كلمة منفعة
هناك صفات كثيرة للصلاة الروحية، منها أن تصلى بإيمان، وباٍنسحاق، وبفهم، وبتركيز، وبحب وعمق، وحرارة، صلاة من القلب وليس من الشفتين فقط، ونحن نود الآن أن نتكلم عن الصلاة بانسحاق القلب.
— الصلاة المنسحقة
سفر الجامعة 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الباب الأول
براهين بطلان العالم خارج الله
1. شهادة الطبيعة .
2. بطلان مباهج العالم (خبرته الشخصية) .
3. شهادة العالم .
4. شهادة المجتمع .
بطلان العالم
يوجه الجامعة حديثه إلى كل إنسان مؤكدًا له بطلان العالم وكل ما فيه، لا بنظرة تشاؤمية مُرّة، وإنما بغية استخدام كل ما هو حولنا كعطية إلهية مؤقتة، قُدمت لنا لا لاكتنازها بروح الطمع، ولا لاقتنائها بروح الظلم، وإنما لكي نشترك فيها مع الغير بروح الصداقة والحب. كل ما هو حولنا جميل وحسن إن استخدمناه في وقته حسب خطة الله ومقاصده الإلهية، أما إن فسدت قلوبنا وأفكارنا فيصير الكل باطلاً!
إذ يتحدث الجامعة مع البشرية بوجه عام استخدم براهينه من واقع الطبيعة ذاتها بكونها لغة كل البشر يقرأها الجميع [1]، ثم يُقدم خبرته الشخصية في سعيه وراء مباهج العالم [2]، ويقدم شهادة العالم نفسه موضحًا أنه ليس شيء صالحًا في ذاته بل لكل شيء زمان، وأخيرًا يُقدم شهادة المجتمع حيث احتل الظلم موضع العدل في المجتمعات بصفة عامة [4].
الأصحاح الأول
شهادة الطبيعة
إذ يوجه الكاتب حديثه إلى كل إنسان تحت الشمس يُقدم براهين لا تقوم على وعود إلهية، يعرفها شعب دون غيره، وإنما يستخدم الطبيعة كلغة جامعية يقرأها الجميع.
1. كاتب السفر
[1].
2. موضوع السفر
[2-3].
3. شهادة الطبيعة [4-11].
أ. قصر الحياة البشرية
[4].
ب. تغيُّر طبيعة كل الكائنات [5-7].
ج. عدم الشبع [8].
د. ليس من جديد في الخليقة [9-10].
هـ. النسيان سمة كل العصور [11].
4. بطلان الحكمة البشرية
[12-18].
1. كاتب السفر:
"كلام الجامعة (كوهيليث) ابن داود الملك في أورشليم [1].
أنه سليمان؛ وإن كان لم يعرِّف نفسه بالاسم، لكنه هو ابن داود، الملك في أورشليم، الذي بسبب غناه وحكمته واهتمامه على مستوى العالم في ذلك الحين صارت له فرصة كبيرة لاختبار الحياة الزمنية، وتقديم هذه الخبرة لكل البشرية. ويلاحظ هنا[26]:
أ. أخفى اسمه "سليمان"، والذي يعني "سلامًا"، لأن الخطية قد حطمت سلامه الداخلي، وجلبت المتاعب لنفسه ولمملكته، كما حطمت سلامه مع الله، فلم يعد يستحق هذا الاسم. كأنه يقول: "لا تدعوني رجل سلام بل دعوني مُرًا" (را 1: 20).
ب. دعي نفسه "الجامعة"، لأن الله قد جمعه خلال التوبة إلى قطيعه المقدَّس بعد انحرافه كخروف ضال، الآن يرده عن التيه إلى الكنيسة المقدسة خلال المصالحة مع الله. أو لأنه يُقدم خبرته وحكمته العملية للبشرية، كي يرجع الكل إلى الكنيسة الجامعة. أما استخدامه "التأنيث" [الجامعة]، فربما توبيخًا لنفسه إذ تعلق بنساء غريبات، وبسببهن انحرف إلى العبادة الوثنية.
ج. يذكر أبوّة داود له لتوبيخ نفسه. أنه ابن ذاك القدِّيس العظيم صاحب المزامير قد تاه وانحرف. وربما أيضًا ليبعث في نفسه الرجاء، فقد سقط أبوه داود وقام، وبقيامه من الخطية حث الكثيرين على التوبة.
د. "الملك في أورشليم"، فقد أخطأ في حق الله الذي أقامه ملكًا، ولم يدعه معوزًا شيئًا. ومما يُضاعف خطيته أنه ملك على مدينة الله المقدسة أورشليم.
2. موضوع السفر:
"باطل الأباطيل قال الجامعة.
باطل الأباطيل الكل باطل.
ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟" [2-3].
كلمة "باطل" في العبرية hebel معناها أساسًا "نسمة" (إش 57: 13) أو "بخار"، كأن العالم كله خارج الله يشبه نسمة تخرج من أنف الإنسان أو بخارًا يخرج من فمه في يوم بارد، لا يعود يقتنيه أو ينشغل به، لأنه سرعان ما يتبدد في الهواء.
أنه يعني بكلمة باطل أن العالم زمني عابر وأنه بلا جدوى على المدى الأبدي. هنا لا يُقدم لنا راهب متوحد خبرته وأفكاره، وإنما ملك غني ذو جاه وله خبرات في كل جوانب الحياة في ذلك الوقت... حديث واقعي وعملي.
لقد أكد الكاتب في أكثر من موضع أن كل ما في العالم هو صالح ونافع بكونه عطية الله، لكن إساءة الإنسان استخدامه جعله باطلاً، إذ صار الذهن نفسه باطلاً" (أف 4: 17).
أنه لا يدفعنا إلى روح اليأس، لكنه يُطالبنا ألاَّ تُمتص أفكارنا في الأرضيات والزمنيات، وإلاَّ تكون هدفًا لنا في عبادتنا. بعبارة أخرى، الحياة من جميع جوانبها لا معنى لها ولا فائدة منها، سطحية وفانية، ما لم ترتبط بالله بحق، عندئذ فقط إذ تستند على الله وعلى كلمته تكون ذات قيمة.
v لماذا أنت مقيد بمحبة الأمور الوقتية؟
لماذا تجرى وراء الأمور التي لها المكانة الأخيرة، كأن لها الأولوية مع أنها باطلة وأكذوبة؟ فإنك تُريدها أن تقطن معك وهي عابرة كالظل[27].
القدِّيس أغسطينوس
v يدعو كل ما نراه ونصارع لأجله كحقيقة منظورة "باطلاً".
ما هو باطل ينقصه "الجوهر"، وما ينقصه "الجوهر" لا يحمل قوة![28].
القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص
v "باطل الأباطيل، الكل باطل". لنذهب إلى المقابر، أرني أباك، أرني زوجتك، أين ذاك الذي كان يرتدي ثيابًا مذّهبة؟ ذاك الذي كان يركب المركبة؟ ذاك الذي كانت له جيوش، والذي كانت له منطقة؟ وكان له مذيعون؟ ذاك الذي قتل هؤلاء وألقى بأولئك في السجن؟ الذي كان يميت من يشاء ويعفو عمن يشاء؟ إنني لست أرى إلاَّ عظامًا ودودًا وأنسجة عنكبوت، هذه كلها تراب ووهن وحلم وظل وعلاقة مجردة (واهية) وصورة، بل ولا تصل إلى صورة[29].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
أما غاية تأكيد بطلان هذا العالم فهو تدريب القلب لا على كراهية العالم بل بالأحرى على حب السماء والتمتع بالله الكلمة بكونه الأبدي المشبع للنفس:
v "الكل باطل، قال الجامعة"، كل ما في هذا العالم. لهذا من يرغب في الخلاص فليرتفع فوق العالم، وليطلب "الكلمة" الذي مع الله، هاربًا من هذا العالم، وتاركًا الأرض. فإنه لا يستطيع أحد أن يدرك ما هو موجود دائمًا، ما لم يهرب أولاً من هنا. لهذا السبب أيضًا إذ أراد الرب الاقتراب من الله الآب (وهو واحد معه) قال لتلاميذه: "قوموا، ننطلق من ههنا" (يو 14: 31)[30].
القدِّيس أمبروسيوس
v [على لسان السيِّد المسيح، كلمة الله المشبع للنفس]
أنا أبوك، وأخوك، وعريسك، ومنزلك، وثوبك، ومصدرك، وأساسك.
أنا كل ما تشتاق إليه؛ فلا تعتاز إلى شيء.
سأكون خادمك، فقد جئت لكي أخدِم، لا لكي أُخدَم.
أنا صديقك، عضو لك، رأسك، أخوك، أختك، أمك، وكل شيء بالنسبة لك... فقط كن صديقًا ليّ...
ماذا تطلب بعد؟
لماذا تصدّ ذاك الذي يُحبك؟
لماذا تتعب من أجل هذا العالم؟
لماذا تسحب ماءً بإناء راشح، لأن هكذا هو التعب من أجل الحياة الحاضرة؟
لماذا تغزل صوفًا في النار؟
لماذا تُصارع مع الهواء؟
لماذا تركض باطلاً؟
أليس لكل فن غاية؟ هذا واضح للكل؛ أما أنت فبلا هدف. باطل الأباطيل الكل باطل[31].
v لنصدقه ولنتمسك بالأمور التي ليس فيها ما هو باطل، بل ما هو حق؛ ما يتأسس على صخرة صلدة، وحيث لا توجد شيخوخة ولا انحراف، بل يكون كل شيء مزهرًا ومنتعشًا دون فساد أو قِدَم أو انحلال.
أسألكم أن نحب الله بعاطفة صادقة، ليس خوفًا من الجحيم، وإنما رغبة في الملكوت.
ماذا يمكن مقارنته برؤية المسيح؟ بالتأكيد لا شيء!
أية متعة ننالها من هذه الأمور الصالحة؟... "ما لم ترهَ عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبونه" (1 كو 2: 9)[32].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
v ليس من صار رفيق الملائكة واستأنس بأسرارهم ولم يرذل رفقة العالم.
v إن تركت مقتنياتك من أجله، تقتنيه في نفسك إلى الأبد[33].
ما أشهى رحيل محبيك إليك أيُها الطبيب، وما أصعب خروج محبي العالم منه، لأن أولئك لميراثهم ينتقلون، وهؤلاء عن الذي لهم يرحلون[34].
v من هو هذا الذي ذاق حلاوة ثمار شجرة الحياة ويُريد أن يجرى نحو ثمار العالم النتنة؟![35].
القدِّيس يوحنا سابا
السؤال الذي أثاره الكثيرون: لماذا يُدعى العالم باطلاً وهو من صُنع الله كلّيْ الصلاح؟ بمعنى آخر: هل يخلق الله الصالح أمرًا بلا نفع؟
يرى الله أن كل ما خلقه "حسن" أو "صالح" (تك 1: 10، 12، 18، 31)؛ لكن الإنسان وقد فسد ذهنه وطبيعته وبصيرته الداخلية أساء النظرة إلى العالم كما أساء استخدامه له، فصار العالم باطلاً. العالم الذي هو من صنع الله صالح، خُلق لأجل الإنسان ليعمل فيه ويبتهج... أما وقد تحطم الإنسان في طبيعته لم يعد يُحقق العالم غايته كخادم له.
v إن كانت (الخليقة) هي أعمال الله، فكيف تكون باطلة؟ إن النزاع في هذا الأمر كبير. ولكن اسمعوا أيها المحبوبين؛ ليست أعمال الله هي التي ندعوها باطلة، حاشا لله! السماء ليست باطلة؛ الأرض ليست باطلة، حاشا! ولا الشمس ولا القمر ولا الكواكب، ولا أجسادنا. كلا! فإن هذه جميعها حسنة جدًا (تك 1: 31).
إذن، ما هو الباطل؟ لنسمع الجامعة نفسه، إذ يقول: "غرست لنفسي كرومًا، اتخذت لنفسي مغنين ومغنيات، عملت لنفسي برك مياه، وكانت ليّ قنية بقر وغنم، جمعت لنفسي أيضًا فضة وذهبًا، فرأيت هذه كلها باطلة" (راجع جا 2: 4-8). كما يقول: "باطل الأباطيل الكل باطل" (12: 8). اسمع أيضًا ما يقوله النبي: "يذخر ذخائر ولا يدري من يضُمها" (مز 39: 6). مثل هذا باطل، مبانيك الفاخرة، وغناك الزائد جدًا وقطيع العبيد الذي يتدافع في الميدان العام، مجدك الباطل وأُبهتك، أفكارك المتشامخة، وتفاخرك؛ هذه كلها باطلة، فأنها ليست من يدّ الله إنما هي من عملك. ولماذا هي باطلة؟ لأنه ليس لها غاية نافعة[36].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
يُحدثنا القدِّيس يوحنا الذهبي الفم في مقاله: "لا يقدر أحد أن يؤذي إنسانا ما لم يُؤذِ الإنسان نفسه" عن مفهوم الصلاح في شيء من التوسع، موضحًا أن العالم بكل ما فيه ليس صالحًا في ذاته ولا شريرًا، إنما استخدام الإنسان له يُحوله إلى الصلاح أو الشر. فمن يستخدم المال في الشر، يكون بالنسبة له شرًا، ومن يسند به إخوته المحتاجين يكون بالنسبة له بركة الخ...
أخيرًا يرى القدِّيس أغسطينوس أنه يليق بالمؤمن أن ينقل ممتلكاته الزمنية إلى الحياة الحقة خلال الصدقة، إذ يقول: [يلزم التمسك بالحياة الحقة، فننقل غنانا إلى موضع الحياة الحقة، فنجد هناك ما قدمناه هنا. أنه (الله) يُتمم هذا التحويل لممتلكاتنا ذاك الذي صنع التحول لنفوسنا[37]]. السيِّد المسيح الذي أجلسنا في السمويات ينقل مالنا إلى السماء!
إن كان الإنسان بفساد طبيعته وذهنه وبصيرته الداخلية جعل العالم باطلاً، لكن يبقى الإنسان في عينيّ الله أثمن من العالم كله! "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!" (مت 16: 26). فقد خلق الله العالم لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل العالم. لهذا يليق بالإنسان في جهاده وتعبه سواء في حياته الخاصة أو الأسرية أو العمل أو في عبادته ألاَّ يحوّل نظره عن حياته الداخلية وشبعها بالله نفسه. لهذا يُحذرنا الجامعة من كل جهاد يفقد الإنسان فيه غايته، قائلاً: "ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟!" [3]. تعبنا في حياتنا اليومية وفي عبادتنا لن يقدر أن يُشبع النفس، ويكفّر عن خطيتها، ويشفي جراحاتها، ويُقدسها، ما لم نتكئ على صدر المخلص بالإيمان العملي ونطلب عمل روحه القدُّوس فينا.
v يُحسب بر الإنسان كلا شيء. عمل البشر، ما هو؟ تعبه كله باطل.
منك يارب، وبنعمتك تصير طبيعتنا صالحة. منك البر؛ فنصير نحن البشر أبرارًا. منك الرحمة والنعمة. فنتحول من التراب إلى صورتك.
أعطِ قوة لإرادتنا فلا نغرق في الخطية[38].
القدِّيس مار أفرام السرياني
مادمنا "تحت الشمس"، نخضع للتجارب ونُعاني من حرارتها (مت 20: 12). ولن ننتفع شيئًا من كل تعبنا، أما إن قبلنا شمس البر فينا فيحملنا فوق كل تجربة شريرة، ولا يقدر لهيب الشهوات أن يمس أعماقنا الداخلية. يحملنا شمس البر بروحه القدُّوس لتنعم النفس بعربون المجد الأبدي، فنقول: "أجلَسنا معه في السمويات" (أف 2: 6).
v يُشير بالتعب هنا [3] إلى حياة الجسد التي لا تطلب منافع في أي عمل صالح. إنها تقول: "ما الفائدة للإنسان؟"، أي ماذا تجتني النفس من كل تعب الحياة، وذلك في حياة الذين يعيشون فقط من أجل الكماليَّات[39].
القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص
3. شهادة الطبيعة:
يُقدم الجامعة أمثلة واقعية من الطبيعة تؤكد قصر الحياة الزمنية، وطبيعتها المتغيرة، وعجزها عن إشباع القلب، أنه ليس من أمر جديد بحق في الحياة بالرغم من التقدم والتطور، وأخيرًا فإن ما يناله الإنسان حتى من كرامة أو شهوة يُمحيه الزمن بالنسيان.
أ. قصر الحياة البشرية:
"دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد" [4].
يُظهر الجامعة أن فترة استمتاعنا بالأمور الأرضية قصيرة للغاية. فأنه إن كانت الأرض قد خُلقت لأجل الإنسان ولراحته، لكن يعيش الإنسان في جيل ينتهي معه ليحل محله جيل آخر، والأرض باقية حتى انقضاء الدهر.
v يبقى المائت مائتًا سواء كُرِّم أو لم يكرَّم... يقول الجامعة الحكيم: "الأرض قائمة إلى الأبد"، تخدم كل جيل، الجيل الأول فالتالي الذي يولد بعده عليها؛ أما البشر... فأنهم يأتون إلى الحياة بإرادة خالقهم دون أن يعرفوها، ويؤخذون منها قبلما يشتهون ذلك. ومع هذا بالرغم من هذا البطلان الشديد يظنون أنهم سادة الأرض[40].
القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص
ب. تغيُّر طبيعة كل الكائنات:
كل ما في العالم يتغير؛ فالشمس تشرق وتغرب ثم تعود فتشرق... وهكذا لا تتوقف الحركة. يتغير وضع الأرض بالنسبة للشمس فيحدث الشروق والغروب، الأمر الذي يتكرر يوميًا.
هكذا أيضًا الرياح تتحرك في مدارات معينة؛ وأيضًا المياه تتحرك إذ تتبخر فتصير سُحبا، ثم مطرًا، فأنهارًا وتعود إلى البحار والمحيطات لتتبخر من جديد!
تطلعنا إلى الطبيعة وما تحويه من تغيرات تمس كل الكائنات يكشف لنا عن طبيعة العالم أنه غير مستقر بل هو دائم التغيُّر، وبالتالي لن يبقى إلى الأبد. وكأنه لا يليق بالإنسان الذي يحمل في داخله شوقًا طبيعيًا نحو الخلود أن يرتبط بما هو متغير وفانٍ.
وربما أراد الكاتب أن يوضح بأن الإنسان الذي من أجله تتحرك الطبيعة أمامه، الكائنات كالكواكب والرياح والسحب، وهو في عجز؛ ماذا في يده؟!
ولعله أيضًا أراد أن يعلن بأن الطبيعة نفسها تتغير فالشروق يتبعه غروب فشروق الخ... بينما يعجز الإنسان عن التحرك، يولد ثم يموت ولا يقوم بعد على ذات الأرض! ما أعظم الإنسان الذي لأجله وُجد هذا الكون بكل قدراته وقوانينه المعروفة والخفية، وما أضعفه فأنه يصعب عليه أن يُغيّر حتى طبيعته الداخلية؟! عظيم هو الإنسان بالله الذي يهبه كل شيء، وضعيف للغاية في ذاته وحده!
v نرى في الشمس رمزًا لشروق طبيعتنا وغروبها. يوجد طريق واحد للجميع، توجد دائرة واحدة للكل في رحلة الحياة. بالميلاد نشرق، ثم ننحدر ثانية إلى مكاننا الطبيعي. وعندما نبلغ إلى غروب الحياة، ينحدر نورنا إلى أسفل الأرض... ما هو من الأرض يذوب بالكامل في عنصرها، وتستمر الدائرة في طريقها مرة ومرات[41].
القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص
ج. عدم الشبع:
"كل الكلام يقصر.
لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل.
العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع" [8].
هل يمكننا أن نتوقع الشبع لنفس على صورة الله بأمور زمنية فانية ومملوءة تعبًا؟! فإن الطبيعة بكل إمكانياتها لا تقدر أن تُشبع حتى الحواس من نظر أو سمع أو شم، فكيف يمكنها أن تُشبع الحياة الداخلية؟!
v نستيقظ كل يوم لنأكل ونشرب، ومع هذا لا يشبع أحد حتى لا يجوع أو يعطش بعد قليل.
نطلب الربح كل يوم، وليس للطمع حدود!
"العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع". من يحب الفضة لا تشبعه الفضة.
ليس للتعب حدود، ولا منفعة في الغنى[42].
القدِّيس أمبروسيوس
د. ليس من جديد في الخليقة:
مع ما ناله الجامعة من غنى وملذات متزايدة وشهرة ومجد، أدرك أنه ليس من جديد تحت الشمس. حقًا، تتطور الظروف الخارجية وإمكانيات الإنسان، لكن تبقى طبيعته وأيضًا أحاسيسه ودوافعه كما هي منذ خُلق الإنسان الأول. فما كان يثير غريزة الشاب في القرن الماضي قد يأنف منه الشاب المعاصر لكن تبقى طبيعة الغرائز في حياة الشاب كما هي عبر العصور، وإن اختلف شكل المثير. كل ما هو تحت الشمس لم يتغير، أما الجديد فهو ما فوق الشمس، أي التمتع بالحياة الجديدة التي لنا في المسيح يسوع شمس البر، فنسمعه يقول: "ها أنا أصنع كل شيء جديدًا" (رو 21: 5). نقول مع الرسول بولس: "إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة؛ الأشياء العتيقة قد مضت؛ هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17).
كثيرًا ما يشعر الإنسان بالحاجة إلى التجديد... يطلب ما هو جديد لمجرد أنه جديد، ويرفض ما هو قديم لمجرد قدمه. هذا الشعور ينبع عن حاجة داخلية تمس كيان طبيعته، لكنه عوض تجديد طبيعته بروح الله القدُّوس يطلب تجديدًا أو تغييرًا خارجيًا، كالموديلات الجديدة، والنظريات الجديدة، والتعبيرات الجديدة، فتجد الإنسان المعاصر يريد لو أمكن أن يجدد كل ما هو حوله، ليس فقط عمله أو بيته أو مدينته أو سيارته بل وأحيانًا الزوج أو الزوجة... يشعر بشيء من الملل فيطلب التجديد!
النفس التي ترتبط بالسيِّد المسيح عريسًا لها يقودها الروح القدس إلى التجديد المستمر في الفكر الداخلي، فلا تشعر بملل أو ضجر، بل تحيا متهللة بالروح كما في السماء، لا تمسها الشيخوخة ولا يصيبها قِدَم.
v بكون الله كاملاً صار إنسانا كاملاً، ودخل بكل ما هو جديد إلى الكمال؛ هذا هو الأمر الجديد الوحيد تحت الشمس، خلاله أعلن غنى قدرة الله الفائقة![43].
الأب يوحنا الدمشقي
هـ. النسيان سمة كل العصور:
"ليس ذِكر للأولين، والآخِرُون أيضًا الذين سيكونون لا يكون لهم ذِكر عند الذين يكونون بعدهم" [11].
يعيش الإنسان مشتاقًا أن يخلد ذكراه أو ذكرى أسرته، لكن العالم ينسى الأولين، أما نحن الآخرون فستنسانا الأجيال القادمة. إذن ما هو نفع الإنسان إن ركّز تعبه في اقتناء غنى العالم أو مجده؟ الغنى يزول، والمجد يُنسى! حتى مجرد الذكرى فالزمن كفيل أن يُحطمها.
4. بطلان الحكمة البشرية [12-18]:
قدم الجامعة براهين من واقع الطبيعة عن بطلان العالم من جهة زواله، وعدم استقراره، وعجزه عن إشباع الإنسان الداخلي أو تجديد الطبيعة الإنسانية الفاسدة، موضحًا أن الزمن يُفقد الإنسان حتى شهرته أو مجده الذي بذل كل الجهد لاقتنائه. الآن وهو ملك عظيم لا يعوزه شيء يسعى وراء الحكمة البشرية، فاحصًا بالحكمة ما يدور في العالم لتكون له معرفة وعلم... إذا به يصل إلى خبرة سلبية غير مُشبعة.
أ. "أنا الجامعة كنت ملكًا على إسرائيل في أورشليم.
وجّهتُ قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عُمل تحت السموات" [12-13].
وجه قلبه للسؤال والتفتيش بالحكمة، عوض رفع القلب إلى الله يطلب الحكمة السماوية (يع 1: 5). كان يلزمه الدخول في حوار مع الله الذي وحده يهب الحكمة السماوية البنَّاءة، عوض الحوار مع نفسه خارج دائرة الله، لينال حكمة بشرية عاجزة عن إشباع نفسه... "لأن في كثرة الحكمة الغم، والذي يزيد علمًا يزيد حزنًا" [18].
حكمة الله تكشف عن ضعفاتنا، لكنها تهبنا رجاءً، وتقدم لنا إمكانيات للعمل، أما الحكمة الإنسانية، فأنها وإن أظهرت الضعفات لكنها تدخل بنا إلى الغم واليأس: من يُجدد طبيعتي التي اكتشفت فسادها؟ من يقدر أن يُصلح ظروفي الداخلية والخارجية؟ من يُحرك العالم لبنياني؟ يقول الجامعة: "الأعوج لا يمكن أن يقوَّم، والنقص لا يمكن أن يُجبر" [15]... شعور مرّ بالعجز الكامل عن الإصلاح.
v لا يقدر الإنسان العنيد أن يصير فاضلاً (بحكمته)، ولا الفاسد أن يصير مُعتبرًا... يمكن أيضًا أن نفهم العبارة [15] هكذا: يوجد في هذا العالم شر عظيم هكذا، حتى أنه من الصعب العودة إلى الحالة الأصلية من الإصلاح. إنه ليس بالأمر السهل العودة إلى ما كان علية (الإنسان) في خلقته الأولى من كمال ونظام، إنما بالندامة يمكن إعادة الاستقامة إلى كل شيء، لكن يبقى الشيطان مقاومًا في خطئه[44].
القدِّيس جيروم
هنا يليق بنا التمييز بين الالتجاء إلى الحكمة البشرية وحدها، والاتكال على الخبرة الإنسانية المجردة، وبين تقدِّيس الفكر الإنساني والخبرات البشرية بعمل الله. لهذا لا نعجب إن رأينا القدِّيس أكليمنضس الإسكندري يؤمن بأنه لا عداوة بين الإيمان والفلسفة، فالأخيرة ليست عملاً من أعمال الظلمة كما يظن البعض، إنما هي تحمل حقًا جزئيًا، يحتاج إلى الكمال والتنقية من كل ما دخل إليه من شوائب خلال عمل الإيمان[45]. أما الآباء الذين هاجموا الحكمة الإنسانية إنما هاجموا الاتكال عليها خارج دائرة الله.
v في ظني كلّ إنسان عاقل يُفكر بأن العلم هو الأمر الرئيسي من بين كل ما هو حسن... علينا أن نحتفظ بما يمكنه أن يساعدنا على التأمل في الحق، متجنبين كل ما يؤدي إلى الشر والخطأ والهلاك[46].
v من الضروري أن نستعمل التمييز في التربية بطريقة نختار فيها العلم المفيد ونتجنب كل ما هو ضرر وشؤم[47].
v علينا أن نبتدئ بقراءة الفكر الدنيوي لنرتفع بعده إلى المقدسات وأسرار الإيمان... فإذا كان هناك موافقة بين هذه الثقافة وعقائدنا، كانت معرفتها من الإفادة بمكان كبير، وإلاَّ فالمقارنة في الحالة العكسية من شأنها أن تثبت اعتقاداتنا الصحيحة[48].
القدِّيس باسيليوس الكبير
لنطلب الحكمة التي تمتزج بالاتضاع والتي تتفق مع روح الإيمان، أما الحكمة النابعة عن كبرياء الإنسان واعتداده بذاته واعتزاله خالقه فهي عائق... يدعوها الآباء "حكمة هذا العالم".
v ليس من هو حكيم بالمعرفة إلاَّ الذي رفع عنه حكمة هذا العالم[49].
v حقِّر حكمتك وأرذلها، لتحل فيك حكمة الرب.
القدِّيس يوحنا سابا
ب. إن كان الله قد منح الإنسان اشتياقًا لطلب الحكمة وبحث كل الأشياء، فإن هذه الحكمة قد كشفت للجامعة أن الحياة التي قدمها له الله هي عناء رديء [13]؛ إذ يتساءل الكثيرون: لماذا أوجدنا الله في عالم مملوء شقاءً؟
لم يخلقنا الله لنعيش في عالم الشقاء والعناء، لكن إساءة استخدام العالم وإساءة النظرة إليه أفسدت حياتنا وشوهت صورة العالم في أعيننا.
"رأيت كل الأعمال التي عُملت تحت الشمس فإذا الكل باطل وقبض (انقباض) الريح" [14].
ماذا يعني "قبض الريح"؟ يُترجمها البعض "يُصارع مع الريح" أو "يقتات بالريح"، أي أن التقوُّت بالطعام ليس بذي قيمة كالريح، أو أن النفس في جوعها تمسك بكل ما هو حولها في العالم لتأكله، فإذا بها تأكل ريحًا، هذا يُشير إلى فقدان هدف الأنشطة البشرية وعُقْمها وعجزها عن تقديم شبعًا حقيقيًا داخل الإنسان أو إصلاحًا وعلاجًا داخليًا. ويرى القدِّيس أغسطينوس[50] أن انقباض الريح يُشير إلى الكبرياء الباطل الذي يسقط فيه الإنسان بطلبه الأمور الوقتية.
هذا ما بلغ إليه الجامعة خلال الحكمة والمعرفة التي نالها كملك إسرائيل، وقد اعتادت الشعوب المجاورة أن تقول: "هذا الشعب العظيم إنما هو شعب حكيم وفطن" (تث 4: 6). وقد عُرف سليمان بالحكمة، إذ يقول: "أنا ناجيت قلبي قائلاً: ها أنا قد عظُمت ازددت حكمة أكثر من كل من كان قبلّي على أورشليم، وقد رأى قلبي كثيرًا من الحكمة والمعرفة" [16].
ج. يُقدم لنا الجامعة خبرته وهو يسعى وراء الحكمة والعلم والمعرفة، أعظم ما في العالم، "لأن في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد علمًا يزيد حزنًا" [18]. هنا لا يُهاجم الحكمة أو العلم إنما يعلن عن عجزهما عن تحقيق السعادة والفرح للإنسان. فبالحكمة والعلم كما سبق فقلنا يكتشف الإنسان حاجته إلى أمور كثيرة يعجز عن بلوغها فيمتلئ حزنًا. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [كلما اشتقت إلى الكثير ولا أجده هنا، أما يزداد بالأكثر حزني لأجله حتى يتحقق؟ أما أبكي بالأكثر حتى يتم ما أطلبه؟![51]]. كما يقول: [بنواله هذه المعرفة يقتني حزنًا أيضًا. وذلك لعجزه عن تحقيق الرغبة في بلوغ وطنه اللائق، وخالقه، وإلهه المبارك[52]]. ويقول القديس غريغوريوس النزيانزي: [يقول سليمان: قلت أكون حكيمًا، لكن (الحكمة) كانت بعيدة عني كل البعد. بالحق من يزداد معرفة يزداد غمًا. فإن الفرح الذي ينبع عما نكتشفه ليس بأعظم من الألم بسبب ما (لا نناله بل) يهرب منا؛ إنه ألم أتخيله كذاك الذي يشعر به الذين يُسحبون من المياه وهم ظمأى، أو الذين يعجزون عن بلوغ ما يظنونه ممسكين به، أو كمن يُترك فجأة في ظلمة بسبب انبعاث نور مبرق سريع[53]].
هذا هو عمل الحكمة أعظم ما نقتنيه هنا، فماذا تكون بقية أمور العالم؟ إننا في حاجة إلى "حكمة الله" الذي وحده يقدر أن يشبع النفس، لا إلى الحكمة الزمنية الأرضية.
"نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سرّ، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا" (1 كو 2: 6-7).
"ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله، وبرًا وقداسةً وفداءً" (1 كو 1: 30).
إذن لنقتني مسيحنا في داخلنا، هو الحكمة الحق، وهو وحده القادر أن يُخلص نفوسنا ويشبعها وينميها ويمجّدها!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
آية (1):- "1كَلاَمُ الْجَامِعَةِ ابْنِ دَاوُدَ الْمَلِكِ فِي أُورُشَلِيمَ: "
كلام الجامعة= هو سليمان الملك. ومعنى اسم سليمان هو "سلام". وفهمنا معنى كلمة الجامعة، ولكن هو أخفى اسمه، فالخطية التي عاشها فترة طويلة حطمت سلامه الداخلي فكيف يسمى نفسه سلاماً وهو في حزن وقلق، بل هو جلب المتاعب لنفسه ولمملكته. واستخدم اسم الجامعة لأن الله ضمه بعد توبته لكنيسته الجامعة، وهو يعظ بخبراته كل الكنيسة الجامعة. ابن داود الملك= هو يذكر بنوته لداود لسببين [1] يوبخ نفسه أن ابن ذلك القديس العظيم قد تاه وإنحرف [2] ليبعث في نفسه الرجاء أنه كما قبل الله توبة داود سيقبل توبته. في أورشليم= هذه أيضاً توبيخ لنفسه فهو بخطيته أخطأ في حق أورشليم مدينة الله والتي أقامه الله ملكاً على شعبه فيها بعد أن أحسن إليه وأحبه، وصار قدوة سيئة لشعبها.
آية (2):- "2بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ. "
باطل الأباطيل= باطل= hebel معناها بخار أو شئ فاني، أو نسمة. كأنه يشبه العالم بنسمة تخرج من فم الإنسان أو بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. وقوله باطل الأباطيل هو للتشديد أي أعظم الأباطيل مثل قوله نشيد الأناشيد بمعنى أحلى الأناشيد. وكلمة باطل تشير لأن العالم زمنى عابر وبلا جدوى على المدى الأبدي. والعالم هو باطل إذا كان الإنسان في استخدامه للعالم بعيداً عن الله، ولو لم يكن هناك حياة في العالم الآخر لكانت حياتنا عدم ولا شئ (مز47:89). وما جعل العالم باطل هو إساءة استخدام الإنسان له. والحياة الروحية مع الله لا تتطلب كراهية العالم بل حب السماء والتمتع بالله المشبع للنفس وهذا لا يمنع من أن نستخدم العالم ولكن لا يكون هو هدفنا وشهوتنا. بل لا يكون هو محور تفكيرنا، فلو إنشغلنا فيه وبه لن ندرك الله السماوي، ولكي ندرك الله السماوي علينا أن نهرب أولاً من العالم. لماذا؟ الله خلق العالم حسن وصالح، ولكن الإنسان وقد فسد ذهنه وطبيعته وبصيرته الداخلية أساء النظر للعالم وأساء استخدامه فصار باطلاً. الله خلق العالم خادماً للإنسان فحول الإنسان نفسه خادماً للعالم، وصار يسعى للمجد الباطل والأفكار المتشامخة. فالعالم ليس شراً في نفسه ولكن استخدام الإنسان يحول الشئ إلى خير أو إلى شر.
آية (3):- "3مَا الْفَائِدَةُ لِلإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ تَعَبِهِ الَّذِي يَتْعَبُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ؟ "
سبق سليمان وقال في (أم23:14) "في كل تعب منفعة" فهل هناك تناقض مع هذه الآية، حين يقول ما الفائدة للإنسان من كل تعبه؟! قطعاً لا يوجد تناقض لمن يفهم غرض السفر. ففي سفر الأمثال يكلم الكسلان ليتحرك ويعمل ويجتهد، وهنا يكلم من يعمل ويجتهد وهو يظن أنه سيعيش للأبد، ويقول لمثل هذا، أنت لن تنتفع بكل ما تعمل تحت الشمس أي في هذا العالم بعد موتك، كل مكاسبك المادية (ثروة وعظمة .. ) لن تنفعك بعد موتك .. إن لم يكن هدفك في كل ما تعمل مجد الله. فلنعمل ونكسب وهدفنا مجد الله. فأنا لابد وسأموت وسيأتي الحساب. والمكاسب المادية ليست دائمة ولا تعطينا اللذة الحقيقية. فتعبنا في حياتنا اليومية لن يشبع النفس ما لم تكن لنا جلستنا اليومية مع الله ونطلب أن يعمل روحه القدوس فينا ويشترك معنا في كل عمل. وهذه هي أهمية وصية حفظ السبت، نعمل 6 أيام واليوم السابع هو لله لنذكر أبديتنا ونرتاح في علاقتنا بالله.
الآيات (4-11):- "4دَوْرٌ يَمْضِي وَدَوْرٌ يَجِيءُ، وَالأَرْضُ قَائِمَةٌ إِلَى الأَبَدِ. 5وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ، وَالشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَتُسْرِعُ إِلَى مَوْضِعِهَا حَيْثُ تُشْرِقُ. 6اَلرِّيحُ تَذْهَبُ إِلَى الْجَنُوبِ، وَتَدُورُ إِلَى الشَّمَالِ. تَذْهَبُ دَائِرَةً دَوَرَانًا، وَإِلَى مَدَارَاتِهَا تَرْجعُ الرِّيحُ. 7كُلُّ الأَنْهَارِ تَجْرِي إِلَى الْبَحْرِ، وَالْبَحْرُ لَيْسَ بِمَلآنَ. إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَرَتْ مِنْهُ الأَنْهَارُ إِلَى هُنَاكَ تَذْهَبُ رَاجِعَةً. 8كُلُّ الْكَلاَمِ يَقْصُرُ. لاَ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْكُلِّ. الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ. 9مَا كَانَ فَهُوَ مَا يَكُونُ، وَالَّذِي صُنِعَ فَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ. 10إِنْ وُجِدَ شَيْءٌ يُقَالُ عَنْهُ: «انْظُرْ. هذَا جَدِيدٌ!» فَهُوَ مُنْذُ زَمَانٍ كَانَ فِي الدُّهُورِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَنَا. 11لَيْسَ ذِكْرٌ لِلأَوَّلِينَ. وَالآخِرُونَ أَيْضًا الَّذِينَ سَيَكُونُونَ، لاَ يَكُونُ لَهُمْ ذِكْرٌ عِنْدَ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَعْدَهُمْ."
يقدم الجامعة أمثلة واقعية من الطبيعة تؤكد أن الكل باطل والأمثلة:-
1) قصر الحياة الزمنية. 2) الحياة الزمنية طبيعتها متغيرة 3) هي تعجز عن إشباع القلب.4) لا جديد بحق في الحياة 5) كل ما يناله الإنسان حتى من كرامة أو شهرة يمحيه الزمن بالنسيان.
ففي آية (4) نرى أن فترة استمتاعنا بالأمور الأرضية قصيرة للغاية، فجيل يعيش ثم ينتهي ليأتي محله جيل آخر، نحن بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل. ولاحظ قوله إلى الأبد= أي لمدة طويلة تستمر حتى اليوم الذي ستحترق فيه الأرض، ونلاحظ تفاهة الإنسان، فهو يذهب سريعاً بينما الأرض المادية قائمة لا تذهب. وفي الآيات (5-7): نجد هناك دورات للطبيعة فالشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق والريح تأتي ثم تختفي ثم تعود وهكذا، هي تختفي من مكان لتظهر في مكان آخر، تتحرك في مدارات معينة، وأيضاً المياه تتحرك إذ تتبخر فتصير سُحباً ثم مطراً فأنهاراً وتعود للبحار لتتبخر من جديد. فالظروف الطبيعية حولنا تتغير، ولكن بينما الظواهر الطبيعية تختفي لتأتي وتظهر ثانية فالإنسان يختفي بالموت ولا يظهر ثانية. فحالته أسوأ وأضعف من الطبيعة (هذا من ناحية الصورة الراهنة، ولكن ربما تحمل هذه الصورة رجاءً في القيامة، فإذ يختفي الإنسان بالموت فإنه سيظهر ثانية بعد القيامة، ولكن هذا الإيمان لم يكن واضحاً تمام الوضوح في العهد القديم) ونفهم أيضاً من صورة التغير في العالم حولنا واضطرابه، أنه عالم مضطرب فهل نتمسك به؟ ولأن الإنسان يذهب ولا يعود احتجنا لمخلص ليعطينا حياة أبدية.
وفي آية (8) كل الكلام يقصر= وفي ترجمة أخرى "جميع الأشياء مرهقة" أي كل شئ متعب ويقصر عن إشباع القلب. فالنفس المخلوقة على صورة الله لن تشبع بأمور زمنية فانية بل مملوءة تعباً. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل= في ترجمة أخرى "لا يستطيع إنسان أن يعبر عنها". والمفهوم أن سليمان يشعر بكل أحاسيس الناس وتعبهم وألامهم وعدم شبعهم ومعاناتهم، فالعالم حولهم يتغير ويعود لكن الانسان يموت ولا يعود ،وهذا شئ مؤلم ، بل هم في تعب لا يمكن التعبير عنه. العين لا تشبع من النظر= فكل ما في العالم لا يعطي شبعاً، الحواس لا تشبع، فإذا كانت الحواس لا تشبع من العالم، فكيف يشبع العالم الحواس الداخلية والحياة الداخلية. بل الحواس تمل بعد وقت مما تراه، النفس تطلب الآن شيئاً جديداً وتشتهيه وبعد أن تحصل عليه تمل منه ثم تطلب الجديد ثم تمل. والعكس في السماء، فسيكون شعورنا بأن كل شئ جديد، أي نفرح به ولا نمل منه، وهذا معنى أنه سيكون لنا ترنيمة جديدة (رؤ3:14)، أي هي دائماً جديدة ودائماً مشبعة (راجع 2كو17:5 + مز3:40 + رؤ5:21 + إش19:43). الإنسان يسعى وراء الشبع من الأمور المادية ولكن الشبع لن نجده في هذا العالم. وفي الآيات (9،10) نرى أن ظروف الإنسان الخارجية وإمكانياته تتغير ولكن طبيعته وأحاسيسه ودوافعه وغرائزه تبقي كما هي لا تتغير، كل ما هو تحت الشمس لا يشبعه ولا يجد فيه جديداً، يسمع عن شئ جديد فيشتهيه ويفرح به ثم يمل منه، كالطفل يشتهي لعبة جديدة يفرح بها لدقائق ثم يلقيها ويمل منها. وكثيراً ما يشعر الإنسان بالحاجة إلى التجديد، فيطلب ما هو جديد لمجرد أنه جديد ويرفض ما هو قديم لمجرد قدمه، فيجري وراء الجديد كالموديلات الجديدة والتعبيرات الجديدة ولكنه لا يحس بالإكتفاء وسريعاً ما يعود للملل. أما النفس التي ترتبط بالسيد المسيح عريساً لها يقودها الروح القدس إلى التجديد المستمر في الفكر الداخلي، فلا تشعر بملل أو بضجر، لذلك يطلب بولس الرسول تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم .. (رو2:12). ومثل هذا يحيا متهللاً بالروح كما في السماء ومثل هذه النفس لا تمسها الشيخوخة. وفي (11) نرى كيف ينسى العالم الأولين ونحن سوف تنسانا الأجيال القادمة، فماذا ينتفع الإنسان لو ركز اهتمامه على جذب أنظار الناس.
عموما فان فكرة سليمان انه لاشئ جديد هي حقيقة فان الانسان لايخلق شيئا جديدا بل يكتشف ما سبق الله وخلقه , الانسان يكتشف لقوي الطبيعة التي خلقها الله.
الآيات (12-18):- "12أَنَا الْجَامِعَةُ كُنْتُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ. 13وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِلسُّؤَالِ وَالتَّفْتِيشِ بِالْحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ مَا عُمِلَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ. هُوَ عَنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ لِبَنِي الْبَشَرِ لِيَعْنُوا فِيهِ. 14رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. 15اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ. 16أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي قَائِلاً: «هَا أَنَا قَدْ عَظُمْتُ وَازْدَدْتُ حِكْمَةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَقَدْ رَأَى قَلْبِي كَثِيرًا مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ». 17وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ هذَا أَيْضًا قَبْضُ الرِّيحِ. 18لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا."
هنا نجد سليمان يقدم برهانين آخرين لإثبات أن الكل باطل
[1] اختباره الشخصي [2] أشياء يتوهم الناس أنها فيها سعادة للبشر والعكس صحيح مثل المعرفة.وفي (12) كنت ملكاً= الفعل في العبرية يعني كنت ولا أزال ملكاً، وهو استخدم هذا الأسلوب للتواضع بمعنى أنا غير مستحق لهذا المركز فبعد سقوطي أنا الآن لست سوى واعظ يحذركم من سلوك نفس الطريق الذي سلكته. فمع كوني جامعة أي جامع كل الحكمة وكوني ملكاً على أورشليم فأنا سقطت وتعذَّبت. وما زاد حزني أنني في وقت سقوطي كنت ملكاً على شعب الله في مدينة الله.
وفي (13) وجهت قلبي للسؤال= هذا سبب حيرة سليمان في هذا السفر، فالله أعطاه حكمة، هذا حقيقي، ولكنه عوضاً عن أن يرفع قلبه لله يطلب أن يكشف له الله عن أسئلته،" ومن يعوزه حكمة فليسأل..."( يع 1 : 5 ) أجهد نفسه وأجهد عقله بالإنفصال عن الله، هو حاول بأمانة أن يعرف ويدرس وهو مشهوداً له في الكتاب بنجاحه في علوم الدنيا، ولكنه عوضاً عن الدخول في حوار مع الله واهب الحكمة السماوية استغل حكمته الدنيوية وعلمه في حل مشكلات لا يقوى عقل الإنسان مهما إزدادت معرفته على الغوص فيها، بل كلما تعمق فيها اكتشف ضعفه وعجزه وإزداد غمه، أما حكمة الله فهي تكشف عن ضعفاتنا، لكنها تهبنا رجاءً فلا نيأس ولا نغتم. ولكن سليمان ضل سبيله بسبب خطيته، فالخطية تمنع عني حكمة الله فلا شركة للنور مع الظلمة. (وهو في تعبه قال هو عناء ردئ جعلها الله لبني البشر ليعنوا فيها= هو رأى آلام الإنسان ولحكمته البشرية العجيبة رأي ما لا يراه الإنسان العادي فإكتأب وظن أن الله خلق الإنسان ليتألم عقلياً وجسدياً ونفسياً. والواقع أن الله لم يخلقنا لنعيش في عالم الشقاء والعناء،والالم كان نتيجة لخطية آدم،ويضاف لذلك إساءة استخدام العالم وهذا أفسد حياتنا، ولكن من يحيا لمجد الله ناظراً للسماء حتى وإن وقعت عليه نفس الآلام فالله يعطيه سلاماً يفوق العقل وتعزية وفرح لا ينزعه أحد. ( ونسمع في القداس حولت لي العقوبة خلاصاً). ونحن نحيا الان 1) لنتمم عملا خلقنا. لنعمله ( اف 2 : 10 ) 2) خلال فترة حياتنا علي الارض يتمم الله تنقيتنا 3) لنا رجاء في ختام هذه الحياة ان نذهب للراحة ثم المجد .
وفي (14) رأي سليمان عجز كل الأنشطة البشرية على الأرض وعقمها عن تقديم شبع حقيقي للنفس أو إصلاح وعلاج النفس داخلياً.
وفي (15) الأعوج لا يمكن أن يقوَّم= هذا شعور مُّر بالعجز عن الإصلاح، وهذا حقيقي، لكن المسيح جاء ليصلح ما عجزت البشرية عن حله وعن إصلاحه. لقد اكتشف سليمان هنا أن الإنسان أعوج وناقص بسبب خطيته، لن تكمله حكمة بشرية مهما سمت ولا معرفة مهما إزدادت.وفي (16،17): نرى سليمان في حكمته البشرية التي إزدادت عن كل إنسان وأنه إنكب بجدية على الدراسة والقراءة لزيادة معرفته وحكمته وعلمه. ولكنه سعى إلى هذا بعيداً عن الله فتعب.
وفي (18) وجد أنه في زيادة معرفته وحكمته إزداد غماً. ومن المؤكد أن هذه الآية ليست دعوة للجهل. ولكن سليمان هنا يعلن أن الإنسان الذي يعلم أكثر يتألم أكثر، فكلما عرفنا عن الناس أكثر وعن آلامهم سنتألم وكلما عرفنا عن شرورهم سنتألم وكلما عرفنا عن خداعاتهم سنتألم وكلما عرفنا حقيقة قلوبنا سنحتقر أنفسنا، وكلما عرف الإنسان جهله السابق وخطاياه السابقة سيخجل من نفسه، فكلما إزداد علمه اكتشف جهله السابق وأخطاء شبابه. وكلما إزداد علمه إزداد احتياجه للمعرفة وتعطشه بالأكثر للمعرفة وبأن كل ما يعرفه ما هو إلا قشور. وكلما إزداد الإنسان علماً إزداد إحساساً بالعجز وقلة الحيلة أمام هذا الكم الهائل من المشكلات والآلام التي يعجز عن حلها بإمكانياته مهما إزدادت حكمته. وكلما أزدادت حكمته سيقارن بينه وبين الجهلاء وسيجد أن الموت سيأتي ويسوى بينهما ما الفائدة من كل معرفته. بل كلما زادت معرفتنا الروحية إزداد حزننا لعجزنا عن تحقيق المثاليات التي عرفناها.
عموماً هو لا يهاجم الحكمة والعلم والمعرفة بل يعلن عن عجزهم عن تحقيق السعادة والفرح للبشر. بل حتي المعلومات الروحية لا تعطي فرحا ان لم يصاحبها عشرة حب مع الله ولكن ان اقتصرت علي الجدال ، يدخل الكبرياء وتضيع التعزيات ويزداد الغم . والكتاب المقدس عموماً لا يحرمنا من العلم على ألا يحرمنا العلم من الإتكال على الله وعشرة الله التي تعطي سلاماً للنفس. والكتاب يقول " هلك شعبي من عدم المعرفة" ( هو 4 : 6 ) فالعالم العظيم أو الفيلسوف لن يكون سعيداً إن لم يكن قديساً. فمن له عِشْرَةْ وحياة مع الله سيعطيه سلاماً يفوق عقله المرهق المكدود من البحث والكد. وسيعطيه صبراً على ما سيعرفه ويكتشفه من أحزان وسيعطيه رجاءً في أن الله ضابط الكل هو المسيطر على الأحداث المضطربة التي لا يستطيع هو أن يضبطها. فهناك فرق بين من يبحث ويعمل مستقلاً عن الله وبين من يعمل ويبحث في شركة مع الله. من يعمل بالانفصال عن الله مهما زادت حكمته فهو محدود، ولكن من يعمل في شركة مع الله ينطلق إلى اللا محدودية لذلك تصلي الكنيسة اشترك يا رب في العمل مع عبيدك في كل عمل صالح "أوشية المسافرين" ولأن سليمان اعتمد على حكمته تألم وتعب وظل يجول باحثاً إلى أن اهتدى في نهاية السفر.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح