كلمة منفعة
حياة التوبة هى بداية الطريق الروحي، لأنها انتقال من مقاومة الله ومعاداته إلى السير في طريقه.
— الطريق الروحي
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
الأصحاح الأول
يونان في البحر الثائر
إن كان يونان قد هرب من الخدمة إلى يافا ليبحر إلى ترشيش في عصيان الله، الأمر الذي أثار البحر بنوء عظيم حتى لم يهدأ إلاَّ بإلقائه فيه، فمن جانب آخر فإن يونان يُمثل السيد المسيح حامل خطايانا الذي ألقى بنفسه في بحر حياتنا المضطرب ليهبنا سلامًا فائقًا خلال ذبيحة المصالحة.
1. دعوة يونان [١-٢].
2. هروبه إلى ترشيش [٣].
3. يونان والنوء العظيم [٤-٧].
4. يونان والنوتية [٨-١٢].
5. يونان في جوف الحوت [٣-١٧].
1. دعوة يونان:
"صار قول الرب إلى يونان بن أمتاي، قائلاً: قم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها، لأنه قد صعد شرهم أمامي" [١-٢]. وفي الترجمة السبعينية: "صعد صراخ شرهم أمامي".
كانت الدعوة الفريدة في نوعها، فهو النبي الوحيد الذي دُعي لخدمة مدينة أممية لا ليتنبأ عنها بالدمار وإنما ليدعوها للتوبة حتى لا يحل عليها الغضب الإلهي. ولم يكن ممكنًا لهذا النبي أو غيره أن يتقبل مثل هذه الدعوة ليس لكراهية نحو الأمم وإنما لحبه لشعبه، كما سبق فقلنا أن خلاص الأمم إنما يتحقق مع زلة إسرائيل، وإيمان العالم خلال جحود الشعب القديم (رو ١١: ١١). على أي الأحوال، إذ كان يونان غير قادر بفكره البشري أن يتقبل الدعوة فهرب، لكن الله الذي يرى نقاوة قلبه إستخدم حتى هروبه لتحقيق مقاصده الإلهية نحو الأمم.
جاء في الترجمة السبعينية: "لأنه قد صعد صراخ شرهم أمامي"، فإن كانت الحياة المقدسة تتجلى في أكمل صورها في السيد المسيح الذي لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته (مت ١٢: ١٩). فإن الحياة الشريرة تحمل في أُذني الله صراخًا أو ضجيجًا لا تقبله السماء ولا يستريح له خالقها، يكشف عن فقدان السلام الداخلي. لقد قتل قايين الشرير أخاه هابيل وصمت بفمه عن الحديث في هذا الأمر لكن بصمات شره كانت تصرخ منطلقة خلال دم إخيه المسفوك، إذ يقول الرب: "صوت دم أخيك صارخ إليَّّ من الأرض" (تك ٤: ١٠)، كما قيل في شر سدوم وعمورة: "صراخ سدوم وعمورة قد كثر" (تك ١٨: ٢٠).
لقد دُعي يونان، الذي يعني إسمه "حمامة" للكرازة في نينوى المدينة العظيمة التي إرتفع صراخ شرها حتى السماء، وكأن الله أراد أن يحطم صرخات الشر بوداعة الحمامة، ويعالج الجراحات الملتهبة بالزيت اللين، ويطفيء النار بالماء!
إن كان العالم قد تحول إلى ضجيج لا ينقطع وصرخات ظلم مرّة فهو في حاجة إلى الكنيسة أو المؤمن الحقيقي الذي له العينان الحمامتان (نش ١: ١٥؛ ٤: ١). عينا السيد المسيح القائل: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29)، عينا الروح القدس الحمامة الحقيقية، لكي بالوداعة نرث الأرض (مت ٥: ٥) لحساب السيد المسيح فتصير ملكوته المملوء فرحًا وسلامًا.
إن كان الأشرار أرضًا لا سماءً بسبب محبتهم للأرضيات وتعلقهم بالزمنيات، فإذ نحمل فينا يونان الحقيقي، نكسبهم بوداعة روحه القدوس فلا يصيروا بعد أرضًا بل سماءً. وكما يقول القديس يوحنا كليماكوس: [يجد الرب راحة في القلوب الوديعة، أما الروح المضطربة فهي كرسي الشيطان. الودعاء يرثون الأرض أو بالحري يسيطرون عليها، أما ذو الخلق الشرير فيطردون من أرضهم[7]].
إن كانت نينوى المدينة العظيمة تمثل الجسد الذي ترتفع صرخات شهواته الشريرية أمام الرب فليس من يقدر أن يرفع عنه هذه الصرخات إلاَّ يوناننا الحقيقي الذي يملأ النفس ويقدس الجسد أيضًا.
2. هروبه إلى ترشيش:
"فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب فنزل إلى يافا ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب" [٣].
لماذا أراد يونان الهروب إلى ترشيش من وجه الرب عوض الذهاب إلى نينوى؟
أولاً: يرى القديس چيروم أن يونان لم يحتمل الذهاب إلى نينوى فتخلص على حساب شعبه إسرائيل، فعصى الرب لا عن كراهية في القلب وإنما عن غيرة من جهة شعبه، وكأنه يمتثل بموسى النبي الغيور في قوله: "إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت" (خر ٣٢: ٣١، ٣٢). فقد ظهر موسى كمن يقاوم الرب لكنه إقتنى مراحم الله لشعبه ولم يمح الله إسمه من كتابه. بنفس الروح يقول الرسول بولس: "أود لو كنت أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد الذين هم إسرائيليون" (رو ٩: ٣). لقد اشتهى لو حُرم هو نفسه لكي يحيا إخوته بالمسيح، حاسبًا موته ربحًا، بهذا الحب لم يمت بل استحق الحياة التي إشتهاها لهم. هكذا خشي يونان من كرازته للأشوريين أعداء إسرائيل هلاك إسرائيل نفسه، فهرب إلى ترشيش، أي الإتجاه المضاد. يرى البعض أنها ترتيسوس الواقعة في جنوب أسبانيا قرب جبل طارق[8]، أو قرطاجنة في شمال أفريقيا.
ثانيًا: كلمة "ترشيش" كما يرى القديس چيروم تعني "بحر" أو "تأمل في الفرح"، فإن كانت كلمة "يافا"[9] بالكنعانية تعني "جمال"، فإن يونان عوض أن ينطلق خلال وصية الله إلى الكرازة لنينوى بالخلاص إستحسن النزول إلى جمال فكره البشرية وحكمته الإنسانية أي إلى يافا ليلقي بنفسه في ترشيش أي في بحر هذا العالم أو في التأملات المفرحة دون الجهاد الحق وحمل الصليب عمليًا. هذا التصرف يمثل تصرفات الإنسان السالك حسب هواه لا حسب وصية الرب الصعبة.
ثالثًا: يونان النبي وهو يعرف أن الله "إله السماء الذي صنع البحر والبر" (١: ٩)، وقد يشهد بذلك، إذ يتكيء على فكره البشري خارج الإيمان يندفع نحو الهروب من الله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا لقد هرب من البر لكنه لم يهرب من غضب الله! هرب من الأرض لكنه جلب على نفسه العواصف في البحر[10]]. كان يليق به بالحري لا أن يهرب من الله بل إلى الله، ففيه وحده يجد المؤمن سلامه وأمانه!
3. يونان والنوء العظيم:
إن كان يونان قد هرب إلى البحر من صانع البحر نفسه لهذا استدعاه الرب بلغة جديدة تليق به كهارب هي لغة الضيقات المتوالية، إذ "أرسل الرب ريحًا شديدة إلى البحر فحدث نوء عظيم في البحر حتى كادت السفينة تنكسر" [٤]. صار الرب يحدثه بلغة الريح الشديدة والنوء العظيم والسفينة الفاقدة لاتزانها، الأمور التي تُناسب يونان وتكشف عما في داخله من ريح عصيان عنيف، ونوء اضطراب داخلي عظيم، وسفينة قلبه غير المتزنة.
يقول القديس چيروم: [يُشير هروب يونان إلى حال الإنسان بوجه عام فباحتقاره وصايا الرب هرب من وجهه وسلم نفسه للعالم فاشتد به نوء العالم ليغرق، عندئذ إلتزم بالتأمل في الله والرجوع إلى من هرب منه... كانت السفينة في خطر... والأمواج هائجة بواسطة الرياح... فإنه متى كان الرب غير راضٍ لا يكون شيء في أمان].
سمع الغرباء صوت الله بالرغم من عدم معرفتهم له، بينما تثقلت أُذني يونان عن السماع، إذ قيل "فخاف الملاحون وصرخوا كل واحدٍ إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر ليُخففوا عنهم، وأما يونان فكان قد نزل إلى جوف السفينة واضطجع ونام نومًا ثقيلاً" [٤-٥]. كان الملاحون وثنيين، ومعرفتهم عن الله يشوبها الكثير، ومع ذلك إذ تحدث الله بلغة الشدة والضيق إمتلأوا خوفًا ولم يتصرفوا إلاَّ بعد أن صرخ كل واحدٍ منهم إلى إلهه، فكان الله بالنسبة لهم أولاً وقبل كل شيء بالرغم من عدم معرفتهم له.
يقول القديس چيروم: [لقد ظنوا أن السفينة بأمتعتها الطبيعية ثقيلة جدًا ولم يدركوا أن الثقل قائم بسبب النبي الهارب. لقد خاف الملاحون فصرخ كل واحد إلى إلهه، إذ كانوا يجهلون الحق لكنهم لم يجهلوا العناية الإلهية. خلال تدينهم الخاطيء عرفوا شيئًا وأدركوا بعض العمق الروحي... أما إسرائيل فلم يستطع الوسع ولا الألم أن يقوداه إلى معرفة الله. لذلك بكى يشوع على الشعب كثيرًا أما عيون الشعب فكانت جافة].
كان الوثنيون يصرخون إلى آلهتهم ويلقون بأمتعتهم في البحر، كل واحد يصلي ويعمل قدر إستطاعته، أما يونان وهو يدرك أنه سبب البلية فنزل إلى جوف السفينة لينام نومًا ثقيلاً، وكأنه أراد ألاَّ يرى أمواج غضب الله عليه، أو كمن تناول مخدرًا ليهرب من واقعه المؤلم.
إن كان نوم يونان يمثل نوعًا من الرخاوة، لكنه في نفس الوقت قدم لنا جانبًا نبويًا طيبًا، فمن جهة كان يمثل البشرية المُستريحة في الرب وسط أمواج هذا العالم المضطرب. فعندما كان هيرودس مزمعًا أن يقدم الرسول بطرس ليقتله (أع ١٢: ٦)، كان بطرس يغط في نومٍ عميق وهو مربوط بسلسلتين بين عسكريين في السجن وتحت حراسة مشددة. ومن جانب آخر كان يونان يمثل السيد المسيح الذي نام على الصليب كما في السفينة ليُقيم حواء الجديدة من جنبه المطعون تنعم بالراحة الحقيقية فيّه، لقد نام أيضًا على الصليب لكي يُدفن في بطن الحوت ليقوم واهبًا إيّانا قوة القيامة. وكما يقول القديس چيروم: [بينما كان الآخرون في خطر إذا به في أمان ينام ويقوم. وبناء على طلبه وبسرّ آلامه خلّص الذين أيقظوه[11]].
نعود إلى الملاحين ورئيسهم لنجدهم يتصرفون بحكمة فائقة مع لطف ووداعة، إذ قيل: "فجاء إليه رئيس النوتية وقال له: مالك نائمًا، قم أصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك. وقال بعضهم لبعض: هلم نلقي قرعًا لنعرف بسبب من هذه البلية، فألقوا القرعة فوقعت القرعة على يونان" [٦-٧].
اتسم رئيس النوتية بوداعة فائقة في حديثه مع النبي الذي يغط نومًا في وقت كان الكل فيه يصرخ ويصلي ويلقي بالأمتعة في البحر... لقد تحدث برقة زائدة لم يجرح فيها مشاعره، حثه على الصلاة بلطف، الأمر الذي لا نجده أحيانًا في المؤمنين بل وفي الرعاة أنفسهم، إذ يفقدون سلامهم عند التوبيخ ويخسرون هدوءهم ليصلحوا من شأن الآخرين.
نقول أن الله الذي سبق فتحدث مع النبي ربما خلال رؤيا أو إعلان للعمل في نينوى، عاد ليحدثه خلال الطبيعة الثائرة، وإذ سد أُذنيه حدثه خلال الوثنيين، قائلاً له: "مالك نائمًا، قم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك". وكأنه يقول: "مالك نائمًا في داخل قلبك، فإن إلهك الذي تهرب منه يقدر أن يخلصنا نحن الأمم من الهلاك، إن كنت تحب شعبك وأمتك فانصت إلى توسلاتنا وتطلع إلى إشتياقنا ولا تستهن بإيماننا، فإن كنا لم نعرف بعد الإله الذي تعبده، لكننا بالإيمان نقبله فلا نهلك!".
والعجيب أن البحارة ألقوا قرعة فكشف الله عن الحقيقة وأدركوا أن يونان علة غضب الله... وكما يقول القديس چيروم: [إن كان الله أرشدهم خلال القرعة إنما يحدثهم خلال فكرهم، فلا يبرر هذا إستخدامنا للقرعة. لقد أرشد الله بلعام خلال أتانه (عد ٢٢: ٢٨)، ليعلن له أن الحيوان الأعجم أدرك ما لم يدركه الإنسان في شره، وكما تحدث الله مع المجوس خلال النجم، وكما سمح لقيافا أن يتنبأ وهو لا يعرف حين قال أنه ينبغي أن يموت واحد عن الشعب كله. على أي الأحوال إن كان يونان في حبه لشعبه إستهان بخلاص الأمم فخلال القرعة كشف له الله أنه لا يحتقر أمميًا، إنما يحدثهم بلغتهم ويكشف لهم عن الحقيقة حتى خلال ممارستهم فما قدمته القرعة حمل توبيخًا إلهيًا خفيًا ليونان المُستهين بخلاص الأمم!].
4. يونان والنوتية:
"فقالوا له: أخبرنا بسبب من هذه المُصيبة علينا؟ ما هو عملك؟ ومن أين أتيت؟ وما هي أرضك؟ ومن أي شعب أنت؟ فقال لهم: أنا عبراني وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر" [٨-٩].
وفي وسط التيارات العنيفة والنوء الشديد والخطر المحدق كنا نتوقع في النوتية أن يفقدوا سلامهم وهدوءهم، لكنهم أثبتوا أنهم حكماء، فإذ رأوا في يونان سرًا صاروا يسألونه عن كل حياته بالتفصيل... طالبين المعرفة الحقة. فكانت أسئلتهم توبيخًا لطيفًا إستخدمه الله لإصلاح يونان نفسه، ففيما هم يسألون كان يليق بيونان أن يُراجع نفسه في تصرفاته. وكما قال القديس چيروم: [كان هدف القرعة أن يضغط النوتية عليه ليعترف بلسانه عن سبب هذا النوء وعلة غضب الله]. أي ليعترف بعصيانه للرب وهروبه من ذاك الذي خلق البحر والبر.
وقد جاءت الأسئلة بالنتيجة المرجوة إذ إعترف قائلاً: "أنا عبراني، وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر". وكما يقول القديس چيروم: [إنه لم يقل "أنا عبراني" قاصدًا اللقب الخاص بشعبه الذي ينتمي إلى أحد أسباطه، إنما قصد أنه عابر كإبراهيم، وكأنه يقول: أنا ضعيف وراحل كسائر آبائي، وكما جاء في المزمور: "عبروا من مدينة إلى أخرى ومن مملكة إلى شعب آخر... إنني خائف من الرب إله السماء وليس من الآلهة التي تضرعون إليها العاجزة عن الخلاص. إنني أتضرع إلى إله السماء الذي صنع البحر والبر، البحر الذي أهرب إليه، والبر الذي أهرب منه!].
اعترف يونان بخطئه فتعرف البحارة على الله المخوف بحق، إذ قيل: "فخاف الرجال خوفًا عظيمًا، وقالو له: لماذا فعلت هذا؟! فإن الرجال عرفوا أنه هارب من وجه الرب لأنه أخبرهم" [١٠]. أدركوا أنه إنسان مقدس هارب من الله القدوس لذا سألوه لا توبيخًا له وإنما كما يقول القديس چيروم: [استفسارًا عن سرّ تصرفه].
بعد تمتعهم بمعرفة الله سألوا يونان: "ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟ لأن البحر كان يزداد اضطرابًا" [١١].
يقول القديس چيروم: [كأنهم يقولون: إنك تقول بأنه بسببك صار الريح والأمواج والبحر في هياج. لقد كشفت لنا عن سبب المرض فافصح عن الدواء. هوذا البحر يرتفع ضدنا، وعرفنا أننا صرنا موضع غضب لأننا أخذناك. أخطأنا إذ إستضفناك، فماذا نفعل حتى يسكن غضب الله علينا؟ ماذا نفعل بك؟ هل نقتلك؟ لكنك من مؤمني الرب! هل نحتفظ بك؟ إنك هارب من الله! الآن ليس لنا إلاَّ أن نُنفذ أمرك، فلتأمر حتى يهدأ البحر، فإن إضطرابه يشهد عن غضب الخالق... لا يمكن التأجيل بعد، أمام إنتقام الخالق؟].
"فقال لهم: خذوني واطرحوني في البحر فيسكن البحر عنكم، لأنني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم" [١٢].
قدم يونان العلاج وهو طرحه في البحر الهائج فيسكن النوء العظيم، فقد كان هذا النوء بسبب عصيانه للرب فلا يهدأ إلاَّ بإلقائه في المياه لتوبته، ومن ناحية أخرى فإن يونان كممثل للسيد المسيح حامل خطايا العالم كان لابد أن يُلقى به على الصليب ويُسلم للقبر لينعم المؤمنون به بالمصالحة مع الآب ويدخلون إلى سلامه الأبدي.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [توقع يونان أن يهرب بواسطة السفينة، فإذا بالسفينة تكون له قيودًا[12]]. ظن أنه قادر على الهرب من إله البحر خلال سفينة فأمسك به وسط المياه الثائرة داخل السفينة ليحصره وسط الضيق ويدخل به إلى التوبة. إستخدم الله ذات الوسيلة التي ظنها يونان لهربه من يد الله لكي يمسك به ويرده إليه. ما أجمل العبارة التي قالها القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم تكن هناك حاجة إلى أيام كثيرة ولا إلى نصائح مستمرة لكن في بساطة نقول كانت الحاجة أن يقوده كل شيء إلى التوبة (أي يستخدم الله كل الظروف لخلاصه). فالله لم يقده من السفينة إلى المدينة مباشرة، وإنما سلمه البحارة للبحر، والبحر للحوت، والحوت لله، والله لأهل نينوى، وخلال هذه الدائرة الطويلة ردّ الشارد حتى يعرف الكل أنه لن يمكن الهروب من يد الله[13]].
يُعلق القديس چيروم على الكلمات التي نطق بها يونان مع البحارة، قائلاً: [إن هذا النوء يبحث عني، يُهددكم بالغرق لكي تمسكوا بيّ وبموتي تحيون! إنني أعرف بالحقيقة أن هذا النوء العظيم هو بسبي... هوذا الأمواج تأمركم أن تلقونيّ في البحر فتجدون هدوءًا... لنلاحظ هنا عظمة الهارب فإنه لا يراوغ ولا يكتم الأمر ولا ينكر بعدما اعترف بهروبه من الله، وإنما يتقبل العقاب بقلب متسع. يُريد أن يموت ولا يتحطم الآخرون بسببه].
وللقديس چيروم أيضًا تعليق جميل على كلمات يونان هذه بكونها نبوة عن عمل السيد المسيح يوناننا الحقيقي الذي قَبِلَ أن يموت ليفدي الشعب كله، إذ يقول: [يوناننا يقول: إنني بالحقيقة أعرف أن هذا النوء العظيم عليكم هو بسببي، فإذ تراني الرياح مبحرًا معكم إلى ترشيش أي إلى "التأمل المفرح"، أقودكم إلى المجد، حتى حيث أوجد أنا هناك تكونون أنتم أيضًا عند الآب، لهذا يحدث غضب. العالم يبكي والطبيعة تضطرب! الموت يُريد أن يبتلعني لكي يقتلكم في نفس الوقت وهو لا يدرك أنه يأخذني كطعم، فبموتي يموت هو! خذوني إذن واطرحوني في البحر!].
5. يونان في جوف الحوت:
"لكن الرجال جذفوا ليرجعوا السفينة إلى البرّ فلم يستطيعوا، لأن البحر كان يزداد اضطرابًا عليهم. فصرخوا إلى الرب وقالوا: آه يا رب، لا نهلك من أجل نفس هذا الرجل، ولا تجعل علينا دمًا بريئًا لأنك يا رب فعلت كما أمرت" [١٣-١٤].
أبرز هذا السفر في بساطة الجوانب الطيبة لهؤلاء الأمميين، ففي البداية لم يلقوا بأمتعتهم ولا تصرفوا بحسب خبرتهم كبحارة إلاَّ بعد أن صرخ كل واحد إلى إلهه، فوضعوا آلهتهم أولاً قبل خبرتهم الأمر الذي يتجاهله كثير من المؤمنين. مرة أخرى حين ألقوا القرعة ووقعت على يونان لم يجرحوا مشاعره بكلمة ولا أهانوه بالرغم من الخسائر الكثيرة التي لحقت بهم بسببه، وحتى عندما إعترف بخطئه وأشار إليهم بطرحه في البحر حاولوا إنقاذه بكل وسيلة، وإذ فشلوا تمامًا وأدركوا أنها مشيئة الله أن يطرحوه في البحر كانوا في رعدة يخشون غضب الله، ويسألونه ألاَّ يسمح بهلاكهم من أجل نفس هذا الرجل! ألم تكن هذه التصرفات المملوءة حبًا ورقة وحكمة كافية لتوبيخ يونان الذي دعاه الرب لخلاص الأمم في نينوى فهرب! لقد قدم له عينة من الأمميين يفوقون المؤمنين أنفسهم. لو قورنوا باليهود الذين لهم الشريعة ومعهم النبوات ورأوا أعمال المسيح العجيبة وشهادة السماء والأرض والبحر وكل خليقة له، حتى بيلاطس الأممي غسل يديه أمامهم ومع ذلك صرخوا "دمه علينا وعلى أولادنا"، ألا يُحسبون أفضل منهم؟!
يعلق القديس چيروم على تصرفات الملاحين، قائلاً:
[كانوا يريدون أن يسحبوا المجداف ويهزموا الطبيعة حتى لا يفضحوا نبي الرب... ظنوا أنهم قادرون أن يخلصوا السفينة من الخطر ولم يضعوا في إعتبارهم الدور الذي يقوم به يونان أنه يجب أن يتألم].
[عظيم هو إيمان الملاحين، فقد كانوا في خطر ومع هذا كانوا يصلون من أجل حياة الغير. عرفوا جيدًا أن الموت الروحي أبشع من الموت الطبيعي، إذ قالوا: "لا تجعل علينا دمًا بريئًا". يجعلون الله نفسه شاهدًا حتى لا يتهمهم فيما لا يستطيعون عليه، وكأنهم يقولون له: لا نُريد أن نقتل نبيك إنما هو أعلن عن غضبك عليه، والنوء أكدّ إرادتك يا رب، هذه التي نحن نتممها بأيدينا].
[بينما لا يود الأمم موت المسيح مؤكدين أنه دم بريء (مت ٢٧: ٢٥)، إذا باليهود يقولون: "دمه علينا وعلى أولادنا"، لهذا متى رفعوا أيديهم نحو السماء لا يُستجاب لهم، لأن أيديهم مملوءة دمًا].
"ثم أخذوا يونان وطرحوه في البحر فوقف البحر عن هيجانه" [١٥].
يقول القديس چيروم: [لم يقل "أمسكوه" أو "انقضوا عليه" بل "أخذوه" كمن حملوه باحترام وإكرام، وطرحوه في البحر مسلمًا نفسه بين أيديهم بلا مقاومة، عندئذ وقف البحر عن هيجانه، إذ وجد من كان يبحث عنه. عندما نقتفي أثر شارد نجري وراءه بكل قدرات أرجلنا، وإذ نمسك به نتوقف بالغنيمة. هكذا كان البحر هائجًا بدون يونان، وإذ أُخذ في أعماقه من كان يشتهيه إبتهج بأخذه إياه وعيَّد له وهدأ فرحًا].
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في إلقاء يونان العاصي في البحر إشارة إلى طرد الخطية من سفينة حياتنا ليعود إلينا سلامنا الحق الذي نزعته آثامنا، إذ يقول: [إضطربت المدينة بسبب خطايا أهل نينوى، وإضطربت السفينة بسبب عصيان النبي. لذلك ألقى البحارة يونان في العمق فحُفظت السفينة. لنلق نحن أيضًا خطايانا فتبقى مدينتنا في أمان أكيد![14]].
ويرى القديس چيروم في إلقاء يونان في البحر إشارة إلى آلام السيد المسيح، التي نزعت عن بحرنا هياجه، وخلصت السفينة ومن بها من الخطر. خلال آلام السيد المسيح إمتلأ العالم سلامًا داخليًا فائقًا!
"فخاف الرجال من الرب خوفًا عظيمًا وذبحوا ذبيحة للرب ونذروا نذورًا" [١٦].
إذ أُلقى يونان في البحر إي احتمل السيد المسيح الآلام حتى الموت خلصنا من العبادات الوثنية القديمة، واهبًا إيانا مخافته العظيمة وتقديم ذبيحته الكفارية الفريدة وإيفاء نذورنا للرب أي تكريس حياتنا له تمامًا.
يقول القديس چيروم: [عندما مات يونان الهارب في البحر خلصت السفينة التي هزتها الرياح وخلص عابدوا الأوثان]. كما يقول: [قبل آلام الرب تضرعوا إلى آلهتهم تحت تأثير الخوف (1: ١٠)، أما بعد الآلام فخافوه بمعنى عبدوه ومجدوه... لقد خافوه خوفًا عظيمًا إي من كل النفس ومن كل القلب ومن كل الفكر (تث ٦: ٥؛ مت ٢٢: ٣٧). وذبحوا ذبيحة؛ بالتأكيد لا تعني المعنى الحرفي، إذ لا توجد ذبائح في البحر، لكن ذبيحة الرب إنما هي الروح الأصيل، وكما قيل: "قدموا للرب ذبيحة الحمد، أوف للعلي نذورك" (مز ٤٩: ١٤)] ...
إذن بطرح يونان في البحر أو دخول السيد المسيح إلى آلامه حلّ علينا روح المخافة الإلهية، وصار لنا حق تقديم ذبيحته المقدسة، وإيفاء نذورنا له!
"وأما الرب فأعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان، فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالِ" [٧].
لم تسر الأمور بلا تدبير أو تخطيط إلهي، لكن الله الذي أرسل الريح الشديدة فحدث نوء عظيم يعلن غضب الله على العصيان هو الذي أرسل سمكة ضخمة بجوار السفينة تبتلع يونان لتهبه مبيتًا آمنًا لا موتًا، تكشف له عن رعاية الله به، يقول القديس چيروم: [أظهر الرب غضبه حين كان يونان في السفينة، وأظهر فرحه حين دخل إلى الموت]، معللاً ذلك بأنه يمثل السيد المسيح الذي أمات الموت بموته. حقًا لقد ظهر يونان كضحية للموت يبتلعه الجحيم، لكن لم يستطيع أن يحتمله في داخله أكثر من ثلاثة أيام وثلاث ليالِ بل قذفه من جوفه، ليقول النبي: "أين أوباؤك يا موت؟! أي شوكتك يا هاوية؟!" (هو ١٣: ١٤).
لقد أكد السيد المسيح ما حدث ليونان في جوف الحوت كرمز لما حدث مع السيد نفسه، بقوله: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام أيام وثلاث ليالِ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالِ" (مت ١٢: ٤٠).
كيف بقى السيد المسيح في الأرض هذه المدة؟
أولاً: يرى القديس چيروم أن اليهود يحسبون الجزء من اليوم كيومٍ كامل، فتُحسب مدة الموت للسيد المسيح من الجمعة حتى الأحد، وإن كان قد مات في نهاية الجمعة وقام في فجر الأحد. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لو بقى السيد حتى نهاية يوم الأحد لكان الجند قد تركوا القبر وصدق اليهود أن خبر القيامة من صنع التلاميذ. إفتعلوه بعد ترك الجند للموقع، لذا قام والجند يحرسون القبر.
ثانيًا: يُقدم القديس چيروم رأيًا كان له من ينادي به هو إعتبار ساعات الظلمة على الصليب ليلاً جديدًا فريدًا من نوعه.
ثالثًا: يُحسب البعض مدة الدفن منذ اللحظة التي سلم فيها السيد جسده المبذول في أحشاء تلاميذه في العشاء الأخير، كمن هو مدفون في الأرض البشرية ليقيمها معه سماءً له بقيامته في فجر الأحد.
على أي الأحوال لقد دفن السيد ثلاثة أيام وقام، هذه هي الحقيقة التي شهدها التلاميذ وأكدها الرب ببراهين كثيرة لنعيشها كسرّ قيامتنا اليومية وغلبتنا على الموت والجحيم.
هذا وقد استخدم يونان بدخوله إلى الموت وخروجه كدليل حيّ على قيامة الجسد في اليوم الأخير[15].
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
آية (1):- "1وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: 2«قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي».
الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ : كان محيط نينوى 96كيلو متر وأبعادها 16 × 32 كيلو متر (وهذا معنى مسيرة 3 أيام 3:3) وارتفاع أسوارها 100قدم وسمك أسوارها بحيث تسير عليه من 3 إلى 4 مركبات حربية. وعلى الأسوار 1500 برج ارتفاع كل برج 200قدم.
صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي = في الترجمة السبعينية صعد صراخ شرهم أمامي. وهذا يشبه "صوت دم أخيك صارخً إلىّ من الأرض" (تك10:4) وصراخ سدوم وعمورة قد كثر (تك20:18). وكانت دعوة يونان للكرازة والخدمة في نينوى من نوع فريد. فهو النبي الوحيد الذي دعي لخدمة مدينة أممية لا ليتنبأ عنها بالدمار بل يدعوها للتوبة. ونينوى كانت عاصمة أشور ألد أعداء إسرائيل. وهرب يونان بسبب هذه الصعوبة. لكن الله المحب إستغل حتى هروبه هذا في تحقيق مقاصده الإلهية. فقد آمن بحارة السفينة بالله. ونفس الشئ حدث مع بولس ومرقس، فلقد استغل الله خلافهما ليرسل مرقس ليبشر في مصر.
آية (3):- "3فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ، فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا، لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ.
لماذا هرب يونان من المهمة التي كلفه بها الله ؟
[1] هناك سبب مذكور في (2:4) وهو أنه عرف أن الله في رحمته سيقبل توبتهم فيصير يونان في أعينهم ككاذب.
[2] يونان كان يتمنى هلاك أشور لأنها ألد أعداء إسرائيل، وليس الصفح عنهم، لذلك خرج بعد أن وجه أنذاره لنينوى وصنع له مظلة أمام المدينة منتظراً خرابها.
[3] ربما خاف يونان من شر الآشوريين فهم دمويون وربما قتلوه لو أنذرهم.
[4] ذهابه لآشور عدو إسرائيل يعتبر خيانة لملك إسرائيل، وربما اتهموه بالتجسس للعدو.
[5] ذهابه لشعب وثني ضد فكر ومزاج شعب إسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وبذلك سيسقط من نظر شعبه وكهنة وأنبياء شعبه.
تَرْشِيشَ = ربما تكون في جنوب أسبانيا أو شمال غرب أفريقيا، وهي أبعد بلد معروفة وقتئذ. فهو يريد أن يهرب من الله لأبعد مكان ممكن، وهذا جهل بالله.
وكلمة تَرْشِيشَ تعنى بحر.
وكلمة يَافَا تعني جمال.
نَزَلَ.. نَزَلَ.. نَزَلَ = تتكرر كلمة نزل في هذه الآية مرتين ثم تأتي ثانية في آية (5). فهو نزل إلى يافا ثم إلى السفينة ثم نزل إلى جوف السفينة. وبهذا تكررت كلمة نزل 3مرات، وهكذا لأنه ترك الله وهرب منه نجده في نزول مستمر وبالخطية عموماً نكون في نزول مستمر. وهو نزل إلى يافا أولاً (هذه تشير لمن يترك الله وينجذب لجمال العالم فيافا تعني جمال) ثم نزل إلى السفينة والسفينة في البحر، وماء البحر مالح، من يشرب منه يعطش (وهذه تشير لمن ينجذب لجمال العالم ويبدأ يشبع شهواته من العالم) ثم نزل لقاع السفينة حيث نام نوماً عميقاً، ولم يوقظه هياج البحر (وهذه إشارة لمن عاش في الخطية، ففقد حواسه الروحية، أي أطفأ الروح القدس فيه، ولم يعد يسمع صوت تبكيت الروح وإنذاراته). مثل هذا الخاطئ ماذا يفعل معه الله؟ لا حل سوى تجربة صعبة. وهذا ما حدث فلقد رموه في البحر ومنه إلى جوف الحوت.
فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا = إتكاله الآن على موارده الذاتية إذ إنفصل عن الرب أما من يكلفه الرب بعمل ما يقوم الرب بتسديد كل إحتياجاته. والخادم الذي يخدم الله بأمانة تجده يتكلم بكلمات هي من الروح القدس يعطيها له. أما الخادم المنفصل عن الله بسبب خطاياه تجده يتكلم من فلسفاته البشرية.
آية (4):- "4فَأَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً إِلَى الْبَحْرِ، فَحَدَثَ نَوْءٌ عَظِيمٌ فِي الْبَحْرِ حَتَّى كَادَتِ السَّفِينَةُ تَنْكَسِرُ
4فَأَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً = كان خطأ يونان أنه ظن أنه بهروبه سيهرب من الله، ولم يدري أن الله في كل مكان. هذا ما عبر عنه داود في مز139 وبالذات الآية (7،8) أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب.. (مز1:139-12) وبسبب هروبه من الله، وجهله بالله جلب على نفسه هذه العواصف. كان يليق به أن يهرب إلى الله، لا أن يهرب منه. هو هرب من الله، فما عاد يسمع صوت الله الهادئ المنخفض الخفيف الذي سمعه إيليا (1مل12:19) (فهذا لا يسمعه إلا من كان قريباً من الله ). ولأن يونان إبتعد وهرب من الله حدثه الله بلغة أخرى هي لغة الضيقات المتوالية (ريح شديدة- نوء عظيم- حوت..) ليكشف عما في داخله من ريح عصيان عنيف واضطراب داخلي. هذا ما حدث أيضاً للإبن الضال، فحين ترك أبوه جاءت عليه المجاعة. فإنه متى يكون الرب غير راضٍ، لا يكون شئ في أمان. فحين صلب المسيح اضطرب نظام الكون وصارت هناك ظلمة. علينا إذاً أن نعرف سبب أي ضيقة تمر بنا فقد يكون وراءها خطية جعلتنا نبتعد عن الله فما عدنا نسمع صوت تبكيته المنخفض.
آية (5):- "5فَخَافَ الْمَلاَّحُونَ وَصَرَخُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِهِ، وَطَرَحُوا الأَمْتِعَةَ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إِلَى الْبَحْرِ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ. وَأَمَّا يُونَانُ فَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى جَوْفِ السَّفِينَةِ وَاضْطَجَعَ وَنَامَ نَوْمًا ثَقِيلاً.
فَخَافَ الْمَلاَّحُونَ: هم خبراء بالبحر، ولكن سبب خوفهم أنهم شعروا أن وراء العاصفة شئ غير عادي، فهي هبَّت فجأة وبدون مقدمات وكانت عنيفة جداً.
وَصَرَخُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِهِ = هم شعروا بأن هناك شئ غير عادي فلجأوا لآلهتهم بينما
يونَانُ نَامَ نَوْمًا ثَقِيلاً = كأنه لا يريد أن يرى أمواج غضب الله عليه، هو نوم الهروب وليس نوم السلام، هو يهرب من واقعه. وتضيف السبعينية أن غطيط نوم يونان هو الذي لفت أنظار الربان إليه.
وَطَرَحُوا الأَمْتِعَةَ = لم تكن أمتعتهم مهما كانت عزيزة عليهم، أغلى من حياتهم، فهم رموا ما كان غالياً عليهم ليشتروا حياتهم الجسدية = هل نقبل أن نلقي ملذاتنا العالمية لنشتري حياتنا الأبدية وهي الأهم.
آية (6):- "6فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: «مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ».
هنا رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ يوبخ يونان، بل يطلب إليه أن يصلي. وهذا شئ مخجل أن يطلب هذا الوثني من نبي الله أن يصلي. فبسبب هروبه فقد مركزه كنبي مرسل ليوبخ ملك أشور العظيمة وجلس يتلقى التعليم من هذا الوثني.
عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا = كانوا كوثنيين يشعرون أن إلهتهم الكثيرة هي واسطة بينهم وبين الإله الأعظم الذي لا يعرفونه. ومازال ليومنا هذا كثير من الناس يبحثون مضطربين وسط عقائد كثيرة ولا يعرفون أين يوجد. ولكن الله يتكلم محاولاً أن يصل صوته لكل واحد. فهو كلم يونان برؤيا ولما هرب منه كلمه بالطبيعة الثائرة. ثم ها هو يكلمه عن طريق بحار وثني. فياليتنا نسمع صوته ومن له أذنان للسمع فليسمع.
آية (7):- "7وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ». فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ.
نُلْقِي قُرَعًا = الله يكلم كل واحد بحسب ما يفهمه. فالله كلم المجوس بالنجم مثلاً وهو لا يوافق على طريقتهم. وهنا الله لا يوافق على القرعة ولكنه كلمهم بها فهم لا يفهمون سواها.
فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ = وربما كان في السفينة من هو أشر من يونان ولكن الله أرسل العاصفة قاصداً يونان، فالله يؤدب أولاده " الذي يحبه الرب يؤدبه".
آية (8):- "8فَقَالُوا لَهُ: «أَخْبِرْنَا بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْمُصِيبَةُ عَلَيْنَا؟ مَا هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟ مَا هِيَ أَرْضُكَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَعْبٍ أَنْتَ؟»
كل هذه الأسئلة ليريحوا ضمائرهم. كانت أسئلتهم بطريقة لطيفة وأثبتوا أنهم حكماء. وكانت أسئلتهم توبيخاً لطيفاً ليونان. ففيما هم يسألونه كان يليق بيونان أن يراجع نفسه في كل تصرفاته ويعترف بلسانه بخطيته وعصيانه. وهم في حكمتهم لم يشاؤوا أن يظلموه، لذلك ها هم يستفهون منه.
آية (9):- "9فَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ».
هنا إجاباته على أسئلتهم. وعن سؤالهم ما هو عملك قال " وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ. والرب الذي أعبده هو خالق البحر والأرض والسماء. وليس كما تظنون أن هناك آلهة كثيرة. وربما أخبرهم أنه نبي.
آية (10):- "10فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟» فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ.
فهم عرفوا أن إله البحر غاضب 10فَخَافَوا خَوْفًا عَظِيمًا فهم رأوا ماذا يستطيع هذا الإله أن يفعل. وكان سؤالهم "إذا كان إلهك هكذا قوياً وأنت نبياً له فلماذا صنعت هكذا.
آية (11):- "11فَقَالُوا لَهُ: «مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟» لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا.
وإذ عرفوا أنه نبي سألوه عن علاج لهذه المصيبة التي هم فيها، فإضطراب البحر بهذه الصورة يشهد عن غضب الله.
آية (12):- "12فَقَالَ لَهُمْ: «خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ».
ربما قال يونان هذا بعد أن صلي وأرشده الله. وهو قال هذا الحل بصراحة وشجاعة، فهو لا يريد أن يهلك أحد بسببه. وقوله هذا يشير لتسليمه الكامل لحياته في يد الله.. فهو فهم أن الله يريد أن يؤدبه. وهنا يونان بإلقائه في البحر فيهدأ كان ممثلاً للسيد المسيح، الذي كان لابد أن يلقي به على الصليب ويسلم للقبر لينعم المؤمنون به الذين كانوا في اضطراب كالبحر، ينعمون بالسلام،هكذا نجا البحارة بإلقاء يونان في البحر، وهكذا نخلص بموت المسيح.
الآيات (13-14):- "13وَلكِنَّ الرِّجَالَ جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. 14فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ وَقَالُوا: «آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ».
لم يرد هؤلاء البحارة الطيبون إلقاء يونان في البحر، بل حاولوا إنقاذه برجوعهم إلى البر فلم يستطيعوا. لاحظ تصرفاتهم الطيبة فهم لم يستعملوا خبرتهم أولاً بإلقاء الأمتعة، لكنهم صلوا أولاً. وهم بعد وقوع القرعة على يونان لم يوبخوه بكلمة ولا جرحوا مشاعره مع أنه السبب في كل خسائرهم. وهم لم يطرحوه مباشرة بل حاولوا إنقاذه. ألم تكن تصرفات هؤلاء لتخجل يونان الذي رفض أن يذهب لأمثالهم الوثنيين في نينوى!! لقد أظهر الله له أنه لا يوجد في إسرائيل إيمان مثل هذا ولا رقة مشاعر مثل هذه. بينما شعب إسرائيل ولهم الناموس والأنبياء يتمادون في خطاياهم. وكان تصرفهم مثل بيلاطس الذي غسل يديه قائلاً: " أنا برئ من دم هذا البار.
لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ = أنت يا رب الزمتنا أن نفعل هكذا. وما نحن سوى أدوات في يدك. فلتكن مشيئتك.
آية (15):- "15ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ.
هم طرحوه بكل احترام وإكرام = ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ. لنلق عنا خطايانا فتهدأ حياتنا.
آية (16):- "16فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا.
في التقليد اليهودي أن البحارة حينما عادوا للبر آمنوا بإله إسرائيل واختتنوا وإنضموا لشعب الله. 16فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ = هذا معناه أنهم آمنوا به.
وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ = هذا يرمز لتقديم الذبيحة الآن بعد موت المسيح. فلقد صار من حقنا تقديم ذبيحة المسيح بعد موت المسيح وقيامته.
وَنَذَرُوا نُذُورًا = غالباً نذورهم كانت أن يؤمنوا بالله إله إسرائيل ويقدموا له ذبيحة لو نجوا من هذه العاصفة.
يخرج من الجافي حلاوة :- الجافي هو هروب يونان من الله ... وانظر كيف استعمله الله في ان يجعل هؤلاء البحارة الوثنيون يؤمنون به .
آية (17):- "17وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.
الأمور تسير بتدبير إلهي فها هو الحوت ينتظر يونان في الماء ليهبه مبيتاً آمناً لا موتاً. فالله لا يريد الانتقام من يونان بل أن يصلحه لكي يرسله من جديد. وهكذا كل تجربة يسمح بها الله لنا، هو أن ينصلح حالنا ونكمل عملنا الذي خلقنا الله لأجله (اف10:2) ونصلح لملكوت السموات. وكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالي هكذا كان المسيح في القبر ثلاث أيام وثلاث ليالي. والمسيح مات يوم الجمعة وقام فجر الأحد أي أنه قضى في القبر جزء من يوم الجمعة ويوم السبت كاملاً وجزء من يوم الأحد. ولكن هذه المدة تحسب ثلاث أيام وثلاث ليالي.. لماذا؟ [1] يعتبر اليهود أجزاء اليوم يوماً كاملاً في حسابهم [2] يعبر اليهود عن اليوم بقولهم صباح ومساء (تك إصحاح 1 + دا 14:8 + تث19:9 + 1مل8:19).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح