كلمة منفعة
قد يفرحك الحديث عن محبة الله، ويتعبك الحديث عن عدله. ولكن ينبغي أن توضع أمامك الحقيقة كلها.
— الحقيقة كلها
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن الأصحاح الثامن السلوك الحكيم الهادف يكمل الجامعة حديثه عن ضرورة السلوك الحكيم الهادف في هذه الحياة الزمنية المتغيرة، مهما تكن الظروف. 1. الحكمة في حياة الإنسان [1]. 2.الحكمة وطاعة الرؤساء [2-5]. 3. الحكمة في الظروف المفاجئة [6-8]. 4.الحكمة والحكم القهري [9-10]. 5. الحكمة ورفاهية الأشرار [11-14]. 6. التأمل في عمل الله وعطاياه [ 15-17]. 1. الحكمة في حياة الإنسان: "مَنْ كالحكيم؟ ومن يفهم تفسير أمرٍ؟ حكمة الإنسان تُنير وجهه وصلابة وجهه تتغير" [1]. كثيرون يصابون بنوع من الإحباط أو الاستهتار عندما يتأملون بطلان العالم وما يسوده من ظلم وقهر، خاصة ممن ائتمنوا على العدالة، سوى على المستوى الديني أو المدني، لهذا بدأ الجامعة يكشف عن أهمية الحكمة في حياة الإنسان، بغض النظر عما يدور حوله. أ. الحكمة تجعل الإنسان متقدمًا على أقربائه، تُصيِّره أكثر امتيازًا منهم: "مَنْ كالحكيم؟" الحكمة السماوية كما سبق فرأينا بلا حدود، بعيدة كل البعد، أي مرتفعة كل الارتفاع، عميقة كل العمق (7: 24)، ترفع الإنسان إلى الله لتهبه حياة الشركة والاتحاد معه. ليس من إنسان متعلم أو شريف أو ثرى يمكنه أن يقارن بذاك الذي ينعم بالحكمة الإلهية! إذ تحدث سليمان الحكيم في سفر الأمثال عن الحكمة ككائن حيّ (أم 9: 1-6)، إنما يعني بها شخص السيِّد المسيح "حكمة الآب"، فالحكيم هو ذاك الذي يقبل السيِّد المسيح ساكنًا فيه، أو يقبله رأسًا له، ويكون هو عضوًا في الكنيسة، جسد المسيح. اتحادنا مع السيِّد المسيح يُعطي القلب عذوبة واتساعًا ويرفع الفكر فوق كل المتاعب والصغائر ليسلك بروح المسيح في اتزان وحكمة علوية. ب. الحكمة تجعل الإنسان نافعًا لإخوته، متفانٍ في خدمته لهم، فإنه من مثله "يفهم تفسير أمر"، أي يدرك ما وراء الأحداث ويُتابع مقاصد الأمور على مستوى فائق... مشورته لهم حكيمة وصائبة. فالحكمة تهبه تفسيرًا لمعاملات معه كما مع غيره، فيسلك ويرشد الغير حسب إرادة الله الصالحة. ج. بالحكمة يتعرف الإنسان على خطة الله ويُدرك لماذا يُسمح بالفرج كما بالضيق، فيستنير وجهه بالفرح والرجاء تحت كل الظروف، بل ويبعث هذا الرجاء المفرح في حياة أصدقائه، فتظهر صورته جميلة وبهية في أعينهم. هكذا تجعل الحكمة وجهه منيرًا، كما حدث مع موسى النبي حينما نزل من أعلى الجبل. إنها تكرِّمه وتضفي إشراقًا على حديثه كله. تجعله جديرًا باهتمام الآخرين وتوقيرهم، محبوبًا لديهم، تغيِّر صلابة وجهه وحديثه وحزم ملامحه إلى ملامح مُشرقة باشَّة. و. الحكمة (السيِّد المسيح) تُصلح من طبيعة الإنسان العنيفة إذ "صلابة وجهه تتغير"... تهبه استنارة وحنوًا! v كلما اقترب قلب الإنسان من الحكمة نال من الله فرحًا أعظم. بهذا يستطيع المرء أن يُميز بين الحكمة الروحية والحكمة العالمية. ويوقن الإنسان في نفسه أن الحكمة الروحية تُسبب صمتًا يستقر في أعماقه، أما الحكمة العالمية فتُسبب فيضًا من الانزلاق في الخطأ. حينما تكتشف الحكمة الروحية تمتلئ اتضاعًا ورِقَّةً وسلامًا يسود على أفكارنا، فتهدأ أعضاؤك ولا تزعجك الشهوات الرديئة والشَّره. أما إذا تملَّكتك الحكمة الأخرى، فيحوز عليك الفكر المتغطرس والأفكار المنحرفة التي لا يُنطق بها والذهن المشتت والحواس المخزية الملتهبة[173]! v ما أعذب المعرفة التي تُكتسب من الخبرة الواقعية والتداريب الدءوبة. وما أعظم القوة التي تمنحها للإنسان الذي يجدها داخله خلال الخبرات الكثيرة؛ نفس الأمر يشعر به من يتيقنوا منها ويذكرون مقدار ما توفره لهم من عون، فيعلمون ضعف طبيعتهم ويدركون مقدار المعونة الإلهية الممنوحة لهم التي قد يحجبها الله في البداية وهم في وسط التجارب[174]. v المعرفة الخاصة بالله هي ملكة كل الاشتياقات، ليس ما هو أعذب منها في كل الأرض بالنسبة للقلب الذي ينالها[175]. v متى يدرك الإنسان أنه نال حكمة من الروح؟ من المعرفة التي تُعلِّمه سبُل الاتضاع في أعماقه الخفية وفي حواسه، وتكشف له في ذهنه كيف يُنال الاتضاع[176]. مار إسحق السرياني يقارن القدِّيس يوحنا ذهبي الفم بين الجمال الذي تعكسه الحكمة على ملامح المرأة والاهتمام بالزينة الخارجية، قائلاً: [إن كانت حكمة إنسان تنير وجهه، فكم بالأحرى فضيلة المرأة تُنير محيَّاها؟! وإن كنت تحسب هذه زينة عظيمة فاخبرني ما هو قيمة اللآلئ في ذلك اليوم (الأخير)[177]؟]. 2. الحكمة وطاعة الرؤساء: مادامت الحكمة هي التقاء مع الله نفسه، "الحكمة" الحقيقية، فيستنير وجه المؤمن، ويحمل في داخله عذوبة فائقة بروح الاتضاع... فإنه يجب ترجمة هذا الاتضاع الداخلي عمليًا في سلوكنا مع الجميع، خاصة بالخضوع للسلطات بروح الطاعة دون تذمر. يرى الكاتب أن الله ضابط الكل قد سمح بقيام أصحاب السلطة، حتى وإن كانوا ظالمين، فبحكمة نخضع لهم في الرب. يقوم هذا الخضوع على مبدأين: إيماننا بعناية الله الفائقة لنا، وتمتعنا بحياة هادئة سالمة. أ. "أنا أقول احفظ أمر الملك وذاك بسبب يمين الله" [2]. هنا دعوة للخضوع للقوانين والالتزام باحترامها، أما حدود هذه الطاعة فهي "يمين (قَسَمْ) الرب"، أي دون مخالفتنا بالتزاماتنا نحو الله أو عهدنا معه، إذ هي فوق كل التزام. وكما يقول السيِّد المسيح: "أعطِ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". بنفس الروح يقول القدِّيس بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة؛ لأنه ليس سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هي مُرتبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة" (رو 3: 1-2). ب. يلزم ألا نثور ضده أو نقاومه أو نرفض خدمته لأن تصرفاته لا يقبلها عقلنا أو تسيء إلينا. فبحكمة يلزمنا ألا نتسرع فنتركه ونخرج من أمامه، وذلك لأجل سلامنا، متجنبين غضبه وثورته. لننتظر، فإن الله لا يترك الظلم يسود بل يتدخل في الوقت المناسب. يقول الجامعة: "لا تعْجَل إلى الذهاب من وجهه" [3]. فقد تسرع الشعب عندما جاوبهم رحبعام بن سليمان بغلظة وفظاظة، وتعجلوا إلى الذهاب من وجهه، بل صرخوا في الحال: "إلى خيامك يا إسرائيل" (1 مل 12: 16)، وانقسمت المملكة إلى قرون طويلة! ج. ينبغي ألا نُصرّ على الخطأ حينما نكتشفه: "لا تقف في أمر شاق (شرير)، لأنه يفعل كل ما شاء" [3]. متى فكرنا خطأ ضد صاحب سلطان، يلزمنا أن نتراجع ولا نمضي في الخطأ. د. مادمنا نحفظ الوصية، ونسلك بروح الطاعة والحكمة لا نخف مما لكلمة أصحاب السلطة من سلطان... "حيث تكون كلمة الملك فهناك سلطان. ومن يقول له: ماذا تفعل؟ حافظ الوصية لا يشعر بأمر شاق، وقلب الحكيم يعرف الوقت والحكم" [4-5]. لا ينكر الجامعة ما لصاحب السلطة من إمكانية، فإنه لا يحتمل أن يرى أحدًا يعصي كلمته، وكما يقول الحكيم: "كزمجرة الأسد حنق الملك" (أم 19: 12)... ليس من يقول له: ماذا تفعل؟ ومع هذا فلا خطورة من ذلك، مادامت قلوبنا نقية تحفظ القوانين وتطيعها برضى، وعقولنا مملوءة حكمة، تعرف كيف تتصرف في الوقت المناسب. 3. الحكمة في الظروف الطارئة: مادمنا نحفظ وصية الرب ونقبل كلمة الرؤساء في الرب يلزمنا ألا نخف السلطان، بل ولا نضطرب لما قد يحل غدًا، ولا حتى من مواجهة الموت، إنما نخاف شيئًا واحدًا وهو أن نخطئ، لأنه "لا يُنجي الشر أصحابه". أ. "لأن لكل أمر وقتًا وحكمًا، لأن شر الإنسان عظيم عليه". يليق بالإنسان الحكيم أن يدرك أن لكل أمر لدى الله وقتًا مناسبًا، ليس شيء يحدث اعتباطًا، وإنما بحكمة الله ضابط الكل. كل شيء محسوب لدى الله ومقدَّر زمانه بخطة إلهية أو بسماح إلهي، لكن الإنسان في جهله لخطة الله وأحكامه وعدم ثقته الكاملة في عنايته الفائقة يسقط في شر عظيم. يحتاج الإنسان إلى استنارة بصيرته الداخلية بروح الله فلا يظن أن حدثًا معينًا يحل به بلا هدف... إنما يتكئ على صدر خالقه، يشكره على الأحداث المفرحة، وينتفع من تأديباته، مدركًا أن كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبونه (رو 8: 28). ما كان يمكن ليوسف أن يتسلم المجد في قصر فرعون ما لم يتدرب أولاً في مدرسة الحياة، مدركًا أن اخوته قد صنعوا به شرًا، لكن بسماح إلهي، محولاً شرهم إلى الخير (تك 50: 20). شرنا العظيم يحل بنا لا بسبب الظروف التي تحيط بنا مهما بدت قاسية، وإنما بسبب الغشاوة التي على بصيرتنا الداخلية. عمل الروح القدس أن يهبنا الاستنارة، فندرك أننا أبناء الله موضوع حبه، يهتم حتى بعدد شعور رؤوسنا، يمسك بأيدينا وسط الأحداث في طريق الصليب الضيق ليدخل بنا إلى رحب القيامة وبهجتها. ب. "لأنه لا يعلم ما سيكون، لأنه من يخبره كيف يكون؟ ليس لإنسان سلطان على الروح ليمسك الروح، ولا سلطان على يوم الموت، ولا تخلية في الحرب، ولا يُنجي الشر أصحابه " [7-8]. كلنا نجهل المستقبل بأحداثه وظروفه وأوقاته، فلا يستطيع أحد أن يُنبئنا بما سيحل بنا لنستعد للطوارئ. لسنا نعرف الشر قبل حدوثه فنتجنبه أو نحترس منه... إنما نعرف شيئًا واحدًا به نواجه المستقبل بكل أحداثه ومفاجأته: "لا يُنجي الشر صاحبه" [8]. نحن نواجه أمورًا ثلاثة: مستقبل مجهول بأحداثه التي قد تبدو مفاجئة وغير متوقعة. عجز عن الإمساك بأرواحنا متى طُلبت، أي لا نقدر أن نؤجل ساعة رحيلنا من هذا العالم، حيث يُغلق باب التوبة إلى الأبد. لا نستطيع التخلي عن الحرب [8]، أي عن الدخول في المعركة التي تقوم بين الله وإبليس، سواء دخلنا تحت حماية الله أو قبلنا التبعية لعدو الخير. هذه الأمور الثلاثة تتحول لخيرنا إن تسلمنا ببرِّ المسيح واهب السلام والنصرة والمجد؛ إن حسبنا أننا لا نقدر أن نعيش في عالم شرير ما لم نسلك بالدهاء والخبث والشر كحكمة بشرية وخبرة نقتنيها عبر الزمن، فإن الشر لن يُنجينا هنا على الأرض ولا في لقائنا مع الديان العادل في يوم الرب العظيم. 4. الحكمة والحكم القهرى: ربما يسأل إنسان: كيف أطيع أصحاب السلطة إن كانوا ظالمين ومحبين للتسلط؟ يقول الجامعة: "كل هذا رأيته إذ وجهت قلبي لكل عمل تحت الشمس، وفيما يتسلط إنسان على إنسان لضرر نفسه" [9]. حقًا يصعب على الإنسان أن يرى شخصًا طاغيًا محبًا للتسلط وقهر الآخرين، ومن المحزن أن يرى بعض القادة على المستوى الديني أو العالمي، عوض تحقيق العدالة يستغلون مراكزهم لمجدهم الذاتي أو لغناهم؛ لكن ليعلم هؤلاء أنهم بهذا يمارسون ما هو لضررهم. إذ نرى طغاة لا ندينهم بل نشفق عليهم ونصلي لأجلهم كي يهبهم الله روح الحب الباذل والاتضاع فلا يُعثرون أحدًا ولا هم يهلكون. هذا ويليق بالظالمين أن يدركوا أنهم وإن نالوا شيئًا بظلمهم سواء غنى أو كرامة فإنهم يُدفَنون ويُنسى ذكراهم. يقول الجامعة: "وهكذا رأيت أشرارًا يدفنون" [10]، أي تُلقى أجسادهم في التراب ومعهم كرامتهم. يُكمل الجامعة حديثه عنهم، قائلاً: "وضموا الذين يذهبون ويخرجون من مكان القدس وينالون كرامة ويُنسون في المدينة. هذا أيضًا باطل" (10 N IV و Vulgate). حقًا كقادة يدخلون المقادس ويخرجون منها في عظمة، وقد دُعي مكان القضاء في العهد القديم "مقدسًا" لأن "القضاء لله" (تث 1: 17)، كما قيل إن الله "في وسط الآلهة يقضي" (مز 82: 1) الخ... تحت ستار هذه العظمة يرتكبون الجور ويستمرون فيه، لكن أجسادهم تصير ترابًا وذكراهم تُدفن معها... تنساهم المدينة المقدسة، ولا يكون لهم موضع في أورشليم العليا، التي لا يدخلها دنس أو نجس أو من يصنع كذبًا وجورًا. في تهورهم يسرعون بالقضاء الظالم، والله في طول أناته يصبر عليهم ويتركهم في مراكزهم إلى حين لعلهم يتوبون، وإلاَّ دُفنت سيرتهم مع أجسادهم، وفقدوا الزمنيات والأبديات. 5. الحكمة ورفاهية الأشرار: يصبر الله على الظالمين بل وعلى كل الأشرار، ولا يجري الحكم سريعًا... لكن كثيرين عوض التوبة يستهينون بطول أناة الله. وكما يقول الرسول بولس: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة؛ ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دنونة الله العادلة، الذي سيُجازي كل واحد حسب عمله" (رو 2: 4-6). هذا ما عبَّر عنه الجامعة، قائلاً: "لأن القضاء على العمل الرديء لا يُجرى سريعًا، فلذلك امتلأ قلب بني البشر فيهم لفعل الشر" [11]. الله يبطئ قليلاً في القصاص، لكنه حتمًا يتحقق وفي صرامة، خاصة وإن البعض يُسيء فهم طول أناة الله ويملئون كأس شرهم. ربما يسأل أحد: وما ذنب المظلومين؟ يُجيب الجامعة: وإن تزايد الشر، فإنه يتحول إلى خير خائفي الرب. "الخاطئ وإن عمل شرًا مئة مرة، وطالت أيامه، إلاَّ إنيّ أعلم أنه يكونُ خيرُ للمتَّقين الله، الذين يخافون قدامه. ولا يكون خير للشرير وكالظل لا يطيل أيامه لأنه لا يخشى قدام الله" [12-13]. قد يعترض البعض قائلاً إن طول أناة الله قد بلغت حدًا فوق ما ننتظره، وقد طالت أيام الشرير ليرتكب الشر لا مرة ولا مرتين ولا عشرة مرات بل مائة مرة؛ لكن ليدرك هؤلاء أن شعب الله أو خائفيه الحقيقيين وإن وقع عليهم القهر مئات المرات فهو شعب مغبوط. إنهم خائفوا الرب، لذا يُرافقهم في أحلك الظروف، لا يمكن لسعادتهم أن يهزها شيء، ولا لشركتهم مع الله أن يقطعها أمر ما، حتى في وسط متاعبهم يكونون مملوءين سلامًا داخليًا، لأنهم محفظون من الله أبيهم الذي ينقذهم من الضيق ويمجدهم. أما الأشرار فعلى العكس وإن بدوا كالعشب يانعين لكنهم في أعماقهم مملئون بؤسًا، لا يجد الخير موضعًا فيهم، ولا يعرفهم التطويب. قد يعيشوا في رفاهية ردحًا من الزمن، لكن اللعنة كثمرة طبيعية لأفعالهم تحل بهم حتمًا ما لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله في خوف ورعدة. وكما قيل: "قولوا للصدِّيق خير، لأنهم يأكلون ثمر أفعالهم. ويلٌ للشرير شر، لأن مجازاة يديه تُعمل به" (إش 3: 10-11). مهما طالت أيام الشرير فهي كالظل، تنتهي بلا منفعة. قد نظن أنها طويلة، لكنها في عينيّ الله كالظل السريع الزوال. الترمومتر الذي به يتعرف الحكيم على الأبرار والأشرار ويميز بينهم هو "مخافة الله" فيدعو الأبرار "مُتَّقيّ الله"، ويقول عن الأشرار أنهم "لا يخشون قدام الله". أما من جهة المظهر الخارجي أو البركات الزمنية أو الموت فقد يسقط الصديقون في ضيقات ومتاعب يستحقها الأشرار وقد يتمتع الأشرار ببركات زمنية يستحقها الأبرار. هذا ما يكشف عن بطلان العالم [14] دون اتهام الله بالظلم إذ ينتظر ليكافئ الكل ويجازيهم في الوقت المناسب. ما يحل بالعالم من ظلم يكشف عن بطلان العالم، لكنه لا يفقد المؤمن فرحه الداخلي، بل يشكر الله تحت كل الظروف حاسبًا أكله وشربه وتعبه عطية الله المؤقتة [15]. هذا ما يكرره الحكيم في أكثر من موضع (2: 24؛ 5: 18). يُركز الحكيم على تمتع المؤمن بالفرح بكونه غذاء النفس: "فمدحتُ الفرح"، حاسبًا إيَّاه عطية إلهية... أما سرّ فرحه فهو تأمله في عمل الله على الأرض وتلامسه مع عجائبه التي نزعت عن عينيه النوم، ليبقى متهللاً نهارًا وليلاً بالله العامل في حياته وفي حياة الآخرين... وإن كانت حكمته الشخصية تحُول عن أن يتعرف على كل أسرار معاملات الله معه وعنايته الفائقة بأولاده. يقول: "لما وجهت قلبي لأعرف الحكمة وأنظر العمل الذي عُمل على الأرض، وأنه نهارًا وليلاً لا يرى النوم بعينيه" [16]. قصد الحكيم نفسه أنه في بحثه في عناية الله لم يَرى النوم... لكنه كما يقول: "الحكيم أيضًا وإن قال بمعرفته لا يقدر أن يجده" [17]... تعجز حكمته عن أن تجد أو تكتشف خطة الله ومقاصده العجيبة الفائقة للعقل! لنسلك بالحكمة الإلهية فتستنير أعين قلوبنا وتشرق نعمته على ملامحنا، وبفرحٍ نسلك بروح الطاعة والخضوع، وإن وُجد ظلم نؤمن بالله أبينا الذي يُخرج من الحفرة حياتنا، ويُحوّل المتاعب لخيرنا. هو يتمهل على الأشرار لعلهم يرجعون إليه وإلاَّ صارت حياتهم كظل بلا قيمة... ما أعجب عملك يا رب! هب ليّ فهمًا واستنارة لكي أدرك بروحك القدُّوس خطتك من جهتي!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثامن آية (1):- "1مَنْ كَالْحَكِيمِ؟ وَمَنْ يَفْهَمُ تَفْسِيرَ أَمْرٍ؟ حِكْمَةُ الإِنْسَانِ تُنِيرُ وَجْهَهُ، وَصَلاَبَةُ وَجْهِهِ تَتَغَيَّرُ." من كالحكيم = الجامعة يكشف عن أهمية الحكمة في حياة الإنسان. ومن يفهم تفسير أمر= الحكيم يدرك ما وراء الأحداث، والحكمة تهبه تفسيراً لمعاملات الله معه ومع غيره فيصبح نافعاً لكل من حوله. حكمة الإنسان تنير وجهه= يُعرف الحكيم من وجهه وهناك من قال "إن وجه الإنسان هو شباك النفس يرى منه النور الداخلي" ونفهم أن الحكمة هو الأقنوم الثاني (اللوغوس) أي السيد المسيح، فمن يقبل السيد المسيح ساكناً فيه، يعطيه المسيح عذوبة وإتساع قلب ويرفع الفكر فوق كل المتاعب والصغائر فيسلك بحكمة علوية يفهم بها ويتعرف الإنسان بها على خطة الله فَيُدْرِكْ لماذا يسمح بالفرج أحياناً وبالضيق أحياناً فيستنير وجهه بالفرح والرجاء تحت كل الظروف، بل يبعث هذا الرجاء فيمن حوله. وهكذا موسى استنار وجهه حينما نزل من على الجبل. وصلابة وجهه تتغير= صلابة الوجه تأتي من الغيظ والغضب والطبيعة العنيفة والضيق. ومن يملأ سلام المسيح قلبه تتغير طبيعته هذه، بل تكون له النظرة الحانية حتى على الخطاة، وبهذا تتميز الحكمة الروحية عن الحكمة العالمية. ومن يملك الحكمة يكون مالكاً لروح الاتضاع التي بها يخضع لمن هم أعلى منه. آية (2):- "2أَنَا أَقُولُ: احْفَظْ أَمْرَ الْمَلِكِ، وَذَاكَ بِسَبَبِ يَمِينِ اللهِ. " هنا يعطي نموذج لما تعمله الحكمة الروحية، فالحكيم يخضع للملك فلا يناله أذى، الاتضاع يلزم أن يكون مع الجميع، ويجب أن يكون للسلطات المرتبة من الله، فالله ضابط الكل هو الذي سمح بها. حتى وإن كان الحاكم ظالم. أنا أقول أحفظ أمر الملك= هنا دعوة للخضوع للقوانين وأن نلتزم باحترامها (طبعاً لو كانت هذه القوانين ليست ضد وصايا الله) "إعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" + (رو1:13،2). وذاك بسبب يمين الله= كان هناك عهد بين الملك والله وبين الملك والشعب، والله شاهد على كليهما. الملك يقسم أن لا يخون أمانة الله والشعب يقسم أن لا يخون أمانة الملك. والحكيم يخضع للملك لأنه يؤمن أن يمين الله أي قوته هي التي سمحت بقيامه كملك حتى لو كان ظالماً، فالله هو ضابط الكل، لذلك يخضع الحكيم للملك فهو معين من قبل الرب. وقيل ملكوا شاول أمام الرب (1صم15:11) وراجع (1أي3:11+ 2أي16:23+ 2صم1:5-3+ 2مل17:11+ 1أي24:29) (هذا ما حدث مع داود/ سليمان/ يوآش). ولذلك إن خالف الملك وصايا الله ودعانا أن نترك الله علينا أن نطيعه. وإذا كان احترام الملك وطاعته واجبة، فكم بالأولى طاعة الله ملك الملوك. آية (3):- "3لاَ تَعْجَلْ إِلَى الذَّهَابِ مِنْ وَجْهِهِ. لاَ تَقِفْ فِي أَمْرٍ شَاقّ، لأَنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ مَا شَاءَ. " إذا ثار الملك في وجه أحد، وقال كلاماً لا يرضى من يسمعه فنصيحة سليمان أن لا يثور الشخص في وجه الملك ويخرج من أمام الملك في حالة عصيان وثورة وغضب وذلك لسلامة الشخص= لا تعجل إلى الذهاب من وجهه. لا تقف في أمر شاق (شرير) أي لا تتآمر وتعصى الملك، لأن له سلطان أن يفعل ما يشاء. الآيات (4-5):- " 4حَيْثُ تَكُونُ كَلِمَةُ الْمَلِكِ فَهُنَاكَ سُلْطَانٌ. وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟». 5حَافِظُ الْوَصِيَّةِ لاَ يَشْعُرُ بِأَمْرٍ شَاقّ، وَقَلْبُ الْحَكِيمِ يَعْرِفُ الْوَقْتَ وَالْحُكْمَ. " الحكيم ينصح كل إنسان أن يفهم أن الملك له سلطان وهو يعطي أوامر علينا أن ننفذها ولا أحد له الحق أن يقول له ماذا تفعل. وحافظ الوصية= أي من يلتزم بأوامر الملك. لا يشعر بأمر شاق= أي يحيا حياة هادئة (رو3:13). وقلب الحكيم يعرف الوقت والحكم= يسلم الحكيم للظلم ويحتمله بالصبر فهو يعرف أن الله يسمح بالظلم لوقت محدود ثم ينهى حكم الظالم. ولكن أحكام الله لها وقت= الوقت والحكم= والحكيم لا يتعجلها ويصبر. وما دمنا نحفظ وصية الرب ونقبل ونحترم أوامر الرؤساء في الرب يلزمنا أن لا نخاف السلطان. آية (6):- " 6لأَنَّ لِكُلِّ أَمْرٍ وَقْتًا وَحُكْمًا. لأَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ عَظِيمٌ عَلَيْهِ،" لأن لكل أمر وقتاً وحكماً= الحكيم يدرك أن الله يتدخل في الوقت الذي يحدده هو فكل شئ محسوب عند الله وفق خطة إلهية وبسماح إلهي. لأن شر الإنسان عظيم عليه جهل الإنسان أن الله له خطة فيثق في الله، وجهل الإنسان بعناية الله الفائقة شر عظيم عليه إذ حينما يقع عليه الظلم سيتصور أن الله تخلى عنه ويصطدم مع الله، وجهل الإنسان بأن الله له وقت مناسب يتدخل فيه (ملء الزمان) سيجعله يشعر أن الله غير عادل وبهذا يخطئ الإنسان ويكون شره عظيماً عليه. وشر الظالم عظيم عليه لأن الله سيحاسبه عما فعله بسلطانه، والحكيم يعرف أن الله لابد وسيحاسبه. الروح القدس يهب الإنسان استنارة فيعرف بها أننا كأبناء لله، موضوع حبه، يهتم بنا وسط الأحداث والمظالم. الآيات (7-8):- "7لأَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ. لأَنَّهُ مَنْ يُخْبِرُهُ كَيْفَ يَكُونُ؟ 8لَيْسَ لإِنْسَانٍ سُلْطَانٌ عَلَى الرُّوحِ لِيُمْسِكَ الرُّوحَ، وَلاَ سُلْطَانٌ عَلَى يَوْمِ الْمَوْتِ، وَلاَ تَخْلِيَةٌ فِي الْحَرْبِ، وَلاَ يُنَجِّي الشَّرُّ أَصْحَابَهُ." لأنه لا يعلم ما سيكون= المستقبل مجهول بأحداثه وظروفه. من يخبره كيف يكون= فلسنا نعرف الشر قبل حدوثه لنتجنبه. ولا نعرف متى سيأتي الموت= ليس لإنسان سلطان على الموت= وهذه موجهة للظالم ليعلم أنه سيموت ربما فجأة فيخشى الله وموجهة للمظلوم فيعلم أن حياته ليست في يد الظالم بل في يد الله "لم يكن لك علىّ سلطان إن لم تكن قد أعطيت من فوق (يو11:19). ولا تخلية في الحرب= هل يقدر الجندي أن يهرب من المعركة أو يستعفى من الخدمة والحرب أمامه، هكذا وُضِعَ على الإنسان أن يكون طرفاً في معركة دائرة بين الله وإبليس، ولكن إبليس له أعوانه من أمثلة الحكام الظالمين وغيرهم من الأشرار الذين يسببون آلاماً لشعب الله، والله يزودنا بأسلحة للحروب الروحية والحكيم يعرف أن الله لابد وسيغلب (2كو3:10-5+ أف10:6-20).بل أحد أسلحة إبليس هو الموت والمسيح غلبه فنقول "أين شوكتك يا موت". آية (9):- "9كُلُّ هذَا رَأَيْتُهُ إِذْ وَجَّهْتُ قَلْبِي لِكُلِّ عَمَل عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ، وَقْتَمَا يَتَسَلَّطُ إِنْسَانٌ عَلَى إِنْسَانٍ لِضَرَرِ نَفْسِهِ. " على كل ظالم أن يعلم أنه إذ يمارس أعمال ظلمه فإنما هذا لضرره. فقلب الظالم يتقسى وضميره يموت، وهو يبتعد عن الله، فيفقد الفرح في هذا العالم، بل يفقد حياته الأبدية. الآيات (10-13):- "10وَهكَذَا رَأَيْتُ أَشْرَارًا يُدْفَنُونَ وَضُمُّوا، وَالَّذِينَ عَمِلُوا بِالْحَقِّ ذَهَبُوا مِنْ مَكَانِ الْقُدْسِ وَنُسُوا فِي الْمَدِينَةِ. هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. 11لأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْعَمَلِ الرَّدِيءِ لاَ يُجْرَى سَرِيعًا، فَلِذلِكَ قَدِ امْتَلأَ قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ فِيهِمْ لِفَعْلِ الشَّرِّ. 12اَلْخَاطِئُ وَإِنْ عَمِلَ شَرًّا مِئَةَ مَرَّةٍ وَطَالَتْ أَيَّامُهُ، إِلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ اللهَ الَّذِينَ يَخَافُونَ قُدَّامَهُ. 13وَلاَ يَكُونُ خَيْرٌ لِلشِّرِّيرِ، وَكَالظِّلِّ لاَ يُطِيلُ أَيَّامَهُ لأَنَّهُ لاَ يَخْشَى قُدَّامَ اللهِ." الذين عملوا بالحق ذهبوا من مكان القدس ونسوا= هذه تفهم بطريقتين: 1. الذين عملوا بالحق هم الأشرار الذين كان عملهم أن يحكموا بالحق في مكان القدس أي مكان القضاء (تث17:1 + مز1:82). ولكنهم لم يحكموا بالحق، بل ظلموا المساكين. هؤلاء وإن كان لهم كرامة وهيبة في حياتهم وكرامة في زمنهم، إلا أنهم بعد موتهم نساهم الناس أو تناسوهم بسبب ظلمهم، فهم كرموهم في حياتهم خوفاً من سلطتهم. والآن هم ذهبوا للقبر، وهم أمام الله، فأين كرامتهم إذ نساهم الناس، بل هم في خوف ينتظرون عدل الله. الذين عملوا بالحق= الذين كانوا يحكمون بالحق طردهم الأشرار من أماكنهم ليتسلطوا هم بالظلم. لأن القضاء على العمل الردئ لا يجري سريعاً= الله يصبر على الظالمين والأشرار، ولا يجري الحكم عليهم سريعاً، لعلهم يتوبون، ولكن كثيرين عوضاً عن التوبة يستهينون بطول أناة الله. ولكن الله وإن أبطأ في القصاص فهو حتماً سيعاقب وبصرامة. وربما يسأل أحد وما ذنب المظلومين خلال هذه الفترة التي فيها يتأنى الله؟ والإجابة إني أعلم أنه يكون خير للمتقين الله فالله قادر أن يحول الشر إلى خير لخائفي الرب، حدث هذا مع أيوب، بل يكون الله مع المظلوم مرافقاً له أثناء فترة تنقيته، فترة الشر هي شر بالمفهوم البشري، لكن بالمفهوم الإلهي "كل الأمور تعمل معاً للخير" ونعود لبداية الإصحاح فالحكيم يفهم تفسير أمرٍ (آية1). وسيفهم لماذا سمح الله بالضيق له. بل سيرافقه الله ويعزيه، فلن تهتز سعادة أولاد الله وسط الضيقة، ولا شئ يفصل شركتهم مع الله، فهم واثقين أنهم في يد الله محفوظين وأن الله سينجيهم فيتهللون وسط الضيقة وتنير وجوههم (آية1) (رو35:8) أما الأشرار فعلي العكس وإن بدوا يانعين لكن أعماقهم مملوءة بؤساً، واللعنة تكون ثمرة طبيعية لأفعالهم، تحل بهم حتماً ما لم يتوبوا (إش10:3،11). وكالظل لا يطيل أيامه= حياته تنتهي بلا منفعة، فالظل لا نفع له، وهي كالظل غير حقيقية ومائلة للزوال، إذا غربت شمس حياتهم سيصيرون لا شيء وبلا نفع كالظل الذي سيختفي، لن يتركوا وراءهم إسماً صالحاً. ونلاحظ الترمومتر الذي به نتعرف على الأبرار والأشرار، فالحكيم يدعو الأبرار متقيا الله وعن الشرير يقول أنه لا يخشى الله. فخوف الله هو الترمومتر. آية (14):- "14يُوجَدُ بَاطِلٌ يُجْرَى عَلَى الأَرْضِ: أَنْ يُوجَدَ صِدِّيقُونَ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ عَمَلِ الأَشْرَارِ، وَيُوجَدُ أَشْرَارٌ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ عَمَلِ الصِّدِّيقِينَ. فَقُلْتُ: إِنَّ هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. " بعد أن كان النور الإلهي قد أضاء ذهن سليمان، فإكتشف أن الله قد يسمح للشرير بأن يظلم ولكن إلى حين، وأن الله سيحول الشر للخير للمظلوم البار، عاد إلى حكمته الإنسانية فعاد وتساءل، وعاد للحيرة قائلاً أن ما يحدث هو باطل= أي أن يُظلم البار وأن الشرير يجد خيراً. الآيات (15-16):- " 15فَمَدَحْتُ الْفَرَحَ، لأَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ تَحْتَ الشَّمْسِ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَفْرَحَ، وَهذَا يَبْقَى لَهُ فِي تَعَبِهِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي يُعْطِيهِ اللهُ إِيَّاهَا تَحْتَ الشَّمْسِ. 16لَمَّا وَجَّهْتُ قَلْبِي لأَعْرِفَ الْحِكْمَةَ، وَأَنْظُرَ الْعَمَلَ الَّذِي عُمِلَ عَلَى الأَرْضِ، وَأَنَّهُ نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ يَرَى النَّوْمَ بِعَيْنَيْهِ، " ما قاله سليمان هنا واجب على كل مؤمن بالله أن لا يفقد فرحه الداخلي، بل يشكر الله على كل الظروف حاسباً أكله وشربه وتعبه عطية الله، واثقاً في حياة أبدية فيها الفرح الحقيقي للأبرار، حيث العدل مكان الظلم والراحة عوضاً عن التعب، ومثل هذه الحياة تمدح= فمدحت الفرح الناشئ عن الإيمان والثقة بالله. ولكن سليمان هنا كان في حيرته لا يقصد هذا. وقوله فمدحت الفرح= يقصد به أنه طالما أن الأبرار لا يكافأون بعدل والأشرار في سعادة. إذن فلينعم الإنسان بأفراحه الزمنية قدر ما يستطيع، وهذا التفسير يتفق مع باقي الإصحاح. فهو إذ عاد لتفسير الأمور في ضوء حكمته الإنسانية تعب وطار النوم من عينيه= إنه نهاراً وليلاً لا يرى النوم بعينيه. والسبب أنه عاد للتفكير البشري لما وجهت قلبي لأعرف الحكمة. والسبب أن الحكمة البشرية عاجزة عن فهم كل أسرار معاملات الله مع البشر وعنايته الفائقة بأولاده. فهذه الأمور لا يجدي فيها التفكير بالعقل البشري بل بروح الصلاة والحكمة الإلهية نعرف إرادة الله فيستضئ الوجه ونسلم لله كل الأمور. آية (17):- " 17رَأَيْتُ كُلَّ عَمَلِ اللهِ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجِدَ الْعَمَلَ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ. مَهْمَا تَعِبَ الإِنْسَانُ فِي الطَّلَبِ فَلاَ يَجِدُهُ، وَالْحَكِيمُ أَيْضًا، وَإِنْ قَالَ بِمَعْرِفَتِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَجِدَهُ." لا يجد العمل= أي يفهم كل ما يعمله الله ويوفق بين عدل الله وصلاحه وألام الأبرار. والحكيم أيضاً. وإن قال بمعرفته= أي إن إدّعى الحكيم الحكمة والمعرفة= لا يقدر أن يجده أي لا يستطيع أن يجدها ويفهمها. فأسرار الله أعمق من أن يكتشفها الإنسان بعقله. أما الروح القدس روح الحكمة فيشرح لنا كل شئ (1كو6:2-16).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح