كلمة منفعة
لا يكفى أن يكون العمل الذي نعمله خيرًا في أهدافه وإنما يجب أن تكون الوسيلة التي نعمله بها، وسيلة خيرة وطيبة.
— الوسيلة الطيبة
سفر المزامير + مز 151 73
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
المزمور الثالث والسبعون
في (2أي30:29) نسمع عن أنهم يسبحون بكلام داود وأساف الرائي. وأساف هو واضع كلمات هذا المزمور والعشرة مزامير التالية.
موضوع المزمور هو المشكلة أو السؤال الذي يواجه كثيرين (ار 12 : 1-3 + سفر ايوب كله) من أولاد الله "لماذا تنجح وتزدهر حياة الأشرار" والمقصود طبعاً نجاحهم المادي بينما هم متكبرون. وعلى الصعيد الآخر نجد أن أولاد الله يتألمون. والمزمور يضع النقاط التالية كحل:
1. نجاح الأشرار هو نجاح وقتي. فالشرير المتكبر لابد وسيدركه سخط الله.
2. قد يكون نجاحهم مستمراً حتى موتهم ولكن هناك دينونة أبدية تنتظرهم.
3. الإنسان البار سيكتشف أن فرحه الحقيقي ليس في النجاح الزمني، بل في أن له شركة شخصية مع الله. لذلك لا ينبغي أن يغار أحد من نجاح الأشرار.
الآيات (1-3):- "1إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ لإِسْرَائِيلَ، لأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ. 2أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ. لَوْلاَ قَلِيلٌ لَزَلِقَتْ خَطَوَاتِي. 3لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ."
إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ = هذه العبارة الإيجابية تدل على عدم وجود شك في ذهن المرنم الآن. أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ = هذه تدل على وقت سابق أوشك فيه أن ينحرف عن طريق الثقة المتجهة لله. وذلك بسبب نجاح المتكبرين وسلامة الأشرار وربما تعني هذه البداية إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ لإِسْرَائِيلَ لأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ = سبب تجربته التي كان سيسقط فيها، فهو يؤمن أن الله صالح، وخيراته لإسرائيل لا يشكك فيها أحد، وكون أن الله يكافئ أنقياء القلب فهذا مؤكد. ولكن المرنم ينظر إلى حاله، فيجد أنه يعاني من مشاكل كثيرة. بينما الأشرار في سلام. وهنا تثور تجربة مشهورة جداً يُحارَب بها معظم أولاد الله وهي أن الله فعلاً صالح لكل الكنيسة فهم أنقياء أتقياء إنما الله لا يحبني أنا بالذات لذلك فهو لا يعطيني النجاح، ومثل هذه المشاعر ما هي سوى أفكار خاطئة يستغلها إبليس دائماً في حربه ضد الإنسان ليشعر بمرارة تجاه الله الذي يحب كل إسرائيل (الكنيسة) ولا يحبه هو شخصياً. أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ = الأفكار هاجمته بشدة حتى كاد يسقط ويصدق ما لا يليق عن الله.
الآيات (4-5):- "4لأَنَّهُ لَيْسَتْ فِي مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ. 5لَيْسُوا فِي تَعَبِ النَّاسِ، وَمَعَ الْبَشَرِ لاَ يُصَابُونَ."
ما جعل المرنم يغار من الأشرار أنهم غارقون في الخيرات حتى ساعة موتهم.
الآيات (6-7):- "6لِذلِكَ تَقَلَّدُوا الْكِبْرِيَاءَ. لَبِسُوا كَثَوْبٍ ظُلْمَهُمْ. 7جَحَظَتْ عُيُونُهُمْ مِنَ الشَّحْمِ. جَاوَزُوا تَصَوُّرَاتِ الْقَلْبِ."
طول أناة الله عليهم كانت لكي يتوبوا، ولكنهم استهتروا وتكبروا وظلموا الناس.
الآيات (8-9):- "8يَسْتَهْزِئُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالشَّرِّ ظُلْمًا. مِنَ الْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ. 9جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ."
في كبريائهم استهزئوا بكل شئ، وظلموا الأبرياء. مِنَ الْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ = كأنهم في تعاليمهم يتكلمون من العلاء، أو هم تصوروا أن لهم سلطان سمائي، بل هم أعلى من الآخرين. جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ = بل هم تكلموا على الله نفسه. أَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ= كلامهم الظالم عن الناس وإشاعاتهم المغرضة وافتراءاتهم انتشرت فلوثوا سمعة الأبرياء.
آية (10):- "10لِذلِكَ يَرْجعُ شَعْبُهُ إِلَى هُنَا، وَكَمِيَاهٍ مُرْوِيَةٍ يُمْتَصُّونَ مِنْهُمْ."
هو لاحظ نجاح الأشرار بالرغم من كبريائهم، وقارن هذا مع حالته التعيسة، بل حالة كثير من الأبرار فهم متألمون بالرغم من قداستهم. لِذلِكَ يَرْجعُ شَعْبُهُ إِلَى هُنَا = بسبب هذه المقارنة يرجع الأبرار إلى طريق الشر، يغويهم إبليس أن طريق الاشرار هو طريق النجاح. أو تفهم الآية أنهم يرجعون إلى نفس ما وصلت إليه وهو الخصومة مع أحكام الله والشكوى من أنها غير عادلة. والسبب الآلام التي تصيبهم وكانت لهم مثل كأس مروية عليهم أن يتجرعوها إلى نهايتها ويُمْتَصُّونَ مِنْهُمْ = منهم عائدة على الأبرار المتألمين الذي عليهم أن يمتصوا مياه الآلام حتى آخرها، حتى آخر نقطة . او ان الابرار الذين انخدعوا سيمتصون الشرور كَمِيَاهٍ مُرْوِيَةٍ ، وفي هذا التفسير تصير يُمْتَصُّونَ عائدة علي المياه ومِنْهُمْ عائدة علي الابرار الذين انخدعوا وتصوروا ان الشرور سوف ترويهم .
آية (11):- "11وَقَالُوا: «كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ؟ وَهَلْ عِنْدَ الْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ؟ »"
الأشرار قَالُوا كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ = الله لن يعلم بما نفعله. وقد يكون هذا تساؤل الأبرار وهم في آلامهم وَهَلْ عِنْدَ الْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ = هل يعرف الله حقاً الآلام التي نعاني منها.
الآيات (12-15):- "12هُوَذَا هؤُلاَءِ هُمُ الأَشْرَارُ، وَمُسْتَرِيحِينَ إِلَى الدَّهْرِ يُكْثِرُونَ ثَرْوَةً. 13حَقًّا قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِالنَّقَاوَةِ يَدَيَّ. 14وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ، وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ. 15لَوْ قُلْتُ أُحَدِّثُ هكَذَا، لَغَدَرْتُ بِجِيلِ بَنِيكَ."
هو رأى راحة الأشرار فقال حَقًّا قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً = إن كان الأمر هكذا والأشرار في راحة فباطلاً كان تعبي في طاعة وصية الله. وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ = حين فكرت في هذا، كان ضميري يجلدني اليوم كله. وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ = الصباح يعني شروق الشمس، فالله لم يكن يتركه لأفكاره السوداء حتى لا يهلك، بل كان يشرق عليه بإجابات عن تساؤلاته، وهذه الإجابات كانت تؤدبه كل صباح. أو أن الآية (14) تفهم هكذا " لقَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِالنَّقَاوَةِ يَدَيَّ ومع هذا لم يتركني الله بل ظل يؤدبني كل صباح وظل الله سامحاً بالآلام تقع علىّ اليوم كله= وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ. وبالرغم من هذه الأفكار السوداوية عن حكمة الله وأنه سمح له بأن يُظلم، لم يفتح فاه أمام أحد بما كان يجول في خاطره حتى لا يشكك أحد= لَوْ قُلْتُ أُحَدِّثُ هكَذَا لَغَدَرْتُ بِجِيلِ بَنِيكَ = وهذه نقطة إيجابية تحسب للمرنم، أنه لا يريد أن يكون سبب عثرة لأحد.
آية (16):- "16فَلَمَّا قَصَدْتُ مَعْرِفَةَ هذَا، إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ."
المرنم حاول أن يفهم أسرار حكمة الله وتدابيره فقال إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ = أي لم يستطع أن يرى، فهي حكمة عميقة لا يمكن أن ندركها في ضوء المنطق الإنساني الخافت. وإن لم يكن هناك حقاً عالم آخر يشتد فيه الضوء فنفهم، لكان تفسير كثير من الأحداث حقاً مؤلم. فوجود عالم آخر يذهب إليه أولاد الله للراحة يعطينا عزاء في آلامنا. وفي هذا العالم الاخر سنفهم ما لم نستطع فهمه هنا وسنرى ما صعب علينا رؤيته هنا ونفهم لماذا سمح الله بهذا أو بذاك من الأحداث التي تحيط بنا (أش13:40،14 + رو33:11-36).
آية (17):- "17حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ."
مَقَادِسَ اللهِ = يمكن فهمها أنها السماء، فهناك سنرى نهاية الأشرار وأنهم لم يستفيدوا من كل ما كنا نتصوَّر أنه سبب سعادة لهم. وقد تكون هيكل الله علي الارض وقد يكون اللقاء مع الله في اي مكان بل الاقرب ان هذا المكان هو قلبي وفي هذا اللقاء سنلمس محبة الله العجيبة لنا و سنفهم أن آلامنا التي سمح بها الله هي التي أدبتنا كل صباح حتى تكون نهايتنا هنا في السماء. ولنسأل أيوب الآن، هل لو عادت الأيام للوراء، أكنت ترفض هذه الآلام التي أتت بك للسماء؟! ومقادس الله لا تعني فقط السماء بل على كل متسائل عن الحكمة الإلهية عليه أن يطلع على الكتاب المقدس، عليه أن يصلي ويدخل إلى العمق وسيكتشف أن ملكوت الله ليس بعيداً عنه، بل هو في داخله والكتاب المقدس سيؤكد له نهاية الأشرار الأليمة والروح القدس في داخله سيؤكد له نفس الشئ فبدلاً من غيرته من الأشرار سيشفق عليهم.
الآيات (18-20):- "18حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ. 19كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! اضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي. 20كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ يَا رَبُّ، عِنْدَ التَّيَقُّظِ تَحْتَقِرُ خَيَالَهُمْ."
طرقهم الشريرة كانت مَزَالِقَ لهُمْ = لقد انزلقوا فيها إلى دمارهم (مثال: الشواذ جنسياً كانوا يظنون أنهم يرضون شهواتهم ولكنهم إنزلقوا إلى مرض خطير وهو الإيدز). أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ = قد يحدث هذا هنا على الأرض وتكون نهاية الشرير رهيبة (أع21:12-23 + 11:13) وتكون سريعة بغتة (أع5:5،10) فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي = لقد سمح الله لشعب بابل أن ينقض على إسرائيل الخاطئة كالدواهي وسمح لأهل فارس أن ينقضوا على بابل أيام بيلشاصر المستبيح لآنية هيكل الرب وكانوا كالدواهي أي المصائب. كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ = حين تنهال المصائب على الشرير تكون خيراته السابقة كأنها حلم استيقظ منه، لقد مرت أيامه السعيدة سريعاً.
الآيات (21-22):- "21لأَنَّهُ تَمَرْمَرَ قَلْبِي، وَانْتَخَسْتُ فِي كُلْيَتَيَّ. 22وَأَنَا بَلِيدٌ وَلاَ أَعْرِفُ. صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ."
نرى المرنم بعد أن أقنعه الروح القدس ببطلان طريق الشر يعترف بغبائه حين خاصم الله بسبب نجاح الأشرار. بل قال عن نفسه أنه بَلِيدٌ.. وبَهِيمٍ. لأنه لم يستطع أن يفهم أن أحكام الله هي لخير أولاده وتذمر على الله= تَمَرْمَرَ قَلْبِي = تمرد على أحكام الله وتذمر عليها. وما أجمل هذه الصورة أن نفهم أننا لن نفهم أحكام الله ونترك له قيادة أمور حياتنا كما تترك البهيمة نفسها لقيادة قائد العربة وهي واثقة في حسن قيادته. بل انه في تمردنا علي الله نكون كبهيمة تعاند صاحبها الذي يريد ان ياخذها الي مرعي خصيب.
الآيات (23-24):- "23وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. 24بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي."
ما أنار له الطريق انه لم ينفصل عن الله= وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ = هو كان له تساؤلات وصلت لحالة التمرد والتذمر ولكنه لم يشتكي لإنسان، بل اشتكى لله في صلواته، لذلك استجاب الله صلواته= أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى.. بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي أي هداه الله إلى الرأي والإجابة التي ملأت قلبه سلاماً وثقة في أحكام الله وعدله. وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي = هذه تشير للحياة في السماء بعد الموت في مجد. وتشير إلى أن المرنم بعد أن رأي عمل الله واقتنع، شعر بالحضور الإلهي والتصالح مع الله. فنحن حينما نصطدم بالله ونتخاصم معه نفقد الشعور بوجوده وسطنا. ولكننا الآن نراه بالإيمان وسطنا ووسط كنيسته مجداً لها. وبعد ذلك في السماء سنكون في مجده عياناً.
آية (25):- "25مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ."
مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ إلا أنت (حسب الإنجليزية) وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ حين شعر المرنم بان الحضور الإلهي عاد له فعاد له مجده وفرحه نطق بهذه الآية الرائعة بأنه لا يريد شيئاً لا في السماء ولا في الأرض سوى الله، الله وحده هو الذي يشبعه.
آية (26):- "26قَدْ فَنِيَ لَحْمِي وَقَلْبِي. صَخْرَةُ قَلْبِي وَنَصِيبِي اللهُ إِلَى الدَّهْرِ."
هنا يتكلم المرنم كمن لا يهتم حتى بنفسه، سبق هو وقال لا أريد شيئاً ما مما في السماء أو ما في الأرض. لا أريد شيئاً سوى الله وحده. والآن نراه لا يهتم بصحته فهو واثق أنه حتى لو فَنِيَ لَحْمِه (جسده) وَقَلْبِه (مشاعره وحالته النفسية وعواطفه) فالله سيشدده. الله صَخْرَةُ قَلْبِه ، وهو يسنده مهما كانت الآلام الجسدية أو النفسية.
الآيات (27-28):- "27لأَنَّهُ هُوَذَا الْبُعَدَاءُ عَنْكَ يَبِيدُونَ. تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ. 28أَمَّا أَنَا فَالاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ مَلْجَإِي، لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ."
إن كان الله هو صخرة تسند من يقترب منه، فماذا يكون حال البعداء. بالتأكيد هم يبيدون إذ لا أحد يسندهم حين تهاجمهم الضيقات الجسدية أو النفسية بل أن الله يكون ضدهم= تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ = الزنا هنا هو الالتصاق بآخر والانفصال عن الله. وهذا سوف يهلكه الله فهو إله غيور. لذلك كان قرار المرنم النهائي= الاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي= لقد بدأ مزموره بالتساؤل والآن وصل للقرار الصحيح. بل في ثقة يقول لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ = سيكون شاهداً لله على إحساناته.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
المزمور الثالث والسبعون
في (2أي30:29) نسمع عن أنهم يسبحون بكلام داود وأساف الرائي. وأساف هو واضع كلمات هذا المزمور والعشرة مزامير التالية.
موضوع المزمور هو المشكلة أو السؤال الذي يواجه كثيرين (ار 12 : 1-3 + سفر ايوب كله) من أولاد الله "لماذا تنجح وتزدهر حياة الأشرار" والمقصود طبعاً نجاحهم المادي بينما هم متكبرون. وعلى الصعيد الآخر نجد أن أولاد الله يتألمون. والمزمور يضع النقاط التالية كحل:
1. نجاح الأشرار هو نجاح وقتي. فالشرير المتكبر لابد وسيدركه سخط الله.
2. قد يكون نجاحهم مستمراً حتى موتهم ولكن هناك دينونة أبدية تنتظرهم.
3. الإنسان البار سيكتشف أن فرحه الحقيقي ليس في النجاح الزمني، بل في أن له شركة شخصية مع الله. لذلك لا ينبغي أن يغار أحد من نجاح الأشرار.
الآيات (1-3):- "1إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ لإِسْرَائِيلَ، لأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ. 2أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ. لَوْلاَ قَلِيلٌ لَزَلِقَتْ خَطَوَاتِي. 3لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ."
إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ = هذه العبارة الإيجابية تدل على عدم وجود شك في ذهن المرنم الآن. أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ = هذه تدل على وقت سابق أوشك فيه أن ينحرف عن طريق الثقة المتجهة لله. وذلك بسبب نجاح المتكبرين وسلامة الأشرار وربما تعني هذه البداية إِنَّمَا صَالِحٌ اللهُ لإِسْرَائِيلَ لأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ = سبب تجربته التي كان سيسقط فيها، فهو يؤمن أن الله صالح، وخيراته لإسرائيل لا يشكك فيها أحد، وكون أن الله يكافئ أنقياء القلب فهذا مؤكد. ولكن المرنم ينظر إلى حاله، فيجد أنه يعاني من مشاكل كثيرة. بينما الأشرار في سلام. وهنا تثور تجربة مشهورة جداً يُحارَب بها معظم أولاد الله وهي أن الله فعلاً صالح لكل الكنيسة فهم أنقياء أتقياء إنما الله لا يحبني أنا بالذات لذلك فهو لا يعطيني النجاح، ومثل هذه المشاعر ما هي سوى أفكار خاطئة يستغلها إبليس دائماً في حربه ضد الإنسان ليشعر بمرارة تجاه الله الذي يحب كل إسرائيل (الكنيسة) ولا يحبه هو شخصياً. أَمَّا أَنَا فَكَادَتْ تَزِلُّ قَدَمَايَ = الأفكار هاجمته بشدة حتى كاد يسقط ويصدق ما لا يليق عن الله.
الآيات (4-5):- "4لأَنَّهُ لَيْسَتْ فِي مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ. 5لَيْسُوا فِي تَعَبِ النَّاسِ، وَمَعَ الْبَشَرِ لاَ يُصَابُونَ."
ما جعل المرنم يغار من الأشرار أنهم غارقون في الخيرات حتى ساعة موتهم.
الآيات (6-7):- "6لِذلِكَ تَقَلَّدُوا الْكِبْرِيَاءَ. لَبِسُوا كَثَوْبٍ ظُلْمَهُمْ. 7جَحَظَتْ عُيُونُهُمْ مِنَ الشَّحْمِ. جَاوَزُوا تَصَوُّرَاتِ الْقَلْبِ."
طول أناة الله عليهم كانت لكي يتوبوا، ولكنهم استهتروا وتكبروا وظلموا الناس.
الآيات (8-9):- "8يَسْتَهْزِئُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالشَّرِّ ظُلْمًا. مِنَ الْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ. 9جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ."
في كبريائهم استهزئوا بكل شئ، وظلموا الأبرياء. مِنَ الْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ = كأنهم في تعاليمهم يتكلمون من العلاء، أو هم تصوروا أن لهم سلطان سمائي، بل هم أعلى من الآخرين. جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ = بل هم تكلموا على الله نفسه. أَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ= كلامهم الظالم عن الناس وإشاعاتهم المغرضة وافتراءاتهم انتشرت فلوثوا سمعة الأبرياء.
آية (10):- "10لِذلِكَ يَرْجعُ شَعْبُهُ إِلَى هُنَا، وَكَمِيَاهٍ مُرْوِيَةٍ يُمْتَصُّونَ مِنْهُمْ."
هو لاحظ نجاح الأشرار بالرغم من كبريائهم، وقارن هذا مع حالته التعيسة، بل حالة كثير من الأبرار فهم متألمون بالرغم من قداستهم. لِذلِكَ يَرْجعُ شَعْبُهُ إِلَى هُنَا = بسبب هذه المقارنة يرجع الأبرار إلى طريق الشر، يغويهم إبليس أن طريق الاشرار هو طريق النجاح. أو تفهم الآية أنهم يرجعون إلى نفس ما وصلت إليه وهو الخصومة مع أحكام الله والشكوى من أنها غير عادلة. والسبب الآلام التي تصيبهم وكانت لهم مثل كأس مروية عليهم أن يتجرعوها إلى نهايتها ويُمْتَصُّونَ مِنْهُمْ = منهم عائدة على الأبرار المتألمين الذي عليهم أن يمتصوا مياه الآلام حتى آخرها، حتى آخر نقطة . او ان الابرار الذين انخدعوا سيمتصون الشرور كَمِيَاهٍ مُرْوِيَةٍ ، وفي هذا التفسير تصير يُمْتَصُّونَ عائدة علي المياه ومِنْهُمْ عائدة علي الابرار الذين انخدعوا وتصوروا ان الشرور سوف ترويهم .
آية (11):- "11وَقَالُوا: «كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ؟ وَهَلْ عِنْدَ الْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ؟ »"
الأشرار قَالُوا كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ = الله لن يعلم بما نفعله. وقد يكون هذا تساؤل الأبرار وهم في آلامهم وَهَلْ عِنْدَ الْعَلِيِّ مَعْرِفَةٌ = هل يعرف الله حقاً الآلام التي نعاني منها.
الآيات (12-15):- "12هُوَذَا هؤُلاَءِ هُمُ الأَشْرَارُ، وَمُسْتَرِيحِينَ إِلَى الدَّهْرِ يُكْثِرُونَ ثَرْوَةً. 13حَقًّا قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِالنَّقَاوَةِ يَدَيَّ. 14وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ، وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ. 15لَوْ قُلْتُ أُحَدِّثُ هكَذَا، لَغَدَرْتُ بِجِيلِ بَنِيكَ."
هو رأى راحة الأشرار فقال حَقًّا قَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً = إن كان الأمر هكذا والأشرار في راحة فباطلاً كان تعبي في طاعة وصية الله. وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ = حين فكرت في هذا، كان ضميري يجلدني اليوم كله. وَتَأَدَّبْتُ كُلَّ صَبَاحٍ = الصباح يعني شروق الشمس، فالله لم يكن يتركه لأفكاره السوداء حتى لا يهلك، بل كان يشرق عليه بإجابات عن تساؤلاته، وهذه الإجابات كانت تؤدبه كل صباح. أو أن الآية (14) تفهم هكذا " لقَدْ زَكَّيْتُ قَلْبِي بَاطِلاً وَغَسَلْتُ بِالنَّقَاوَةِ يَدَيَّ ومع هذا لم يتركني الله بل ظل يؤدبني كل صباح وظل الله سامحاً بالآلام تقع علىّ اليوم كله= وَكُنْتُ مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ. وبالرغم من هذه الأفكار السوداوية عن حكمة الله وأنه سمح له بأن يُظلم، لم يفتح فاه أمام أحد بما كان يجول في خاطره حتى لا يشكك أحد= لَوْ قُلْتُ أُحَدِّثُ هكَذَا لَغَدَرْتُ بِجِيلِ بَنِيكَ = وهذه نقطة إيجابية تحسب للمرنم، أنه لا يريد أن يكون سبب عثرة لأحد.
آية (16):- "16فَلَمَّا قَصَدْتُ مَعْرِفَةَ هذَا، إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ."
المرنم حاول أن يفهم أسرار حكمة الله وتدابيره فقال إِذَا هُوَ تَعَبٌ فِي عَيْنَيَّ = أي لم يستطع أن يرى، فهي حكمة عميقة لا يمكن أن ندركها في ضوء المنطق الإنساني الخافت. وإن لم يكن هناك حقاً عالم آخر يشتد فيه الضوء فنفهم، لكان تفسير كثير من الأحداث حقاً مؤلم. فوجود عالم آخر يذهب إليه أولاد الله للراحة يعطينا عزاء في آلامنا. وفي هذا العالم الاخر سنفهم ما لم نستطع فهمه هنا وسنرى ما صعب علينا رؤيته هنا ونفهم لماذا سمح الله بهذا أو بذاك من الأحداث التي تحيط بنا (أش13:40،14 + رو33:11-36).
آية (17):- "17حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ."
مَقَادِسَ اللهِ = يمكن فهمها أنها السماء، فهناك سنرى نهاية الأشرار وأنهم لم يستفيدوا من كل ما كنا نتصوَّر أنه سبب سعادة لهم. وقد تكون هيكل الله علي الارض وقد يكون اللقاء مع الله في اي مكان بل الاقرب ان هذا المكان هو قلبي وفي هذا اللقاء سنلمس محبة الله العجيبة لنا و سنفهم أن آلامنا التي سمح بها الله هي التي أدبتنا كل صباح حتى تكون نهايتنا هنا في السماء. ولنسأل أيوب الآن، هل لو عادت الأيام للوراء، أكنت ترفض هذه الآلام التي أتت بك للسماء؟! ومقادس الله لا تعني فقط السماء بل على كل متسائل عن الحكمة الإلهية عليه أن يطلع على الكتاب المقدس، عليه أن يصلي ويدخل إلى العمق وسيكتشف أن ملكوت الله ليس بعيداً عنه، بل هو في داخله والكتاب المقدس سيؤكد له نهاية الأشرار الأليمة والروح القدس في داخله سيؤكد له نفس الشئ فبدلاً من غيرته من الأشرار سيشفق عليهم.
الآيات (18-20):- "18حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ. 19كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! اضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي. 20كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ يَا رَبُّ، عِنْدَ التَّيَقُّظِ تَحْتَقِرُ خَيَالَهُمْ."
طرقهم الشريرة كانت مَزَالِقَ لهُمْ = لقد انزلقوا فيها إلى دمارهم (مثال: الشواذ جنسياً كانوا يظنون أنهم يرضون شهواتهم ولكنهم إنزلقوا إلى مرض خطير وهو الإيدز). أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ = قد يحدث هذا هنا على الأرض وتكون نهاية الشرير رهيبة (أع21:12-23 + 11:13) وتكون سريعة بغتة (أع5:5،10) فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي = لقد سمح الله لشعب بابل أن ينقض على إسرائيل الخاطئة كالدواهي وسمح لأهل فارس أن ينقضوا على بابل أيام بيلشاصر المستبيح لآنية هيكل الرب وكانوا كالدواهي أي المصائب. كَحُلْمٍ عِنْدَ التَّيَقُّظِ = حين تنهال المصائب على الشرير تكون خيراته السابقة كأنها حلم استيقظ منه، لقد مرت أيامه السعيدة سريعاً.
الآيات (21-22):- "21لأَنَّهُ تَمَرْمَرَ قَلْبِي، وَانْتَخَسْتُ فِي كُلْيَتَيَّ. 22وَأَنَا بَلِيدٌ وَلاَ أَعْرِفُ. صِرْتُ كَبَهِيمٍ عِنْدَكَ."
نرى المرنم بعد أن أقنعه الروح القدس ببطلان طريق الشر يعترف بغبائه حين خاصم الله بسبب نجاح الأشرار. بل قال عن نفسه أنه بَلِيدٌ.. وبَهِيمٍ. لأنه لم يستطع أن يفهم أن أحكام الله هي لخير أولاده وتذمر على الله= تَمَرْمَرَ قَلْبِي = تمرد على أحكام الله وتذمر عليها. وما أجمل هذه الصورة أن نفهم أننا لن نفهم أحكام الله ونترك له قيادة أمور حياتنا كما تترك البهيمة نفسها لقيادة قائد العربة وهي واثقة في حسن قيادته. بل انه في تمردنا علي الله نكون كبهيمة تعاند صاحبها الذي يريد ان ياخذها الي مرعي خصيب.
الآيات (23-24):- "23وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. 24بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي."
ما أنار له الطريق انه لم ينفصل عن الله= وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ = هو كان له تساؤلات وصلت لحالة التمرد والتذمر ولكنه لم يشتكي لإنسان، بل اشتكى لله في صلواته، لذلك استجاب الله صلواته= أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى.. بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي أي هداه الله إلى الرأي والإجابة التي ملأت قلبه سلاماً وثقة في أحكام الله وعدله. وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي = هذه تشير للحياة في السماء بعد الموت في مجد. وتشير إلى أن المرنم بعد أن رأي عمل الله واقتنع، شعر بالحضور الإلهي والتصالح مع الله. فنحن حينما نصطدم بالله ونتخاصم معه نفقد الشعور بوجوده وسطنا. ولكننا الآن نراه بالإيمان وسطنا ووسط كنيسته مجداً لها. وبعد ذلك في السماء سنكون في مجده عياناً.
آية (25):- "25مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ."
مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ إلا أنت (حسب الإنجليزية) وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ حين شعر المرنم بان الحضور الإلهي عاد له فعاد له مجده وفرحه نطق بهذه الآية الرائعة بأنه لا يريد شيئاً لا في السماء ولا في الأرض سوى الله، الله وحده هو الذي يشبعه.
آية (26):- "26قَدْ فَنِيَ لَحْمِي وَقَلْبِي. صَخْرَةُ قَلْبِي وَنَصِيبِي اللهُ إِلَى الدَّهْرِ."
هنا يتكلم المرنم كمن لا يهتم حتى بنفسه، سبق هو وقال لا أريد شيئاً ما مما في السماء أو ما في الأرض. لا أريد شيئاً سوى الله وحده. والآن نراه لا يهتم بصحته فهو واثق أنه حتى لو فَنِيَ لَحْمِه (جسده) وَقَلْبِه (مشاعره وحالته النفسية وعواطفه) فالله سيشدده. الله صَخْرَةُ قَلْبِه ، وهو يسنده مهما كانت الآلام الجسدية أو النفسية.
الآيات (27-28):- "27لأَنَّهُ هُوَذَا الْبُعَدَاءُ عَنْكَ يَبِيدُونَ. تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ. 28أَمَّا أَنَا فَالاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي. جَعَلْتُ بِالسَّيِّدِ الرَّبِّ مَلْجَإِي، لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ."
إن كان الله هو صخرة تسند من يقترب منه، فماذا يكون حال البعداء. بالتأكيد هم يبيدون إذ لا أحد يسندهم حين تهاجمهم الضيقات الجسدية أو النفسية بل أن الله يكون ضدهم= تُهْلِكُ كُلَّ مَنْ يَزْنِي عَنْكَ = الزنا هنا هو الالتصاق بآخر والانفصال عن الله. وهذا سوف يهلكه الله فهو إله غيور. لذلك كان قرار المرنم النهائي= الاقْتِرَابُ إِلَى اللهِ حَسَنٌ لِي= لقد بدأ مزموره بالتساؤل والآن وصل للقرار الصحيح. بل في ثقة يقول لأُخْبِرَ بِكُلِّ صَنَائِعِكَ = سيكون شاهداً لله على إحساناته.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
مزمور الثالث والسبعون
نجاح الأشرار
+ الموضوع الذى يبحثه هذا المزمور لا يتناول البحث عن عدل الله الكلى وأن الأشرار لا بد أن ينالوا جزاءهم إن آجلا أو عاجلا وهكذا فهو [لا ينظر للمستقبل البعيد حينما يدان الناس جميعا ] بل نظره إلى هذا العالم وهذا الزمان فقط فلا يجب على الصالحين أن يغاروا من الآثمين .
+ يعالج المزمور الثالث والسبعين نفس الموضوع الذى يعالجه المزمور 37 . وأيضا ( مز 49 ، 94 ) والمشكلة هى أنه فى هذا العالم ينجح الأشرار بينما يقاسى الأبرار غالبا ضيقات مريرة وفاقة كثيرة والتمييز هنا ليس طبيعة نجاح الأشرار المؤقتة . إنما قد يحدث وغالبا ما يحدث أن يظل هذا النجاح مدى الحياة ( مز 73 : 12 ، أى 21 : 7 - 16 ) مع أنه لا بد أن تكون هناك دينونة فى النهاية والحقيقة الجوهرية للإنسان البار أنه لا بد أن يكون له خير حقا . فمثلا المحل الحقيقى لخير الإنسان لا يكون فى سلطة هذا العالم وغناه بل فى الشركة الشخصية مع الله واكتشاف هذه الحقيقة يعالج بالرجوع إلى الماضى .
آيات من المزمور :
" إنما صالح الله لإسرائيل لأنقياء القلب " [ 73 : 1 ]
إن زيادة صلاح الله تظهر بإيضاح من اعتنائه بإسرائيل ، لأن الأسرائيليين كانوا دائما ينكرون احسانه وأما هو فلم يزل مهتما بتدبيرهم ولكن هذا الأمر لم يفهمه إلا الذين يتفرسون الأمور برأى مستقيم . وأيضا يكون معناه أن الله كثير الصلاح للصالحين .
+ فالله يجود بصلاحه على الذين يسبحونه ببساطة قلب ويترآف عليهم . فإن مال الإنسان عن الحياة معه فيميل الله رأفته عنه .
+ فى هذا المزمور ينبه النبى الجميع قائلا لا تظنوا أن كل نجاح عالمى بالمقتنيات والرئاسات هو من عند الله أو أن هذا دليل على رضى الله ، لأن كثيرين يغتنون من مال الظلم والتجبر ، فلا يكون فيكم هذا الفكر ان علامة رضى الله هو الغنى العالمى بل رضى الله هو الغنى الروحى ، والمثال الموضوع أمامك هو أنا لأنه كادت تزل قدماى بنظرى للأمور العالمية التى للخطاة .
" أما أنا فكادت تزل قدماى . لولا قليل لزلقت خطواتى " . [ 73 : 2 ]
" لأنى غرت من المتكبرين إذا رأيت سلامة الأشرار " [ 73 : 3 ]
+ لما رأى صانعى الخير وملازمى العدل فى ضيق العيشة وفى مشقة وانزعاج وأما الأشرار الخبثاء فى رفاهية العيشة وفى راحة ومسرة فلم يتمالك النبى أن غار منهم بعد أن قاس نفسه عليهم وكانوا له قدوة شريرة وسبب عثرة وهكذا زلت قدمه ولولا قليل لزلق ساقطا إلى الحضيض .
والغيرة هى تلك العاطفة المشتعلة بنار الحسد فى كثير من الأحيان فنحسد الناس حتى الأشرار منهم على أمور لا يجوز أن تحسدهم عليها .
" من لى فى السماء . ومعك لا أريد شيئا فى الأرض ، قد فنى لحمى وقلبى . صخرة قلبى ونصيبى الله إلى الدهر " [ 73 : 25 ، 26 ] .
+ أعنى أنى ما اشتهيت شيئا ما مما فى السماء وعلى الأرض إلا أن أكون معك وأنت تعلم بأن قلبى قد ذاب من هذا الأشتياق يا خالق قلبى وعارف ضميرى . [ كل ما يشغل النبى ليس الفضائل والأخلاقيات فى ذاتها بل الحياة مع الله لذلك عندما أخطأ قال لك وحدك أخطأت ] لأنه يهمنى أنت يارب وليس الفضائل فى ذاتها .
+ +
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح