كلمة منفعة
ما أكثر الذين يتجهون في حياتهم الروحية إلى أقصى اليمين، وأقصى اليسار، ويتأرجحون بين نقيضين...
— التوازن
سفر حزقيال 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
دعوة حزقيال
دعوة حزقيال
[ص 1- ص 3]
الأصحاح الأول
المركبة النارية
يبدأ السفر برؤية العرش الإلهي ليؤكد لشعبه أنه يشتاق أن يشتركوا مع السمائيين في التمتع بمجده، ومن جانب آخر فهو غير محتاج إلى الهيكل الذي دنسوه والتقدمات والعبادة ما لم تكن قلوبهم مقدسة له، تتهيأ لسكناه.
كان لهذا الأصحاح مهابة خاصة لدى اليهود فلم يكن يُسمح لأحد أن يقرأه ويفسره علانية، لأنه يتعامل مع أسرار عرش الله[22].
مقدمة
[1-3].
1. الريح والسحابة والنار [4].
2. المخلوقات الحية الأربعة [5-14].
3. البكرات [15-21].
4. المقبب [22-25].
5. العرش والجالس عليه [26-27].
6. قوس قزح [28].
مقدمة:
بدأ حزقيال النبي سفره بتحديد تاريخ أول رؤيا إلهية أُعلنت له، وموضع سكناه في ذلك الوقت، والظروف المحيطة به.
يقول: "كان في سنة الثلاثين" [1]. غالبًا ما يقصد أنه عندما بلغ الثلاثين من عمره فصار كاهنًا ولكن بلا عمل كهنوتي. وربما قصد السنة الثلاثين من بدء يوشيا الملك حركة ترميم الهيكل والإصلاح الديني، كما يُحتمل أنه قصد السنة الثلاثين من حكم نبوفالاسَّر والد نبوخذ نصر ملك بابل مؤسس الإمبراطورية البابلية. كان حزقيال مقيمًا على ضفاف قناة خابور عند تل أبيب[23] أو بجوارها (3: 15).
لقد بلغ حزقيال السن القانونية لاستلام العمل الكهنوتي من دخول إلى المقدسات وتقديم ذبائح واشتراك في الليتورجيات اليومية واحتفال بالأعياد وتمتع بالتسابيح المفرحة... لكن للأسف حُرم من هذا كله بسبب السبي، فكان يجلس عند ضفاف نهر خابور يبكي حال بلده وشعبه وهيكل الرب وكأنما كان يردد المزمور القائل:
"على أنهار بابل هناك جلسنا،
فبكينا عندما تذكرنا صهيون.
على الصفصاف في وسطها علقنا قيثاراتنا،
لأنه هناك سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح،
والذين استاقونا إلى هناك،
قالوا:
سبحوا لنا تسبيحة من تسابيح صهيون.
كيف نسبح الرب في أرض غريبة؟!
إن نسيتك يا أورشليم أَنْسَ يميني..." (مز 136/ 137).
هكذا تمررت نفس الكاهن فارتفع به الروح إلى السموات ليدخل به إلى أورشليم العليا ويتمتع بالهيكل الأبدي، فلا يرى تابوت العهد والمنارة الذهبية ومذبح البخور... الخ، إنما يرى المركبة الإلهية النارية والعرش الإلهي الناري. انفتحت السموات [1] ليرى الأسرار الإلهية بما يناسب الظروف المحيطة به، لكي تمتلئ نفسه تعزية، إذ يرى خلالها الطبيعة البشرية المتجددة بالروح القدس الناري التي وُهبت لنا بالمسيح يسوع ربنا خلال مياه المعمودية المقدسة وقد صارت مركبة نارية تحمل الله نفسه!
انفتحت السموات أمام حزقيال النبي المسبي ليدخل كما إلى عرش الله القدير، فيدرك أن شئون البشر لا تسير بطريقة عشوائية، وإنما بتدبير إلهي عجيب، فالله ضابط الكل يهتم بكل ما يمس حياة الإنسان. هذا هو سّر تعزيتنا وسط الضيق.
أني أري (السماء مفتوحة)، آخرون لا يروا.
لا يظن أحد أن السماء مفتوحة بمعنى مادي بسيط. بل نحن الجالسون هنا نرى السموات مفتوحة ومغلقة حسب درجات استحقاقنا المختلفة. الإيمان الكامل يفتح السموات والشك يغلقها[24].
القديس جيروم
جاءت هذه الرؤيا الأولى والتي ستتكرر تخدم الأمور التالية:
أولاً: تعزي نفس حزقيال المحطمة، لكي يردد القول: "عند كثرة همومي في داخلي تعزياتك تلذذ نفسي" (مز 94: 19)، "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزياتنا أيضًا" (2 كو 1: 5). لهذا رأى الرسول بولس الفردوس غالبًا وهو يُرجم في لسترة، واختطف الرسول يوحنا إلى يوم الرب وهو منفي في جزيرة بطمس.
ثانيًا: جاءت الرؤيا تناسب الظروف المحيطة بالخدمة، إذ يقدم الله رؤياه وعطاياه حسب احتياجات كرمه. فحين التقى الله بموسى كأول قائد للشعب يقوم بالعبور بهم من حالة العبودية القاسية إلى البرية ليدخل بهم خلال يشوع إلى أرض الحرية، ظهر له على شكل العليقة المملوءة أشواكًا المتقدة نارًا ولا تحترق، ليعلن سر التجسد الإلهي والألم والقيامة[25]. وكأنه لا انطلاقة للكنيسة إلا من خلال العمل الخلاصي بالمسيح المتجسد المصلوب القائم من الأموات. وجاءت المعجزات التي رافقت موسى النبي تؤكد ذات الشيء[26]. أما هنا فكانت نفسية الشعب محطمة، خاصة وأن الكلدانيين كانوا يطوفون بموكب الإله بيل أو مردوخ[27] في شوارع العاصمة في عظمة وأبَّهه، بينما حُرم هذا الشعب من هيكله وانقطعت عنه تسابيح التهليل، فظهر انكسارهم كأنه انكسار لإلههم. لهذا لم يعلن الله نفسه في عليقة بسيطة متقدة بل خلال المركبة النارية المملوءة مجدًا وبهاءً، وكأن الله قد أراد أن يؤكد لنبيِّه وشعبه أن مجده يملأ السماء والأرض حتى في اللحظات التي فيها يسلم شعبه للتأديب بواسطة الأمم.
ثالثًا: تعلن هذه الرؤيا عن عطية الله للطبيعة البشرية التي تتقدس بالتجسد الإلهي. فالمركبة النارية إنما هي الكنيسة المقدسة كعرش إلهي، تمثل الكنيسة الجامعة كما تمثل نفس المؤمن الذي صار عضوًا في كنيسة الله ومركبة نارية ملتهبة تحمل الله في داخلها، بقبولها الروح القدس في سرى العماد والميرون وتسليمها حياتها بين يديه ليعمل فيها على الدوام.
رابعًا: لعل الله أراد أن يعلن لحزقيال النبي ما ينبغي أن يكون عليه خادم الرب. فإن كان الله نارًا آكلة، هكذا خدامه أيضًا ينبغي أن يكونوا لهيبًا ناريًا (مز 104: 4)، إنهم يتشبهون بالمركبة النارية، حتى يستطيعوا بالروح القدس الناري أن يعملوا لحساب الله. في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [من يقوم بدور قيادي يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من كوكب منير، فتكون حياته بلا عيب، يتطلع إليه الكل ويقتدون به[28]].
خامسًا: قبل استعراض الرؤيا قيل: "وصارت عليه هناك يدُ الرب" [3]. هذه العبارة محببة جدًا لدى حزقيال النبي، فإن كان بسبب السبي قد حُرم من استلام العمل الكهنوتي بالوراثة، لكن يد الرب امتدت عليه لتباركه وتسلمه روح النبوة... أنه مدعو من الله مباشرة ليرى أسرار ملكوت السموات، ويدرك خطة الله مع البشرية كلها عبر الأجيال حتى انقضاء الدهر. لقد عينه الله لخدمة المقُدَّسات السماوية!
سادسًا: يرى العلامة أوريجينوس في عظته الأولى على سفر حزقيال أن حزقيال هنا يمثل السيد المسيح في لحظات عماده. لقد صار بالحق ابنا للإنسان وهو الكلمة الحقيقية. جاء إلينا نحن المسبيين، لا لنرى المركبة النارية، إنما ليقودنا بروحه القدوس خلال مياه المعمودية بقوة صليبه إلى عرشه الإلهي. يفتح أمامنا سمواته، فنجد لنا موضعًا في حضن أبيه، فيه نستقر، وفيه نستريح إلى الأبد. إنه يحول كنيسته إلى مركبة نارية بروحه الناري، فننطلق جميعًا بقلوبنا إلى عرش نعمته، نختبر عربون مجده حتى نراه وجهًا لوجه.
ولكي نفهم هذه الأمور يلزمنا أن ندخل في بعض تفاصيل الرؤيا بإيجاز، والتي شملت ستة أمور: الريح والسحابة والنار، المخلوقات الحية الأربعة، البكرات، المقبب، شبه العرش والجالس عليه، وأخيرًا قوس قزح. هذه تحمل أسرارًا خاصة بالحياة السماوية كما بالكنيسة المقدسة وأيضًا حياة المؤمن الداخلية، خاصة خادم الرب. ولما كان النبي يحاول في هذا الأصحاح أن يصف ما لا يوصف، لهذا كثيرًا ما يكرر كلمة "يشبه"، وكأن اللغة البشرية والألفاظ والرموز لم تسعفه في التعبير عما رآه.
1. الريح والسحابة والنار:
"فنظرت وإذا بريح عاصفة جاءت من الشمال. سحابة عظيمة ونار متواصلة
وحولها لمعان ومن وسطها كمنظر النحاس اللامع من وسط النار" [4].
حيث يعلن مجد الرب غالبًا ما تظهر هذه الأمور الثلاثة: الريح العاصف والسحابة العظيمة والنار المتواصلة. هذه التي اجتمعت بقوة في يوم البنطقستي في علية صهيون حين حل الروح القدس على التلاميذ لإقامة كنيسة العهد الجديد، إذ "صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت، حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أع 2: 2-4). ظهر الريح العاصف الذي ملأ كل البيت علامة امتلاء الكنيسة بالروح الإلهي، والنار المتواصلة خلال الألسنة النارية التي أشعلت قلوب المؤمنين بنار إلهي لا يُطفأ والسحابة العظيمة التي هي جماعة التلاميذ الذين تقدسوا فصاروا سحابة شهود للرب (عب 12: 1).
من جهة الريح العاصف نلاحظ أن كلمة "ريح ruah" في العبرية تُترجم ريحا أو روحًا أو نفسًا حسب النص[29]. ولا يقف الارتباط بين الريح والروح عند حدود اللفظ، فالريح عند اليهود لم تكن مجرد ظاهرة طبيعية، لكنها غالبًا ما كانت تحمل معنى الطاقة الإلهية المعلنة في الطبيعة[30]. ففي العهد القديم غالبًا ما ارتبطت الحضرة الإلهية بالريح العاصفة. فقد أجاب الرب أيوب من العاصفة (أي 28: 1)، وخاطب الرب موسى "في الجبل من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم (العاصف)" (تث 5: 22). وإذ وقف إيليا على الجبل "إذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال، وكسرت الصخور أمام الرب" (1 مل 19: 11). لهذا يقول ناحوم النبي: "الرب في الزوبعة وفي العاصف طريقة والسحاب غبار رجليه" (نا 1: 3). كما يقول المرتل: "يأتي إلهنا ولا يصمت، نار قدامه تأكل حوله عاصف جدًا" (مز 50: 3).
ويعلق القديس أغسطينوس على قول المرتل هكذا: [هذا بلا شك يصنع نوعًا من الفصل. إنه ذاك الفصل الذي لا يتوقعونه حين تتمزق الشباك قبل أن يأتوا بها إلى الأرض (لو 5: 6). في الفصل يحدث تمييز بين الصالحين والأشرار[31]]. وكأن الريح العاصف قد أخذ مفهومًا أخرويًا في ذهن القديس أغسطينوس. فإنه ما دمنا في هذا العالم كالسمك في الشبكة لا يُفصل الأبرار عن الأشرار، لكن إذ يؤتى بها إلى الأرض، أي إلى يوم الرب العظيم، يقوم الريح العاصف بعزل هؤلاء عن أولئك.
هذا الفصل أو التمييز الذي يلازم مجيء الرب العظيم يتم حاليًا داخليًا في القلب. ففي عيد البنطقسي إذ هب الريح العاصف وهب الكنيسة روح التمييز لا لتدين الأشرار خارجها وإنما لتحكم في داخلها روحيًا، فتعزل الخبيث المتمسك بخبثه عن النفوس البسيطة والنقية، كما يحمل كل عضو في داخله روح التمييز الذي يدين الشر أو الضعف الذي يسقط فيه، سالكًا في النور، هاربًا من الظلمة. إنه يدين نفسه ويحكم على أعماقه الداخلية وتصرفاته وسلوكه قبل أن يُحكَم عليه.
أما في سفر حزقيال فقد شعر النبي "بالريح العاصف قادمًا من الشمال" [4] وكأن الرب يؤكد أنه يُهبُّ على شعبه بروح الفصل والتمييز ليؤدبهم على شرهم ويدخل بهم من خلال السبي والألم إلى الحياة النقية. الريح العاصف أو الزوبعة قادمة من الشمال، وقد كان الشمال عند اليهود يشير إلى الضيق والغموض. حيثما تهب الريح الشمالية اللافحة تحل الأوبئة ويحدث الدمار. فبينما كان الأنبياء الكذبة يتكلمون بالناعمات (إش 30: 10)، "قائلين: سلام سلام ولا سلام" (إر 8: 11)، لكي يهدئوا مخاوف الشعب، ويكسبوا القيادات لصفهم على حساب الحق، كان الأنبياء ينطقون بالحق ولو كان جارحًا. هذا ما يؤكده حزقيال النبي أن الله نفسه قادم للتأديب كما في ريح عاصف شمالي!
وقد ربط السيد المسيح بين الروح الإلهي والريح في مفهوم لاهوتي جديد بقوله: "الريح تَهُبُّ حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من ولد من الروح" (يو 3: 8). لقد كشف أن عمل الروح القدس في الولادة الجديدة من خلال المعمودية عمل سري غير منظور لكن يُدرك عمله وفاعليته في حياة المؤمن. إنه يَهبُّ كالريح العاصف ليهز أساسات القلب القديمة ويقيم منه مقدسًا جديدًا. ويبقى الروح يهبَّ دومًا في داخلنا لا كمن يأتي من الخارج ولكنه يقيم فينا، عاملاً لنمو إنساننا الجديد، يعمل فينا ونشعر به لكننا لا ندرك أسراره. هكذا كان الروح الإلهي يعمل حتى في العهد القديم من خلال تأديب الشعب القادم من الشمال بطريقة خفية لم يكن ممكنًا للشعب أن يراها، لكنه عمل الله فيه بعد عودته إليه.
أما عن السحابة العظيمة، فمنذ القديم ارتبطت الحضرة الإلهية بالسحاب، فعند خروج الشعب إلى البرية كان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود السحاب ليهديهم في الطريق (خر 13: 21)، وقد رأى الرسول بولس في ذلك رمزًا لعمل الروح القدس في المعمودية (1 كو 6: 2)، حيث يعبر بنا من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله. وفي أكثر من موضع إذ كان موسى يتحدث مع الله كان مجد الرب يظهر في السحاب (خر 16: 10، 19: 9). وعندما نصب موسى خيمة خاصة خارج المحلة يلتقي فيها مع الله، يقول الكتاب "كان عمود السحاب إذا دخل موسى الخيمة ينزل ويقف عند باب الخيمة ويتكلم الرب مع موسى، فيرى جميع الشعب عمود السحاب واقفًا عند باب الخيمة" (خر 33: 9-10). وحينما دشنت خيمة الاجتماع "غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن" (خر 40: 34). وحينما بُني الهيكل عوض خيمة الاجتماع في يوم تدشينه "لم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب، لأن مجد الرب ملأ بيت الرب" (1 مل 8: 11). وفي العهد الجديد إذ ارتفع السيد بثلاثة من التلاميذ على جبل تابور وظهر موسى وإيليا جاءت سحابة نيّرة وظللتهم (مت 17: 5). ونقرأ في سفر الرؤيا عن مجيء الرب الأخير[32] "هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين والذين طعنوه وينوح عليه جميع قبائل الأرض" (رؤ 1: 7). فإلى أي شيء يُشير السحاب؟
أ. يرى القديسون كيرلس الكبير وأغسطينوس وجيروم أن السحاب يرمز لناسوت السيد المسيح الذي ظهر لنا خلاله وقد اختفي اللاهوت عن أعيننا، أما ظهوره في اليوم الأخير مع السحاب فيعني إخفاء مجد لاهوته عن الأشرار في يوم الدينونة فلا يتمتعون به، أما الأبرار فينعمون بأمجاد الإله المتأنس وينكشف لهم بهاؤه.
ب. يرى البابا ديونسيوس السكندري أن السحاب يشير إلى جماعة الملائكة غير المحصاة التي تظهر محيطة بالرب يوم مجيئه.
ج. يرى القديس أغسطينوس أن السحاب يشير إلى جماعة الكارزين، إذ يقول: "كلمة الله الذي هو المسيح يكون في السحاب، أي في الكارزين بالحق"[33]؛ بل ويرى كل عضو من أعضاء الكنيسة يمثل سحابة، فيه يأتي السيد المسيح، إذ يقول: "يأتي الآن في أعضائه كما في السحب، أو يأتي في الكنيسة التي هي السحابة العظيمة"[34].
د. يرى القديس أمبروسيوس أن السحابة التي تظلل الكنيسة هي جماعة الأنبياء الذين يقدمون لها شخص السيد المسيح خلال نبواتهم، إذ يقول: "كان موسى ويشوع سحابتين. لاحظوا أن القديسين هم سحب"، "هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها" (إش 60: 8) إشعياء وحزقيال كسحابتين فوقًا مني؛ الأول أظهر لي قداسة الثالوث خلال الشاروبيم والسيرافيم. الأنبياء جميعهم سحب، جاء فيها المسيح. لقد جاء في النشيد في سحابة صافية ومحبوبة، متألقة بفرح العريس (نش 3: 11). لقد جاء في سحابة سريعة، متجسدًا من العذراء، إذ رآه النبي قادمًا كسحابة من الشرق (إش 19: 1). بحق دعاه سحابة سريعة (خفيفة)، إذ ليس فيه شيء من تعلقات الأرض تثقله"[35].
هـ. في الحديث عن السحابة المنيرة التي ظهرت أثناء تجلى السيد المسيح يقول العلامة أوريجينوس[36]: "أتجاسر فأقول إن مخلصنا أيضًا هو السحابة المنيرة التي تظلل الإنجيل والناموس والأنبياء، إذ نالوا فهمًا؟ الذين رأوا نوره في الإنجيل والناموس والأنبياء"[37].
أما بخصوص النار المتواصلة، فقد قيل عن الله نفسه إنه نار آكلة (عب 1: 9)، خدامه أيضًا لهيب نار (مز 104: 4). فبظهور المركبة الإلهية خلال نار متواصلة يُعلن عن الحضرة الله النار المتقدة، الذي يحرق الأشواك الخانقة للنفس وفي نفس الوقت يهبها استنارة داخلية لتضئ كالبرق فيكون لها "لمعان ومن وسطها كمنظر النحاس اللامع من وسط النار".
تحدث القديس كيرلس الأورشليمي عن الروح القدس الناري في النفس البشرية من خلال المعمودية، قائلاً: [لماذا تتعجب؟! خذ مثلاً من الواقع وإن كان فقيرًا ودارجًا لكنه نافع للبسطاء. إن كانت النار تعبر خلال قطعة حديد فتجعلها كلها نارًا، هكذا من كان باردًا يصير ملتهبًا، وإن كان أسود يصير لامعًا. إن كانت النار التي هي مادة تخترق الحديد هكذا وتعمل فيه بلا عائق وهو أيضًا جسم (مادة)، فلماذا تتعجب من الروح القدس أنه يخترق أعماق النفس الداخلية؟![38]].
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن قوة النار حين تتسلط على عروق الذهب الخام المختلطة بتراب الأرض تتحول إلى ذهب نقي، هكذا بل وأكثر من هذا يعمل الروح القدس في المعمودية في الذين يغسلهم، إذ يحولهم إلى ما هو أنقى من الذهب عوض الطين. فحينما يحل الروح القدس كالنار في نفوسنا يحرق أولاً صورة الترابي ليعطى صورة السمائي، فتصير كعملة بهية متلألئة خارجة من أفران الصهر[39]].
ويعلق القديس أغسطينوس على كلمات المرتل: "قدامه تذهب نار" (مز 97: 3) قائلاً: [هل تخاف؟ لنتغير فلا نخف! ليخف التبن من النار، لكن ماذا تفعل النار للذهب؟![40]]. كما يعلق على العبارة: "لأنك جربتنا يا الله، محصتنا كمحص الفضة" (مز 66: 10) هكذا: [لا لتحرقنا بالنار كالهشيم بل كالفضة. فباستخدام النار لا تصيرنا رمادًا بل تغسلنا من الدنس[41]].
2. الأربعة مخلوقات الحية:
سبق لنا الحديث عن هذه الكائنات السماوية وقلنا إنها طغمتا الشاروبيم (الكاروبيم) والسيرافيم، وأشرنا إلى كرامة هذه الخليقة وعملها وشكلها وما ترمز إليه بشيء من الإفاضة أثناء تفسيرنا الأصحاح الرابع من سفر الرؤيا[42] غير أننا نضيف هنا الآتي:
أ. في سفر الرؤيا رأى القديس يوحنا لكل مخلوق حيّ وجهًا فرأى في الأربعة أربعة وجوه فقط. أما حزقيال النبي فيقول إنه رأى أربعة وجوه لكل مخلوق حي، من كل جانب وجه. ولعل السبب أن الأول تطلع إلى هذه الخليقة من جانب واحد، أما الأخير فتطلع إليها من كل الجوانب، إذ أنه رأى المركبة في حالة تحرك من كل الجهات.
هذه الوجوه كما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم تشير إلى تشفع هذه الكائنات الروحية في جنس البشر (مثل وجه إنسان) وفي حيوانات البرية (شبه وجه أسد) وحيوانات الحقل (شبه وجه ثور) وطيور السماء (شبه وجه نسر)، لأنها كائنات قريبة من الله له المجد أكثر من سائر الروحانيين السمائيين.
وإن أخذنا بتفسير القديس غريغوريوس النزينزي والعلامة أوريجينوس نرى في المركبة النارية النفس وقد تقدست بكل طاقتها لتحمل العرش الإلهي، فالأسد يشير إلى القوة الغضبية، والعجل إلى الشهوانية، والإنسان إلى النطقية (العقلية) والنسر إلى الروحية. هذا هو عمل الروح القدس في النفس، إنه يلهب طاقاتنا بناره لا ليحطمها بل ليقدسها ويجعلها متكاملة معًا، فتصير أشبه بمركبة نارية تحمل الله فيها!
وإن أخذنا بتفسير القديس فيكتوريانوس[43] وإيريناؤس نرى في هذه الوجوه إشارة إلى الأناجيل الأربعة التي تدخل بالنفس إلى الخلاص فتتمتع بالملكوت لا كأمر خارج عنها بل في داخلها، وتصير هي مَقْدسًا للرب.
وإن أخذنا بتفسير القديس إيرونيموس نرى أن سر حملنا لله النار الآكلة يكمن في تمتعنا بالخلاص الإلهي من خلال التجسد (شبه وجه إنسان) والصلب (الثور) والقيامة (الأسد) والصعود (النسر). بهذا السر، سر الإله المتجسد المصلوب القائم من الأموات والصاعد إلى السموات تنطلق النفس كمركبة نارية لتحمل بالروح القدس الحياة الإلهية في داخلها.
أخيرًا إن كانت هذه الكائنات الأربعة تمثل الكنيسة المقدسة الحاملة للحياة الإلهية في داخلها فإن هؤلاء الأربعة إنما هم الأسقفية والقسيسية والشموسية، والشعب، إنهم أركان رئيسية تعمل معًا لحساب السيد المسيح، أيّ اختلاف لركن منها يفقد الكنيسة اتزانها ويسئ إلى رسالتها. إن فقد ركن عمله أو تفاعله مع الأركان الأخرى يخسر الكل حيويته، فالكنيسة ليست مُركَّزة حول أسقف أو كاهن أو شماس أو مسئول علماني (من الشعب) لكنها حياة متكاملة ومتفاعلة معًا.
ب. يظهر كل مخلوق بأربعة أجنحة، أما في سفر الرؤيا فلكل مخلوق ستة أجنحة، ولعل الاختلاف ناجم عن ظهور ما سماه حزقيال النبي بالمقبب على رؤوس الخليقة الحية، وكأن كل مخلوق حيّ قد رفع جناحين فوق رأسه على شكل قبة ليستر عينيه من بهاء عظمة الله، فلم يظهر الجناحان المرفوعان بل الأربعة الآخرين. هكذا النفس التي تتمتع بحياة الشركة مع الله خاصة خادم الرب، تصير كأنها كاروب بستة أجنحة تستر نفسها بجناحين، وتطير نحو الله بجناحين، وتخفي عينيها بالجناحين الآخرين من بهاء عظمته! وقد لاحظ حزقيال النبي أن أجنحة الكاروبيم متصلة الواحد بأخيه [9]، فإن كان الكاروب يمثل أعلى طغمة سماوية فإن حياته المقدسة الملتهبة نارًا لا تقبل كسرّ حمل للعرش الإلهي إلا باتحادها مع حياة غيره. ولعل هذا ما دفع القديس مقاريوس الكبير إلى القول: [بإن خلاص الإنسان في حياة الآخرين، إذ لا يستطيع التمتع بالخلاص منعزلاً عن أخيه بل بكونه عضوًا معه في الجسد الواحد للرأس الواحد].
ج. أرجلها قائمة وأقدام أرجلها كقدم رجل العجل وبارقة كمنظر النحاس المصقول [7] الأرجل القائمة تمثل استقامة الإنسان الروحي، الذي له قدمان كالنحاس المصقول، تدكان الأرض وتحطمان الأشواك؛ وتبرقان ببهاء السماويات دون أن تتسخا بتراب العالم. فالمؤمن الحقيقي يسير على العالم بلا خوف، متجها نحو السماء دون ارتباك بالزمنيات.
د. "أيدي إنسان تحت أجنحتها على جوانبها الأربعة" [8]. الإنسان الروحي يعيش طائرًا في السمويات كما بأجنحة الروح، يداه مستعدتان دائمًا للعمل لحساب ملكوت الله، لخدمة كل بشر! له الأجنحة كما الأيدي! ولعل وجود الأبدي تحت الأجنحة يعنى أن السمائيين يتعبدون لله ويخدمون البشر، لهم روح العبادة والخدمة معًا!
هـ. "أجنحتها متصلة الواحد بأخيه" [9] أي يتعبد الكل معًا بروح الحب والانسجام والوحدة.
و. أيضا تطلع النبي إلى هذه المخلوقات الحية فرأى وجوهها من كل جانب وكأنها بلا ظهر، تستطيع أن تتحرك في كل الاتجاهات دون أن تستدير [9] وكأنها بلا ظهر، إذ يليق بالحامل للعرش الإلهي وقد دخل إلى كمال المجد ألا يكون له ظهر، بل يكون كله وجوهًا، وكله عيونًا دائم التطلع إلى الله بلا عائق. لذلك عندما أخطأ الشعب لله عاتبهم قائلاً: "حوّلوا نحوي القفا لا الوجه" (إر 2: 27). التعبير الذي استخدمه أكثر من مرة على لسان إرميا النبي (7: 24، 18: 17، 32: 33)، وكأن حزقيال النبي جاء يكمل كلمات النبي إرميا بأسلوب آخر، فعوض أن يوبخهم على تقديم القفا لا الوجه يثير فيهم الاقتداء بهذه الخليقة السماوية فلا يكون لهم قفا مطلقًا بل تكون حياتهم في الرب كلها وجوهًا ولقاءات معه!
يصف النبي تحركها، قائلاً: "إلى حيث تكون الروح لتسير تسير" [12]. فالروح القدس هو الذي يقود الموكب الإلهي، يقود السمائيين والأرضيين المقدسين في الحق. يكرر كلمة "تسير" ليؤكد ضرورة التزامنا بالسير حسب خطة الروح القدس وتحت قيادته بلا انحراف يمينًا أو يسارًا.
ز. رأى النبي المخلوقات الحية دائمة الحركة بطريقة متناسقة، وهي كجمر نار متقد كمنظر مصابيح من النار ويخرج منها أشبه بالبرق [13]. إنها صورة حية لعمل الله فينا الذي يجعلنا دائمي الحركة نحوه، ُيلهبنا فيجعلنا نارًا متقدة، وينيرنا فنصير كالبرق مملوئين به بهاءً. إننا نتحرك بالروح الناري القدوس!
ج. صوت حركتها مرعب كصوت مياه كثيرة، كصوت جيش.
هذا هو عمل الله في حياتنا، يجعل من النفس جيشًا قويًا لا يغلبه الشيطان وكل قواته. لهذا يقول القديس كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد: [يأتي كل واحد منكم ويقدم نفسه أمام الله في حضرة جيوش الملائكة غير المحصاة، فيضع الروح القدس علامة على نفوسكم. بهذا تُسجل أنفسكم في جيش الملك العظيم[44]]. ويقول الأب ثيؤدور الميصصي: [الآن قد اُخترت لملكوت السموات، ويمكن التعرف عليك. إن فحصك أحد يجدك جنديًا عند ملك السماء[45]].
ط. وفي الأصحاح العاشر دعي حزقيال النبي المخلوق الحيّ كاروبًا. والعجيب أن الكاروب ارتبط بخلاصنا ارتباطًا وثيقًا، ظهر في أول أسفار الكتاب المقدس ممسكًا سيفًا ملتهبًا نارًا يحرس طريق الفردوس حتى لا يدخل الإنسان إلى شجرة الحياة. إذ لا تقدر طبيعة الإنسان الساقطة أن تقترب من سر الحياة؛ كما ظهر في آخر أسفار الكتاب المقدس مع الأربعة وعشرين قسيسًا السمائيين يشتركون في تسبحة الحمل التي هي تسبحة خلاصنا (رؤ 5: 9)، إذ صار للإنسان حق الدخول إلى السماء عينها وقد تمجدت طبيعته في المسيح يسوع الحمل الحقيقي. أما بين بدء الكتاب ونهايته فيظهر أيضًا كاروبان على تابوت العهد في خيمة الاجتماع والهيكل علامة الحضرة الإلهية، وكان الله يتحدث مع موسى من خلالهما. أما وجود كاروبين فوق تابوت العهد حيث يمثل عرش الله، فيشير إلى أن الله الساكن وسط شعبه يتحدث معهم ويعاملهم خلال الرحمة والحب. أيضًا وجود اثنين يشير إلى دور السمائيين من نحونا: الصلاة لأجلنا والعمل كخدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14). ورسم شكل الكاروب على ستائر الخيمة والحجاب (خر 27-25) يقترب من شكل الإنسان مجنحًا ليعلن عن اقتراب الطبيعة البشرية إلى الحضرة الإلهية.
لقد عرف الإنسان الكاروب، فصار ليس غريبًا عن البشرية، لهذا عرفته الأمم ولاسيما الكلدانيون، وإن كانوا قد أضفوا عليه أشكالا من عندياتهم كما فعل سائر الأمم في كل الحقائق الإيمانية التي تسلموها شفاهًا بالتقليد وصبغوها بفكرهم المنحرف.
إذن حين نرى الكاروب إنما نتذكر طبيعتنا البشرية التي تمتعت بالخلاص من خلال اتحادها مع الله في المسيح يسوع ربنا بواسطة روحه القدوس. أما وجوهه الأربعة فتشير إلى تقديس طبيعتنا الجديدة من كل جوانبها: العقلية (إنسان) والروحية (النسر) والعمل (الثور) والسلطان (الأسد).
ى. تبع القديس إكليمنضس السكندري فيلون اليهودي قائلاً: [إن كلمة "كاروب" تعنى "معرفة"، وكأنه من خلال المعرفة الروحية تصير حياتنا مركبة تحمل الله داخلها]. هذا ما قبله أيضًا القديس جيروم الذي رأى في الكاروب رمزًا لمخزن المعرفة التي تعمل في طبيعتنا لترفعها وتنطلق بها بين القوات السماوية. تعمل في طبيعتنا المتسلطة على الشهوات كأسد، وتحلق في الأمور العلوية كنسر وتعمل مجاهدة كالثور وبتعقل كإنسان. هذه المعرفة نغترفها من الأناجيل الأربعة، إذ يقول نفس القديس: [متى ومرقس ولوقا ويوحنا هم فريق الرب الرباعي، الكاروبيم الحقيقيون، أو مخزن المعرفة؛ فإن جسدهم مملوء عيونًا ومتلألئ كالبرق...، أقدامهم مستقيمة ومرتفعة، ظهرهم مجنح، مستعدون للطيران في كل الاتجاهات، كل واحد منهم يمسك بالآخر يتشابك الواحد مع غيره، كالبكرات وسط البكرات يتدحرجن على طول الخط، يتحركن حسب نسمات الروح القدس[46]].
ك. "المخلوقات الحية راكضة وراجعة مثل البرق" [14]. ربما يشير بذلك إلى خدمة السمائيين الذين يُرسلون إلينا لكنهم سرعان ما يركضون ليرجعوا إلى حيث العرش الإلهي يتمتعون برؤية الله. والمؤمن الحقيقي الذي يلتهب قلبه بالاشتياق نحو مخلصه، بين الحين والآخر يركض قلبه وفكره وتركض كل أحاسيسه لترجع كالبرق تتمتع بالتأمل في مخلصها. إنها تصرخ مع الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا" (في 1: 23).
3. البكرات:
"فنظرت المخلوقات الحية، وإذا بكرة واحدة على الأرض بجانب المخلوقات الحية بأوجهها الأربعة، منظر البكرات وصنعتها كمنظر الزبرجد. وللأربع شكل واحد ومنظرها كأنها بكرة وسط بكرة. لما سارت سارت على جوانبها الأربعة، لم تدر عند سيرها. أما أُطرِها (حوافها أو إطارها) فعالية ومخيفة، وأطرها ملآنة عيونًا حواليها للأربع. فإذا سارت المخلوقات الحية سارت البكرات بجانبها، وإذا ارتفعت المخلوقات الحية عن الأرض ارتفعت البكرات. إلى حيث تكون الروح لتسير إلى حيث الروح لتسير والبكرات ترتفع معها، لأن روح الحيوانات كانت في البكرات" [15-20].
أ. ما هي هذه البكرات التي على الأرض، التي تحمل في داخلها روح المخلوقات الحية، والتي تتحرك بانسجام معها، وفي نفس الوقت مرتفعة، ومخيفة ومملوءة أعينًا، منظرها كشبه حجر الزبرجد، البكرة في وسط البكرة؟ يجيب القديس جيروم: [البكرتان هما العهدان الجديد والقديم، فان القديم يتحرك في الجديد، والجديد يتحرك في القديم[47]]. ويدلل على ذلك بما جاء في الأصحاح العاشر: "أما هذه البكرات فنودي إليها في سمعى جلجل Gelgel" (10: 13 الترجمة السبعينية)؛ فإن كلمة جلجل غير كلمة جلجال Gilgal التي تعنى متدحرج (تث 11: 30) أو دائرة، فإن الأولى تتكون من كلمتين "جل جل" تعنيان "إعلان"[48]. وكأن الصوت الذي سمعه حزقيال النبي خارجًا من البكرات هو "إعلان العهد الجديد وإعلان العهد القديم". فقد التحم العهدان معًا بقصد إعلان سر الخلاص البشرية بواسطة المسيح يسوع مركز الإنجيل. وفي هذا يقول القديس أمبروسيوس: [رأى النبي بكرة تجري وسط بكرة. هذه الرؤيا بالتأكيد لا تشير إلى أمر جسدي بل إلى نعمة العهدين. فالبكرة التي وسط البكرة هي الحياة تحت الناموس والحياة خلال النعمة. مادام داخل الكنيسة فإن النعمة احتوت الناموس[49]]. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [العهدان مترابطان معًا ومتضافران كل منهما مع الآخر[50]؛ العهد القديم يكشف أسرار العهد الجديد ويوضحها خلال الرموز والنبوات، والعهد الجديد يكشف أسرار العهد القديم التي كانت مختفية وراء الظلال].
لقد رأى البكرات على الأرض لكن إطارها عال ومخيف، وكأن كلمة الله التي قدمت في العهدين نزلت إلينا خلال لغتنا البشرية لكي نتفهمها ونعيشها ونحن هنا على الأرض، وفي نفس الوقت هي مرتفعة ومخيفة ترفع النفس إلى السمويات، وتدخل إلى الأسرار المملوءة هيبة ورعدة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يمكن لمن أنعم عليه بفاعلية كلمة الله أن يبقى هكذا في هذا الانحطاط الحاضر، بل بالأحرى يطلب له جناحين ينطلق بهما إلى الأماكن العلوية، مكتشفًا نور الصالحات غير المحدودة[51]].
ب. ترتبط البكرات بالأرض، فالمركبة النارية ترتبط بنا نحن البشر، لكي تحملنا من تراب هذا العالم إلى الحياة النارية السماوية.
إنها مركبة الله الذي قيل عنه إن طريقه في القدس وطريقه في البحر (مز 77: 13، 19)، إله السماء والأرض معًا؛ كل المسكونة تمجده.
ج. ارتباط البكرات بالأرض يؤكد أن الله هو ضابط التاريخ وصانعه، هو العامل في كل العصور... تبقى عجلة محبته ورعايته لبنى البشر تدور بلا توقف... حتى ولو لم يفهم الإنسان أسرارها وحكمتها!
د. أما منظرها فشبه منظر الزبرجد، وهو نوع من الحجارة الكريمة الشديدة الصلابة ذات اللون الأخضر الفاتح، وهو الحجر العاشر على صدرية رئيس الكهنة (خر 28: 20) التي بها يدخل مقدسات الله. وكأن الله يهب للنفس صلابة وقوة لمجابهة كل حروب الشيطان، اللون الاخضر الفاتح يشير إلى ما تقدمه في حياة الإنسان من ثمار إذ تجعل قلبه فردوسًا مفرحًا، أما وجوده على صدر رئيس الكهنة إنما يكشف عن عمل الكلمة فينا إذ تجعل أسماءنا منقوشة على صدر السيد المسيح أسقف نفوسنا الذي هو في حضن أبيه يشفع فينا، بالدم ليدخل بنا إلى حضن أبيه. أخيرًا فإن هذا الحجر هو أحد الحجارة التي تزين أساسات أسوار أورشليم الجديدة (رؤ 21: 20)... وكأن كلمة الله هي سر زينة العروس التي تتمتع بالدخول إلى حجال العريس إلى الأبد!
إذن كلمة الله هي الحجر الكريم الكثير الثمن الذي ينبغى أن يقتنية الكاهن والراهب والشعب كسرّ غلبة ونصرة واتحاد مع السيد المسيح ودخول إلى الحياة السماوية. لهذا حينما كتب الأب أغناطيوس بريانشانينوف كتابه "حلبة الاستشهاد" مقدمًا منهجًا للحياة الرهبانية عن آباء الكنيسة، بدأه بتوجيه أنظارالرهبان إلى الكتاب المقدس والوصايا الإنجيلية، قائلاً: [دعا الرهبان القدامى القديسون الحياة الرهبانية بالحياة حسب وصايا الإنجيل]، فُيعّرِف القديس يوحنا الدرجي الراهب هكذا: الراهب هو ذاك الذي تقوده وصايا الله وكلمة الله في كل وقت وفي كل موضع وفي كل أمر. كان الرهبان الخاضعون للقديس باخوميوس الكبير يلتزمون بتعلُّم الإنجيل عن ظهر قلب لكي تكون شريعة الإله المتأنس أشبه بكتاب مفتوح على الدوام في الذاكرة تراها عينا النفس دائمًا، مطبوعة على النفس لكي يتمموها بطريقة سهلة وبلا فشل. يقول الطوباوى الشيخ سيرافيم من صاروف: [يلزمنا أن ندرب أنفسنا لكي يكون الذهن سابحًا في شريعة الرب التي ترشد حياتنا وتحكمها[52]].
هـ. "أطُرها ملآنة عيونًا حواليها للأربع" [18]. الإنسان الروحي يحمل روح التمييز والحكمة، مملوء عيونًا...
هذه الأطر عالية ومخيفة [18]، يتسم الإنسان الروحي بالسمو الروحي فيُحسب في عينى السماء عاليًا ومكرمًا... إنه عالٍ لا يقدر عدو الخير أن يقتنصه، ومخيف لأن روح الله الذي فيه أعظم من كل طاقات شيطانية.
4. المقبب:
"وعلى رؤوس المخلوقات الحية شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرًا على رؤوسها من فوق" [22].
لقد رأى على رؤوس هذه الخليقة الحية السماوية شبه جلد السماء (مقبب) على شكل قبة. هكذا حينما يتقدم المؤمن بكل طاقاته الجسدية والفكرية والنفسية والروحية كآلات برّ مقدسة للرب، تتحول حياته إلى شبه قبة سماوية تظلل قلبه الداخلي.
في هذا يقول القديس يوحنا سابا: [هوذا السماء داخلك إن كنت طاهرًا والملائكة فيها تنظرهم مشرقين]، [مملكة طاهر النفس داخل قلبه، والشمس التي تشرق فيها هي نور الثالوث القدوس، وهواء نسيمها هو الروح القدس المعزي، والسكان معه هم طبائع الأطهار الروحانية، وحياتهم وفرحهم وبهجتهم هو المسيح ضياء الآب[53]].
أما كون المقبب له منظر كالبلور الهائل المنتشر، ذلك لأن طبيعة البلور يعكس المنظر الذي أمامه في داخله كأنه مرآة، هكذا ينعكس في داخل المؤمن منظر الرب المحمول فوق المقبب. بمعنى أن النفس وقد صارت سماء للرب ومقدسًا له إنما صارت كالبلور الذي يحمل صورته ويعكس سماته فيها. هذا المنظر يذكرنا بما رآه القديس يوحنا: "وقدام العرش بحر زجاج شبه البلور" (رؤ 4: 6) ويرى الأسقف فيكتوريانوس أن هذا البحر إنما يشير إلى المعمودية، فكل من يرغب في الالتقاء بالجالس على العرش يلزمه أن يخوض هذا البحر فتخترق نعمة الله نفسه وتتهيأ للملكوت. أما كونه شبه البلور، فلأنه يليق بالمعمدين أن يكونوا ثابتين وأقوياء.
إذ تنعكس إشاعات الجالس على العرش، شمس البر، على البحر البلوري تظهر ألوان الطيف واضحة على المخلوقات الحية، أي تظهر مواهب الله وعطاياه المتعددة والمتنوعة في حياة المؤمنين.
5. العرش والجالس عليه:
"وفوق المقبب الذي على رؤوسها شبه عرش كمنظر حجر العقيق الأزرق وعلى شبه العرش
كمنظر إنسان عليه من فوق. ورأيت مثل منظر النحاس اللامع كمنظر نار داخله من حوله
من منظر حقويه إلى فوق، ومن منظر حقوية إلى تحت رأيت مثل نار ولها لمعان من حولها"
[26-27].
إذ تحولت حياة المؤمن إلى قبة سماوية، انعكست عليها الألوان المختلفة خلال شبه البلور، فيظهر عليها عرش الله وفي داخلها، يظهر كلمة الله المتجسد ملكًا متربعًا على القلب. إنه كمنظر إنسان وفي نفس الوقت كمنظر النحاس اللامع، من حقوية إلى أعلى متقد نارًا، ومن حقوية إلى أسفل مملوء لمعانًا. هكذا يظهر الرب لنا بالنار المتقدة التي تحرق كل شر فينا، وبالبهاء الذي يسكبه على أعماقنا الداخلية فتنفتح بصيرتنا الداخلية وتمتلئ مجدًا. إنه يقترب إلينا لأجل مصالحتنا، فيحرق فينا أعمال الإنسان القديم ويملأنا بهاء بالإنسان الجديد!
رأى القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات سر التجسد الإلهي معلنًا من خلال هذه الرؤيا فقال: [إن هذه المركبة الحاملة لله هي القديسة مريم العذراء التي ظللها الروح القدس
فصارت ممجدة ومملوءة بالفضائل[54]].
6. قوس قزح:
حيث يظهر العرش الإلهي نرى قوس قزح حوله (رؤ 4: 3)، ذلك لأن مجد الله ليس جبروتًا وعظمة فحسب إنما هو أيضًا حب بلا حدود. قوس قزح علامة الحب التي قدمها الله حين أقام عهدًا مع نوح بعد الطوفان (تك 9) ويبقى الله كمحب للبشرية يقدم لنا كل حب خلال عهده معنا. هذا القوس له ألوان كثيرة تعلن عن إحسانات الله وعطاياه المتعددة لنا. وهو كقوس يشير إلى القوس الذي كان مستخدمًا في الحروب، وكأن الله يدافع عنا بقوسه لكن بدون سهم لأنه غير محب لسفك الدماء، به نغلب الخطيئة وندوس على الشيطان.
يرى العلامة أوريجينوس[55] أن وجود الوجوه الأربعة معًا (الأسد والنسر والبقر والإنسان) إشارة إلى عودة المخلوقات الحية المقدسة إلى طبيعتها الأولى المستأنسة، فإن كان في العصر المسياني قد سكن الذئب مع الخروف، وربض النمر مع الجدى وصار الأسد يأكل تبنًا كالبقر (إش 11: 6)، فإنه يتحقق هذا التناغم الكامل في مجيء المسيح الأخير حيث يُصير الكل واحدًا فيه، ينعمون بالوحدة والسلام معًا فيه، حيث نوجد في السماء عينهما مع كل الخليقة السماوية.
أخيرًا نود أن نذكر ما قاله الأب نوفانيوس Novation من رجال القرن الثالث عن هذه الرؤيا، إذ رأى في المركبة النارية رمزًا لرعاية الله وعنايته، هذا الذي يتنازل من أجل الإنسان[56]، ففي رأيه المركبة هي العالم وما يضمه من كواكب بحركاتها المنتظمة. وقال إن الله يحكم العالم مستخدمًا الملائكة الذين رُمز إليهم بالمخلوقات الحية. أما البكرات فهي حركة الفصول والأيام، والأقدام تشير إلى حركة الزمن. العيون التي للبكرات هي عناية الله التي لا يخفي عنها شيء. والنار تشير إلى القوة الحيوية التي تنعش العالم، أو الحرارة التي بدونها يقف العالم في سكون. أما الحقوان اللذان يضبطان المخلوق الحي فهما الناموس الطبيعي[57].
من وحي حزقيال 1
أرني سمواتك!
v مشتاق أن أرى سمواتك!
أعلنت مركبتك السماوية لحزقيال نبيك،
وفتحت بابًا في السماء ليوحنا تلميذك،
وأنا أشتاق أن أرى سمواتك!
أريد أن أعرف: أين أستقر، يا حبيب نفسي؟!
v وسط المرارة في أرض السبي كشفت لنبيك مركبتك،
فأدرك أنك صانع التاريخ وضابطه!
اكشف لي عن أسرارك، فأطمئن أني محمول على ذراعيك!
v رآك حزقيال وسط الريح والسحابة والنار،
ليهب روحك القدوس على نفسي فأتنسم ريحًا سماويًا،
لترفعني كما على السحابة فلا تقتنصني الحية،
وليلهب روحك القدوس قلبي بنار حبك!
v مركبتك عجيبة للغاية، مركبة شاروبيمية،
لها أوجه مثل وجه الإنسان والأسد والثور والنسر.
احسبني مركبة وعرشًا تتربع في داخلي!
قدِّس كل ما في:
مشاعر قلبي كإنسان الله،
قوة نفسي كأسد فلا أخاف،
عطاياي وتقدماتي كثور ذبيحة محرقة لك،
فكري وتأملاتي فأطير كالنسر في السمويات!
v هب لي مع الشاروبيم ستة أجنحة:
هب لي اتضاعًا ورجاءً كجناحين أستر بهما رجلَّي كما من الخطية!
هب لي بصيرة ومحبة كجناحين، فأنظر بهاء مجدك!
هب لي اعلاناتك ونعمتك كجناحين أطير بهما إلى أحضانك!
v هب لي مع المخلوقات الحية عيونًا من الداخل والخارج!
هب لي حكمة سماوية لأحيا على الأرض وفي السمويات!
أرى سمواتك فأشتاق إلى الرحيل إليك!
أرى نور وجهك فأستنير بك وأصير نورًا!
v هب لي عيونًا من كل جانب، فأصير كلي وجهًا،
ولا يكون لي قفا قط،
في كل اتجاه أتحرك فلا أعطيك القفا بل الوجه.
v ما أعجب هاتين البكرتين في مركبتك السماوية،
يحركهما الروح بلا توقف!
ما أعجب العهدين: القديم والجديد،
بروحك القدوس أتمتع بأسرارهما فأتحرك نحو السماء دومًا!
أطرهما مرتفعة من الأرض إلى السماء...
لترفعني كلمتك في العهدين لكي لا أبقى بعد في التراب!
v ما أجملك أيها الجالس على العرش،
ما أعجب قوس قزح حولك!
أرني ذاتك... أريد أن أتمتع بك!
هب لي إيمانًا ثابتًا في وعودك الثمينة وعهدك الأبدي.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
مدخل النبوة : فى هذا الإصحاح نجد الظروف العامة التى قيلت فيها هذه النبوة وزمانها ومكانها وشخص كاتبها. ومدخل هذه النبوة رؤيا غير عادية لشبه مجد الله ونتلمسه من :
1- حضور الله وحاشيته فى العالم العلوى حيث عرشه محاط بالملائكة ويسميهم هنا المخلوقات الحية.
2- العناية الإلهية التى يوليها الله لعالمنا ممثلة فى البكرات (العجلات) وحركتها.
3- وجه يسوع المسيح على عرشه.
وحينما يتكلم الله فعلينا أن نسمع بإنتباه وتوقير ومن الخطورة ألا نفعل ذلك.
الآيات (1-3):- " 1كَانَ فِي سَنَةِ الثَّلاَثِينَ، فِي الشَّهْرِ الرَّابعِ،فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَنَا بَيْنَ الْمَسْبِيِّينَ عِنْدَ نَهْرِ خَابُورَ، أَنَّ السَّمَاوَاتِ انْفَتَحَتْ، فَرَأَيْتُ رُؤَى اللهِ. 2فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ، وَهِيَ السَّنَةُ الْخَامِسَةُ مِنْ سَبْيِ يُويَاكِينَ الْمَلِكِ، 3صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى حِزْقِيَالَ الْكَاهِنِ ابْنِ بُوزِي فِي أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ عِنْدَ نَهْرِ خَابُورَ. وَكَانَتْ عَلَيْهِ هُنَاكَ يَدُ الرَّبِّ."
تحديد زمان ومكان النبوة وإسم قائلها يعطيها واقعية ويجعلها جديرة بالثقة، فلا تبدو وكأنها قصة خيالية. ومن المفيد لنا أن نحتفظ بسجل لمعاملات الله الطيبة معنا، كما قال الرب لموسى "اكتب هذا تذكاراً فى الكتاب خر 17 : 14" ويكون حينما نعود لهذه الذكريات المعزية لعطايا الله أننا نمتلئ بأحاسيس الشكر لله وأحاسيس الفرح والثقة فى الله.
فى السنة الثلاثين = قد تكون الثلاثين هي سن النبى كما قال أوريجانوس، وقد تكون السنة الثلاثين لبدء إصلاحات يوشيا بعد عثوره على نسخة التوراة فى الهيكل، وقد تكون السنة الثلاثين من حكم نبو بلاسر والد نبوخذ نصر ملك بابل. وأغلب الظن أن هذه المناسبات الثلاث قد إجتمعت معاً فى هذه السنة، فالبابليين يحسبون تقويمهم من سنة تملك ملكهم، واليهود يبدأون تقويمهم من زمن بدء إصلاحات ملكهم يوشيا، إشتياقاً لرجوعهم من السبى. وقد توافق هذا التوقيت مع السنة الثلاثين من عمر النبى الذى كان مقرراً أن يبدء عمله الكهنوتى فيها، ولم يحدث بسبب السبى، فدعاه الله لما هو أسمى، أى للعمل النبوى، إذ رأى أمانة قلبه "كنت أميناً فى القليل أقيمك على الكثير مت 25 : 21"
طرق الله فى الرعاية والتأديب :- كانت هذه الرؤيا وسط ظروف كئيبة حتى يعزى الله شعبه المسبى عند نهر خابور. فقد كان هؤلاء المسبيين حسب ما أسماهم أرمياء النبى هم "التين الجيد". وهؤلاء أرسلهم الله لبابل لأجل صلاحهم (أر 24 : 5). ولأجل صلاحهم النسبى لم يتركهم الله فى أورشليم التى كان الله ناوياً أن يضربها ويهدمها، فترك فيها التين الردئ، ولأجل صلاح المسبيين النسبى أقام الله لهم نبياً فى وسطهم ليعلمهم أن التأديب كان لخروجهم عن الناموس، ونلاحظ أن السبى كان عصا للتأديب بينما كان حزقيال شاهداً بكلمة الله حاملاً بها العزاء للمسبيين ، فعلينا أن نستمع بجدية لكلمة الله وسط الحزن والألم، فتكون للعزاء وسط الألم، فأن كلمة الله وعصاه يعملان فى تناغم عجيب (هارمونى)، فكلمة الله تعزى وتسند المتألم وتشرح عصا التأديب والعصا تدعيم للكلمة، وكلاهما يعطيان حكمة ويقودان الإنسان المؤمن للكمال. ونلاحظ أن خطايا الشعب ورفضهم تحذيرات الأنبياء، بل سخريتهم منهم كان مدعاة لكى يرسلهم الله للسبى، وبالرغم من هذا فحينما كانوا يئنون من أثار خطاياهم هذه ، كان الله يشجعهم ويعزيهم. وشئ من هذا قد يصيبنا حينما يلقى الله إلينا بتأديباته من أجل خلاص نفوسنا فنرفضها بغباوة، ونرفض معها دون أن ندرى تعزيات الله. وهذا ما يعنيه مرنم النشيد حين يقول "شماله تحت رأسى (التأديبات) ويمينه تعانقنى (التعزيات) 2 : 6 "وهذا ما يعنيه المرنم أيضاً بقوله عصاك وعكازك هما يعزيانني مزمور 23 : 4
ونلاحظ أن الله أرسل لهم النبى فى السنة الخامسة من السبى وليس قبل ذلك ولقد تركهم الله طويلاً بدون أنبياء ولا تعزية، تركهم ينوحون أمامه وليس من يدلهم، وكان هذا حتى يقدروا النبى الذى سيرسله لهم ويقبلوه ويقبلوا رسالته، ونلاحظ أن الله ترك أرمياء لأهل أورشليم وأرسل حزقيال للمسبيين، فالله يرسل معلم لأولاده فى كل مكان.
كان النبى ضمن المسبيين بجانب أنهار بابل الذين علقوا قيثاراتهم على الصفصاف مز 137 : 1 – 6. وهكذا يسمح الله أن يحمل الراعى النير مع شعبه. وحزقيال وهو من رجال الله الأحباء، بل هو من أحسنهم نجد الله يسمح له بأن يشترك مع شعبه الخاطئ فى نكبته، وهكذا قد نرى كثيرين من أولاد الله الأعزاء يجربون فى النكبات العامة لهذه الحياة، بل يتحملون عقوبات خطايا لم يرتكبوها، وبهذا يتشبهون بالسيد المسيح، فهم بهذا يشعرون بالألام التى تقع على المتألمين، ولكن الفرق بين الصالح والشرير لا يكون فى الأحداث التى تقع على كليهما، بل فى موقفهم من هذه الأحداث، ومقدار العزاء والصبر والسلام الذى به يتلقون هذا الألم. وهذا يؤكد عظم المكافأة التى لهم أيضاً فى السماء. ويحدث هذا كله بسماح من الله، فكلمات الإدانة والنصح والتعزية التى نسمعها فى حياتنا تأتى أوقع حينما نسمعها من الذين يعانون نفس الألام، ولقد قيل عن السيد "فيما هو تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين (عب 2 : 18) فهؤلاء المسبيين البسطاء يتعلمون أفضل من خبرات راعيهم حزقيال رجل الله المسبى والمتألم مثلهم.
ونلاحظ أن النبوة ليست حكراً على أرض إسرائيل وحدها، بل هناك نبوات وسط الكلدانيين مما يعطى إشراقة أمل لكنيسة المسيح التى يشترك فيها الأمم مع اليهود، والله مازال يدعو جميع البشر وينذرهم وأيضاً يقبلهم. ومن هنا نفهم أنه فى أى مكان فى الأرض يمكن أن نظل فى شركة مع الله. إن حالة رجل الله لا تتوقف فى أى زمن على ظروفهم الخارجية أو أوضاعهم فى المجتمع الذى يعيشون أو يكرزون فيه، فقد سمح الرب للرسل أن يقيدوا ويسجنوا... ولكن " كلمة الله لا تقيد 2تى 2 : 9" ففى سجن بولس الرسول لم تقيد كلمة الله، وأيضاً يوحنا الرسول وهو منفى فى بطمس رأى رؤياه، وخدام الله الذين يعانون كانوا يعاملون على أنهم المفضلين وتعزياتهم غير مقيدة (2كو 1 : 5). وهنا نجد أن حزقيال رأى رؤياه العجيبة هذه وهو مسبى فى بابل.
الرؤيا العجيبة
جاءت هذه الرؤيا العجيبة، وفتحت السموات لحزقيال ليرى أموراً سماوية رمزية عجيبة
وعظيمة لترفع نفس الشعب الذى تأثر بعظمة البابليين وآلهتهم الوثنية وكانت الرؤيا لحزقيال ليقرره الله كنبى مرسل، وهكذا حدث مع إشعياء (أش 6) وأرمياء (أر 1) وإبراهيم (أع 7 : 2). وبدأ الله مع كل منهم برؤيا عظيمة، حتى لا يحتاجوا كل مرة لرؤيا مع كل إعلان، فعلى من يخدم الله ويدعو لمحبته أن يعرف أكثر ويدخل إلى العمق ليؤثر فى القلوب، ولهذا أيضاً سمح الرب لتوما أن يضع إصبعه فى جروحه حتى يزول منه كل شك قبل أن يبدأ الكرازة. ولذلك حتى يرسل الله حزقيال بقوة ويعطيه دفعة طول العمر فى خلال مدة خدمته الصعبة فتح الله له السموات، الله بهذا كان يعده إذ يسمع صوت الله فى ملء القوة مباشرة فيذهب ممتلئاً بكل قوة.
وكانت عليه هناك يد الرب = يد الرب تمتد مع كلمته حتى تصبح مؤثرة، أى أن يد الرب كانت عليه لتفتح عينيه وأذنيه فيرى ويسمع ويدخل كل هذا لقلبه فيفهم. ويد الرب كانت عليه لتحفظه فلا يهلك حين يرى مجد الرب كما كانت يد الرب على موسى ليحفظه خر 33 : 22. وكانت يد الرب عليه حتى تقيمه وتدعمه عندما سقط عند قدمى الرب كميت (1 : 28 + 2 : 1، 2) وهذا حدث مع يوحنا رؤ 1 : 17
الآيات (4-14):- " 4فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ جَاءَتْ مِنَ الشِّمَالِ. سَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ وَحَوْلَهَا لَمَعَانٌ، وَمِنْ وَسْطِهَا كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ مِنْ وَسْطِ النَّارِ. 5وَمِنْ وَسْطِهَا شِبْهُ أَرْبَعَةِ حَيَوَانَاتٍ. وَهذَا مَنْظَرُهَا: لَهَا شِبْهُ إِنْسَانٍ. 6وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ. 7وَأَرْجُلُهَا أَرْجُلٌ قَائِمَةٌ، وَأَقْدَامُ أَرْجُلِهَا كَقَدَمِ رِجْلِ الْعِجْلِ، وَبَارِقَةٌ كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ الْمَصْقُولِ. 8وَأَيْدِي إِنْسَانٍ تَحْتَ أَجْنِحَتِهَا عَلَى جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. وَوُجُوهُهَا وَأَجْنِحَتُهَا لِجَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. 9وَأَجْنِحَتُهَا مُتَّصِلَةٌ الْوَاحِدُ بِأَخِيهِ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. كُلُّ وَاحِدٍ يَسِيرُ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ. 10أَمَّا شِبْهُ وُجُوهِهَا فَوَجْهُ إِنْسَانٍ وَوَجْهُ أَسَدٍ لِلْيَمِينِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ ثَوْرٍ مِنَ الشِّمَالِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ نَسْرٍ لأَرْبَعَتِهَا. 11فَهذِهِ أَوْجُهُهَا. أَمَّا أَجْنِحَتُهَا فَمَبْسُوطَةٌ مِنْ فَوْقُ. لِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ مُتَّصِلاَنِ أَحَدُهُمَا بِأَخِيهِ، وَاثْنَانِ يُغَطِّيَانِ أَجْسَامَهَا. 12وَكُلُّ وَاحِدٍ كَانَ يَسِيرُ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ. إِلَى حَيْثُ تَكُونُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ تَسِيرُ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. 13أَمَّا شِبْهُ الْحَيَوَانَاتِ فَمَنْظَرُهَا كَجَمْرِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ، كَمَنْظَرِ مَصَابِيحَ هِيَ سَالِكَةٌ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ. وَلِلنَّارِ لَمَعَانٌ، وَمِنَ النَّارِ كَانَ يَخْرُجُ بَرْقٌ. 14الْحَيَوَانَاتُ رَاكِضَةٌ وَرَاجِعَةٌ كَمَنْظَرِ الْبَرْقِ."
ما هو القصد الإلهى من هذه الرؤيا ؟
1- يعطى الله لحزقيال فكرة عظيمة ومؤثرة عن نفسه، ليشعر بشرف خدمة الله وكأنه أصبح أحد ملائكته المرسلين. وليعطى حزقيال قوة قادرة أن تدفعه خلال سنوات خدمته، فلا يعتذر عن هذه الخدمة الثقيلة بسبب غلظة الشعب.
2- يستثير خوف الشعب سواء فى أورشليم أو فى بابل، الشاعرين بالأمان الزائف بالرغم من خطاياهم مستهينين بتحذيرات الأنبياء أن أورشليم ستخرب
3- يعزى الخائفين الذين إرتعدوا من كلامه وتواضعوا أمام يده القديرة. مع أنهم ليسوا فى أورشليم المدينة المقدسة، مع أن هناك كثيرين يتذكرون الله فقط فى المواضع المقدسة، وعندما يغادرونها يعتبرون أنفسهم متحررين من وصايا الله.
4- يعطى فكرة كإعلان مسبق أن الكنيسة ستكون فى كل مكان ولجميع شعوب الأرض
5- نرى الله هنا مخدوماً بواسطة ملائكته، وهم رسله وخدامه ينفذون أوامره ويصغون لصوت كلمته، فندرك عظمة الله ونثق فيه، ويثق فيه هؤلاء المسبيين فى بابل. بل يدركوا تفاهة أوثان بابل مهما كانت عظمتها.
ريح عاصفة... نار متواصلة... سحابة = فى الإعلان عن مجد الرب، غالباً ما تظهر هذه الأمور الثلاثة كما حدث يوم الخمسين، ريح عاصف يملأ البيت وألسنة نار تحل على التلاميذ أع 2 : 2. والرب كلم أيوب من العاصفة 38 : 1 وراجع خر 24 : 16 – 18 "وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب... وكان منظر مجد إلهنا كنار آكلة" + "تث 4 : 24 الرب الهك هو نار آكلة" + "لأن إلهنا نار آكلة عب 12 : 29". والسحاب يلازم ظهور مجد الرب.وهذا كله أيضا لاعداد قلب النبي ليخشع امام الله فيسمع صوته .
ريح عاصفة جاءت من الشمال = قد تكون لتنقية الجو لظهور مجد الله ولكنها تعبر عن الطاقة الإلهية التى تظهر فى حركات الطبيعة وتعلن فيها. وكلمة ريح وكلمة روح هما كلمة واحدة فى العبرية، وقد ربط السيد له المجد بينهما فى يو 3 : 8. فالريح هى إعلان عن عمل الروح القدس، وكما أن الريح لا يراها أحد ولكن نلمس أثارها فيما تحركه بشدة، هكذا الروح القدس لا يراه أحد ولكننا نلمس عمله فى تغيير القلوب بشدة. ونراه يحرك الأحداث كما حرك جيش الكلدانيين الآتى من الشمال ضد أورشليم الخاطئة وسفر أعمال الرسل يسمى سفر أعمال الروح القدس، فالروح القدس دائماً يعمل دون أن نراه ولكننا نلمس عمله :-
1- فى هز أساسات القلب القديمة ليقيم منه مقدساً جديداً
2- فى تحريك الأحداث لمجد الله، وهنا يحرك جيش بابل الذى سيغير على أورشليم مثل العاصفة أر 1 : 14
سحابة عظيمة = سبق ورأينا هبوب ريح عاصفة لكى تطرد الضباب الموجود فى المنطقة لتنقى السماء والهواء وليكون هناك صفاء ليظهر مجد الرب وهذا إعلان عن أن الله يلاشى الحواجز التى تمنعنا من أن نراه، فليس المهم أن يلاشى الله الضباب والسحاب حتى يظهر نوره، بل أن الله يميت الخطية فى القلب لنرى مجده، فالخطية هى التى تمنعنا من رؤية الله ومجده. وهذا ما رأيناه سابقاً أن الروح (الريح) تهز أساسات القلب لتقيم منه مقدساً جديداً، فيكون هناك صفاء فى الذهن قادر أن يعاين مجد الله. ومع أن الريح طردت ولاشت السحاب الصادر من الأرض (أى أفكار وشهوات الخطية) إلا أن الريح تلازمت وتزامنت مع سحابة أخرى عظيمة. فبعد صفاء الذهن وسلام القلب نستطيع أن نرى جيداً... ولكن نرى ماذا ؟ بالطبع لن نستطيع أن نرى كل شئ، ولن نستطيع أن نرى مجد الله ونحن فى هذا الجسد. "لا يرانى الإنسان ويعيش خر 33 : 20". وهذا يكون طالما نحن فى جسد الخطية هذا رو 7 : 14 – 24. لذلك فقد رأى النبى أشباه الأشياء (حز 1 : 5،10، 13، 22، 26، 28). وهذا ما قاله بولس الرسول، أن الأشياء السماوية تكون مستورة عنا لا نستطيع أن نراها بل ما نراه يكون "كما فى لغز كما فى مرآة 1كو 13 : 12". وهذه السحابة التى ظهرت مع الريح العاصفة كانت لتحجب نور الله ومجده عن حزقيال فلا يموت، هى مثل السحاب الذى يحجب نور وحرارة الشمس فلا نرى سوى نوراً بسيطاً. هكذا هذه السحابة حجبت عن حزقيال مالا يستطيع أن يراه وإلا يموت، فما رآه حزقيال كان بقدر ما تحتمل بشريته، وحتى ما رآه بعد أن حجبت السحابة معظم نور ومجد الله، ما رآه جعله يسقط كميت (1 : 28 + 2 : 1، 2) إذاً الريح العاصفة كانت لإعداد حزقيال ليرى، والسحابة كانت لتحديد ما يراه حزقيال لكى لا يهلك.
والسحابة لازمت ظهور مجد الله دائماً، فظهرت مع الشعب حين صاحبهم الله فى البرية، وظهرت فى تدشين خيمة الإجتماع والهيكل بعد ذلك فى أورشليم وظهرت السحابة فى صعود الرب، وسيأتى الرب على السحاب. وفى التجلى ظهرت سحابة. والسحاب فى إرتفاعه عن الأرض يشير لمجد الله القدوس المرتفع عن الأرضيات والمتسامي عنها كثيراً، والسحاب مصدر المطر، والمطر هو خير العالم، وأعظم خير لنا من فوق هو الروح القدس. لذلك فالماء فى الكتاب المقدس يشير لعطايا الروح القدس "من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حى يو 7 : 28، 39".
بل أن القديسون تم تشبيههم بالسحاب فى كثرتهم وتساميهم عن الأرضيات "إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا عب 12 : 1. والعذراء شبهت بسحابة سريعة أش 19 : 1 هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر.
نار متواصلة = كان الرب يتراءى لشعبه فى العهد القديم فى جبل سيناء ومنظره يشبه نار آكلة (مز 24 : 16، 17) وكان ظهوره لموسى فى العليقة كنار، وكان غضب الله ينصب أيضاً على الخطاة فى صورة نار تأكلهم عد 11 : 1، 2 + عب 10 : 27. والروح القدس حل على التلاميذ على هيئة ألسنة نار.
وقيل أيضاً عن ملائكة الله أنهم " رياحاً وخدامه لهيب نار عب 1 : 7" وخادم الله يجب أن يكون ملتهباً فى خدمته لأنه مكتوب "ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة". ويكون ملتهباً أيضاً فى حبه لله، فهناك خطية عظيمة لا يعتبرها بعض الناس هكذا وهى نقص المحبة "عندى عليك أنك تركت محبتك الأولى رؤ 2 : 4 ". وهذه النار المتواصلة إشارة لأن الله قادر أن يملأ قلوب شعبه وخدامه بمحبة نارية إن هم لم يقاوموا عمل الروح القدس فيهم. ومن لا يمتلئ قلبه بالمحبة لا يستطيع أن يعمل لحساب الله.
وهذه النار أيضاً تنقى أولاد الله كما ينقى الذهب من الزغل بالنيران، هى نار تحرق الخطايا فى داخل قلوب شعب الله لذلك يسمى الروح القدس روح إحراق أش 4 : 4. حينما نمتلئ من الروح القدس فهو يحرق صورة الترابى ليعطى لنا صورة السمائى. ومن تحترق الخطية فى قلبه يلتهب قلبه بالحب.
وحولها لمعان = أى حول النار. فنحن لا يمكننا فى بحثنا عن الله أن نراه عياناً، كما لا يمكننا رؤية مجده، ولكن الذى نستطيع أن نراه من بهاء مجده هو هذا اللمعان، هذا هو ما أمكن النبى أن يراه من خلال السحابة. وكما رأى موسى قليلاً من مجد الله (خر 33 : 23)، رأى حزقيال هذا اللمعان، بقدر ما يحتمل.
النحاس = الذهب فى الكتاب المقدس ذكر أولاً تك 2 : 11 وهو يشير لمجد الله الذى كان آدم يعاينه وهو فى الجنة. ولذلك نسمع أن أورشليم السمائية كلها ذهب رؤ 21 : 18، 21 والمعنى أن ما فقده آدم، إذ بخطيته حرم من السماويات سنستعيده ثانية فى الحياة الأبدية وسنعود نرى مجد الله. وبينما ذكر الذهب قبل السقوط، كان أول ذكر للنحاس بعد السقوط فى تك 4 : 22. وقد ذكر مع عائلة قايين. وإستعمل النحاس فى صنع السلاسل التى يقيد بها الأسرى مثل شمشمون وصدقيا قض 16 : 21 + 2مل 25 : 7. وكان تهديد الله لشعبه إذا أخطأ أن السماء تصير نحاساً لهم أى لا تمطر تث 28 : 23 + لا 26 : 9 وهذه لعنة. ونسمع فى أش 48 : 4 أن النحاس يشير للعناد وقساوة القلب. وبهذا نفهم أن النحاس يشير للخطية والدينونة، فالمسيح صار خطية لأجلنا، ليدين الخطية ويدين إبليس، لهذا نرى قدماه نحاسيتان رؤ 1 : 15 ليدك بهما إبليس والخطية، أيضاً كانت الحية النحاسية ترمز للمسيح المصلوب، وكان مذبح المحرقة من نحاس ومذبح المحرقة رمز للصليب الذى به دان السيد المسيح ... إبليس والخطية. وقيد السيد المسيح إبليس بسلسلة رؤ 20 : 1، 2 (راجع أيضاً 2كو 5 : 21 + يو 3 : 14) فالنحاس إذاً يشير بإختصار لدينونة الخطية. وهنا حزقيال يرى من وسط النار كمنظر النحاس اللامع = وفى هذا إشارة لطبيعة عمل الملائكة المزمع أن يقوموا به ضد أورشليم، أى دينونة أورشليم الخاطئة، وسيكون هذا بتحريك جيش بابل ضد أورشليم. فالنحاس اللامع هذا يشير للملائكة فى هذه الرؤيا. وعملهم فى الدينونة نراه واضحاً فى حز 9 : 1 – 7. ونلاحظ فى آية 27 أن المسيح (وهذا سنراه فى حينه) له منظر النحاس اللامع أيضاً أى أن الملائكة يعكسون صورة الله، وأن الله يتصور فيهم. وهذا ما سوف يحدث لنا فى السماء نحن أيضاً فسنكون مثله لأننا سنراه كما هو 1يو 3 : 2 + فى 3 : 21. وهذا يبدأ لنا من الآن، إذ أن بولس يقول "يا أولادى الذين أتمخض بكم إلى أن يتصور المسيح فيكم غل 4 : 19". والمسيح يقول عن نفسه أنا هو نور العالم ويقول لنا أنتم نور العالم.
ومنظر النحاس اللامع من وسط النار يعبر عن التجسد الإلهى وإتحاد اللاهوت بالناسوت. فالنحاس يشير لجسد المسيح والنار تشير للاهوته. ونحن عرفنا أن المقصود فى آية 27 أنه هو المسيح إذ قيل عنه " وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان" فهو ملك الملوك الذى سيتجسد فى ملء الزمان. ولا يوجد من له عرش تحمله الملائكة سوى الله.والناسوت يظهر هنا بشكل النحاس لأن المسيح بتجسده دان الخطية والشيطان .
شبه أربعة حيوانات = رأى حزقيال شبه أربعة مخلوقات حية، فكل ما كان يراه هو أشباه الحقائق لأنه يستحيل رؤية السماويات ونحن مازلنا فى هذا الجسد الترابى. وهذه الأربعة الحيوانات هى الكاروبيم كما يتضح من حز 10 : 1 ورآهم أيضاً يوحنا اللاهوتى فى رؤياه (4 : 6 – 8). وقيل عنهم فى الرؤيا أنهم مملوئين عيوناً إشارة لمعرفتهم غير المحدودة لله
إذاً الأربعة حيوانات هم ملائكة، ورآهم حزقيال فى هذا الشبه، كما كان يحدث فى اللغة الهيروغليفية من إستخدام أشكال للتعبير عن معانى الأشياء وهذه هى الأشكال التى رآها الله مناسبة لتصور العقل البشرى، ولنعرف شيئاً عن هؤلاء الملائكة ولنفهم عملهم. ونراهم من رحمة الله ومحبته وأيضاً فى محبتهم هم أيضاً للبشر أنهم أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص عب 1 : 14. وأعداد الملائكة ألوف ألوف وربوات ربوات (دا 7 : 10 ) وهم فى فرحهم بالله لا يكفون عن التسبيح رؤ 4 : 8 – 11 + 5 : 8 – 14 والملائكة لا تموت لو 20 : 36 فهم يستمدون حياتهم من الجالس على العرش وهكذا سنكون نحن فى القيامة. وعددهم أربعة، ولكلٍ أربع وجوه، فرقم 4 يمثل العالم الذى يديره الله بالملائكة، ورقم 4 يدل على أن كل حركة فى الأرض هى تحت سيطرة الله ضابط الكل، فمثلاً فى مت 24 : 31 نسمع أن الملائكة تجمع المختارين من الأربع رياح، وزكريا النبى رأى أربعة مركبات يتحركون خارجين لكل أنحاء الأرض (زك 6 : 1، 5) ويمثلون أرواح السماء الأربع خارجة من الوقوف لدى سيد الأرض كلها، والمعنى أن الله يؤكد سيطرته بعنايته الإلهية الفائقة عن طريق ملائكته الذين ينفذون مشيئته فى كل العالم.
هذا منظرها لها شبه إنسان = كلمة حيوانات غير دقيقة والترجمة الدقيقة "مخلوقات حية" ولهم شبه إنسان، فالحيوانات تنظر لأسفل دائماً، وهذا ما يفرق بينها وبين الإنسان الذى له رأس ينظر لفوق دائماً. وهؤلاء الملائكة إذ لهم شبه إنسان، إذاً هم لا ينظرون لأسفل أى ليس لهم أى شهوة أرضية، بل ينظرون لله ولا يشتهون سواه ولا يطلبون سوى مجد الله فقط فى كل ما يعملون، وفى كل ما يفكرون.
وقطعاً فى قوله شبه إنسان إشارة لأنهم مخلوقات عاقلة مدركة. وفى ظهورهم فى شبه إنسان كرامة للإنسان، ويشير هذا أيضاً أن الله يستخدمهم لتدبير أمور البشر بحسب مشيئته الإلهية. وفى هذه الأيات من سفر الرؤيا نراهم فى وحدة معنا يتكلمون بإسمنا... ألم يوحدنا المسيح بصليبه مع السمائيين وصار رأساً للسمائيين والأرضيين أف 1 : 10، والمسيح هو الذى جعل الإثنين واحداً أف 2 : 14 "أى السماء والأرض"
أما شبه وجوهها فوجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر بالإضافة للمظهر الإنسانى العام كان للكاروبيم أربع وجوه نفهمها كالتالى :-
1- حين يستخدمهم الله فى تنفيذ قضائه ضد أعدائه فهم عنفاء وأقوياء كالأسد وهم لهم حدة نظر فى تتبع الفريسة كالنسر. وحين يستخدمهم الله لخدمة شعبه فهم كالثور فى القوة والتحمل فى العمل وميالين للخدمة، وهم لهم وعى وإدراك كالإنسان، عموماً فمع أن لهم منظر إنسان إلا أن إمكانيتهم تفوق البشر بمراحل. ففى القوة هم كالأسد وفى حدة البصر هم كالنسر... وهم فى تحليقهم فى السماويات كالنسر، ويرون الأسرار الإلهية من بعيد، أى لهم حدة بصر فى الأمور السماوية يعبر عنها بالنسر، ولكن مع أن لهم قوة الأسد وتحمل الثور فهم لهم رقة الإنسان.
2- يرى أباء الكنيسة أن كلمة كاروب تعنى معرفة، لذلك قيل عنهم أنهم مملوئين عيوناً رؤ 4 : 8. والمعنى أنهم يعرفون الله فهم يرونه
وكيف نعرف نحن الله ؟ نعرف الله خلال كلمات الكتاب المقدس. فلقد قيل عن المسيح أنه كلمة الله، والكتاب المقدس هو كلمة الله. والمعنى أنه كلما درسنا وتأملنا كلمة الله المكتوبة نرى كلمة الله إبن الله، ربنا يسوع ونعرفه فتكون معرفته حياة لنا "هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته يو 17 : 3. ونحن سوف نحيا للأبد بمعرفتنا لله، وهذا هو معنى الأكل من شجرة الحياة الأبدية (رؤ 22 : 2) بمعنى أن معرفة الله ستكون لنا حياة أبدية.
ونسمع أن الله جالس على الشاروبيم مز 18 : 1 + مز 80 : 1 + مز 99 : 1 فما معنى أن الله جالس على الشاروبيم ؟ الجلوس معناه الراحة. أى أن الله يرتاح فيهم.. وذلك لأنهم يعرفوه حقاً. والله يرتاح فينا إذا عرفناه، وهذا يأتى عن طريق دراستنا للكتاب المقدس. لذلك شبه الأباء إنجيل متى بالإنسان، أى يُرمز لإنجيل متى بوجه الإنسان للكاروبيم (فإنجيل متى أكثر من تكلم عن المسيح كإبن للإنسان) ويرمز لإنجيل مرقس بوجه الأسد (فإنجيل مرقس مهتم بإبراز قوة المسيح للرومان) ويرمز لإنجيل لوقا بوجه الثور (فهو يبدأ بالكهنوت، كهنوت زكريا الذي يشير لشفاعة المسيح لذلك ظهر الملاك لزكريا عند مذبح البخور بعد ان قدم ذبيحته علي مذبح المحرقة رمزا للصليب ،وهذا هو الطقس اليهودي ‘ رمزا لعمل المسيح الذي صار يشفع فينا بعد صليبه ) وإنجيل يوحنا يرمز له بوجه النسر (إذ يحدثنا عن لاهوت المسيح).
وعن طريق الأربعة الأناجيل نعرف المسيح، وبهذا نتحول لمركبة كاروبية ويرتاح الله فينا. ومن يرتاح الله فيه يحيا إلى الأبد، لذلك فمعرفة الله ومعرفة يسوع المسيح هى حياة أبدية. والمعنى أنه من خلال المعرفة التى نحصل عليها من الأناجيل تصير حياتنا مركبة تحمل فيها الله.
3- ولكن الله لا يستريح إلا فيمن تقدس، وكيف نتقدس ؟ إننا نتقدس بعمل المسيح الفدائى والذى يشير له الأربعة الحيوانات فوجه الإنسان يشير لتجسد المسيح، ووجه الثور يشير لأنه قدم نفسه ذبيحة على الصليب، ووجه الأسد يشير لقيامته، ووجه النسر يشير لصعوده.
4- وماذا يعنى التقديس ؟ يعنى أن تتقدس كل طاقاتنا، أى تعمل لحساب مجد الله، وهذا يشير إليه أيضاً الوجوه الأربعة للحيوانات فوجه الإنسان يشير للقوى العقلية والذهنية فى الإنسان، ووجه الأسد يشير للقوى العضلية، ووجه الثور يشير للقوى الشهوانية ووجه النسر يشير للقوى الروحية. وهذه القوى جميعاً تقدست بعمل المسيح الفدائى. فأصبح الإنسان كمركبة تحمل الله.
5- وحينما يتقدس الإنسان يستطيع أن يشفع فى الخليقة، فالكاروبيم بهذه الوجوه الأربعة يشفعون فى كل الخليقة، فوجه الإنسان يشير لشفاعة الكاروبيم عن البشر، ووجه الثور يشير لشفاعة الكاروبيم عن حيوانات الحقل، ووجه الأسد يشير لشفاعة الكاروبيم عن حيوانات البرية، ووجه النسر يشير لشفاعة الكاروبيم عن الطيور، ولكن لا شفاعة عن الزواحف فمنهم الثعبان (إشارة لمن يتبع الشيطان) ولا شفاعة عن الأسماك (إشارة لمن غرق فى بحر هذا العالم بشهواته). ومن تقدس وعرف الله يستطيع أن يشفع فى الخليقة، فخطية الإنسان لعنت الأرض، والأرض والخليقة تنتظر حرية مجد أولاد الله حتى تعتق من عبودية الفساد رو 8 : 21 وهكذا قيل أنه بسبب الأنبا بولا يفيض نهر النيل فى مصر.
والكاروبيم لهم قصتهم مع الإنسان فبعد الخطيئة، وقف ملاك كاروبيم يمنع البشر من الوصول لشجرة الحياة الأبدية، وذلك معناه أن الله لا يريد أن الإنسان يحيا للأبد وهو مشوه بالخطية. وفى سفر الرؤيا نجدهم يسبحون الله على خلاص الإنسان. فهم مهتمون بخلاصنا وبحياتنا الأبدية ولكن بدون التشوهات التى لحقت بنا بسبب الخطية. ونجد هنا كاروبين مظللين فوق تابوت العهد يكلم الله من خلالهما موسى ورؤساء الكهنة، وكانوا ناظرين للغطاء المغطى بدم الكفارة، وكأنهم شهود على رحمة الله. وبهذا يظهر الله لنا محبة الكاروبيم، وهم فى معرفتهم لله يعرفون محبته للبشر، وهم شهود على رحمته للبشر.
لكل واحد أربعة أجنحة = الملائكة أرواح وليس لها أجنحة مرئية وتصويرهم هنا بأجنحة إشارة إلى أنهم يطيرون صعوداً لله وينزلون للبشر لتنفيذ مشيئة الله، وبعد أن ينفذوا مشيئة الله يصعدون ثانية ليقدموا حساب عن عملهم لله. وقارن مع أش 6 : 2 حيث نجد أن السيرافيم لهم ستة أجنحة بإثنين يغطى وجهه وبإثنين يغطى رجليه وبإثنين يطير. وقارن مع رؤ 4 : 8 حيث نجد أن الكاروبيم لهم أيضاً ستة أجنحة. ومن هذا نفهم أن تغطية وجوههم تعطينا فكرة عن عظمة مجد الله، وأن حتى الكاروبيم لا يحتملونه. وتغطية أجسامهم تعنى الخشوع أمام الله، وأنهم فى تواضع يخفون أنفسهم ليظهر مجد الله فقط لا مجد أنفسهم، فهذه مثل "ينبغى أن هذا يزيد وإنى أنا أنقص كما قال يوحنا المعمدان عن المسيح. والسؤال إذا كان للكاروبيم ستة أجنحة فلماذا رأى حزقيال لهم أربعة أجنحة فقط ؟ الإجابة تتضح بمقارنة مكانهم الذى رآهم فيه أشعياء (6 : 2) حيث قيل أن أشعياء رأى السارافيم فوق العرش أما حزقيال فلقد رأى الكاروبيم تحت العرش، فإذا كانوا فوقه يحتاجون لجناحين يغطون بهما وجوههما، أما لو كانوا تحت العرش فهم لا يستعملون هذين الجناحين. وهناك رأى آخر أن هذين الجناحين هما المقبب الذى فوق رؤوسهم حز 1 : 22
وأجنحتها متصلة الواحد بأخيه = هذا تعبير عن الوحدة بينهم والإتفاق العام حيث أن هناك سلاماً كاملاً فى السموات
أما أجنحتها فمبسوطة = غير مطوية، وهذا إشارة لأنهم فى حالة إستعداد دائم لتنفيذ أوامر الرب فوراً.
أرجلها أرجل قائمة = أى مستقيمة ثابتة، ولا تثنى بسبب صعوبة الخدمة ولا تكل. كما قيل عن عريس النشيد أن ساقاه عمودا رخام نش 5 : 15
أقدام أرجلها كقدم رجل العجل = والعجل يشق الحافر وهذا إشارة لطهارة الحيوان بحسب شريعة العهد القديم. والمقصود طهارة إتجهاتهم وحركاتهم. أى إستعدادهم لتنفيذ مشيئة الله بثبات و بلا أى تردد أو تمرد، هم رهن المشيئة الإلهية أما من يكون فى حالة تذمر وتمرد على أحكام الله فهذا يكون غير طاهر. والحيوان الطاهر له صفتين بحسب شروط الناموس 1) يشق الحافر 2) يجتر
والحافر هو الجزء الميت فى جسم الحيوان. وفى تأمل صفات الطهارة نستنتج أن الإنسان الطاهر هو من له نفس الصفات أى :-
1- يكون الجزء الميت فيه (الجسد) مشقوقاً أى يصلب شهواته رو 12 : 1 + غل 5 : 24
2- أن يجتر ويردد كلام الله وإسم الله طوال اليوم تث 6 : 4 – 9 + 1تس 5 : 17 وهذا ما يعمله هؤلاء الملائكة الطاهرين فهم :- لا يطلبون شيئاً لأنفسهم بل هم يطلبون مجد الله، وهذا نراه فى تغطيتهم لأجسامهم بأجنحتهم أمام الله وهم لا يكفون عن تسبيح الله قائلين قدوس قدوس قدوس أش 6 : 3. بل هم يسبحون الله على عمله وفدائه للإنسان رؤ 5 : 9 – 14 + رؤ 4 : 8 – 11
أيدى إنسان تحت أجنحتها = لا نرى إنسان فى هذا المشهد السماوى إلا ذاك الذى يجلس على العرش (حز 1 : 26) أى إبن الله فى أحد ظهوراته قبل التجسد، وهو يظهر هنا فى شبه إنسان كإشارة 1) أنه سيأخذ جسد إنسان فى ملء الزمان 2) أنه يدبر حياة البشر كضابط الكل، وأنه يهتم بالإنسان ويرسل ملائكته لتنفيذ مشيئته وخطته تجاه البشر، وهذا معنى ظهور أيدى إنسان تحت أجنحتها، فالملائكة تعمل بقوة ذاك الجالس على العرش، وبحسب ما يحركهم، الإبن هو الذى يعطيهم الحركة، ولاحظ أن أيدى الإنسان تحت الأجنحة، والأجنحة وظيفتها الحركة، أى أنه هو الذى يحركهم... وذلك لتدبير كل أمور البشر. وقوله أيدى إنسان تحت أجنحتهم تذكرنا بقول بولس الرسول عن الإبن أنه حامل كل الأشياء بكلمة قدرته عب 1 : 3. والعجيب أننا نرى فى هذا المشهد أن الملائكة تحمل العرش، وأن الله يحمل الملائكة. فالله ليس فى حاجة لمن يحمل عرشه فهو حامل الجميع حتى الملائكة، ولكنه يعطى كرامة للملائكة بأن يجعلهم حاملى العرش، والله ليس فى حاجة لى كإنسان، لكنه يبحث عن قلب طاهر محب له يرتاح فيه ويسكن عنده، ويتحول هذا القلب إلى مركبة كاروبية تحمل الله فى داخلها، وفى نفس الوقت تكون يد الله هى التى تحمل هذا الإنسان وتحركه وتعمل به، وإذا كان الله هو الذى يعمل فى الإنسان ويحركه، فهل يصح أن يفتخر الإنسان بأى نجاح يحققه، راجع 1كو4 : 7 + 1كو 15 : 10 + يع 1 : 16، 17. وهذا هو معنى "لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك" وهذا معنى أن أيدى الإنسان تحت الأجنحة أى أن الله هو العامل حقيقة
لم تدر عند سيرها = أى حركة بلا تردد، ولا إلتفات للوراء كإمرأة لوط، وهكذا قيل عن المسيح " وحين تمت الأيام لإرتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم لو 51:9 " أما الإنسان، فقد يسير فى طريق الله يوماً منفذاً إرادة الله، ثم نجده يوماً آخر يدور فى إتجاه مضاد باحثاً عن إرضاء شهواته، منشغلاً بأمور تافهة. هذا ما يعبر عنه بالعين البسيطة أى أن الإنسان لا يكون له سوى هدف واحد هو مجد الله، وهكذا هم هؤلاء الملائكة = كل واحد يسير إلى جهة وجهه = حيثما وجهه الله، الذى يده تحت أجنحتهم يوجههم، ينطلقون بلا تردد إلى حيث تكون الروح لتسير تسير = هذا الروح قد تكون روحهم هم وحسب ما يقودهم الروح فإلى هناك يذهبون. فهم أرواح لا أجساد لهم تعوقهم، أما نحن فحينما نريد أن نعيش بالروح، نجد الجسد ضعيف لا يستطيع أن يتابع نشاط الروح، بل أن كلاهما، أى الجسد والروح يقاوم أحدهما الآخر (غل 5 : 17) (على أن هذا ليس مبررا للتكاسل فمن يستجيب لعمل الروح سيجد معونة كافية ولن يكمل شهوة الجسد
(غل 5 : 16، 25). وكل من يستجيب لضعف الجسد وشهواته لن يستطيع أن يكمل الصلاح الذى يريده الروح أن يعمله. أما الملائكة كأرواح لا يعوقهم أى عجز جسدى، وهكذا سنكون فى السماء حين نلبس الجسد الممجد الذى لن يكون عائقاً لنا، بل حينئذ سنكون كملائكة الله مت 22 : 30
وقد يكون الروح هنا فى هذه الآية هو روح الله القدوس الذى يحركهم. عموماً فهم كأرواح مقدسة، هم خاضعين لقيادة الروح القدس. ونقول أنهم كأرواح مقدسة، قد وضعوا أنفسهم بكل مالهم من حكمة تحت تصرف الإرادة الإلهية ليحققوا خطة الله وينفذوا أوامره فى طاعة وبساطة وهكذا كل من يسلك بالروح، فالروح القدس يقود روحه، وروحه تقود جسده، فيكون بكليته خاضعاً لعمل الروح القدس. وفى حالة الملائكة نجد الصورة المثلى لهذا فالروح القدس يقود أرواحهم بلا أى مقاومة فهم أرواح بلا أجساد.
شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار.. كمنظر مصابيح.. هى سالكة بين الحيوانات فى الترجمة الإنجليزية تزداد الآية وضوحاً وتجئ هكذا "شبه الحيوانات فمنظرها كجمر نار... كمنظر مصابيح، والنار تروح وتجئ بين الحيوانات" وراجع (صفحة 9) لترى أن النار إشارة لعمل الروح القدس النارى فيهم، هو يشعلهم ليصيروا كجمر نار، ويكونوا كمصابيح. الروح القدس وسطهم يحركهم ويشعلهم بالحب فيصرخون قائلين "قدوس قدوس قدوس". الطبيعة النارية لله هى 1) تشعل الحب فى قلوب أولاده، وتحرق أشواك الخطية فيهم،لذلك فهو روح الإحراق . وكلما إحترقت أشواك الخطية، كلما إزداد الحب إشتعالاً. 2) أما بالنسبة للخطاة، فالله كنار آكلة، ويصير لهم الله ناراً تحرقهم وتبيدهم وهذا ما سنراه فى تنفيذ العقوبات على أورشليم حز 10 : 2 "إملأ جفنتيك جمر نار من بين الكاروبيم وذرها على المدينة". وهذه المحبة الملتهبة فى قلوب هؤلاء الملائكة تظهر فى تنفيذهم الفورى لأوامر الله، ثم رجوعهم فى إشتياق إلى الله بعد أن ينفذوا أوامره وهذا ما تم التعبير عنه هكذا = الحيوانات راكضة وراجعة كمنظر البرق هم لا يطيقون الإبتعاد عن إلههم سر بهجتهم، ولا يطيقون أيضاً إلا أن ينفذوا إرادته، فهذا هو الحب، لذلك يذهبون للتنفيذ ويعودون كالبرق، وهل نتعلم منهم سر الفرح الحقيقى، أن ننهى أعمالنا الأرضية سريعاً، ونرجع بأقصى سرعة عائدين لحضن إلهنا الحنون فى مخدعنا. ولاحظ أنهم لإمتلائهم من الروح القدس، فهم صاروا مخلوقات نيرة، نورانية، كمصابيح، أما الشيطان يقال عنه سلطان الظلمة لو 22 :53 وبنفس المفهوم فكل من يمتلئ الآن من الروح القدس يكون نوراً للعالم مت 5 : 14. أما من يسلك فى الخطية ويطفئ الروح القدس الذى فيه فهو فى الظلمة يو 3 : 19 + رو 13 : 12 + أف 5 : 11 + يو 12 : 35
ونلاحظ أن النبى حين تطلع لهذه الحيوانات رآها كلها وجوه وبلا ظهر، إذ يليق بالمخلوق الحامل للعرش الإلهى، وقد تراءى أمام هذا المجد أن يعطى لله الوجه لا الظهر، وأن يكون دائم التطلع لله، ولذلك فحين أخطأ الشعب لله فى القديم عاتبهم قائلاً "حولوا نحوى القفا لا الوجه أر 2 : 27" وطقسياً فالكاهن أو الشماس يخرج من الهيكل ووجهه تجاه المذبح، وبعد تحول الأسرار إلى جسد المسيح ودمه لا يعود الكاهن ينظر للشعب ليباركه حتى لا يعطى ظهره لجسد المسيح ودمه اللذان هما على المذبح. هؤلاء الملائكة هم سماء إذ يحملون عرش الله، والعذراء لأنها حملت المسيح فى بطنها تسميها الكنيسة "سماء ثانية جسدانية" وكل منا يستطيع أن يتحول إلى سماء فى علاقته بالله إذا تشبه بهؤلاء الملائكة.
الآيات (15-25):- " 15فَنَظَرْتُ الْحَيَوَانَاتِ وَإِذَا بَكَرَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِ الْحَيَوَانَاتِ بِأَوْجُهِهَا الأَرْبَعَةِ. 16مَنْظَرُ الْبَكَرَاتِ وَصَنْعَتُهَا كَمَنْظَرِ الزَّبَرْجَدِ. وَلِلأَرْبَعِ شَكْلٌ وَاحِدٌ، وَمَنْظَرُهَا وَصَنْعَتُهَا كَأَنَّهَا كَانَتْ بَكَرَةً وَسْطِ بَكَرَةٍ. 17لَمَّا سَارَتْ، سَارَتْ عَلَى جَوَانِبِهَا الأَرْبَعَةِ. لَمْ تَدُرْ عِنْدَ سَيْرِهَا. 18أَمَّا أُطُرُهَا فَعَالِيَةٌ وَمُخِيفَةٌ. وَأُطُرُهَا مَلآنَةٌ عُيُونًا حَوَالَيْهَا لِلأَرْبَعِ. 19فَإِذَا سَارَتِ الْحَيَوَانَاتُ، سَارَتِ الْبَكَرَاتُ بِجَانِبِهَا، وَإِذَا ارْتَفَعَتِ الْحَيَوَانَاتُ عَنِ الأَرْضِ ارْتَفَعَتِ الْبَكَرَاتُ. 20إِلَى حَيْثُ تَكُونُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ يَسِيرُونَ، إِلَى حَيْثُ الرُّوحُ لِتَسِيرَ وَالْبَكَرَاتُ تَرْتَفِعُ مَعَهَا، لأَنَّ رُوحَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ فِي الْبَكَرَاتِ. 21فَإِذَا سَارَتْ تِلْكَ سَارَتْ هذِهِ، وَإِذَا وَقَفَتْ تِلْكَ وَقَفَتْ. وَإِذَا ارْتَفَعَتْ تِلْكَ عَنِ الأَرْضِ ارْتَفَعَتِ الْبَكَرَاتُ مَعَهَا، لأَنَّ رُوحَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ فِي الْبَكَرَاتِ. 22وَعَلَى رُؤُوسِ الْحَيَوَانَاتِ شِبْهُ مُقَبَّبٍ كَمَنْظَرِ الْبِلَّوْرِ الْهَائِلِ مُنْتَشِرًا عَلَى رُؤُوسِهَا مِنْ فَوْقُ. 23وَتَحْتَ الْمُقَبَّبِ أَجْنِحَتُهَا مُسْتَقِيمَةٌ الْوَاحِدُ نَحْوَ أَخِيهِ. لِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ يُغَطِّيَانِ مِنْ هُنَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ يُغَطِّيَانِ مِنْ هُنَاكَ أَجْسَامَهَا. 24فَلَمَّا سَارَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَجْنِحَتِهَا كَخَرِيرِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، كَصَوْتِ الْقَدِيرِ. صَوْتَ ضَجَّةٍ، كَصَوْتِ جَيْشٍ. وَلَمَّا وَقَفَتْ أَرْخَتْ أَجْنِحَتَهَا. 25فَكَانَ صَوْتٌ مِنْ فَوْقِ الْمُقَبَّبِ الَّذِي عَلَى رُؤُوسِهَا. إِذَا وَقَفَتْ أَرْخَتْ أَجْنِحَتَهَا."
البكرات = Wheels أى عجلات. هذه البكرات أو العجلات تعبر عن تنفيذ المشيئة الإلهية على الأرض. فالعجلات تربط المركبة بالأرض، فالأجنحة من فوق والعجلات من تحت، لأن الله إله السماء والأرض معاً، وللرب طريق فى القدس وطريق فى البحر (مز 77 : 13، 19). ومجد الله يظهر ليس فقط فى عظمة الحاشية السماوية، بل فى ثبات أحكامه هنا على الأرض. وقد رأينا كيف أن الله يحرك الملائكة وجيوشه السماوية لتنفيذ مشيئته،فهو رب الجنود ، وهنا نرى فى البكرات كيف أن مشيئة الله وخطته التى تصدر فى السماء، تنفذ على الأرض.
ونلاحظ أنه بينما كان النبى ينظر متأملاً فى المخلوقات السماوية، فرضت هذه الرؤيا نفسها عليه، فمن يكون فى حالة نظر للسماويات، ينفتح ليرى المزيد من إعلانات الله، فمن له سيعطى ويزاد، وكأن الله يريد أن يعلن للنبى ولنا أن أعمال الله ومجده لا يظهران فقط فى السماء بل وعلى الأرض، من خلال أحداث حياتنا اليومية.
ففى بعض الأحيان نغوى بالتفكير فى أن مجد الله لا يوجد إلا فى السماء ولكننا نستطيع بعين الإيمان أن نتبين جمال العناية الإلهية وحكمة وقوة الله وصلاحه التى تشرق من خلال إرادته لهذه المملكة الأرضية، ونرى بوضوح أن الله هو الذى يحكم هذه الأرض، وهو ضابط لكل شئ فيها. وكل ما يحكم به يعلن مجده ويعلن عنايته الإلهية.
التدبير الإلهى لشئون العالم، وعناية الله بخليقته يمثلان بهذه العجلات، هى عجلات مركبة الملك العظيم، ملك الملوك الذى خرج غالباً ولكى يغلب، وهو الذى يستطيع أن يدبر كل الأمور بإعجاز فائق عن الإدراك البشرى حتى تعمل معاً للخير للذين يحبون الله.
والبكرات لها دورات متكررة ومستمرة، فكل شئ فى حركة مستمرة عبر العصور وحتى نهاية الدهر، وهذا يصدق على عالم المادة فى الطبيعة، وكذلك على المجالات الأخلاقية والروحية (قابل مع جا 1 : 4 – 7). لذا يقال أحياناً أن التاريخ يعيد نفسه، وهذا القول ليس إلا شرح لتعبير أن العجلات تدور بإستمرار، وهذه الدورات تشير لأن الأحداث عبر التاريخ تتشابه وذلك لأن حكمة الله الذى يتحكم فى الأحداث، هى حكمة واحدة لا تتغير، فالله ليس عنده تغيير ولا ظل دوران يع 1 : 17. وحيث أن البكرات أو العجلات فى حركة دوران مستمرة، فهذا يشير لأن أعمال العناية الإلهية تكون أو تبدو كأنها عالية ويعجب بها الناس، ومرة أخرى يراها الناس غير ذلك، ولكن الشئ المؤكد هو أن أحكام الله ثابتة تدور حول محورها فى نظام محكم وحكمة إلهية، كما تدور الكواكب بطريقة منتظمة.
فنظرت الحيوانات وإذا بكرة واحدة... منظر البكرات = بعد أن أراه الله قوة الحيوانات وإمكانياتها، وأنها تنفذ أوامره، ها هو يريه بكرة واحدة. ثم يراها كبكرات، والمعنى أن هؤلاء الملائكة المقتدرين والذين يحركهم الله، هم أنفسهم ينفذون مشيئة الله لتنفيذ خطة الله الأزلية على الأرض وسط البشر. وكون أن النبى رآها كبكرات فهذا يعنى أنه قد يبدو لنا أن هناك خططاً كثيرة، لكل مكان خطة، ولكل زمان خطة ولكن قبل أن يرى النبى منظر بكرات، رآها بكرة واحدة، وهذا يعنى أن هناك خطة واحدة أزلية تشمل كل العالم فى كل زمان وفى كل مكان ولأنها تشمل كل العالم قيل أن المركبة لها جوانبها الأربعة = فكما أن للملائكة أربعة وجوه، هكذا للبكرات أربعة جوانب، إعلاناً أن عناية الله هى موجهة لأربعة إتجاهات الأرض.
كمنظر الزبرجد = الزبرجد هو حجر كريم لونه أخضر، واللون الأخضر يشير للحياة. وإرادة الله هى الحياة، لذلك ففى أول آية فى الكتاب المقدس نسمع أنه "فى البدء خلق تك 1 : 1" فالله حى ويعطى حياة ويريد الحياة للبشر. وكون أن البكرات لونها أخضر، فهذا يعنى أن أعمال عناية الله هى بهدف الحفاظ على حياتهم، وليس حياتهم فقط على الأرض، بل أن تكون لهم حياة أبدية، فالبكرات سببت لأيوب ألاماً فظيعة ولكنها كانت سبب حياة أبدية له، وكم تكون الأمراض مثلاً والتجارب سبباً فى عودة الكثيرين لله فتكون لهم حياة أبدية = زبرجد، فالمجاعة للإبن الضال سببت عودته لأحضان أبيه فكان له حياة
صنعتها كأنها بكرة وسط بكرة =... = ولكنها بكرة واحدة. وهذا يعنى كأن أعمال الله، وأعمال عناية الله مبهمة ومتداخلة ومعقدة وغير محسوبة ولكن فى الحقيقة هذا يرجع لجهلنا وإمكانياتنا الضعيفة فى فهم الأحداث وتحليلها. فمن ليس له العين المفتوحة سيرى فى ورطة الشعب وفرعون وراءهم والبحر أمامهم خطأ فى الحسابات ولن يرى فيما حدث لأيوب أى نوع من العناية الإلهية، فأولاده يموتون، وممتلكاته تنهب وصحته تضيع ولكن كان هذا كله وفق خطة إلهية ثابتة هى... حياة أبدية لأيوب أى = منظر البكرات وصنعتها كمنظر الزبرجد = وهى بكرة واحدة فالله له هدف واحد، ألا وهو حياة للبشر هنا على الأرض وحياة أبدية لأولاده فى السماء. وكل الأمور والبكرات تدور حول هذا المحور. وقد لا نفهم كل ما يدور حولنا، ولكن علينا أن نسلم بهذه الحقيقة، وهذا ما عناه السيد المسيح بقوله "لست تفهم أنت الآن ما أنا أصنع ولكنك ستفهم فيما بعد يو 13 : 7"
للأربع شكل واحد = أى عمل الله فى كل أنحاء العالم هو وفق خطة محكمة ثابتة.
لم تدر عند سيرها = إشارة لثبات أحكام الله وعدم تغيرها.
أطرها عالية ومخيفة = أى محيطها واسع جداً، وحينما تحركت وإرتفعت خاف النبى جداً، وهذا يعنى أن حدود أفكار الله عالية عن مستوانا بما لا يقاس رو 11 : 33، 34. والوصول لمخططاته البعيدة هو فعلاً أمر مدهش يعجز عنه العقل البشرى الضئيل العمق والإرتفاع، وسترتعب قلوبنا لو عرفنا جميع مخططاته الإلهية
أطرها ملآنة عيوناً = أى أن عنايته الإلهية كلها فهم وحكمة ورؤية وكل الأحداث تحت سيطرة وتحكم الله، لا شئ يتحرك سوى بسماح منه . إن الله إذا إحتمل شر الأشرار، يكون هذا بسماح منه لتنفيذ خطته، مثلاً إحتمل الله ظلم بابل لشعب يهوذا، وذلك حتى يؤدب يهوذا. إذاً علينا أن نثق أن كل شئ تحت سيطرة ذاك الذى معه أمرنا.
تأمل للأباء فى قوله بكرة داخل بكرة = قالوا أن هذه البكرات هى كلمة الله التى قدمت فى العهدين، وكتبت لنا فى لغتنا البشرية، وبكرة داخل بكرة تعنى أن العهد الجديد تم التنبؤ عنه فى العهد القديم وأن العهد القديم يشرح أسرار العهد الجديد. عموماً فالكتاب المقدس هو كشف لعمل الله مع شعبه فى كل زمان ومكان. ونحن نرى فى أعمال الله مع البشر فى الكتاب المقدس، تطبيق عملى لما تعنيه البكرات.
فأذا سارت الحيوانات سارت البكرات بجانبها = أى أن الحيوانات هى التى تعنى بالبكرات لتوجيه حركتها، فالملائكة هم خدام عناية الله فى توجيه المسببات بغرض خدمة الأهداف الإلهية والخطة الإلهية التى يعرفونها. والبشر يكونون كأدوات فى أيدى الملائكة
وإذا إرتفعت تلك عن الأرض = وحينما ترتفع المخلوقات الحية عن الأرض لعمل أى خدمة فوق مستوى القوانين الطبيعيه، وهذا ما نسميه معجزات مثل شق البحر ووقوف الشمس، فإن العجلات تتوافق معها فى تناغم سيمفونى، وتصعد معها، أى تنفذ مشيئتها وإن كان هذا ضد إتجاهها الطبيعى. فالملاحظ أن المخلوقات الأدنى تتحرك وتتصرف وفقاً لما يعمله الملائكة أى بحسب خطة الله، فالملائكة ينفذون أوامره. وهكذا فإن التأثيرات الظاهرة تدار ويتم التحكم فيها بأسباب غير ظاهرة.
لأن روح الحيوانات كانت فى البكرات = أى أن الروح القدس هو الذى يقود الحيوانات، وهى بالتالى تحرك البكرات. وهذا نراه واضحاً جداً فى سفر أعمال الرسل، حيث يحرك الروح القدس كل الأحداث، حتى أنه أطلق على هذا السفر "سفر أعمال الروح القدس". ونحن لو سلمنا أنفسنا لقيادة الروح القدس نصير فى تناغم مع البكرات ومع المخلوقات الحية وهذا ما يملأ النفس سلاماً، حينئذ لن نرى أعمال الله مبهمة، بل كلها مجد.
شبه مقبب = الكلمة المترجمة هنا مقبب تعنى " قبة سماوية" وهى نفسها المترجمة جلد السماء فى تك 1 : 6، 14. والمقصود بالمقبب ما نراه كصورة للسماء التى ترصعها النجوم وتبدو السماء كقبة ( مقبب ) أى بشكل كروى.
فى هذا نرى أن الله فوق أعلى السماوات عب 26:7، إن كان الملائكة فى السماء مت 36:24 فالله أعلى من السماوات، كما يقال أنه جالس فى سماء السموات1 مل 27:8،
أى أن سمو الله هو فوق جميع المخلوقات حتى الملائكة، ولقد قيل أنه ينسب لملائكته حماقة، فمهما إرتفعت حكمة الملائكة عن البشر فهى بالنسبة لحكمة الله حماقة. (أى 4 : 18). والملائكة خاضعة وتسجد له عب 1 : 5 – 8
كمنظر البلور = قد يجرؤ الخطاة ويسألون هل يقضى الله من وراء الضباب أى 22 : 13، وهؤلاء فى عماهم وظلمتهم يتصورون أن الله هو القابع فى ظلام لا يرى ولا يسمع ما يعملونه. والرد عليهم أن ما هو ضباب حسب فهمنا الثقيل هو شفاف كالبلور بالنسبة لله، ولذلك يقال "من مكان سكناه تطلع إلى جميع سكان الأرض (مز 33 : 14). وقوله بلور يشير لإنعكاس مجد الله الجالس على العرش، على ملائكته. فالبلور كمرآة تعكس مجد الله. وهكذا كل مؤمن يقدم طاقاته الجسدية والفكرية.. مقدسة للرب تتحول حياته إلى سماء، وإلى مقبب بلورى، فيحمل هذا المؤمن صورة الرب وسماته. وفى الأبدية وبنفس هذا المفهوم سيكون لنا الجسد الممجد النورانى، الذى يعكس مجد ونور الرب، لذلك سنصير مثله لأننا سنراه كما هو 1يو 3 : 2
سمعت صوت أجنحتها كخرير مياه كثيرة = هكذا يفعل النحل صوتاً بأجنحته ولماذا تصدر الملائكة هذه الأصوات ؟ هذه الأصوات لتلقى الخشوع فى قلب النبى، حتى يستطيع أن يسمع صوت الله إذا تكلم (آية 28) وهذا ما حدث مع إيليا. فقد شعر بريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور، ثم شعر بزلزلة، ثم نار ولم يكن الله فى كل هذه، بل فى صوت منخفض خفيف كلم الله إيليا، فلماذا كان كل هذا ؟ كانت الريح والزلزلة والنار هى صوت أجنحة الملائكة التى أعدت إيليا ليسمع صوت الله، أى تجعله واقفاً فى خشوع أمام الله، ونحن لا نستطيع أن نسمع صوت الله قبل أن نخشع (لذلك نبدأ بالصلوات والتراتيل والتسابيح فى إجتماعتنا قبل سماع الكلمة) راجع 1مل 19 : 11 – 13
كصوت القدير = فى رؤيا يوحنا، سمع يوحنا صوت الله كصوت مياه كثيرة فصوت الملائكة يشبه صوت الله. وهذا معنى القبة البلورية، فهم يعكسون صورة مجد الله فى سماته وصوته ونوره.وتعني انهم ينفذون ارادة الله حرفيا . وما نراه من احداث في حياتنا هو عمل الملائكة الذي هو ارادة الله ، وكأننا نسمع صوت الله حين نتأمل في احداث الحياة . ومن له العين المفتوحة سيسبح الله ومن عينه مغلقة سوف يتذمر معترضاً
وصوت خرير المياه الكثيرة صوت مخيف = صوت ضجة كصوت جيش = هكذا الكنيسة فى قوتها بمسيحها الذى فيها تكون للشيطان مرهبة كجيش بألوية نش 6 : 4.
أرخت أجنحتها = سكتت عن الصوت ليسمع النبى صوت الله (كما حدث مع إيليا) لذلك نسمع بعد ذلك مباشرة فكان صوت من فوق المقبب أى صوت من يجلس على العرش. عمل الملائكة هنا كعمل حاجب المحكمة الذى يصرخ طالباً الهدوء ليسمع الجميع حكم القاضى... ومن له أذنان للسمع فليسمع. عموماً هناك أحداث كثيرة فى حياتنا على الأرض هى بعمل الملائكة، وهذه الأحداث قد تكون مخيفة لنخشع أمام الله، ولكننا لن نسمع صوت الله، إلا إذا دخلنا مخدعنا فى هدوء، فصوت الله لا يسمع سوى فى الهدوء، فهو صوت منخفض خفيف 1مل 19 : 11 – 13 لكن هذا لمن هو في حالة خشوع وتسبيح وليس تذمر .
الآيات (26-28):- " 26وَفَوْقَ الْمُقَبَّبِ الَّذِي عَلَى رُؤُوسِهَا شِبْهُ عَرْشٍ كَمَنْظَرِ حَجَرِ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ، وَعَلَى شِبْهِ الْعَرْشِ شِبْهٌ كَمَنْظَرِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ. 27وَرَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ كَمَنْظَرِ نَارٍ دَاخِلَهُ مِنْ حَوْلِهِ، مِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَمِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى تَحْتُ، رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ نَارٍ وَلَهَا لَمَعَانٌ مِنْ حَوْلِهَا. 28كَمَنْظَرِ الْقَوْسِ الَّتِي فِي السَّحَابِ يَوْمَ مَطَرٍ، هكَذَا مَنْظَرُ اللَّمَعَانِ مِنْ حَوْلِهِ. هذَا مَنْظَرُ شِبْهِ مَجْدِ الرَّبِّ. وَلَمَّا رَأَيْتُهُ خَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَ مُتَكَلِّمٍ."
ما سبق وتقدم من هذه الرؤيا كان مقدمة لهذه الأيات، أى إعداد النبى ليسمع صوت الكلمة الإبن الجالس على العرش شبه عرش عليه كمنظر إنسان = ما يراه النبى هو أشباه الأشياء، لأنه وهو فى الجسد لا يستطيع أن يرى الحقائق. وهنا نرى أحد ظهورات الإبن فى شكل إنسان قبل أن يتجسد، كما ظهر لإبراهيم من قبل، ونرى السيد جالساً على عرش إعلاناً لسلطته الملكية له المجد، وهذا ما رآه أيضاً يوحنا فى رؤياه رؤ 4 : 2. ما رآه النبى هنا يعطى كرامة للإنسان، أن يظهر الله فى صورة إنسان، وكان إعلاناً عما سيحدث فى ملء الزمان من تجسده. ولنرى أى كرامة وصل لها الإنسان نسمع وعد المسيح "من يغلب يجلس معى فى عرشى كما جلست أنا مع الآب فى عرشه رؤ 3 : 21
حجر العقيق الأزرق = اللون الأزرق لون السماء، فالمسيح المتجسد قد جاء من السماء وبعد فدائه سيصعد للسماء، وهو دائماً فى السماء يو 3 : 13
النحاس اللامع كمنظر نار داخله = النحاس يشير لناسوته والنار تشير للاهوته وفى هذا إشارة للتجسد. وإتحاد النار بالنحاس إشارة لإتحاد اللاهوت بالناسوت. والنحاس كما قلنا يشير للدينونة، فبالصليب دان المسيح الخطية والشيطان والموت.
لها لمعان من حولها = أى مجد. كمنظر القوس = قوس قزح. وفى الرؤيا رأى يوحنا اللاهوتى قوس قزح يحيط بالعرش رؤ 4 : 3. وهذا إعلان أن الله يذكر وعده لنوح.. أنه لا يعود يغرق العالم بالطوفان ليفنيه، أى أن إرادته هى أن يعطى حياة (نفس معنى الزبرجد). وهذا ما أتى المسيح وتجسد ليفعله، أى ليعطي حياة للذين ماتوا بسبب الخطية. إذاً معنى الرؤيا أن المسيح السماوى الجالس على العرش والملائكة خاضعة له، سيتخذ جسداً (نحاس) يتحد بلاهوته (النار). ويكون هذا التدبير (البكرات) ليعطى حياة للإنسان حتى لا يهلك الإنسان بل تكون له حياة أبدية. ولاحظ أنه يقول لها لمعان كمنظر القوس أى أن مجد الله سيعلن لنا فى إرادته أن تكون لنا حياة، وبتدبيره الفدائى الذى سيعطينا حياة أبدية.
ملاحظات ختامية عن الإصحاح الأول
1- كان ما رآه النبى أشباه الحقائق وليست الحقائق بحسب طبيعتها، فالله فى مجده لا يراه إنسان ويعيش، ولكن ما رآه النبى :-
أ-بحسب ما يستطيع أن يرى
ب- بحسب ما يستطيع أن يصف
ج- وما وصفه كان بحسب محدودية لغتنا البشرية.
2- مع أن ما رآه ليس هو الحقائق، إلا أن ما رآه كان كافياً لأن يجعله يسقط على وجهه، غير قادر أن يقف أمام الله القدوس، وسجد فى تواضع وخشوع، شاعراً بعدم الإستحقاق، وبقدر إتضاعنا وشعورنا بعدم الإستحقاق، وبقدر ما يعلن الله نفسه للمتضع. والعكس صحيح أيضاً فبقدر ما نرى الله ونعرفه نشعر بضآلة حجمنا وأننا لا شئ. ولذلك حينما سقط النبى أمام الله وإتضع تكلم معه الله وأقامه ليسمع.
3- إذا تشبهنا بهؤلاء الملائكة، يرتاح الله فينا ويستخدمنا لمجد إسمه.
4- ولكن كيف نعرف الله ليرتاح الله فينا ؟ هناك قول شائع "هل تعرف فلان... أعرفه....هل عاشرته ؟.... لا.... إذاً أنت لا تعرفه. وبنفس المنطق، حتى نعرف الله علينا أن نعاشره من خلال الصلوات ودراسة الكتاب المقدس لنسمع صوته ونتعرف عليه وعلى صفاته، وبهذا نحبه ويصبح قلبنا مكاناً يسند فيه إبن الإنسان رأسه ولا يعود قلبنا بعد مكاناً للثعالب ولطيور السماء.وإبن الله قام بدوره الفدائى ليقدسنا، ويتبقى دورنا وهو أن ننفصل عن كل شر فلا شركة للنور مع الظلمة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح