كلمة منفعة
عندما قال بولس الرسول (إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ) (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 3: 13، 14). لم يقصد بما هو وراء، الخطايا، إنما كان يقصد البر. يصنع كل فضائله وراءه ويمتد إلى قدام.
— انس ما هو وراء
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع الأصحاح التاسع مائدة الحكمة لا يقف عمل الحكمة عند النداء العملي لكل البشرية والدعوة للتمتع به بكونه حكمة الله الأزلي، الخالق والمدبر للخليقة كلها، مقدمًا بركاته الفائقة، لكنه يكشف هنا عن المائدة التي أعدها للمؤمنين، تكلفتها بذل ذاته بالحب العملي على الصليب لأجل الإنسان. يدعونا السيد المسيح - الحكمة الإلهي - إلى سمواته لكي نشبع من المائدة الفريدة الغنية، فقد حمل جسدنا بيتًا له، وصار جسده الحقيقي الذي يبذله بالحب طعامًا روحيًا يشبع النفس ويرويها. جاء السيد المسيح نفسه ليدعونا إلي وليمته، كما بعث إلينا تلاميذه ورسله والعاملين في كرمه لتقديم دعوة عامة لكل البشرية. لكن لا يستطيع أن يتمتع بهذه الدعوة إلا من يشعر بجهله واحتياجه إلي الحكمة. مسيحنا جاء لا ليدعو الأبرار، بل الخطاة إلي التوبة. اختار جهال العالم لكي يخزي بهم الحكماء في أعين أنفسهم، واختار الضعفاء ليخزي الأقوياء، والمزدري وغير الموجودين ليخزي بهم من يظنوا في أنفسهم أنهم شيء (1كو27:1). من لا يقبل وليمة الحكمة يجد نفسه قد انسحب إلي وليمة الجهل. 1. مائدة الحكمة 1-12. 2. مائدة الجهل13-18. مائدة الحكمة يستعرض سليمان الحكيم اهتمام حكمة الله بالمائدة السمائية التي أعدها لمحبوبيه، بني البشر، الذين هم موضع سروره ولذته، موضحًا تكلفتها وفاعليتها في حياتهم. تحدث عن الآتي: أ. بيت الوليمة [1]. ب. قوة البيت وثباته [2]. ج. طعام فريد [2]. د. شراب فريد [3]. هـ. نظام الوليمة [2]. و. الدعوة للوليمة [3]. ز. فاعلية الوليمة [4-6]. ح. جدية الوليمة [7-9]. ط. طريق الوليمة [10]. ي. امتداد الوليمة [11]. ك. المنتفع بالوليمة [12]. أ. بيت الوليمة كل إمبراطور أو ملك أو رئيس دولة يهتم أن يخصص جزءًا رئيسيًا من قصره لإقامة الولائم، خاصة للأباطرة أو الملوك أو الرؤساء، وأيضًا لرجال الدولة والمسئولين وغيرهم. تكشف صالة الوليمة عن اهتمام الشخص بمن يدعوهم كما تعلن عن شخصية من قدم الوليمة. لذا فإن المبني يحمل طابعًا قوميًا يكشف عن حضارة البلد وإمكانياته الخ. أما حكمة الله فلم يبنِ منزلاً ليدعو الآخرين إليه، بل قبل طبيعتنا البشرية، إذ صار إنسانًا حقًا. صار البيت ليس بغريبٍ عنه، بل هو بيته. اتحد لاهوته بناسوته بلا انفصال وبغير امتزاج. فالدعوة التي يقدمها لنا هي أن نثبت فيه فنصير أعضاء جسده. أنها دعوة اتحاد أبدي معه! لقد فتح أبواب بيته، أي جسده، ليس فقط حين فتح فاه أمام الجماهير في موعظته علي الجبل، ولا حين تحدث معنا علي مستوي الجماعة كما علي المستوي الشخصي، مع كل أحدٍ منا، وإنما حين سمح بفتح جنبه علي الصليب ليفيض لنا دمًا وماء. جنبه مفتوح علي الدوام لكي ندخل في بيته، ونتلامس مع أحشاء حبه الناري، فننعم بالوجود الدائم معه وفيه. وكما يقول صاحب الوليمة نفسه: "اثبتوا فيَّ وأنا فيكم" (يو15:4). ويقول الرسول بولس: "حياتكم مستترة مع المسيح " (كو3:3). "الحكمة بنت بيتها" [1]. البيت الذي بناه حكمة الله هو ناسوت السيد المسيح. لقد هيّأت خطة اللَّه الأزلية التجسد لكي يتحقق الخلاص. V ليتنا ننظر إلى المسيح من الجانبين: الكلمة الإلهي الذي صار واحدًا في مريم مع الذي أخذه من مريم. فإنه في رحمها شكَّل الكلمة لنفسه بيته، كما أنه في البداية شكَّل آدم من الأرض أو بالأحرى كما قال سليمان الحكيم صراحة، إذ يعرف أن الكلمة قد دُعي الحكمة: "الحكمة بنت بيتها"، وقد فسّرها الرسول قائلاً: "ونحن بيته"، وفي موضع آخر يدعونا هيكلاً. إن كان يليق باللَّه أن يسكن في هيكل على صورة (معينة) مصنوع من حجارة، فقد أمر بواسطة سليمان الشعب القديم أن يبنيه، بينما عند ظهور الحق توقفت الصورة (إذ ظهر الحق نفسه) [250]. البابا أثناسيوس الرسولي V لكننا نقول إنه في الجزء الأول من الكتاب حيث يقول "الحكمة بنت بيتها" يُشير بطريقة غامضة خلال هذه الكلمات إلى إعداد جسد الرب، فإن الحكمة الفائقة لم تسكن في مسكن لآخر، بل بنت لنفسها مسكنًا من جسد العذراء... هكذا يمكننا أن نرى في هذه العبارة سليمان يتحرك بروح النبوة ويسلم لنا فيها كمال سرّ التجسد[251]. القديس غريغوريوس أسقف نيصص V هنا بالتأكيد ندرك أن حكمة اللَّه، أي الكلمة الشريك مع الآب في الأزلية قد بنى لنفسه بيتًا، أي جسدًا بشريًا في أحشاء البتول، وأخضع الكنيسة له كأعضاء للرأس، وقد ذبح الشهداء كذبائح، وأعد مائدةً بالخبز والخمر، حيث أبرز الكهنوت على رتبة ملكي صادق، ودعى البسطاء والذين ينقصهم الحس، وكما يقول الرسول: "اختار اللَّه ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (1كو27:1)[252]. القديس أغسطينوس V شهادة القديس غريغوريوس أسقف نيصص في كتابه ضد أونوميوس: "كان الكلمة قبل كل العصور، أما الجسد فصُنع في ملء الزمان، ولا يستطيع أحد أن يقول العكس أن الجسد كان قبل الدهور أو الكلمة صُنع في ملء الزمان. ثيؤدورت V المسيح، يقصد حكمة اللَّه وقوته، بنى بيتًا له، أي طبيعته في الجسد التي أخذها من العذراء، حيث يقول (يوحنا): "الكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا". وذلك كما يشهد النبي الحكيم: الحكمة الذي كان قبل العالم، مصدر الحياة، غير المحدود، "حكمة اللَّه بنت بيتها" بواسطة أُمٍ لا تعرف رجلاً، أي أخذ هيكل الجسد[253]. القديس هيبوليتس يعلن الكتاب المقدس أن الثالوث القدوس اشترك في إتمام عمل التجسد الإلهي أو في إقامة بيت الوليمة، حيث دبَّر خطة الخلاص، وبني الحكمة الإلهي له بيتًا، وتحقق التجسد الإلهي بعمل الروح القدس في أحشاء القديسة البتول مريم، فنالت كرامة فريدة. والعجيب أن حكمة الله أيضًا يبني بروحه القدوس له فينا بيتًا له، مسكنًا للثالوث القدوس، إذ يقول: "يحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو23:14). V كما نقرأ أن الآب صنع سرّ تجسد الرب، والروح أيضًا، هكذا نقرأ أن المسيح نفسه صنع جسده. بالنسبة للآب كُتب: "الرب خلقني" (أم22:8)، وفي موضع آخر: "أرسل اللَّه ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس". والروح خلق كل السرّ، كما نقرأ: "ووُجدت مريم حُبلى بطفل من الروح القدس"[254]. القديس أمبروسيوس يقيم من إنساننا الداخلي بيت وليمة عجيب، تدعوه النفس "جنته" إذ تناجي حكمة الله، قائلة: "ليأتِ حبيبي إلي جنته ويأكل ثمره النفيس" (نش16:4). ويستجيب الحكمة الإلهي لدعوتها فيقول: " قد دخلت جنتي يا أختي العروس. قطفت مُرّي مع طيبي. أكلت شهدي مع عسلي. شربت خمري مع لبني. كلوا أيها الأصحاب. اشربوا واسكروا أيها الأحباء" (نش1:5). هذا هو البيت الذي يقيمه فينا حكمة الله ويحسبه بيته وجنته، يدعو إليه أصحابه السمائيين ليأكلوا ويشربوا ويفرحوا بثمر روحه القدوس العجيب فينا. يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص علي هذه الدعوة التي تقدمها النفس البشرية لذاك الذي أقام منها جنة وحوّل أعماقها وليمة غنية فيقول: [ من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي وليمتها التي تحمل ثمارها؟ لمن أعَدّتْ وليمة من مصادرها (الداخلية)؟ من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي الوليمة التي أعدتها؟ ليس إلا ذاك الذي منه وبه وفيه توجد كل الأشياء (رو36:11). إنه يعطي لكل شخص طعامه في حينه (مز15:145)، يفتح يديه ويملأ كل حيّ من بركاته. نزل كخبزٍ من السماء (يو41:6)، وأعطي العالم الحياة، وجعل المياه تتفجر من ينبوعه الذي للحياة. هذا هو ذاك الذي تُعد له العروس مائدتها. المائدة هي جنة مزروعة بأشجار حية. نحن بحق الأشجار، والطعام المقدم له هو خلاص نفوسنا[255].] عمل حكمة الله أن يهدم الخيمة القديمة التي هي أعمال الإنسان القديم التي أقامتها الخطية فينا، ليُقيم بيتًا جديدًا داخليًا، يتجدد كل يوم. "إن كان إنساننا الخارجي يفني فالداخل يتجدد يومًا فيومًا" (2كو16:4). هذا البيت الذي بناه السيد المسيح هو كنيسته المقدسة حيث يقدم نفسه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس ولكنه مختار من الآب وكريم (1بط4:2)، يحملنا كحجارة حية ترتكز عليه، نُبني بجوار بعضنا البعض ونتحد معًا لنصير أشبه ببرجٍ واحدٍ. وكما يقول القديس بطرس الرسول: "كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حية، بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح " (1بط5:2). ب. قوة البيت وثباته "نحتت أعمدتها السبعة" [1]. إن كان قد أقام حكمة اللَّه لنفسه بيتًا، إذ اقتبس ناسوتنا وجعله واحدًا معه، فإنه نحت أعمدة سبعة يقيم عليها البناء. ما هذه الأعمدة إلا روحه الناري الواحد معه. هذا الروح الذي لا ينفصل عنه، وهبنا إياه بإقامته إنساننا الداخلي بيتًا له، فصرنا مسنودين به، يقودنا بقوة إلي مراعي المسيح التي لا تنضب، ويدخل بنا إلي ملكوته الأبدي، واهبًا إيانا القوة والنصرة والتعزيات الفائقة. V يستحيل أن ينال أحد نعمة الله، ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله[256]. القديس ديديموس الضرير V يُسمي (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرِّح الذين في الشدائد[257]. القديس مقاريوس الكبير V حين تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعزى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، ويُفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس[258]. مار اسحق السرياني V "وأقامت أعمدتها السبعة"، أي الرائحة الذكية التي للروح الكلي القداسة، كقول إشعياء: "وأرواح اللَّه السبعة تستقر عليه". ويرى البعض أن الأعمدة هي السبعة أنظمة التي تقوم عليها الخليقة بتعليمه (الإلهي) المقدس والموحى به، أي الأنبياء والرسل والشهداء والكهنة والمتوحدين والقديسين والأبرار. V إنه يقصد أورشليم الجديدة والجسد المقدس. ويعني بالأعمدة السبعة وحدة الروح القدس السباعية المستقرة عليها[259]. القديس هيبوليتس V بخصوص كرامة الرقم 7 لدينا شهادات كثيرة، لكننا نكتفي بالقليل من الكثير. كمثال: سبعة أرواح ثمينة قد سُميت، فإنني أظن أن إشعياء يحب أن يدعو أنشطة الروح أرواحًا، وتعاليم الرب المصفاة سبعة مرات كقول داود (مز6:12)، والبار يخلص من ست ضيقات وبالسابعة لا يُضرب. أما الخاطي فيُغفر له ليس سبع مرات، بل سبعين مرة سبع مرات. وأيضًا يمكننا أن نرى ذلك بالمقابلالنقيض (فإن عقاب الأشرار ممتدح)، فاُنتُقِم لقايين سبع مرات، أيضًا أن العقوبة عن قتل أخيه إذ تحققت، اقتص له للامك سبعين مرة سبع مرات، لأنه كان قاتلاً حسب الشريعة ويُدان. والأقرباء الأشرار ينالون سبع أضعاف في حضنهم، وبيت الحكمة يستقر على سبعة أعمدة، وحجر زربابل يزين بسبعة أعين، واللَّه يُسبح سبع مرات في اليوم، وأيضًا تحمل العاقر سبع، الرقم الكامل، وذلك في مقابل تلك التي أولادها غير كاملين[260]. القديس غريغوريوس النزينزي ج. طعام فريد "ذبحت ذبحها" [2]. ماذا يقدم السيد المسيح في بيته إلا جسده المبذول، ذبيحة حب، يشتمها الآب رائحة رضا، ويقدمها لمؤمنيه مائدة فائقة سماوية. V هذه المائدة هي عضد نفوسنا، رباط ذهننا، أساس رجائنا، خلاصنا ونورنا وحياتنا. V عندما تري المائدة معدة قدامك قل لنفسك: من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا، ولا أكون سجينًا بل حرًا! من أجل هذا (الجسد) أترجى السماء، وأتقبل الخيرات السمائية، والحياة الخالدة، ونصيب الملائكة، والمناجاة مع المسيح! سُمر هذا الجسد بالمسامير وجُلد، ولا يعود يقدر عليه الموت! إنه الجسد الذي لُطخ بالدماء وطُعن، ومنه خرج الينبوعان المخلصان للعالم: ينبوع الدم وينبوع الماء[261]. القديس يوحنا الذهبي الفم إذ نتناول هذه الذبيحة الفريدة نشتهي أن نشارك مسيحنا حبه الذبيحي فنقدم ذبائح حب بلا انقطاع. وكما يقول العلامة ترتليان: [ تخرج هذه الذبيحة من كل القلب، وتتغذى علي الإيمان، وتراعي الحق، تدخل في براءة ونقاوة، في عفة، تتزين بالحب. ويلزمنا أن نحرسها بعظمة الأعمال الصالحة، مقدمين مزامير وتسابيح علي مذبح الله لننال كل الأشياء منه[262].] نقدم مع الرسول بولس ذبيحة الألم اليومي فنترنم قائلين: "من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق كما هو مكتوب أننا من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنمٍ للذبح" (رو25:8،26). بصليب ربنا تُذبح الأنا فنقول: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا" معتزين بأن المسيح الذبيح صار حيًا فينا فنقول: "بل المسيح يحيا فيَّ" (غلا 20:2). نقدم ذبيحة الاتضاع أمام الله (مز16:51،17)، ذبائح البرّ (مز5:4)، ذبيحة الجسد المضبوط بصليب الرب (رو1:12)، ذبيحة التسبيح (عب15:13). V أنا نفسي أود أن أكون في عداد أبنائها لكي أُذبح بواسطتها. أود أن أّذبح لكي أكون ابنًا. لكن هل هي قاتلة لأبنائها، أو مُعذبة لهم؟ فإني اسمع الله أيضًا في موضع آخر يقول: "احرقهم كالذهب في النار، وأُمحصهم كالفضة المصفَّاة". بالتأكيد إنه بآلام النار والعقوبات وباختبار الاستشهاد من أجل الإيمان. يعرف الرسول أيضًا نوعًا من الذبح يصفه لنا: "الذي لم يُشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء؟" أنظر كيف تذبح الحكمة الإلهية حتى ما لها! يُذبح الابن البكر الوحيد، الذي ليس فقط يحيا بل يهب حياة للآخرين. أقول: إنه السيد المسيح الذي يبذل ذاته من أجل معاصينا[263]. العلامة ترتليان V العبارة: "ذُبحت حيواناتها" تُشير إلى الأنبياء والشهداء الذين قُتلوا في كل مدينة ودولة بواسطة غير المؤمنين من أجل الحق، ويصرخون قائلين: "من أجلك ذُبحنا كل النهار، حُسبنا كغنم نُساق للذبح"[264]. القديس هيبوليتس د. شراب فريد "مزجت خمرها" [2]. نادرًا ما كان قدماء اليهود أو اليونانيين أو الرومانيين يشربون الخمر دون مزجه بماء، وقد تعرض كثير من قدامي الكتاب لهذا الأمر، فالبعض يرى مزج الخمر بالماء بنسبة 3 إلى 1، وآخرون 5 إلى 1، وأشار بليني Pliny إلا أن بعض الخمور تحتاج إلى إضافة 20 قدرًا من الماء عليها، لكن الغالبية العظمى يرون إضافة 3 مقادير من الماء إلى قدرين من الخمر. هذا والبعض لا يمزج الخمر بالماء ليضعف من قوته بل يمزجه ببعض التوابل أو العسل، أو المر، أو madragora أو opium وغير ذلك لكي تزداد حدة الخمر، فلا يصير مسكرًا فحسب بل ويجعله مخدرًا. وربما المزج أيضًا يُشير إلى مزجه بأنواع ثمينة من الخمر لكي تسبب للإنسان فرحًا وبهجة قلبٍ. يقدم لنا حكمة الله دمه الطاهر شرابًا روحيًا سمائيًا. وكما جاء في قداس الأسقف سرابيون: [ نقدم لك هذا الخبز وهذه الكأس اجعل كل المشتركين فيها أن يتناولوا دواء الحياة، شفاءً لكل ضعفٍ، وسندًا لكل تقدم وفضيلة، وليس دينونة علينا.] V علاوة على هذا فإن الروح القدس يظهر بواسطة سليمان الحكيم نظام ذبيحة الرب، مُشيرًا إلى الذبيحة المقدمة من الخبز والخمر. وأيضًا عن المذبح والرسل يقول "الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها في الكأس، أيضًا رتبت مائدتها، أرسلت جواريها تُنادي على ظهور أعالي المدينة: " من هو جاهل فليمل إلى هنا". والناقص الفهم قالت له: "هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها". يُعلن عن الخمر الممزوج، أيضًا يخبرنا مقدمًا بصوت نبوي عن كأس الرب الممزوج بماء وخمر، التي تظهر أنها تمت في آلام ربنا والتي سبق النبوة عنها[265]. القديس كبريانوس V العبارة: "مزجت خمرها" في وعاء فخاري تعني أن المخلص، يتّحد بلاهوته بالجسد مثل خمرٍ نقيٍ في البتول، مولودًا منها إلهًا وإنسانًا في نفس الوقت دون امتزاجٍ بينهما[266]. القديس هيبوليتس V إذ يبطلون اللبن يشربون خمرًا يفرح قلوب من هم أكثر كمالاً، الذين لا يعودون يمارسون الأمور الطفولية. الآن صاروا قادرين علي شرب الأمور الصالحة من كأس الحكمة بأفواههم[267]. القديس غريغوريوس أسقف نيصص يقدم لنا حكمة الله كأس الخمر، الذي هو دمه المبذول عنا غفرانًا لخطايانا، ومعه كأس الحكمة لندرك بها أسرار الكتاب المقدس وننال معرفة روحية فعَّالة في حياتنا. V هؤلاء الذين يتقبلون رموزًا من الكتاب المقدس حسب فهم التلاميذ ينعمون بالرجاء في أن القديسين يأكلون حقًا، بل سيكون خبز الحياة الذي ينعش النفس بطعام الحق والحكمة وينير الذهن ويجعله يشرب من كأس الحكمة الإلهية حسب إعلان الكتاب المقدس[268]. العلامة أوريجينوس إن كان الخمر يشير إلي الفرح الروحي، فإننا إذ نتناول من الدم المقدس، وإذ نشرب من كأس الحكمة، يتولد فينا فرح حقيقي يسند النفس ويرويها، فلا تخور في طريق الآلام. هـ. نظام الوليمة "أيضًا رتبت مائدتها" [2]. بقوله "رتبت" أو "أعدت" مائدتها، يؤكد الكتاب المقدس أن هذه الوليمة مع كونها مجانية، وأبوابها مفتوحة لكل بشر، لكنها وليمة أعدها الرب نفسه. هيأ البشرية لأجيال طويلة خلال الآباء والأنبياء لدخولهم إليها. للوليمة نظامها وتدبيرها، لأن الذي أعدها إله نظام وليس إله تشويش (1كو32:14). و. الدعوة للوليمة "أرسلت جواريها تنادي على ظهور أعالي المدينة: من هو جاهل فليمل إلى هنا. والناقص الفهم قالت له: هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها" [3-5]. أرسلت الحكمة جواريها إلي قمم التلال والمرتفعات والجبال لتنادي، فهي دعوة عامة وعلنية، لأن الله يريد أن الكل يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون. كانت العادة قديمًا في بعض المدن الآسيوية أن يُرسل الشخص إلى المدعوّين مجموعة من الجواري النساء يسبقهن بعض الخصيان ويُقدمون دعوة الاستضافة. يرى القديس إكليمنضس السكندري[269] أن هؤلاء المرسلين هم الأنبياء الذين تقدموا الرب، وقد أرسلهم ليدعوهم إلى الوليمة؛ هؤلاء ليسوا سارقين ولا لصوص، أما الفلسفة فلم تُرسل بواسطة الرب لذا جاءت تسرق. وهو يقصد هنا الفلسفات المُضادة للحق والمقاوِمة لمعرفة اللَّه. V العبارة: "أعدت مائدتها" تُشير إلى معرفة الثالوث القدوس الموعود بها، كما تُشير إلى جسده ودمه الطاهرين الثمينين، اللذين يقدمان كل يوم ذبيحة على المائدة الإلهية الروحية، تذكارًا دائمًا للعشاء الأول الإلهي الروحي[270]. القديس هيبوليتس صرخة الدعوة موجهة إلي من يشعر أنه جاهل لكي يميل ويتمتع بالحكمة الإلهية، ومن يشعر بنقص الفهم يتقدم ليتمتع بمائدة المعرفة الحقة. V في بيت الوليمة هذا يجد الآتين من المشارق والمغارب موضعًا لهم في حضن إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات.[271] العلامة أوريجينوس ز. فاعلية الوليمة "اتركوا الجهالات فتحيوا، وسيروا في طريق الفهم" [6]. إذ يستجيب المؤمن لنداء الحكمة العلني المجاني يليق به أن يعلن عن تجاوبه مع هذا النداء بترك الجهالات والسير في طريق الفهم، وذلك بغني نعمة الله العاملة فيه. يطالبنا بترك الجهل والجهال، فإن من يصاحبهم بالضرورة يصير جاهلاً مثلهم. V تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه (مائدة الرب) فهي شركة مع الله.[272] القديس كيرلس الأورشليمي V المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان. حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار. القديس كيرلس الكبير ح. جدية الوليمة "من يوبخ مستهزئًا يكسب لنفسه هوانًا، ومن يُنذر شريرًا يكسب عيبًا. لا توبخ مستهزئا لئلا يبغضك، وبخ حكيما فيحبك " [7-8]. كان الفلاسفة يظنون أنهم بلا خطية، يمثِّلون طبقة خاصة معصومة من الخطأ، لكن كلمة اللَّه تكشف عن ضعف الطبيعة البشرية وحاجة الكل، حتى المعلمين والقادة، إلى التعلم المستمر. V ألعل هذا هو السبب أنه لا يوجد أحد حتى من بين الذين يتجاسرون وينعتون أنفسهم كحكماء، لأنهم (الفلاسفة) يظنون أن الحكيم بلا خطية؟ أما كتابنا المقدس فلا يقول هذا بل يقول: "وبِّخ حكيمًا فيحبك" [8]. بلاشك من يظن أن الإنسان يلزم أن يُوبخ، يحكم بأنه خاطي. على أي الأحوال، من جانبي لا أجسر أن أحسب نفسي حكيمًا حتى بهذا المعنى. يكفيني أن أحسب نفسي ما لا يستطيعوا أن ينكروه، أي يُنسب الصراع من أجل الحكمة إلى الفلاسفة، أي إلى محبي الحكمة. فإن الذين يمتهنون محبة الحكمة لا يتوقفون عن الصراع من أجل الحكمة، ويُحسب هؤلاء أكثر منهم حكماء[273]. القديس أغسطينوس الدعوة موجهة إلى الجميع، لكن لا يدركها إلا الإنسان الجاد في خلاص نفسه. لهذا فإن المستهزئ إذ يجد في الدعوة توبيخًا لاستهتاره عوض التجاوب مع نداء الحكمة يهين من يقدمها إليه، والشرير المصمم علي شره عوض التوبة ينسب لمن يهتم بخلاصه العيوب والشرور. ليس عجيبًا أن "كل من له يُعطي فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يُؤخذمنه" (مت29:25). من لديه حكمة يزداد حكمة، لأنه يطلب أن ينمو فيها، يحب من يعلمه ويوبخه لينال معرفة. وأما من له روح السخرية والاستهزاء والشر يزداد شرًا، لأنه يحمل بغضة لمن يوبخه أو يرشده. "أعطِ حكيمًا فيكون أوفر حكمة، علِّم صدِّيقًا فيزداد علمًا" [9]. لم يقل "أعط تعليمًا للحكيم"، بل قال "أعط حكيمًا"، دون تحديد ما تقدمه له. فالحكيم ينتفع من كل ما يُعطى إليه؛ إنه كالنحلة التي تجمع عسلاً من كل زهرة. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في شعبه حكماء يحتاجون أن يبدأ معهم بعض تأملاته في الكتاب المقدس ليفتح لهم الطريق، وأما هم فيكملون ما بدأه ويُضيفون عليه، إذ يزدادون حكمة. V يليق بنا أن نقدم كل النقاط الأخرى، لكن بهذا يصير الحديث طويلاً للغاية، ويمتد إلى مدة طويلة جدًا. لهذا فإننا نتوقف عن أن نقدم نقاط أخرى، ونترك هذا الأمر لكم، ففي وسعكم أن يكون بين أيديكم. أنه في قدرتكم أن تجمعوا هذه النقاط معًا في البيت وتفحصوا الاختلافات، وبنفس الطريقة تدركون نقاطًا جديدة. قيل: "أعط بدء المكان للحكيم فيزداد حكمة" [9 LXX]. فالبدء هو من عندنا، وأما النهاية فهي عندكم[274]. القديس يوحنا الذهبي الفم ط. طريق الوليمة "بدء الحكمة مخافة الرب، ومعرفة القدوس فهم" [10]. لن نستطيع الدخول في طريق الحكمة ما لم نطلب مخافة الرب، فهي بدء الحكمة، وهي غايتها أيضًا. نبدأ بالمخافة الإلهية التي ترافقنا طوال الطريق حتى تدخل بنا إلي الأحضان الإلهية. ننعم بالخوف الممزوج بالحب، ليس خوف العبيد الذي يطرد المحبة، بل خوف البنين الذين يتمتعون بروح الحب. يتحدث العلامة ترتليان في هجومه على الفلسفة والفلاسفة قائلاً: بأن الفلاسفة يفشلون في التعرف على اللَّه، ويتشككون، ويصيرون في ارتباك بسبب فقدانهم مخافة الرب. ي. امتداد الوليمة "لأنه بي تكثر أيامك، وتزداد لك سنو حياة" [11]. تهب الحكمة كثرة أيام وزيادة سني حياة. إن قصرت أو طالت أيام حياة المؤمن علي الأرض، إلا أنها في عينيْ الله مثمرة وممتدة لا يستطيع الموت أن يحطمها. ك. المنتفع بالوليمة "إن كنت حكيمًا، فأنت حكيم لنفسك، وإن استهزأت، فأنت وحدك تتحمل" [12]. ما يزرعه الإنسان إياه يحصد، فإن زرع حكمة تمتع بها، وإن زرع سخرية واستهزاء لا يضر أحدًا إنما يضر نفسه. V لا يشترك في المائدة الروحية إلا ذاك الذي يُدعى بواسطة (اللَّه)، والذي يصغي إلى الحكمة القائلة: "هلموا كلوا"[275]. القديس ديونسيوس الكبير من يختبر الحكمة يأتي إليها جائعًا، يطلبها لا لينال بركات زمنية، إنما ليقتنيها، وقد عبر يشوع بن سيراخ عن ذلك بقصيدة رائعة في طلب الحكمة ختم بها السفر، جاء فيها: [ في شبابي وقبل تجوالي، التمست الحكمة علانية في صلاتي. أمام الهيكل طلبتها، وإلي آخر حياتي أسعى وراءها. ابتهج قلبي بزهرها، كما يبتهج بعنبٍ ينضج. ودرجت قدمي في الطريق المستقيم. ومنذ شبابي جددت في أثرها. أملت أذني قليلاً فتلقيتها. ووجدت لنفسي تأديبًا كثيرًا. وتقدمت بفضلها، والذي أتاني الحكمة آتيه مجدًا، فإني عزمت أن أعمل بها، وغرت علي الخير فلا أخزي. جاهدت نفسي لأجلها. ومارست الشريعة بدقة بالغة. ومددت يديَّ إلي العلاء. وبكيت علي جهالاتي. وجهت نفسي إليها بالطهارة ووجدتها. ومعها ملكت الإدراك منذ البدء، فلذلك لا أخذل. تحركت أحشائي في طلبها، فلذلك اقتنيت اقتناءً صالحًا.] (يشوع بن سيراخ13:51-21) مائدة الجهل "المرأة الجاهلة صخابة حمقاء ولا تدري شيئًا" [13]. إن كانت مائدة الحكمة قد أعها الله نفسه ورتبها، مقدمًا إمكانيات إلهية يتمتع بها المؤمن ليصير حكيمًا وصاحب معرفة، وينمو فيهما، فإن مائدة الجهل تقدمها المرأة الجاهلة. ولعله يقصد بالمرأة الجاهلة هنا الشر نفسه. ويصفها بالآتي: أ.جاهلة: بلا حكمة ولا معرفة صادقة. ب.صخابة: تسبب صخبًا بلا معني ولا يحمل حبًا، بل ضجيجًا وقلقًا. ج. حمقاء: تتصرف بغباوة. د.متشامخة: تجلس عند باب بيتها علي كرسي في أعالي المدينة، تعلم من يلتصق بها روح الكبرياء. هـ.تنادي السالكين في الحق لكي يتركوا طريقهم ويسيروا وراءها. "لتنادي عابري السبيل المقومين طرقهم من هو جاهل فليمل إلى هنا والناقص الفهم تقول له: المياه المسروقة حلوة وخبز الخفية لذيذ" [15-17]. و. تغوى فتقدم عذوبة مع السرقة، ولذة مع المتخفي في الشر. بينما يقيم حكمة الله بيتًا يدعونا إليه لنتمتع بوليمة حب بادل، إذا بالجهل يدعو الشباب ويغويه لوليمة مياه مسروقة وخبز خفي تُقام في الشارع بدون بيت. ز.تقدم خيالات وموتًا لمن يقبل ضيافتها، ويأكل من خبز الخفية الذي تقدمه والمياه المسروقة الحلوة. "ولا يعلم أن الأخيلة هناك وأن في أعماق الهاوية ضيوفها" [18]. الحكمة الجهالة ملكة تهتم بالبناء. امرأة جاهلة حمقاء. تعد وليمة ثمينة. تدعو للملذات الباطلة. تقدم خبرة الحياة الملوكية. تقدم العبودية للملذات. من وحيْ الأمثال 9 عجيبة هي مائدتك! V قدمت لي جسدك ودمك مائدة سماوية، اشبع وأفرح وأنمو في معرفتك. أتمتع بها واتحد بك يا مخلص نفسي. V حولت نفسي إلى هيكل لك، وأقمت مذبحك في داخلي، وأعلنت كهنوتك الفريد! اقبل حياتي ذبيحة حب. لتسكب عليها خمر فرحك، وتحول أعماقي إلى مقادس حية. V احملني على منكبيك، فإني جاهل وضعيف! انطلق بي في طريقك الملوكي، فأتمتع بمعيتك. V اسندني فلا انجذب إلى وليمة الجهل، ولا اسمع لصوت غريب. ولا أطلب ملذات زائلة، لئلا تنحدر نفسي إلى الهاوية. V اقتحم نفسي ولتدخل إلى أعماقها. افتح لي أبواب السماء فادخل فيها. لتسكن في أعماقي، واسكن أنا في سمواتك! أنت نصيبي وشبعي وتهليل قلبي.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح التاسع رأينا في الإصحاح الثامن، المسيح أقنوم الحكمة، ومن يتبعه يجد حياة، ومن يرفضه يموت. وهنا نجد الحكيم يشدد على هذه الفكرة. ويُصَّوِرْ هنا صراع بين المسيح (الحكمة) وبين إبليس (عدو الخير الذي هو الجهالة والحماقة). وكلاهما يتنافسان في جذب النفس البشرية ليملكا عليها. والقصد من هذه الصورة أن يوضح أن الحياة والموت، الشر والخير كلاهما أمام كل واحد منا. ونحن أحرار أن نختار أيهما لنسلم له القلب. والتصوير تم هنا بأن كلاً منهما أقام وليمة للنفس ويدعوها لتقبل إلى وليمته. ولنلاحظ كم أن نفوسنا غالية عند المسيح وماذا يصنع حتى لا يفقد أي نفس. ونلاحظ أيضاً كم هو شديد حقد إبليس ضدنا فهو لا يريد خلاص نفس أحد بل هلاك كل واحد. الآيات (1-6) المسيح يدعونا لوليمته، وليمة الشركة، المائدة المقدسة لجسده ودمه. الآيات (7-11) يشرح أن الحكيم هو من يستجيب لدعوته. الآيات (12) الطريقان أمامنا وكلٌ بحرية يختار أيهما (هو نفس ما قيل في تث15:30) الآيات (13-16) وليمة بابل الزانية (رؤ2:17)، وليمة إبليس للنفس، وتُصوَّر الخطية هنا على أنها امرأة تدعو الجميع لها وتغريهم بملذات، هي تمتع وقتي بالخطية، ومن يستجيب يسقط في شباكها. الآيات (18) الموت عاقبة من يستجيب للخطية. الآيات (1-6):- "1اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ. 2ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا. 3أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ: 4«مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا». وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ: 5«هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. 6اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ»." في الإصحاح السابق قدم المسيح نفسه كخالق للعالم، وهنا يقدم نفسه كفادي لهذا العالم، مقدماً نفسه كذبيحة ليؤسس كنيسته ويجعلها خليقة جديدة. الحكمة بنت بيتها= سبق أن رأينا للحكمة أبواب يقف عندها طالبي الحكمة (34:8). وطالما لها أبواب، فهي إذن لها بيت يقف عند أبوابه الحكماء ساهرين منتظرين أن يتعلموا وربما يشير البيت الذي بنته الحكمة إلى الهيكل الذي بناه سليمان ولكن سليمان كان يرمز للمسيح، والهيكل كان يرمز لجسد المسيح الذي هو كنيسته (يو18:2-22 + أف30:5) وسليمان هنا يدعو الناس للعبادة في الهيكل الذي بناه، والمسيح يدعو الناس للاشتراك في جسده والثبات فيه "إثبتوا فىّ وأنا أيضاً فيكم" والثبات في جسد المسيح يحتاج منا أن نترك الخطية= اتركوا الجهالات. وبنفس المفهوم يطلب سليمان أن يترك الناس أماكن وبيوت الشر ويأتوا للهيكل. إذاً بيت الحكمة هو بيت المسيح أي كنيسته (1تي5:3) وهو أسسها على صخرة الإيمان به كابن الله الحي (مت16:16-18). نحتت أعمدتها السبعة= الكنيسة تؤسس وهي مستندة دائماً على عمل روح الله القدوس وهو عمله الكامل (رقم 7 رقم الكمال). ونلاحظ في (رؤ1:3) أن المسيح له سبعة أرواح الله، والمسيح هو الذي أرسل الروح القدس للكنيسة، وهو العامل في أسرار الكنيسة السبعة ليؤسس بهم جسد المسيح أي بيته أي كنيسته، هو روح الحكمة روح الرب (أش2:11). والروح القدس أُرِسلَ للكنيسة باستحقاقات دم المسيح= ذبحت ذبحها= فلولا الصليب الذي به تم الصلح بين الله والإنسان ما حل الروح على الكنيسة. مزجت خمرها= الخمر الممزوجة هي خمر أضيفت إليها بعض الأطياب لتجعل لها طعماً لذيذاً ورائحة طيبة، ولاحظ أننا رائحة المسيح الذكية. هي خمر ليست للخلاعة والسكر بل خمر الفرح، رمز لعمل الروح القدس في الكنيسة وفي النفس (نش4:2 + غل22:5 + أف18:5). ورتبت مائدتها= هي مائدة عشاء دعا لها الرب (لو16:14-18). هي مائدة التناول من جسد الرب ودمه، الذي يعطينا الشبع الروحي والفرح الروحي. والمسيح بعد أن قدم ذاته ذبيحة= ذبحت ذبحها. وقدم ذاته مأكلاً ومشرباً= رتبت مائدتها وصلب وقام وصعد للسموات وأرسل الروح القدس ليؤسس الكنيسة= الحكمة بنت بيتها أرسل المسيح تلاميذه المملوئين من الروح ليبشروا كسفراء له= أرسلت جواريها تنادي يدعون الناس لوليمة العرس (مت1:22-4). هم أكملوا العمل الذي بدأه المسيح (عب3:2) ومن يقبل الدعوة يأخذ حياة ويكون حكيماً. وخدام الله يدعون من هو جاهل= قارن مع (يو41:9 + 1كو26:1-31). والجاهل معناها الإنسان البسيط الذي يشعر في نفسه بالاحتياج لأن يتعلم، يشعر في داخله أنه لا شئ وأنه محتاج للمسيح، يشعر في داخله أنه عطشان وجوعان "إن عطش أحد يقبل إلىّ.. " (يو37:7) "طوبى للجياع والعطاش" (مت6:5) أما حالة الشعور بالإكتفاء فهي تقود للفتور والشيخوخة الروحية ثم الكبرياء (رؤ17:3،18) فكل حكيم حقيقي هو جاهل في عيني نفسه يريد أن يتعلم وخاطئ في عيني نفسه محتاج لغفران خطاياه، والمسيح أتى لمثل هؤلاء، لمن يشعرون أنهم خطاة يحتاجون الغفران والمرضى الذين يحتاجون للطبيب، ولم يأتي للأصحاء فهم لا يحتاجونه. وماذا بعد التناول، علينا أن نكمل حياتنا بلا خطية ونترك الشر= اتركوا الجهالات= هذه هي التوبة السلبية، ترك الشر، هي دعوة لتغيير كامل في أسلوب الحياة. وسيروا في طريق الفهم= عمل الخير هو توبة إيجابية. وهذا هو نفس مفهوم عيد الفطير سبعة أيام بعد تقديم الفصح، أي بعد الصليب علينا أن نكمل حياتنا بلا خطية (1كو7:5،8). الآيات (7-9):- "7مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا، وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا. 8لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ. 9أَعْطِ حَكِيمًا فَيَكُونَ أَوْفَرَ حِكْمَةً. عَلِّمْ صِدِّيقًا فَيَزْدَادَ عِلْمًا. " هذه الآيات آيات معترضة بين الوليمتين أو الدعوتين، فيهما يُصوِّر الوحي نوعين من البشر [1] الحكماء وهؤلاء يفرحون بالتعليم. [2] الجهال وهؤلاء يستهزئون به وكأن هذه الآيات هي للرسل تكشف لهم أنواع الناس الذين سيقابلونهم في دعوتهم حتى لا يندهشوا إذا وجدوا رفضاً لهم بينما هم يشعرون بأن كلمتهم فيها كل الحق: 1) الحكماء: الحكيم هو الذي يقبل التعليم. فالحكيم يرى نفسه دائماً أنه جاهل، يريد المزيد من العلم، وهو يقبل توبيخ الروح القدس وتوبيخ خدام الله الذين يقدمون له تعليم الله فيستفيد ويتوب ويذهب ويرجع للمسيح. مثل هذا يفرح بالتوبيخ لأنه يسعى للكمال ويفرح بمن يكشف له ضعفاته ليتركها فيصير كاملاً، بل مثل هذا يحب من يوبخه. 2) الجهلاء: الجاهل الفارغ يكون حكيماً في عيني نفسه، مستهزئاً بكل ما يقدم له من نصائح. فهو يشعر أن لا أحد يعرف أكثر منه، ومثل هذا الإنسان لأنه يرفض كل تعليم يصبح مضيعاً لوقت الخدام فهي يستهزئ بكل ما يقدم له ولن يستفيد بأي تعليم أو توبيخ (أمثلة 2أي10:30 + مت6:22). وعموماً فمن يستهزئ بكلمة الله لن يقبل أي تعليم. والبدء أن يخاف الإنسان الله ليكون هناك فائدة من أي تعليم. وهذا كأنه دعوة للرسل والخدام أن يعرضوا عن مثل هذا الهازئ لدعوتهم. ويمتنعوا عن توبيخه، ومن هو نجس فليتنجس بعد (رؤ11:22) أي يصبح كل إنسان مسئولاً عن نفسه. ولا تلقوا بدرركم قدم الخنازير. الآيات (10-12):- "10بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ. 11لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ. 12إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا فَأَنْتَ حَكِيمٌ لِنَفْسِكَ، وَإِنِ اسْتَهْزَأْتَ فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَتَحَمَّلُ." الحكمة الحقة تتلخص في هذا "بدء الحكمة مخافة الرب" بينما الجاهل يظن في جهله أن منتهى الحكمة هو أن يتحرر من قيود وصايا الله. وأيضاً نجد الفهم الصحيح هو في معرفة أمور الله المقدسة، وبعيداً عن المعرفة المقدسة الحقة يكون الإنسان ميتاً في نظر الله. إن كنت حكيماً فأنت حكيم لنفسك= الله في قداسته اللانهائية لن يزداد قداسة بقداستنا، بل هو لصالحنا أن نستجيب لصوته ونتقدس، هو حقاً يفرح برجوع الخاطئ لكنه لن يزداد شيئاً بهذا. والعكس صحيح فهو لن يخسر شيئاً من خطيتنا، بل خطيتنا وعنادنا وإصرارنا على عدم التوبة يكون لهلاكنا ونتحمله وحدنا. الآيات (13-18):- "13اَلْمَرْأَةُ الْجَاهِلَةُ صَخَّابَةٌ حَمْقَاءُ وَلاَ تَدْرِي شَيْئًا، 14فَتَقْعُدُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا عَلَى كُرْسِيٍّ فِي أَعَالِي الْمَدِينَةِ، 15لِتُنَادِيَ عَابِرِي السَّبِيلِ الْمُقَوِّمِينَ طُرُقَهُمْ: 16«مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا». وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ تَقُولُ لَهُ: 17«الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ». 18وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا." في مقابل الوليمة السمائية التي أقامها رب المجد يسوع. نجد هنا وليمة الخطية وهي وليمة حقيرة، مسروقة، محرمة، غادرة ويذهب ضيوفها للهلاك. وليمة ملذات في بيت المرأة الخاطئة (رمز لإبليس والخطية عموماً التي تخاطب شهوة الجسد) ولاحظ أن الخطية لا ترسل جواري لدعوة الناس، لأن الشهوة الخاطئة داخل كل منا كفيلة بهذا. بل هي جالسة عند بيتها تدعو المارة، أي من يسير في طريق مستقيم أن يميل إليها، إلى مسكن خطيتها وعارها ولكن من يدخل فهو في طريقه إلى الهاوية= القبر والجحيم. والأخيلة= هم الموتي في قاع الجحيم. مواصفات المرأة الجاهلة: 1) جاهلة: عكس الحكمة، بلا منطق مقبول ولكنها لا تخاطب سوى الغريزة. 2) صخابة: دائماً تنادي على الشباب بإغراءاتها. 3) تقعد عند باب بيتها على كرسي في أعالي المدينة: تجلس كملكة تنتظر فريسة لتسود عليه، تجلس كمن لها سلطان في الأماكن العالية في المدينة، ولكن سلطانها هو على كل من يستسلم لها، ومن يستسلم لها هم الجسدانيون فقط الذي صاروا مديونين لها بما قبلوه من يدها من شهوات. أما من رفض إغراءاتها يصير حراً ولا يكون لها سلطان عليه "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شئ" لماذا؟ "من يبكتني على خطية" ومن الذين تدعوهم لبيتها: الشباب المقومين طرقهم= أي الذين يحاولون التوبة، فهي لا تريد أن تترك فرصة لأحد أن يتوب، وهي تتهمهم ظلماً بأنهم جهلة، ناقصي الفهم إذ يتركون طريق اللذة الذي تعرضه عليهم هي، طريق التحرر من قيود الوصايا الإلهية. إغراءاتها: المياه المسروقة حلوة= هي تدعوهم إلى اللذات المحرمة، والإنسان المتمرد يحلو له اللذة المحرمة أكثر من اللذة التي يسمح بها الله. وهكذا آدم وحواء اشتهوا ما حرمه الله. ولاحظ هذا هو ما تعرضه الزانية في مقابل مائدة الرب التي تقدمها الحكمة. وهي مياه مسروقة، لأنها تحدي لوصايا الله، وكأن سارق اللذة كسر أولاً سور الوصية ليسرق شيئاً حرمه الله. وهي تحدي للعنة التي لعنها الله للخاطئ. وكأن شرب المياه المسروقة في الخفاء أو أكل خبز الخفية هو نوعاً من الاختباء الجاهل من لعنة الله. إلا أنه دائماً ما يسقط الإنسان في هذه الخطية وهو واقع تحت خدعة أن هذه اللذة المسروقة لا يدانيها لذة في العالم، وهو لا يدري مصير سارق اللذة الرهيب. وكتطبيق لهذه الاية من واقع ما يحدث الان لماذا يجد انسان متزوج لذة في مشاهدة صور او افلام خارجة ، اليس هو متزوجا من امراة احبها لذلك تزوجها ؟! وما الفرق بين ما يراه في هذه الصور الخارجة وبين امراته ؟! اليست الاجابة هنا في هذه الاية ، ان المياه المسروقة حلوة ولكن ليضع من يفعل ذلك امامه ما قاله السيد المسيح "رئيس هذا العالم ات وليس له في شئ"( يو 14 : 30 ) ولماذا ليس له شئ في المسيح ؟ هذا لان المسيح سبق وقال " من منكم يبكتني علي خطية " فلان المسيح لم يفعل خطية فعدو الخير لايوجد لديه شئ قبله منه المسيح ليطالبه بثمنه لحظة الموت . ولنعلم ان هذه الساعة آتية ، فلماذا نقبل من يد الشيطان شيئا يطلب نفوسنا في مقابل لحظات لذة غاشة قبلناها من يده ! اما من يجده ابليس ثابتا في المسيح في هذه الساعة فلا سلطان له عليه ، اذ يحسب كاملا في المسيح . لذلك يقول السيد المسيح "اثبتوا في وانا فيكم" ولكن هل يمكن ان نظل ثابتين ونحن بهذه الطريقة نحيا . هل يثبت في المسيح من يجلس مع الشيطان في اماكن او اوضاع عملها الشيطان ولا يقبل المسيح ان يكون فيها . لنثق انه لا شركة للمسيح الذي هو النور مع الشيطان بليعال سلطان الظلمة ( 2كو 6 : 14 -18 + لو 22 : 53).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح