سفر حزقيال 4
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الباب الثاني
تهديدات قبل سقوط أورشليم
[ص 4- ص 12]
الأصحاح الرابع
اللبنة المرسومة ونومه
بدأ الحديث الإلهي مع حزقيال النبي بطلب التنبؤ وإنذار الشعب من خلال الرموز واستخدام ما نسميه "وسائل إيضاح"، الأسلوب المتبع في رياض الأطفال. ذلك لعجز اللغة البشرية عن التعبير، أو بقصد لفت انتباههم بسلسلة من الدروس العِيانّية.
1. اللَّبِنة المرسومة [1-3].
2. النوم على جنب واحد [4-8].
3. الأكل بالوزن والغم [9-17].
1. اللبنة المرسومة:
أمره الرب أن يرسم على لَبِن (طوبة من الطين) مدينة محاصرة بالجيوش، يقيم ضدها برجًا ومترسة ومجانق (آلات حربية لهدم الأسوار)، معلنًا أن حصار أورشليم قادم بسماح إلهي للتأديب، إذ أن الهيكل المقدس قد مضى عليه سنوات طويلة وهو منجَّس بإقامة أنصاب لآلهة وإلآهات وثنية داخل الأماكن المقدسة.
إذ شعرت صهيون أن الرب قد تركها، وسيدها نساها، أكد لها: "هوذا على كفّي نقشتك" (إش 49: 16). لقد نقشتك في ابني يسوع المسيح بكونك جسده المقدس وهو الرأس، أراك فيه مقدسة ومبررة، ترتفعين به وفيه إلى أحضاني وتتمتعين بشركة أمجادي. أما هنا فإذ تصر صهيون على الخطيئة وترتبط بالزمنيات ولا تريد أن تسمو عن الأرضيات لهذا طلب الله من حزقيال أن يرسمها على لبنة من الطين، بدلاً من أن تُرسم على كف الرب؛ إنه يعطيها سؤل قلبها. لهذا كثيرًا ما يردد مثل هذه العبارة: "أجلب عليك طرقك" (7: 4). اشتهت الأرض، فجعلها منقوشة على الطين!! بعد أن كانت أسماء أسباط إسرائيل منقوشة على الحجارة الكريمة توضع على صدر رئيس الكهنة ليدخل بها إلى قدس الأقداس في ظل السمويات هوذا مدينة أورشليم تنقش على الطين الذي أرادت أن تتثقل به!
في سفر النشيد يعتز الله بأولاده فيشبههم بالفرس العاملة معًا بروح واحد في مركبته الإلهية للخلاص (نش 1: 9)، يراهم كترصة حسنة مرهبة كجيش بألوية (نش 6: 4)... لكنهم إذ يُصرّون على اعتزاله والارتباط بالرجاسات يقيم ضدهم من الأمم برجًا ومترسة ومجانق لتحطيم كل قوة فيهم! بل ويأمر بإقامة سور من حديد حول المدينة [3] لا ليحميها وإنما لكي لا يهرب أحد مما يحل بها من تأديبات!
والعجيب أن الله في وسط هذا المُرّ يطلب من النبي أكثر من مرة أن يثبت وجهه على المدينة (3: 7) وأن يجعل ذراعه مكشوفة حين يتنبأ عليها [7]. أما تأكيد تثبيت وجهه على المدينة المحاصرة مرتين فعلامة رعاية الله لشعبه من اليهود كما من الأمم، إن الكنيسة بكل أجناسها هي موضوع رعايته وعنايته واهتمامه حتى في أمرّ لحظات التأديب. إنه يسمح لأولاده بالضيقات بكل مرارتها ومعها الخلاص. لهذا يسمى القديس يوحنا الذهبي الفم الألم "مدرسة الفلسفة"[80]، كما يقول: [إذا أخطانا يُنهض الله علينا أعداءنا لتأديبنا، لهذا يليق بنا لا أن نحاربهم، بل نحاسب أنفسنا ونثقفها. لنتقبل الآلآم كقبول الأدوية من الطبيب لأجل خلاصنا، وكقبول التأديب من الأب حتى نتمجد. لهذا يقول الحكيم ابن سيراخ: يا بني إذا تقدمت لخدمة ربك فتأهب للتجارب واصبر[81]].
أما الذراع المكشوفة فتشير إلى التجسد الإلهي، إذ يرى الآباء في "ذراع الرب" إشارة إلى الابن، و "أصبع الرب" إشارة إلى الروح القدس. وكأن أورشليم تبقى تحت الحصار في قبضة الخطيئة وتحت سلطانها حتى تنكشف ذراع الرب كقول القديس يوحنا: "فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا" (1 يو 1: 5). هذا الذي هو غير منظور صار بالتجسد مكشوفًا، إذ "حل بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقًا" (يو 1: 14). لقد حوصر قلبنا - أورشليم الداخلية - وتدنس هيكلنا وصرنا في حالة موت حتى شمر الآب ذراعه، أي أرسل ابنه الوحيد ليحررنا ويردنا إلى الخلاص. هذا ما رآه إشعياء النبي بروح النبوة إذ بشَّر أورشليم المسبية بالخطية، هذه التي نامت نوم الموت ودفنت في التراب وتحطمت تمامًا، قائلاً:
"استيقظي، استيقظي، إلبسي عزك يا صهيون.
إلبسي ثياب جمالك يا أورشليم المدينة المقدسة.
انتفضي من التراب،
قومي اجلسي يا أورشليم،
انحلّي من رُبط عنقك أيتها المسبية ابنة صهيون.
ما أجمل على الجبال قَدَمَي المبشر المخبر بالسلام،
المبشر بالخير المخبر بالخلاص،
القائل لصهيون: قد ملك إلهك...
أشيدي، ترنمي معًا يا خِرب أورشليم،
لأن الرب قد عَّزى شعبه، فدى أورشليم،
قد شَّمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم،
فيرى كل أطرف الأرض خلاص إلهنا" (إش 52).
واضح أن سر يقظة صهيون، ولبسها عزها، وانتقاضها من التراب، وتحررها من عنق العبودية، وتمتعها بالسلام هو تشمير ذراع الرب أمام عيون الأمم، أي تجسد السيد ليضم في جسده جماعات متمتعة بالخلاص.
هذا وتشمير الذراع يشير إلى الاستعداد للضرب، وعلى ما اعتقد لا يقصد ضرب شعبه إنما ضرب الخطيئة التي حطمت هذا الشعب، فقد جاء السيد المسيح لا ليدين الإنسان بل ليخلصه... لقد دان الخطيئة التي سقطنا نحن فيها في جسده!
قلب الله نحو شعبه لم يتغير، لكن قداسته تقتضي تحطيم الخطية ومعاقبة الأشرار المُصريّن على شرهم لعلهم يرجعون إليه بالتوبة.
2. النوم على جنب واحد:
إذا أعلن الرب حصار أورشليم وسبيها مع تلميحه عن اهتمامه بها وتشمير ذراع قدسه لخلاصها، بدأ يوضح فاعلية الخطيئة في حياة الإنسان، إنها تحطمه تمامًا، تلقيه إلى حالة نوم دائم بلا حيوية ولا عمل، ينام الإنسان على جنب واحد كمن هو مصاب بالفالج (الشلل).
لقد طلب منه أن ينام على جنبه الشمال 390 يوما ( وبحسب الترجمة السبعينية 190 يومًا)، ثم يعود فينام على جنبه اليمين لمدة أربعين يومًا، بالنوم الأول يشير إلى إثم بيت إسرائيل والثاني إلى بيت يهوذا. العمل الأول يشير إلى سقوط الإنسان تحت سلطان الضربة الشمالية أي الخطايا الظاهرة كالزنا والقتل والسرقة والكذب الخ، أما الضربة اليمينية فهي الخطايا الخفية التي يتعرض لها المؤمنون والذين يخدمون الرب مثل خطايا البر الذاتي وحب الكرامة والمديح، الأمور التي ليس لها مظهر الخطيئة أمام الناس لكنها تفسد حياة المؤمنين والخدام. النوم على الجانب الأيسر يبقى زمانًا أطول من النوم على الجانب الأيمن، لأن شعب يهوذا وإن كان قد تأخر في شره عن مملكة إسرائيل الشمالية لكنه في زمن قصير كمل شره. هكذا بالضربات اليمينية يسقط المؤمنون بسرعة خطيرة، ويكمل شرهم في وقت قصير، الأمر الذي جعل القديس يوحنا الذهبي الفم يعلن: [عجبي من أسقف (رئيس) يخلص!]، كما كان آباء البرية يحذرون أبناءهم الرهبان من الضربات اليمينية أكثر من اليسارية، لأن الأخيرة واضحة ويسهل التوبة عنها، أما الأولى فغالبًا ما تكون خفية تتسلل إلى القلب وتحطم توبته!
لماذا نسب الجنب الأيسر لإسرائيل والأيمن ليهوذا؟ لأنه إذ يتطلع الإنسان نحو شروق الشمس يكون الشمال عن يساره والجنوب عن يمينه، هكذا إسرائيل مملكة الشمال يمثلها جنبه الأيسر ويهوذا مملكة الجنوب يمثلها جنبه الأيمن.
أما بالنسبة للأرقام فلا أريد الدخول في تفاصيل كثيرة، إذ وجدت لها تفاسير متنوعة، مكتفيًا هنا بإبراز النقاط التالية:
أ. يرى البعض بإضافة الرقمين معًا (390+40) يكون الناتج 430 يومًا رمزًا إلى سني العبودية التي عاشتها الأمة اليهودية في مصر تحت العبودية. وكأن هذه الأرقام ليست إلا رمزًا عن فعل الخطيئة في حياة المؤمنين، إذ تدخل بهم إلى العبودية المُرّة.
ب. يرى البعض أن رقم 390 يشير إلى السنوات التي عاشتها إسرائيل منذ ارتداد يربعام حتى خراب أورشليم، بينما رقم 40 يشير إلى السنوات التي انحط فيها يهوذا قبل السبي.
ج. يفسر البعض رقم 390 هكذا؛ إن حصار أورشليم قد بقى 18 شهرًا (إر 52: 4-6) فإذا حذف منها خمسة شهور انسحب فيها المحاصرون عندما اقترب جيش فرعون (إر 37: 5-8) فيكون الباقي 13 شهرًا أي 390 يومًا.
د. الرقمان 390، 40 يرمزان إلى الخطيئة التي شملت كل إنسان، وشملت كل الحياة الزمنية، فحطمت كل البشرية بفالجها، وحطمت كل واحد كل أيام زمانه. فرقم 390 إنما هو حصيلة ضرب رقم 39 في 10، لأن عدد أسباط مملكة إسرائيل (10)، وأجرة الشر 39 جلدة، كأن كل الأسباط قد استحقوا الجلد. أما رقم 40 فيشير للحياة الزمنية كلها، لهذا صام السيد المسيح أربعين يومًا وأيضًا موسى وإيليا علامة ضرورة زهدنا كل أيام غربتنا. فالرقم الأول يعني شمول الخطيئة لحياة كل الناس، والرقم الثاني أنها تشمل كل أيام زماننا.
يرى البعض أن ما ورد هنا عن اتكائه 390 يومًا على جنبه الأيسر و40 يومًا على جنبه الأيمن يتعارض مع ما ورد في (حز 8: 1) حيث نجد النبي جالسًا وسط كبار قومه أثناء المدة المذكورة، فضلاً عن تعارض أمر الله له هذا مع إمكانية البشر، فلا يُعقل أن حزقيال تمَّكن من تنفيذه.
يرد على ذلك[82]: يتضمن النص السابق عادة شرقية قديمة، وهى عادة "اتكاء" الرجال أثناء جلوسهم على الأرض، متوسدين وسادة توضع تحت اليّد اليمنى أو اليسرى، حسب رغبة الشخص.
ولا يشترط النص المذكور عدم حركة النبي أثناء تنفيذه أمر الرب، لكن يشترط عليه ضرورة الالتزام بالاتكاء على جنبه الأيسر خلال الـ 390 يومًا والجنب الأيمن خلال الـ 40 يومًا كلما رغب في الجلوس فقط، واشترط أيضًا ضرورة كشف الذراع كله الذي يتكئ عليه [7]. وهذا الأمر لا يتعارض مع مباشرة النبي كل ما يريده من تحركات وأعمال متفاوتة أثناء المدة الزمنية المذكورة، ولا نجد صعوبة ما على النبي أو على غيره في ممارسة هذا الأمر. كما لا نجد أي تعارض مع النص الوارد في (حز 8: 1) الخاص بجلوس حزقيال النبي وسط كبار قومه. فالنص الأول لا يحرم على النبي الجلوس مع غيره، وفي نفس الوقت يؤكد أنه كان في بيته جالسًا، أي متكئًا، وبلا شك في أنه كان يلتزم بالوضع الذي حدده له الإعلان الإلهي، فلا خلاف بين النصين.
3. الأكل بالوزن والغم:
الأكل بالوزن والغم، والشرب بالكيل والحيرة، علامة المجاعة التي تحل بالشعب للتأديب. إنه رمز لعمل الخطيئة في حياة الإنسان، إذ تصيب نفسه بحالة جوع مع غم وعطش مع حيرة... هذا كله بجوار الفالج (الشلل) الذي أصابها.
لقد حدد له عشرة شواقل (حوالي 8 أوقيات) من الخبز كل يوم، وسدس الهين (حوالي نصف بنت أو 16/1 من الجالون) ماء. أما الخبز فمن أردأ الأصناف، التي تقدم للخيل والخنازير، وهو خليط من القمح والشعير والفول والعدس والدخن (ذرة رفيعة) والكرسنة (بذار برية مثل القمح)، يأكله أثناء نومه على جنب واحد. كما طلب منه أن يخبره مستخدمًا براز الإنسان عوض الحطب علامة ما بلغه الشعب من دنس ونجاسة (تث 23: 13-14)، لكن إذ توسل إليه أن يعفيه من هذا الأمر سمح له أن يخبره على روث الحيوانات. هذه العادة التي لا تزال توجد في بعض قرى الصعيد حيث تستخدم (الجلة) كوقود عوض الحطب. على أي الأحوال هذا التصرف يرمز إلى ما يصل إليه الشعب من تعب!
من وحي حزقيال 4
بحبك نقشتني على كفيك
v بحبك نقشتني على كفك يا إلهي،
حسبتني أورشليم المحبوبة، وصهيون المقدسة.
لكنني بخطاياي ونجاسات قلبي
صرت منقوشًا على لبنة من الطين.
صرت محتقرًا، أتمرغ في الوحل.
بتهاوني أحاط بي العدو وحطم أسواري،
يا من تريد أن تقيم روحك الناري سورًا لحياتي!
v مددت أيها الآب ذراعك الإلهي،
إذ أرسلت لي ابنك متجسدًا،
يغسلني من التراب،
ويهبني روحك الناري،
ويحملني إلى أحضانك!
v خطيتي نزعت عنى حيويتي،
صرتُ مريضًا بالفالج،
تارة أتكئ على جنبي الشمال مضروبًا بالشرور،
وأخرى أتكئ على اليمين مضروبًا بالبر الذاتي،
v حرمتني خطيتي من الشبع،
حولت جنتي الداخلية إلى قفر مدقع.
من ينقذني من هذه المجاعة إلا أنت يا شبع نفسي؟!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الرابع
كان حكم الله قد صدر بحصار وخراب أورشليم، ولكن اليهود غير المؤمنين لم يصدقوا، وكانوا يوهمون أنفسهم أنهم سيعودون إليها قريباً، وربما فى مراسلات اليهود الباقين فى أورشليم مع أقربائهم فى السبى كانوا يوبخونهم على بقائهم فى السبى، وأن أورشليم ستنتصر على بابل. ولاحظ أن التهديد بخراب بابل لأورشليم كان يقال على فم أرمياء النبى فى أورشليم، وعلى فم حزقيال النبى فى أرض السبى. والشعب المتمرد هنا وهناك رفض كلام كلا النبيين ولكى يكسر الله كبريائهم أعطى للنبى هنا هذه الرؤيا الواضحة عن الحصار العتيد أن يحدث بواسطة بابل لأورشليم وهنا تم تمثيل أمرين :-
أ) التحصينات التى ستقوم ضد المدينة. وهنا أُمِر النبى بصنع نموذج لأورشليم، وعليه أن يرقد مثبتاً نظره عليها كمن يحاصرها.
ب) تمثيل المجاعة الرهيبة التى ستتعرض لها أورشليم، وذلك بأن يأكل النبى كمية محدودة من الخبز والماء طوال مدة رقادة التى تمثل مدة حصار أورشليم
الآيات (1-8):- " 1«وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ لِبْنَةً وَضَعْهَا أَمَامَكَ، وَارْسُمْ عَلَيْهَا مَدِينَةَ أُورُشَلِيمَ. 2وَاجْعَلْ عَلَيْهَا حِصَارًا، وَابْنِ عَلَيْهَا بُرْجًا، وَأَقِمْ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً، وَاجْعَلْ عَلَيْهَا جُيُوشًا، وَأَقِمْ عَلَيْهَا مَجَانِقَ حَوْلَهَا. 3وَخُذْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ صَاجًا مِنْ حَدِيدٍ وَانْصِبْهُ سُورًا مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ، وَثَبِّتْ وَجْهَكَ عَلَيْهَا، فَتَكُونَ فِي حِصَارٍ وَتُحَاصِرَهَا. تِلْكَ آيَةٌ لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. 4«وَاتَّكِئْ أَنْتَ عَلَى جَنْبِكَ الْيَسَارِ، وَضَعْ عَلَيْهِ إِثْمَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. عَلَى عَدَدِ الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا تَتَّكِئُ عَلَيْهِ تَحْمِلُ إِثْمَهُمْ. 5وَأَنَا قَدْ جَعَلْتُ لَكَ سِنِي إِثْمِهِمْ حَسَبَ عَدَدِ الأَيَّامِ، ثَلاَثَ مِئَةِ يَوْمٍ وَتِسْعِينَ يَوْمًا، فَتَحْمِلُ إِثْمَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. 6فَإِذَا أَتْمَمْتَهَا، فَاتَّكِئْ عَلَى جَنْبِكَ الْيَمِينِ أَيْضًا، فَتَحْمِلَ إِثْمَ بَيْتِ يَهُوذَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَقَدْ جَعَلْتُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ عِوَضًا عَنْ سَنَةٍ. 7فَثَبِّتْ وَجْهَكَ عَلَى حِصَارِ أُورُشَلِيمَ وَذِرَاعُكَ مَكْشُوفَةٌ، وَتَنَبَّأْ عَلَيْهَا. 8وَهأَنَذَا أَجْعَلُ عَلَيْكَ رُبُطًا فَلاَ تَقْلِبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ حَتَّى تُتَمِّمَ أَيَّامَ حِصَارِكَ."
لبنة = تكون من طين ينقش عليه وهو طرى ثم تحرق فتصبح أَجُرَة وأرسم عليها مدينة أورشليم = قال الله قبل ذلك نقشتك على كفى أش 49 : 16 وكانت أسماء أسباط إسرائيل ال12 منقوشة على حجارة كريمة على صدرة رئيس الكهنة. أما الأن فنظراً لخطاياهم البشعة، فهم بمدينتهم أورشليم منقوشون على قالب طوب حقير. وأقام النبى حول هذا النموذج لأورشليم برجاً ومترسة ليمثل أبراج المهاجمين. صاجاً من حديد = إشارة لأن هذا الحصار قوى جداً ولا يمكن الإفلات منه، وهو نهائى، والمحاصرين لن ينسحبوا ما لم يدمروا أورشليم تماماً. هذا الشعب ما عاد يفهم بالكلام لقساوة قلبه، فالله يصور له عن طريق النبى ما سيحدث = تلك آية لبيت إسرائيل إن الأسلوب الذى إتبعه الله عن طريق النبى هنا، هو أسلوب يتبع لمن يخاطب صم وبكم، فالنبى هنا لا يعظ ولا يتكلم، بل هو بنفسه صار آية = بحصارة لهذا النموذج ونومه على جانبه. وهم صاروا صم وبكم لأن الخطية تفقد الإنسان حواسه الروحيه فلا يعود الخاطئ يسمع ويفهم، بل يحتاج لمثل هذه العلامات، فربما يكون تأثير الصور على العقل أكبر فيفهموا ، وربما أرسلوا لأقربائهم فى أورشليم أيضا لتحذيرهم. ولنلاحظ أن النبى نفذ ما طلب منه بالرغم من صعوبته وأيضاً فهو ضد رغبته الشخصية فهو كان يتمنى عدم خراب أورشليم ولا خراب الهيكل.
وكان على النبى أن يرقد على جانبه الأيسر لمدة 390 يوماً أى حوالى 13 شهراً ثم يتكئ على جانبه الأيمن لمدة 40 يوماً. وهذه المدة هى مدة حصار بابل لمدينة أورشليم. ولكن بالرجوع لسفر أرمياء 52 : 4 – 6 نجد أن مدة الحصار كانت 18 شهراً... فما تفسير هذا ؟ بالرجوع إلى أر 37 : 5 – 8 نجد أن جيش بابل قد إنسحب لفترة بعيداً عن أورشليم ليواجه جيش فرعون. فتكون الفترة الإجمالية للحصار هى 18 شهراً شاملة الحصار الفعلى بالإضافة إلى فترة الإنسحاب (أنظر الرسم)
أى أن البابليين بدأوا حصاراً مدته 390 يوماً إنسحبوا بعده ليواجهوا جيش فرعون ثم عادوا لحصار قصير لمدة 40 يوماً نجحوا بعده فى تحطيم المدينة بعد أن ثغروا السور أر 52 : 7
حاملاً الإثم = ألام النبى فى هذا النوم على جانب واحد هى رمز لألام الشعب التى سيلاقونها فى الحصار. وحاملاً الإثم = أى حاملاً لعقوبة الإثم. هنا نسمع عن برئ يحمل عقوبة إثم الخطاة رمزاً لمن سيحمل أثامنا.
معنى الأرقام :- ال390 يوماً إشارة إلى مدة إنفصال مملكة إسرائيل عن يهوذا على يد يربعام بن نباط، وهذه المملكة إنجرفت فى تيار شرور العبادات الوثنية منذ نشأتها. ومملكة إسرائيل إنشقت حوالى سنة 975 ق. م. أما خراب أورشليم فكان سنة 586 ق.م إذن الفترة من الإنشقاق حتى خراب أورشليم = 390 سنة تماماً. وتكون ال 390 يوماً هى إشارة لكل المدة التى ظل فيها شعب مملكة إسرائيل يمارسون شرورهم منذ إنشقوا عن يهوذا وحتى خراب أورشليم. ولاحظ أن مملكة إسرائيل قد إنتهت على يد أشور سنة 722 ق. م. وهرب من هرب منهم إلى أورشليم ليحتموا بها، ولكنهم أتوا إلى أورشليم بخطاياهم. والله يعاقبهم هنا على كل سنة من خطاياهم بيوم حصار وهذا من مراحم الله. ولكن هناك كلام آخر فى العذاب الأبدى ونعود لعبارة حاملاً الإثم = فلو إستمع هذا الشعب الخاطئ لتحذيرات النبى وقدموا توبة لكان النبى قد حمل إثمهم، بألامه هو فى رقاده ولنجوا هم من الهلاك. والمسيح حمل إثمنا على الصليب، وبنفس المفهوم، فلو قدمنا توبة لخلصنا. ومعنى ال40 يوماً :- هذه إشارة لإثم بيت يهوذا (المملكة الجنوبية) وهذه كانت أفضل حالاً من مملكة إسرائيل. ولكن كأس غضب الله قد إمتلأ من ذنبهم خلال أربعين سنة فقط بينما إسرائيل قد ملأت كأسها فى 390 سنة والسبب أن يهوذا كان لهم الهيكل والكهنوت بينما إسرائيل كانت محرومة من كل هذا. ومن له أكثر يدان أكثر. والأربعين سنة غالباً محسوبة منذ العثور على سفر الشريعة أيام يوشيا الملك، أو منذ بدأ أرمياء دعوته ونبوته، حتى حريق أورشليم. والمعلوم أن شعب يهوذا رفض أرمياء ورفضوا إنذاراته، بل عذبوه كثيراً.
وذراعك مكشوفة = كشف الذراع معناه الإستعداد للعمل بهمة. وهذا إشارة لتصميم الله على خراب أورشليم. وإذا فهمنا أن حزقيال (كحامل للإثم يرمز للسيد المسيح، فإن كشف الذراع يشير لتجسد المسيح أش 51 : 9 + أش 51 : 5، 52 : 10
الآيات (9-17):- " 9«وَخُذْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ قَمْحًا وَشَعِيرًا وَفُولاً وَعَدَسًا وَدُخْنًا وَكَرْسَنَّةَ وَضَعْهَا فِي وِعَاءٍ وَاحِدٍ، وَاصْنَعْهَا لِنَفْسِكَ خُبْزًا كَعَدَدِ الأَيَّامِ الَّتِي تَتَّكِئُ فِيهَا عَلَى جَنْبِكَ. ثَلاَثَ مِئَةِ يَوْمٍ وَتِسْعِينَ يَوْمًا تَأْكُلُهُ. 10وَطَعَامُكَ الَّذِي تَأْكُلُهُ يَكُونُ بِالْوَزْنِ. كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ شَاقِلاً. مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ تَأْكُلُهُ. 11وَتَشْرَبُ الْمَاءَ بِالْكَيْلِ، سُدْسَ الْهِينِ، مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ تَشْرَبُهُ. 12وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ». 13وَقَالَ الرَّبُّ: «هكَذَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ خُبْزَهُمُ النَّجِسَ بَيْنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَطْرُدُهُمْ إِلَيْهِمْ». 14فَقُلْتُ: «آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، هَا نَفْسِي لَمْ تَتَنَجَّسْ. وَمِنْ صِبَايَ إِلَى الآنَ لَمْ آكُلْ مِيتَةً أَوْ فَرِيسَةً، وَلاَ دَخَلَ فَمِي لَحْمٌ نَجِسٌ». 15فَقَالَ لِي: «اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ لَكَ خِثْيَ الْبَقَرِ بَدَلَ خُرْءِ الإِنْسَانِ، فَتَصْنَعُ خُبْزَكَ عَلَيْهِ». 16وَقَالَ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، هأَنَذَا أُكَسِّرُ قِوَامَ الْخُبْزِ فِي أُورُشَلِيمَ، فَيَأْكُلُونَ الْخُبْزَ بِالْوَزْنِ وَبِالْغَمِّ، وَيَشْرَبُونَ الْمَاءَ بِالْكَيْلِ وَبِالْحَيْرَةِ، 17لِكَيْ يُعْوِزَهُمُ الْخُبْزُ وَالْمَاءُ، وَيَتَحَيَّرُوا الرَّجُلُ وَأَخُوهُ وَيَفْنَوْا بِإِثْمِهِمْ»."
قارن هذه الأيات بالمراثى حيث يصف أرمياء أهوال الحصار مرا 4 : 3، 4. وهنا أُمِر النبى أن يأكل نوعية رديئة من الخبز بكميات قليلة جداً إشارة للمجاعة التى ستحدث، ومعنى الوزن للأكل عدم وفرته وإضطرارهم لتوزيعه بالوزن. وأسوء أنواع الخبز هو المصنوع من الحبوب المذكورة وهو طعام كانوا يستعملونه للخيل وللخنازير. والكمية التى يأكلها كانت = 220 جم تقريباً، ويشرب ما يساوى 1/2 كوب ماء. وهذا إشارة لأهوال الحصار. فعلينا نحن إذاً فى أصوامنا أن نلتزم بأن لا نبحث عن الطعام اللذيذ، فنحن لا نعرف ما سيحدث فى المستقبل. أما طريقة الخَبْزْ.. فعليه أن يخبز الخبز على وقود من خرء الإنسان (برازه) وهذا إشارة لنتائج الخطية التى تنجس . الله بهذا الأمر يشير لنجاسة الشعب إذ أن خرء الإنسان فى العهد القديم يشير للنجاسة، ومن يتلامس معه يتنجس، وإعتذر النبى عن هذا الأمر، وتسامح الله معه، وسمح له بإستخدام روث البقر كما يصنع فى الريف المصرى "هنا النبى لم يكن يعلم أن ما يدخل الفم لا ينجسه بل ما يخرج منه. وكم أنت رحيم يارب فى أن يتنازل عن مطلبه أمام مطلب النبى. هكذا على الأقوياء أن يتنازلوا للضعفاء. ويشير أيضاً الخبز على خرء الإنسان لأن المسبيين سيضطرون فى أثناء وجودهم فى السبى أن يعاشروا الأمم الوثنية ويأكلوا معهم ومن طعامهم وفى هذا نجاسة. ويشير أيضاً لعدم وجود وقود نتيجة للحصار. والله طلب هذا كإجابة على سؤال يسأله كل البشر... لماذا يتألم الانسان ؟ والاجابة ان هذا نتيجة عمله . فما يخرج من الانسان يعبر عما في داخله ، والداخل نجاسة ( ار17 : 9 ) كخزان الخارج منه يعبر عما فيه . والطعام هو حياتنا ، والوقود المستخدم لإنضاج الطعام هو شهواتنا الفاسدة العفنة التى تحركنا .
ولاحظ كيف شرح الوحى هذه الفكرة فى (هوشع 7 : 3 – 7) وراجع تفسير هوشع النبى.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح