كلمة منفعة
نحن ننظر إلى الأمور، بطريقة معينة، ومن زاوية معينة فنراها بشكل ما. ولكن رؤيتنا ليست كل شيء.
— رؤية أخرى
سفر لاويين 10
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح العاشر
الأصحاح العاشر
العمل الكهنوتي والنار الغريبة
كان اليوم الثامن لسيامة هرون وبنيه مبهجًا لكل الشعب، فيه تراءى مجد الرب لهم، وفيه نزلت النار من لدن الرب تعلن رضاه عليهم وقبوله ذبيحتهم، فهتف الكل وسقطوا على وجهوهم بفرح داخلي مجيد، لكن إثنين من أبناء هرون حولا الفرح إلى غمٍ والبهجة إلى مرارة إذ استخدما نارًا غريبة وهما كما يظن في حالة سكر، فخرجت نار من عند الرب أحرقتهما... مما أرعب الكل!
1. النار الغريبة [1].
2. التأديب الفوري [2- 3].
3. الكاهن والمشاعر الطبيعية [4-7].
4. الكاهن وشرب الخمر [8-11].
5. الكاهن وأكل الأنصبة [12-20].
1. النار الغريبة:
بسيامة هرون وبنيه وتقديم الذبيحة تراءى مجد الرب للشعب بعد نواله البركة، وصار الكل كمن في الفردوس مملوءًا بهجة وهتافًا، إذ عاد الإنسان إلى الله مرة أخرى كما في صداقة جديدة، لكن كما أفسد العصيان بهجة أبوينا الأولين هكذا جلب إبنا هرون ناداب وأبيهو الحزن والغم على الشعب بعصيانهما وتقديمهما النار الغريبة، وعلى ما يبدو أن هذا تم خلال سكرهما، إذ جاءت الوصية في الحال تمنع الكهنة من شرب الخمر أو المسكر في الخيمة [8-9]...
يعلق القديس إيريناؤس على هذا الحدث بقوله: [حقًا يجلب الهراطقة نارًا غريبة على مذبح الله، إذ يقدمون التعاليم الغريبة، فيحترقون بنار من السماء كما حدث مع ناداب وأبيهو[127]]. ويقول العلامة أوريجانوس: [لقد سمعت أن الذين قدموا نارًا نجسة أمام الرب ماتوا، وأنت إذ تلتهب أيضًا فيملأك غضبك وتحرقك الثورة ويشتعل فيك الحب الجسداني تصير ضحية لشهوة مخجلة، فإن هذه النار كلها نجاسة وضد الرب من يشعلها ينال بلا شك نصيب ناداب وأبيهو[128]]. ويقول القديس أغسطينوس: [الشهوة الشريرة تشبه حريقًا ونارًا، هل تحرق النار الثوب ولا تحرق شهوة الزنا النفس؟[129]].
2. التأديب الفوري:
"فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما فماتا أمام الرب، فقال موسى لهرون: هذا ما تكلم به الرب قائلاً: في القريبين منيّ أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجد، فصمت هرون" [2-3].
لم يكن سهلاً على هرون أن ينظر إبنيه وقد سقطا على الأرض محترقين بنار أمام الجميع... لكن الله سمح بهذا الدرس القاسي في بداية العمل الكهنوتي ليظهر خطورة دور الكاهن ومسئوليته. إن كان يقف شفعيًا عن نفسه وعن الشعب خلال الذبيحة المقدسة، يليق به أن يمارس الحياة المقدسة اللائقة به وإلاَّ تعرض لتأديبات قاسية وعلانية أكثر من كل الشعب، إذ يقول الرب: "في القريبين منيّ أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجد". كان الدرس مرًا، حتى يدرك الكل أن محبة الله لكهنته وسماعه لصوتهم لا يعني المحاباه لهم ولا التهاون معهم، وإنما قدرما يقتربون إليه يلزمهم بالحرى أن يتقدسوا ليعلن الله القدوس ذاته فيهم.
سجل لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مرارة نفسه حينما كان يتأمل مسئوليته أمام الله ليعطي حسابًا لا عن خطاياه وحده وإنما أيضًا عن خطايا الشعب، فمن كلماته: [أي عقاب قاسي يتوقعه إنسان لا يعطي حسابًا عن خطاياه التي ارتكبها بل بالحرى يتحمل خطرًا أعظم بسبب الخطايا التي يرتكبها الآخرون؟! إن كنا نرتعد بسبب دينونتنا عن شرورنا التي إرتكبناها، واثقين أننا لا نستطيع الهروب من النار التي تنتظرنا في العالم الآخر، فأية آلام يجتازها إنسان عتيد أن يجيب عن أخطاء كثيرين؟![130]].
3. الكاهن والمشاعر الطبيعية:
بلا شك تأثر هرون وإبناه لما نظروا ما حدث لإبني هرون الآخرين ناداب وأبيهو وقد جاءتهم الوصية ترفعهم فوق المشاعر الطبيعية، إذ قيل لهم: "لا تكشفوا رؤوسكم ولا تشقوا ثيابكم لئلا تموتوا ويسخط على كل الجماعة، وأما إخوتكم كل بيت إسرائيل فيبكون على الحريق الذي أحرقه الرب، ومن باب خيمة الإجتماع لا تخرجوا لئلا تموتوا، لأن دهن مسحة الرب عليكم" [6-7]. إنهم كأب وكأخوين يحملون مشاعر إنسانية لكنهم ككهنة الرب لا يكبتون هذه المشاعر ولا يحطمونها، وإنما يرتفعون بها لتقديمها لا للأقرباء حسب الدم فحسب بل نحوالكل، فيعيشون يخدمون كل الجماعة كأخوة وأبناء لهم. الكاهن الحقيقي يرتفع بكل أحاسيسه ومشاعره لخدمة الله في كل إنسان ولا يحد قلبه بأخوته حسب الدم.
كان على هرون وإبنيه أن يبقوا في الخيمة لخدمة الله أما التزاماتهم حتى من حيث دفن ناداب وأبيهو فيوجد من يقوم بها. هذا ما قاله السيد المسيح للشاب الذي دعاه للخدمة: "دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فأذهب ونادِ بملكوت الله" (لو 9: 60).
يعلق القديس جيروم على هذا الحديث هكذا: [قيل "لا تشقوا ثيابكم" [6]، أي لا تحزنوا كالوثنيين لئلا تموتوا، لأنه بالنسبة لنا الخطية هي موت. وإننا نجد في نفس السفر- سفر اللاويين- نصًا يبدو للبعض قاسيًا لكنه ضروري للإيمان، إذ يُمنع رئيس الكهنة من الإقتراب من الأجساد الميتة التي لوالده أو والدته أو إخوته أو حتى أولاده (21: 10-12)، حتى لا تتشتت النفس التي تنشغل بتقديم ذبيحة لله بأي حزن بل تكون بكليتها مكرسة للأسرار الإلهية. ألم نتعلم ذات الدرس في الإنجيل بكلمات أخرى؟! ألم يمنع التلميذ من توديع بيته ودفن أبيه الميت (لو 9: 59-62)؟![131]].
4. الكاهن وشرب الخمر:
جاءت الوصية موجهة إلى هرون: "خمرًا ومسكرًا لا تشرب أنت وبنوك عند دخولكم إلى خيمة الإجتماع لكي لا تموتوا، فرضًا دهريًا في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر، ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلمهم بها الرب بيد موسى" [9-11]. كأن الوصية لم تحرم الخمر كمادة إذ كان يمكن إستخدامها كدواء أحيانًا، إنما حرمت كمسكر تفقد الكاهن إتزانه وتعقله فلا يعرف أن يميز بين الطاهر والنجس، ويفقد قدرته على تعليم الشعب الوصايا الإلهية. وكما يقول القديس جيروم: [لكي يحفظ الله عقولهم من غباء السكر، ويمكنهم من فهم ممارسة واجباتهم في خدمة الله[132]].
يرى القديس جيروم في هذه الوصية نوعًا من الصوم[133]، مطالبًا إيانا الهروب حتى من رائحتها إذ يقول: [ليت تنفسك لا يستنشق رائحتها قط كي لا تسمع كلمات الفيلسوف: "عوض تقديمك قبلة أعطيتني طعم خمر". يُدين الرسول الكهنة الذين يشربون الخمر (1 تي 3: 3)، كما تدينهم الشريعة القديمة... وأنا في هذا لا أدين خليقة الله[134]].
ويقدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرين للوصية: أحدهما حرفي والآخر رمزي. ففي تفسيره الحرفي يقول: [يُريد الله من الذين هو ميراثهم (عد 18: 20) أن يكونوا متزنين، خاصة عندما يتواجدون أمام المذبح لكي يصلوا إلى الرب ويتقدسوا بحضرته. هذه الوصية تحفظ قوتهم. وقد أكدها الرسول بنفسه في شريعة العهد الجديد (1 تي 5: 23)... إذ يليق بالكهنة ألا يشربوا خمرًا بل يكونوا متزنين (تي 1: 7-8). فإن كان التعقل هو أم الفضائل فالسكر هو أم كل الرذائل. لقد صرح الرسول بوضوح: "الخمر الذي فيه الخلاعة" (أف 5: 18)، مظهرًا أن الخمر يلد إبنته البكر الخلاعة[135]].
إسترسل العلامة أوريجانوس في تفسيره الرمزي لهذه الوصية التي وجهت إلى هرون وبنيه نقتطف منها الآتي:
[هرون يُشير إلى ربنا بكونه "رئيس كهنة الخيرات العتيدة" (عب 9: 11)... وأبناء هرون هم الرسل الذين قال لهم: "يا أولادي أنا معكم زمانًا قليلاً بعد" (يو 13: 33)، فما أمر به الناموس ألا يشرب هرون وبنوه خمرًا ولا مسكرًا حين يقتربون من الهيكل [9] يمكن تطبيقة على الكاهن الحقيقي يسوع المسيح ربنا وعلى أبنائه الكهنة رسلنا.
لنحدد هكذا أن هذا الكاهن (هرون) مع كهنته كانوا يشربون قبل أن يقتربوا من المذبح، لكنهم متى بدأوا يقتربون منه ويدخلون خيمة الإجتماع يمتنعون عن الخمر... الآن لنبحث كيف أن ربنا ومخلصنا الكاهن الحقيقي مع تلاميذه الكهنة الحقيقيين يشربون الخمر (روحيًا) قبل اقترابهم من المذبح، لكنهم إذ يبدأون في الإقتراب يمتنعون.
جاء المخلص إلى العالم ليقدم جسده فدية عن خطايانا (غلا 1: 4)، قبلما يقدمه كان كمن يشرب الخمر، إذ قيل عنه "أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة" (مت 11: 19). لكنه إذ جاء وقت الصلب مقتربًا من المذبح ليقدم جسده فدية أخذ الكأس وباركه وأعطاه لتلاميذه، قائلاً: "خذوا إشربوا" يقول لهم: "إشربوا أنتم يا من لم تقتربوا بعد من المذبح أما أنا فلا أشرب إذا اقتربت فعلاً من المذبح". لهذا يقول: "وأقول لكم إنيّ من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (مت 16: 29)...
ماذا يعني هذا القول: إنيّ من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديدًا في ملكوت أبي؟ نجيب بأن هذا الوعد قد أُعطى للقديسين أن يتمتعوا بالخمر الجديد، إذ قيل "كأسي ريا" (مز 23: 5)... "هوذا عبيدي يشربون وأنتم تعطشون" (إش 65: 13). مثل هذا الخمر يذكر في الكتاب المقدس بمعنى فرح النفس وتهليلها، لهذا يجب أن نميز بين سكر الليل (1 تس 5: 7)، وسكر النهار.
لقد فهمنا السكر المقدس، إذ صار الوعد بتهليلهم، ويهذا ندرك معنى إمتناع مخلصنا عن شرب الخمر إلى اليوم الذي يشربه مع قديسيه في ملكوت الله (مت 26: 29)، بمعنى أن مخلصي يبكي على خطاياي، ولا يقدر أن يتذوق الفرح مادمت أنا مستمر في المعصية، لماذا؟ لأنه هو الشفيع (المحامي) عني لدي الآب، كما يصرح بذلك صديقه الحميم يوحنا: "إن أخطأ أحد فلناَ شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا" (1 يو 1: 1-2). كيف إذن وهو شفيع من جهة خطاياي يقدر أن يشرب من خمر الفرح بينما أنا أحزنه بخطاياي؟! كيف يمكن لذاك الذي يقترب من الهيكل كفارة عني أنا الخاطئ أن يكون فرحًا بينما يصعد إليه حزن خطاياي بلا توقف؟!... إنه في حزن مادمنا نحن مستمرين في الخطية... إن كان رسوله يقول: "أنوح على كثيرين من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والزنا والعهارة التي فعلوها" (2 كو 12: 21) فماذا نقول عن ذاك الذي ندعوه "إبن محبته" (كو 1: 21)، "الذي أخلى نفسه" (في 2: 7)، بسبب محبته لنا؟! هذا الذي وهو مساٍو للآب لم يطلب ما لنفسه (1 كو 13: 5) بل ما هو لخيرنا، مخليًا نفسه لأجلنا؟! هل بعدما طلب ما هو لخيرنا يكف الآن عن البحث عنا وعن التفكير في خيرنا؟! ألا يحزن على خطايانا ويبكي على خسارتنا وجروحنا هذا الذي بكى على أورشليم، قائلاً لها: "كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 23: 37)؟! هذا الذي حمل جراحتنا، ومن أجلنا تألم بكونه طبيب نفوسنا وأجسادها، هل يهمل الآن التهاب جراحتنا؟! يقول النبي: "قد أنتنت، قاحت حُبر ضربي من جهة حماقتي" (مز 38: 5). لهذا السبب يقف أمام وجه الآب يشفع من أجلنا (عب 9: 24)، يقف أمام الهيكل ليقدم لله فدية كفارة لخدمتنا. وإذ اقترب من الهيكل يقول: "لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي" (مت 26: 29). إنه ينتظر حتى نتغير، نتمثل به ونحمل سماته، فيفرح معنا ويشرب معنا الخمر (الفرح الروحي) في ملكوت الآب. الآن إذ هو إله الرحمة والمغفرة (مز 102: 8) فبعاطفة أعظم مما لرسوله يبكي مع الباكين مشتاقًا أن يفرح مع الفرحين، فينوح أكثر من رسوله على الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا بعد (2 كو 12: 21)، إذ لا يليق بنا أن نظن أن بولس يحزن وينوح على فاعلي الشر بينما يكف ربنا عن البكاء عندما يقترب نحو الآب أمام المذبح مقدمًا نفسه فدية كفارة عنا. إننا نقول بأنه إذ يقترب إلى الهيكل لا يشرب خمر الفرح بل يحزن على خطايانا... فإهمالنا في حياتنا يؤجل فرحه!
إلى متى ينتظر؟ إلى أن يتمم عمله (يو 17: 4).
متى يتمم عمله؟ عندما يجعلني أنا آخر الكل وأشر الخطاة كاملاً!
عمله يحسب غير كامل مادمت أنا لست بعد كاملاً، مادمت لست بعد خاضعًا للآب (1 كو 15: 28)، إذ يُحسب كمن هو غير خاضع للآب بسببي ويكون عمله لم يكمل بعد...[136]].
يكمل العلامة أوريجانوس حديثه عن التزام هرون وبنيه الكهنة بالإمتناع عن الخمر عند اقترابهم للخدمة، فبعدما تحدث عن السيد المسيح الذي يرمز له هرون صار يتحدث عن الرسل والتلاميذ بكون بني هرون رمزًا لهم: [لا ننسى أنه ليس هرون وحده لا يشرب خمرًا وإنما أبناؤه أيضًا لا يشربون عندما يدخلون المقدس، وذلك لأن الرسل أيضًا لم يحصلوا على فرحهم بل هم منتظرون حتى ننال نصيبًا معهم في فرحهم. إذ رحل القديسون من هنا لا ينالون المكافأة التي يستحقونها دفعة واحدة إنما ينتظروننا بالرغم من تباطؤنا، إذ لا يكون لهم ملء الفرح ماداموا يحزنون على خطايانا ويبكون علينا... ولكي تكون لك شهادة لما أقوله فلا تشك... بعدما عدد الرسول الآباء القديسين الذين تبرروا أضاف: "فهؤلاء كلهم مشهودًا لهم بالإيمان لم ينالوا الموعد، إذ سبق الله فنظر لنا شيئًا أفضل لكي لا يكملوا بدوننا" (عب 11: 39-40). إذن إبراهيم ينتظر لينعم بحالة الكمال، وأيضًا إسحق ويعقوب وكل الأنبياء ينتظرون لكي يحصلوا معنا على السعادة الأبدية... يوجد جسد واحد نقول أنه يقوم يوم الدينونة...
سيكون لك فرح يوم رحيلك من هذه الحياة إن كنت قديسًا، لكن فرحك يكمل عندما لا ينقص عضو من الجسد، فإنك تنتظر أخوتك كما انتظرك أخوتك السابقون لك[137]].
5. الكاهن وأكل الأنصبة:
يبدو أن الحزن كان قد ملأ قلب هرون وإبنيه على ما حدث بخصوص ناداب وأبيهو، أو لعلهم كانوا في خوف ورعدة فكانوا غير قادرين على أكل أنصبتهم، لذلك شجعهم موسى على ترك الحزن وأكل أنصبتهم من وقائد الرب من الفطير وأيضًا من ذبيحة السلامة، مذكرًا إياهم بالوصية الإلهية الخاصة بأكل أنصبتهم بطقس معين. حينما سأل موسى عن تيس الخطية وجده قد احترق بكامله خلافًا للطقس... وكان يجب أن يأكلوا منه نصيبهم علامة قبول الله للذبيحة، فسخط موسى على إبني أخيه ولم يسخط على هرون ربما لأجل مركزه كرئيس كهنة... لكن هرون قدم عنهما عذرًا بأنه لم يكن ممكنًا أن يأكلا في اليوم الذي أصابه هذا في إبنيه، ولعله يقصد أن القلوب حزينة ونشعر بأن ما ارتكبه ناداب وأبيهو هو وصمة عار لنا، فهل يليق بهما أن يأكلا بقلوب هكذا موصومة بعار الخطية؟!
إذ سمع موسى اعتذار هرون "حسن في عينيه" [20]، واقتنع بالأمر، مقدرًا الظرف، ولم يتشبث برأيه.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح العاشر
أية (1):- " 1وَأَخَذَ ابْنَا هَارُونَ: نَادَابُ وَأَبِيهُو، كُلٌّ مِنْهُمَا مِجْمَرَتَهُ وَجَعَلاَ فِيهِمَا نَارًا وَوَضَعَا عَلَيْهَا بَخُورًا، وَقَرَّبَا أَمَامَ الرَّبِّ نَارًا غَرِيبَةً لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِهَا. "
عجيب أن يسقط فى هذه الخطية الإبنين الكبيرين لهرون اللذان شاهدوا مجد الرب على الجبل خر 24 : 9، 10 ثم إختارهما الله لكرامة الكهنوت وقضوا 7 أيام فى الخيمة ولكن هذا هو الإنسان فآدم سقط من الجنة ونوح بعد حادثة الطوفان سكر وتعرى وهكذا مع لوط. والشعب بعد أن خطط الله له المجد بإقامته وسطه صنع عجلاً ذهبياً. فالشيطان لا يتورع عن الهجوم على أقدس الناس فى أقدس الأماكن كما هاجم المسيح على جناح الهيكل. ولكن ماذا كانت خطيتهما ؟
هما إستخدما ناراً غريبة وهما كما يظن فى حالة سكر، وإستنتج المفسرون هذا من الآية (9) التى أعقبت الحادثة أن الله نبه على عدم شرب الخمر والمسكر قبل دخول خيمة الإجتماع. ويضاف لهذا أن المفروض أن من يقدم البخور هو الكاهن الخديم الذى قدم الذبيحة وكان هنا هو هرون وليس أحد من أبنائه الذين كانوا يناولونه فقط (9 : 12، 13). وليس هذا فقط ففى وجود رئيس الكهنة ما كان يحق لهم تقديم البخور. وأيضاً كان من يقدم البخور كاهن واحد وليس إثنين ونجدهما هنا
1- فى حالة سكر 2- تعدى على رئيس الكهنة المقدم على الكل.
3- تعدى على الكاهن الخديم 4- تنافس فيما بينهم من يقدم البخور
5- غالباً الوقت أيضاً لم يكن وقت البخور 6- إستخدام نار غريبة.
إذاً هى خطية كبرياء وعجرفة واستهتار. وغالباً هم سكروا لأنهم ارادوا الإحتفال بتنصيبهم كهنة ولكن بطريقة عالمية فشربا وسكرا
لم يأمرهما بها = هذه هى الخطية الأساسية، فعلهم شئ لم يأمر الله به وقارن هذه الجملة مع النغمة التى رددها موسى "كما أمر الرب موسى". فعصيان الله هو سبب المرارة التى يحيا فيها الإنسان، بل سبب موته. فالعصيان دائماً يفسد البهجة التى يريدنا الله أن نحيا فيها
أية (2):- " 2فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتْهُمَا، فَمَاتَا أَمَامَ الرَّبِّ."
النار أماتتهم دون أن تحرقهم بدليل أنها لم تحرق قمصانهم (راجع آية 5). وهو عقاب رهيب، فمن يعرف أكثر يدان أكثر. لقد قتلهما غضب الله. ولاحظ أن الجزاء من نفس جنس العمل، فهما قدما ناراً غريبة وقتلتهم النار. ولاحظ أن نفس النار التى أحرقت الذبيحة علامة قبول الذبيحة ومقدمها هى نفس النار التى أحرقت الكهنة الخطاة، وهذا معنى "رائحة حياة لحياة ورائحة موت لموت 2كو 2 : 16". إذاً إما أن نقبل نار النعمة الإلهية لتنقيتنا أو نواجه بنار الغضب الإلهى تحرقنا. لذلك كان صمت هرون (آية 3) من الحكمة. وقد سمح الله فى بداية العمل الكهنوتى بهذا الدرس القاسى ليظهر خطورة دور الكاهن ومسئوليته، كما حدث فى بدء المسيحية وحتى يظهر الله خطورة الكذب على الروح القدس سمح بموت حنانيا وسفيرة بطريقة صعبة.
أية (3):- " 3فَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «هذَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ». فَصَمَتَ هَارُونُ. "
هنا موسى يعلن قول للرب لم يكن قد ذكره من قبل. ومن المحتمل أن يكون هذا القول قد سمعه موسى وأخبر به هرون أخاه من قبل ويذكره هنا به، أو يكون موسى بقوله هذا يشير لقول الرب "وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئلا يبطش بهم الرب خر 19 : 22". والمعنى أن الله عين الكهنة ليقدسوه وسط الشعب كوسطاء بينه وبين الشعب فعليهم أن يمارسوا الحياة المقدسة اللائقة بوسطاء لإعلان قداسة الله الذي يمثلونه. وإذا ما عاش الكاهن حياة مقدسة أظهر الله قداسته فيه، هذا معنى فى القريبين منى أتقدس. أما لو قصر الكهنة فى قداستهم يعاقبهم الله ويتعرضوا لتأديبات قاسية وعلانية أكثر من الشعب. فإن كان ينبغى أن كل المؤمنين يطيعوا الله ووصاياه فكم بالأكثر خدامه، وهؤلاء إن لم يطيعوه تكون دينونتهم أعظم. والله يتمجد ويظهر قداسته بعقابهم وأنه رافض للخطية أياً كان مصدرها. وهذا معنى أمام جميع الشعب أتمجد. ولاحظ أن الله قد إستغنى بهذه الضربة عن نصف عدد الكهنة مرة واحدة إشارة لإهتمامه بالقداسة وإهتمامه بطاعة وصاياه، بينما أن عدد 2 كهنة المتبقيين لن يكفوا خدمة ملايين الشعب. فصمت هرون = كان خيراً أن يصمت ويحتمل تأديب الرب كما فعل داود 2صم 12 : 23 فكان من الحكمة أن يصمت أمام تأديب الرب
أية (4):- " 4فَدَعَا مُوسَى مِيشَائِيلَ وَأَلْصَافَانَ ابْنَيْ عُزِّيئِيلَ عَمِّ هَارُونَ، وَقَالَ لَهُمَا: «تَقَدَّمَا ارْفَعَا أَخَوَيْكُمَا مِنْ قُدَّامِ الْقُدْسِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ»."
لم يدع موسى أخوى ناداب وأبيهو ليحملا أخويهما لسببين الأول أنه من الصعب على الأخ أن يحمل أخاه الميت. والسبب الثانى أنهم مكرسين لله لا يجب أن يحملوا أموات وعليهم أن يرتفعوا فوق المشاعر الطبيعية
أية (5):- " 5فَتَقَدَّمَا وَرَفَعَاهُمَا فِي قَمِيصَيْهِمَا إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، كَمَا قَالَ مُوسَى."
هم رفعوهم فى قميصيهما. والأقمصة كانت طويلة وكان العتيق فيها يصنع منه أسرجة لفتائل القدس. ولكن الأقمصة هنا دفنت مع الموتى لأنها تنجست بملامسة أجسام ميتة (الموت لأنه يشير للخطيئة فهو يعادل الخطيئة)
الأيات (6-7):-" 6وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ وَأَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ ابْنَيْهِ: «لاَ تَكْشِفُوا رُؤُوسَكُمْ وَلاَ تَشُقُّوا ثِيَابَكُمْ لِئَلاَّ تَمُوتُوا، وَيُسْخَطَ عَلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا إِخْوَتُكُمْ كُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فَيَبْكُونَ عَلَى الْحَرِيقِ الَّذِي أَحْرَقَهُ الرَّبُّ. 7وَمِنْ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ تَخْرُجُوا لِئَلاَّ تَمُوتُوا، لأَنَّ دُهْنَ مَسْحَةِ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ». فَفَعَلُوا حَسَبَ كَلاَمِ مُوسَى."
كانت العادات الوثنية أن يكشفوا شعورهم وينكشوها ويشقوا ثيابهم علامة الحزن على الموتى. والله هنا يمنع الحزن بهذه الطريقة. وكان هرون وأبناؤه لهم المشاعر الإنسانية الطبيعية ولكنهم ككهنة عليهم أن يرتفعوا بها ليقدموها لكل الشعب فهم أصبحوا مسئولين عن كل الشعب، يعيشون لخدمة الجماعة كلها كإخوة وأبناء لهم. والكاهن الحقيقى يرتفع بكل أحاسيسه ومشاعره لخدمة الله فى كل إنسان ولا يحد قلبه بإخوته حسب الدم. ولكن كيف يرتفع الآن هرون بمشاعره لله ؟ عليه أن يبرر الله فى عمله قائلاً أخطأنا فى إستهتارنا بأقداسك وبحق جاء علينا قضائك فإرحمنا وسامحنا " وأما الطريق الآخر أن يحزن من الله لما فعله وهذا سيحرمه من بركات كثيرة.
ولنلاحظ هنا خطأين الخطأ الأول خطأ ناداب وأبيهو وهو أنهم يفرحون بحسب العالم فيشربوا ويسكروا تعبيراً عن فرحهم والخطأ الثانى نبه له موسى هرون والإبنين الأحباء وهو ألا يحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. فشعب الله له طريقته فى الفرح وطريقته فى الحزن وهما ليسا كالعالم. وهذا لخصة معلمنا يعقوب يع 5 : 13 أعلى أحد بينكم مشقات فليصل. أمسرور أحد فليرتل.
وكان علي هرون وإبنيه أن يبقوا فى الخيمة لخدمة الله أما التزاماتهم حتى من حيث دفن ناداب وأبيهو فيوجد من يقوم بها. هذا ما قاله السيد المسيح للشاب الذى دعاه للخدمة "دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فإذهب وناد بملكوت الله لو 9 : 6" ولكننا نجد موسى الذى أمر الكهنة أن لا يبكوا موتاهم يطلب أن يبكى كل بيت إسرائيل على الحريق فلماذا ؟ هرون وإبنيه لمست الحادثة قلبيهما مباشرة فهم شاهدوا ما حدث بالعيان واللذين ماتوا هم دمهم ولحمهم إذن لقد وصلت الرسالة لقلوبهم مباشرة، أن الله يكره الخطية. أما الشعب فعليه أن يبكى وينوح بسبب غضب الله عليهم فتصل بهذا الرسالة لقلوب الشعب أيضاً.
أية (8):- " 8وَكَلَّمَ الرَّبُّ هَارُونَ قَائِلاً: "
نجد الله هنا يكلم هرون بدلاً من موسى. وهذا من محبة الله حتى يرفع من روحه ويراضيه بعد هذه الحادثة المؤلمة. وليرفع من شأن الكهنوت وليظهر أن وعوده ومحبته باقية بالرغم مما حدث فوعود الله بلا ندامة. ولنلاحظ أن الله بكلامه لهرون يرفع من شأنه كرئيس للكهنة
أية (9):- " 9«خَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ تَشْرَبْ أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكَيْ لاَ تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ"
الوصية لا تحرم الخمر كمادة إذ يمكن إستخدامها كدواء (راجع رسالة بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس) ولكنها محرمة كمسكر لأنها تفقد الكاهن إتزانه وعقله فلا يستطيع الوقوف أمام الله ولا تعليم الشعب. وللمسيحيين الآن نقول أننا فى حالة إجتماع دائم مع الله اليوم كله، بل والليل "أنا نائمة وقلبى مستيقظ" فلا يجب أن يغيب وعى المسيحى لحظة بسبب الخمر. وكون هذه الوصية جاءت فورية بعد هذه الحادثة جعل كل المفسرين يضيفوا خطية السكر لناداب وأبيهو.
أية (10):- " 10وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ،"
المقدس والمحلل = هناك أجزاء من الذبيحة مقدسة لا يأكلها سوى الكهنة وفى خيمة الإجتماع ( المقدس) وهناك أجزاء يحل لعائلاتهم وبناتهم أن يأكلوها (المحلل) وعلى الكاهن أن يكون عقله مستيقظاً للتمييز بينهما.
تأمل وتفسير لأوريجانوس لوصية عدم شرب المسكر فى حالة دخول خيمة الإجتماع + مت 26 : 29
أوريجانوس وضع أمامه هذه الوصية ووضع أيضاً أمامه قول السيد المسيح لتلاميذه "أنى من الأن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه جديداً فى ملكوت أبى" ورأى أوريجانوس أن الخمر يشير لفرح النفس وتهليلها. وأن هرون كرئيس للكهنة يشير للمسيح ويقول أن هرون كان ممكن أن يشرب وهو بعيد عن المذبح والخيمة ولكن متى جاء ليقترب منها يمتنع. والمسيح هنا يسمح لتلاميذه بالفرح والتهليل فهم لم يقتربوا بعد من المذبح. أما المسيح فكان قد إقترب من المذبح أى الصليب وهو لا يريد أن يفرح لأنه يبكى على خطاياى بينما أنا مستمر فى المعصية وبولس الرسول يقول نفس الشئ "أنوح على كثيرين من الذين أخطأوا. فالمسيح يبكى ويحزن على كل من يخسره (كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولكنكم لم تريدوا) راجع مت 23 : 37. وهو لن يفرح حتى نتغير كلنا ونتمثل به ونحمل سماته فيفرح معنا ويشرب معنا الخمر (الفرح الروحى) فى ملكوت الآب. والقديسون لهم نفس مشاعر المسيح هم يفرحون بتعزيات المسيح لكنهم يشعرون بمرارة على كل نفس تهلك. وحتى الذين رحلوا للسماء فهم لا ينالوا المكافأة التى يستحقونها دفعة واحدة إنما ينتظروننا حتى يقوم الجميع جسد واحد للسعادة الأبدية يوم الدينونة. وأما الأن فالكل فى إنتظار.
أية (11):- "11وَلِتَعْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى»."
الأيات (12-15):-" 12وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ وَأَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ ابْنَيْهِ الْبَاقِيَيْنِ: «خُذُوا التَّقْدِمَةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ وَكُلُوهَا فَطِيرًا بِجَانِبِ الْمَذْبَحِ لأَنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ. 13كُلُوهَا فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ لأَنَّهَا فَرِيضَتُكَ وَفَرِيضَةُ بَنِيكَ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ، فَإِنَّنِي هكَذَا أُمِرْتُ. 14وَأَمَّا صَدْرُ التَّرْدِيدِ وَسَاقُ الرَّفِيعَةِ فَتَأْكُلُونَهُمَا فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَبَنَاتُكَ مَعَكَ، لأَنَّهُمَا جُعِلاَ فَرِيضَتَكَ وَفَرِيضَةَ بَنِيكَ مِنْ ذَبَائِحِ سَلاَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 15سَاقُ الرَّفِيعَةِ وَصَدْرُ التَّرْدِيدِ يَأْتُونَ بِهِمَا مَعَ وَقَائِدِ الشَّحْمِ لِيُرَدَّدَا تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ، فَيَكُونَانِ لَكَ وَلِبَنِيكَ مَعَكَ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ»."
هنا موسى خوفاً على الكهنة من أن يخالفوا وصايا الرب يشجعهم أن يلتزموا بكل دقائقها وأن لا ينشغلوا بحزنهم ويهملون فيها فيصيبهم أشر.
أية (16):- " 16وَأَمَّا تَيْسُ الْخَطِيَّةِ فَإِنَّ مُوسَى طَلَبَهُ فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَرَقَ. فَسَخِطَ عَلَى أَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ، ابْنَيْ هَارُونَ الْبَاقِيَيْنِ، وَقَالَ: "
كان المفروض أن يأكلوا من لحم تيس الخطية. ولكن يبدو إما أنهم تركوه ليحترق فهم لم يستطيعوا الأكل بينما هم حزانى. أو هم فى حزنهم نسوا الشريعة. ونجد موسى يظهر سخطه على إبنى هرون وليس هرون نفسه ربما لأجل مركزه كرئيس كهنة
أية (17):- " 17«مَا لَكُمَا لَمْ تَأْكُلاَ ذَبِيحَةَ الْخَطِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ؟ لأَنَّهَا قُدْسُ أَقْدَاسٍ، وَقَدْ أَعْطَاكُمَا إِيَّاهَا لِتَحْمِلاَ إِثْمَ الْجَمَاعَةِ تَكْفِيرًا عَنْهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ."
هنا يظهر موسى لهم أهمية الأكل من لحم ذبيحة الخطية.... وهو لتحملا إثم الجماعة = هى ذبيحة خطية عن الشعب وليس ذبيحة خطية عن الكاهن فذبيحة خطية الكاهن لا يأكل منها الكاهن. أما ذبيحة خطية الشعب يأكل منها، فهو وسيط بين الله والشعب. والوساطة معناها أن الكاهن وهو لم يرتكب الذنب أى وهو برئ يحمل إثم المذنب الذى قدم الذبيحة. فعمله هذا يشير لعمل المسيح. ولاحظ أن النار تأكل جزء من الذبيحة والكاهن يأكل جزء والذبيحة حاملة للخطية فكان الكاهن هنا بأكله جزء منها يحمل إثم الخاطئ. والأكل هنا يشير لقبول الله للذبيحة ومقدمها. وتعبير يحمل إثم تكرر مرتين هنا وفى لا 22 : 9 وهنا تشير أن من يحمل الإثم يجب أن يكون طاهراً وهذا يتم بأن الكاهن الذى يقدم هذه الذبيحة كان يقدم ذبيحة خطية عن إثمه أولاً، وهذا إشارة للمسيح الطاهر. وأما فى 22 : 9 يشير الكلام أن الشخص يحسب مذنباً (وقارن مع عد 18 : 1) فالكاهن الذى بلا خطية يحسب كأنه خاطئ حتى يقدم الذبيحة وتحترق على المذبح وراجع إش 53 : 6 – 11 + 1بط 2 : 24
أية (18):- " 18إِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِدَمِهَا إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلاً. أَكْلاً تَأْكُلاَنِهَا فِي الْقُدْسِ كَمَا أَمَرْتُ»."
راجع 6 : 25، 26 + 10 : 17 كان المفروض أن الذبيحة التى لا يؤتى بدمها للقدس يأكلها الكهنة. (أى الذبائح المقدمة عن الشعب وليس عن الكهنة)
أية (19):- " 19فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: «إِنَّهُمَا الْيَوْمَ قَدْ قَرَّبَا ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِهِمَا وَمُحْرَقَتَهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ هذِهِ. فَلَوْ أَكَلْتُ ذَبِيحَةَ الْخَطِيَّةِ الْيَوْمَ، هَلْ كَانَ يَحْسُنُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟». "
نجد هرون هو الذى يرد فهو عرف أن الكلام موجه له أيضاً. وكان عذره فى ترك ذبيحة الخطية تحترق كلها أنه لا يجوز أن يأكلوا من لحم الذبيحة وهذا عمل مقدس وهم قلوبهم حزينة لموت إخوتهم، والقلب الحزين لا يكون متجه لله بالكامل أو لشعورهم بالعار من إستهتار إخوتهم فلا يليق بقلوب موصومة بالعار أن تقوم بعمل مقدس كهذا
أية (20):- "20فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ."
لم يتشبث موسى برأيه حين سمع وجهة نظر هرون ورأى وجاهتها، بل صار هذا قانوناً أن الكاهن إذا نعى له أحد أحبائه لا يترك الهيكل، لكن لا يأكل لحم الذبائح. وقد صار هذا قانوناً للآن أن الكاهن عليه أن يبرئ ذمته ويتطهر قبل أن يتقدم للخدمة.
كهنوت المسيح وكهنوت هرون
هرون كرمز للمسيح
هرون
المسيح
1- كان رئيس كهنة
2- هو مدعو من الرب ولم يقتحم الوظيفة
عب 5 : 4
3- هرون كان مختاراً من بين إخوته مشتركاً معهم فى تاريخهم وأبائهم وله مشاعرهم وأمالهم لذلك يستطيع أن يرثى لهم عب 5 : 1، 2
4- من أهم طقوس رئيس الكهنة أن يلبس ثيابه رداء من كتان موشى بالذهب والإسمانجونى والقرمز والأرجوان.
5- مسح رئيس الكهنة بالدهن
6- غسل هرون لتطهيره
7- وظائفه "مع الفارق بين الرمز والمرموز إليه"
أ- نائب عن الشعب يحمل إثمهم
ب- الرعاية
ت- معلم الشريعة
ث- يقضى للشعب
ج- كان يجتاز وحده للأقداس مرة فى السنة لا 16
ح- يشفع فى شعبه
عد 16 : 48
1- كان رئيس كهنتنا عب 4 : 14
2-كهنوت المسيح معين فى قصد الله
عب 5 : 5، 6
3-صار المسيح من دمنا ولحمنا وإشترك معنا فى ألامنا وصار أخاً بكراً بيننا رو 8 : 29 + عب 2 : 11 + يو 1 : 12 وبهذه المشاركة أصبح يقدر أن يعين المجربين عب 2 : 17، 18
4-لبس المسيح جسد بشريتنا. الكتان يشير لنقائه وأنه ينقى قديسيه والإسمانجونى لأنه سماوى يو 3 : 13، 16 : 28 والقرمز والأرجوان لملكه علينا بصليبه والذهب للاهوته المتحد بناسوته.
5-حلول الروح القدس على المسيح
6-المسيح تعمد دون حاجة ولكن لإعلان طهارته
7-وظائف المسيح
أ-حمل المسيح خطاياى حقيقة
ب-هو الراعى الصالح
ت-هو معلم الكمال
ث-هو ديان العالم العادل
ج-دخل الأقداس مرة واحدة بدمه عب 9 : 12
ح-هو حى يشفع فينا
عب 24:7 + 1 يو 1:2
2- إمتيازات المسيح على هرون
أ- هرون له خطاياه ومحاط بالضعف عب 5 : 2 وهكذا صنع عجلاً ذهبياً للشعب لذلك كان يقدم ذبائح خطية عن نفسه بإستمرار عب 5 : 3 أما
ب-المسيح فبلا خطية من منكم يبكتنى على خطية يو 8 : 46
ت-كهنوت هرون كان وقتياً لأنه يرمز للمسيح، وإنتهى الرمز حينما جاء المرموز إليه أما كهنوت المسيح فأبدى
ث-هرون كان يموت ويكمل أبنائه عمله أما المسيح فحى للأبد
المسيح رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق
1- المسيح رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق مز 110 : 1 – 4
2- معنى الأسم ملكى صادق = ملك البر والمسيح هو ملكنا الذى يبررنا رو 3 : 24
3- كان ملكى صادق ملك ساليم أى ملك السلام. والمسيح هو سلامنا أف 2 : 14 – 18
4- كان ملكاً وكاهناً وهذه لا يمكن أن تجتمع فى العهد القديم فالكهنوت سبط لاوى والملك من سبط يهوذا. عب 7 : 13 – 17
5- لم يذكر لملكى صادق أى نسب والمسيح الأزلى لم يكن له أب بالجسد عب 7 : 3
6- قدم ملكى صادق تقدمة من خبز وخمر وهذه تقدمة العهد الجديد
7- هو بارك إبراهيم، إذاً هو أكبر وأعلى منه ومن إبراهيم خرج هرون ولاوى إذاً كهنوت ملكى صادق أسمى.
8- إبراهيم قدم لملكى صادق العشور
9- كان كهنوت المسيح على طقس ملكى صادق بقسم مز 110 : 4 أما كهنوت هرون فبدون قسم.
10-كان كهنوت هرون ناقصاً فذبائحهم لا تكمل أحد وكان هناك إحتياج لمن كهنوته يكون كاملاً على رتبة ملكى صادق عب 7 : 11 – 12
الإصحاحات 11 – 15
دليل شرائع التطهير من النجاسة
وردت كلمة نجس ونجاسة فى هذه الإصحاحات أكثر من 100 مرة فهى إذاً الكلمة البارزة فيها. والنجاسة هى نقيض القداسة، فكل شئ مخالف لقداسة الله هو نجاسة وبعض النجاسات تكون مستمرة لفترة طويلة وبعضها ينتهى بحلول المساء أى مؤقتة (11 : 25) وفى بعض الحالات تستلزم غسل الملابس أو الشخص نفسه بالماء. وفى بعض الحالات يحتاج الأمر لتقديم ذبيحة
وأمثلة للنجاسة 1- بسبب الحيوانات 2- بسبب الولادة
3 – بسبب برص الإنسان 4- بسبب برص الثياب
5- بسبب برص المنازل 6- بسبب السيل من إنسان
ويمكن أن نسمى سفر اللاويين دليل الكاهن فهو يحوى كل الشرائع التى يحتاجها الكهنة فى خدمتهم لجعل الشعب يقترب من الله فيتقدس. وإذا لاحظنا كمال الناموس والشريعة وأن الله وضع قانوناً لكل شئ نفهم أن فى الكتاب المقدس حل لكل مشكلاتنا.
والله يريدنا أن نكون قديسين فالقداسة بدونها لن يرى أحد الرب عب 12 : 14 والسؤال الآن كيف نكون قديسين وكيف نسلك فى القداسة وما معنى قداسة ؟ هذه الأسئلة يصعب جداً أن يشرحها الله لشعب بدائى يحيا فى الخطية ولا مانع لديه من أن يقيم عجلاً ذهبياً ليعبده فكان أن إستخدم الله هذا الأسلوب الرمزى التصويرى ليشرح هذه المعانى. ونرى فى هذه الإصحاحات بل وفى سفر اللاويين عموماً معنى القداسة. وقد سبق ورأينا فى سفر الخروج الله يحل وسط شعبه فى خيمة الإجتماع وحتى يحل الله وسط شعبه يجب أن يتقدس هذا الشعب. ونجد القداسة لها شقان يجب توافرهما حتى نتقدس :-
1- الذبائح (ص 1 – ص 7) رمزاً للمسيح ذبيحتنا. والكهنوت (8 – 10) رمز للمسيح رئيس كهنتنا الذى قدم نفسه ذبيحة. والمعنى أننا لا يمكن أن نتقدس إلا بدم المسيح والمسيح قام بعمله وأنهاه.
2- دور الشخص نفسه فى تجنب كل ما هو نجس (ص 11 – ص 15). فمثلاً نجد أن الله يمنع شعبه من أكل بعض الحيوانات، ويسميها غير طاهرة، وهكذا فى باقى الممنوعات التى يسميها نجسة أو مكروهة. وكان دور الإنسان المطلوب فيه أن يتحاشى هذه الحيوانات النجسة حتى لا يتنجس. وإذا يتحاشاها يقول الكتاب أنه يتقدس (11 : 44) + 1بط 1 : 15، 16
لماذا منع الله بعض الحيوانات ؟
1- الله يريد أن يعلم شعبه الطاعة وأن يعرف شعبه أن الله له سلطان عليه وأنه يحكم على شعبه. وهذا قد عمله الرب مع آدم من قبل.
2- كان لليهود كرامة عظيمة بسكنى الله فى وسطهم وكان عليهم التواضع وقبول وصايا الله. فالله حتى يسكن فى وسطهم له شروطه ووصاياه. (وهكذا نحن) ويجب الخضوع له.
3- طريقة منع بعض الأشياء وإعتبارها نجسة يعلمهم أن هناك ما هم محلل وما هو نجس، فيتعلما التدقيق فى الأكل والشرب ومن ذلك التدقيق فى كل أمورهم. فإذا كان الأكل والشرب له قواعد إلهية فهم سيفهمون تلقائياً أن هناك ممنوعات فى تصرفاتهم وأخلاقياتهم وأن هناك ما ينجسهم فيتحاشوه وإلا إستحقوا اللعنة.
4- كان كثير جداً من الممنوعات له خطورة صحية طبية عليهم ومنعه كان لحمايتهم.
5- كان الأمم الوثنيون حولهم يعطون للممنوعات على اليهود (مثل المخنوق والدم) كرامة عظيمة ويعطون لها كرامات خرافية (لذلك منعها مجمع الرسل أيضاً أع 15 : 20). وبعض الأمم قدسوا الحيوانات لبعض الآلهة. وهذا المنع يعطيهم شعوراً بإختلافهم وتميزهم عن الشعوب الوثنية
6- كان هذا الأسلوب الرمزى مدعاه للتفكير والتأمل فمثلاً الخنزير يعتبر نجس وكان اليهودى يمتنع عنه تماماً لأن الله قال هذا. ولكن مع الوقت يتأمل اليهودى فى تصرفات الخنزير ويجده يعود للطين والقاذورات. ولو أخذ هذا الخنزير حتى ينظف ويستحم يعود إلى الطين مرة أخرى. ومن هنا يفهم اليهودى أن الله يريد منه أن لا يتشبه بهذه العادة الرديئة. وأن بعد توبته وغسله وقبول الله له عليه أن لا يعود للخطية ثانية. وهذا ما فعله بطرس الرسول 2بط 20:2-22 وهكذا سيتعلم ما معنى شق الظلف والإجترار بمفهوم روحى. وحينئذ يفهم ما معنى أن يسلك الإنسان بقداسة
إصحاح 11 :- يعرض لنا موضوع الخطية وأنها موجوده حولنا فى العالم فى كل مكان فى الأرض وفى البحر وفى سماء الطيور فعلينا أن نحيا فى حذر وإحتراس.
إصحاح 12 :- يعرض لنا أن الخطية تنتقل بالولادة من الأباء للأبناء
إصحاح 13 :- يعرض لنا كم أن الخطية حقيرة ونجسة وكيف نكرهها.
إصحاح 14 :- يعطى رجاء فى إمكانية إصلاح نتائج الخطية (رموز الفداء)
إصحاح 15 :- يعرض لنا التشويه الذى ألحقته الخطية بالإنسان الذى خلق على صورة الله ومثاله.
تعبير النجاسة حتى المساء
هذا التعبير يشير للمسيح الذى أنهى بصلبه عند المساء (مساء الجمعة) قوانين النجاسة. والمسيح قدم وقت تقديم ذبيحة المساء. بل كان صلب المسيح عند مساء هذا العالم. لاحظ أن الكتاب (تك 1) يقول وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً... لماذا يبدأ بالمساء وينتهى بالصباح ؟ لأننا فى اليوم السابع الآن وهذا اليوم بدأ بالمساء بعد سقوط آدم (الخطية = الظلمة) وبعد المسيح شمس البر( ملا 4 : 2 ) جاء النور للعالم فكان صباح اليوم السابع، حين أعتقنا من ناموس الخطية والموت (رو 8 : 2). ولكن حيث أن مدة عمرنا على الأرض هى مساء حياتنا فنحن مازلنا فى خطايانا طيلة مساء عمرنا ولن نتطهر تماماً حتى الصباح أى فى السماء، فى يوم القيامة.
وكلم الرب موسى – وكلم الرب موسى وهرون
نجد فى بعض الإصحاحات أنها تبدأ بقوله وكلم الرب موسى. وفى إصحاحات أخرى نجده يبدأ وكلم الرب موسى وهرون. فالله من ناحية يكرم هرون كرئيس كهنة مع موسى لأن هرون الأن أصبح معلماً للناموس. وأما موسى فهو وسيط العهد. لكننا نلاحظ أن تعبير وكلم الرب موسى يأتى مع شرائع التطهير، بمعنى إعلان إرادة الآب أنها كذا وكذا، وهذا لا يدخل فيه هرون بل موسى وحده يعلن إرادة الله. ونجد تعبير وكلم الرب موسى وهرون فى الإصحاحات التى تحدثنا عن واجبات الكهنة ورئيس الكهنة. فهنا الله يشرح لهرون الدور الذى سيقوم به وينفذه..وإذا فهمنا أن هرون كرئيس كهنة يمثل المسيح رئيس كهنتنا نفهم أن الإصحاحات التى تعلن إرادة الآب وهى خلاصنا تبدأ بأن كلم الرب موسى والإصحاحات التى تتحدث عن التنفيذ تبدأ بأن كلم الرب موسى وهرون. فالمسيح رئيس كهنتنا هو الذى نفذ مشيئة الآب بتجسده وتقديم نفسه ذبيحة. وكان هرون يتعامل مع الخطاة من الشعب ليطهرهم وإبن الإنسان أتى من أجل الخطاة
كلمة قدوس باليونانية = آجيوس = AGIOS (باليونانية)
وهى تنقسم إلى A + GE + IOS
GEبمعنى أرض ومنها geography = علم خرائط الأرض ومنها أيضاً geology علم طبقات الأرض
GIOS ومعناها أرضى،A للنفى إذاً AGIOS = لا أرضى. ومن هنا نفهم معنى الآية "لاتدنسوا أنفسكم بدبيب يدب... لإنى أنا قدوس" لا 11 : 43، 44. أى لا تهتموا بالأرضيات مثل من يدب على الأرض ويلحس الطين ولتكونوا مهتمين بالسمويات فأنا سماوى لا أرضى
قصة قصيرة لتشيكوف :- كان شخص يسير ووجد شلن ومن يومها وهو ينظر للأرض.
التفسير الروحى للقصة :- كان شخص روحى إبن لله يحيا فى العالم وأغواه الشيطان يوماً بخطية لذت له ومن يومها وهو يشتهى الخطية ( الطين ) وأصبح لا ينظر للسماء وطنه!
الخلاصة :- سر قداستنا هو الله، إذ ندخل فى شركة معه بثبوتنا فى الإبن القدوس بواسطة روحه القدوس الساكن فينا نحمل سماته فينا. إذاً القداسة ليست إمتناع عن الشر إنما هى قبول لله والتمتع به. ولكن على الإنسان إعلان إرادته بالإمتناع عن الإلتصاق بالأرضيات أو التلامس معها، والإلتصاق بالسماويات " إن كنتم قد قمتم مع المسيح فإطلبوا ما فوق..... كو 1:3 تدريب :- تأمل وإحفظ المزامير اليوم كله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح العاشر
موت ابني هارون
يوضح لنا هذا الأصحاح الصفات المطلوبة في كهنة العهد القديم والتي ترمُز لصفات كهنة وخدام العهد الجديد . وهذه الصفات هي :
1- الطاعة 2- السمو عن المشاعر الطبيعية
3- عدم الإنشغال بغير الخدمة 4- عدم السُكر والتدقيق والتمييز
(1) موت ناداب وأبيهو ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 : مجمرة : إناء معدني يُوضع فيه فحم مشتعل وفوقه حبات البخور ( شورية ) . تجاسر ابنا هارون الكهنة " ناداب وأبيهو " وخالفا شريعة الله بتقديم نار غريبة داخل القدس ولم يأخذا من النار الإلهية التي خرجت من خيمة الإجتماع إلى المذبح النُحاسي ( ص 9 : 24 ) . وهذه النار الغريبة ترمُز لنار الشهوات أو التعاليم الغريبة عن الكنيسة والتي لا يمكن أن ندخل بها أمام الله . بالإضافة إلى أن تقديم البخور في المجمرة كان عمل رئيس الكهنة ، أما الكهنة فكانوا يقدمون البخور والنار في أواني مقدسة أخرى ( خر 30 ) . ويظن شيوخ اليهود أنهما كانا في حالة سُكر لأنه ينص في هذا الأصحاح على عدم سُكر الكاهن ( ع 8 ، 9 ) . وهذا مؤسف جداً أن يقع إثنان من عظماء الشعب وهما كاهنان في مخالفة واضحة لأوامر الله بعد سيامتهما بفترة قليلة جداً .
+ كن مدققاً فيما تُعلِّمه للآخرين وهو تعاليم الكنيسة التي تسلمتها منها ، وإن كنت لا تعرف شيئاً فلا تتطاول وتعطي قرارات أو نصائح لا تعلم مدى صحتها بل اسأل من هم أكثر خبرة منك وذلك ليس فقط في الأمور الروحية والكنسية بل في أي موضوع من موضوعات الحياة ، فتكون حكيماً ويحترم الناس رأيك ولا تُعثر أحداً .
ع 2 ، 3 : نرى هنا نار الرب المباركة التي قبلت الذبائح ، تتحول إلى نار قاتلة لتؤدب الخاطئ ، وهذا دليل على عدل الله وقداسته وغضبه من أخطاء خدامه ، وكانت صدمة هارون كبيرة لكنه خضع في صمت . وأعلن الله على فم موسى أنه يطلب القداسة والتدقيق في طاعة وصاياه من جميع الناس وخاصة المقربين إليه مثل الكهنة ، وإن خالفوا وصاياه يُعاقبوا بشدة أكثر لمعرفتهم لله أكثر من غيرهم .
ع 4 ، 5 : لأنه لا يجوز مشاركة هارون وابنيهِ الباقيين في إجراءات الحزن أو الدفن ، حيث أنهم مُنشغلون بخدمتهم ، فقد قام بالمهمة آخرون من أقاربهم إذ تقضي شريعة الله بأن لا يترك الكاهن خدمته في الهيكل لأي سبب مهما كان هاماً وذلك لإظهار عظمة الله وخدمته واللذان دفنا ناداب وأبيهو هما ابنا عمهما لذا قال لهما موسى ارفعا أخويكما ، إذ أن ابن العم يُدعى أخاً كما قيل عن أولاد خالة المسيح أنهم إخوته وكما يُقال الآن في بلاد مصر . وقد رفعا ناداب وأبيهو في ثيابهما الكهنوتية وغالباً لم تحترق بالنار إظهاراً من الله لكرامة الكهنوت مع أن هذا ضد طبيعة النار التي تحرق كل شئ أمامهما .
ع 6 ، 7 : أمرهم موسى بالتسامي بمشاعرهم عن المستوى البشري ، كما أمر الرب حزقيال النبي عند موت زوجته ( حز 24 : 15 - 18 ) ، وبعدم ممارسة العادات الوثنية في الحزن على الأقارب ، فمشاعر الكاهن مِلك لله أولاً ، ثم هي لجميع الناس وليست قاصرة على أقاربه . فخروج الكهنة لدفن ناداب وأبيهو يمنعهم من ممارسة خدمتهم الكهنوتية ، إذ سيتنجسوا بلمس الميت كما نصت الشريعة ولم يكن هناك كهنة غيرهم ، وأراد الله أيضاً إظهار شناعة خطية ناداب وأبيهو بمخالفتهما شريعة الله فلم يشترك في دفنهم أقرب الناس إليهم وهم والدهم وإخوتهما ولكنه سمح للشعب كله في نفس الوقت أن يهتموا بدفنهما ويبكوا عليهما إكراماً لكهنوتهما . ورغم قلة عدد الكهنة المكرسين ، فقد مات إثنان منهم ، فالله يدقق في اختيار خدامه مهما كانت حاجة الخدمة .
(2) الكهنة والخمر ( ع 8 - 11 ) :
ع 8 ، 9 : خمراً : عصير عنب مختمر طبيعياً . مُسكراً : عصير عنب شديد التخمر لدرجة تُسكِر من يشربه ، وربما كان يُصنع بتقطير الخمر . ينهي الله كهنته عن شرب الخمر بأنواعها قبل دخولهم لخدمة خيمة الإجتماع تعففاً عن الأمور المادية وليكونوا في يقظة كاملة تقديساً وتعظيماً لبيت الله . ومن هنا نستنتج أن ما دفع ابني هارون إلى الخطأ ربما كان شربهما للخمر إلى حد السُكر . ومعنى هذا أنه إن كان يمكن للكهنة أن يشربوا قليلاً من الخمر أي عصير العنب المختمر طبيعياً ، أي فيه نسبة كحول ضئيلة جداً ، وذلك في حياتهم العادية ولكن غير مسموح بذلك قبل دخولهم للخدمة ، أما الخمر المُسكرة أي شديدة التخمر فغير مسموح بها في جميع الأحوال .
ع 10 ، 11 : بعدم شرب الخمر يحتفظ الكهنة باتزانهم لكي يستطيعوا ممارسة وظيفة التمييز والتعليم ، فيميزوا بين النجس والطاهر ويتمموا خدمتهم بتركيز ثم يستطيعوا أيضاً إرشاد الشعب وتعليمهم وصايا الله وشرائعه . والسُكر يرمُز للإنغماس في أمور وملاذ العالم إلى حد فقدان الإتزان والتمييز الروحي .
+ إستخدم ماديات العالم فهي عطية الله لك ، ولكن لا تنغمس فيها لئلا تشغلك عن الله ويُصبح تفكيرك كله فيها ونظرتك تكون مادية لكل شئ ، فلا تعود تشتاق للروحيات بل يتغير سلوكك ويصير جسدانياً بعيداً عن الله .
(3) أكل الكهنة لنصيبهم ( ع 12 - 15 ) :
ع 12 - 15 : أخذ موسى يشجع هارون وبنيه على أكل نصيبهم من وقائد الرب ( كما سبق شرحه في ص 8 ) ، لأنه يبدو أن الحزن كان شديداً في قلوبهم على ما حدث وكذا خوفهم من الله وأكدت الشريعة وهي أكل الفطير في بيت الرب ( مكان مقدس ) ويأكله الكهنة فقط ( ص 6 : 14 - 18 ) أما نصيب الكهنة من ذبائح السلامة وهي الساق اليمنى والصدر فيأكلونه مع زوجاتهم وأبنائهم في مكان طاهر خارج خيمة الإجتماع .
+ الخطية تجلب الحزن ، لكن لا يجب أن أتوقف عنده ، بل أمسحه بالتوبة وأستعيد فرحي بالرب .
(4) إحتراق تيس الخطية ( ع 16 - 20 ) :
ع 16 - 18 : أخطأ ابنا هارون الباقيان في طقس ذبيحة الخطية ، إذ لم يأكلا نصيبهما منها بل حرقاه ، فغضب موسى عليهما ووبخهما حتى لا يُهملا تنفيذ أوامر الله . وهذا الخطأ أخف من خطأ أخويهما ( ع 1 ) لأن الأول كان عن عمد أما هنا فعن نسيان . وكان أكل الكاهن من ذبيحة خطية الشعب دليل على مشاركته لشعبه في حمل خطيتهم ، وأيضاً على أن الله قد قبل الذبيحة وغفر الخطية ( ص 4 : 22 ، 27 ) . وذكَّرهما موسى بأن تيس الخطية مادام لم يدخل دمه إلى القدس ويُمسح به مذبح البخور ، يلزم أن يأكل الكاهن نصيبه منه ، فيُفهم من هذا أن نصيب الكاهن من ذبيحة الخطية ليس فقط مسموحاً له أن يأكله ، بل من الضروري أن يأكله .
ع 19 ، 20 : قد أصابني مثل هذه : موت ابني ناداب وأبيهو . هل كان يحسُن في عيني الرب : تساءل هارون هل يقبل الله أن نأكل من ذبيحة الخطية ونحن في حزن على موت ناداب وأبيهو أو يُعتبر خطأ لأننا ينبغي أن نأكل من ذبائح الله برضا وشكر وفرح ، أي إنه يعتذر عن عدم الأكل من التيس لئلا يأكله وهو حزين فيُخطئ إلى الله . إعتذر هارون لموسى بأن ابنيه ألعازار وإيثامار قد قدما للرب ما يجب عليهما من ذبائح ، لكن حالتهم النفسية ، هو وأولاده ، بعد ما أصابهم من تأديب من الله بموت أخويهما لا تسمح بأن يُشاركا في الأكل من الذبيحة لشعورهما بحملهما خطايا أخويهما اللذين ماتا ، فكيف يحملون معهما خطايا الشعب ويأكلون من لحم التيس لذا تركاه يحترق كله على المذبح النُحاسي ، فَقَبَل موسى عُذرهما ، لأن الله يحتمل ضعف ألعازار وإيثامار ولكن لا يحتمل كبرياء ناداب وأبيهو ,
+ إن التوبة تغسل خطايا تقصيراتك وإهمالك ، فاسرع إليها حتى تنال الغفران في سر الإعتراف وتتشدد لتبدأ من جديد في تدقيق وانطلاق لتعويض ما فاتك فتنمو في محبتك لله .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح