كلمة منفعة
الصوم الكبير من أقدم وأقدس أصوام السنة، نتذكر فيه الصوم الأربعيني الذي صامه الرب، يضاف إليه أسبوع الآلام الذي هو ذخيرة السنة الواحدة.
— الصوم الروحي
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاحات 30-33
الأصحاحات 30-33
سفر تعزية
"العودة وقيام مملكة يهوذا"
تقطع هذه الأصحاحات التسلسل التاريخي لسير الأحداث التي يذكرها باروخ الكاتب، وهي تمثل مجموعة من أقوال النبي مأخوذة من مراحل مختلفة من خدمته. تسمى هذه الأصحاحات الأربع "سفر تعزية"، يمكن أن تُدعى "تسبحة نصرة الخلاص والحرية"، تعبر عن الرجاء المستقبلي أكثر منها الحكم والتأديب كما جاء في الأصحاحات السابقة.
مع تحذيرات إرميا المستمرة ودموعه التي لا تجف وتأكيده للسبي لم يفارق الرجاء كلماته قط، فبالنسبة له لم تكن العقوبات غاية أو نهاية لأحاديثه بل وسيلة للكشف عن الدخول في علاقةٍ جديدةٍ مع الله وعهدٍ جديدٍ. يبقى الله أمينًا في مواعيده وغني في نعمته، يود أن يفيض بها على المؤمنين في الوقت المناسب، خاصة بعد عبور زمن التأديب.
جاءت مقدمة هذه الأصحاحات (30: 1-3) تحمل نغمة العزاء المملوء فرحًا، أما قمتها ففي (31: 31-34).
إن كانت العقوبات قد وُجهت ضد يهوذا لكنه يوجه العزاء إلى إسرائيل ويهوذا معًا (30: 4)، يقدمه في شيءٍ من التفصيل لكي ينشغل به المؤمن في لحظات التأديب فلا يسقط في حالة قنوط بل يمتلئ رجاءً في الرب.
يعلن الله لنبيه كما لكل نفسٍ مقدسةٍ عن مقاصده من جهة شعبه، حتى تطمئن وتستريح في الرب، مدركة أنه دائمًا يعمل لبنيان كنيسته ومجدها الأبدي.
<<
الأصحاح الثلاثون
عودة مجيدة
يرى البعض أن هذا الأصحاح والذي يليه جاءا في وقت مبكر عن الأصحاحين (32، 33)، اللذين ينتسبا إلى السنة العاشرة من مُلك صدقيا. كتُبا ليُحفظا لاستخدامها في وقت متأخر[531].
1. مقدمة لسفر التعزية[1-3].
2. كارثة يعقوب وخلاصه[4-11].
3. شفاء جراحات صهيون[12-17].
4. اصلاح يعقوب[18-22].
5. ادراك مقاصد الله[ 23-24].
1. مقدمة لسفر التعزية:
"الكلام الذي صار إلى إرميا من قبل الرب قائلاً:
هكذا تكلم الرب إله إسرائيل قائلاً:
اكتب كل الكلام الذي تكلمت به إليك في سفر.
لأنه ها أيام تأتي يقول الرب وأرد سبي شعبي إسرائيل ويهوذا يقول الرب،
وأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت آباءهم إياها فيمتلكونها" [1-3].
مقدمة كتبها جامع هذه النبوات، تحوى الموضوع الرئيسي للرجاء في التجديد والاصلاح الواردين في الأصحاحات (30-33).
صدر الأمر الإلهي لإرميا أن يسجل ما يسمعه من الله في كتاب، لكي تقرأه الأجيال القادمة، فمن جانب إذ يتحقق التحرر من السبي بعد السبعين عامًا تدرك الأجيال أمانة الله في وعوده التي ظنها البعض مستحيلة. ومن جانب آخر فإن هذا السبي يمس حياة البشرية عبر العصور... الكل محتاج أن ينصت إلى وعود الله بالتحرر من سبي الخطية، والانطلاق من بابل الزانية إلى أورشليم الداخلية، أي يتحول القلب من الفساد إلى بر المسيح.
يستخدم تعبير: "ها أيام تأتي" [2] في النبوات عن الأحداث المقبلة سواء في المستقبل القريب أو الأحداث الأخروية[532].
جاء النص العبري لقوله "أرد سبي شعبي" [3]. لتقديم بركات أو نعم للشعب، وليست بالضرورة عتق من السبي وذلك كما في (أيو 42: 10، حز 16: 53).
الوعد موجه للمملكتين الشمالية (إسرائيل) والجنوبية )يهوذا)، إذ ذابا معًا في السبي وعادا كشعبٍ واحدٍ، وصار الكل تينًا جيدًا جدًا (ص 24). لعله من خطة الله في السبي أنه إذ انقسم الشعب إلى مملكتين، لم يكن هناك طريق للوحدة إلا من خلال نير السبي.
لم يقف الوعد عند عودة الشعب في وحدة إلى أرض آبائهم، وإنما صاروا "يمتلكونها" [3]. ماذا يعني بقوله: "يمتلكونها"؟ حقًا إنها أرض الموعد، هبة الله لهم، لكنه يؤكد لهم أنهم يمتلكونها لا تمتلكهم. فقد عاش اليهود خلال الفكر الحرفي تمتلكهم الأرض، تشغلهم أرض الموعد ككل ومدينة الله أورشليم وهيكله... لا ليتمتعوا بسكنى الله القدوس في وسطهم فيتقدسون، وإنما لممارسة العبادة بحرفية قاتلة، حتى إن اختلطت عبادتهم بالعبادة الوثنية أو الرجاسات. لذلك يؤكد الله لهم: "تمتلكونها" أي تكون هذه العطايا الإلهية بمقدساتها لخدمتكم، أي لتقديس أعماقكم. يريدنا أن نكون ملوكًا مقدسين نحمل سلطانًا روحيًّا.
2. كارثة يعقوب وخلاصه:
"فهذا هو الكلام الذي تكلم به الرب عن إسرائيل وعن يهوذا.
لأنه هكذا قال الرب:
صوت ارتعاد سمعنا. خوف ولا سلام.
اسألوا وانظروا إن كان ذكر يضع.
لماذا أرى كل رجل يداه على حقويه كماخضٍ وتحول كل وجه إلى صفرة.
آه! لأن ذلك اليوم عظيم وليس مثله.
وهو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه" [4-7].
يوجه حديثه إلى إسرائيل ويهوذا، فيبدأ بإسرائيل لأنه سُبي أولاً، وبالتالي تكون فترة سبيه أطول مما ليهوذا.
بينما ينادى الأنبياء الكذبة أنه سلام وآمان، إذا بالنبي يعلن أنه "صوت ارتعاد... خوف ولا سلام" [5]. يرى البعض أن "صوت الارتعاد" [5] يشير إلى ما حدث من كورش على بابل، فقد حدث ارتباك شديد، ولم يدرك الشعب الأسير ماذا سيكون مصيره. هل هذه الحرب لصالحه أم ضده؟! هل يفقد ما قد جمعه في بابل أم يعطيه فرصة للعودة إلى أرض الموعد؟! دخل يعقوب في ضيق حين هاجمت جيوش مادي وفارس بكل طاقاتها البابليين ولم يدرك يعقوب أنه يوم خلاصٍ له بواسطة كورش الفارسي.
من هول الكارثة مع العجز عن التصرف وضع كل رجلٍ يديه على حقويه كامرأة في حالة مخاض، وقد صارت وجوههم شاحبة. ترمز حالة المخاض في إرميا إلى شدة الكارثة (4: 31؛ 6: 24؛ 22: 23). هكذا يصور آلام السبي بآلام الولادة، فهي وإن كانت مرّة وقاسية، لكنها مقدمة لخلاص الله (عا 5: 18-20؛ صف 1: 14-18).
جاء الحديث عن الضيق مقتضب جدًا، لأنه حدث لفترة قصيرة تلاه خلاص وعودة للشعب. وكأنه آلام مخاض سريع يليه فرح بالطفل المولود.
يقول: "اسألوا وانظروا" [6]، فإن خلاص الله لم يُسمع مثله من قبل، وكما أننا لا نجد ذكرًا يئن من آلام مخاضٍ ليلد، هكذا تكون الضيقة فريدة والخلاص غير متوقع! حينما تقف كل حكمة بشرية وتوقع إنساني يعمل الله إله المستحيلات عجائب!
يُقدم لنا الخلاص في هذا الأصحاح هكذا:
أ. تمتع بالحرية من نير الخطية [8].
ب. تمتع بداود الملك [9].
ج. السلام والراحة [10].
د. المعية مع الله [11].
هـ. تحويل التأديب إلى خلاص [11].
و. شفاء الجراحات عديمة البرء [12-17].
ز. إقامة مدينة متهللة نامية [18-23].
أ. تمتع بالحرية من نير الخطية [8]:
"ويكون في ذلك اليوم يقول رب الجنود أني أكسر نيره عن عنقك وأقطع ربطك ولا يستعبده بعد الغرباء" [8].
يقدم هذا الوعد الإلهي "رب الجنود" نفسه واهب الحرية، فهو يكسر النير عن عنقنا، ويقطع ربطنا، ولا يعود يستعبدنا غرباء! لقد أكد السيد المسيح: "إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 8: 36). حمل نير الصليب ليكسر نير خطايانا، وربط جسده على الصليب بالمسامير، لكي يحل رباطاتنا، ودفع حياته ودمه ثمنًا كي لا نعود نُستعبد بعد للغرباء.
ماذا يعني بقوله: "لا يستعبده بعد الغرباء؟" حين نحني رقبتنا لمسيحنا الذي صار أخًا بكرًا ونستعبد أنفسنا بالحب لله أبينا، نستعذب هذه العبودية الإرادية التي تحملنا إلى شركة المجد الإلهي، تنزع عنا عارنا وضعفنا وفسادنا لنحيا مع الله في أحضانه. أما من يرغب في التحرر من العبودية لله النابعة عن علاقات الحب، فإنه يستعبد نفسه لغرباء كثيرين. لهذا يقول القديس أرسانيوس: كن عبدًا لسيدٍ واحدٍ (الله) فلا تُستعبد لكثيرين! شتان ما بين عبودية الحب الإرادية لله والعبودية للخطايا ولإبليس وجنوده، هذه التي تدفع بالإنسان إلى الحرمان والهوان والمذلة!
ب. تمتع بداود الملك [9]:
"بل يخدمون الرب إلههم وداود ملكهم الذي أقيمه لهم" [9].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم "اعتاد الأنبياء أن يدعو كل واحدٍ من الملوك الصالحين داود"[533]. كما يقول[534] إن كثير من الأنبياء (حز 34: 23-24؛ 27: 24-25، هو 3: 5) يتحدثون عن داود كقادمٍ وقائمٍ مرة أخرى، لا يعنون بهذا داود الذي مات بل أولئك الذين يبارون فضيلته... عظيم هو مجد الإنسان الذي مع الله ومع الناس!
هنا يعد بأن يملك داود على شعبه، بينما نعلم أنه لم يقم ملك قط من نسل داود بعد العودة من السبي. حقًا لقد تم الرجوع على يد زربابل من نسل داود لكنه لم يُقم ملكًا. لقد خضع اليهود لكورش الفارسي وإسكندر المقدوني ثم للدولة الرومانية... فأين داود الملك؟ إنه المسيا الملك (إش 9: 7، لو 1: 32). يتم الخلاص بمجيء ابن داود المسيا المخلص، يملك على النفس ويقيم فيها مملكته بالخلاص.
إذ ترفض النفس أن يملك الله فيها يعطيها الله سؤل قلبها فتُستعبد لملوك غرباء كثيرين، وينحني عنقها للنير أو الأنيار، وإذ ترجع للرب تجد الله نفسه ملكها، والمخلص ابن داود يرعاها الذي قيل عنه: "يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو 1: 32-33). هذا الذي يقيم خيمته الساقطة في داخل النفس، فيحولها من الخراب إلى مملكة داود المجيدة المفرحة. هكذا يتحقق في داخلها الوعد الإلهي: "ها أيام تأتي يقول الرب، وأقيم لداود غصن برٍ، فيملك ملك وينجح ويجرى حقًا وعدلاً في الأرض" (23: 5). تخضع كل طاقات النفس والجسد للملك الحيّ داود، وتصير هذه الطاقات "بني إسرائيل الطالبين الرب إلههم، الخاضعين بالحب لداود ملكهم". وكما يقول هوشع النبي: "بعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم ويفزعون إلى الرب وإلى جوده في آخر الأيام" (هو 3: 5).
ج. تمتع بالسلام والرحمة:
"أما أنت يا عبدي يعقوب فلا تخف يقول الرب،
ولا ترتعب يا إسرائيل،
لأني هأنذا أخلصك من بعيد ونسلك من أرض سبيه فيرجع يعقوب ويطمئن ويستريح ولا مزعجٍ" [10].
إذ تخضع النفس لداود الملك، يحملها بكل طاقاتها من بابل ويدخل بها إلى مملكته، بل ويقيم منها مملكة سلامٍ فائقٍ، لا يقدر عدو أن يقتحم أسوارها أو ينهب آنيتها المقدسة!
ترجع النفس إلى حضن الآب بيتها الحقيقي بعد زمان تعزيتها، ويرجع الرب إلى أعماقها، ويقيم مملكته التي تفيض سلامًا بغير توقف.
يلاحظ هنا [10] أنه يؤكد أن الخلاص الممنوح لهم يُقدم لهم خلال نسلهم، لكي لا يظنوا أن العودة تتم في أيامهم بل في الأجيال القادمة، بل بعد إتمام السبعين عامًا.
مع عجز الإنسان التام عن الخلاص يتدخل الله ليخلص يعقوب من ضيقه، كاسرًا نير السبي عن عنقه، هذا يتبعه الطاعة والخدمة لله وقبول الملك الجديد "المسيا" بكونه داود الملك [9] (هو 3: 5؛ حز 34: 23-24؛ 37: 24-25).
آلام السيد المسيح مع كونها قاسية وعنيفة لكنها نافعة وضرورية لخلاص البشرية.
هنا لأول مرة يشار إلى يعقوب بكونه "عبدي" ويُعرف بكونه "إسرائيل". يوجد تشابه هنا بما ورد في (إش 41: 8-10؛ 43: 1-6؛ 44: 2-5 الخ).
لعله كان أمام إرميا النبي كلمات إشعياء النبي: "ويكون في ذلك اليوم أن حمله يزول عن كتفك ونيره عن عنقك ويتلف النير بسبب السمانة" (إش 10: 27).
يلاحظ هنا أن النبوة لم تشر قط إلى السبي البابلي وانهياره وإنما إلى انهيار كل الأمم [11] التي يستخدمها الله لتأديب شعبه. إنها ليست نبوة خاصة بزمنٍ معين لكنها كلمة الله التي تمس حياة الكنيسة عبر كل العصور، التي يؤدبها الله لكي تقبل عمله الخلاصي في حياتها حتى إن ظهرت كمن قد تبددت بين كل الأمم.
د. تحويل التأديب إلى خلاص:
"لأني أنا معك يقول الرب لأخلصك.
وإن أفنيت جميع الأمم الذين بددتك إليهم فأنت لا أفنيك بل أؤدبك بالحق ولا أبرئك تبرئة" [11].
يجيب الأب ثيؤدور عن السؤال: لماذا يسمح الله بالضيقات مؤكدًا أنها إما لاختبار المؤمنين أو لإصلاحهم أو كعقوبة عن الخطايا... مقدمًا لنا الحديث الإلهي هنا كعينة للسماح بالضيقات لأجل التأديب: [عندما يؤدب أبراره من أجل خطاياهم البسيطة (اللاإرادية) والهفوات، لكي ما يسمو بهم إلى حالٍ أعظم من النقاء، مطهرًا إياهم من الأفكار الدنسة... وذلك كالقول "كثيرة هي بلايا الصديقين" (مز 34: 19)، "يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تخر إذا وبخك، لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابنٍ يقبله... فأي ابن لا يؤدبه أبوه؟! ولكن كنتم بلا تأديب قد صار الجميع شركاء فيه فأنتم نغول (أولاد غير شرعيين) لا بنون" (عب 12: 5-8). وفي سفر الرؤيا: "إلى كل من أحبه أوبخه وأودبه"... ويُصلي داود من أجل عطية التطهير هذه قائلاً: "جربني يارب وامتحني، صفِ كليتي وقلبي" (مز 26: 2)، وإذ يعلم النبي قيمة هذه التجارب يقول: "أدبني يارب ولكن بالحق لا بغضبك" (10: 24)، وأيضًا: "احمدك يارب لأنه إذ غضبت علىّ إرتد غضبك فتعزيني" (إش 12: 1)[535]].
حينما يتحدث الله عن أولاده يقول: "لا أفنيك بل أؤدبك"، أما بالنسبة للأمم فيقول "أفنيهم". كأن الله في تأديبه لنا يطلب خلاصنا ونمونا، لكنه يحطم الأمم (أي الخطايا) أو مملكة إبليس التي حتمًا تنهار أمام مملكة الله!
3. شفاء جراحات صهيون غير القابلة للبرء:
"لأنه هكذا قال الرب:
كسركِ عديم الجبر وجرحكِ عضال.
ليس من يقضي حاجتكِ للعصر، ليس لكِ عقاقير رفادة.
قد نسيكِ كل محبيكِ.
إياكِ لم يطلبوا لأني ضربتُكِ ضربة عدوٍ تأديب قاسٍ،
لأن إثمكِ قد كثر وخطاياكِ تعاظمت.
ما بالكِ تصرخين بسبب كسركِ؟!
جرحكِ عديم البرء، لأن إثمكِ قد كثر وخطاياكِ تعاظمت قد صنعت هذه بك.
لذلك يؤكل كل آكليكِ، ويذهب كل أعدائكِ قاطبة إلى السبي، ويكون كل سالبيكِ سلبًا، وأدفع كل ناهبيكِ للنهب.
لأني أرفدك وأشفيك من جروحك يقول الرب:
لأنهم قد دعوكِ منفية صهيون التي لا سائل عنها" [12-17].
كانت هناك أسباب كثيرة تدعو إلى اليأس، فقد حلّ السبي، وصارت جراحات الشعب غير قابلة للبرء، لقد ضُربوا ضربةً مميتة، وليس من طبيبٍ ماهر يقدر أن يعالج ولا من بلسان يشفي المرض... بقى طبيب واحد هو الله مخلص شعبه الصانع العجائب، إله المستحيلات الذي يقدم نفسه بلسانًا لهم فيشفيهم. والعجيب أنه لا ينتظر من يدعوه أو من يأتي إليه ليعرض جراحاته، بل في حبه الباذل يتقدم من تلقاء نفسه [7] كطبيبٍ للنفس ومحررٍ لها. إنه يفتش عن المجروحين والمسبيين والمطرودين والمرذولين... حين تقف كل الأذرع البشرية عاجزة تظهر يد المسيا المخلصة والشافية.
لكي يؤكد الحاجة إلى تدخل إلهي للإصلاح أوضح خطورة الموقف. إنها في حالة لا يُرجى إصلاحها، ولا يوجد من يهتم بها. جُرحت بسبب خطاياها، ووسط هذه الجراحات فقدت حتى محبيها الذين اشتركت معهم في الخطايا... فازدادت الآلام آلامًا. وكما قيل في هوشع النبي: "ورأي أفرايم مرضه ويهوذا جُرحه، فمضى أفرايم إلى آشور وأرسل إلى ملك عدُوّ ولكنه لا يستطيع أن يشفيكم ولا أن يزيل منكم الجرح" (هو 5: 13).
مصر التي شجعت يهوذا على التمرد أكثر من مرة لم تعد تسندها. ففي عام 588 ق.م. انسحب الجيش المصري أمام البابليين وسقطت أورشليم بعد قليل (37: 1 الخ). إنه ليس من ينقذ غير الرب نفسه.
فجأة يتحول إرميا من الحديث عن العقوبة والتأديب إلى إعلان الخلاص [15-16]. الله يستخدم نبوخذنصر عبده ليتمم مقاصده بتأديب شعبه بعدئذ يأتي الوقت ليسلم بابل للدينونة. بهذا تصير الجراحات التي بلا شفاء قابلة للشفاء [17]، فإن الغير مستطاع عند الناس مستطاع لدى الله (مر 10: 27).
لقد سمح الله بقيام بابل لتحطيم آشور، وقيام مادي وفارس لتحطيم بابل، وقيام اليونانيين (إسكندر المقدوني) لتحطيم فارس ومصر (فرعون) الخ... هكذا تنهار كل قوى العالم وتحطم بعضها البعض، أما النفس التي تلتصق بالله مخلص فتنال قوة فوق قوة، ومجدًا فوق مجدٍ!
الشفاء الروحي أحد المكونات الأساسية لعمل الله الخلاصي في المسيح (يوئيل 2: 25).
إذ تُشفي النفس من جراحاتها المستعصية وذلك بجراحات المصلوب لا تعود بعد تُدعى "منفية صهيون التي لا سائل عنها" [17]، بل "المطلوبة، المدينة غير المهجورة" (إش 62: 12). تصير المحبوبة لدى الله والساكنة في أحضانه. كلمة "منفية" هنا تشير إلى زوجة مطرودة من رجلها أو مهجورة منه... الآن تعود كعروسٍ محبوبةٍ يلتصق بها رجلها، ويتحد معها.
يتحدث الآباء عن السيد المسيح كطبيبٍ سماوي قادر وحده أن يشفي الجراحات المستعصية:
v حقًا يود الطبيب السماوي أن يكافئ التائبين المملوئين ندامة بل بالأحرى الأسخياء في العطاء، لا بتقديم المغفرة لهم فحسب بل والإكليل[536].
الأب قيصريوس أسقف آرل
4. اصلاح يعقوب:
"هكذا قال الرب:
هأنذا أرد سبي خيام يعقوب وأرحم مساكنه وتبني المدينة على تلها والقصر يسكن على عادته.
ويخرج منهم الحمد وصوت اللآعبين،
وأُكثرهم ولا يقلون،
وأعظمهم ولا يصغرون.
ويكون بنوهم كما في القديم وجماعتهم تثبت أمامي وأعاقب كل مضايقيهم.
ويكون حاكمهم منهم ويخرج وإليهم من وسطهم وأقربه فيدنو إليّ، لأنه من هو هذا الذي أرهن قلبه ليدنو إليّ يقول الرب،
وتكونون لي شعبًا وأنا أكون لكم إلهًا" [18-22].
يقدم لهم وعود إلهية ثابتة:
- يتمتع الشعب بالقلب الجديد الذي يطيع العهد.
- ينزع الله عنهم أغلال السبي والعبودية.
- يعاقب الله الذين سبوهم.
- يردهم إلى أرضهم في سلام مع بركات وعطايا.
- يرد سبي خيام يعقوب.
- إعادة بناء المدينة والقصر الملكي [18]. عوض الخيام تُقام مبانٍ للاستقرار، ويُعاد بناء الهيكل والقصر الملكي... هذا ما حدث بعد عودة الشعب من بابل.
- تتحول حياتهم إلى الفرح والتسبيح [19]. وكما قيل بزكريا النبي: "سيجلس بعد الشيوخ والشيخات في أسواق أورشليم كل إنسانٍ منهم عصاه بيده من كثرة الأيام. وتمتلئ أسواق المدينة من الصبيان والبنات لاعبين في أسواقها" (زك 8: 4-5).
- يباركهم فينمون ويكثرون [19].
- يعظمهم فلا يصغرون [19].
- يثّبت بنوهم أمام الرب [20].
- يجعل منهم حكامًا وولاة [21]، ويقوم الله نفسه برعايتهم إذ يهتم بسلامة قطيعه (إش 40: 11)...
- يقتربون من الله ويصيرون له شعبًا وهو إلهًا لهم [22].
5. إدراك مقاصد الله:
"هوذا زوبعة الرب تخرج بغضب نوء جارف.
على رأس الأشرار يثور.
لا يرتد حمو غضب الرب حتى يفعل وحتى يقيم مقاصد قلبه.
في آخر الأيام تفهمونها " [23-24].
ماذا يعني بزوبعة الغضب الإلهي التي تحل برأس الأشرار إلا الانهيار والدمار الذي يحل بملك بابل؟! إذ يحل الغضب على الرأس ينهار الجسد كله!
لنسلم رؤوسنا في يد الله الذي يقدسها، فتحل عليها البركة لا اللعنة، عندئذ يتقدس الجسد كله. أقصد بالرأس هنا "الفكر"، حيث تُمتص أفكارنا في الرب، وتنسحب إلى سمواته وتحمل حياتنا السمة السماوية.
جاءت نفس العبارات في (19: 23-20) مع اختلافات بسيطة. فيها يوضح أن الحق غير مدرك بواسطة الأنبياء الكذبة بل بواسطة ذاك الذي يقف في مجلس الله.
مقاصد الله ثابتة لكنها لا تفهم الآن بل حينما تتحقق في ذلك اليوم الذي ليس هو ببعيدٍ.
من وحي إرميا 30
ردني من السبي
وارجعني إلى أرض البر!
v من يقدر أن يكسر نير الخطية عن عنقي،
ويحل رباطاتها، وينتزع عبوديتها،
إلا أنت يا محرر النفس؟!
الخطية غريبة عن طبيعتي التي خلقتني عليها،
بارادتك سلمت نفسي أسيرًا لها!
حررني وإرجعني إلى أرض البر أيها الرب برنا!
v استعبدت لنفسي وقبلت الأسر بإرادتي،
هب لي ان أخدمك يا إلهي وأعبدك!
لتقم مملكتك فيّ يا ابن داود.
أقم خيمة داود الساقطة،
وأسس قصرك الملوكي في داخلي!
v متى تحررني فتستريح نفسي؟!
متى تطلقني من بابل لأعود إلى أحضان أبيك؟!
فيه استقر واطمأن... بلا رعب ولا إزعاج!
v اعترف لك... لقد تأدبت بحق،
لقد طال زمان أسري!
صارت جرحات نفسي بلا برء!
تعال أيها الطبيب السماوي!
هب لي جسدك ودمك المبذولين داوء الحياة!
v مع اعترافي بضعفي عاجز عن القدوم إليك،
قدميّ ثقيلتان للغاية،
مربوطتان كما بسلاسل في مقطرة.
لتأتِ فتشفي جراحاتي فإنك تبادر بالحب!
عوض الأسر في الغربة استقر في أحضانك!
أصير لك ابنًا واستريح معك وفيك!
عوض الخيمة الساقطة تقيم فيّ مدينتك المقدسة!
صوت عريس وعروس،
صوت طرب ولاعبين!
عوض المذلة تجعلني ملكًا ذا سلطان!
v ردني من السبي،
ورد للمسبيين أفعالهم!
حطمتني الخطية فليحطمها صليبك!
قتلني إبليس فليقتله موتك المحيي!
أسرني العدو في أرض غريبة،
فليُلقى في نار جهنم الأبدية!
نعم أعد لي العدو فخاخًا ليأسرني إلى الأبد فسقط فيها.
اقمتني فأنعم بمجد ملكوت حريتك أبديًا!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثلاثون
الإصحاحات (30-33) هى إصحاحات تعزية.
فى هذا الإصحاح وما يليه عظة مختلفة النبرة عن كل ما سبق بتوجيه من الله. فهنا نجد وعود حلوة بالرجوع من السبى وهى ظل ورمز للأمجاد المذخرة فى كنيسة المسيح. والله أمره ليس فقط أن يعظ بها بل أن يكتبها لأنها وعود معزية لكل جيل.
الأيات (1-9):-" 1اَلْكَلاَمُ الَّذِي صَارَ إِلَى إِرْمِيَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ قَائِلاً: 2«هكَذَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: اكْتُبْ كُلَّ الْكَلاَمِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْكَ فِي سِفْرٍ، 3لأَنَّهُ هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَرُدُّ سَبْيَ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُ آبَاءَهُمْ إِيَّاهَا فَيَمْتَلِكُونَهَا».4فَهذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ وَعَنْ يَهُوذَا: 5«لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: صَوْتَ ارْتِعَادٍ سَمِعْنَا. خَوْفٌ وَلاَ سَلاَمٌ. 6اِسْأَلُوا وَانْظُرُوا إِنْ كَانَ ذَكَرٌ يَضَعُ! لِمَاذَا أَرَى كُلَّ رَجُل يَدَاهُ عَلَى حَقْوَيْهِ كَمَاخِضٍ، وَتَحَوَّلَ كُلُّ وَجْهٍ إِلَى صُفْرَةٍ؟ 7آهِ! لأَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ. وَهُوَ وَقْتُ ضِيق عَلَى يَعْقُوبَ، وَلكِنَّهُ سَيُخَلَّصُ مِنْهُ. 8وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، أَنِّي أَكْسِرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ، وَأَقْطَعُ رُبُطَكَ، وَلاَ يَسْتَعْبِدُهُ بَعْدُ الْغُرَبَاءُ، 9بَلْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ إِلهَهُمْ وَدَاوُدَ مَلِكَهُمُ الَّذِي أُقِيمُهُ لَهُمْ."
الأمر لأرمياء هنا فى (2) أن يكتب كل النبوات السابقة والتى تأتى، ليستفيد من لم يسمع ولأنها مكتوبة لأيام قادمة. ومن هذا الكتاب عرف دانيال ميعاد نهاية السبى وفى (3) الله يعِدهم هنا برجوعهم من السبى لأرض أبائهم. والمعنى الروحى هو رجوع الإنسان بفداء المسيح لمكانته عند الله وبنوته لهُ. وهو هنا يصور الألام التى يعانون منها عند أى هجوم للجيش الكلدانى ولكن بمقارنة هذه الألام بالخلاص الذى يعَده الرب سيبدو هذا الخلاص مدهشاً. ونحن فى العالم نعيش فى ألم ولكن سوف نتمجد معهُ. وفى (5) صوت هذا الألم وهذا عكس ما قاله الأنبياء الكذبة. ولاحظ، ألا يحدث هذا حتى الأن حين يخدع الشيطان إنساناً بالخطية ويكذب حين يغريه بملذاتها ويجعله ينسى الألام التى سيمر بها بعد سقوطه والحزن والإكتئاب بعدها. كما فعل بالشعب بعد خروجهم من أرض مصر فذكرهم بقدور اللحم وجعلهم ينسون ألام السياط والإستعباد. وفى (6) يصوَر ألامهم.. حتى الرجال، بأنها كألام الماخض من رعبهم رؤيتهم لبلادهم تحترق بلا أمل فى نهاية لهذه الألام ولكن لماذا شبهها الله بألام الماخض؟ لأنها تنتهى نهاية سعيدة وليس بالموت. بل بعد الولادة تنسى الألام. وكلمة الصفرة فى اللغة الأصلية تدل على لون الوجه الذى يمرض نتيجة عادات سيئة مثل فقر الدم فى أثناء فترة المراهقة. فالله خلقنا على صورته ولكن الخطية غيرت هذه الصورة إلى صفرة. وفى (7) ذلك اليوم عظيم.. هو وقت ضيق على يعقوب ولكنه سيخلص منه يمكن أن نفهمها على أنه يوم خراب أورشليم على يد بابل وسيكون يوماً رهيباً لكن النهاية أن يعقوب سيخلص ويرجع من السبى ويمكن أن نفهمها أنه يوم الصليب فهو يوم عظيم ولكنه يوم ضيق على المسيح أصل وذرية يعقوب. ولكنه سيخلص منهُ بالقيامة والصعود وما جناه البشر من بركات هذه النعمة. ويمكن أن نفهمها أنها عند النهاية والضيقات التى تحل بالعالم قبل النهاية حين يحل الشيطان من أسره ولكن النتيجة أن شعب المسيح (يعقوب سيخلص) ومهما طالت ألام الكنيسة ستنتهى بالمجد. وفى (8) بعد الصليب قُيَد الشيطان بسلسلة وبعد مجىء المسيح الثانى سيطرح فى بحيرة النار. ولكن هذا يعنى بالنسبة لنا أن المسيح قد حررنا " إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحراراً . وهذه الأية تعنى للمسبيين خلاصهم من بابل وفى (9) داود ملككم = هو المسيح إبن داود فمن حرره المسيح عليه أن يظل يخدمه وبذلك يحتفظ بحريته. وتعنى لليهود أن يلتزموا بالسير وبخدمة زربابل ونحميا الذين قادوهم بعد السبى.
الأيات (10-17):-" 10«أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدِي يَعْقُوبَ فَلاَ تَخَفْ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلاَ تَرْتَعِبْ يَا إِسْرَائِيلُ، لأَنِّي هأَنَذَا أُخَلِّصُكَ مِنْ بَعِيدٍ، وَنَسْلَكَ مِنْ أَرْضِ سَبْيِهِ، فَيَرْجعُ يَعْقُوبُ وَيَطْمَئِنُّ وَيَسْتَرِيحُ وَلاَ مُزْعِجَ. 11لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُخَلِّصَكَ. وَإِنْ أَفْنَيْتُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّذِينَ بَدَّدْتُكَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْتَ لاَ أُفْنِيكَ، بَلْ أُؤَدِّبُكَ بِالْحَقِّ، وَلاَ أُبَرِّئُكَ تَبْرِئَةً. 12لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: كَسْرُكِ عَدِيمُ الْجَبْرِ وَجُرْحُكِ عُضَالٌ. 13لَيْسَ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَكِ لِلْعَصْرِ. لَيْسَ لَكِ عَقَاقِيرُ رِفَادَةٍ. 14قَدْ نَسِيَكِ كُلُّ مُحِبِّيكِ. إِيَّاكِ لَمْ يَطْلُبُوا. لأَنِّي ضَرَبْتُكِ ضِرْبَةَ عَدُوٍّ، تَأْدِيبَ قَاسٍ، لأَنَّ إِثْمَكِ قَدْ كَثُرَ، وَخَطَايَاكِ تَعَاظَمَتْ. 15مَا بَالُكِ تَصْرُخِينَ بِسَبَبِ كَسْرِكِ؟ جُرْحُكِ عَدِيمُ الْبَرْءِ، لأَنَّ إِثْمَكِ قَدْ كَثُرَ، وَخَطَايَاكِ تَعَاظَمَتْ، قَدْ صَنَعْتُ هذِهِ بِكِ. 16لِذلِكَ يُؤْكَلُ كُلُّ آكِلِيكِ، وَيَذْهَبُ كُلُّ أَعْدَائِكِ قَاطِبَةً إِلَى السَّبْيِ، وَيَكُونُ كُلُّ سَالِبِيكِ سَلْبًا، وَأَدْفَعُ كُلَّ نَاهِبِيكِ لِلنَّهْبِ. 17لأَنِّي أَرْفُدُكِ وَأَشْفِيكِ مِنْ جُرُوحِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُمْ قَدْ دَعَوْكِ مَنْفِيَّةَ صِهْيَوْنَ الَّتِي لاَ سَائِلَ عَنْهَا."
أية (10) لم تتحقق تماماً فى العودة من سبى بابل لذلك فتحقيقها لم يتم إلا فى كنيسة المسيح التى جمع الله لها أولادها من بعيد. فالمؤمنين بالمسيح هم من كافة أنحاء الأرض وهؤلاء خلصهم من أرض سبيهم = أى من سبى وعبودية إبليس. بل يعطيهم سلام = يطمئن ويستريح أية (11) الأمم رمز الشياطين وكلاهما سوف يفنى، لكن أولاد الله يؤَدبون فقط ثم يعودون. وهم لا يتبرأون = فالله لا يحابى، ومن يخطىء يعاقب ويؤدب. وهم لم يتبرأوا بأعمالهم إنما بدم المسيح. وفى (12) هذا حال الإنسان بعد الخطية قبل مجىء المسيح وفدائه وفى (13) ليس لها صديق أو محب يعصر جرحها ويضع لها عقاقير رفادة = أى أدوية شافية. لم يكن أحد ليتوسط لهم ويتدخل لحل قضيتهم. لذلك سيتدخل الله بنفسه. وفى (14) حتى أصدقائها غير قادرين على تعزيتها فالله هو الذى ضربها. وإذا تركنا الرب فمن يقف بجانبنا. وفى (15) حالهم ميئوس منه والسبب خطاياهم. ولنلاحظ أن الأحزان عديمة الشفاء سببها شهوات عديمة الشفاء. بل صارت محتقرة وسموها منفية صهيون (17) ولكل ذلك سيقوم الله لخلاصها بالرغم من أنه يظهر بعيداً. وهذه الأمم ستخرب ولكنك ستهربين من هذا الخراب وأنقذك وأشفيك هذا هو عمل الفداء وليس سواه. أرفدك = أضع لك عصابة لأشفيك.
الأيات (18-24):-" 18« هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَرُدُّ سَبْيَ خِيَامِ يَعْقُوبَ، وَأَرْحَمُ
مَسَاكِنَهُ، وَتُبْنَى الْمَدِينَةُ عَلَى تَلِّهَا، وَالْقَصْرُ يُسْكَنُ عَلَى عَادَتِهِ. 19وَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْحَمْدُ وَصَوْتُ اللاَّعِبِينَ، وَأُكَثِّرُهُمْ وَلاَ يَقِلُّونَ، وَأُعَظِّمُهُمْ وَلاَ يَصْغُرُونَ. 20وَيَكُونُ بَنُوهُمْ كَمَا فِي الْقَدِيمِ، وَجَمَاعَتُهُمْ تَثْبُتُ أَمَامِي، وَأُعَاقِبُ كُلَّ مُضَايِقِيهِمْ. 21وَيَكُونُ حَاكِمُهُمْ مِنْهُمْ، وَيَخْرُجُ وَالِيهِمْ مِنْ وَسْطِهِمْ، وَأُقَرِّبُهُ فَيَدْنُو إِلَيَّ، لأَنَّهُ مَنْ هُوَ هذَا الَّذِي أَرْهَنَ قَلْبَهُ لِيَدْنُوَ إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ 22وَتَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَكُمْ إِلهًا».23هُوَذَا زَوْبَعَةُ الرَّبِّ تَخْرُجُ بِغَضَبٍ، نَوْءٌ جَارِفٌ. عَلَى رَأْسِ الأَشْرَارِ يَثُورُ. 24لاَ يَرْتَدُّ حُمُوُّ غَضَبِ الرَّبِّ حَتَّى يَفْعَلَ، وَحَتَّى يُقِيمَ مَقَاصِدَ قَلْبِهِ. فِي آخِرِ الأَيَّامِ تَفْهَمُونَهَا."
أية (18) هم الأن فى سبى إذاً هم فى خيام لأنها إقامة مؤقتة. ولكن حين يعودون لأورشليم ستبنى مدينتهم وبيوتهم وقصرهم فمن جعل مدينة خراباً (أش 2:25) قادر أن يجعلها مدينة من جديد. ولكن الخيمة تشير لهذا الجسد الذى نحيا به الأن وهذا الجسد كان فى سبى الخطية، معذب لا يجد عزاء حقيقياً مثل الإبن الضال لا يجد ما يشبع بطنه سوى الملذات الدنسة والشهوات الرديئة التى هى خرنوب الخنازير. ولكن بعد الفداء حررنا الله بمراحمه بل وأصبح جسدنا هيكلاً لروحه القدوس. بل صار جسدنا قصراً فالذى يسكن فيه هو ملك الملوك "إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يو23:14) + (2كو1:5) بل يبنى البيت الجديد على تل. فأورشليم مبنية على تل عالٍ والمعنى سمو البيت الجديد فهو جسد سمائى، خليقة جديدة سماوية تصلى "أبانا الذى فى السموات" وخلال فترة سبى الجسد كانوا لا يسبحون الله. لكن بعد خلاصهم من السبى يعودون للتسبيح (19) فالتسبيح هو لغة الذين خلصهم المسيح. وهم يسبحون الله على صنيعه. من هو مسرور فليرتل وبالنسبة لليهود فهذا معناه أنه ستعود لهم أفراحهم وأعيادهم. ويزداد عددهم. وهذا ما حدث مع الكنيسة حينما نمت وإنتشرت فى العالم كله = ولا يقلون وأعظمهم. ويكون بنوهم كما فى القديم = عادت لنا البنوة فى المسيح الإبن وجماعتهم تثبت أمامى = لا أعود أخرجهم من أمامى كما أخرجت آدم. وأعاقب كل مضايقيهم (20) الشياطين. وهى تنطبق جزئياً فى العودة من السبى. وفى (21) الله يباركهم بحكم جديد فيحكمهم حاكم منهم وليس من الأعداء أو الغرباء. أى واحد من إخوتهم إشترك معهم فى ألام السبى وفى هذا إشارة للمسيح الذى شابهنا فى كل شىء وأخذ جسداً كجسدنا بل خيمة كخيمتنا. فهو أخلى ذاته آخذاً صورة عبد. وشابه إخوته فى كل شىء. وأقربه فيدنو إلىَ = بالنسبة لإسرائيل يعودون للعبادة فى الهيكل بعد أن كانوا قد رُفضوا وهذا من نعمة الله عليهم ومراحمه. فلا أحد يستحق هذا ولا أحد يستطيع هذا إن لم يقربه الله بمراحمه. ولكن هذه الأية تنظر للمسيح كشفيع وهو كشفيع عمله أن يقترب من الله ليس لحساب نفسه بل لحسابنا كرئيس كهنة فقد قيل عن الكهنة أنهم يقتربون إلى الله (لا3:10 + 17:21) + (خر21:20) والله أرسل المسيح وقدَسه لذلك العمل وبه سُرَت نفس الله. والمسيح قد أطاع حتى الموت وقدم نفسه ذبيحة لذلك سُرَت به نفس الله. وهو قَبِلَ كل الألام ولم يهرب منها. ولذلك كان السؤال من هو هذا الذى أرهن قلبه ليدنو إلىَ = وفى ترجمة أخرى يرتبط قلبه بى إرتباطاً لا فكاك منهُ إرتباط فيه كل الطاعة. لم يكن أحد يستطيع هذا سوى المسيح وبعمله هذا حملنا كلنا فيه وقربنا للآب. هذا معنى شفاعة المسيح ولذلك وبعمل المسيح هذا تكونون لى شعباً (22) وأنا أكون لكم إلهاً. ولاحظ أن من يرتبط بالله يجب أن يعطيه القلب كاملاً ويرتبط معهُ قلبياً ويكون القلب مستعد لخدمة الله فى حب حقيقى ويبقى قريباً من الله فالله يطلب القلب. وهذا هو ما يحتاج لجهاد كبير لأن القلب نجيس ومخادع. وبعد ذلك يعاقب الله الأشرار من الشعب البابلى أو الشياطين (راجع أش23،22:51) ويكون ألمهم وعذابهم مثل الزوبعة مذهلاً لا يقاوم ومحزن جداً ومؤلم جداً وسيتعقبهم وهو دائم. ولن يفهم أحد معنى هذا الخلاص الذى بالمسيح سوى فى آخر الأيام أى بعد مجىء المسيح (24،23) ونلاحظ فى هذا الإصحاح أن الخلاص سيكون مبهج بالرغم من أنهم الأن فى ألام السبى (4-7) وبالرغم من ان ظالميهم أقوياء جداً (8-10) وبالرغم من أن أمم أخرى هلكت ولن تعود (11) وبالرغم من أن كل وسائل الخلاص الظاهرة أمامهم تبدو وكأنها إنتهت (12-14) ومع أن الله هو الذى أرسلهم للسبى بسبب خطاياهم وغضبه عليهم وبالرغم من يأس كل من حولهم من خلاصهم (17) بالرغم من كل هذه العقبات فهم ونحن أبناء الله لا يمكن أن يتركنا فى أيدى ظالمينا ومستعبدينا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح