كلمة منفعة
في الحياة الروحية، من المهم جدًا: عنصر الاستمرار.فمن السهل أن يبدأ إنسان علاقة مع الله. ولكن هل يستطيع أن يستمر أم لا؟!
— عنصر الاستمرار
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث الأصحاح الثالث العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا يتحدث هذا الأصحاح عن: 1. العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا [1-4]. 2. خلع الحذاء [5]. 3. دعوة موسى للخدمة [6-10]. 4. اعتذار موسى [11 - 13]. 5. اسم الله [14 - 17]. 6. سرّ الأيام الثلاثة [18]. 7. يد الله القوية [19 - 22]. 1. العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا: بينما كان موسى يرعى غنم حميه يثرون ساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب، إذا به يرى عُلِّيقة تتقد نارًا ولا تحترق فقال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" [3]. هنا دخل موسى النبي إلى مرحلة جديدة هي مرحلة اللقاء مع الله الذي هو سرّ القوة، والراعي الخفي الذي يعمل لخلاص العالم وبنيان الكنيسة. والآن إلى أي شيء تشير هذه العُلِّيقة المُتَّقدة؟ أ. إن كلمة "العُلِّيقة" بالعبرية كما جاءت في العددين [2، 3] تعني "العُلِّيقة المملوءة شوكًا The thorny bush"[50]، لذا رأى اليهود في هذه العُلِّيقة رمزًا لإسرائيل وقد أحاطت به الأشواك والأتعاب التي تلحق به[51]. وقد أخذ بعض الآباء الأولين ذات الفكر، فرأى العلامة ترتليان[52] في العُلِّيقة إشارة إلى الكنيسة التي تشتعل فيها نار الاضطهاد ولا تُبيدها، ونادى بذات الرأي القدِّيس هيلاري أسقف بواتييه[53]. كما يقول القدِّيس هيبوليتس الروماني: [يتحدث الله مع قديسيه في الكنيسة كما في العُلِّيقة[54]]. وكأن موسى النبي رأى في العُلِّيقة كنيسة السيِّد المسيح المتألمة تحوط بها الأشواك، لكنها ملتهبة بنار الروح الإلهي فلا يصيبها الموت... هذه هي الخدمة التي دُعي إليها! ب. يرى القدِّيس أغسطينوس أنها تشير إلى مجد الله الذي حلَّ في الشعب اليهودي لكنه لم يبيد قساوة قلبهم المملوءة أشواكًا[55]. ج. يرى القدِّيس إكليمنضس الإسكندري[56] في العُلِّيقة إعلانًا عن الميلاد البتولي، فقد وُلد السيِّد المسيح من البتول، وبميلاده لم تُحل بتولية العذراء. هذا أيضًا ما عناه القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص إذ قال: [نور اللاهوت الذي أشرق منها نحو الحياة البشرية خلال ميلادها (ليسوع المسيح) لم يحرق العُلِّيقة المُتَّقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها لم تذبل بإنجابها الطفل[57]]. وفد نادى ثيؤدورت أيضًا بذات الرأي[58]. د. يرى القدِّيس كيرلس الإسكندري[59] أن العُلِّيقة حملت سرّ "التجسد الإلهي"، فقد اتحد اللاهوت بالناسوت دون أن يُبتلع الناسوت. فإنه ما كان يمكن لموسى النبي أن يبدأ هذا العمل الخلاصي ما لم يتلمس ظلال التجسد الإلهي، فيتعرف على "الكلمة الإلهي" المتجسد كصديق للبشرية، صار واحدًا منا، عاش بيننا يحمل جسدنا وإنسانيتنا حتى يدخل بنا إلى أمجاده الإلهية. في هذا يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [لم يشرق النور خلال كوكب مضيء بل خلال عُلِّيقة أرضية، لكنه كان يفوق في بهائه الأنوار السماوية، وفي نفس الوقت لكي لا يظن أحد أنه ليس صادرًا عن مادة ملموسة[60]]، أي لئلاَّ ينكر حقيقة تجسده. هـ. أخيرًا رأي القدِّيس يوحنا الذهبي الفم في العُلِّيقة صورة حيَّة لقيامة السيِّد المسيح، الذي حمل جسدًا حقيقيًا، ومات فعلاً، لكنه لم يُمسك في الموت على الدوام[61]. وفي هذه المناسبة نذكر ما كتبه القدِّيس جيروم إلى أبيفانيوس كاهن Beatrice بأسبانيا يواسيه لأنه كفيف لا يبصر، قائلاً: [يليق بك ألاَّ تحزن لأنك حُرمت من الأعين الجسدية التي يشترك فيها النمل والحشرات الطائرة والزواحف مع الإنسان، بل بالأحرى تفرح أن لك العين المذكورة في سفر نشيد الأناشيد... هذه التي بها تنظر الله، والتي أشار إليها موسى حين قال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" [3][62]. ويلاحظ أن الكتاب يقول: "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عُلِّيقة" [2]. وهنا كلمة ملاك تعني "مرسل"، وتشير إلى الأقنوم الثاني، الابن الذي أُرسل من قبل الآب ليعلن هذا العمل ويرسل موسى النبي... فلو أن الذي ظهر ملاك وليس الأقنوم الثاني لما قال: "ناداه الله من وسط العُلِّيقة... ثم قال: أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله" [4-6]. يرى بعض الآباء أن الآب لا يُرى، لكن كلمته تُعلن هنا في العُلِّيقة كنار ملتهبة، وهو بعينه الذي يأتي في آخر الأزمنة متجسدًا "لكي يخبر" عن الآب! 2. خلع الحذاء: يقول الرب لموسى: "لا تقترب إلى هنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليها أرض مقدسة" [5]. في حديثنا عن قدسية الهيكل[63] قلنا أننا إلى يومنا هذا ندخل الهيكل حفاة الأقدام كوصية الرب لموسى النبي. وخلع الحذاء يشير إلى الشعور بعدم تأهلنا حتى للوقوف في هذا الموضع المقدس الذي فيه تقدم الذبيحة المخوفة التي تشتهي الملائكة أن تطلع إليها. خلع الحذاء أيضًا - عند الآباء - يحمل معانٍ أخرى كثيرة وعميقة، نذكر منها: أ. كانت الأحذية في القديم تصنع من جلد الحيوان الميت، وكأن الله بوصيته هذه يطلب منا أن نخلع عنا محبة الأمور الزمنية الميتة لنلتصق بالسمويات الخالدة حتى نلتقي به. هذا ما نادى به العلامة أوريجانوس، وأخذ عنه كثير من الآباء. فيقول القدِّيس أغسطينوس: [أي أرض مقدسة مثل كنيسة الله؟! إذن لنقف فيها ونحن خالعين أحذيتنا، أي رافضين الأعمال الميتة[64]]. ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [كان موسى رمزًا للشعب لم يحتذي بحذاء الرب (مت 3: 11)، بل بنعل رجليه! لذا أمره الرب بخلعه حتى يحرر خطوات قلبه وروحه من قيود ورباطات الجسد، ويسير في طريق الروح[65]]. ويقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي: [ليت من يقترب إلى الأرض المقدسة التي هي قدس الله يخلع نعليه كما فعل موسى حتى لا يدخل بشيء ميت إلى هناك، ولا يكون بينه وبين الله شيء... أما من يهرب من مصر(محبة العالم) والأشياء التي بها فليحتذي لأجل سلامته، حتى لا تلدغه العقارب والحيات الكثيرة الموجودة بها، فلا تؤذه تلك التي تطلب عقبه (تك 3: 15) وإنما كما أُوصى يطأها بقدميه (لو 10: 19)[66]]. ب. الجلد الذي تصنع منه الأحذية - كما يقول العلامة أوريجانوس - يستخدم في الطبول. هنا إشارة إلى عدم استخدام الطبول أو حب الظهور في العبادة، إنما خلال الجهاد الروحي المملوء اتضاعًا يمكن للنفس أن تدخل إلى المقدسات الإلهية وتلتقي بإلهها. ج. يرى العلامة أوريجانوس أيضًا أن خالع النعلين مرتبط بما ورد في العهد القديم، أنه إن رفض إنسان أن يتزوج أرملة أخيه كوصية الله ليقيم لأخيه الميت نسلاً، تأتي الأرملة إليه في حضرة الشيوخ وتخلع حذاءه من رجليه، ويسمى "بيت مخلوع النعلين" (تث 25: 5-10)، هكذا إذ خلع موسى نعليه أعلن أنه ليس بعريس الكنيسة. وفي كل مرة يخلع الأسقف أو الكاهن أو الشماس حذاءه عند دخوله الهيكل إنما يدرك حقيقة نفسه أنه ليس عريس الكنيسة الحقيقي بل صديق العريس وخادمه. أخذ القدِّيس أمبروسيوس ذات الرأي عن العلامة الإسكندري أوريجين فقال: [لم يكن موسى العريس لذلك قيل له: "اخلع حذاءك من رجليك" حتى يترك المكان لربه. ولا يشوع بن نون كان العريس لذا قيل له؟ "اخلع نعلك من رجلك" (يش 5: 16)، لئلاَّ بسبب تشابهه مع الاسم (يسوع) يظن في نفسه أنه يسوع المسيح عريس الكنيسة. ليس أحد هو العريس إلاَّ السيِّد المسيح الذي وحده قال عنه يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29). لذا خلع هؤلاء أحذيتهم من أرجلهم، أما حذاء السيِّد المسيح فلا يمكن أن يُحل إذ قال القدِّيس يوحنا: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" (يو 1: 27)[67]]. د. ربط القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص بين خلع الحذاء الجلدي وثوبيّ الجلد اللذين لبسهما آدم وحواء (تك 3: 21) بعد سقوطهما في العصيان، إذ يقول: [يعلمنا هذا النور(الذي للعُلِّيقة) أنه يليق بنا أن نقف أمام النور الحقيقي. لكن الأقدام التي بها أحذية لا تقدر أن ترتفع إلى العلو الذي من خلاله ترى الحق. لهذا يلزمنا أن نخلع عن قدمي النفس الغطاء الجلدي الأرضي الميت، الذي وُضع حول طبيعتنا في البداية حين تعرينا بسبب عصياننا للإرادة الإلهية. بهذا تكون لنا معرفة الحق التي تعلن عن ذاتها لنا، فنتحقق كمال المعرفة للأمور الموجودة (الحق)، بتطهير أفكارنا عن الأمور غير الموجودة (غير الحق أو الشر)[68]]. وقد احتل تعليم القدِّيس غريغوريوس عن "ثوبي الجلد" مركزًا هامًا في كتاباته، فيقول مثلاً: [الختان يعني خلع الجلد الميت الذي لبسناه حين طُردنا من الحياة الفائقة الطبيعة بعد عصياننا[69]]. لذا فالعمودية في نظره هي خلع هذا الثوب الجلدي المحيط بطبيعتنا، أي خلع أعمال الإنسان القديم، هذا الذي يعلن عن موتنا وشهواتنا التي دخلت إلينا بعدما كنا على صورة الله[70]. 3. دعوة موسى: من خلال العُلِّيقة الملتهبة نارًا دُعيَ موسى وهو واقف حافي القدمين ليتسلم خدمة شعب الله، وهنا نلاحظ: أ. تطلع موسى النبي إلى العُلِّيقة وإذا كلها أشواك، لكن النار الإلهية ملتهبة خلالها دون أن تحترق... لعله رأى في ذلك عمل الله الناري الذي يستخدمنا بكل ما فينا من أشواك، يلهب قلوبنا ويعمل بنا بالرغم من كل ضعفاتنا. وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لماذا نيأس، إن الله يتحدث في البشر، هذا الذي تكلم في العُلِّيقة المملوءة أشواكًا ؟! إنه لم يحتقر العُلِّيقة! إنه يضيئ في أشواكي![71]]. حقًا إن المتحدث نار آكلة (إش 10: 7)، والدعوة صدرت عن النار الإلهية، لكنها لا تؤذي موسى بل تسنده وتلهبه... كما فعل الروح القدوس الناري في التلاميذ، الذي أحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة الكارزة (مت 3: 11، أع 2). ب. إذ دعى الله موسى النبي لم يحدثه عن مؤهلاته للخدمة وإمكانياته البشرية بل حدثه عن نفسه، الإمكانيات الإلهية المقدمة له، قائلاً له: "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب" [6]. وكانت هذه الكلمات تخرج بسلطان وقوة نارية حتى "غطَّى موسى وجهه لأنه خاف" [7]. تحدث أيضًا عن قيامه هو بالخلاص، فقد رأى وسمع وعلِم مذلة شعبه، لذا فهو ينزل لإنقاذهم... أما سرّ قوة موسى النبي فهو "إني أكون معك" [12]. وهو ذات الوعد الذي يعطيه لجميع أنبيائه ورسله وكل العاملين في كرمه. فيقول ليشوع بن نون: "كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك" (يش 1: 5)، ويؤكد لإرميا النبي "لأني أنا معك يقول الرب لأنقذك" (إر 1: 16)، ويقول لتلاميذه: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20). 4. اعتذار موسى: أراد موسى أن يعتذر عن الخدمة قائلاً: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أُخرج بنى إسرائيل من مصر؟!" [11]. طبيعة موسى الضعيفة بالرغم من كونه من رجال الإيمان جعلته يتردد في قبول الدعوة، وربما كان ذلك من آثار فشله الأول حين خرج إلى الخدمة متكلاً على ذراعه البشري. فما كان له أن يقول: "من أنا؟!" بعد أن عرف أن الله نفسه هو الذي يرسله وهو الذي ينزل ليخلص. أصر موسى على إعفائه أكثر من مرة، تارة يضع أسئلة واعتراضات، كأن يقول: "فإذا قالوا ما اسمه، فماذا أقول لهم" [13]، والرب يُجيبه، وأخرى يقول: "ولكن ها هم لا يُصدقونني" (4: 1). فيعطيه الرب إمكانية عمل آيات ومعجزات... الخ، وثالثة يعترض بسبب ضعفه الشخصي قائلاً: "أنا ثقيل الفم واللسان" (4: 10). والله يؤكد له أنه هو خالق الفم واللسان "إذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" (4: 12). إذ لا يجد أي حجة يقول: "استمع أيها السيِّد، إرسل بيد من ترسل" (4: 13)، حتى حميَ غضب الله (4: 14) فأعطاه هرون شريكًا معه في الخدمة. هكذا إذ يدعونا الله للخدمة لا يتركنا نستعفى بل يقدم لنا إجابات عملية لكل تساؤلاتنا، ويسند كل ضعف فينا، ويكمل كل نقص في إمكانياتنا، فهو الراعي الخفي لقطيعه المقدس. 5. اسم الله: عرف موسى أن الذي يحدثه هو الله، فسأله عن اسمه "فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه، وقال هكذا قل لبني إسرائيل أهيه أرسلني إليكم... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق إله يعقوب أرسلني إليكم" [14، 15]. حملت إجابة الله لموسى شقين: أولاً: "أن الله غير مُدرَك وفوق كل تسمية" أهيه أي أنا هو". ثانيًا: أنه الله المنتسب للبشرية، مُنتسب لخاصته الأحباء "إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب". أولاً: أهيه الذي أهيه AHIAH: يرى فيلون اليهودي الإسكندري أن هذا الاسم "أهيه" يكشف عن جانبين في الله: أولاً أنه هو الكائن وحده الذي بجواره يكون الكل كأنه غير موجود. ثانيًا أنه ليس اسم يقدر أن يعبَّر عنه. في هذا يقول: [إخبرهم أولاً إني أنا هو الكائن حتى يعرفوا الفارق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود. كما قدم لهم الدرس الآخر أنه لا يمكن لاسم ما أن يُستخدم ليليق بي أنا الذي إليه وحده ينسب الوجود[72]]. ويرى القدِّيس أغسطينوس أن هذه العبارة تعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير "باطلاً"[73] أو "لا شيء"، وأنها تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامي غير المتغير[74]. هذه العبارة تُظهر الله أنه حاضر على الدوام، ليس فيه ماضٍ انتهى ولا مستقبل منتظر، لكنه فوق الزمن "حاضر دائم"... في هذا الحاضر الدائم، أو الأبدية الحاضرة "نجد لنا ملجأ، فنهرب إليه من كل تغيرات الزمن ونبقى فيه إلى الأبد"[75]. إن كان الله هو الوجود الدائم، [إذن من يأخذ الاتجاه المضاد لله إنما يسير نحو العدم[76]]. في حديث الآب ميثوديوس عن البتولية وعظمة البر المسيحي يقول: [لا يقدر أحد أن يرى بعينيه عظمة أو شكل أو جمال البرّ ذاته أو الفهم أو السلام، إنما تظهر هذه جميعها كاملة وواضحة في ذاك الذي قال أن اسمه "أنا هو"[77]]. ثانيًا: إله آبائكم: قول الله لموسى: "إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب" [15]. وتكرارها ثلاث مرات في هذا اللقاء بين الله وأول قائد للشعب [6، 15، 16] سحب قلب آباء الكنيسة، فقد رأي القدِّيس إكليمنضس الإسكندري علامة الصداقة الإلهية الإنسانية فمع أن الله هو إله العالم كله، إله السمائيين والأرضيين، لكنه ينسب نفسه للأخصاء أصدقائه. إنه لا يود أن يكون سيِّدًا بل صديقًا فنراه يكلم موسى وجهًا لوجه كما يُكلم الصديق صاحبه (خر 33: 11)، ويطلب منه "قف عندي هناك" (34: 2). ويقول القدِّيس أفراهات: [أسماء الله متعددة ومكرمة... أما الاسم الذي تمسك به والذي هو عظيم ومكرم فليس ما يخص بره، إنما ما يخص علاقته بالبشر كخليقته "الخاصة به"[78]]. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [برحمته ربط نعمته بالبشر قائلاً: "أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب"، حتى يُفهم من هذا أن هؤلاء الذين هو إلههم إنما يعيشون معه إلى الأبد. إنه ينطق بهذا حتى يفهم أولاده أنه يلزمهم بقوة الحب أن يعرفوا كيف يطلبون وجهه إلى الأبد، ويدركوا قدر ما يستطيعون هذا الذي هو "أهيه الذي هو أهيه"[79]]. والآن إذ نربط الاسمين معًا "أهيه"، "إله أبائكم" نقول إن الله غير المدرَك ولا متغير، الذي فوق كل حدود الزمن، يقدم ذاته للبشرية ليتعرفوا عليه كإلههم الخاص، المشبع لكل احتياجاتهم. لذا لم يتحدث قط أي نبي عن نفسه كأنه شيء يقتنونه، أما السيِّد المسيح فهو "كلمة الله" الذي جاء يقدم ذاته في أكثر من موضع، قائلاً: "أنا هو"... قدم نفسه الصديق والعريس، والأخ البكر والمخلص، والخبز النازل من السماء والينبوع الحيِّ، والقيامة والباب، والطريق والحق والحياة، وأخيرًا قال "أنا هو الألف والياء" أي مشبع كل حياتنا[80]. وأخيرًا، نلاحظ أن السيِّد المسيح استخدم الاسم الثاني ليؤكد للصدوقيين القيامة، فإن الله إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، إله أحياء وليس إله أموات: (مت 22: 31-32). فإن كان الله هو الحيّ إنما ينسب لنا، واهبًا إيَّانا الحياة لنبقى معه إلى الأبد[81]. 6. سرّ الأيام الثلاثة: أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين: "الرب إله العبرانيين إلتقانا، فالآن نمضي سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا" [18]. لقد طلب الرب منهم أن يخرجوا سفر ثلاثة أيام في البرية ويذبحوا للرب، وكان فرعون يطلب من موسى وهرون أن تقدم الذبائح في أرض مصر، لكن موسى أجابه "لا يصلح أن نفعل هكذا... نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا" (8: 26، 27). وأخيرًا سمح لهم بالخروج، لكنه كان يقول لهم "لا تذهبوا بعيدًا" (8: 28)، أما موسى فأصر على السفر ثلاثة أيام... لماذا؟ الطريق الذي يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيِّد المسيح نفسه الذي قام في اليوم الثالث، وخلال قيامته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب. للعلامة أوريجانوس أحاديث طويلة عن سرّ الأيام الثلاثة، نقتطف منها العبارات التالية: [يلزمنا أن نخرج من مصر ونترك العالم إن كنا نريد أن نخدمه! لا نتركه جسمانيًا بل نتركه من جهة أفكارنا؛ ليس بالخروج من الطرق العادية الملموسة وإنما بالتحرك الإيماني. اسمعوا ما يقوله القدِّيس يوحنا في هذا الشأن: "يا أولادي لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون" (1 يو 2: 15-16)... ماذا يقول موسى؟ "نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا" (5: 3). ما هو هذا الطريق الذي يقطعه في ثلاثة أيام للخروج من مصر والذهاب إلى الموضع الذي ينبغي أن نذبح فيه للرب؟ إنه الرب نفسه القائل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). ينبغي أن نسير في هذا الطريق ثلاثة أيام، لأنك "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9). هذه هي الأيام الثلاثة التي تقطعها في الطريق لتصل إلى الموضع الذي يُذبح فيه للرب وتُقدم "ذبيحة التسبيح" (مز 49: 14). هذا هو المعنى السري، أما المعنى السلوكي (الأخلاقي) وهو أهم، فإننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نكون أنقياء في الجسد والروح، كقول الرسول: "إحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح" (1 تي 6: 14). إننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نفصل عقلنا وطبيعتنا وإحساساتنا عن أمور هذه الحياة لنلتصق بوصايا الله. نترك مصر ثلاثة أيام حين تتنقى أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إذ توجد ثلاث فرص للخطية (خلال العمل والكلام والفكر)[82]]. يُريد إبليس (فرعرن) ألاَّ نبتعد كثيرًا، فلا نسير ثلاثة أيام (8: 28)... لأن عمل عدو الخير هو حرماننا من التمتع بقوة قيامة السيِّد المسيح في داخلنا. هذا من جانب، ومن جانب آخر ألاَّ نسير في الرب ثلاثة أيام، أي لا نتنقى في أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إنما يريد أن يكون له موضع فينا إن لم يكن بالعمل فبالكلام، وإن لم يكن باللسان فبالفكر. وعلى حد تعبير العلامة أوريجانوس: [يريد أن يضمن أنهم يخطئوا إن لم يكن بالفعل فليكن بالقول وإلاِّ فعلى الأقل بفكرهم. إنه لا يريدهم أن يبتعدوا عنه ثلاثة أيام كاملة. يريد أن يرى له فينا ولو يوم واحد على الأقل، إذ له في بعض الأشخاص يومان وفي الآخرين له الأيام الثلاثة كلها. لكن طوبى لمن ينفصل عنه الأيام الثلاثة بأكملها، ولا يكون له فيه يوم واحد[83]]. بخروجنا ثلاثة أيام ندخل إلى معرفة "القيامة" فتستنير بصيرتنا الداخلية بنور المعرفة الحقيقية. فإن كان فرعون يمثل إبليس "رئيس ظلمة هذا العالم" (أف 6: 12)، فإنه لا يُريدك أن تخرج من دائرة الظلمة إلى نور المعرفة. إنما يُريدك أن تبقى في ظلمة القبر ولا تنعم بنور القيامة. لذا نجده في حديثه مع موسى يعترف بعدم معرفته أي بظلمته قائلاً: "لا أعرف الرب" (5: 2). خبرة الأيام الثلاثة أي القيامة مع السيِّد المسيح اختبرها قبلاً إبراهيم أب الآباء، هذا الذي خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدّم ابنه ذبيحة حب لله (تك 22: 4)، ما هي هذه العلامة التي خلالها يقدم إبراهيم ابنه الوحيد إسحق إلاَّ علامة قيامة المصلوب، لذا يقول معلمنًا بولس الرسول عنه إنه: "آمن بالله القادر على الإقامة من الأموات" (عب 11: 19). رأي قيامة السيِّد المسيح فقدم ابنه إسحق مؤمنًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات. 7. يدّ الله القوية: من حين إلى آخر يؤكد الله لموسى قدرته على الخلاص قائلاً: "فأمدّ يديّ وأضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فيها وبعد ذلك يطلقكم" [25]. وفي خروجهم لا يخرجهم فارغين، بل يعطيهم نعمة في أعين الشعب فيُعيروهم أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا [22]... أولاً إشارة إلى قوة الخلاص في حياة المؤمن، ليس فقط نفسه تتقدس، لكنه في خروجه نحو كنعان السماوية يحمل معه غنائم كثيرة، طاقاته الداخلية وعواطفه وأحاسيسه ودوافعه، يصير كل ما في داخله مما كان مكرسًا للشر وعلّة موت له مقدسًا ومباركًا. ومن جهة أخرى إن كان الشعب قد سلبت أُجرتهم وأذلوهم في السخرة وبناء بيوت لهم، فإن الله يعطيهم نعمة في أعينهم لكي يقدموا لهم بإرادتهم هذه الأمور: ذهبًا وفضة وثيابًا[84]. أما غاية هذا العمل الإلهي الخلاصي فهو "أصعدكم... إلى أرض تفيض لبنًا وعسلاً" [17]، يجد الأطفال البسطاء قوتهم، والناضجون الأقوياء غذاءهم. فاللبن والعسل إنما هما إشارة إلى حياة الشبع واللذة الروحية، لهذا كان المعمَّدون في الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبنًا ويأكلون عسلاً، إذ بالمعمودية صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها[85]. [50] Philo: Vita Mos. 1: 12: 65.; St. Clem. Alex., Paed 2: 8: 75. [51] Midrash Rabbah: Exod 2: 5; Philo: Vita Moses 1: 12: 65. [52] Ad Gnost. [53] Tract. Myst. 1: 30. [54] Ben Mos. [55] N.P.N.F., vol 1, p. 229 (n). [56] Adu. Anthropom 26 P.G. 76: 1129 A. [57] Vita Mos. 2: 21. [58] N.P.N.F., vol. 1, p. 229 (n). [59] In Exod. [60] Vita Mos. 2: 20. [61] In 1 cor. Hom 38. [62] Ep 76: 2. [63] المؤلف: الكنيسة بيت الله 1979، ص 96، 97. [64] St. Augustine: Sermons on N. T. Lessons, Sermon 52: 7. [65] القديس إمبروسيوس: تفسير إنجيل لوقا. وفي حديثه "بخصوص التوبة 2: 11" يقول: [كم بالأولى يليق بنا نحن أيضًا أن نحرر أقدام نفوسنا عن رباطات الجسد وننقي خطواتنا من كل رباطات هذا العالم!!].. [66] Greg. Naz.: Second Oration on Easten, 19. [67] St. Ambrose: of The Christian Faith 3: 10. [68] Vita Mos. 2: 22. [69] De beat. 8 P.G. 44: 1292 B. [70] تحدث القديس عن ثوبيّ الجلد فى كثير من أعماله، منها: In Inscrip Ps 1: 7 P.G. 44: 456 C; Or. Cat. 8 P.G. 45: 33 C, D; De Virg. 12, 13 P.G. 46: 373 D, 376 B; De Mel. Epis. P.G. 46: 861 B; [71] St. Ambrose: Can. Virgins 1:1. In Cant. 11 P.G. 44: 1004 D, 1005 C. [72] Philo: Vita Mos. 1: 14: 75. [73] St. Augustine: On Ps. 144. [74] St. Augustine: City of God 12: 2; On Christian Doctrine 1: 32. كثير من الآباء فسروا هذه العبارة على أن الله غير مدرك وأنه إذا قورنت الخليقة به تحسب كأنها غير موجودة (القديس جيروم رسالة 48: 14). [75] St. Augustine: on Ps. 90. [76] St Augustine: On Ps. 39. [77] Methidius: Disc. 8, ch 8. [78] Aphrahat: Demon. 17 of Christ the Son of God, ch. 5. [79] On Ps. 110. [80] للقديس يوحنا الذهبي الفم حديث شيق فى هذا، راجع كتابنا "الكنيسة تحبك". [81] St. Aug,: On the Gospel of St. John, tr. 12: 2. [82] Origen: In Exod, hom 3:3. [83] Ibid. [84] يقول العلامة ترتليان (ضد مرقيان 4: 24) إن كان الله يأمر ألاّ نُكمّ ثورًا دارسًا فهل يترك هؤلاء محرومين من أجرة عملهم؟!. [85] للمؤلف: القديس كيرلس الأورشليمي.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث آية (1):- "1وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ، فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ. " إلى وراء البرية= إلى الأراضي المراعي خلف منطقة الرمال الواسعة. جبل حوريب غالباً هو جبل موسى حالياً بسيناء. آية (2):- "2وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ." ملاك الرب= كلمة ملاك تعنى مرسل وتشير للأقنوم الثاني الابن الذي أرسل من الآب (يو37:5). وبحسب الفكر اليهودي فكل من ينزل من السماء فهو ملاك لأنه مرسل. وما يثبت أنه الأقنوم الثاني وليس ملاكاً عادياً (آية6) "قوله أنا إله أبيك.. " بلهيب نار= إلهنا نار آكله (عب29:12). ولقد حل الروح القدس على التلاميذ على هيئة ألسنة نار. وظهر لإبراهيم على شكل مصباح نار (تك15) وظهر للشعب على الجبل على شكل نار. وهو نار إحراق وتطهير وهو نور ومحبة نارية؟ ولهيب النار كان من وسط عليقة . والعليقة هي شجرة شوك ضعيفة. وهي ترمز لإسرائيل وقد أحاطت بها أشواك وآلام العبودية في مصر ولكن الله في وسطها فلا تحترق، وتشير للكنيسة التي اشتعلت فيها نار الاضطهاد ولم تفنى وكانت الأشواك رمز للآلام والاضطهاد ولكنها كانت ملتهبة بنار الروح الإلهي فلم تمت. والعليقة كانت ترمز للعذراء مريم التي حملت في بطنها الأقنوم الثاني بناسوته المتحد بلاهوته الناري ولم تحترق. لذلك فالعليقة حملت سر التجسد الإلهي. ولاحظ أن الله ظهر وسط شجرة ضعيفة وليست شجرة أرز فالله يسكن عند المتواضعين (اش15:57). وقارن مع (2كو7:4). وقال القديس أمبروسيوس "لماذا نيأس، إن الله يتحدث في البشر، هذا الذي تكلم في العليقة المملوءة أشواكاً، أنه لم يحتقر العليقة، أنه يضئ أشواكي. آية (3):- "3فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟»." أميل الآن لأنظر= إعلانات الله كثيرة لكن على كل واحد أن يميل وينظر في جلسة هادئة أو صلاة أو خلوة مع الله. هنا دخل موسى إلى مرحلة جديدة هي مرحلة اللقاء مع الله. فحياة موسى 120سنة تنقسم إلى 3مراحل [1] 40 سنة في القصر. [2] 40 سنة في البرية [3] 40 سنة بعد أن تقابل مع الله وكان هذا سر قوته وعظمته. آية (4):- "4فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذَا»." الله هو الذي يدعوه. حقاً كان المتحدث ناراً آكلة لكنها لا تؤذيه بل تسنده وتلهبه كما فعل الروح القدس مع التلاميذ فأحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة. آية (5):- " 5فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ»." كانت الأحذية ومازالت تصنع من جلود الحيوانات الميتة. وخلع الحذاء يشير لخلع محبة الأمور الزمنية الميتة عنا لنلتصق بالسماويات. ولذلك فحتى الآن نخلع أحذيتنا قبل دخول الهيكل لنذكر هذه المفاهيم أن الله يريد قداستنا وهو يدعونا لكننا لا يمكن أن نعاينه إلا بالقداسة (عب14:12). ارض مقدسة = ليس لان الله موجود فيها فالله موجود في كل مكان . ولكن علي موسي ان يفهم انه الان في حضرة الله ويكلم الله فعليه ان يقدس هذا المكان ، ويخشع امام الله ، ويمنع عن فكره اي فكر ارضي، ويشار للفكر الارضي هنا بالحذاء . آية (6):- "6ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ. " إله أبيك= المقصود بها إله كل آبائك وهكذا فهمها أسطفانوس (أع32:7) فغطى موسى وجهه= حتى لا يموت إذ رأى الله. وهكذا يصنع السيرافيم إذ يغطون وجوههم. آية (7):- "7فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ،" ما يعزينا جداً في ضيقاتنا أن الله شاعر بنا عالم بما نقاسيه. آية (8):- "8فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ، إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً، إِلَى مَكَانِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزَّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ. " إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً= أي مكان خيرات. الكل يجد فيه شبعه حتى الأطفال الذين يتغذون على اللبن والعسل إشارة إلى حياة الشبع واللذة الروحية إشارة لكلمة الله الحلوة في أفواهنا وهي لنا كلمة تعليم نتغذى بها. لذلك كان المعمدون في الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبناً ويأكلون عسلاً، إذ صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها. مكان الكنعانيين= لشرورهم وفجورهم. الآيات (9-10):- "9وَالآنَ هُوَذَا صُرَاخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَتَى إِلَيَّ، وَرَأَيْتُ أَيْضًا الضِّيقَةَ الَّتِي يُضَايِقُهُمْ بِهَا الْمِصْرِيُّونَ، 10فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ»." آية (11):- "11فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟» " من انا حتي اذهب =هنا وصل موسى إلى أعلى مستوى من الإعداد إذ شعر أنه لا شئ. وهو أكفأ رجال عصره الذي أعده الله طويلاً لهذا العمل، لكنه الآن في تواضعه يشعر أنه لا شئ. آية (12):- "12فَقَالَ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ، وَهذِهِ تَكُونُ لَكَ الْعَلاَمَةُ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ: حِينَمَا تُخْرِجُ الشَّعْبَ مِنْ مِصْرَ، تَعْبُدُونَ اللهَ عَلَى هذَا الْجَبَلِ»." أني أكون معك= هذا هو سر قوة موسى وكل خدام الله (يش5:1 + أر16:1 + مت20:28) والعلامة التي أعطاها له الله أنهم يعبدون في هذا الجبل أي أن الله سيرافقهم حتى يصلوا إلى هذا الجبل ويقيمون خيمة الاجتماع ويعبدون الله هناك لمدة سنة. الآيات (13-14): " 13فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» 14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ»." اسم الله يهوه طبيعة موسى الضعيفة المتأثرة بالفشل السابق حين خرج متكلاً على ذراعه البشري جعلته يتردد في قبول الدعوة. وكان لا يجب أن يعتذر موسى بعد أن سمع الله يقول له "أني أكون معك" وكان أول سؤال لموسى عن اسم الله. والله في محبته أجاب موسى عن سؤاله. أهية ويهوه الإسمان بمعنى واحد في صيغتين مختلفتين من فعل الكينونة في العبرية هو أو هيا = To BE. فأهية هو صيغة المضارع للمتكلم الفرد أكون أو أنا هو = I AM. وبذلك يكون معنى أهية الذي أهية= أكون الذي أكون. كما أن يهوه هي صيغة المضارع للغائب= HE IS= يكون. إذاً المعنى أن الله وحده هو الإله الكائن وكل الآلهة غيره آلهة كاذبة وأنه وحده هو الكائن الواجب الوجود أي الذي لابد أن يكون وهو كائن بذاته ولم يوجده أحد ولا يعتمد في وجوده على أحد فهو ليس مخلوقاً وهو الكائن بذاته ولم يوجده أحد ولا يعتمد في وجوده على أحد فهو ليس مخلوقاً وهو الكائن دائماً الأزلي الأبدي وفيه كل الكفاية. وهو الكائن وحده الذي بجواره يكون الكل كأنه غير موجود. وكأن الله أراد أن موسى يخبرهم بهذا الاسم ليدركوا الفرق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود. والاسم يعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير باطلاً أو لا شئ. والعبارة تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامي غير المتغير، وهو حاضر على الدوام، ليس فيه ماضٍ انتهى ولا مستقبل منتظر، لكنه فوق الزمن (حاضر دائم) وفيه نجد لنا ملجأ من كل تغيرات الزمن. وإن كان الله هو الوجود الدائم فمن يأخذ الاتجاه المضاد لله إنما يسير نحو العدم. واليهود خافوا من نطق اسم يهوه فسموه الرب وباليونانية كيريوس. وهناك فرق بين الاسمين الله والرب. فالله يفهم منها أنه هو رب الخليقة كلها، مثلث الأقانيم كلي القدرة والألوهية، الخالق والمسيطر على كل الخليقة وحده. وأما اسم الرب أو يهوه، فبهذا الاسم يخاطب شعبه وخاصته كمهتم بهم، كإله محب مشبع لاحتياجاتهم وكما نقول في أوشية الإنجيل "لأنك أنت هو حياتنا كلنا، خلاصنا كلنا، رجاؤنا كلنا، شفاؤنا كلنا، قيامتنا كلنا" فهو واهب النعمة والمواعيد. وفي آية (12) أكون معك هي نفسها أهية. وأسماء يهوه التي أتت في الكتاب المقدس هي: يهوه يرأه= الرب يرى ويرتب. يهوه نسى= الرب رايتي يهوه شالوم= الرب يرسل سلاماً. يهوه صدقينو= الرب برنا. ولكن أهيه تشمل كل هذا، فهو كل شئ لنا، أي كل ما نحتاجه نجده فيه، (هو لنا شيك على بياض) وهذا ما قاله المسيح أنا هو نور العالم، أنا هو الراعي.... من قبل إبراهيم أنا كائن وباختصار أنا هو الألف والياء= أي أنا كل شئ. ويسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد فهو كائن دائماً. ويهوه ترجمت باليونانية أنا هو= إيجو إيمي. لذلك قال المسيح حين ترفعون ابن الإنسان ستعرفون أني أنا هو (إيجو إيمي) (يو28:8) أي ستعرفون أني أنا يهوه. ولذلك حين جاء يهوذا ليسلمه مع العساكر سألهم يسوع من تطلبون قالوا يسوع قال أنا هو فسقطوا على وجوههم فكان المسيح بقوله هذا يعلن لاهوته وأنه هو يهوه. ولكن إذا حاولنا أن نعرف أكثر من ذلك لن نستطيع وسنسمع "لماذا تسأل عن إسمي وهو عجيب". وأثار موسى بعد ذلك عدة تساؤلات واعتراضات وأعطاه الله آيات تسنده أمام الشعب وحين اعتذر بكونه ثقيل الفم واللسان أفهمه الله أنه هو الذي خلق الفم واللسان ولما رفض بعد ذلك حمى غضب الله عليه. ولنلاحظ أن هناك فرق بين التواضع وبين رفض الخدمة. وما كان لموسى أن يعتذر بعد أن سمع أن الله معه. آية (15):- "15وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. " إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب= عجيب هو الله الذي ينسب نفسه لخاصته الأحباء ولاحظ تكرار هذا اللقب 3 مرات في لقاء الله مع موسى (آية 6،15،16). وهذا علامة صداقة الله مع الإنسان فمع أن الله هو إله العالم كله، إله السمائيين والأرضيين، لكنه ينسب نفسه لأصدقائه من البشر، هو لا يود أن يكون سيداً بل صديقاً فنراه يكلم موسى وجهاً لوجه ويقبل ضيافة إبراهيم ويتصارع حتى الفجر مع يعقوب. وإذ نربط الاسمين معاً يهوه وإله إبراهيم.. نقول أن الله غير المدرك ولا متغير الذي هو فوق حدود الزمن يقدم ذاته للبشرية ليتعرفوا عليه كإلههم الخاص المشبع لاحتياجاتهم. فهو الصديق والعريس والأخ والمخلص والخبز والقيامة والباب والطريق والحق. آية (16):- "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ظَهَرَ لِي قَائِلاً: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُكُمْ وَمَا صُنِعَ بِكُمْ فِي مِصْرَ. " افتقدتكم= زرتكم بمعنى عرفت أحوالكم وهي نفس كلمة يوسف للشعب (تك24:50). آية (17):- "17فَقُلْتُ أُصْعِدُكُمْ مِنْ مَذَلَّةِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً. " آية (18):- "18«فَإِذَا سَمِعُوا لِقَوْلِكَ، تَدْخُلُ أَنْتَ وَشُيُوخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى مَلِكِ مِصْرَ وَتَقُولُونَ لَهُ: الرَّبُّ إِلهُ الْعِبْرَانِيِّينَ الْتَقَانَا، فَالآنَ نَمْضِي سَفَرَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا. " ثلاثة أيام= لقد طلب فرعون أن يذبحوا في مصر ولكن موسى أصر على السفر 3 أيام؟! فالطريق الذي يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيد المسيح نفسه الذي قام في اليوم الثالث، وخلال عبادته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب. والثلاثة أيام هي التي قضاها المسيح في القبر لذلك علينا أن نموت عن كل شهوة للعالم (1يو15:2،16) فمصر تشير للعالم وسفر 3 أيام من مصر يشير للموت عن ملذات العالم وخطاياه، وإن فعلنا سنختبر قوة القيامة فلن نعرف قوة القيامة ما لم نصلب الأهواء مع الشهوات. ومحاولات فرعون منع الشعب من السفر 3أيام هي محاولات إبليس إغرائنا بملذات العالم فنحبه وبالتالي لا نختبر قوة القيامة. وطبعاً كان السبب الوجيه الذي يقدمه موسى لفرعون ليسمح له بالسفر أن العبادة تقتضي ذبح حيوانات يقدسها المصريون فلا يصح الذبح أمامهم. وخبرة الثلاثة أيام اختبرها من قبل إبراهيم حين سار 3أيام ليقدم ابنه ذبيحة وعاد بعدها وقد اختبر قوة القيامة وخلال ال3 أيام كان يقدم ابنه ذبيحة حب. آية (19):- "19وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَلِكَ مِصْرَ لاَ يَدَعُكُمْ تَمْضُونَ وَلاَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ،" الله يسبق ويخبر موسى بعناد فرعون حتى لا ييأس. آية (20):- "20فَأَمُدُّ يَدِي وَأَضْرِبُ مِصْرَ بِكُلِّ عَجَائِبِي الَّتِي أَصْنَعُ فِيهَا. وَبَعْدَ ذلِكَ يُطْلِقُكُمْ. " وأمد يدي = أي أظهر قوتي الإلهية. آية (21):- "21وَأُعْطِي نِعْمَةً لِهذَا الشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لاَ تَمْضُونَ فَارِغِينَ." آية (22):- " 22بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتسْلِبُونَ الْمِصْرِيِّينَ»." كانت العادة أن المسافر أو المهاجر يعطيه جيرانه عطايا تساعده خلال سفره لكن الله أعطى نعمة لشعبه فأعطاهم المصريين الكثير فالله لا يريد أن يصرفهم فارغين تسلبون المصريين= تعبير مجازي يعني أنهم يأخذون منهم عطايا كثيرة يستوفون بها أجرهم عن سنين العبودية والسخرة. وهم كأنهم كانوا في حرب مع المصريين وانتصروا فيها وما أخذوه هو أسلاب المنتصر. وهكذا روحياً فمن يغلب روحياً يحمل معه غنائم كثيرة من طاقاته الداخلية ودوافعه وأحاسيسه، يصير كل ما في داخله مكرساً لله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث العليقة (1) ظهور الله في العليقة ( ع 1 - 5 ) : ع 1 : وراء البرية : مساحات من المراعي تلي مساحات واسعة من الصحراء . جبل الله حوريب : حوريب معناها صحراء أو جاف وجبل حوريب هو سلسلة جبال تقع جنوب شبه جزيرة سيناء ، ويسمى جبل الله لأن موسى إستلم الوصايا والشريعة من فوقه . إعتاد موسى أن يرعى غنم حميه يثرون ، وكان قد بلغ من العمر ثمانين عاماً ، وفي أحد الأيام ساق الغنم إلى مساحات للرعي بعيدة في أعماق الصحراء بالقرب من جبل حوريب وكان عمره وقتذاك قد بلغ الثمانين عاماً ، قضى أربعين منها في قصر فرعون بمصر والأربعين التالية قضاها في برية مديان ، أما الأربعين الأخيرة من عمره فقضاها قائداً للشعب في برية سيناء حتى وصل إلى مشارف أرض كنعان ، أي أن موسى عاش 120 عام على الأرض . ع 2 : العليقة : نبات شوكي ينمو في الصحراء . فيما كان موسى يرعى الغنم رأى منظراً عجيباً وهو لهيب نار يحيط بنبات العليق دون أن يحترق النبات ، فتعجب من المنظر واتجه بحب استطلاع ليعرف حقيقة الأمر . ويقول في ( ع 2 ) أن العليقة المتقدة بالنار هي ظهور الله ثم يعود في ( ع 4 ) فيقول أنه الرب . وكلمة " ملاك " معناها " رسول أو مُرسل " والمقصود بكلمة ملاك الله المُرسل إلينا أي أن هذا أحد ظهورات الأقنوم الثاني . ويلاحظ تكرار ظهور الله بشكل نار كما ظهر لإبراهيم في شكل مصباح نار ( تك 15 : 17 ) ، وبعد العليقة ظهر مرات كثيرة بشكل نار كما في عمود النار الذي قاد الشعب في البرية ( ص 13 : 21 ) ، وكما ظهرت النار على الجبل عند استلام الوصايا والشريعة ( ص 19 : 18 ) . والعليقة المتقدة بالنار ترمز إلى : (1) شعب الله والأشواك ترمز لشرور العالم التي تحيط به ، أما النار فترمز لله الذي يحل في وسط شعبه وحوله ليحميهم وينقذهم . (2) التجسد أي إتحاد اللاهوت بالناسوت أي النار مع العليقة . (3) العذراء التي حملت في بطنها نار اللاهوت فالعليقة ترمز إلى بطنها والمسيح يُرمز له بالنار . ع 4 : سمع موسى صوتاً يناديه باسمه ، فتعجب جداً وأجاب على الصوت وهو لا يعرف من يكلمه . ع 5 : قال له الصوت إخلع نعليك لأن الأرض المحيطة بالعليقة أرض مقدسة . وخلع النعلين يرمز إلى قداسة المكان كما نفعل اليوم عند اقترابنا من الهيكل لما يأتي : 1- النعل مصنوع من جلود الحيوانات الميتة فمن يقترب إلى الله يترك عنه الماديات الزائلة أي التجرد منها لينشغل بالله . 2- الجلود المصنوع منها النعلين ترمز إلى الجلود التى تغطى بها آدم وحواء ، فنخلعها لنلبس المسيح الفادي الذي يبررنا لأن الذبائح الحيوانية كانت رمزاً للمسيح الذبيح عنا على الصليب . 3- جلد النعال هو ما تُصنع منه الطبول ، فخلع النعل يعني ترك العبادة السطحية المظهرية والإهتمام بالعمق الروحي . 4- الوليّ هو أقرب إنسان إلى الميت الذي يتزوج أرملته ليقيم نسلاً للميت ، وإن لم يرضَ أن يتزوجها يخلع نعليه ليتزوجها الولي الذي يليه في القرابة ، فخلع النعلين في هذه الحالة معناه عدم استحقاق هذا الولي للتزوج بالمرأة بل الولي الذي يليه ، وبهذا فمن يخلع نعليه يعلن عدم إستحقاقه أن يكون الراعي الصالح للنفوس بل المسيح وهو مجرد خادم له . + تقدم بخشوع عند دخولك للكنيسة حتى تشعر بحضرة الله ، فهو موجود فيها ويعلن نفسه للمؤمنين به الذين يخافونه ويرفضون شرورهم بالتوبة ليلتقوا به ... هو يريد أن يعلن نفسه لك ويشعرك بوجوده على قدر إستعدادك واهتمامك به . (2) دعوة موسى للخدمة ( ع 6 - 10 ) : ع 6 : أعلن صاحب الصوت نفسه أنه هو الله إله آباء الشعب العبراني ، فخاف موسى من عظمة الله ورهبته وغطى وجهه ، وهذا إعلان أن المؤمنين الذين إنتقلوا أحياء عند الله بل يدعو نفسه أنه إلههم عندما قال أنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ، وهذا رد واضح على الصدوقيين وكل من ينكر قيامة الأموات وحياتهم بعد الموت ( لو 20 : 27 ، 28 ) . ع 7 : أظهر الله أبوته وإحساسه بمعاناة شعبه في مصر من أجل الذي يعانونه من المصريين . والجميل أنه يدعوهم " شعبي " أي خاصتي ، فهو يعلن أبوته ومسئوليته عنهم ، ورغم خطاياهم الكثيرة فهو يسمع لصلواتهم ويستجيب لهم . ع 8 : فنزلت : تعبير مجازي يظهر تنازل الله واهتمامه بإنقاذ شعبه وسماعه واستجابته لصلواتهم . أصعدهم : لأن أرض كنعان أعلى في المستوى الجغرافي من أرض مصر ، وتمثل أرض كنعان الحرية والحياة المستقرة وعبادة الله أما مصر فتمثل العبودية والذل . أي أصعدهم من الذل والعبودية إلى الحياة الأفضل . جيدة وواسعة : خصبة وكبيرة فهي تمتد من البحر الأبيض غرباً إلى نهر الفرات شرقاً ومن جبال طوروس شمالاً إلى شبه جزيرة العرب جنوباً . لبناً وعسلاً : أطعمة دسمة وحلوة وترمز للخير الكثير ، فاللبن من كثرة المراعي والعسل من كثرة النباتات . يعد الله بإنقاذ شعبه من أيدي المصريين الجبابرة وإخراجهم ليسكنوا أرض كنعان ، وهي أرض خصبة يعبر عن خصبها بأنها أرض تفيض لبناً وعسلاً وسيطرد سكانها لأجل شرورهم وتركهم عبادته . ويوضح الله أسماء الشعوب الذين سيعطي أرضهم لليهود . ويظهر من هذا أن تنازل الله لينقذ شعبه ويصعدهم كما تنازل المسيح بتجسده فأنقذنا من خطايانا ليصعدنا إلى السموات . ع 9 : 10 : يكرر الله إحساسه بضيق شعبه ولأجل هذا قرر إرسال موسى لقيادة شعبه وإخراجهم من أرض مصر . + ثق في قوة الله التي معك مهما كانت ضخامة المسئولية أو صعوبتها لأن الله هو الذي سيعمل فيك لمواجهة قُوى العالم وهو أقوى من الكل ، فاطلب معونته ثم أشكره على صنيعه . (3) إعتذار موسى ( ع 11 - 14 ) : ع 11 : فشل موسى عندما إعتمد على قوته في إنقاذ شعبه ، فهرب إلى البرية وعاش 40 سنة شعر فيها بضعفه أمام قوة الله إله السماء أما هو فمجرد راعي غنم . ولذا فعندما دعاه الله من العليقة ليقابل فرعون ويقود الشعب إعتذر لضعفه . + جيد أن تعرف ضعفك عند القيام بخدمة الله ، حينئذٍ يسندك بنعمته فتستطيع كل شئ لأنك باتضاعك تجعل الله يعمل بحرية فيك وتمجده . ع 12 : عضد الله موسى بقوله " أنا أكون معك " ثم أعطاه علامة ليقويه وهي أنهم سيخرجون من أرض مصر ويعبدون الله في برية سيناء أي في نفس هذا الجبل الذي بجوار العليقة . ع 13 : وضع موسى عقبة جديدة في طريق القيام بمهمته وهي أنه لا يعرف إسم الله إله الآباء كما تعرف الشعوب أسماء لآلهتها الوثنية خاصةً وهم يعيشون وسط أسماء آلهة كثيرة للمصريين ، فسأل الله عن إسمه الذي يعلنه إلى شعبه . ع 14 : أهيه : أنا هو أو أنا أكون ومعنى " أهيه الذي أهيه " أي " أكون الذي أكون " . أعلن الله إسمه أنه أهيه أي أنا هو ، ومعنى الإسم أني أنا هو الإله الوحيد وأنا الكائن وغيري عدم . وأمر موسى أن يعلن إسمه هذا لبني إسرائيل . (4) كيفية خروج بني إسرائيل من مصر ( ع 15 - 22 ) : ع 15 - 17 : يهوه : أي الكائن الواجب الوجود . قال الله لموسى أن الخطوة الأولى في إخراج بني إسرائيل هي مقابلة شيوخهم أي رؤساء أسباطهم وعشائرهم وإعلان أمرين لهم هما : 1- أن إسم الله هو يهوه أهيه وتعني كما قلنا أنا هو . 2- أنه إله آبائهم الذي وعدهم بالنسل الكثير وميراث أرض كنعان حتى يطمئنوا أنه هو الله الذي يعرفونه والذي سمع صراخهم وسينقذهم . وأمره أن يخبرهم بإحساس الله بهم وسماعه صلواتهم وأنه سينقذهم من عبودية وذل مصر فيخرجهم منها ويسكنهم في أرض كنعان مكان شعوبها الأشرار . + الله يسمع صلاتك ويشعر باحتياجك مهما طال الزمان ويفتقدك في الوقت المناسب وهو أقوى من كل الظروف المحيطة، فاطمئن وتشجع لأنه معك ومادام معك فأنت أقوى من الكل . ع 18 : الخطوة الثانية في إخراج بني إسرائيل هي دخول موسى وشيوخ إسرائيل لمقابلة فرعون وإعلان ثلاثة أمور له : (1) أن الله إله العبرانيين قد ظهر لهم . (2) طلب خروج بني إسرائيل من مصر ومسيرتهم ثلاثة أيام في البرية ليقدموا عبادة لإلههم ، وهذا طلب متواضع لم يطلب فيه طلبات مادية من فرعون أو أن يمضي من مصر ولا يعود إليها ، فهو مجرد عبادة لإله إسرائيل كما يعبد المصريون آلهتهم ومع هذا رفض فرعون ، فهذا يُظهر قساوة قلبه في رفضه هذا الطلب المتواضع . (3) سيقدمون ذبائح حيوانية لإرضاء إلههم وهي التي ترمز إلى ذبيحة المسيح . وهذه الذبائح مقدسة عند المصريين فإن ذبحها بنو إسرائيل أمامهم سيثيرون غضبهم لذا طلبوا أن يمضوا بعيداً ليذبحوا لإلههم . وهذا طلب منطقي وفيه مراعاة لمشاعر المصريين ومع هذا رفض فرعون لقساوته . ع 19 ، 20 : أخبر الله موسى أن فرعون سيرفض طلبه حتى لا ينزعج موسى وأعلن له الخطوة الثالثة في إخراجهم وهي أن الله سيصنع معجزات كثيرة وهي الضربات العشر التي ستخيف المصريين فيضطرون إلى طاعة الله وإطلاق شعبه . ع 21 ، 22 : نزيلة بيتها : أي الضيفة التي تقيم عندها . تضعون على بنيكم وبناتكم : أي يلبسها بنيكم وبناتكم وكان الذكور في هذا العصر يلبسون أحياناً الذهب والفضة . أمره عند خروجهم من مصر أن يطلبوا من المصريين ذهباً وفضة وثياباً وسيعطيهم الله نعمة في أعينهم فيعطونهم كثيراً لخوفهم من إلههم الذي ضربهم بالضربات العشر . وبهذا يرد الله لبني إسرائيل شيئاً من حقوقهم التي سلبها المصريون باستعبادهم وتسخيرهم . وهذا الأمر ليس سرقة لأن الله هو الآمر به . وهو يرمز إلى الإنسان الروحي المؤمن بالله فعندما يقبل الله توبته وينقذه من خطاياه يعطيه غنائم كثيرة هي قدراته ومواهبه التي كانت مستعبدة للخطية فيتحرر ويحيا بها مع الله .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح