كلمة منفعة
قد يفرحك الحديث عن محبة الله، ويتعبك الحديث عن عدله. ولكن ينبغي أن توضع أمامك الحقيقة كلها.
— الحقيقة كلها
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني عشر
الأصحاح الثاني عشر
زواج موسى بالكوشيَّة
موسى النبي الذي ضاقت نفسه جدًا حينما رأى الشعب باكيًا، وفي جرأة صار يعاقب الله طالبًا إعفاءه من الخدمة، يظهر وديعًا للغاية حين يُتَّهم في حياته الخاصة، إذ تذمر هرون ومعه أخته مريم على أخيهما لأنه تزوج بامرأة كوشيَّة.
1. غيرة مريم وهرون 1-3.
2. دفاع الرب عنه 4-8.
3. برص مريم 9-15.
4. من حَضَيْروت إلى فاران 16.
1. غيرة مريم وهرون:
تحدثت مريم وهرون ضد أخيهما موسى النبي بسبب المرأة الكوشيَّة التي اتخذها لنفسه زوجة (ع 2). ويعلِّل البعض سرّ تذمرهما عليه أنه في اختياره للسبعين شيخًا ربما لم يرجع إليهما فدبت الغيرة فيهما وتسلَّل الحسد إلى قلبيهما، ويُدلِّلون على ذلك بقولهما: "هل كلَّم الرب موسى وحده؟ ألم يكلمنا نحن أيضًا؟" [2]. وبدخول الحسد إلى قلبيهما وجدا في زواجه بالكوشيَّة فرصة للتذمر عليه. يُعلِّق القدِّيس إغريغوريوس أسقف نيصص على هذا الحسد قائلاً: [صارا كقوس للحسد لا يقذف سهامًا بل كلمات[51]].
كما يقول: [الحسد هو الألم الذي يسبب شرًا. هو والد الموت، أول مدخل للخطيئة، أصل الأذى، ابن الحزن، أم المصيبة، أساس العصيان، مبتدأ العار! الحسد طردنا من الفردوس إذ صار حيّة لمقاومة حواء! الحسد حجبنا عن شجرة الحياة وعرانا من الثياب المقدَّسة، وفي خزي أخرجنا لنستتر بأوراق التين[52]].
كما يقول: [لا يقوم الحسد بسبب كارثة حلَّت بالإنسان، إنما كارثته هي وجود خير لدى الآخرين. إنه يحزن لخير الآخرين، حاسبًا نجاحه لا في تمتعه بالخير بل حلول المصائب بالغير[53]].
إن تركنا الحديث عن حسد مريم وهرون وانتقلنا إلى موسى نفسه، فإن الكتاب المقدَّس يشهد عنه "وأما موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" [3]. بهذا الحلم العظيم واجه الحسد فغلبه وانتصر. كان موسى كأصم لا يسمع، وفي صمت لم يفتح فاه ولا حتى عاتبهما، بل بالعكس حينما سقطت مريم تحت التأديب شفع فيها لدى الله قائلاً: "اللهم اشفها" [13]. هذا هو سرّ نجاح موسى في قيادته هذا الشعب بعناده المستمر. لقد حمل في قلبه حبًا واتساعًا إذ رفض كل مجد أرضي لشخصه أو مصلحة خاصة به فكان حليمًا جدًا. سبق فرأينا حلمه العجيب في تعامله مع حميه هرون، وإذ هو نبي عظيم صنع الله معه الكثير من العجائب سمع لحميه الكاهن الوثني في حلم واتضاع[54].
لقد عبَّر القدِّيس إغريغوريوس أسقف نيصص عن ضعف الحسد أمام حلم موسى النبي قائلاً: [حين هاجم الحسد هذا الرجل العظيم انكسر كإناء خزفي على صخرة... لقد ظهر أنه أعلى من أن يصيبه القوس!... صوَّب الحسد سهامه ضد موسى لكنها لم يقدر أن تبلغ العلو الذي كان فيه موسى[55]!].
[ليس فقط لم يتحرك موسى ليدافع عن نفسه ضد الذين يسيئون إليه وإنما طلب لهم من الله الراحة. بهذا أظهر- كما أظن- أنه الشخص الذي يتحصّن جيدًا بدرع الفضيلة فلا تصيبه أطراف السهام[56]].
[ما كان يمكنه أن يفعل هذا لو لم يكن واقفًا وراء الله[57]].
2. دفاع الرب عنه:
إذ صمت موسى، لا بشفتيه فحسب بل وفي أعماقه، بسبب حلمه العظيم وطول أناته لهذا تدخل "الرب حالاً" [4]. لم يدافع موسى عن نفسه ولا حتى قدام الرب، ولا طلب من الله أن يكشف الحق لرد كرامته لكنه صمت بحب فأسرع الله يستدعي الثلاثة ليدافع عن عبده موسى، قائلاً لهرون ومريم: "إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا أستعلن له، في الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي. فمًا إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز، وشبه الرب يعاين، فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى؟" [6-8].
استحق موسى هذه الكرامة العظيمة أن يحسب أمينًا في كل بيت الله، وأن يتحدث معه الله فمًا لفمٍ ويتكلم معه عيانًا، ويعلن له مجده... هذا كله من أجل ما اتسم من اتضاع وما عُرف به من حلم. في هذا يقول القدِّيس أغناطيوس الأنطاكي: [موسى الذي كان حليمًا أكثر من جميع الناس بقوله لله "أنا ضعيف الصوت وثقيل اللسان" (خر 14: 10). إذن لتكن متضع بالروح فتتمجد، لأن من يضع نفسه يرتفع ومن يرفع نفسه يتضع[58] (لو 14: 11)].
ويقول القدِّيس إكليمندس الروماني: [موسى دُعي "الخادم الأمين في كل بيت الله" (عد 12: 7، عب 3: 2)، وخلال خدمته عاقب الله مصر بالضربات والضيقات. ومع هذا لم يتكبر بالرغم من الكرامة العظيمة التي نالها، وإنما قال أمام العليقة "من أكون حتى ترسلني؟ أنا إنسان ضعيف الصوت وثقيل اللسان" (خر 3: 11؛ 4: 10)، كما قال "ما أنا إلاَّ بخار قدر[59]" (راجع مز 119: 83).
ويقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان موسى لطيفًا للغاية حليمًا... لهذا صار مقبولاً ومحبوبًا يقال عنه أن الله يتكلم معه وجهًا لوجه وفمًا لفم كما يكلم الرجل صاحبه[60]].
هكذا بالاتضاع ارتفع موسى في الكرامة في الكرامة فصار يتحدث مع الله وجهًا لوجه أو كما يقول القدِّيس باسيليوس: [استحق أن يراه وجهًا لوجه مثل الملائكة، يخبرنا بما تعلمه من الله[61]]. يتحدث الله معه كما يتحدث الرجل مع صاحبه أو كما يقول العلامة ترتليان أن هذا الأمر تحقق في التجلي[62]، حيث ظهر موسى وإيليا وكانا يتحدثان مع السيد المسيح.
ويُعلِّق القدِّيس إغريغوريوس النزينزي على دعوة موسى النبي عبدًا لله أو خادمه (عد 1: 7، عب 3: 2)، بالقول: [كان موسى إلهًا لفرعون (7: 1) لكنه هو خادم الله كما هو مكتوب. فإن النجوم التي تنير الليل تختفي أمام الشمس حتى أنك لا تعرف وجودها في ضوء النهار[63]].
لكن ربما يتساءل البعض: لماذا تزوج موسى بالكوشيَّة؟
كان هذا التصرف عملاً نبويًا رمزيًا، يشير إلى قبول كلمة الله طبيعتنا الكوشيَّة، يتحد بنا نحن الذين كنا في الظلمة زمانًا ليدخل بنا إلى نوره الإلهي وجمال طبيعته. هذا ما رأيناه في تفسيرنا "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم" (نش 1: 5). في هذا يقول العلامة أوريجينوس: [عندما تزوجها قال الرب "فمًا إلى فمٍ وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز" (ع 8). إنه يتكلم حقيقة، فقد جاء موسى (السيد المسيح) واتحد بكوشيَّتنا، حينئذٍ انتهى إعلان الشريعة الإلهيّة خلال الأمثال والصور إذ تقدم إلينا في تمام الحقيقة. ما كان يُعلن قبلاً خلال الأمثال صار واقعًا حقًا[64]]. ويقول القدِّيس ﭽيروم: [عريسك ليس متكبرًا ولا مزدريًا بالغير، إنه يتزوج بكوشيَّة[65]].
هذا وزواج موسى بالمرأة الكوشيَّة يشير إلى قبول السيد المسيح عروسه أي الكنيسة من جماعة الأمم، أما موقف مريم منه فهو موقف جماعة اليهود الذين رفضوا السيد المسيح ولم يقبلوا دخول الأمم إلى الإيمان. يقول العلامة أوريجينوس: [مريم هي جماعة اليهود الحاليّين، فقد تذمرت هي وهرون معًا، أي الكهنة والفريسيّون. فالشعب لا يزال ينقصه الاحترام لموسى القائم معنا الآن، ويبدو لهم أن هذا الأمر مخجلاً، لأنه لا يعلم بختان الجسد وحفظ السبت وتقديم ذبائح دمويّة، لكنه يأمرنا بختان القلب والكف عن الخطيئة والاحتفال بأعياد فطير الاخلاص والحق (أف 2: 11، كو 2: 9، رو 2: 29، 1 كو 5: 8) وذبائح الحمد (مز 50: 14)، ليس الذبائح الحيوانيّة بل ذبح الرذائل[66]].
يتحدَّث العلامة أوريجينوس على لسان كنيسة الأمم إذ تخاطب اليهود قائلة: [حقًا إني أعجب يا بنات أورشليم أنكن توبخنني على سواد بشرتي. هل نسيتن ما ورد في ناموسكن وما عنته مريم حين تحدثت ضد موسى لأنه اتخذ لنفسه امرأة كوشيَّة سوداء؟ ولا تعرفن أن هذا الأمر قد تحقق بحق. أنا هي الكوشيَّة! حقًا إني سوداء بسبب رداءة أصلي لكنني جميلة بالتوبة والإيمان. وقد اتخذت لنفسي ابن الله. لقد قبلت "الكلمة الذي صار جسدًا" (يو 1: 14)، لقد أتيت إلى ذاك الذي هو "صورة الله، بكر كل خليقة" (كو 1: 15)، الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره" (عب 1: 3)، فصرت جميلة! ماذا تفعلن؟ أتوبخن من تركت خطيتها، الأمر الذي يمنعه الناموس؟ أتطلبن مجد الناموس وأنتن تنتهكن إياه[67]؟].
3. برص مريم:
يقول الكتاب: "فحمي غضب الرب عليهما ومضى. فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج" [9-10]. حقًا ما أخطر الحديث عن خدام الله، خاصة إن كان بدافع الحسد الداخلي فإنه يليق بنا ألاَّ نختارهم إلاَّ بعد استشارة الله، ومعرفة أنهم بلا عيب، لكنهم متى اُختيروا ليس لنا أن ندينهم، لهم رؤساء ولهم من يستطيع أن يفحص تصرفاتهم، أما نحن فلا نخسر الملكوت بسببهم، أو بمعنى أدق بسبب إدانتنا إياهم. لقد مضى الرب عن هرون ومريم، وارتفعت السحابة عن الخيمة، حينئذٍ تطلَّع هرون إلى أخته فوجدها برصاء كالثلج.
يُعلِّق العلامة أوريجينوس على هذا التأديب الإلهي بقوله: [يجب ألاَّ تحتقر أخاك أو قريبك، ولا تفتح فاك بالشر. لست أقول هذا بخصوص القدِّيسين وإنما بخصوص أي إنسان، إذ أرى غضب الله وانتقامه يحلان بسبب هذه الخطيئة، فقد جاء في المزامير "تجلس تتكلم مع أخيك، لابن أمك تضع معثرة" (50: 20)، "الذي يغتاب صاحبه سرًا أقطعه" (101: 5). اقطعوا هذه الرذيلة بمساعدة هذه الوصايا الواردة في الكتاب المقدَّس وكأنها سيف ذي حدين (رؤ 1: 16). تجنبوا إدانة إخوتنا وسب القدِّيسين. فإن من يدين أخاه ويتكلم عليه بالسوء يصاب بالبرص[68]].
ويلاحظ في تأديب مريم بالبرص الآتي:
أ. حلّ البرص بها بعد مفارقة السحابة الخيمة، وكأن البرص وهو يرمز للخطيئة ونجاستها إنما هي علامة الابتعاد عن الله والحرمان من الشركة معه. لهذا يحذرنا العلامة أوريجينوس: [لنخشى أن نبتعد عن السحابة بكلامنا الرديء وأعمالنا الدنسة وأفكارنا النجسة، فيظهر برص الخطيئة فينا عندما تتركنا نعمة الله[69]].
ب. أخطأت مريم فأساء ذلك إلى الجماعة كلها، فقد ارتفعت السحابة عن الخيمة وتسلط البرص على مريم، فعُزِلَت عن الجماعة أسبوعًا كاملاً، فيه توقف الموكب كله عن السير نحو أرض الموعد، ولم تنتقل خيمة الاجتماع عن موضعها. إنها صورة مُرَّة للإنسان- خاصة المسئول- حينما يخطيء، إذ لا يسيء إلى نفسه وحده بل يسبب تجديفًا على اسم الله القدوس ويوقف الموكب ويعثر الكثيرين، كالعضو الفاسد الذي يضر الأعضاء الأخرى.
ج. ربما يسأل البعض: لماذا لم يسقط هرون تحت نفس التأديب مع أخته؟
يجيب القدِّيس إيرينيئوس: [ربما لأنه كان لهرون شيء من العذر بكونه الأخ الأكبر وقد زيّن بكرامة الكهنوت. هذا والبرص حسب الشريعة نجاسة، ولما كان أصل الكهنوت وأساسه في هرون لهذا لم يسمح له الرب بتأديب مشابه لئلا يمسك هذا الأمر بكل نسله (الكهنوتي)، لكن الله أيقظ مخاوفه وعلَّمه ذات الدرس خلال أخته، فقد أثَّرت عقوبة أخته عليه حتى التجأ إلى موسى المُساء إليه لكي يشفع عنها حتى يزول عنها هذا الغم[70]].
د. يرى البعض في برص مريم صورة رمزيّة لما حدث مع اليهود، فقد رفضوا الإيمان بالسيد المسيح الذي قَبِل عروسه من الأمم (المرأة الكوشيَّة) ففارقتهم السحابة وتسلَّط برص عدم الإيمان عليهم، وفارقهم روح الرب، وصاروا مصابين. أما خروج مريم خارج المَحَلَّة سبعة أيام ثم عودتها فيشير إلى عودة اليهود إلى الإيمان بالمسيح في نهاية الأزمنة، ليدخلوا مرة جديدة إلى الخيمة المقدَّسة الجديدة وينزع عنهم برص عدم الإيمان[71]، بهذا لا يصيروا بعد متمسكين بفكرهم الناموسي الحرفي القديم. يقول الرسول بولس "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو 11: 25).
هـ. يعلق العلامة أوريجينوس على قول هرون لموسى النبي: "فلا تكون كالميت الذي يكون عند خروجه من رحم أمه قد أُكل نصف لحمه" [12]، بأن مريم وقد صارت برصاء صارت والسقط شيئًا واحدًا، أي بلا حياة. في هذا إشارة إلى جماعة اليهود الذين بسبب عدم إيمانهم صاروا كالسقط بلا حياة، لكن جاء موسى يتمخض بهم ليلدهم أحياء ويتصور المسيح فيهم (غل 4: 19). يقول العلامة أوريجينوس: [كان الشعب القديم في رحم أمه أي في الهيكل غير قادر على البلوغ إلى النتيجة الكاملة التامة... لقد مكث بعض الوقت في رحم أمه، أي في مدرسة الهيكل اليهودي، لكنه بسبب خطاياه لم يقدر أن يحصل على الشكل الكامل ليدخل إلى الحياة، لهذا صار مرفوضًا كسقط غير كامل النمو، وُلد قبل موعده[72]].
و. لقد شفع موسى في أخته قائلاً: "اللهم اشفها" [13]، وكانت إجابة الرب: "ولو بصق أبوها بصقًا في وجهها أما كانت تخجل سبعة أيام؟" [14]. البصق هنا يشير إلى التخلي، فقد فارقت نعمة الله هذا الشعب وصار في عار وخزي بلا هيكل ولا ذبائح كما يقول العلامة أوريجينوس ويشرح القدِّيس يوحنا الذهبي الفم هذه الإجابة الإلهيّة قائلاً: [إن ما عناه هو هذا: لو أن له أب وطرده من حضرته، أما كانت تقبل التوبيخ؟ إنني أقدر فيك تقواك الأخوي وحلمك وسموك، لكنني أنا أعرف الوقت المناسب لإنهاء التأديب[73]].
على أي الأحوال، لقد برز صلاح موسى النبي في موقفه المملوء حبًا بصلاته عنها، إذ يقول القدِّيس إغريغوريوس النزينزي: [مُدح موسى لأنه قتل المصري الذي ظلم الإسرائيلي، لكنه بالأكثر صار موضع إعجاب عندما شفى بصلاته مريم التي أصيبت بالبرص بسبب تذمرها ضده[74]].
ز. تأخر الله في شفاء مريم حتى لا نتكيء على صلوات الآخرين وشفاعتهم عنا دون تقديم توبة من جانبنا. يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تتطلع إلى الآخرين بأفواه مفتوحة (تطلب صلواتهم)، فإن صلوات القدِّيسين لها بالحق قوة عظيمة بشرط توبتنا وإصلاح نفوسنا. فإنه حتى موسى الذي أنقذ أخاه وستمائة ألف رجل من الغضب الذي كان سيحل عليهم (خر 32)، لم يكن قادرًا على إنقاذ أخته[75]].
4. من حَضَيْروت إلى فاران:
يرى العلامة أوريجينوس إن فاران تعني "الفم المنظور" إشارة إلى العبور إلى "التجسد الإلهي"، فإنه بشفاء مريم من برص عدم الإيمان ينطلق الموكب إلى الإيمان بالتجسد الإلهي كطريق للدخول إلى الملكوت.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثانى عشر
تذمر القيادات مريم وهرون
إذا كان الشعب قد تذمر على الله فليس عجيباً أن يحدث تذمر على خادم الله موسى. فموسى تزوج بكوشية وقد تكون من ضمن الكوشيات اللواتى خرجن مع بنى إسرائيل من مصر, وقد يكون هذا بعد موت صفورة قبل زواجه من الكوشية, وهناك رأى آخر بأنها هى نفسها صفورة العربية , وتكون من قبائل كوش التى سكنت وسط العرب.
وفى حب 7:3 ( رايت خيام كوشان تحت بلية رجفت شقق ارض مديان ). يجمع بين كوش ومديان , وغالباً سبب التذمر ليس هو السبب المذكور , وهو زواج موسى بالكوشية بل ربما يرجع أن موسى فى إختياره للشيوخ السبعين لم يستشرهما فدبت الغيرة والحسد فى قلبيهما.
ونجد الحسد هنا سبباً فى أخطاء كثيرة , فهما إحتقرا موهبة موسى وعظما عطيتهما ليغطيا على عظمة موسى، لكن هل كان هناك مثل موسى الذى لمع وجهه فغطاه ليخفى مجده , ولكن ها مريم هنا تخفى وجهها أيضاً ولكن لخزيها ( الذى يحسد لا يفرح لخير الآخرين ويُسر ببلواهم ).
أية (1):- "1وَتَكَلَّمَتْ مَرْيَمُ وَهَارُونُ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ الْكُوشِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّخَذَ امْرَأَةً كُوشِيَّةً. "
مريم وهرون = ذُكرت مريم أولاً لعلها هى التى بدأت ولذلك هى التى عوقبت.
أية (2):- "2فَقَالاَ: «هَلْ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَحْدَهُ؟ أَلَمْ يُكَلِّمْنَا نَحْنُ أَيْضًا؟» فَسَمِعَ الرَّبُّ."
هنا هما يعظمان أنفسهما , وينتفخان بما أعطاه الله لهما وهذا هو بداية السقوط.
أية (3):- "3وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ."
حليماً = فى العبرية تعنى متواضع لا يفكر فى مصلحته الشخصية ولا يفكر فى أهميته ودليل هذا قوله الرجل موسى = ولم يقل موسى القائد الذى أنقذ شعبه. ويكون المعنى أنه إحتمل الهجوم عليه بصبر دون أن يرد تاركاً الله ليحكم لهُ. وموسى كتب هذا بإرشاد الروح القدس ليس إظهاراً لصفاته بل لنفهم درس هذا الإصحاح. كما حدث مع بولس الذى إضطر لذكر نسبه وألامه وعطايا الله له وإختيار الله لهُ مرات عديدة ليثبت صدق إرساليته وبالتالى صدق تعاليمه حتى لا ينهار الإيمان
كذلك نرى حلم موسى فى شفاعته عن مريم فقد نسى سريعاً إهانتها لهُ.
أية (4):- "4فَقَالَ الرَّبُّ حَالاً لِمُوسَى وَهَارُونَ وَمَرْيَمَ: «اخْرُجُوا أَنْتُمُ الثَّلاَثَةُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». فَخَرَجُوا هُمُ الثَّلاَثَةُ."
كثيراً ما يسكت الله عن ظلم إنسان ولا يدافع عنهُ لفترة لصالحه الروحى ولكنه هنا يدافع عن موسى فوراً حتى لا يتسبب الهجوم على موسى ومن إخوته فى أى خلل فى القيادة.
أية (5):- " 5فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي عَمُودِ سَحَابٍ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ، وَدَعَا هَارُونَ وَمَرْيَمَ فَخَرَجَا كِلاَهُمَا."
الأيات (6-8):- "6فَقَالَ: «اسْمَعَا كَلاَمِي. إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ. فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ. 7وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي. 8فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟»."
من أجل حلم موسى ووداعته وكل صفاته نال ما لم ينله أحد وهنا أعلن الله ما خبأه موسى من تواضعه فالله أعلن هنا أنه ليس مثل موسى ( جيد أن نصمت نحن ولا ندافع عن أنفسنا والله يعلن برنا ). ولاحظ السبب فى محبة الله " وداعته وتواضعه وحلمه "
ملحوظة = فى زواج موسى من كوشية ( وكوشية تعنى سوداء ) (أر23:13) إشارة لعمل المسيح فى إقترانه بكنيسته وهى بعد فى خطيتها مظلمة مثل الكوشية ( نش 5:1 ) , أما رفض هرون ومريم لهذا الزواج فهو يرمز لرفض اليهود السيد المسيح ودخوله الأمم للإيمان.
أية (9):- "9فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِمَا وَمَضَى. "
ما أخطر الحديث عن خدام الله. فهم لهم من يحاسبهم فلا داعى أن نخسر الملكوت بسببهم.
أية (10):- " 10فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ السَّحَابَةُ عَنِ الْخَيْمَةِ إِذَا مَرْيَمُ بَرْصَاءُ كَالثَّلْجِ. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى مَرْيَمَ وَإِذَا هِيَ بَرْصَاءُ."
البرص حل عليها حينما إرتفعت السحابة، إذاً البرص علامة على إبتعاد الله، وذلك بسبب الخطية. فعندما تتركنا نعمة الله يظهر برص الخطيئة.
أية (11):- " 11فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا."
لا تجعل علينا الخطية = أى لا تجعل علينا عقوبتها وواضح هنا تواضع هرون وإنكساره وربما أن الله لم يعاقب هرون أيضاً حتى لا يلام الكهنوت ككل وربما لمسلكه المتواضع هذا.
فى إسترسال لنفس تأمل الملحوظة عاليه. فإن اليهود برفضهم المسيح ظهر عليهم برص الخطية وبرص عدم الإيمان وفارقهم روح الرب. أما عودة مريم بعد أسبوع إشارة لعودتهم فى نهاية الأزمنة ( رو 25:11 ).
أية (12):- " 12فَلاَ تَكُنْ كَالْمَيْتِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ قَدْ أُكِلَ نِصْفُ لَحْمِهِ»."
البرص كالموت فالأبرص ممنوع من مخالطة الناس ومن لمسه يتنجس وأعضاؤه تموت على التوالى وتسقط.
الأيات (13-15):-" 13فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلاً: «اللّهُمَّ اشْفِهَا». 14فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «وَلَوْ بَصَقَ أَبُوهَا بَصْقًا فِي وَجْهِهَا، أَمَا كَانَتْ تَخْجَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ؟ تُحْجَزُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَبَعْدَ ذلِكَ تُرْجَعُ». 15فَحُجِزَتْ مَرْيَمُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَرْتَحِلِ الشَّعْبُ حَتَّى أُرْجِعَتْ مَرْيَمُ. "
لاحظ أن موسى لم يوبخها بكلمة بل صلى لها وتشفع عنها لتشفى , لكن الله يعلم متى يأتى التأديب بثماره
( اسبوع ) والأسبوع هو المقرر لكل أبرص. وخلال الأسبوع تبكت نفسها وتتوب ثم تخضع للشريعة مثل باقى الناس. والبصق هنا يشير للتخلى. واليهود الآن بلا هيكل.
أية (16):- " 16وَبَعْدَ ذلِكَ ارْتَحَلَ الشَّعْبُ مِنْ حَضَيْرُوتَ وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ."
لاحظ كيف أن الخطية عوقت المسيرة أسبوعا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح