كلمة منفعة
في يوم الخميس الماضي، احتفلت الكنيسة بعيد الصعود المجيد، إذ صعد المسيح إلى السماء، وجلس عن يمين الآب.
— الصعود
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح العاشر الأصحاح العاشر الحذر حتى من الصغائر في الأصحاح التاسع يحدثنا الجامعة عن غنى عمل الله في حياتنا، ويدعونا إلى الارتباط بالحكمة الإلهية التي هي أعظم من القوة، وفي نفس الوقت يحذرنا من الصداقات الشريرة، لئلاَّ نفقد الحكمة الحقيقية، فتتسلل إلينا الخطية ونخسر كل عمل روحي، فإن إنسانًا واحدًا يفسد خيرًا جزيلاً (9: 19). وفي الأصحاح العاشر يُحذرنا حتى من الصغائر: 1. تحذير من الجهالة القليلة [1-3]. 2. تحذير من مواجهة الظلم بالعنف [4-10]. 3. تحذير من اللسان الخبيث [11-15]. 4. تحذير من عدم النضوج [16-17]. 5. تحذير من الكسل [18-19]. 6. تحذير من سب الآخرين [20]. 1. تحذير من الجهالة القليلة: "الذباب الميت ينتن ويخمّر طيب العطار. جهالة قليلة أثقل من الحكمة ومن الكرامة" [1]. يبذل العطار كل الجهد ليقدم طيبًا ثمينًا، لكن إن سقط فيه ذباب صغير ينتن ويختمر ويفسد كل التعب والمواد التي استخدمها، هكذا كل تهاون مع الجهالة مهما بدت تافهة يُحطم ما ناله الإنسان الروحي من حكمة وكرامة روحية خلال جهاد شاق. v إذ يضطرب البائس بسبب الذباب يصير هو نفسه ذبابة، ملكًا للشيطان. قيل إن "بعلزبوب" في الحقيقة تعني "أمير الذباب" أو "ملك الذباب" [من يتعبد له يصير ذبابة[197]]. القدِّيس أغسطينوس v أحذرْ توافه الأمور لئلا تقع في عظائمها. لا تتكاسل في عملك، لئلا تخزى حينما تتواجد وسط رفقائك[198]. مار إسحق السرياني الحياة في المسيح يسوع ربنا، أو الحياة الروحية الحكيمة هي عطر يفيح ليملأ البيت كله برائحة المسيح الذكية، غير أن الاستهانة بما نظنه صغائر تافهة يفسد حياتنا، ويجعلنا أشبه بالذباب، لهذا يكشف لنا الجامعة عن خط دفاع روحي، قائلاً: "قلب الحكيم عن يمينه، وقلب الجاهل عن يساره" [2]. الأول يضع قلبه في الصلاح أو في ملكوت الله لينعم بيمين الله، أما الثاني فتُمتص كل طاقاته في الشر، في ملكوت الظلمة، فيكون نصيبه من أهل اليسار. بمعنى آخر يُقصد باليمين الاهتمام بالسماويات بينما يُقصد باليسار الارتباك بالزمنيات. "أيضًا إذا مشى الجاهل في الطريق ينقص فهمه، ويقول لكل واحدٍ إنه جاهل" [3]. يمارس الجاهل جهله عمليًا طول الطريق، وفي كل فرصة، وأينما وُجد، دون رادع... وبغير مناسبة "يقول لكل واحدٍ إنه جاهل"، معلنًا جهله دون خجل أو حياء... كأن الجهل يصير طبيعته التي لا يقدر أن يخفيها. الجاهل بلا حكمة سماوية، لا تزيده الأيام حكمة بل يفقد مع الزمن حتى الفهم الطبيعي، "لأن كل من له يُعطى فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه" (مت 25: 29). 2. تحذير من مواجهة الظلم بالعنف: يرى البعض أن سليمان الحكيم هنا يرشد الرعية للسلوك بروح الخضوع لأصحاب السلطة، ربما لأن بعض الأغنياء قد ثاروا عليه بسبب تزايد الضرائب لكثرة مشروعاته، وقد هددوا بالعصيان والتمرد. أ. لا يليق التشاحن مع الرؤساء: "إن صعدت عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك، لأن الهدوء يُسكَن خطايا كثيرة" [4]. إن غضب عليك الوالي أو الملك بسبب وشاية بلغته لا تترك مكانك، أي لا تتخلى عن دورك الوطني. كن هادئًا. ولا تثر ضده بل انتظر في هدوء، تمارس العمل الإيجابي فتكسبه لك ولغيرك! يعتبر سليمان الحكيم أنه أمر شديد يحدث تحت الشمس أن يحتل الأردياء بعض المراكز القيادية بينما يُترك الحكماء والفهماء والمخلصون في الخلف. يحتل بعض الجهال المراكز العليا والمناصب الرفيعة بينما يُترك الحكماء في مراكز وضيعة. رأى عبيدًا يركبون الخيل ورؤساء يسيرون على الأقدام كالعبيد [7]، بمعنى أن عديمي العلم والخبرة احتلوا مراكز قيادية، يسيرون في مظاهر العظمة والأُبهة، بينما ذوو الكفاءات النادرة محتقرين. هذا كله رآه سليمان الحكيم "تحت الشمس" [5]، حيث كثيرًا ما يسود الظلم والفوضى حياة البشر عبر العصور، أما في الحياة الأخرى حيث لا حاجة للشمس (رؤ 21: 23) فيسود العدل والحب والقداسة! يرى القدِّيس جيروم أن روح المتسلط هنا [4] تُشير إلى إبليس الذي لا يكف عن مهاجمة أولاد الله، هؤلاء الذين بروح السيِّد المسيح الهادئ يحطمون خططه وشباكه، ويغلقون أبواب قلوبهم في وجهه، محطمين تسلطه وعنفه. v لماذا توصد أبواب قلبك في وجه العريس؟ افتحها للمسيح واغلقها أمام الشيطان كالقول: "إذا ثار عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك"[199]. القدِّيس جيروم كما يتحدث عن روح المتسلط كرمز للخطية التي يجب مواجهتها بروح المسيح الهادئ. v لنعد أولاً إلى النص المُقتبس: "إذا ثار عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك". هذه العبارة يليها الكلمات التالية: "فإن هدوءك يهدئ من خطايا عظيمة، بمعنى إذا وجدَت الحيَّة طريقها إلى أفكارك يلزمك أن تحفظ قلبك بكل اجتهاد، مرنمًا مع داود: "من الخطايا المستترة طهرني، احفظ عبدك من الآثام المُسلَّم بارتكابها"، وهكذا لا تنزلق إلى التعدي الشديد أي السقوط في الخطية بالفعل[200]. القدِّيس جيروم ب. لا تخف من الظلم: يقدم سليمان الحكيم نصيحة مشتركة للظالمين من أصحاب السلطان وللرعية، مطالبًا الظالم أن يكف عن ظلمه لأن ما يمارسونه ضد الغير إنما يحل به، ويُهدئ من روع المظلومين الذين يجب أن يلتزموا حدودهم ليس استسلامًا وضعفًا، وإنما إيمانًا بعدل الله الذي يسمح لمن يملأ كأسًا لإخوته يشرب هو منها: "من يحفر هُوّة يقع فيها؛ ومن ينقض جدارًا تلدغه حيَّة" [8]. أعدَّ هامان صليبًا لمردخاي فصُلب هو عليه (أس 7: 10)، واخترع Guillotine "المقصلة" التي حملت اسمه فأُعدم بها... أما ما هو أعظم، فإن الصليب الذي ظن به إبليس أنه يُحطم السيِّد المسيح ويمحو اسمه، إذا به يُحطِّم قوى الشيطان ويبدد سلطانه على المؤمنين. من ينقض جدارًا يحتمي به مؤمن، يُلدغ بحية مختفية فيه، إذ غالبًا ما تأوي الحيات في الخِرَبْ القديمة أو شق قديم. بمعنى آخر من يهتم بهدم أسوار الآخرين عوض العمل البنّاء في حياته أو في حياة الغير، تلدغه حيَّة الحسد والبغضة فيموت ويهلك أبديًا. v من يُبدد أمان الآخرين يسقط بلدغة الحيَّة[201]. القدِّيس غريغوريوس الصانع العجائب يُكمل الجامعة حديثه قائلاً: "من يقلع حجارة يُوجع بها، من يشقق حطبًا يكون في خطر منه. إن كَلَّ الحديد ولم يُسنن هو حدَّه فليزد القوة" [9-10]. من يقلع حجارة بقصد إسقاط مبنى يسقط حجرًا على رأسه ويتألم، عندئذ يندم على ما فعله، متمنيًا لو أنه ترك الحجارة في المبنى دون خَلْعِها من المبنى. لعله بهذا يقصد أن الذي يقاوم أصحاب السلطة بقصد الإصلاح وذلك بالنقد اللاذع، فإنه وهو يزعزع الآخرين يخسر هو الكثير. وأيضًا من يُشقق حطبًا بآلة حديدية غير حادة، فإنه يضطر إلى الضرب بقوة فيتعرَّض لأن تطير رأس الآلة وتصيبه. في كل الأمثلة السابقة يؤكد الجامعة أن إصلاح الرؤساء لا يتحقق بالعنف والنقد اللاذع وإنما بروح الوداعة والحب مع الاتكال على عمل الله والإيمان بعدالته... هذه هي الحكمة التي يقول عنها: "أما الحكمة فنافعة للإنجاح" [10]، أي بالحكمة الهادئة ينجح إرشادنا لأصحاب السلطة ولحياتنا نحن. تُحطم الحكمة كبرياء الظالم وتهب ممارسيها إمكانية العمل بروح الطاعة المخلصة. 3. تحذير من اللسان الخبيث: إذ طالب أصحاب السلطة والمرؤوسين بروح الحكمة الهادئة التي تعطى نجاحًا للطرفين، يُترجم الجامعة هذه الحكمة عمليًا بالتحذير من اللسان الخبيث كما من لدغات الحيَّة القاتلة، مطالبًا إيَّانا أن تكون لشفاهنا مِسْحة النعمة حتى لا ننطق بجهالة. "إن لدغت الحيَّة بلا رِقية فلا منفعة للراقي (فذو اللسان الخبيث لا يفعل خيرًا منها)" [11]. إن كان الثائر كالحيَّة يلدغ فلنَرْقِه بالوداعة والحب الحكيم قبل أن يلدغنا، كما فعل يعقوب حين قدم بروح الاتضاع هدية لعيسو (تك 32: 13-21)، وكما فعلت أبيجايل مع داود في ثورته ضد نابال رجلها (1 صم 25: 18-35). يواجه الحكيم ثورة الآخرين بروح الوداعة والنعمة، أما الجاهل فيدفعه فمه إلى الجهالة والجنون... يكثر الكلام دون إدراك لعواقب الأمور [14] فيسقط في الإعياء، أي تخور قوته، ويفقد قدرته على معرفة الطريق الذي يدخل به إلى المدينة. بمعنى آخر الكلمات العنيفة تفقد الإنسان الحكمة حتى الطبيعية والقوة والمعرفة، ويبقى كمن هو خارج مدينة الله! إلى يومنا هذا اعتاد بعض سكان القرى أن يدعو أحد المتخصصين في إخراج الحيَّات من جحورها، فإنهم إذا ما رأوا حيَّة تدخل جحرًا يستدعونه، فيُغنى ويضرب على المزمار أو الطبلة حتى تخرج الحيَّة وترقص على نغمات الغناء ثم يقوم بخلع أسنانها... عندئذ تعجز عن أن تلدغ طفلاً صغيرًا (مز 58: 4-5). هكذا إن رَقَيْتَ العنيف بكل الحكمة المملوءة عذوبة، بروح الخضوع الصادق في الرب، تُحطم أنياب شرّه قبلما يقتلك. أما إن تركته يلدغك فلا ينفع الرقي بعد أن يسري سمه في جسمك. يرى الأب موسى في مناظراته مع القدِّيس يوحنا كاسيان أن الرقي هنا هو الاعتراف بالخطايا وكشفها، فإنه يحطم قوة إبليس الحيَّة وينزع عنا سم الخطية القاتل. يقول: [إن لدغة الحيَّة بدون وجود راقٍ خطيرة، أي أن الخطورة في ألا يُكشف أي اقتراح أو تفكير نابع عن الشيطان أمام الراقي بالاعتراف. إنني أقصد بالراقي جماعة الروحانيين الذين يعرفون كيف يعالجون الجراحات بكلمات الكتاب المقدس، ويجذبون سم الأفعى المميت من القلب[202]]. v إذا لدغت الحيَّة الشيطان - إنسانًا ما سرًا فإنها تُصيب ذلك الشخص بسُم الخطية. وإذا ظل المُصاب صامتًا ولم يتب ولم يرد أن يعترف بجرحه لأخيه ولسيِّده، فإن أخاه وسيِّده اللذين لديهما علاجه لا يقدران أن يساعداه جيدًا، لأنه إن كان المريض يخجل من الاعتراف بجرحه للطبيب فإن الدواء لا يبرئه[203]... القدِّيس جيروم يقارن سليمان الحكيم بين كلمات الحكيم وكلمات الجاهل هكذا: أ. كلمات الحكيم تكشف عمَّا في قلبه من نعمة الحب والهدوء والحكمة، أما كلمات الجاهل فتكشف عن فساد قلبه، لذا تعرضه للهزء والسخرية بل والهلاك: "كلمات فم الحكيم نعمة، وشفتا الجاهل تبتلعانه" [12]. يقول السيِّد المسيح: "لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تُدان" (مت 12: 37)، ويقول المرتل: "ويُوقعون ألسنتهم على أنفسهم" (مز 64: 8). وكما قال سليمان عن أدونيا الذي طلب امرأة أبيه زوجة له: "قد تكلم أدونيا بهذا الكلام ضد نفسه" (1 مل 2: 32). ب. يبدأ الجاهل كلماته بالكشف عن جهالة قلبه بكونه ينبوعه الشرير، وكنزه الفاسد الذي يُخْرِجُ حماقة، يتفجر هذا الينبوع تدريجيًا خلال تهور الجاهل في كلماته حتى يخرج مقذوفات نارية وتحوله إلى حالة تقترب من الجنون، فلا يقدر أحد أن يضبط لسانه أو يسيطر على كلماته: "ابتداء كلام فمه جهالة، وآخر فمه جنون رديء" [13]. ج. يُكرر الجاهل كلماته البطالة، ويظن أنه بهذا يغلب، لكنه في الواقع يخسر الموقعة أثناء حياته وحتى بعد مماته، إذ تبقى آثار كلماته الشريرة تلاحقه حتى بعد الموت. "والجاهل يكثر الكلام؛ لا يعلم إنسان ما يكون، وماذا يصير بعده ومن يخبره" [14]. د. إذ يتكلم الجاهل بثورة ودون توقف لا يخسر المعركة فقط - أي يفقد حقه - وإنما يسقط في الإعياء بسبب تعبه النفسي وشعوره بالفشل والظلم: "تعب الجهلاء يعيبهم" [15]. هـ. يختم الجامعة حديثه هنا بقوله عن الجاهل المتكبر في حماقته: "لأنه لا يعلم كيف يذهب إلى المدينة" [15]، أي يفقد قدرته حتى عن إدراك كيف يدخل المدينة، وهو أمر لا يجهله إنسان. ويقول الأب إبراهيم في مناظرته مع القدِّيس يوحنا كاسيان: [وهكذا إذ يضلون الطريق السماوي الملكي، يعجزون عن الوصول إلى المدينة التي وُجهت إليها نظراتنا. وقد عبر عنها سفر الجامعة بصورة رمزية قائلاً عنها أنها أورشليم... بمعنى أنها أورشليم العليا التي هي أمنا جميعًا (غلا 4: 26)[204]. 4. تحذير من عدم النضوج: "ويل لكِ أيتها الأرض إذا كان ملكك ولدًا ورؤساؤك يأكلون في الصباح. طوبى لكِ أيتها الأرض إذا كان ملكك ابن شرفاء، ورؤساؤك يأكلون في الوقت للقوة لا للسكر" [16-17]. لنحذر لئلا يكون ملكنا "إنساننا الداخلي" ولدًا، أي غير ناضج في الحكمة السماوية، ويهتم بالملذات الزمنية كالأكل في الصباح عوض العمل الجاد، وينسى أنه شريف (ابن لله وهيكل للروح القدس)، وأن يستخدم العالم للعمل بقوة لا للذة والسكر بالزمنيات. ما هي هذه الأرض إلاَّ جسدنا الذي يسقط تحت الويل واللعنة إن سكنته نفس غير حكيمة ولا ناضجة، تطلب حياة اللهو والتسيب، فينبت لنا جسدنا شوك الخطية وحسك الدنس، ولا يصلح لشيء... يُريد أن يأكل ويشرب ويلهو بلا نظام أو هدف. وهو بعينه إن تقدس مع النفس التي تتمتع بكرامة المسيح، وتُحسب ملكة (رؤ 1: 6)، تعرف كيف تُجاهد، تحول الجسد إلى جنة الله الحاملة ثمر الروح. يرى القدِّيس أغسطينوس أن الأرض الأولى تُشير إلى مدينة إبليس والأخرى مدينة الله، إذ يقول: [أظن أن الأجْدَر بنا اقتباس ما في هذا السفر مما له علاقة بالمدينتين، واحدة للشيطان والأخرى مدينة المسيح، وما يخص ملكيهما: "الشيطان والمسيح".] يقول الجامعة: "ويل لكِ أيتها الأرض إذا كان ملكك ولدًا، ورؤساؤك يأكلون في الصباح"، "طوبى لكِ أيتها الأرض إذا كان ملكك ابن شرفاء، ورؤساؤك يأكلون في الوقت لنوال القوة لا للسكر (الفوضى)". يدعو الشيطان ولدًا بسبب حماقته وكبريائه واندفاعه وغياب حنكته في التدبير وباقي الرذائل التي يشتهر بها هذا السن؛ لكن المسيح هو ابن الشرفاء الأحرار - أي البطاركة (الآباء) القدِّيسين الذين ينتمون إلى المدينة الحرة، إذ وُلد منهم حسب الجسد. يأكل رؤساء المدن الأخرى في الصباح، أي قبل الموعد المناسب، لأنهم لا يتوقعون السرور الذي يحل في موعده الحقيقي وحده، أي في الدهر الآتي، مشتهين أن يصيروا سعداء بسرعة وذلك بصَيْت هذا العالم الحاضر، أما رؤساء مدينة المسيح فبصبر ينتظرون زمان البركة التي لا تضمحل[205]. القدِّيس أغسطينوس 5. تحذير من الكسل: "بالكسل الكثير يهبط (يتفكك) السقف، وبتدلّي اليدين يكف البيت، للضحك يعملون وليمة، والخمر تفرح العيش (الأحياء)، أما الفضة فتحصل الكل" [18-19]. بالكسل والإهمال يميل الإنسان إلى الراحة غير مهتم حتى بعناية بيته، فقد يحل الاتلاف بالسقف وينخر السوس أخشابه، ويبقى الإنسان في كسله حتى يهبط السقف ولا يجد له مأوى. ويُشير السقف إلى البناء الروحي الحيّ، إذ صعد بطرس على السطح يُصلي فرأي رؤيا سماوية (أع 10: 9-16). بالكسل ننحدر من السطح حيث الرؤيا السماوية إلى الانشغال بالتراب. يحثنا مار اسحق السرياني على ترك الكسل والجهاد في السهر، قائلاً: [النفس التي تمارس أعمال السهر وتتفوق فيها لها في إرادتها عينا الشاروبيم، بهما ترى في كل الأوقات الرؤى السماوية وتدنو إليها[206]]. بالكسل تفقد اليدان قدرتهما على العمل فتتدليا في رخاوة. بالكسل يكف البيت أي يتشقق وينهار... إنه منظر مؤلم أن يرى الإنسان سقف بيته ينهار فيقف مكتوف الأيدي، لا يتحرك لإصلاحه، حتى ينهار البيت كله! بالمفهوم الروحي بالكسل يفقد الإنسان الرؤيا الروحية السماوية لأن سقف نفسه يتفكك، وتعجز يداه عن العمل الروحي، وينهار إنسانه الداخلي. بينما يُفقد الكسل الإنسان قدرته على العمل الجاد البنّاء، وحتى ليشعر أن كل ما فيه منهار، وأنه في حالة عجز تام، إذا به في حياة اللهو نشيط للغاية. يُقم ولائم للضحك ويقضي حياته في السكر، قائلاً بأن لديه فضة كثيرة، يستطيع أن يحصل بها على كل ما يشتهيه. بهذا لا يستطيع أن يختبر كلمات معلمنا بطرس الرسول: "سيروا زمان غربتكم بخوف، عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تُفنى بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 18-19). 6. تحذير من سبّ الآخرين: "لا تسب الملك ولا في فكرك. ولا تسب الغنى في مضجعك. لأن طير السماء ينقل الصوت وذو الجناح يخبر بالأمر" [20]. كل خطية تبدأ في الفكر، لذا يلزم مطاردتها في البداية... فلا يليق بنا كمخلصين لله أن نسبّ أحدًا، خاصة أصحاب السلطة... ولندرك أن ما نفعله خفية يفتضح علانية. ربما عني بطير السماء الجواسيس والواشين! لنكن أمناء في أعماقنا فلا نخاف أحدًا. وكما يقول الرسول بولس: "أفتُريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه" (رو 13: 3). ليكن داخلنا مثل خارجنا نقيًا، لا يهين أحدًا، فنمتلئ من سلام الله الفائق. بهذا إذ يدعونا سليمان الحكيم للحكمة الصادقة يُحذرنا من الجانب السلبي من السقوط فيما ندعوه صغائر أو خطايا تافهة، ويحثنا ألا نواجه ظلم المسئولين بالعنف واثقين في عمل الله معنا ومعهم ورعايته واهتمامه بنا، كما حذرنا من اللسان الخبيث كما من الجنون، وطالبنا ألا نعيش كملوك أولاد بل كملوك أشراف وحكماء في الرب، ويسألنا ألاَّ نسلك في رخاوة وكسل، وأخيرًا ألا نسب أحدًا حتى في قلوبنا الخفية.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح العاشر آية (1):- "1اَلذُّبَابُ الْمَيِّتُ يُنَتِّنُ وَيُخَمِّرُ طِيبَ الْعَطَّارِ. جَهَالَةٌ قَلِيلَةٌ أَثْقَلُ مِنَ الْحِكْمَةِ وَمِنَ الْكَرَامَةِ. " الذباب الميت ينتن ويخمر طيب العطار= انتهى الإصحاح السابق بقوله أن "خاطئ واحد يفسد خيراً جزيلاً". وهذا مثال على ذلك. وهذا تحذير من الصداقات الشريرة. فمن يحيا في المسيح وتكون له حكمة روحية، تفوح منه رائحة المسيح "أنتم رائحة المسيح الزكية" ولكن هذه الرائحة الزكية تضيع بسرعة لو تسلل لحياة الشخص بعض الجهالة حتى لو قليلة "إحذروا الثعالب الصغيرة المفسدة الكروم" (نش15:2). والمثال هنا بأن عطار أعد طيباً ثميناً بجهد شاق، ثم سقط فيه بعض الذباب الصغير فينتن ويختمر ويفسد كل التعب وكل المواد التي استخدمها، هكذا كل تهاون مع الجهالة مهما بدت تافهة فهو يحطم ما ناله الإنسان الروحي من حكمة وكرامة روحية خلال جهاد شاق. ينتن= بسبب جراثيمه ويخمر= فخميرة صغيرة من الجهالة يمكنها أن تفسد عجيناً كاملاً من الحكمة. وجاهل واحد قادر أن يفسد عمل حكماء كثيرين. وقيل عن إبليس "بعلزبوب" أي ملك الذباب ومن يتعبد له يصير ذبابة ميتة. جهالة قليلة أثقل من الحكمة= في الإنجليزية تترجم هكذا "هكذا تفعل جهالة قليلة بمن اشتهر بالحكمة والكرامة" وفي اليسوعية "قليل من الحماقة يفسد نفائس الحكمة والمجد". الآيات (2-3):- "2قَلْبُ الْحَكِيمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَلْبُ الْجَاهِلِ عَنْ يَسَارِهِ. 3أَيْضًا إِذَا مَشَى الْجَاهِلُ فِي الطَّرِيقِ يَنْقُصُ فَهْمُهُ، وَيَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ: إِنَّهُ جَاهِلٌ." قلب الحكيم عن يمينه= اليمين هو الصلاح، فالحكيم يهتم بكل قلبه بأن يسلك بالبر والصلاح فينعم بيمين الله. واليمين يقصد به الاهتمام بالسماويات واليسار يقصد به الارتباك بالزمنيات. ينقص فهمه= الجاهل يعيش في جهله طوال رحلة عمره= في الطريق. لذلك لا تزيده الأيام حكمة بل يفقد مع الزمن حتى الفهم الطبيعي "من له يعطي فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه" (مت29:25). وجهله يصير ظاهراً لكل الناس= يقول لكل واحد أنه جاهل وربما تقصد الآية أن الجاهل يتهم كل من يقابله بأنه جاهل وهو وحده الحكيم الذي يعلم. الآيات الآتية فيها نصائح للحاكم ونصائح للمحكوم آية (4):- "4إِنْ صَعِدَتْ عَلَيْكَ رُوحُ الْمُتَسَلِّطِ، فَلاَ تَتْرُكْ مَكَانَكَ، لأَنَّ الْهُدُوءَ يُسَكِّنُ خَطَايَا عَظِيمَةً. " روح المتسلط= أي غضب عليك. فلا تترك مكانك= أي لا تستعفِ من مأموريتك وتتخلى عن دورك وخدمتك لشعبك. وكن هادئاً لأن الهدوء يسكن خطايا كثيرة= الأفضل أن نهدأ أمام الرؤساء فلربما هدوءنا يتسبب في ندمهم على خطاياهم وغضبهم الذي سيكتشفون أنه بلا سبب، فيهدأ الملك بهدوئك وتكون لك فرصة أن يسمعك. وهذه النصيحة موجهة لكل مرؤوس مع رئيسه ولكل ابن مع والده. فليخضع الصغير للكبير. آية (5):- " 5يُوجَدُ شَرٌّ رَأَيْتُهُ تَحْتَ الشَّمْسِ، كَسَهْوٍ صَادِرٍ مِنْ قِبَلِ الْمُتَسَلِّطِ: " سهو صادر من قبل المتسلط= هنا نصيحة للحاكم حتى يدقق في كل قرار، فالقرار الخاطئ الصادر عن سهو قد يكون سبب ضرر لآلاف من الناس وهلاكهم "مثل قرار أحشويروش الملك ضد اليهود استجابة لمؤامرة هامان". ومن المؤلم أن نجد رئيساً يستخف بأخطائه ويعتبر أنها سهو ولا يدري كم الظلم الذي سيقع على الأبرياء بسبب قرار خاطئ. آية (6):- "6الْجَهَالَةُ جُعِلَتْ فِي مَعَالِيَ كَثِيرَةٍ، وَالأَغْنِيَاءُ يَجْلِسُونَ فِي السَّافِلِ. " إنه لأمر رهيب أن يحتل الأردياء أماكن الصدارة (كما عظم أحشويروش هامان الشرير). وهذا مثل من أمثلة أخطاء الحاكم التي قد تكون سهواً أو تكون مجاملة لأحد عبيده الجهلاء، أن يعلى مركز أحد الجهلاء بدون استحقاق. ولكن لأن عبده هذا كان يتملقه. ولكن هذا الخطأ سيسبب بلايا كثيرة لشعب الملك. وقد يسمح الله بهذا لتأديب الشعب. آية (7):- "7قَدْ رَأَيْتُ عَبِيدًا عَلَى الْخَيْلِ، وَرُؤَسَاءَ مَاشِينَ عَلَى الأَرْضِ كَالْعَبِيدِ. " شئ رديء أن هناك حكماء يقفون خلف الصفوف ويحتل الأردياء المراكز القيادية. تأمل: كثيراً ما يسود الظلم والفوضى حياة البشر عبر العصور ولكن لنثق أن الأمور هي في يد الله ضابط الكل يدبرها كلها للخير. فإبليس يعيث في الأرض فساداً ولكن الله دائماً قادر أن يخرج من الجافي حلاوة. ولكن في الحياة الأخرى فوق الشمس لن يوجد سوى النور والعدل والحب والمجد. وإبليس لا يكف عن مهاجمة أولاد الله وبكل الوسائل ليفقدهم هذا المجد المعَّد لهم، فإذا ثار عليك روح المتسلط الذي هو إبليس (قد يكون هذا بأن يسقط الإنسان في خطية أو يثير الدنيا ضده فيشعر بظلم) فماذا نفعل؟ لا تترك مكانك (4)= لا تيأس من رحمة الله القادرة أن تعيدك بالتوبة إلى مكانك لأن الذي ييأس سيغادر مكانه منحرفاً لخطايا أكثر، مندفعاً في طريق الشر فيجلب سخط الله عليه. ومن يهدأ أمام الله سيرحم نفسه من السقوط في خطايا كثيرة. الآيات (8-11):- " 8مَنْ يَحْفُرْ هُوَّةً يَقَعُ فِيهَا، وَمَنْ يَنْقُضْ جِدَارًا تَلْدَغْهُ حَيَّةٌ. 9مَنْ يَقْلَعْ حِجَارَةً يُوجَعْ بِهَا. مَنْ يُشَقِّقُ حَطَبًا يَكُونُ فِي خَطَرٍ مِنْهُ. 10إِنْ كَلَّ الْحَدِيدُ وَلَمْ يُسَنِّنْ هُوَ حَدَّهُ، فَلْيَزِدِ الْقُوَّةَ. أَمَّا الْحِكْمَةُ فَنَافِعَةٌ لِلإِنْجَاحِ. 11إِنْ لَدَغَتِ الْحَيَّةُ بِلاَ رُقْيَةٍ، فَلاَ مَنْفَعَةَ لِلرَّاقِي. " نجد هنا نصائح لكلا الحاكم والمحكوم، وسليمان هنا يحذر المحكوم من أن يثور ضد الحاكم الظالم محاولاً قلب نظام الحكم بثورة وعنف وتدبير المؤامرات فكل تدبير شرير سينقلب على من دبّرهُ. وسليمان ينصح باستخدام اللسان الحلو والحكمة، فلا يكفي للمصلح أن يكون غيوراً، بل عليه أن يكون حكيماً. وفي نفس الوقت فالكلام يعتبر تحذير للحاكم من أن يستمر في ظلمه، فهو إن ظلم شعبه سيسقط هو بشره، فعدل الله يلاحق الجميع حكام ورعية. من يحفر هوة يقع فيها= هذا ما حدث مع هامان، فقد صلب على الصليب الذي أعده لمردخاي. والصليب الذي أعده إبليس للمسيح، حطمه هو نفسه وبدد سلطانه على المؤمنين. ومن ينقض جداراً تلدغه حية= من ينقض جداراً تلدغه حية معششة فيه ومختفية فيه. وهذه توجه لمن يحاول أن يهدم أركان سلامة الملك الذي أقامه الله ويضعه تحت حمايته. وتوجه لكل من يحاول أن يُدمِّر حياة وسلامة أقربائه، ولكل من يهتم بالهدم عوض البناء، فهؤلاء تلدغهم حية الحسد والبغضة ويموت ويهلك أبدياً. من يقلع حجارة يُوجع بها= من يقلع حجارة بيت قريبه تقع عليه وتصيبه. وهذه موجهة لمن يحاول أن يهدم نظام الحكم. ولكل من يحاول تغيير نظام ما بالعنف فسيسقط على رأسه ويكون أول من يتوجع. من يشقق حطباً يكون في خطر منه= شق الحطب قد يشير لمحاولة إغتيال الحاكم (سواء عملياً أو أدبياً) أو تشير لمحاولة إيذاء أي إنسان، فمثل هذا ستؤذيه الشظايا، أو يُؤذيه سلاح الآلة التي يستخدمها إذ ينفلت. وهكذا كل كلام عنيف ضد أحد سيؤذي المتكلم. إن كَلَّ الحديد ولم يسنن هو حَدّه فليزد القوة= الحكمة تعلمنا أن نسنن الآلة التي نستعملها حتى لا نضطر لزيادة القوة عند شق الحطب. فزيادة القوة تعرضنا لأن تنخلع الآلة. الحديدة من الفأس ونصاب بأذى. وهذا يشير لتهذيب لساننا، فاللسان الحلو مع الحاكم أفضل من أعمال الثورة والعنف ضده، بل هذا ينطبق مع أي إنسان، وكما أن سن الحديد سيوفر على الحطاب تعبه، هكذا حكمة الإنسان ولسانه المهذب تسهل عمله. فلنستعمل روح الوداعة والحب في محاولاتنا لأي إصلاح. ثم يحذرنا من أن اللسان الخبيث كلدغات الحية القاتلة، مطالباً إيانا أن تكون لشفاهنا مسحة النعمة حتى لا ننطق بجهالة. إن لدغت الحية بلا رقية فلا منفعة للراقي= إن الثائر كالحية يلدغ، فلنرقِهِ بكلمات الوداعة والحب الحكيم قبل أن يلدغنا، كما فعل يعقوب في مقابلته مع عيسو (تك13:32-21) وكما فعلت أبيجايل مع داود (1صم18:25-35). وفكرة رَقْيْ الحيات يستعملها سكان القرى، حين يجدون أن حية مختبئة في جحر، فيستدعون متخصص يغني ويضرب على المزمار والطبلة فتخرج الحية على أصوات الغناء فيمسكها ويخلع أسنانها لكي لا تضر أحد، وهكذا لو رَقَيْتَ العنيف بكلمات حكمة عذبة تحطم أنياب شره قبلما يقتلك. أما إن تركته يلدغك فلا ينفع الرقي بعد أن يسرى السم في جسمك، والحكمة تعلمنا أن نرقي الحية عوضاً عن أن نهاجمها فتلدغنا، فالرقية هي التي تسكن غضب الثائر وتصرف شره. الآيات (12-15):- "12كَلِمَاتُ فَمِ الْحَكِيمِ نِعْمَةٌ، وَشَفَتَا الْجَاهِلِ تَبْتَلِعَانِهِ. 13اِبْتِدَاءُ كَلاَمِ فَمِهِ جَهَالَةٌ، وَآخِرُ فَمِهِ جُنُونٌ رَدِيءٌ. 14وَالْجَاهِلُ يُكَثِّرُ الْكَلاَمَ. لاَ يَعْلَمُ إِنْسَانٌ مَا يَكُونُ. وَ مَاذَا يَصِيرُ بَعْدَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ؟ 15تَعَبُ الْجُهَلاَءِ يُعْيِيهِمْ، لأَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ " عكس الحكيم الذي يتكلم بوداعة، نجد الجاهل الذي يتكلم كثيراً، دون إدراك لعواقب الأمور. فكلمات الحكيم تكشف عما في قلبه من نعمة وحكمة. وكلمات الجاهل تكشف عما في قلبه من فساد. وكلمات النعمة من الحكيم ترضى الناس وتقنعهم وتجذب محبتهم، أما شفتا الجاهل تبتلعانه= أي كلماته الرديئة تجلبان عليه الهلاك، وسيكون كلامه سبباً لمشاكل كثيرة تبتلعه، بل قد تؤدي لهلاكه أبدياً، وهنا على الأرض كلامه سيؤاخذ عليه ويدينه.(مت37:12 + مز8:64+ 1مل23:2). والجاهل ابتداء فمه جهالة وآخر فمه جنون رديء= هو يتقدم من أمر بسيط إلي شر اعظم ، يبدأ بالخطأ، ولأنه متهور فهو يندفع ويهيج نفسه بكلامه، فيقول في الآخر كلاماً صعباً متهوراً يقترب من الجنون ويصبح غير قادراً أن يسيطر على كلماته. وهو يكثر الكلام دون إدراك لعواقب الأمور، وهو يتكلم كثيراً في أمور يعلمها وأمور لا يعلمها، بل يتكلم في أمور لا يعلمها أحسن العلماء، بل يتكلم عما سيكون في المستقبل وعن أمور غامضة لا يعرفها أحد= لا يعلم إنسان ما يكون، وماذا سيصير بعده من يخبره= الحقيقة أنه لا يعلم إنسان تماماً كل ما يحدث حوله في عصره وهو حي، ولا يعلم ماذا سيحدث بعد أن يموت. ولو عرف إنسان جهله بالحاضر والمستقبل لصمت، لذلك فالحكماء لا يتكلمون كثيراً. تعب الجهلاء يعييهم= لأن الجاهل يتكلم كثيراً يسقط في الإعياء بسبب تعبه النفسي وشعوره بالفشل والظلم، فهو بنى كثيراً ولكن على الرمال (تكلم كثيراً ولكن على أسس واهية فهو لا يعلم). وهو كمن يجمع مالاً في كيس مثقوب. هو يسعى كثيراً ولكن لأغراض لا طائل تحتها، وهو لا يستطيع أن يكمل عملاً واحداً، وتخور قوته. ويفقد طريقه إلى المدينة= لأنه لا يعلم كيف يذهب إلى المدينة= هو لا يستطيع أن ينجز عملاً حتى لو كان الذهاب إلى مدينة (يبدو أن القول لا يعلم كيف يذهب إلى المدينة كانت مثلاً شائعاً) وروحياً فالخاطئ الجاهل يعجز عن معرفة الطريق للمدينة السماوية ويبقى خارجاً عن مدينة الله. الآيات (16-17):- "16وَيْلٌ لَكِ أَيَّتُهَا الأَرْضُ إِذَا كَانَ مَلِكُكِ وَلَدًا، وَرُؤَسَاؤُكِ يَأْكُلُونَ فِي الصَّبَاحِ. 17طُوبَى لَكِ أَيَّتُهَا الأَرْضُ إِذَا كَانَ مَلِكُكِ ابْنَ شُرَفَاءَ، وَرُؤَسَاؤُكِ يَأْكُلُونَ فِي الْوَقْتِ لِلْقُوَّةِ لاَ لِلسَّكْرِ." هذه موجهة للملوك والرؤساء. ملكك ولداً= أي غير ناضج في تصرفاته كأحاز ومنسى، هو قد يكون كبيراً سناً ولكنه ولد في تصرفاته كرحبعام. يأكلون في الصباح= كانت العادة قديماً أن يبدأوا يومهم بالعمل ويأكلون عند الظهر، فالصباح وقت العمل، وللحكام هو وقت الجلوس للقضاء، أما من يبدأ يومه بالأكل تاركاً عمله فهؤلاء يعبدون بطونهم غير مبالين بشعبهم. ابن شرفاء= بفضائله وليس بنسبه. يأكلون في الوقت= أي بعد إنتهاء أعمالهم. تأمل: الأرض تشير لجسدنا. والجسد الذي لإنسان غير ناضج يعبد بطنه وشهواته يسقط تحت اللعنة "ملعونة الأرض بسببك" فمن يطلب حياة اللهو والتسيب ينبت جسده شوك الخطية والدنس، أما من يهتم بالعمل الجاد ويذكر أنه ابن الله= ابن شرفاء، ويجاهد يتحول جسده إلى جنة الله الحاملة ثمار الروح القدس. الآيات (18-19):- "18بِالْكَسَلِ الْكَثِيرِ يَهْبِطُ السَّقْفُ، وَبِتَدَلِّي الْيَدَيْنِ يَكِفُ الْبَيْتُ. 19لِلْضَّحِكِ يَعْمَلُونَ وَلِيمَةً، وَالْخَمْرُ تُفَرِّحُ الْعَيْشَ. أَمَّا الْفِضَّةُ فَتُحَصِّلُ الْكُلَّ. " هنا تحذير للملك من الكسل، والاهتمام بالولائم والأكل والشرب وإهمال رعيته، فبهذا ستهدم مملكته. فكما ينهار البيت إذا أهملت صيانته، هكذا تنهار المملكة بسبب عدم عناية رؤسائها. وهكذا كل خادم مهمل تنهار رعيته. والحكام الظالمين ليس فقط يهملون رعيتهم بل هم يظلمونهم بكثرة الضرائب ويقبلون الرشاوي من كل أحد ليقيموا الولائم ويشربون الخمر، للضحك يعملون وليمة= أي يعملوا ولائم ليضحكوا ويلهوا ويشربون ويأكلون. والخمر تفرح العيش= هذا الحاكم يستمر مستغرقاً في لذاته متصوراً أنه بهذا يفرح ولكنه فجأة بسبب إهماله سيجد مملكته وقد إنهارت، ولا يستطيع بعد أن يجد فضة يفعل بها مسراته فقد هبط سقف مملكته وإنهار البيت= لأنه أهمل رعايته. بينما لو كان قد قام بعمله بجدية لوجد الفضة التي يعيش بها ويفرح وتفرح مملكته= أما الفضة فتحصل الكل هذا موجه لكل إنسان ليهتم ببيته وأسرته ويعمل ويجد فيفرح الجميع. وروحياً فكل من يجاهد سيفرح أما الكسول فسينهار بناؤه الروحي. آية (20):- "20لاَ تَسُبَّ الْمَلِكَ وَلاَ فِي فِكْرِكَ، وَلاَ تَسُبَّ الْغَنِيَّ فِي مَضْجَعِكَ، لأَنَّ طَيْرَ السَّمَاءِ يَنْقُلُ الصَّوْتَ، وَذُو الْجَنَاحِ يُخْبِرُ بِالأَمْرِ." ولا في فكرك= كل خطية تبدأ في الفكر، لذا يلزم مطاردتها من البداية. ولا يليق بنا كشعب الله أن نسب أحداً حتى لو في أفكارنا، خاصة أصحاب السلطة. ولندرك أن ما نفعله خفية سيفتضح علانية، وربما عنى بطير السماء= الجواسيس الواشين. لكن إن كنا أمناء في أعماقنا فلن نخاف أحد. ولنعلم أن ما نفكر فيه فلساننا سينبئ به وسينقل هذا للملك. ولا داعي للتذمر على الملك ولا سبه فكل ما نقول سيصل إليه، ولنترك لله إصلاح الأمور إن أراد. وإذا فهمنا ان الملك يملك بموافقة الله ( رو 13 ) فهل نسب الملك.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح