؤثراً0
ع 2 - 3 : قبض هيرودس الملك على يوحنا ووضعه فى السجن0وإذ شعر يوحنا بدنو أجله ، أراد أن يُلصق تلاميذه بالمسيح ، فأرسل إثنين منهم بسؤال له ، قائلاً : هل أنت هو المسيا المنتظر أم لا ؟ ولم يكن يوحنا متشككاً فى ذلك ، لأنه عرفه ، وسجد له وهو فى بطن أمه ، وعندما عمّده ، شهد أنه : " حمل الله الذى يرفع خطية العالم " ( يو 1 : 29 ) ، أى أنه المسيح الفادى ، ولكنه أراد أن يُثبِّت إيمان هذين التلميذين فى المسيح ، حتى يبشرا باقى رفقائهما تلاميذه ، ليتبع الكل المسيح0
ع 4 - 5 : " المساكين " : ليس فقط الفقراء والضعاف ، بل بالأحرى المساكين بالروح ، أى المتضعين0كانت إجابة المسيح هى معجزاته التى رآها هذان التلميذان ، وهى متنوعة ، وتشمل شفاء الأمراض مهما كانت صعبة ، وحتى لو كانت ترمز للنجاسة مثل البَرَصِ ، أو أفقدت الإنسان الحياة بالموت ، فهو قادر على تخليص الإنسان منها0وبالتالى ، يستنتجان من هذا أنه هو المسيح0
+ إجعل تصرفاتك الحسنة قدوة تبشر بمسيحك ، خاصة عندما يتعذّر الكلام عن المسيح ، لأن الأعمال أقوى من الكلام ، ولا يكفى الكلام بدون عمل0
ع 6 : ينبه المسيح التلميذين ، حتى لا يعثرا أو يتشككا فيه ، لأن بعض تلاميذ يوحنا كانوا يغارون له ، حيث قد ظهر معلم أفضل منه ، وتتبعه جموع كثيرة ( يو 3 : 26 ) ، فيدعوهم للإيمان به ، لأنه هو المسيا الذى أعد يوحنا الطريق له0
(2) شهادة السيد ليوحنا ( ع 7 - 15 ) :
ع 7 : " قصبة " : أى عود بوص ، وكان هذا القصب أو البوص يكثر عند نهر الأردن حيث كان يوحنا يعمد0بعد انصراف تلميذى يوحنا ، تحدث عنه المسيح ، غير قاصد التملق ، ولكن ليشهد شهادة حق ليوحنا الذى أعد الطريق له ، فقال : هل كان يوحنا قصبة تحركها الريح ؟ والقصبة جوفاء ، فهى تشير للإنسان الفارغ من نعمة الله ، و " الريح " ترمز لأفكار العالم الشريرة0فالإنسان الذى له المنظر اللامع مثل القصبة ، وفارغ داخلياً من الله ، يتأثر برياح التجارب والأفكار الشريرة0ليس هذا هو يوحنا ، بل هو إنسان ممتلئ من الله ، يعد الطريق للمسيح بدعوة الناس للتوبة ، وثابت فى مبادئه مهما كان الشر محيطاً به0
ع 8 : يتساءل المسيح : هل كان لباس يوحنا من الثياب الناعمة ؟ كلا000لأن هؤلاء المدللين المتنعمين ، يجلسون داخل القصور فى المدن0وترمز هذه الثياب للجسد المدلل بالشهوات والراحة ، لكن يوحنا كان زاهداً ، لباسه خشن وطعامه متجرد ، لأن انشغال قلبه كان بالله وخدمته ، ويحيا متقشفاً فى البرية0لذلك يعلن المسيح عظمة يوحنا وثباته فى الإيمان ، وأن إرسال تلميذيه له كان لربط تلاميذه به ، وليس لأجل نفسه0
ع 9 - 10 : كان يوحنا المعمدان أعظم من أنبياء العهد القديم كلهم ، لأنهم اشتهوا أن يروا المسيح ، ولم يروا ، وإنما تنبأوا عنه فقط0أما يوحنا فتنبأ عنه ثم عاينه ، بل وعمّده ، فهو الملاك الذى هيأ الطريق للمسيح ( ملا 3 : 1 )0
ع 11 : يوحنا هو أعظم البشر ، ولكن المسيح ، الأصغر منه بستة أشهر ، هو الأعظم منه0وهناك رأى آخر أن يوحنا هو أعظم رجال العهد القديم ولكن أصغر مؤمن فى العهد الجديد أعظم منه من جهة تمتعه بالأسرار المقدسة فى الكنيسة وكل بركات العهد الجديد0
ع 12 : يبين المسيح هنا أهمية الجهاد الروحى لنوال ملكوت السماوات ، فعلى قدر نعمة العهد الجديد التى أعدها يوحنا المعمدان ، يلزم الجهاد الروحى للتمسك بها0بل تظهر ضرورة التغصّب ، أى يجبر الإنسان نفسه ، ولا يدلل جسده ، ليترك خطاياه ، ويتمسك بصلواته وعلاقته بالله ، وأيضاً إختطاف كل فرصة روحية للتقرب إلى الله والتمتع بعِشرته0
ع 13 - 15 : " إلى يوحنا " : لأنه آخر أنبياء العهد القديم0 " إن أردتم أن تقبلوا " : لو كان لكم إيمان لقبلتم ما سأقوله الآن0إن كان هدف جميع الأنبياء هو الإعداد لمجئ المسيح ، فإن يوحنا هو السابق الذى أعد الطريق له مباشرة ، وقد أتى بروح إيليا ، فهذا هو تحقيق الوعد بمجئ إيليا ، ولكن بطريقة روحية وليست جسدية ، كما سيحدث فى نهاية الأيام ( ملا 4 : 5 - 6 ) ، إذ يأتى إيليا بجسده كما صعد بجسده إلى السماء ، ليعلن صوت الله قبل يوم الدينونة الأخير0ولأهمية هذه التعاليم ، يقول المسيح : من له أذنان داخليتان فى القلب ليسمع ويؤمن ، فليسمع ، لأن كثيرين منهم كانوا متشككين ، ولم يؤمنوا أن يوحنا هو الآتى بروح إيليا لإعداد طريق المسيا المنتظر ، لأنهم لو آمنوا بهذا ، فمعناه إيمانهم به أنه هو المسيا المنتظر ؛ فهو يدعوهم للإصغاء الشديد والفهم والإيمان0
+ لكيما تكون قوياً فى إعلان الحق والتمسك بوصايا الله ، تحتاج للتجرد مثل يوحنا المعمدان0فلا تدلل نفسك بشهوات كثيرة وراحة للجسد ، فتصبح لك إرادة قوية فى جهادك الروحى وعبادتك ، ثم فى خدمتك وإعلانك لاسم المسيح0
(3) رفض الإيمان ( ع 16 - 19 ) :
ع 16 - 17 : " الجيل " : يقصد الكتبة والفرّيسيّين ورؤساء الكهنة الرافضين الإيمان بالمسيح0 " أولاداً " : أى ضعفاء فى فهمهم واستيعابهم للمعانى الروحية وكلام الله ، ومتقلبين فى آرائهم0 " الأسواق " : مكان اجتماع الأولاد للعب0يشبه المسيح قادة اليهود من الكتبة والفرّيسيّين وغيرهم ، الذين رفضوا الإيمان بدعوة يوحنا المعمدان ، وكذلك الإيمان بالمسيح ، بمجموعة من الأولاد يلعبون فى أسواق القرى وينقسمون إلى فرقتين ، فرقة منهم تُزمِّرُ وتعمل حركات مفرحة مضحكة ، والفريق الآخر لم يتأثر ويطرب ، ثم أخذوا ينوحون ويُظهرون مظاهر الحزن ، فلم يتأثر الفريق الثانى وينوح ويلطم ، أى فشلوا فى تغيير ملامحهم0والمقصود بهذا التشبيه أن يوحنا المعمدان جاءت دعوته للتوبة بالتوبيخ والحزن على الخطية ، فرفضوا التجاوب معه0ثم جاء المسيح ينادى بالحب ويشفى المرضى ليفرح القلوب ، فرفضوا أيضاً0
ع 18 - 19 : " لا يأكل ولا يشرب " : أى زاهد ومتجرد يكتفى بأقل الطعام0 " فيه شيطان " : لسلوكه المنعزل عن الناس فى البرية ، فظنوه بحياته الغريبة ، يتعامل مع الشياطين0 " أكول وشريب خمر " : مبالغة من شيوخ اليهود فى اتهام المسيح ، مع أنه يأكل ويشرب مثل باقى الناس0كان يوحنا المعمدان زاهداً يعيش فى البرية ، فبدلاً من أن يتعلموا منه الزهد ، اتهموه أنه فيه شيطان0أما يسوع المسيح فعاش بين الناس يأكل ويشرب مثلهم ، ليسهل عليهم تتميم الوصايا فى الحياة العادية ، فاتهموه أنه منهمك فى كثرة الأكل وشرب الخمر ، وهذا طبعاً غير حقيقى ، كما اتهموه أنه محب للعشارين والخطاة ، لأنه مثلهم يحب مجالس الأكل والشرب ؛ مع أن المسيح جلس مع الخطاة لجذبهم للتوبة ، مثلما جذب متى وزكا العشارين0قادة اليهود هم مثل الأولاد ، أى غير ناضجين روحياً0أما تلاميذ المسيح وتابعوه ، فهم الناضجون روحياً0أبناء الحكمة : الذين آمنوا بدعوة يوحنا وبشارة المسيح ، فقد ظهر بر الحكمة فى تابعيها ، أى تابعى يوحنا المعمدان ، ثم المسيح الحكمة الأزلية ، وآمنوا بكلامه ؛ أى تظهر قوة الحكمة وبرها فيمن يؤمنون بها ، وهم التلاميذ والمؤمنون0
+ لا تتسرع فى الحكم على الآخرين حتى لا تخطئ ، ولا تكن مغرضاً لئلا تتحول فضائل الناس إلى خطايا فى نظرك ، بل على العكس ، إبحث عن الله فى فضائل الآخرين ، لتتعلم وتتتلمذ على أيديهم ، فتحب الكل ، وتنمو فى حياتك مع الله0
(4) عقاب رافضى الإيمان ( ع 20 - 24 ) :
ع 20 - 21 : بعد أن شرح الإيمان لسامعيه ، ودعاهم أيضاً بالمعجزات ، وبخهم على قساوة قلوبهم برفضهم الإيمان ، وخاصة المدن التى فى منطقة الجليل ، لأنه صنع فيها معجزات كثيرة0فأعلن أن مصير كورازين ( وهى مدينة فى الجليل بجوار بيت صيدا وكفرناحوم ) وبيت صيدا ( وهى مدينة على بحيرة طبرية ) ، سيكون شنيعاً فى العذاب الأبدى ، لأن التعاليم والمعجزات الواضحة ، التى تدعو الناس بسهولة للإيمان ، لو كانت قد صُنعت فى مدينتى صور وصيدا القديمتين اللتين كانتا على البحر الأبيض المتوسط ( فى لبنان الحالية ) ، لتابتا قديماً مستخدمتين مظاهر التذلل ، من لبس الملابس الخشنة كالمسوح ، ووضع الرماد على الرأس0وبهذا ، يُظهر مدى قساوة قلوب الساكنين فى كورازين وبيت صيدا ، لرفضهم الإيمان بالمسيح0
ع 22 : فى يوم الدينونة الأخير ، سيكون عقاب صور وصيدا أقل من كورازين وبيت صيدا ، لأن الأخيرتين رفضتا إيمان عظيم مقدم من المسيح نفسه لهما0ومعنى هذه الآية ، أنه توجد درجات فى العذاب الأبدى ، وأن رافضى البشارة بالمسيح والحياة معه ، سيكون عقابهم أشد من الذين لم يعرفوا المسيح وعاشوا فى الخطية مثل الوثنيين0
+ سيحاسَب الإنسان على قدر ما أُعلن له من نِعم إلهية ، فلهذا يلزم أن تحيا وتطبق ما سمعته فى بيتك وكنيستك ، فتكون هذه التعاليم مساندة لك فى طريق الخلاص ، ولا تحكم عليك يوم الدينونة0
ع 23 : يتحدث المسيح عن كفرناحوم التى صارت مركزاً لكرازته فى الجليل ، فصنع فيها معجزات كثيرة ، كان المفروض أن تخلّصها لتجد مكاناً فى السماء ، ولكن للأسف تكبَّر أهلها ، وشعروا أنهم أفضل ممن حولهم ، كأنهم فى السماء والمدن الأخرى أحقر منهم فى الأرض ، ورفضوا الإيمان به ؛ فمصير هذه المدينة هو الهبوط إلى الجحيم0ومقدار عمل نعمة الله فى كفرناحوم ، لو عُمِلَ فى سدوم قديماً ، لتابت ولم يتم فيها الحكم الإلهى بالحرق0
ع 24 : ثم يؤكد أن عذاب سدوم فى يوم الدينونة ، سيكون أقل من عذاب كفرناحوم التى رفضته ، فالإثنتان ستهلكان ، ولكن تزداد قسوة العذاب لكفرناحوم من أجل رفضها للمسيح ؛ وكذلك كل من يرفض اليوم الإيمان والسلوك المسيحى ، سيكون عقابه أكثر0
(5) بركات المتضعين ( ع 25 - 30 ) :
ع 25 - 26 : " فى ذلك الوقت " : أى بعد كلامه عن كبرياء البلاد التى بشرها ورفضته ، وينتظرها عقاب شديد0 " أجاب " : يبدو أن سؤالاً وجهه البعض له عن مصير الدارسين للناموس ، الموجودين فى هذه البلاد ، فأجاب بصلاة : " أحمدك " : كإنسان ، يوجه الشكر لله من أجل حكمته وتدابيره0 " الحكماء والفهماء " : الكتبة والفرّيسيّون الحكماء فى أعين أنفسهم ، والمتكبرون بعلمهم0 " الأطفال " : التلاميذ الضعفاء فى معرفتهم ، ولكنهم متضعين ومطيعين لكلامه0 " نعم " : تأكيد للإجابة السابقة ، بأن نعمة الله توهب للمتضعين0 " المسرة " : فرح الله أن يهب نعمته للمتضعين0فى هذا الحديث العظيم بين الإبن والآب ، يعترف المسيح ويعلن حقيقة هامة ، وهى أن معرفة الله توهب للبسطاء المتضعين ، ويُحرم منها الحكماء فى أعين أنفسهم ، أى المتكبرون ، فالله لا يعطى مجده لآخر0
ع 27 : " دُفع إلىّ من أبى " : أى أن الإبن نال السلطان لفداء وتخليص البشرية ، وليس معنى دُفع أنه لم يكن له السلطان ثم ناله حينما تجسد ، بل هو إعلان لنا كبشر أن الإبن له كل سلطان الآب ، فاليهود يعرفون الله فى العهد القديم ، فيُعرّفهم المسيح ، الذى ظهر فى العهد الجديد ، بنفسه ، أنه الله صاحب كل السلطان ، لأنه واحد مع الآب فى الجوهر0 " ليس أحد يعرف الابن " : أى كل البشر ، مهما كان إيمانهم ، لن يعرفوا كل جوهر الله ، لأنهم محدودون ومعرفتهم محدودة ، فالله الآب فقط هو القادر أن يعرف الإبن ، لأنه مساوٍ له فى الجوهر0 " ولا أحد يعرف الآب " : كما أن كل البشر المؤمنين بالله فى العهد القديم ، لا يمكنهم معرفة الله الآب كمال المعرفة ، فالوحيد الذى يعرف الآب ، هو الإبن الذى له نفس جوهر الآب0 " من أراد الابن أن يُعلنُ له " : هم القديسون الذين يُعرّفهم المسيح بروحه القدّوس معرفة أكبر عن الله ، ليس كل شئ ، ولكن أكثر من غيرهم من البشر ، وذلك لاتضاعهم واشتياقهم لمحبة الله0لا أحد يعرف الله إلا جوهره نفسه ، لأنه أعلى من إدراك البشر ، فالإبن يعرف الآب والآب يعرف الإبن ، أى الله فقط هو الذى يعرف نفسه0ولكن الله فى محبته ، أظهر نفسه لنا من خلال تجسد الإبن ، الذى يعرفنا بالله على قدر اتضاعنا ، وهؤلاء المتضعون هم المختارون المتمتعون بمعرفة الله0
ع 28 : " تعالوا إلىّ " : دعوة لجميع البشر الذين يشعرون بمتاعبهم ، واحتياجهم للخلاص0أما المنغمسون فى العالم ويكتفون بشهواته ، فلا يشعرون بحاجتهم للمسيح0 " المتعبين والثقيلى الأحمال " : مِنْ ثِقَلِ الخطية ، وتوبيخ الضمير ، والمشاكل الناتجة عن خطاياهم ، وكل ضغوط الحياة ومخاوفها0 " أريحكم " : لم يعِد البشر بمنع الضيقات ، ولكن يعدهم بالراحة أثناءها ، إذ يحملها معهم وعنهم ، فلا يشعروا بثقلها ، ويتعزَّوا ويفرحوا بعِشرته0تجسد المسيح ليحمل عنا أتعابنا وخطايانا على الصليب ، فأحضانه مفتوحة ليرفع عنا خطايانا وكل ما ينتج عنها ، فنجد سلامنا فيه ، وهو قادر أن يدبر كل أمور حياتنا0
ع 29 - 30 : " نيرى " : النير هو الخشبة الموضوعة على رقاب الحيوانات التى تجر الآلات الزراعية مثل المحراث ، فحمل النير معناه إحناء الرقبة ، أى الإتضاع ، واحتمال الألم لأجل المسيح ، وهذه هى سمات تابعى المسيح0 " تعلّموا منى " : المسيح قدوة لنا فى كل سلوكه على الأرض ، وهو المثل الأعلى للبشرية0 " وديع " : يحتفظ بسلامه وهدوئه الداخلى ، ولا ينفعل لأى مكسب أو خسارة0 " متواضع " : يضع نفسه تحت الكل ، متخلياً عن كل مجده0 " راحة لنفوسكم " : الوداعة والتواضع هما الطريق لنوال الخلاص0يطمئننا الرب أن نيره هيّن وخفيف ، لأنه يحمله معنا ، وإذا حمل إثنان حِملاً واحداً ، فالثقل يكون على الأقوى0فإذا كان الله الأقوى بلا حدود يحمل معنا ، فهو يحمل كل شئ عنا ، فلا نشعر بأى تعب ، بل نتمتع بعِشرته طوال طريق حياتنا ، ونعاين عمله فينا وفى النفوس التى نتعامل معها ونخدمها0
+ إتضع تحت أقدام الكل ، فتعرف الله وتتمتع بعِشرته000إقبل الألم لأجل الله ، تراه بجوارك يشجعك ، ويفرّح قلبك ، ويرفع عنك أى ألم ومعاناة ، لأنه يسندك فى كل شئ0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح