كلمة منفعة
اذكر ضعفك، حينئذ تكون أكثر حرصًا، وحينئذ لا تخضع لأفكار الكبرياء والمجد الباطل، إن حاربتك.
— اذكر
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
اَلأَصْحَاحُ الأَرْبَعُونَ اَلأَصْحَاحُ الأَرْبَعُونَ هزيمة إبليس "بهيموث" المتشامخ لا نجد أحيانًا تفسيرًا لخلقة بعض المخلوقات، لكن تبقى حكمة الله عاملة فوق إدراكنا [٣٩: ١٦-١٨]، لهذا يليق بأيوب ألا ينسب خطأ ما إلى طرق الله [١-٢]. كاد أن يقف أيوب صامتًا، وإن أجاب ففي اختصار شديد. لقد أراد أن يكون صامتًا إلى حين [٣-٥]، لكنه لم ينل إجابات مباشرة على أسئلته. استمر الله في الحديث، سائلاً أيوب إن كان يريد أن ينال السلطان الإلهي ليقوم بتدبير أفضل للحياة، الفكر الذي أهلك الأشرار [٩-١٤]. ليس من الصعب على الله أن يسحق الأشرار، كما يظهر من تقديم عينة لحيوانٍ مفترسٍ يتسم بالقوة: بهيموث [١٥-٢٤]. 1. الإجابة الأولى لأيوب 1-5. 2. الحديث الثاني لله 6-24. 1. الإجابة الأولى لأيوب أعطى الله الفرصة لأيوب لكي يجاوب على تساؤلاته، لكن أيوب لم يكن ممكنًا أن يجيب على أي سؤال. لقد عرف قدر وزنه. ففي أيام عظمته وغناه "العظماء أمسكوا عن الكلام، ووضعوا أياديـهم على أفواههم. صـوت الشرفاء اختفى، ولصقت ألسنتهم بأحناكهم" (9:29-10). الآن أدرك أيوب حقيقة وزنه. قال: "ها أنا حقير، فماذا أجاوبك؟ وضعت يدي على فمي" (4:40). جاءت كلمة حقير هنا بالعبرية لتُترجم تافهًا أو خفيف الوزن (بلا وزن ًlightweight). لم يكن ما يشغله خطاياه، فلم يقل: "أخطأت"، إنما كان كمن قد أختطف في السٌر الإلهي، فأدرك حقيقة نفسه أمام خالقه ومدبٌَر حياته. وَقَالَ الرَّبُّ لأَيُّوبَ: [1] هَلْ يُخَاصِمُ الْقَدِيرَ مُوَبِّخُهُ، أَمِ الْمُحَاجُّ اللهَ يُجَاوِبُهُ؟ [2] يسأل الله أيوب: هل للمخلوق أن يملي إرادته على خالقه؟ أو يعترض على حكمته ومشيئته؟ يليق بالشخص أن يجاوب سريعًا مستنكرًا أن يخاصم القدير أو يقف أمام حكمة الخالق. كأن الله يقول له: إنك إلى الآن لم تدرك حكمتي من جهة سماحي بالتجربة أن تحل عليك. إنك تتطلع إلى سموَّك وبرَّك ولم تضع في اعتبارك حكمتي ورعايتي لك. أما تعلمت من حيوانات البرية والطيور الجارحة أن تلتصق بي؟ فَأَجَابَ أَيُّوبُ الرَّبَّ: [3] لقد اقتنع أيوب، فرؤيته لله قد تجاوزت كل الحدود وأصبح لديه تقدير جدير لعالم الله بما فيه من آفاق جديدة وتوافق وانسجام. يعترف أيوب الآن بأن الله يستطيع أن يفعل كل شيء وإن مقاصده تتم وقد أذاب قلب أيوب، فرأى نفسه مدعوًا إلى أن ينحني تحت يد الله القديرة. والآن يخضع بتواضع لحكمة الله، وبدخوله إلى الشركة معه ينتقل إلى دائرة النور والرجاء. تكلم الرب وجاءت قدرته، فأدخلت عجز الإنسان في الحكمة الحقيقية. حين كشف الله عن نفسه لأيوب، جعل أيوب يكشف نفسه. تخلى أيوب عن حكمته البشرية فترك صورة الإله المحارب ورجع إلى صورة الإله الصديق الذي جاء إليه وسط العاصفة. وصمت الله من جديد بعد أن رآه أيوب. هَا أَنَا حَقِيرٌ فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي [4]. لقد فاق أيوب كل أهل زمانه في الفضيلة، واستطاع في الحوار أن يغلب أصدقاءه، لكن إذ تحدث الله معه اعترف بحقارته وضعفه، واضطر أن يضع يده على فمه ليصمت في سكون رهيب. يقدم لنا أيوب درسًا في الحوار مع الله، فإننا حتى وإن كنا في عينيه أبرارًا نصمت حتى لا نبرر أنفسنا بالكلام، بل نترك حياتنا أو سلوكنا العملي بنعمته أن يتكلم معه. الحديث معه بلغة العمل أفضل منه باللسان. v تعلم القديسون أن يضبطوا فلتات اللسان أمام عيني الله، بتقديم حياة صالحة. إنهم يتعلمون الامتناع عن الكلمات المبالغ فيها وذلك بثقل أعمالهم الصالحة. البابا غريغوريوس (الكبير) v أيوب نفسه لم يصمت بخصوص خطاياه.. إذ هو عابد حقيقي لله، فبلا شك قدم اعترافه في الحق[1364]. القديس أغسطينوس v لنتأمل ما هو الإنسان: يقول الوثنيون إنه حيوان عاقل، مائت، قادر على التعقل والمعرفة. دعونا لا نأخذ تعريفنا له منهم بل من أين؟ من الكتب المقدسة... اسمع كلماتها: "كان هذا الرجل كاملاً ومستقيمًا يتقي الله ويحيد عن الشرٌ (أي 2:1). هذا بحق هو الإنسان! مرة أخرى يقول آخر: "الإنسان عظيم، الإنسان الرحوم ثمين" (ام 6:20 LXX). الذين لا يتجاوبون مع هذا الوصف، فإنهم لن يقدروا على نوال المعرفة، ويرفض الكتاب المقدس أن يتعرف عليهم كبشرٍ، بل يدعوهم كلابًا، وخيلاً، وحيات وثعالب وذئاب، أو أي حيوان خسيس. إن كان هكذا هو الإنسان، فإن من يحيا في الملذات ليس بإنسانٍ، لأنه كيف يمكنه أن يكون هكذا ذاك الذي لا يفكر في شيءٍ يليق به؟ الترف والوقار لا يمكن أن يقترنا معًا، الواحد يدمر الآخر. حتى الوثنيون يقولون: "البطن التخمة لا تحمل ذهنًا بارعًا"[1365]. القديس يوحنا الذهبي الفم مَرَّةً تَكَلَّمْتُ فَلاَ أُجِيبُ، وَمَرَّتَيْنِ فَلاَ أَزِيدُ [5]. في توبة صادقة يقول أيوب إنه تكلم مرة بخصوص ما حلَّ عليه من تجارب دون القدرة على تفسير الحكمة منها. لقد عاتبت الله، وأردت أن أدخل كما في محاكمة، فأعرض قضيتي عليه. وربما كررت ذلك عوض المرة مرتين، لكنني الآن "لا أزيد"، لا أعود أكرر ما سبق قلته. أيوب الذي كان يلح في طلب اللقاء مع الله ليحاوره، الآن إذ رأى الرب حلَّ به صمت رهيب. v إن فحصنا كلمات الطوباوي أيوب السابقة نجد أنه لم ينطق بشرٍ قط... لكنه إذ قيَّم نفسه بميزان الله الكلي الدقة اعترف أنه أخطأ في حديثه للمرة الثانية... البابا غريغوريوس (الكبير) v إن اعترفت أنك خاطي، يكون الحق فيك، فإن الحق نفسه هو نور. حياتك لا تشرق ببهاءٍ كاملٍ، لأنه توجد خطايا فيك، لكنك إذ تبدأ تستنير يصير لك الاعتراف بالخطايا... قبل كل شيء إذن الاعتراف ثم الحب. لأنه ماذا يُقال عن الحب؟ "المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1 بط 4: 8)... الكبرياء يطفئ الحب، والتواضع يقويه، الحب يطفئ الخطايا، والتواضع يسير في صحبة الاعتراف. أخبر البشر من أنت، أخبر الله من أنت. فإن لم تخبر الله من أنت، فسيدينك على ما يجده فيك... أتريده يغفر لك؟ اعرف أن تقول لله: "احجب وجهك عن خطاياي". قل له أيضًا كلمات المرتل نفسه: "أنا عارف بآثامي" (مز 51: 3، 9)[1366]. القديس أغسطينوس 2. الحديث الثاني لله في حديثه الثاني مع أيوب أوضح له أنه ليس من وجه للمقارنة بين المخلوق وخالقه، فليس من حق المخلوق أن يستجوب خالقه. فَقَالَ الرَّبُّ لأَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَةِ: [6] الآنَ شُدَّ حَقْوَيْكَ كَرَجُلٍ. أَسْأَلُكَ فَتُعْلِمُنِي [7]. جاءت الترجمة السبعينية للآية 8: "ألا تظن إني تعاملت معك لهدف آخر سوى إعلان برّك؟" كأن الله يكشف لأيوب بكل قوة عنايته الفائقة وحبه له، فإن كان قد سمح له بتجاربٍ هذه مقدارها فإنما غايتها أن يتبرر أيوب ويتمتع بالنصرة على إبليس. حينما يدافع أيوب عن نفسه ضد الضربات التي سمح له بها الله يتهم العدالة الإلهية، لكن إن قبل التجربة بشكرٍ يبرره الله ويمجده، وتُحسب لا لتأديبه بل لتزكيته. v من يصارع مدافعًا عن نفسه ضد ضربات الله يسعى أن يتجاهل أحكام الله التي أوقع الضربات. وعندما يقول إنه لم يُضرب من أجل أخطائه ماذا يفعل سوى اتهام الضارب؟ ضربات السماء لم تصب الطوباوي أيوب لتنزع أخطاءه، بل بالحري لتضيف إلى استحقاقاته، حتى أن ذاك الذي في وقت الهدوء أشرق بقداسة عظيمة هكذا يعلن فضيلة الصبر المخفية داخله... لكنه ظن أنه ضُرب ظلمًا عندما لم يجد في نفسه ما يتطلب إصلاحه. فلئلا في براءته ينتفخ بالكبرياء انتهره الصوت الإلهي بينما كان ذهنه متحررًا من الشر، ولكنه كان مثقلاً بالضربات، فاستُدعي إلى أسرار الأحكام الإلهية... فالقديس لم يكن على خلاف مع الله في أية خطية، بل على اتفاق معه ولكن في شيء من الصعوبة بسبب الضربات. البابا غريغوريوس (الكبير) لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي. تَسْتَذْنِبُنِي لِتَتَبَرَّرَ أَنْتَ! [8] v في نهاية الصراعات أعلن (الله) نصرة المصارع في إعلانٍ سامٍ، وكشف سٌر أحزانه، قائلاً: "ألا تظن إني تعاملت معك لهدف آخر سوى إعلان بٌرك؟ هذا هو بلسم جراحاته، هذا هو إكليل الصراع، هذه هي مكافأة صبره[1367]. القديس غريغوريوس النزينزي v يحتمل الصديقون التجربة هنا، لأنهم نزلاء وغرباء، وفي مدينة أجنبية. يحتمل الأبرار تلك الأشياء من أجل الامتحان. ماذا قال الله لأيوب: "أما تعتقد إنني أنذرك إلا لكي تظهر بارًا"؟ (أي 3:40 LXX) أما الخطاة فإنهم إذ يعانون من أية محنة، إنما يعانون من العقوبة عن خطاياهم. لذلك ففي كل الظروف سواء كانت مرة أو غير مرة فلنقدم الشكر لله. فكلا الحالين هما مفيدان. فإن الله لا يفعل شيئًا عن كراهية أو عداوة من نحونا، إنما ما يفعله هو من قبيل رعايته واهتمامه بنا[1368]. القديس يوحنا الذهبي الفم v لو لم يحارب أيوب في المعركة وينال النصرة لما نال إكليل البرّ, ولما سمع قول الرب: أما تظن أني أتحدث معك لأطلب شيئا سوى أن تظهر أنك بار؟ (أي 40: 8 LXX)[1369] القديس جيروم v أظن أن الريح يعني التجارب. فالتجارب تُظهر أن في كومة المؤمنين يوجد البعض كقش والآخرون حنطة. عندما تُغلب نفسك من تجربة ما، لا تحولك التجربة إلي قش. بالحري لأنك أنت قش، خفيف الوزن، وغير مؤمن، لذا تكشف التجربة عما أنت فيه وكنت مختفيًا. وعلى النقيض، عندما تحتمل التجارب بشجاعة، فالتجارب لا تجعل منك مؤمنًا وصبورًا، بل بالحري تكشف فضيلتي الصبر والشجاعة اللتين كانتا مختفيتين فيك. يقول الرب: "هل تظن إنني أنذرك لسبب آخر سوى أن تظهر بارًا" (أي 40: 8 LXX)[1370]. العلامة أوريجينوس هَلْ لَكَ ذِرَاعٌ كَمَا لله، وَبِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ تُرْعِدُ؟ [9] يعاتب الله أيوب، بأنه ليس من وجه للمقارنة بين ذراع الرب وصوته، وذراع أيوب وصوته. فإن الله قدير في عمله وقدير في كلماته. v عند الحديث عن صوت الله وذراعه لنحذر جدًا لئلا يتخيل ذهننا شيئًا ماديًا فيه. فإن من يحده في إطار الجسم ذاك الذي هو غير مادي يملأ الكل ويحتضن الكل، فإنه يسقط في بدعة الانثروبومرفيت (تشبيه اللاهوت بالإنسان). لكن الله القدير إذ يقرِّبنا إليه، يتواضع ليعلمنا الأمور العالية ويتنازل إلى الأمور السفلية... لهذا ففي كتابه المقدس يستخدم أحيانًا تشبيهات تارة من أجسام البشر، وأحيانًا من أذهاننا، بل وأحيانًا من الطيور... البابا غريغوريوس (الكبير) تَزَيَّنِ الآنَ بِالْجَلاَلِ وَالْعِزِّ وَالْبِسِ الْمَجْدَ وَالْبَهَاءَ [10]. قد يتزين الإنسان بلباس المجد والبهاء، فيرهب غيره من البشر، ويجتذب العظماء كأصدقاء له، لكن هذا لا يساوي شيئًا أمام مجد الله وجلاله. v يحيط الله نفسه بالجمال، الذي كُتب عنه: "الرب قد ملك، لبس الجلال" (مز 93 :1). إنه يرتفع عاليًا فينا، عندما نتأكد أن طبيعته لا تُفحص بأذهاننا. إنه مجيد، هذا الذي يحوي فرحًا وليس في حاجة إلى مديحٍ. إنه ملتحف بثياب جميلة، إذ يخصص طغمات الملائكة القديسين لخدمة جماله. لقد خلقهم وأقام كنيسته كثوبٍ مجيدٍ، ليس فيه دنس أو غضن. لذلك قيل له بالنبي: "جلالاً لبست. اللابس النور كثوبٍ" (مز 104: 1-2). البابا غريغوريوس (الكبير) فَرِّقْ فَيْضَ غَضَبِكَ وَانْظُرْ كُلَّ مُتَعَظِّمٍ وَاخْفِضْهُ [11]. كأنه يقول له: "ليس من وجه للمقارنة بيني وبينك؛ فإن كنت في حالة سخطٍ وغضبٍ، هل تستطيع بنظرة منك أن تحطم مقاوميك المتشامخين؟" فقد قيل: "فإن لرب الجنود يومًا على كل متعظمٍ وعالٍ، وعلى كل مرتفع فيوضع" (إش 2: 12). ليس من متشامخ يقدر أن يقف أمام نظراته. إن كان أيوب قد أبكم أصدقاءه إلى حدٍ ما خلال الحوار الطويل ولفترة طويلة، فإن نظرة واحدة من الله تهز كل كيان المتكبرين المتشامخين عليه. اُنْظُرْ إِلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَذَلِّلْهُ وَدُسِ الأَشْرَارَ فِي مَكَانِهِمِ [12]. كأن الله يقول لأيوب: "أنا أعلم أن طلبتك لم تكن عن تشامخٍ وكبرياءٍ. أنا أعرف قلبك المتواضع، حتى وإن عاتبتني وقت ضيقتك وطلبت تفسيرًا لما حلَّ بك. إن كنت قد تضايقت بسبب تشامخ أصدقائك عليك واتهامهم لك ظلمًا، فلا تخف. إن أردت فقد سمحت لك أن تنظر إليهم بعين الإيمان فستغلبهم. تستطيع أن تغلب الأشرار المتكبرين في أماكنهم قبل أن يتحركوا لمواجهة نظراتك. إن ظنوا أنهم أكثر منك كرامة أو غنى أو سعادة، لأنه لم يحل بهم ما حلّ بك، فسينسحقون دون أن تنفعهم أمجادهم الزمنية وإمكانياتهم المادية ونسلهم. v يرتبك المتعظمون عند نظرة الرب، سواء هنا حيث برحمته يكشف عن أخطائهم ويدينها، أو هناك حيث يعاقبهم بعدله. لكن الكبرياء نفسه هو مكان الأشرار. مكتوب: "الكبرياء بدء كل خطية" (سيراخ 10: 13)، حيث يقطن في الموضع الذي يقيم فيه الشر، وإن كان يصعب جدًا التمييز بين الشر والكبرياء. من يكون متكبرًا جدًا يفكر بالشر في خالقنا. الشرير يٌداس إذن في مكانه، إذ يتحطم بذات الكبرياء الذي رفعه... غالبًا، بينما يتقدم المتكبر في مجده الباطل ضد الله، ينحدر داخليًا في بؤس حقيقي. البابا غريغوريوس (الكبير) v لست أريدكِ أن تكوني متكبرة بسبب، بل بالحري أن تكوني خائفة. إنك تسافرين كصبيةٍ معها ذهب. لتخشَ اللص. هذه الحياة الزمنية هي سباق. هنا نتنافس لكي نكلل فيما بعد. لا يدخل أحد بين الحيات والعقارب وهو متأكد أنه يكون في أمان[1371]. v ليس فقط الزنا والدعارة هما اللذان يدنسان من يمارسهما، لكن الكبرياء أيضًا يدنس الإنسان أكثر منهما[1372]. v يُوهب التواضع لكل شخص حسب درجة عظمته. الكبرياء مضر لكل أحدٍ. إنه يطلب أن يفسد بالذات من هم عظماء![1373] القديس چيروم v واضح أن الفخر المبالغ فيه كان من سمات الرسل الكذبة[1374]. v التشامخ مع الخطيّة طامة كبرى... إن كان الذي يعمل صلاحًا يفقد تعبه إن انتفخ، فكم يكون إثم الذي يضيف إلى خطاياه خطيّة التشامخ؟ لأن مثل هذا لا يقدر أن يمارس التوبة[1375]. القدّيس يوحنا الذهبي الفم اُطْمُرْهُمْ فِي التُّرَابِ مَعًا وَاحْبِسْ وُجُوهَهُمْ فِي الظَّلاَمِ [13]. إذ يظن المتكبرون أنهم قد غلبوا وانتصروا يطلب الله من أيوب ألا يخاف منهم، بل يطمرهم في التراب، يدفنهم كما في قبرٍ مظلمٍ ولا تعود أسماؤهم تُذكر. وذلك كما طمر موسى النبي المصري المتكبر في الرمل (خر 2: 12). تُحبس وجوههم في الظلام حيث لا يستطيعون الوقوف أمام الله النور الحقيقي، بل يهبطون إلى الظلمة الخارجية، ظلمة الهاوية. v الله، بحكمه العادل يخفي المتكبرين والأشرار في التراب، إذ يسمح لقلوبهم أن تبتلعها الأمور الأرضية حسب اختيارهم، مستخفين بحب خالقهم. بلياقة يضيف: "وفي نفس الوقت أحبس وجوههم في الحفرة "... إذ يُحدر نية قلوبهم عندما تريد أن تتشامخ على البشر. فإن من ينحدر وجهه نحو الهاوية يتطلع إلى الأمور السفلية. البابا غريغوريوس (الكبير) v يا للجنون؟ ألا يدرى هذا الإنسان المتكبر أن مجده يزول ويتبخر كالحلم، وأن العظمة والسلطان ليست هي إلا سراب خداع[1376]. القديس باسيليوس الكبير فَأَنَا أَيْضًا أَحْمَدُكَ، لأَنَّ يَمِينَكَ تُخَلِّصُكَ [14]. الله يريد أن يمدح خليقته، إنه يعتز بها، ويطلب كرامتها، لكن هل يقدر أيوب بالرغم من شهادة الله عن استقامته أن يخلص نفسه بذراعه أو بيمينه، أي بقوته الذاتية؟ من يستخف بمساندة الله له، إنما يعتمد على قوته الذاتية فلا ينال مديحًا من الله. يليق بالمؤمن أن يترنم: "لأنه ليس بسيفهم امتلكوا الأرض، ولا ذراعهم خلصتهم، لكن يمينك وذراعك ونور وجهك، لأنك رضيت عنهم" (مز 44: 3). v في اللحظة التي فيها لا نزال وسط المعركة نُحارب ونُجرح، نسأل أنفسنا: من الذي يغلب؟ الغالب أيها الإخوة هو ذاك الذي يعتمد علي الله الذي يسنده وهو يحارب، ولا يعتمد علي قوته. للشيطان خبرته في الحرب، لكن إن كان الله معنا فسنغلبه. يحارب الشيطان بذاته، فإن حاولنا أن نفعل ذات الأمر، فسيغلبنا. إنه مُحارب مُختبر، لهذا يليق بنا أن نستدعي القدير ليقف ضده. ليقطن فيك ذاك الذي لا يُغلب، فستغلب ذاك الذي اعتاد أن ينتصر. من هم الذين يغلبهم؟ أولئك الذين قلوبهم فارغة من الله[1377]. v يعرف الله سعيكم وإرادتكم الصالحة، وينتظر جهادكم، ويسند ضعفكم، ويكلل نصرتكم[1378]. القديس أغسطينوس هُوَذَا فَرَسُ الْبَحْرِ (بهيموث) الَّذِي صَنَعْتُهُ مَعَكَ. يَأْكُلُ الْعُشْبَ مِثْلَ الْبَقَرِ [15]. جاءت بهيموث في صيغة الجمع "بهيمة behemah" أي حيوان. ولا تزال تستخدم في مصر لتعني حيوانًا أليفًا مثل الغنم والحمير والخيول الخ، وهي تختلف عن الكلمة العبرية chaytow الخاصة بحيوانات البرية المتوحشة. يرى البعض أنه يشير هنا إلى فرس البحر أو البرنيق أو جاموس البحر hippopotamus. يرى آدم كلارك أن هذا الحيوان من الحيوانات المنقرضة، ويدعى mammoth. يتسم هذا الحيوان بضخامة جسمه مع قوته، فلا يقدر إنسان أن يدخل معه في مصارعة، فكيف يريد مقاومة خالقه. ظن البعض أنه يشير هنا إلى الفيل بسبب ضخامة جسمه وقوته، لكن كثير من الدارسين رفضوا ذلك. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن بعض المفسرين فسروا هذه العبارة بمفهوم روحي، وأن هذا الحيوان يشير إلى الشيطان. إن كان يشير إلى الشيطان، فإنه يأكل عشبًا كالبقر، بمعنى إنه إذ يسيطر الجسد على النفس البشرية يصير الإنسان كعشب الحقل، مأكلاً للشيطان! أفاض الله في حديثه مع أيوب عن بهيموث رمز عدو الخير إبليس. ولعله أراد أن يوجه نظره إلى هذا العدو. فعوض التذمر على أحكام الله يليق بأيوب أن يدرك وجود عدو خطير يود أن يفترس البشرية كلها. وأنه هو الذي طلب السماح أن يجربه، لكن هذه التجارب تحول إبليس إلى ألعوبة يسخر بها حتى الأطفال الصغار. v يثير شيطان الزنا الشهوة الجسدية، ويشن هجومه على النساك، ويجاهد لكي يتخلوا عن نسكهم، زارعًا في نفوسهم بأن نسكهم هذا بلا نفع. فإذا ما استطاع أن يدنس النفس، يبتدئ يهيئها لقول وسماع بعض الأحاديث (الشريرة) حتى يبدو كما لو أن العمل (الشرير) ذاته ماثل أمام أعينهم[1379]. القديس مار أوغريس البنطي هَا هِيَ قُوَّتُهُ فِي مَتْنَيْهِ، وَشِدَّتُهُ فِي عَضَلِ بَطْنِهِ [16]. يشير هنا إلى قدرته الفائقة بالرغم من ضخامة جسمه قوته في متنيه (الحقوين) وشدته في سرة بطنه. قوة الفيل في رقبته، والأسد في مخالبه، والفرس والثور في صدريهما، أما القوة الرئيسية لهذا الحيوان ففي متنيه. قيل في ناحوم: "شدد الحقوين، مكِّن القوة جدًا " (نا 2: 1). يليق بالمؤمن أن يميت حقويه، فلا يسمح للجسد أن يشتهي ضد الروح (غل 5: 7). v إن أردنا أن نأكل لحم الحمل، يلزمنا أن نميت أحقاءنا، أي أعمال الجسد، ونحطم فينا ما قاله أيوب عن الشيطان: "ها هي قوته في متنيه، وشدته في عضـل بطنه" (أي 40: 16). يليق بنا ألا نسمح للجسد أن يشتهي ضد الروح (غل 5: 17)، بل بالروح نميت أعمال الجسد، وبهذا التطهير نتمتع بجسد الحمل[1380]. القديس جيروم في رسالة إلى أوستوخيوم كتب القديس جيروم موضحًا أن التقشف ليس بذات قيمة في ذاته، إنما هو وسيلة هامة لضبط النفس والعفة. v الخالق رب الكل لا يسر بالدمدمة والمعدة الفارغة..... إنما هذه أمور لازمة كوسيلة لحفظ العفة. كان أيوب له معزته لدى الله, كاملاً ومستقيمًا أمامه (أي 2: 3), ومع هذا اسمعوا ما يقوله عن الشيطان: "قوته في حقوية (أعضائه الجنسية), وشدته في السرة" (أي 40: 16). اخترت هذه العبارات من أجل الرقة في التعبير, لكن المقصود بها الأعضاء الجنسية التناسلية للجنسين. سليل داود, الذي يجلس على عرشه حسب الوعد, قيل أنه من ثمرة بطنه (حقويه) (مز 132: 11). والخمسة وسبعون النفوس التي من سلالة يعقوب والتي أتت إلى مصر قيل عنها أنها خارجة من صلبه (تك 46: 26). هكذا عندما انخلع حق فخذ يعقوب عندما صارع مع الرب توقف عن إنجاب أبناء. مرة أخرى أُمر الإسرائيليون أن يحتفلوا بالفصح بأحقاء ممنطقة ومماته (خر 12: 11). قال الله لأيوب: "أشد حقويك كرجلٍ" (تك 38: 3). يوحنا لبس منطقة من جلد (مت 3: 4). والتزم الرسل أن يمنطقوا أحقاءهم ليحملوا سراج الإنجيل (لو 12: 35). عندما أخبرنا حزقيال عن أورشليم أنها وجدت في سهل التيه, مغطاة بالدم, استخدم الكلمات: "سرتك لم تقطع" (حز16: 4-6). لذلك فإن الشيطان في هجومه على الرجال قوته في متنه, وفي هجومه على النساء شدته في سرته. أتريدون برهان على تأكيداتي هذه؟ خذوا أمثلة لذلك. كان شمشون أكثر شجاعة من الأسد وأثبت من الصخرة..... لكن في حضرة دليله زالت مقاومته وانمحت. داود كان إنسانًا قلبه على مثال قلب الله, شفتاه كانتا دائما تسبحان للقدوس, المسيح القادم, ومع هذا إذ تمشي على سطح بيته فتنة عري بثشبع وأضاف القتل إلى جريمة الزنا. لاحظوا كيف أن الإنسان حتى في بيته لا يقدر استخدام عينيه دون أن يحدق به خطر[1381]. القديس جيروم v ومن الواضح أيضًا للجميع أن الزنا لا يتم إلا بعمل جسدي، إذ يقول الله عن هذا الزوج الطوباوي أيوب: "ها هي قوتهُ في مَتْنَيهِ وشدَّتهُ في عضل بطنهِ" (أي16:40)[1382]. الأب سرابيون يَخْفِضُ ذَنَبَهُ كَأَرْزَةٍ. عُرُوقُ فَخْذَيْهِ مَضْفُورَةٌ [17]. يحرك ذيله (ذنبه) كشجرة أرز قوية، وقد قيل عن التنين: "ذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض" (رؤ 12: 4). قوي، متى وطأ إنسانًا بقدميه سحقه، إذ "عروق فخذه مضفورة". يصور لنا القديس مار يعقوب السروجي كيف لا يطيق إبليس خلاص الإنسان، فإذا ما رأى خاطئا يسلك طريق التوبة يطلب من جنوده أن يكثفوا جهودهم لتحطيمه بالأفكار الشريرة والمجد الباطل، وبكل وسيلة ممكنة. لقد كتب القديس إلى زانيتين تدعيان لانطيا وماريا، تابتا وصارتا حبيستين يحذرهما من حروب إبليس ومقاومته لهما بكل عنفٍ. v الآن يأمر قائد جند اليسار المؤذية (يأمر إبليس جنوده) بسبب عدائه لكما: لا تحاربوا الطاهرين ولا الكاملين، ولا أحد أعدائي الأقوياء، لكن هاتين اللتين هما من خاصتي، واحتقرتاني، وسخرتا مني. وهما قائمتان في درجة القديسين. أجلبوا عليهما قطع الرجاء، املأوهما بالكسل. ازرعوا فيهما الحسد لبعضهما البعض لتخضعا للضعف، وتحترقا بشهوة الطعام. أيقظوا أفكارهما ليحبا أعمالهما الأولى. أقلقوهما بأفكار الزنى. أعيقوا صلواتهما، لئلا تكون قوية لتكمّلا عهودهما... أوقفوهما على جرف العظمة، واربطوهما بمحبة المجد... احملوهما على الظن أنهما صارتا صالحتين. أرسلوا المرضى عندهما لتصليا عليهم، واحملوا الآخرين ليقولوا: إننا شُفينا بصلواتكما، اخدعوهما بأنهما ليستا تائبتين بل هما فاضلتان[1383]. القديس مار يعقوب السروجي عِظَامُهُ أَنَابِيبُ نُحَاسٍ، وَأَضْلاَعُهُ حَدِيدٌ مُطَرَّقٌ [18]. ليس من يقدر أن يحطم عظامه ولا من يمزق ضلوعه، فعظامه أشبه بأنابيب نحاس، وأضلاعه حديد مطرق. v ماذا يقول سفر أيوب عنه هو مخيف ومرعب (أي 40: 18؛ 41: 7). جنباه نحاس، وظهره حديد مسبوك، أحشاؤه من حجارة صنفرة. هذا وأكثر منه يقول عنه الكتاب المقدس. هذا هو قائد الفرق الشيطانية العظيم والقدير. ولكن ماذا يدعوه صاحب القوة الحق والفريد؟ إنه "ثعلب صغير!" (نش 2: 15). كل الذين مع الشيطان، قواته بكاملها هي موضع سخرية. الله يدعوهم بذات الاسم "الثعالب الصغيرة" ويحث الصيادين ضدهم[1384]. القديس غريغوريوس النيسي هُوَ أَوَّلُ أَعْمَالِ اللهِ. الَّذِي صَنَعَهُ أَعْطَاهُ سَيْفَهُ [19]. جاء النص في الترجمة السبعينية: "هذا هو أول أعمال الرب، والذي جعله سخرية ملائكته". وقد اعتمد البعض على هذه العبارة في ادعاء أن الشيطان خُلق شريرًا، ولم يسقط بإرادته. وقد فند القديس أغسطينوس هذا الرأي في كتابه "التفسير الحرفي للتكوين[1385]. من ينكر أن الله خلق إبليس من أعظم الطغمات السماوية، لكنه بإرادته صار أضحوكة وموضع سخرية الملائكة. v يُقال عن الشيطان "بدء أعمال الرب، الذي جعله سخرية ملائكته" ليس لأنه هو أول خليقة أوجدها، ولا لأنه منذ البداية كان مخلوقًا شريرًا. لكن الله إذ يعلم أنه ستصير له إرادة شريرة تميل إلي أذية الصالحين، خلقه ليكون نفعًا للصالحين. هذا هو معني الكلمات "يسخر به ملائكته"، إذ يُسخر بالشيطان وذلك عندما يحاول أن يحطم الذي اختاره بإرادته نافعًا لخدام الله بالرغم من سوء نيته. حقًا لقد رأى الله ذلك عند خلقته إياه[1386]. القديس أغسطينوس كان إبليس كوكبًا عظيمًا ومرموقًا بين السمائيين "زهرة بنت الصبح" (إش 14: 12)، لا يتمتع بالنور فحسب، وإنما كان يشرق بنوره على الغير كأنه نور مشرق في الصباح، وذلك كعطية إلهية، لكنه تشامخ على الله خالقه وواهبه النور، وظن أنه يقدر أن يرتفع على مستوى الله نفسه، بل ويصير أعظم منه، فسقط ليصير ظلامًا عوض النور، إذ عزل نفسه بنفسه عن الله مصدر النور. أراد أن يجلس على جبل صهيون (مز 48: 2)، جبل الله المقدس، حسب نفسه كالله في العظمة فتعالى فوق السحاب! v الذين يقولون إن الشيطان ليس خليقة الله مخطئون. فبقدر ما هو شيطان ليس خليقة الله، أما الكائن نفسه (كمخلوق) فهو خليقة الله. وذلك كالقول بأن القاتل ليس خليقة الله، لكنه كإنسان هو خليقة الله[1387]. v واضح تمامًا من هذه الكلمات (إش 14: 12) أن ذاك الذي كان قبلاً لوسيفر، والذي ظهر في الصباح سقط من السماء. فلو أنه كما يدعى البعض كان كائنًا من الظلمة، لماذا قيل عنه أنه كان مثل لوسيفر Lucifer أو حامل النور؟ أو كيف يقوم في الصباح من ليس فيه نور قط؟[1388] العلامة أوريجينوس v قول السيد المسيح: "لأن رئيس هذا العالم"، يعني به إبليس، وقد دعاه الناس الأشرار بهذا الاسم، ليس لأنه يرأس السماء والأرض، وإلا لقلب الخلائق وعكسها، وإنما يرأس الذين قد أسلموا إليه ذواتهم. القديس يوحنا الذهبي الفم v نفهم من هذه الكلمات أنه يوجد ملك واحد، وهو خالق الكون كله. بينما على الجانب الآخر يوجد رئيس هذا العالم الذي يسمى نفسه ملك الظلمة. تخدم ربوات من الملائكة الملك الحقيقي، بينما يلتف حول رئيس قوى الظلمة ربوات من الشياطين (كو 13:1). تتبع الرئاسات والسلاطين والفضيلة ملك الملوك ورب الأرباب. وفي الآخرة حين يُسلم المسيح المُلك لله الآب بعد أن يكون قد أباد كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة للعدو، فإنه لابد أن يملك إلى أن يضع جميع الأعداء تحت موطئ قدميه (1 كو 24:15، 25)[1389]. القديس غريغوريوس النيسي لأَنَّ الْجِبَالَ تُخْرِجُ لَهُ مَرْعًى، وَجَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ تَلْعَبُ هُنَاكَ [20]. يرى البعض هنا صلاح الله العجيب، فمع ضخامة جسم هذا الحيوان، ومع قدرته لكنه ليس مفترسًا كالأسد أو النمر. لو كان مفترسًا يعيش على لحوم الحيوانات، فمع ضخامة جسمه لاحتاج إلى افتراس الكثير من الحيوانات، لأنه يحتاج إلى كمية هائلة من الطعام. لكن طعامه هو العشب الذي يوجد بوفرة على الجبال. وإذ يعيش على الخضروات لا تخشاه وحوش البر الأضعف منه جسمانيًا، بل تلعب معه. تَحْتَ السِّدْرَاتِ يَضْطَجِعُ فِي سِتْرِ الْقَصَبِ وَالْغَمِقَةِ [21]. v الأشجار العظيمة تستظل به (بالشيطان) وهو ينام بجوار القصب والأسل والبردي (أي40: 21). إنه ملك على كل الأشياء التي في المياه أي على كرسي اللذة والترف[1390]. القديس جيروم تُظَلِّلُهُ السِّدْرَاتُ بِظِلِّهَا. يُحِيطُ بِهِ صَفْصَافُ السَّوَاقِي [22]. إذ تلعب معه وحوش البر لا يحتاج أن يكمن في أماكن مظلمة أو يختبئ في كهوف حتى ينقض فجأة على فريسته. إنما في أمان يضطجع تحت الأشجار المظللة (السدرات). ينام في سلام، وتلتف حوله الحيوانات متهللة، تلعب معه. إذ لا يؤذي أحدًا لا يحتاج إلى كهوف تحميه، بل يستتر بالقصب وغيره من المزروعات التي بجوار المياه. يقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا لهذه العبارة، فيقول: [يجد بهيموث نوعًا من الراحة في أولئك الذين يصيرون باردين بانسحابهم من نور الشمس الحقيقي، لذلك يقول عنه "ينام تحت الظل"... أما الأماكن الرطبة (صفصاف السواقي)، فهي أذهان الناس الأرضيين، حيث رطوبة الشهوات الجسدية. في هذه الأذهان يغرس بصمات شره، ويغطس في أذهانهم كما في أرض رطبة. الأماكن الرطبة هي الأعمال الشهوانية. فالقدم لا تتزحلق على أرضٍ جافةٍ، وإنما عندما تسير على أرضٍ زلقةٍ، حيث يصعب مساندتها. فالذين لا يقدرون أن يقفوا باستقامة يعبرون هذه الحياة في مواضع رطبة]. هُوَذَا النَّهْرُ يَفِيضُ فَلاَ يَفِرُّ هُوَ. يَطْمَئِنُّ وَلَوِ انْدَفَقَ الأُرْدُنُّ فِي فَمِهِ [23]. إذ يحتاج هذا الحيوان الضخم إلى كمية ضخمة من الماء يُخيَّل للمرء أنه قادر على شرب نهرٍ بأكمله. إذا فاض النهر لا يهرب، بل في روية يشرب منه بغير خوفٍ أو فزعٍ. يظن بهيموث أنه قادر أن يشرب نهر الأردن كله إن اندفق في فمه. يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن المياه تشير إلى الشعوب، فقد فتح إبليس فمه ليشرب النهر كله، أي كل الجنس البشري، بكونهم شرابه، ومن حقه أن يبتلعهم. وإذ جاء السيد المسيح إلى نهر الأردن فتح العدو فمه ليشرب الأردن النازل فيه السيد. باطلاً حاول العدو أن يقتنص السيد المسيح، إنما سحق السيد المسيح رأس التنين في مياه الأردن. مازال العدو يفتح فمه ليبتلع نهر الأردن كله، أي ليقتنص الذين نالوا سرّ العماد وصاروا أبناء الله، لكنهم في تهاونهم يخدعهم ليرتدوا إلى البنوة لإبليس. تحدث القديس كيرلس الأورشليمي عن عطية المعمودية كتحريرٍ من سلطان إبليس - الوحش الساكن في أعماق المياه، قائلاً: [جاء في أيوب أنه كان في المياه الوحش الذي "اندفق الأردن في فمه" (أي 40: 23)، وكان يجب تحطيم رؤوسه (مز 74: 14). لهذا نزل (السيد) وربط القوي في المياه حتى ننال فيها القوة، إذ يكون لنا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب (لو 10: 19). كان الوحش عظيمًا ومرعبًا "لا يقدر إناء سميك أن يحتمل حرشفة واحدة من ذيله[1391]" (أي 41: 7 LXX)، ثائرًا ضد كل من يلتقي به. لقد نزل "الحياة" إليه ليلتقي معه فيسد هناك فم الموت، وعندئذ نخلص نحن، قائلين: أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا قبر؟! (1 كو 10: 55). لقد نزعت شوكة الموت بالمعمودية! ها أنتم تدخلون المياه حاملين خطاياكم، وبابتهال النعمة إذ نختم نفوسكم، لا يعود يبتلعكم الوحش المرعب[1392].] هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ أَمَامِهِ؟ هَلْ يُثْقَبُ أَنْفُهُ بِخِزَامَةٍ؟ [24] ما هي الخزامة التي تثقب أنف عدو الخير؟ يقول البابا غريغوريوس (الكبير) [ما هي إلا مشورات القديسين الجادة؟ إنها تثقب أنوف بهيموث هذا... الرب يثقب أنوفه بخزامات، إذ ينزع عنه قوته، محطمًا حيلة المخادعة بمفاهيم القديسين الحازمة]. يا للعجب الله يسمح بوجود إبليس، ولا يأخذني من أمامه. فهو يعلم أنني به أنتصر عليه. أضرب بحربة الصليب أنفه المتشامخ فأحطمها. بروح الرب أعيش غالبًا ومنتصرًا. أتغنى بروح النصرة على الشيطان الساقط من السماء كالبرق! v يصوب الشيطان سهامًا ضدي، لكن أنا معي سيف. هو معه قوس، أما أنا فجندي أحمل سلاحًا ثقيلاً... إنه حامل قوسٍ لكنه لا يجسر أن يقترب إليّ، إذ يلقى بسهامه من بعيد[1393]. v لقد فقدتم الفردوس، لكن الله وهبكم السماء، حتى يؤكد حنوه، وأنه يهزم إبليس، مظهرًا أنه حتى إن أتقن عشرات الألوف من الخطط ضد الجنس البشري، فإنها لن تفيده، حيث يقودنا الله دائمًا إلى كرامة أعظم. أنتم فقدتم الفردوس (جنة عدن)، والله فتح لكم السماء. لقد سقطتم تحت الدينونة بالتعب إلى حين، وقد كُرمتم بالحياة أبديًا. يأمر الله الأرض أن تنبت شوكًا وحسكًا، أما تربة الروح، فتنبت لكم ثمرًا. ألا ترون أن الربح أعظم من الخسارة؟[1394] القديس يوحنا الذهبي الفم v يخبرهم بولس أن يكونوا شجعانًا وأقوياء مثل المصارع وجندي المسيح، يفعلون كل شيء بالحب لله ولبعضهم البعض. القديس ديديموس الضرير v لنضع على رؤوسنا خوذة الخلاص، لكي لا نُجرح ونموت في المعركة. لنمنطق أحقاءنا بالحق، فلا نوجد ضعفاء في القتال. لنقم ونوقظ المسيح، فيهدئ الأمواج عنا. لنأخذ الترس تجاه الشرير، كاستعدادٍ لإنجيل مخلصنا (أف 6: 15-16). لنقبل من ربنا السلطان أن نسود على الحيات والعقارب (لو 10: 19)... لنفرح في رجائنا في كل وقتٍ (رو 12: 12)، حتى يفرح بنا ذاك الذي هو رجاؤنا ومخلصنا... لنأخذ لأنفسنا سلاحًا للمعركة (أف 6: 16)، هو الاستعداد للإنجيل. لنقرع باب السماء (مت 7: 7)، فيُفتح أمامنا وندخل فيه. لنسأل الرحمة باجتهاد، فننال ما هو ضروري لنا. لنطلب ملكوته وبره (مت 6: 33). لنتأمل في ما هو فوق، في السماويات، حيث المسيح صاعد وممجد. لكن لننسَ العالم الذي هو ليس لنا، حتى نبلغ الموضوع الذي نحن مدعوون إليه. لنرفع أعيننا إلي العلا، لنرى الضياء المتجلي. لنرفع أجنحتنا كالنسور، لنرى حيث تكون الجثة (مت 24 28)... عدونا حاذق يا عزيزي، ومحتال ذاك الذي يقاتلنا. يُعد نفسه للهجوم على الشجعان الظافرين، ليجعلهم ضعفاء. أما الواهون الذين له فلا يحاربهم، إذ هم مسبيون مُسلمون إليه. من له جناحان يطير بهما عنه، فلا تبلغ إليه السهام التي يقذفها نحوه؟ يراه الروحيون يحارب، ولا يتسلط سلاحه على أجسادهم. لا يخافه كل أبناء النور، لأن الظلمة تهرب من أمام النور. أبناء الصالح لا يخشون الشرير، لأنه أعطاهم أن يطأوا عليه بأقدامهم (تك 3: 15)[1395]. القديس أفراهاط v لم تستطع أية خطية صادرة عن بلاء شيطاني أن تقترب من جسم الرب. صمد الرب أمام تجارب العدو، لكي يرد النصرة للبشرية. جعل من الشيطان ألعوبة، كما أعلن داود: "لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه" (مز 104: 26)، وأيضًا: "يسحق المتهم الباطل" (مز 72: 4). وأيضًا "كسرت رؤوس لوياثان على المياه" (مز 74: 13-14). وفي سفر أيوب أعلن الرب أن لوياثان هذا سيصير ألعوبة ويُصطاد في هذه التجربة، قائلاً: "تصطاد لوياثان بشصٍ" (أي 41: 1)[1396]. الأب خروماتيوس من وحي أيوب 40 من ينقذني من إبليس سواك؟ v في وسط ضيقاتي تتمرر نفسي. أدخل معك في عتاب مرّ. أنسى حقيقة نفسي، إني تراب حقير أمام خالق عظيم. v لقد أخطأت في تفكيري كما في كلماتي. تكلمت مرة ومرتين، تساءلت: لماذا تُنجح طريق الأشرار؟ لماذا تسمح لي بالضيقات؟ لكنني لا أعود أزيد الكلام. صمت أمامك، ذراعك قوي وصوتك يرعد. جلالك وبهاؤك من يقدر أن يصفهما v اكتشفت حقيقة نفسي الضعيفة، وعرفت عنف إبليس عدوي. من يقيمني سواك؟ من يخلصني من هذا العدو إلا أنت يا محب البشر؟ v لتشددني فأميت حقويَّ، ولا أسمح لشهوات الجسد أن تحطم شهوات الروح. قوة العدو في حقويه وسرة بطنه! احفظني منه، وقدس حقوي وبطني. v خلقته كوكبًا منيرًا، وفي شره انحدر إلى الهاوية. يود أن يسحبني معه. من يخلصني منه سواك؟ يفتح فمه، ليبتلع كل بني البشر. ليتني أختفي فيك، فلا يقترب إليَّ. لأنعم بصليبك، فأثقب أنفه. أحيا بروحك القدوس، فأكسر أنفه المتشامخ!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الأربعون الأيات (1-5):-" 1فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ فَقَالَ: 2«هَلْ يُخَاصِمُ الْقَدِيرَ مُوَبِّخُهُ، أَمِ الْمُحَاجُّ اللهَ يُجَاوِبُهُ؟».3فَأَجَابَ أَيُّوبُ الرَّبَّ وَقَالَ: 4«هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي. 5مَرَّةً تَكَلَّمْتُ فَلاَ أُجِيبُ، وَمَرَّتَيْنِ فَلاَ أَزِيدُ»." بعد أن أعطي الله لأيوب الدرس، سكت الله وأعطي أيوب فرصة ليتأمل فيما سمعه. ولكن أيوب سكت ولم يتكلم. ولما سكت أيوب تكلم الله= فأجاب الرب أيوب مع أن أيوب لم يكن قد تكلم قيل أن الرب أجاب، فالله يعرف ما في القلوب دون أن يفتح الإنسان فمه. وكان أيوب بعد ما قيل في خجل شديد، وربما كان شاعراً أنه تجرأ علي الله ولابد أن الله سوف يطرده من حضرته ويخاصمه للأبد. ولكننا نجد الله يطمئن هذا القلب القلق من خصام الله. هل يخاصم القدير موبخه= وكلمة موبخه تعني لائمه، ولاحظ أنه لم يقل هنا من العاصفة. فهذه الكلمة كانت في هدوء بلا غضب لتعطي هدوءاً لقلب أيوب. فحينما يقول أن الله تكلم من العاصفة فهذا يعني أن الله تكلم في غضبه. والله في محبته يعرف متي يستخدم أسلوب القسوة مع الخاطئ ليخاف ويتوب، ومتي يستخدم أسلوب الحب ليطمئن القلب الذي في حالة جزع. ها أنا حقير فماذا أجاوبك= هنا يظهر أن الدرس الذي أعطاه الله لأيوب قد أتي بثماره. هنا شفي أيوب تماماً وتاب. وضعت يدي علي فمي= أي لن أتكلم ثانية مرة تكلمت فلا أجيب ومرتين فلا أزيد= أي في جهلي وكبريائي تكلمت سابقاً كثيراً. ولكن الآن بعد أن تاب أيوب تماماً يقول لن أتكلم وقارن مع 37:31 + 3:23 الآن في توبته رأي الله القدوس البار المحب، ورأي نفسه في نجاستها وجهلها وكبريائها فذاب خجلاً، راي تحديه لله السابق وكلامه الصعب من نحو الله، وها هو يري الله وقد إحتمل كل كلامه السابق، بل أتي ليعاتبه ويعلمه ويكمله ويشفيه فأسكته جلال الله وتواضعه بالمقارنة مع تعاليه وهو الحقير أمام الله. هو لم يتب من محاولات أصحابه، أما أمام الله فتاب توبة حقيقية وهذا هو عمل الله، لذلك قال النبي "توبني يارب فأتوب". فصوت الله الذي يدعو للتوبة أقوي وأعلي من صوت الإنسان وقادر علي أن يقنع الإنسان الخاطئ بالتوبة. والتائب الحقيقي يشعر أنه حقير جداً أمام الله ويكون كارهاً لنفسه حز 31:36. وبقدر ما عظم نفسه أمام الناس يحتقر نفسه أمام الله. فأيوب حين قارن نفسه بأصحابه وجد نفسه عظيماً فجادلهم ولم يقتنع بكلامهم، أما حين يقف أمام الله سيدرك حقيقة خطيته فيحتقر نفسه، حين نقف أمام نور الله يكشف نوره خبايا قلوبنا النجسة فنحتقر ذواتنا. لذلك لم يستطع أيوب أن ينطق أمام الله. لقد سببت كلمة الله تحولاً جذرياً في تفكير أيوب عجزت محاولات أصحابه أن يعملوه. وحين أتت كلمة الله إنتهي نزاع الألفاظ. لقد أظهر الله قدراته لأيوب فرأي أنه يستطيع أن يثق بإله مثل هذا، وأقتنع أيوب أن عنآية الله به كانت أكثر شمولاً ودقة مما تصورها. وحتي هذه اللحظة كانت آلام أيوب كما هي ومشاكله كما هي، ولكن حدث شئ جديد في داخله، لقد شفي من جروح قلبه أي كبريائه وإحساسه بأن الله ظلمه. هو لم يأخذ رداً علي تساؤلاته، لماذا حدث ما حدث ولكنه شعر أنه في سلام طالما كان في يد الله مهما حدث. لقد كان عمل الله ورد الله عليه سبباً في حالة من السلام الداخلي والتسليم الهادئ اللذان ملآ قلبه. لقد تأثر أيوب وسلم نفسه لإله له قدرة علي رعآية خليقته كلها (كواكب وحيوانات) فكم بالأولي البشر. وكم وكم يجب علينا أن نسلم لإلهنا الذي فدانا علي الصليب. وهكذا تصالح كل الأتقياء القديسين مع الله بعد أن تخاصموا معه أر 1:12 + مز 21:73-28. فقال أرمياء "أبر أنت يارب من أن أخاصمك" الأيات (6-14):-" 6فَأَجَابَ الرَّبُّ أَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَةِ فَقَالَ: 7«الآنَ شُدَّ حَقْوَيْكَ كَرَجُل. أَسْأَلُكَ فَتُعْلِمُنِي. 8لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي، تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ أَنْتَ؟ 9هَلْ لَكَ ذِرَاعٌ كَمَا ِللهِ، وَبِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ تُرْعِدُ؟ 10تَزَيَّنِ الآنَ بِالْجَلاَلِ وَالْعِزِّ، وَالْبَسِ الْمَجْدَ وَالْبَهَاءَ. 11فَرِّقْ فَيْضَ غَضَبِكَ، وَانْظُرْ كُلَّ مُتَعَظِّمٍ وَاخْفِضْهُ. 12اُنْظُرْ إِلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَذَلِّلْهُ، وَدُسِ الأَشْرَارَ فِي مَكَانِهِمِ. 13اطْمِرْهُمْ فِي التُّرَابِ مَعًا، وَاحْبِسْ وُجُوهَهُمْ فِي الظَّلاَمِ. 14فَأَنَا أَيْضًا أَحْمَدُكَ لأَنَّ يَمِينَكَ تُخَلِّصُكَ." رأينا أيوب في توبته كيف قال أنا حقير، وكيف تواضع بين يدي الله. ولكن الله المعلم الذي يعرف مكنونات قلب عبيده وتلاميذه رأي أن أيوب مازال محتاجاً لدرس آخر حتي يكون تأثير كلام الله عليه كاملاً وتكون توبته بلا رجعة ويتصالح مع الله مصالحة تكون بلا تردد ولباقي أيام عمره. وعاد الله لنبرة الصوت الغاضبة= فأجاب الرب أيوب من العاصفة. وفي (7) لقد كنت تجادلني بشدة والأن تشدد وحاول الإجابة علي أسئلتي. وفي (8) لعلك تناقض حكمي= أي حين نسب الظلم إلي الله كان كأنه قد نقض حكم الله. وكل من يتذمر علي الرب كأنه يناقض حكمه. فالتذمر علي أحكام الله تعني أن المتذمر يظن أنه يعرف أكثر من الرب، وأنه لو كان في مكان الرب لكان تدبيره غير تدبير الرب، لكن كان تدبيره سيكون بطريقة أفضل. تستذنبني لكي تتبرر أنت= الله يلوم أيوب هنا أنه في خلال حواره مع أصحابه أراد حتي يبرر نفسه، ويظهر باراً أمامهم أن يلقي باللوم علي الله. فأيوب نظر إلي بره وإفتخر به وكان غايته إظهار ذلك أمام أصحابه فلم يهتم بأن يظهر الله كأن الله هو الذي أخطأ معه. وعلي كل إنسان أن يقول مع داود "لكي تتبرر في أقوالك وتغلب إذا حوكمت مز 4:51 + دا 7:9. ولقد تكلم الله سابقاً عن عمله العجيب في الفلك والخليقة الحيوانية، والآن يتكلم عن النظام الأدبي في العالم وأنه وحده القادر علي السيطرة علي الأشرار. ففي (9) هل لك ذراع كما لله= الذراع دليل القوة. فكيف نختلف مع الله القدير القوي وبصوت مثل صوته ترعد= لاحظ أن الله الأن يتكلم من العاصفة وبصوت مخيف كالرعد، وأيوب خائف من هذا الصوت. ولنعلم أن كل قوة الإنسان أمام قوة الله ما هي إلا أشواك أمام نار هائلة. فنحن لا نستطيع أن نعمل شيئاً بدونه ولكنه يستطيع أن يعمل كل شئ بدوننا. ونلاحظ أن قوة صوت الله ليست في رعده المخيف فقط بل في قوة إقناع صوت الله لقلوبنا. فأصحاب أيوب فشلوا في إقناعه بالتوبة بينما نجح صوت الله في ذلك. وتحدي الله لأيوب هنا معناه: لقد نسبت الظلم لي يا أيوب، فهل تستطيع بقوتك أن تأخذ حكم العالم وتديره بذراعك، وهل لك صوت يرعب الأشرار، أو صوتك قادر أن يدعوهم للتوبة. وفي (10) يسخر الله من أيوب داعياً إياه أن يتزين ويلبس اللبس الملوكي حتي يحكم العالم، فهل تستطيع يا تري مهما تزينت بالبهاء أن ترعب الأشرار. وفي (11-13) دعوة لأيوب، بل تحدي أن يخفض كل متعظم شرير متكبر ظالم وأن يحبسهم في الظلام ويدوسهم. لقد إشتكي أيوب أن الله يترك الأشرار ينعمون والله يقول له أرني قوة ذراعك ودسهم أنت. ولنعلم أن الله في مجده وبهائه وبذراعه قادر وحده أن يفعل هذا، هو وحده الذي يرعب الأشرار ويدوسهم فلا يخرجون لإتمام مقاصدهم. وقادر وحده أن يحبس وجوههم في الظلام= أي في غياهب السجون، وإن لم يكن هنا في سجون العالم ففي ظلام السجون الأبدية في الجحيم. إن الخطية التي تضايق الله جداً هي خطية الكبرياء فهي خطية إبليس. والله وحده هو القادر أن يخفض وجوه المتكبرين حين يسقط غضبه عليهم. إطمرهم في التراب ألم يصنع هذا بجيش فرعون وأهل سدوم وعمورة ثم مع قورح وداثان وجماعتهما. والمقصود بالتراب بالأكثر أن يميت الأشرار فيذهبوا للتراب. الله وحده القادر أن يذل الأشرار لكنه وحده الذي يحدد الميعاد وهو "ملء الزمان". ليس هذا فقط فالإنسان في ضعفه يتصور أن كل ظالم يجب أن ينتقم منه الله بأن يقتله، لكن الله له طرق أخري، فهو وحده الذي يعلم ما في القلوب، وهل قلب هذا الظالم يمكن أن يتحول بالتوبة، هنا لا يقتله الله بل يعطيه فرصة للتوبة، فالله لا يسر بموت الخاطئ بل بأن يرجع ويحيا حز 23:18. ونري هذا مع بولس الرسول، فهل كان الله يجب عليه أن يقتله حين قاد المسيحيين للقتل في دمشق وحين كان راضياً بقتل إسطفانوس، وهل كان الله عليه أن يقتل موسي الأسود أثناء شروره، وربما نتصور أن الله كان يجب عليه إفناء الدولة الرومانية لأنها إضطهدت المسيحيين لكن الله حولها للمسيحية. "ولنعلم أن طرق الله غير طرق الإنسان" وفي (14) كان أيوب قد إعترض علي حكم الله فعليه أن يثبت أنه قادر أن يحكم الكون كله حكماً حسناً، وأحسن من حكم الله، وفي هذه الحالة سيعترف له الله= فأنا أيضاً أحمدك= أي أقر بقوتك وقدرتك وقوة ذراعك. هذه سخرية من أيوب. وما علينا سوي أن نعترف بأننا في حمآية ذراع الله في أمان. الأيات 15-24 + 1:41-34 بهيموث ولوياثان يستمر الله في إثبات عجز أيوب بأن يستعرض أمام أيوب قدراته في الخلق وهنا يشير الله لحيوانين مرعبين لضخامتهما ويضع أوصافاً تعبر عن حجمهما الهائل وقوتهما الجسدية. ومما لاشك فيه فإن كان هناك حيوان مخيف بهذه الصورة، فماذا تكون قوة الإنسان بجانبه، من المؤكد هو سيفزع وإن كان هذا الحيوان يفزع الإنسان وهو من خليقة الله فكم وكم الله الذي خلقه 1- بهيموث:- "قاموس الكتاب المقدس" لها تفسيرين 1) جمع بهيمة بالعبرية. وبهيمة هو حيوان يدب علي أربعة لا يصدر أصواتاً. وتطلق علي الماشية "قاموس strongs 2) قال آخرين أنها كلمة مصرية قديمة معناها "ثور الماء". وقد ترجمت في بعض المواضع وحوش(أي 11:35 + مز 22:73) أما علماء أليهود فيزعمون أن بهيموث حيوان كبير الحجم ذو قدرة عظيمة ومنظره هائل، ومن شأنه أنه كان ولا يزال يسمن منذ إبتداء الخليقة إلي مجئ المسيح، فإذا جاء، قُدِمَ عندها وليمة للمؤمنين. والرأي مستقر علي أن بهيموث هو فرس البحر الموجود قديماً في أرض مصر والآن في النيل الأعلي حيث يقضي نهاره في المياه وبين الأشجار، فإذا جاء الليل خرج إلي الحقول المجاورة في طلب المرعي، ويتلف مزروعاتها وأشجارها لما هو عليه من شدة النهم. وهو حيوان عظيم الحجم ضخم الجسم (طوله 16 قدماً وعلوه 7 أقدام) 2- لوياثان:- "أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رؤوس التنانين علي المياه" مز 13:74 "هذا البحر الكبير. . . لوياثان هذا خلقته ليلعب فيه" مز 25:104، 26 " في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان الحية الهاربة. لوياثان الحية المتحوية ويقتل التنين الذي في البحر أش 1:27 ليلعنه لاعنو اليوم المستعدون لإيقاظ التنين (لوياثان) أي 8:3 لوياثان إسم عبري معناه "ملفوف" وهو حيوان مائي هائل ذكر في الأسفار الشعرية في الكتاب المقدس. يعيش في البحر. ويقصد به غالباً التمساح. وهو من أكبر الحيوانات التي تدب. وظهره ورأسه وذنبه مغطاة بحراشف قرنية لا تخترقها السهام أو الرماح أو الرصاص إلا في أماكن معينة فيه. ولكن في المعني الأصلي أنه حيوان يلتف كالحية لذلك كثيراً ما تترجم الكلمة حية أو تنين. ولكن بالرجوع لأصل الكلمة العبري (لوفا) نجده يعني أيضاً ينشق/ ويقرض. ما هو المعني الروحي لبهيموث ولوياثان لقد أثبت الله لأيوب فيما قبل سلطانه المطلق علي كل من الطبيعة والخليقة الجامدة كلها (كواكب وأرض وشمس بنورها) وكل الظواهر الطبيعية (البحر بأمواجه والسحاب والأمطار المفيد منها والمؤذي، والجلد والثلج والبروق والصواعق والرعد) وعلي الخليقة الحيوانية (أسود ووعول. . الخ). وعلي الأشرار فهو وحده الذي يؤدبهم ويخضعهم. فماذا تبقي؟. . . . من القوي التي تحارب الإنسان وتخيفه لم يتبقي سوي قوتين قوة الشهوة وحب العالم في داخل الإنسان وقوة إبليس. فنحن يمكننا أن نفهم كلام الله لأيوب علي أنه نوع من التوبيخ أو نوع من التعليم 1. فكلام الله توبيخ لأيوب، ففيه يشرح الله أنه وحده القادر علي كل شئ فكيف يعارضه؟! 2. وكلام الله تعليم لأيوب ولكل واحد منا، ففيه يشرح أنه الإله المحب لخليقته وهو وحده له سلطان علي كل الخليقة (جماد أو حيوان أو إنسان ظالم) فلماذا الخوف من الخارج. هنا الله يعلم الإنسان ألا يخاف من أي شئ يراه، فهو قادر أن يذلله له. وعلينا أن نؤمن بهذا فيملأ السلام قلوبنا "أنا هو لا تخافوا". إذا كان الله ضابط الكل المحب لشعبه وفي يده السلطان علي كل شئ، فليطمئن شعبه. وبعد أن طمأن الله أيوب وطمأن كل البشر أنه المسيطر علي كل القوي التي تحيط بنا نجده الأن يهدئ النفس المضطربة من:- 1) القوي الداخلية (الشهوة المشتعلة) 2) القوي غير المنظورة (إبليس) وأيضاً إذا كان الله ضابط الكل. وكل شئ في يده فهو قادر أن يسيطر علي هذه القوي غير المنظورة ولكننا نشعر بحروبها ضدنا. وإتخذ الله الرموز طريقاً يشرح به هذه الفكرة. فنجد حيوانين هائلين يعبران عنهما وهما:- 1- بهيموث:- هو تعبير عن الشهوات الكامنة فينا ومحبة العالم. 2- لوياثان:- هو إبليس بكل قواته الموجهة ضد البشر. فبهيموث يشير للشهوة أو للجسد الذي تسكن فيه الشهوة، شهوة البطن (أكل أو شهوات زنا) أو محبة العالم 1يو 15:2-17. ونلاحظ في هذه الأيات أن من يحب العالم ليست فيه محبة الآب. وقطعاً من لا يحب الآب فهو ميت في خطاياه. ومن هنا ندرك أن الإنسان الشهواني يعرض نفسه للموت الروحي. ومن سمات الإنسان الشهواني أنه لا يشبع. ونجد هذه المواصفات في بهيموث "يطمئن ولو إندفق الأردن في فمه" بل هو يشرب ولا يحس بالإرتواء أر 13:2. والشهوة موجودة في الإنسان "بالخطية حبلت بي أمي مز 5:51" وبهذا يعترف بولس الرسول "أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية. . . فالأن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة فيَ. . . رو 14:7-25. ولكن بولس لم يتوقف عند هذا بل أكمل عمل نعمة المسيح "لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت رو 8: 3، 2. والأن كل من يسلك حسب الروح خاضعاً لوصايا الله مجاهداً حتي الدم، ولا يسلك بحسب الجسد مندفعاً وراء شهواته. يجد هناك قوة تسانده هي نعمة الله العاملة فينا. ومهما كانت الحروب الناشئة من الشهوة التي فينا، فلنا أسلحة جبارة بها نحارب أف 10:6-20. وأسلحتنا ليست ضعيفة 2كو 3:10-5. فالشهوة للعالم وللخطية هي قوة لا يستهان بها، بل يقول الكتاب أم 26:7 طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء. ولكن الله قادر أن يعطي لأولاده قوة يقدرون بها أن يطفئوا سهامها الملتهبة. الله أعطي الإمكانية، والنعمة التي نستفيد منها ونختبرها إذا جاهدنا بصلواتنا وأصوامنا وبتوبتنا. ونلاحظ قول الرب لقايين عند الباب خطية رابضة وإليك إشتياقها وأنت تسود عليها. وتصوير بهيموث هنا بقوته الهائلة هو تقرير لواقع سيطرة الشهوة بقوة علي الإنسان. ولكن الله قادر أن يعطي قوة من عنده تسيطر عليها. فمن الذي يقدر أن يسيطر علي الشئ إلا خالقه. وها هو الإنسان عاجز عن أن يسيطر علي بهيموث القوي لكن الله يقدر أن يذلله له. وهكذا الشهوة التي أسقطت كثيرين ،الله يقدر أن يذللها للإنسان، علي أن نجاهد في سبيل ذلك، لذلك إمتلأ تاريخ الكنيسة بالقديسين. ولوياثان. الحية الملفوفة هو إشارة لإبليس. وسواء في مواصفات بهيموث أو مواصفات لوياثان نلمس أن التصوير يخرج عن أي واقع ملموس مما نراه في الحيوانات التي علي الأرض. وربما هو تصوير لجأ لخيال الشعراء ليصور قوتهم، أو هو أخذ من الأساطير المصرية هذه المواصفات لحيوانات أسطورية. ولكن الله الذي أوحي بكل ما كتب سمح بهذا لنري فيه صورة للقوة غير العادية سواء للشهوة أو لإبليس. والله وحده هو القادر أن يهزم لنا إبليس ويضربه ويذلله. بل هذا ما رأيناه في الأيات التي ذكر فيها لوياثان. والله هو الذي سيعطينا الخلاص منه، حينما يأتي بالخلاص مز 10:74-14. وراجع أش 1:27 نجد وعداً بأن الله سيضربه بسيفه. ونلاحظ من الأيات المذكور فيها إسم لوياثان أنه وحش بحري. فالعالم مشبه بالبحر 1. متقلب كأمواج البحر، يوماً يكون فيه الإنسان إلي فوق وآخر إلي تحت. 2. وكما أنه غير مضمون فهو كماء البحر المالح لا يروي بل يقتل.ومن يحيا في البحر يغرق ويموت . ولذلك نحن نستعمل العالم ولكننا لا ننغمس في ملذاته . هكذا فإبليس يستخدم العالم ليجذب أولاد الله بأن يغريهم بما في العالم وحينما ينجذبون يجرفهم العالم بتياراته القوية غير المضمونة العواقب، بل هي ستقودهم للهلاك كماء البحر القاتل. والله يَعِدْ أنه سيسحق لوياثان أخيراً. والتصوير الذي نراه هنا أن لوياثان الساكن البحر يجعله مضطرباً 31:41. فهو رئيس هذا العالم، يقدر أن يعطي لمن يسجد له أن يمتلكه (يو 30:14 + مت 9:4) ولكن يا ويل من يستجيب فمصيره الهلاك. بل هو سيعاني من إضطراب كل الأمور حوله إذا إنجذب من شهواته فإبليس يهيج العالم كما يهيج لوياثان البحر الساكن فيه. ونلاحظ أن إبليس قد شبه بالحية وفي رؤ 2:13 شبه ضد المسيح بوحش شبه نمر وقوائمه كقوائم دب وفمه كفم أسد وأعطاه التنين قدرته. علامة علي دمويته. وفي رؤ 13 نجد وحشين. الأول خارج من البحر رؤ 1:13 والأخر خارج من الأرض رؤ 11:13. ووراء الوحشين إبليس الحية القديمة. ومصير هذه الحية البحيرة المتقدة بالنار ومعها الوحوش. رؤ 20:19. فإبليس يحارب كيفما شاء ولكن الله وحده هو المسيطر عليه والقادر علي إخضاعه. وسيهلكه أخيراً. والآن ما هي الصورة التي يراها كل إنسان من تصوير سلطة الله علي الخليقة:- نري الله كإله ضابط الكل، مسيطراً علي كل القوي المحيطة بنا سواء منظورة أو غير منظورة، الكواكب والسماء، الأرض والبحر، الحيوانات بكل أنواعها، إبليس وكل أعوانه، بل حتي الشهوة التي في داخل الإنسان. هي صورة تعطي طمأنينة وثقة في إلهنا القادر علي كل شئ. الأيات (15-24):-" 15«هُوَذَا بَهِيمُوثُ الَّذِي صَنَعْتُهُ مَعَكَ يَأْكُلُ الْعُشْبَ مِثْلَ الْبَقَرِ. 16هَا هِيَ قُوَّتُهُ فِي مَتْنَيْهِ، وَشِدَّتُهُ فِي عَضَلِ بَطْنِهِ. 17يَخْفِضُ ذَنَبَهُ كَأَرْزَةٍ. عُرُوقُ فَخِذَيْهِ مَضْفُورَةٌ. 18عِظَامُهُ أَنَابِيبُ نُحَاسٍ، جِرْمُهَا حَدِيدٌ مَمْطُولٌ. 19هُوَ أَوَّلُ أَعْمَالِ اللهِ. الَّذِي صَنَعَهُ أَعْطَاهُ سَيْفَهُ. 20لأَنَّ الْجِبَالَ تُخْرِجُ لَهُ مَرْعًى، وَجَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ تَلْعَبُ هُنَاكَ. 21تَحْتَ السِّدْرَاتِ يَضْطَجعُ فِي سِتْرِ الْقَصَبِ وَالْغَمِقَةِ. 22تُظَلِّلُهُ السِّدْرَاتُ بِظِلِّهَا. يُحِيطُ بِهِ صَفْصَافُ السَّوَاقِي. 23هُوَذَا النَّهْرُ يَفِيضُ فَلاَ يَفِرُّ هُوَ. يَطْمَئِنُّ وَلَوِ انْدَفَقَ الأُرْدُنُّ فِي فَمِهِ. 24هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ أَمَامِهِ؟ هَلْ يُثْقَبُ أَنْفُهُ بِخِزَامَةٍ؟ " بهيموث= فرس البحر(سيد قشطة). وهو موجود في أنهار إفريقيا ومنها نهر النيل. وهو ضخم جداً وفمه عريض وأنيابه ضخمة وجلده سميك وقاسى جداً حتي الرصاص لا يكاد يخترقه. ولا يأكل سوي العشب والنباتات. صنعته معك= حتي لا يفتخر أيوب بل يتذكر أنه هو أيضاً من جملة خلائق الله. بل إن الله بوحي من روحه القدوس أتي بموضوع بهيموث بعد أن أثبت لأيوب عجزه عن أن يسيطر علي الأشرار، وذلك ليضعه مرة أخري أمام التساؤل، لقد إعترضت علي أن الظالمين يتحكمون في العالم، فهل تستطيع أن تدير أنت شئون العالم الأدبية وتسيطر علي الأشرار، إن كنت لا تستطيع أن تسيطر علي العالم المادي وعلي حيوان مثل بهيموث. وإذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة داخل الإنسان نفهم أن الله قد خلق الإنسان وخلق معه الشهوة،فالانسان خلق كاملا . ولكن حين خلق الله الشهوة كانت شهوة مقدسة وحب مقدس لم تلوثه الخطية، وكلمة مقدس تعني مكرس ومخصص لله . فكان آدم يحب الله فهو مخلوق علي صورة الله ، والله محبة . وبنفس المفهوم كانت لذة آدم في محبته لله لأن الله لذاته مع بني آدم ( ام 8 : 30 ) . فإذا قال داود في المزمور مز 4:27 واحدة سألت من الرب وأياها ألتمس. أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي لكي أنظر إلي جمال الرب وأتفرس في هيكله. ويقول بولس الرسول "لي أشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جداً( في 1 : 23 ). فماذا كان الحال قبل السقوط؟ من المؤكد كانت شهوة آدم هي وجوده المستمر في حضرة الله. آدم يشتاق لله ويحب الله، هذه هي الشهوة التي خلق الله آدم بها. ولكن للأسف فسدت الصورة المثالية التي خلق الله الإنسان بها، وإنحرفت شهوة الإنسان. وكانت اول آية بعد السقوط ان آدم وحواء عرفا انهما عريانين ( تك 3 : 7 ) ، وتحول الحب والشهوة المقدسة الي لذات وشهوات جسدية . ( رو 12:6+ غل 17:5+أف3:2+ 2 بط10:2+ لو15:22+ 1تس17:2 ). وضاع الفرح من الانسان ، فالفرح ناشئ عن حب الله ، وهذا اعاده الفداء والروح القدس (رو 5 : 5 + غل 5: 22 ) يأكل العشب مثل البقر= مع كل حجمه وقوته فهو يتغذي علي العشب، مثل البقر، ولا يفترس الحيوانات ليأكلها. وفي آية (20) لأن الجبال تخرج له مرعي= طعامه النبات وجميع وحوش البر تلعب هناك= لأنه حيوان نباتي فالحيوانات الصغيرة لا تخافه فهو لا يأكلها بل تلعب بجانبه. وهذا من صلاح الله فلو كانت الحيوانات الضخمة مثل سيد قشطة والفيل من أكلات اللحوم ما تركت حيوان حي بجانبها ولو فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة نفهم أن الجبال تخرج له مرعي= بأن شعب الله الذين هم كالجبال (أش 2:2)، هم الذين بحريتهم يقدمون المرعي لشهوتهم، إن تركوا لشهواتهم العنان ولكن الخطورة أن جميع وحوش البر تلعب هناك. فحيثما سمح إبن الله لشهواته أن تنطلق سيعرض نفسه لمخاطرة كثيرة من الوحوش المفترسة. ونحن نعلم أن خصمنا إبليس يجول كأسد زائر يلتمس من يبتلعه. ولنري قوة بهيموث يخفض ذنبه كأرزة= فعضلاته قوية وصلابته كالخشب عظامه أنابيب نحاس. جرمها حديد ممطول= مترجمة عن اليسوعيين "عظامه قصب من نحاس وغضاريفه حديد مطرق". وترجمتها الإنجليزية "عظامه قصب من نحاس وضلوعه حديد (قضبان حديدية). عروق فخذيه مضفورة= أي قوية ومتشابكة فعظامه وعروقه وأطرافه لو قورنت بباقي الحيوانات تظهر كأنها حديد ونحاس. ملحوظة:- من يرفض أن يصوم حسب نظام كنيستنا أي علي الطعام النباتي ألا يلاحظ قوة هذا الحيوان وهو نباتي وهكذا الفيل مثلاً. هو أول أعمال الله. الذي صنعه أعطاه سيفه= "هو أول طرق الله في الخلق" (بحسب ترجمة اليسوعيين والإنجليزية). قد تعني أنها اكبر أعمال الله من ناحية الخليقة الحيوانية. وسيفه هو أنيابه التي يقطع بها الحشائش كما بمنجل. أو إذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة. فالله خلق فينا الشهوة، وهي في صورتها الأولي عبارة عن طاقة حب مقدسة كالسيف تقطع كل إرادة خاطئة وترفضها ويكفي أن نسمع قول بولس الرسول في( رو 35:8-39)، أو تري الشهداء ذاهبين لساحات الإستشهاد في فرح مسبحين لتعرف قوة شهوة الحب التي فاقت علي قوة رهبة الموت. واذا فهمنا ان الشهوة المقدسة هي المحبة ، اذاً فاول اعمال الله هي المحبة بل هو خلق الانسان بمحبته وارادته ان يعطي للانسان ان يحيا ابديا وفي فرح ومجد .وكانت هذه المحبة الخاقة هي رأس اعمال الله. ولكن هذه الشهوة متي إنحرفت صارت قوة رهيبة مدمرة للإنسان وتصير كسيف يقطع ويدمر كل ما هو حلو ومفرح ومعزى فى حياته. (مراثى1:4) تحت السترات يضطجع= هو نبات ينمو في مصر علي شطوط النيل وأوراقه كبيرة وأزهاره منها ما هو أبيض ومنها ما هو أزرق (ومترجم في بعض الترجمات اللوتس). ملحوظة:- 1- هو يضطجع في سلام لأنه آكل نباتات فالحيوانات لا تهرب منه، وهو لا يخاف من أحد، فمن يُرعِب الآخرين يعيش هو أيضاً في رعب. ومن يحيا في سلام مع الأخرين لا يحمل لهم شراً يحيا هو أيضاً في سلام مع نفسه. 2- هذا الحيوان لا يأكل اللحوم ولكن لشراهته يدمر كل ما هو أخضر، حتي أنه يبحث في الجبال عن كميات تكفيه. وشهوة الإنسان إذا إشتعلت بالخطية تدمر كل ما هو أخضر فيه، أي كل ما هو مفرح وحي فيه. هوذا النهر يفيض فلا يفر هو، يطمئن ولو إندفق الأردن في فمه= يظهر نهمه في أن لا يكفيه أي كميات من الماء، بل هو يفرح كلما إزدادت كميات المياه ولو كانت كل نهر الأردن. وهو تصوير شعري يعبر عن نهمه وقوته وسعة معدته. ولكننا نفهمها بأسلوب روحي إذا فهمنا أن بهيموث يشير للشهوة ومحبة العالم فالإنسان الدنيوي لا يكتفي بما يملك، ومهما أخذ فهو يريد المزيد، ونلاحظ أن المسيح قال للسامرية عن العالم "من يشرب من هذا الماء يعطش يو 13:4 وأما من يعطش للماء الذي يعطيه المسيح فهو لا يعود يعطش لماء العالم بل تجري من بطنه أنهار ماء حي (قارن يو 14:4 مع يو 37:7، 38) فالإنسان الدنيوي الذي يشتهي العالم، لا يكفيه كل العالم في نهمه، مثال:- سليمان حينما ترك نفسه وراء شهوة النساء، كان له 1000 زوجة وسرية. وداود بقدر ما كان له إشتهي بثشبع زوجة أوريا. أما يوسف الذي رفض الخطية فاض منه أنهار ماء حي أشبعت العالم. وكل من يرفض الخطية يمتلئ بل يفيض من الروح القدس علي الآخرين. أما هذا العالم بشهوته وأمجاده الزائلة فسيجف رؤ 12:16. ونلاحظ أن كلمة الأردن معناها الذي ينزل إلي أسفل. إشارة للإنسان الذي لا يشبع من ثروات وشهوات هذا العالم السفلي. وآية (24) مع قوة بهيموث هل تستطيع يا أيوب أن تسيطر عليه أو تأخذ شيئاً من أمامه أو تثقب أنفه بخزامة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح