كلمة منفعة
ظَنَّ إيليا النبي في وقت ما، أنه الوحيد الذي يعبُد الرب، وقال له "وبقيت أنا وحدي لأعبدك"، فرد عليه الرب أنه توجد سبعة آلاف ركبة لم تنحن للبعل.
— أنا وحدي
سفر الجامعة 12
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني عشر
الأصحاح الثاني عشر
الجهاد المبكر
قدم لنا سليمان الحكيم صورة حيَّة للجهاد بقوة الروح في حكمة ومحبة عملية، وقد كشف عن عذوبة هذا الجهاد وبهجته في حياة الإنسان لكي يبدأه في شبابه دون تأخير. الآن يختم عمله بِحثّ الشباب على الجهاد الروحي، معززًا ببراهين يستنتجها من متاعب الشيخوخة.
1. اذكر خالقك في أيام شبابك [1].
2. ضعف الشيخوخة ومتاعبها [2-8].
3. إمكانية التغلُّب على البطلان [9-14].
1. اذكر خالقك في أيام شبابك:
إن كان العالم قد صار باطلاً بسبب فساد الإنسان وحياته، فإنه يليق بالإنسان أن يرتبط بالله منذ شبابه حتى لا تخدعه الأباطيل ولا يرتبك بهمومه... وقد سبق فتحدث عن البواعث التي تدفع الشاب للتمتع بالشركة مع الله (11: 7-10)، خاصة حياة الفرح الحقيقي. ربما يقول شاب: لماذا لا انتظر حتى الشيخوخة؟ فيجيبه الجامعة، قائلاً:
"قبل أن تأتي أيام الشر،
أو تجيء السنون إذ تقول ليس ليّ فيها سرور" [1].
قد تحل أيام الشر مبكرًا، كأن يفقد الإنسان وعيه فيخسر إمكانية التوبة والرجوع إلى الله، وقد يُباغته الموت المبكر فجأة؛ أو قد تحل سنون الشيخوخة فيفقد الإنسان عذوبة الحياة... إنه يدعونا للرجوع الفوري إلى الله لنختبر حلاوة العشرة معه.
يقول المرتل: "اللهم قد علمتني منذ صباي، وإلى الآن أُخبر بعجائبك، وأيضًا إلى الشيخوخة والشيب يا الله لا تتركني حتى أُخبر بذراعك الجيل المقبل وبقوتك كل آتٍ" (مز 71: 17-18).
2. ضعف الشيخوخة ومتاعبها[230]:
يصف الجامعة انحلال الشيخوخة وعاهاتها بتعايير وصفية يصعب إدراكها الآن،
لأنها لم تعد تستخدم، لكنها بوجه عام تكشف عن انزعاج الحكيم سليمان من أيام الشيخوخة. قدم هذا الوصف ليوضح أن الإنسان يفقد الكثير من حيويته في شيخوخته، فأنه وإن تاب لا يحمل إمكانية عمل الشاب وجهاده وتمتعه بعذوبة الحياة الروحية المبكرة.
أ. "تظلم الشمس والنور والقمر والنجوم" [2]. إذ يكاد الإنسان في شيخوخته أن يفقد بصره فيظن النور ظلامًا، ويبدو له كأن الكواكب قد أسدل عليها السحاب الستار.
ربما يقصد هنا بالشمس والنور... أن الإنسان في شيخوخته يشعر أنه فقد بهجة الحياة وجمالها، فصارت له الشمس ظلامًا...
إذا ما أُصيب إنسان بشيخوخة روحية لا تُعاين بصيرته شمس البر، ولا يشرق عليه النور الإلهي، ولا يتلمس مفهوم الكنيسة الحق كقمر يستنير بالمسيح، ولا ينتفع بالشركة مع القدِّيسين بكونهم كواكب منيرة.
ب. "وترجع السحب بعد المطر" [2]. تُشير السحب هنا إلى كثرة التجارب التي تحل بالإنسان في شيخوخته من آلام وأمراض. أنها كالسحاب الذي يهطل مطرًا ليعود مرة أخرى فثالثة الخ...
من يصاب بشيخوخة روحية يشعر بجفاف يُسبب له سقطات متوالية.
ج. "في يوم يتزعزع فيه حفظة البيت وتتلوى رجال القوة" [3]. يُشير ذلك إلى ضعف الهيكل العظمى واِنهيار الجهاز العصبي، فلا يقوى الشيخ على مواجهة المتاعب الصحية الجسدية والنفسية.
في الشيخوخة الروحية حيث يُحرم الإنسان من قيادة روح الله المجدد مثل النسر شبابنا، يدخل الإنسان إلى اليأس، فيصير منها القوى، أشبه ببيت بلا حراسة أو جيش بلا قوة! ينهار أمام التجارب وعواصفها!
د. "وتبطل الطواحن لأنها قلَّت" [3]. تتساقط الأسنان التي تقوم بمضغ الطعام وطحنه، فيعجز حتى عن التمتع بكثير من أنواع الأطعمة.
في الشيخوخة الروحية لا يختبر الإنسان كلمات المرتل: "وجدت كلامك حلو فأكلته"، لأنه بلا أسنان روحية تقدر أن تتمتع بالطعام الروحي وتقتات عليه.
هـ. "وتظلُم النواظر من الشبابيك" [3]. أي تضعف حواس الجسد، فلا يتجاوب الشيخ مع ما يحوط به.
في الشيخوخة الروحية تفقد الحواس الداخلية قدسيتها وتظلم، فلا تُعاين السمويات، ولا تشتم رائحة المسيح الذكية، ولا تعرف كيف تنطق مع السمائيين بالتسابيح العلوية...
و. "وتغلق الأبواب في السوق" [4]. يعجز الشيوخ عن الخروج من منازلهم حتى لشراء طعامهم الرئيسي الضروري، وكأن أبواب السوق قد أغلقت أمام وجوههم.
في الشيخوخة الروحية يكمن الإنسان في "الأنا"، ليجد أبواب السماء مغلقة أمامه بسبب انغلاق قلبه من نحو الله والناس. يصير كمن دفن وزنته في التراب ولم يتاجر بها.
ز. "ويقوم لصوت العصفور" [4]. بسبب تعبهم العصبي وقلة الحركة طوال اليوم لا يحتملون صوت عصفور فيقومون من نومهم، علامة فقدانهم الراحة الداخلية في الرب تحت أعذار واهية كزقزقة عصفور.
ح. "وتُحط كل بنات الغناء" [4]. لا يشاركون الغير أفراحهم بسبب تعبهم، إشارة إلى الحرمان من شركة التسبيح والفرح مع السمائيين.
ط. "وأيضًا يخافون من العالي" [5]. لا يسكنون الأدوار العليا لئلا يسقطون أثناء صعودهم أو نزولهم، إشارة إلى الاستكانة الروحية، وعدم الرغبة في النمو الروحي ورفع القلب الدائم إلى الأبد.
ى. "وفي الطريق أهوال" [5]. يعيشون في خمول، لا يريدون الحركة، إشارة إلى عدم الرغبة في الجهاد الروحي والتمتع بخبرات روحية جديدة.
ك. "اللوز يزهر" [5]. إشارة إلى الشعر الأبيض الذي يملأ الرأس فتصير كشجرة اللوز المزهرة. تمثل فقدان حيوية الشباب الروحية.
ل. "والجندب يستثقل" [5]. لا يقدرون على حمل أخف أنواع الأطعمة كالجندب، وهو طعام خفيف جدًا، سهل الهضم. يُشير إلى استثقال أي تدريب روحي لبناء النفس.
م. "والشهوة تبطل" [5]. فقدان كل رغبة داخلية للبهجة والسرور، إشارة إلى فقدان الإنسان بهجته الروحية وسلامه الداخلي وحنينه إلى السمويات.
ن. يشبه الشيخ وهو يترقب الموت ليدخل بيته الأبدي [5]: حبل الفضة الذي ينفصم، هذا الذي يربط النفس بالجسد، أو كوز الذهب الذي ينسحق، أو جرة ماء تنكسر، أو بكرة بئر تتحطم، أي يتحول إلى حطام بلا نفع، إنه اقتراب إلى العودة إلى التراب. وفي الشيخوخة الروحية يشعر الإنسان أن حياته بلا نفع، هي أقرب إلى التراب منها إلى السماء!
3. إمكانية التغلب على البطلان:
لم يرد الجامعة أن يسدل الستار على صورة الشيخوخة المؤلمة، وإنما قدم علاجًا للغلبة على بطلان الحياة الزمنية، وهو الالتقاء مع الله خالق العالم ومهيِّء المجد الأبدي، خلال الطاعة لوصيته بخوف تقويّ.
" فلنسمع ختام الأمر كله:
اِتَّقِ الله،
واحفظ وصاياه،
لأن هذا هو الإنسان كله.
لأن الله يُحضر كل عمل إلى الدينونة،
على كل خفي إن كان خيرًا أو شرًا" [13-14].
علاج الأمر هو الالتصاق بالله خلال التقوى أو برّ المسيح الواهب المخافة الممتزجة بالحب، فنكسب حياتنا فيه، وننعم بحفظ وصيته، منتظرين يوم الدينونة كبدء حياة أبدية مجيدة عوض الحياة الباطلة الزائلة.
كأن وصيته الأخيرة هي: خف الله، واحفظ وصاياه!
v بدء حياة الإنسان الحقيقية هي مخافة الله، لكن مخافة الله لا يمكن أن تحل في نفس تتشتت وراء الأمور الخارجية[231].
v مخافة الله هي بدء الفضيلة، ويقال أنها وليدة الإيمان. أنها تُزرع في القلب حين يسحب الإنسان فكره عن تشتيت العالم كي يحصره في عمق التأمل وفي الأمور العتيدة[232].
v الذين يخافون الله أيها الأحباء يواظبون بفرح على حفظ الوصايا، حتى إن تتطلب الأمر جهادًا وتعبًا، ويُعرِّضون أنفسهم للمخاطر في سبيل مسعاهم هذا. وقد حصر واهب الحياة كمال الوصايا وصُلْبها وركَّزها في اثنتين تحتضنان الجميع: محبة الله محبة مماثلة لها، هي محبة أيقونته[233].
v تفوق وصايا الله كل كنوز العالم. الذي يقتنيها داخليًا يجد الرب فيها. ومن يذهب إلى مخدعه دائمًا وهو متفكر في الله، يقتنيه (الله) كياوره الخاص؛ ومن يتوق إلى إتمام إرادة الله تصير ملائكة السماء مرشدين له[234].
v ما من إنسان تستمر الخطية فيه، طالما أنه يسلك في طريق واضع الناموس (الله) ويمارس وصاياه. لهذا السبب وعد ربنا في الأناجيل أنه يمكث مع من يحفظ وصاياه[235].
مار اسحق السرياني
v اقتنِ لك أيها التلميذ حب تنفيذ الوصية حتى تتأهل لقبول المحبة الإلهية[236].
v هل تشتهى أن ترى شعاع الثالوث القدُّوس في نفسك؟ احفظ وصايا المسيح[237].
v إن لم يبصر الإنسان الشمس لا ينعم بنورها، هكذا إن لم يقتن الإنسان حفظ وصايا ربنا لا يتنعم بنوره[238].
v واحد هو باب السماء وباب القلب؛ إن حفظنا قلبنا بحفظ وصايا المسيح ينفتح لنا باب السماء، لأن الساكن فينا هو الساكن في السماء[239].
القدِّيس يوحنا سابا
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثاني عشر
آية (1):- "1فَاذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ أَيَّامُ الشَّرِّ أَوْ تَجِيءَ السِّنُونَ إِذْ تَقُولُ: «لَيْسَ لِي فِيهَا سُرُورٌ». "
اذكر خالقك في أيام شبابك= جاءت الآية في العبرية REMEMBER THY CREATORS . فكلمة خالق وردت بالجمع. كما قيل في (تك26:1) نعمل الإنسان. فالخالق ثالوث في واحد، آب وابن وروح قدس. أذكر= فالإنسان مستعد أن يذكر أي شئ ولكنه ينسى الله. وربما نذكر أي صنيع حسن فعله معنا إنسان ولكننا ننسى أن الله خلقنا، بل هو خلق العالم لأجلنا، وبعد أن سقطنا فدانا، وأعطانا ابنه وروحه القدوس، وهيأ لنا حياة أبدية. لو تذكرنا الله دائماً لن نخطئ، كما حدث مع يوسف لأنه تذكر أنه أمام الله. في أيام شبابك= الله يستحق الباكورات، ويستحق أن نعطيه أفضل شئ وليس أن نعطيه الفضلات، وهل نقدم الأعرج والأعمى ذبيحة لله، ونقدم للشيطان باكوراتنا أي شبابنا. ونعطي لله شبابنا لنفرح فرح حقيقي العمر كله، فالفرح الحقيقي هو مع الله. أما من يترك موضوع التوبة حتى سن الشيخوخة فهو لن يتذوق حب الله، بل نحن في شيخوختنا يصعب أن نترك عاداتنا الشريرة التي تعودنا عليها. وسليمان يوجه هذه النصيحة للشباب لأن قوتهم الجسدية وإمكانياتهم تعطيهم إطمئنان أن الحال سيبقى كما هو عليه وتخدعهم لذات العالم وخطاياه، وتأتي عليهم أيام الشيخوخة والعجز ويجد الإنسان نفسه مضطراً لترك خطايا محببة إليه .. .. فلنترك خطايانا قبل أن تتركنا خطايانا. وعلينا أن نذكر أن الله هو الذي خلقنا فهو صاحب الأمر ووصايا الله خالقي ملزمة لي فأنا لست حراً تماماً. قبل أن تأتي أيام الشر= أيام المرض والشيخوخة والموت. التي يقول فيها الإنسان ليس لي فيها سرور= في أيام الشيخوخة لا يجد الإنسان لذات سواء جسدية أو عقلية. وهناك شيخوخة روحية لا يجد فيها الإنسان لذة روحية، ولا ينمو فيها نمواً روحياً. وقد تأتي أيام الشر مبكراً (مرض/ موت) فلا تكون هناك فرصة للتوبة.
الآيات (2-8):- "2قَبْلَ مَا تَظْلُمُ الشَّمْسُ وَالنُّورُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، وَتَرْجعُ السُّحُبُ بَعْدَ الْمَطَرِ. 3فِي يَوْمٍ يَتَزَعْزَعُ فِيهِ حَفَظَةُ الْبَيْتِ، وَتَتَلَوَّى رِجَالُ الْقُوَّةِ، وَتَبْطُلُ الطَّوَاحِنُ لأَنَّهَا قَلَّتْ، وَتُظْلِمُ النَّوَاظِرُ مِنَ الشَّبَابِيكِ. 4وَتُغْلَقُ الأَبْوَابُ فِي السُّوقِ. حِينَ يَنْخَفِضُ صَوْتُ الْمِطْحَنَةِ، وَيَقُومُ لِصَوْتِ الْعُصْفُورِ، وَتُحَطُّ كُلُّ بَنَاتِ الْغِنَاءِ. 5وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنَ الْعَالِي، وَفِي الطَّرِيقِ أَهْوَالٌ، وَاللَّوْزُ يُزْهِرُ، وَالْجُنْدُبُ يُسْتَثْقَلُ، وَالشَّهْوَةُ تَبْطُلُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ الأَبَدِيِّ، وَالنَّادِبُونَ يَطُوفُونَ فِي السُّوقِ. 6قَبْلَ مَا يَنْفَصِمُ حَبْلُ الْفِضَّةِ، أَوْ يَنْسَحِقُ كُوزُ الذَّهَبِ، أَوْ تَنْكَسِرُ الْجَرَّةُ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ تَنْقَصِفُ الْبَكَرَةُ عِنْدَ الْبِئْرِ. 7فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا. 8بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: الْكُلُّ بَاطِلٌ. "
وصف أيام الشيخوخة:
هنا يصف الجامعة إنحلال الشيخوخة وعاهاتها بأوصاف كان اليهود يستخدمونها أيام سليمان ولم تعد تستخدم الآن. ونرى فيها كيف يفقد الشيخ حيويته، فحتى إن تاب لن يجد فرصة للجهاد والتعب ولا للتمتع بعذوبة الحياة الروحية المبكرة.
قبل ما تظلم الشمس والنور والقمر والنجوم= إذ يشيخ الإنسان يفقد بصره ولا يعود يتمتع برؤية شئ. والشمس والنور.. كناية عن السرور والحياة في ربيع الحياة حيث لا سُحب تحجز رؤيتها فالإنسان في شيخوخته يشعر أنه فقد بهجة الحياة وجمالها.
وروحياً:- فالشيخوخة الروحية تحرم الإنسان من رؤية النور الإلهي شمس البر وشركة الكنيسة القمر وشركة القديسين النجوم. وترجع السحب بعد المطر= هذه إشارة لشتاء الحياة، فالسحب تأتي وراء المطر إشارة لتوالي الآلام على الشيخ العجوز.
وروحياً= فالشيخوخة الروحية تشير للسقوط المتكرر.
يتزعزع حفظة البيت وتتلوى رجال القوة= جسد الإنسان ممثل هنا ببيت وحفظة البيت هما اليدان و رِجَالُ الْقُوَّةِ هما الرجلان (مز10:147). وهذا يشير لضعف الهيكل العظمي وإنهيار الجهاز العصبي. فاليدان تضعف والرجلان مرتعشتان.
وروحياً= فالشيخوخة الروحية تصيب صاحبها بحالة إحساس باليأس والضعف أما القوي روحياً ففي رجاء يقول الرب قوتي فلا أتزعزع. فالرب ذراعاه أبدية. والرب يجدد مثل النسر شبابه. وتبطل الطواحن لأنها قلت= تتساقط الأسنان= الطواحن، فيعجز الشخص عن التمتع بكثير من الأطعمة.
وروحياً= فالشيخوخة الروحية تمنع صاحبها من أن يقول وجدت كلامك حلو فأكلته، ولا يفهم معني ذوقوا وانظروا ما اطيب الرب ، فهو بلا أسنان روحية تتمتع بالطعام الروحي وتقتات عليه. تظلم النواظر من الشبابيك= النواظر هما العينان اللتان تضعفان. ونرى موسى القديس وهو صاحب 120سنة لم تفارقه نضارة عينيه. وفي الشيخوخة الروحية تفقد النفس حواسها الداخلية الروحية فلا تستطيع أن تعاين الله، ولا الأذنان يستمعان صوته ولا يستطيع الإنسان أن يتذوق حلاوة الرب ولا أن يتلامس مع محبته وقدرته.
وتغلق الأبواب في السوق= الأبواب ربما هي بقية الحواس وربما هما الشفتين اللتين بهما نكلم الناس ونتعامل معهم. فالعجوز أصبح غير قادر على الكلام والحوار وكأن السوق قد أغلق أمامه، فلم يعد قادراً على البيع أو الشراء، أو الحوار مع الناس.
وروحياً. ففي الشيخوخة الروحية ينغلق قلب الإنسان من نحو الله ومن نحو الناس، وينغلق على نفسه، يصير كمن دفن وزنته في التراب ولم يذهب للسوق ليتاجر بها.
حين ينخفض صوت المطحنة. ويقوم لصوت العصفور. وتحط كل بنات الغناء= لقد ذهب سمع الإنسان العجوز فلم يعد يسمع صوت المطحنة، وهذه عند طحن الحبوب يكون صوتها عالياً جداً. فكيف يقوم لصوت العصفور وهو لا يسمع صوت المطحنة؟! هذه تشير للتعب العصبي فهو يضطرب ويقلق من أقل صوت يسمعه، أو خبر يسمعه. بل هو صار بسبب فقدان سمعه لا يتلذذ بصوت بنات الغناء أي المغنيات (2صم35:19).
وروحياً. فالشيخوخة الروحية تسبب الإضطراب العصبي والقلق وعدم التلذذ بل تفقد الإنسان سلامه الداخلي. ويفقد روح التسبيح= تحط كل بنات الغناء.
يخافون من العالي= يخافون من الدوار وإمكانياتهم الجسدية لا تساعدهم على الصعود. وروحياً. فالشيخوخة الروحية تجعل صاحبها غير قادر على النمو الروحي ويستصعبه.
في الطريق أهوال= يستصعب الشيخ السفر ويتوهم وجود أهوال في الطريق.
وروحياً= فمن هو في شيخوخة روحية يستصعب الجهاد الروحي فلا يتمتع بخبرات روحية جديدة. اللوز يزهر= إشارة لإنتشار الشعر الأبيض فتصير الرأس كشجرة اللوز المزهرة. وهو استخدم في تشبيهه شجرة اللوز بالذات لأنها من الأشجار المبكرة في إزهارها والشيب والشيخوخة سريعاً ما سيأتون.
وروحياً. يمثل هذا فقدان حيوية الشباب الروحية. والجندب يستثقل= الجندب يتخذ مثلاً لكل صغير (إش22:40). فما عاد الشيخ قادراً أن يحمل أي شئ.
وروحياً. يستصعب الإنسان أي تدريب روحي لبناء النفس. والشهوة تبطل= الشيخ لا يشتهي الطعام ولا الملذات الجسدية، وفقد كل رغبة داخلية للبهجة والسرور.
وروحياً. يفقد الإنسان كل شهوة وحنين للسماويات والأفراح الروحية ثم يقترب سليمان من الحقيقة المرة أن هذه الشيخوخة تعلن قرب مجيء ساعة الموت.
النادبون= هم محترفو الندب، وكانوا يسيرون وراء الجنازة ليحصلوا على أجرتهم. وها هم منتظرون بفارغ الصبر موت هذا العجوز ليندبوه ويكسبون من وراء موته.
آية (6) صورة الموت. الكوز= هو وعاء الزيت على رأس السراج، أو خزان الزيت الذي يُموِّن السراج بالزيت (الوقود). ومنه ينزل الزيت إلى السراج. والسراج يكنى عن الحياة، وإذا إنطفأ السراج يشير هذا للموت. وفي البيوت يعلق السراج وسط سقف الحجرة. وفي بيوت الأغنياء يكون السراج والكوز من الذهب ويعلقان في سقف الحجرة بحبل من الفضة. فإذا أنفصم الحبل يقع الكوز وينكسر وينطفئ نور السراج وهذا يمثل موت الإنسان، وهناك تشبيه آخر بالجرة التي يأخذون بها الماء من البئر. فكسر الجرة أو كون البكرة تنقصف (والبكرة يعلق بها الحبل الممسك بالجرة فتدلى داخل البئر) فهذا أيضاً يشير للموت فإذ ليس ماء فهذا يعني الموت.
وفي (7) فيها إيمان واضح برجوع الروح إلى الله فالإنسان ليس كالحيوان. هنا إيمان الجامعة قد تبلور وأتضح وظهرت أمامه صورة واضحة. وهذا عكس حالة البحث السابقة (21:3).
آية (8) بعد أن صارت الصورة واضحة لسليمان، فحينما يقول الكل باطل= فهو يقولها بنفس المفهوم الذي قاله بولس "إن كل الأشياء نفاية .. من أجل فضل معرفة المسيح" (في8:3). وسليمان هنا قد توصل للحقيقة الآن مثل بولس. وهو الآن ينظر للأبدية وما بعد الموت من راحة وفرح، وقد وجد أن العالم بكل ما فيه هو لا شئ بالنسبة لهذا الفرح.
آية (9):- "9بَقِيَ أَنَّ الْجَامِعَةَ كَانَ حَكِيمًا، وَأَيْضًا عَلَّمَ الشَّعْبَ عِلْمًا، وَوَزَنَ وَبَحَثَ وَأَتْقَنَ أَمْثَالاً كَثِيرَةً. "
هدف سليمان من كتابة السفر هو إجابة السؤال "ما هو الخير لبني البشر حتى إذا فعلوه يعيشوا في سعادة حقيقية". وهنا فسليمان ينصح من يسمعه أن يتقي الله ففي هذا فرحه، وليس في أي شئ آخر. بقى أن الجامعة كان حكيماً= كأنه يقول بعد كل ما قلته تبقى أن أقول أن من يكتب هذا كان حكيماً ليس مثله، وعالماً ليس مثله وقد اختبر كل شئ فمهما اختبرت أيها السامع لن تزيد على ما أقوله. وما أراد أن يقوله أنه ليس في العلم ولا البحث ولا في زيادة الحكمة راحة الإنسان. ومهما حصل الإنسان لن يزيد عن سليمان ومع هذا فقد ظلت الأسئلة حائرة بلا إجابة أمام سليمان، وظل لغز العالم وحكمة الله غير المعلنة في كثير من القضايا سبب تعب له.
آية (10):- "10اَلْجَامِعَةُ طَلَبَ أَنْ يَجِدَ كَلِمَاتٍ مُسِرَّةً مَكْتُوبَةً بِالاسْتِقَامَةِ، كَلِمَاتِ حَقّ. "
الجامعة طلب= والله أعطى له حكمة لم تكن لأحد مثله، لأنه طلب "أسألوا تعطوا" فالمهم أن نسأل ونجتهد، فمعنى طلب هنا أنه اجتهد قدر طاقته أن يعرف.
آية (11):- "11كَلاَمُ الْحُكَمَاءِ كَالْمَنَاسِيسِ، وَكَأَوْتَادٍ مُنْغَرِزَةٍ، أَرْبَابُ الْجَمَاعَاتِ، قَدْ أُعْطِيَتْ مِنْ رَاعٍ وَاحِدٍ."
المناسيس= هي المناخس للثيران. والثور لا يفرح بالمنساس،ولكن المنساس يحركه للعمل المطلوب. وهكذا كلام الله الذي يقوله الحكماء في تعاليمهم يحرك النفس للتوبة بل يبكتها. أرباب الجماعات= هم الكهنة والرؤساء الذين هم كأوتاد، أي ثابتين والشعب يتلقى منهم الإرشاد والتدابير. هم يستنيرون بكلام الله من الكتاب المقدس وبه يرشدون الشعب. أعطيت من راعٍ واحد= فأقوال الحكماء وإرشاد أرباب الجماعات هو عمل الروح القدس فيهم. فالراعي الواحد هو الله والشعب كله هم الرعية. والله هو راعي الرعاة ومرشد المرشدين وهو مصدر كل حكمة.
ولاحظ أن كلمة الله لها فعل مختلف مع كل واحد حسب حاجته فهي كالمناسيس للخاطئ الفاتر المتراخي لتدفعه للتوبة. وهي كالأوتاد لتدعيم غير الثابت المزعزع. والكلام له قوة تحريك القلب للفاتر، أما غير الثابت المزعزع فيحتاج لنموذج يراه في قديسي كنيسته ورئاساتها (لذلك تقرأ الكنيسة السنكسار). ويأتي الشعب للكنيسة ويرى رئاسته الثابتة ويصلي الشعب والمسيح وسط شعبه هو راعي الرعاة، الراعي غير المنظور يقود الكل. ولكن الشعب يرى رعاته المنظورين كأمثلة تثبته. وهؤلاء الأرباب أو رئاسات الكنيسة هم فم الله لدى الشعب (في تعاليمهم للشعب) وفم الشعب لدى الله (في صلواتهم عن الشعب).
آية (12):- "12وَبَقِيَ، فَمِنْ هذَا يَا ابْنِي تَحَذَّرْ: لِعَمَلِ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لاَ نِهَايَةَ، وَالدَّرْسُ الْكَثِيرُ تَعَبٌ لِلْجَسَدِ."
وبقى= لم يبقى لي سوى أن أخبرك أنه لعمل كتب كثيرة لا نهاية= الكتب كثيرة، ولكنها مهما كثرت لن تحل مشكلة الإنسان. فالمعلومات الكثيرة لن تحل المشكلة ولا يجب أن نظن هذا. وهي مهما كثر علمها وعددها فهي محدودة جداً. والجامعة هنا لا يدعو للجهل. بل يفهم من قوله أنه علينا أن ندرس ونجاهد ولكن لن يحل مشكلة الإنسان سوى أن يتقي الله لأن الله سيأتي بالكل إلى الدينونة. ومن وقت سليمان حتى الآن كتبت ملايين الكتب ومازال الكثير سيكتب، ومازال الإنسان متعطشاً للمعرفة. ولم يعرف ولن يعرف سوى ما يسمح به الله. وإشباع الإنسان لن يأتي بالمعرفة الكثيرة.. فمن هذا يا ابني تحذَّر. بل الشبع سيأتي بتقوى الله. والروح القدس يعلن لمتقي الله كل شئ (1كو10:2)+(تك17:18) "هل أخفي عن عبدي إبراهيم ما أنا فاعله".
الآيات (13-14):- "13فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ: اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ. 14لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا."
هنا يقدم الجامعة علاج لبطلان الحياة الزمنية، ألا وهو الإلتقاء مع الله خالق العالم ومهييء المجد الأبدي، خلال الطاعة لوصيته بخوف تقوي.
فلنسمع ختام الأمر كله= هو ختام البحث الدقيق للجامعة. وقال فلنسمع ولم يقل اسمعوا فالواعظ عليه أن يسمع لما يقوله هو أيضاً وينفذ ما يقوله. لأن هذا هو الإنسان كله= ليس مهما أن يكون غنياً أو فقيراً، عظيماً أو حقيراً، المهم أن يتقي الله. هذا هو كل عمله وكل بركته وكل واجباته وكل سعادته وكل حياته على الأرض بل في السماء أيضاً. وبهذا يجب أن يكون الإلتصاق بالله خلال التقوي هو أهتمامنا الوحيد. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة= هذا برهان على ضرورة أن تكون التقوى هي إختيارنا، وهذا ما سيحل مشكلة الإنسان. فهو عين الحكمة أن تكون أعيننا إلى يوم الدينونة وليس إلى ملذات العالم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح