كلمة منفعة
انتصر البشر في مئات من الميادين، ما عدا الموت. فأمام الموت كان الإنسان يقف عاجزًا ويائسًا.
— القيامة ينبوع الرجاء
سفر الخروج 33
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث والثلاثون
الأصحاح الثالث والثلاثون
تجديد العهد
سقوط الشعب وعبادته للعجل الذهبي لم يكن بالأمر الهيِّن، لذا رأينا الله يسرع بإنزال موسى إليهم مصرحًا له أن يتركه ليفنيهم، فتشفع موسى لديه، وإذ عاد موسى إلى أسفل الجبل رأى الشعب ساقطًا في الخطية كسر اللوحين وقام بتأديب الشعب بمرارة، ثم عاد يشفع فيهم من جديد طالبًا إما أن يخلص مع شعبه أو يهلك هو معه، وقبل الرب الشفاعة... وكان لابد من الدخول في مناقشات جديدة تنتهي بتجديد العهد الذي كسرّ الشعب بخطيته، وتجسم في كسر اللوحين. هذا ما نراه في الأصحاحين الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين.
وقد شمل الأصحاح الثالث والثلاثون الآتي:
1. عتاب إلهي مع الشعب [1-6].
2. مسكن موسى كخيمة اجتماع [7-11].
3. استعطاف الله [12-17].
4. الصدقة الإلهية [18-23].
1. عتاب إلهي مع الشعب:
لقد قبل الله شفاعة خادمه موسى، وأكد له أنه يبقى أمينًا بالرغم من عدم أمانة الناس، إذ يقول له: "إذهب إصعد من هنا أنت والشعب الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها" [1]. إنه يحقق وعوده حسبما تعهد مع آبائهم، لكنه يغيِّر طريقة تحقيقها، إذ نلاحظ في حديثه:
أ. لا زال يحمل ألمًا من جهة هذا الشعب، فلا يدعوه "شعبي" ولا يتحدث بلغة الصداقة الأولى... ربما لكي لا يستسهل الشعب الخطية، ويستغل محبة الله ومراحمه.
ب. لا يعود يحلّ في وسطهم بنفسه، إذ يقول: "وأنا أرسل أمامك ملاكًا... فإني لا أصعد في وسطك لأنك شعب صلب الرقبة، لئلا أفنيك في الطريق" [3]. أنه يرسل "ملاكًا" للدفاع عنهم ومساندتهم مع إرشادهم، وهذا غير الملاك الذي تحدث عنه في الأصحاح الثالث والعشرون الذي هو الأقنوم الثاني إذ يقول "لأن اسمي فيه" (23: 21). فإن الله قد انسحب من وسط الشعب، لأنه أي شركة بين الله والإنسان صلب الرقبة (3: 5). الله لا يقبل ولا يمكن أن تتحق الشركة هكذا، والإنسان أيضًا لا يحتمل، إذ يقول: "قل لبني إسرائل أنتم شعب صلب الرقبة؛ إن صعدت لحظة واحد في وسطكم أفنيكم" [5]؛ وكأنه من رحمة الله عليهم ألاَّ يصعد في وسطهم وهم بعد في خطيتهم!
ج. فتح الرب باب الرجاء أمام موسى والشعب بحديثه عن التوبة قائلاً: "ولكن الآن أخلع زينتك عنك فأعلم ماذا أصنع بك" [5]، وكأنه يقول لهم: إخلعوا اتكالكم على ذواتكم، واتركوا شهوات جسدكم واعطوني فرصة للعمل في وسطكم!
2. مسكن موسى كخيمة إجتماع:
ناح الشعب ونزعوا زينتهم عنهم [4-6] كعلامة لحزنهم المقدس وتوبتهم، لكن الله لم يعد يجتمع مع موسى داخل المحلة التي تنجست بهذه الخطية البشعة والتزم موسى أن يأخذ خيمة وينصبها إلى خارج المحلة بعيدًا، ودعها خيمة الإجتماع [7].
هذه ليست خيمة الإجتماع التي أمر الله موسى بصنعها فإنها لم تكن بعد قد صنعت لكنها خيمة موسى الخاصة بعبادته، أي مخدع صلاته، خرج بها بعيدًا عن الشر حتى يلتقي بالله داخلها ويكلمه "وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" [11].
هذا لا يعني أن موسى رأى وجه الله، لكن العبارة هنا تعني أن الله كان يحدث موسى مباشرة وبصوت مسموع واضح وليس كما كان مع الشعب إذ يقفون بعيدًا جدًا كلٌ في باب خيمته ويرون عمود السحاب نازلاً عند باب خيمة الإجتماع. لقد دخل موسى خلال حبه لله ولشعبه في صداقة خاصة مع الله. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ كان موسى وديعًا وحليمًا جدًا كما قيل عنه "وكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (12: 13)، لهذا كان مقبولاً لدى الله وموضع حبه حتى قيل أنه كان يتحدث مع الله وجهًا لوجه وفمًا لفم كمن يحدث صديقه[428]].
بهذه الخيمة هيأ الله الشعب لخيمة الإجتماع التي يقيمها موسى حسب الأمر الإلهي، إذ كانوا يرون مجد الله عند باب الخيمة، فكانوا يسجدون كل واحد في باب خيمته، بل إنهم صاروا يهابون موسى، فإذا خرج إلى الخيمة يقف كل واحد في باب خيمته وينظرون وراء موسى حتى يدخل الخيمة [8]. لقد أدركوا قدسية اللقاء مع الله وقدسية خدام الله!
وكما تتلمذ يشوع الشاب على يدي موسى خاصة على جبل المعرفة المقدس، إذ رافقه هناك لكنه لم يرتفع معه على قمته (خر 24: 13) هنا صار يتلمذه على روح العبادة، إذ يقول "وإذا رجع موسى إلى المحلة كان خادمه يشوع بن نون لا يبرح داخل الخيمة" [11]. فالتلمذة لا تقف عن المعرفة ولكن يلزم أن تمتزج بالحياة التعبدية التقوية.
لعل ترك يشوع في الخيمة كان لمساندة موسى أيضًا، فإذا ما خرج موسى من الخيمة للخدمة بقى يشوع في الخيمة يصلي من أجله، وكأن الكرازة والعبادة متكاملان، لا نجاح للخدمة إلاَّ بروح الصلاة والعبادة.
ويرى الأب أفراهات[429] أن عدم مفارقة يشوع بن نون للخيمة تعني التزامه بحياة البتولية، فالخيمة في ذلك لم يكن يخدم بها نساء أو تقترب إليها امرأة، فإذا أرادت النساء الصلاة يصلون عند الباب ولا يدخلونها، أما يشوع فبقى في الخيمة يكرس حياته كلها للعبادة غير منشغل حتى بالحياة العائلية.
3. استعطاف الله:
عرف موسى النبي كيف يتعامل مع الله بروح الاتضاع مع دالة الحب والجرأة... كان نهازًا للفرص، لا يترك فرصة إلاَّ ليدخل بالأكثر إلى الأحضان الإلهية يغتصب لنفسه ولشعبه رحمة وحبًا! لهذا يقول الرب نفسه: "ملكوت السموات يغصب والغاصبون يختطفونه" (مت 11: 12).
بعد أن غفر الله خطية هذا الشعب الشنيعة، وعاد الله يتحدث مع موسى وجهًا لوجه في خيمة الإجتماع المؤقته خارج المحلة، بدأ موسى يعاتب الرب في جرأة مع اتضاع: "أنظر، أنت قائل ليّ أصعد هذا الشعب وأنت لم تعرفنيّ من ترسل معي، وأنت قد قلت عرفتك باسمك. ووجدت أيضًا نعمة في عينيك..." [12]. كأن موسى يقول للرب، هل تحتاج أن أستعطفك على شعبك؟ من الذي أرسل الآخر؟! أنت الذي أمرتني باصعاد هذا الشعب، فهل تتركني؟! لقد قلت ليّ أنك عرفتني باسمي وإنني وجدت نعمة في عينيك، إذن فلتسمع ليّ ولا تتركني في القيادة بمفردي.
في دالة يقول لله "أنظر" [12]، وفي دالة يقول له "أنت قلت عرفتك باسمك" وفي الترجمة السبعينية "عرفتك فوق الكل". الله يعرف الجميع، لأنه عالم بكل شيء، لكن المعرفة هنا ليست الفهم والإدراك إنما معرفة القبول والصداقة، كما يقول الرسول أن الرب يعرف الذين هم له (2 تي 2: 19)، أما الذين يفعلون الشر فيقول لهم الرب: لا أعرفكم (مت 7: 23) [430].
مرة أخرى في دالة الحب الحقيقي يقول له "علمني طريقك لكي أعرفك" [13]، فإن كنت أنت كإله قد عرفتني باسمي وأنعمت عليّ بهذا، فاسمح ليّ أن أعرف طريق معاملات حبك مع شعبك لكي أعرفك أنا أيضًا! كما تعرفني باسمي، أريد أن أعرفك باسمك ليست معرفة الفهم والإدراك بل معرفة الحب والصداقة!
مرة أخرى في دالة يكرر في حديثه مع الله كلمت "شعبك" [13، 16]، ثلاث مرات، كأنه يقول له إن كنت تدعوه "الشعب" فهو منسوب لك، وأنت أيها الرب قد خصصته لك، وكل الشعوب تعرف ذلك.
أخيرًا بعد دخوله إلى هذه الدالة العظيمة يقول الرب: "إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من هنا" [15]. لن نقبل عنك بديلاً، ولن نسترح بدونك! أمام هذا الحب وهذه الدالة يقول الرب لموسى: "وجهي يسير فأربحك... هذا الأمر أيضًا الذي تكلمت عنه أفعله!" [14، 17]. من يقدر أن يغتصب قلب الله هكذا حتى يشتاق الله أن يريحه، وما يتكلم به العبد يفعله الخالق؟!
ليتنا في كل عمل وقبل كل تصرف نصرخ مع موسى، قائلين: "إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من هنا". وجه الله هنا إشارة إلى الأقنوم الثاني الذي تأنس فصار بيننا يقود حياتنا ويصعد بنا إلى أحضان الآب.
4. الصداقة الإلهية:
لم تتقف طلبات موسى من إلهه؛ حقًا قد عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل أن يخطئ الشعب بعبادته العجل، ووعد الله أن يفعل ما طلبه موسى، ويسير وجهه في وسطهم، لكن موسى يطمع في عطايا الله اللانهائية، فقد سأل في جرأة "أرني وجهك" [18].
تشجع موسى فسأل الله، طالبًا منه ما لم يتجاسر أحد من قبل على طلبه إذ التهب قلبه بنار الحب الإلهي أراد أن يرى الله كما هو... ماذ يكون؟! أراد أن يتعرف على ذاك الذي لا يدرك ويرى غير المنظور... فكانت إجابة الرب له هكذا: "أجيز كل جودتي قدامك، وأنادي باسم الرب قدامك، وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم[431]... لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" [19-20].
كأن الله يُجيب موسى: لقد سألت أمرًا أنت لا تحتمله، فأنا لا أبخل على خليقتي، أني أقدم لك كل إحساناتي وخيراتي وأعلن اسمي لك وأتراءف وأرحم، أقدم كل شيء للإنسان، أما وجهي فلا يقدر الإنسان أن يراه ويعيش! إن هذه الرؤيا المجردة الكاملة للاهوت هي فوق كل طاقة بشرية!
في قول موسى "أرني وجهك" إعلان واضح أن معرفتنا لله لا تأتي بحكمة بشرية، إنما بقوة الله، إذ يقول القديس اكليمندس الإسكندري: [إقتنع موسى أن الله لا يُعرف بالحكمة البشرية... والتزم أن يدخل في الظلام الكثيف (السحاب) حيث كان صوت الله، ليبلغ إلى الأفكار الخاصة بوجود الله غير المدرك ولا منظور. الله ليس في ظلام ولا في مكان، إنما هو فوق المكان والزمان وفوق كل السمات[432]. كما يقول: [بقوله هذا أشارة بكل وضوح أن الله لا يمكن أن نتعلم عنه بواسطة إنسان، ولا أن نعبر عنه بكلمات، لكننا نعرفه خلال قوته[433]].
الله الذي لا يرى يعلن ذاته داخل النفس قدر ما تستطيع أن ترى، لكن جوهر لاهوته لا يقدر أحد أن يعاينه، إذ لا يعرف أحد الآب كما هو إلاَّ الابن (مت 11: 27، يو 6: 46)، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن جميع الرؤيا التي تمتع بها الآباء والأنبياء هي من قبيل تنازل الله، معلنًا ذاته قدرما يحتملون، حتى الخليقة السماية بجميع طغماتها ترى الله هكذا. الابن وحده هو الذي يعرف جوهر الآب، وقد تجسد لا ليعلن الجوهر الإلهي إنما ليعلن عن ذاته خلال الناسوت[434].
عندما سأل فيلبس السيد المسيح: أرنا الآب وكفانا، أجابه السيد: "من رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 8). كانت إجابة السيد كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أشبه بهذا: يستحيل عليك أن تراه أو ترأني. لأن فيلبس ظن أنه يعرف الله خلال النظر، وحسب نفسه أنه قد عرف المسيح برؤيته له، فأراد أن يعرف الآب هكذا. لكن يسوع أوضح له أنه لم يَرَ بعد حتى المسيح نفسه[435]].
إننا نراه هنا خلال عمله فينا، نتمثل به فنصير خاصته وأصدقاء له، بهذا نعاينه لا في جوهر لاهوته لكن خلال علاقة الحب والشركة معه. يقول القديس اكليمنس الإسكندري: [من الواضح أنه لا يقدر أحد في هذه الحياة أن يدرك الله بوضوح، لكن أنقياء القلب يعانون الله (مت 5: 8)، إذ يبلغونه خلال الكمال النهائي[436]].
أخيرًا أجاب الرب موسى سؤاله بقوله: "هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يرى" [21-23].
هذا الحديث يُشير[437] إلى التجسد الإلهي، فقوله "هوذا عندي مكان، كأنما يعني، لقد حققت طلبك بالقدر الذي تحتمله، فإني أحملك إلى سرّ التجسد فتقف على الصخرة، أي ترتكز على السيد المسيح (الصخرة الحقيقية). أما قوله تنظر ورائي فيُشير إلى نهاية الأزمنة حيث يجتاز الله على العالم معلنًا حبه فنرى الله خلال التجسد الإلهي، كمن هو في سترة يد الله (المسيح) يرى مجد اللاهوت (في نقرة من الصخرة)، فيقول مع الرسول يوحنا: "ورأينا مجد مجدًا كما لوحيد من الآب" (يو 1: 14).
وللقديس باسيليوس تفسير روحي لإجابة الرب، إذ يقول: [ماذا يعني بقوله عندي مكان سوى الرؤيا في الروح؟ التي لما صار موسى فيها استطاع أن يرى الله ظاهرًا له بطريقة تمكنه من التعرف عليه. هذا هو المكان الخاص بالعبادة الحقيقية، فقد قال: "إحترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه، بل في المكان الذي يختاره الرب" (تث 12: 13). إذن ما هي المحرقة الروحية؟ ذبيحة التسبيح. في أي مكان نقدمها إلاَّ في الروح القدس؟! ممن تعلمنا هذا؟ من المسيح نفسه القائل: "الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق" (يو 4: 23). ولما رأى يعقوب هذا المكان قال: "حقًا إن الرب في هذا المكان" (تك 28: 16). الروح هو مكان القديسين، والقديسون هم مكان خاص بالروح، إذ يقدمون أنفسهم لسكن الله ويسمون هيكل الله. وذلك كما يتحدث بولس عن السيد المسيح قائلاً انه يتكلم في حضرة الله، كذلك يتكلم في الروح بالأسرار والروح يتكلم أيضًا فيه[438]].
[428] St. Chrys.: In Matt, 78: 4.
[429] Aphraat: Dom. 6: 5 on the Monks.
[430] St. Greg. Nyssa: On the Making of Man 20: 1.
[431]راجع تفسير هذا القول في الأصحاح التالي (بند 2).
[432] Strom 2: 2.
[433] Strom 5: 11.
[434] In Joan, hom 15: 1.
[435] In Joan, hom 74: 1.
[436] Strom 5: 1.
سبق أن تعرضنا لموضوع رؤية الله بأكثر توسع في كتابنا "القديس يوحنا الذهبي الفم" طبعة 1968، الفصل الخاص بأفكاره ولا هوتياته.
[437] St. Ambrose: On the Holy Spirit 3: 5.
[438] St. Basil: On the Holy Speirit, 62.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثالث والثلاثون
هناك فكرة واضحة في هذا الإصحاح أن الخطية هي سبب حرماننا من التمتع بوجود الله في وسطنا ورؤيتنا له. فالله نار آكله ووجود خطية فينا تكون كالوقود الذي يشتعل فيه غضب الله فيفنينا. ومن محبة الله أنه لم يعد يظهر أمامنا لئلا نموت لهذا وقف ملاك كاروبيم على باب الجنة ولهذا نسمع هنا إن صعدت لحظة واحدة في وسطكم أفنيتكم (آية5) ولا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش (آية20)
ولكن هناك حل. فالله يريد أن يكون وسط شعبه والشعب لن يحتمل وجوده وسطهم، هذا ما حدث حين أراد الشعب أن الله يكلمهم راجع (خر9:19-19) بل أن موسى نفسه ارتعب (عب18:12-21). وراجع أيضاً (تث15:18-19) لنعرف الحل. فالمشكلة الآن أن الله يريد أن يكلم شعبه ويكون في وسطهم ولكنهم لن يحتملوا لذلك كان لابد من التجسد وهذا يتضح هنا "يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك.. وأجعل كلامي في فمه". ويظهر في (خر2:33) "وأنا أرسل أمامك ملاكاً.. " ويظهر في (خر21:33) "هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة...." والصخرة هي المسيح (1كو4:10) والله يضعه في نقرة في الصخرة (آية22) والله يستره. وما هي هذه النقرة سوى جنب المسيح المطعون الذي خرج منه دمٌ وماء والدم يسترنا ويغطينا ويبررنا = يكفر عنا والماء مع الروح نولد منه ولادة جديدة في المعمودية. ولذلك فعلي الأرض الشهود ثلاثة هم الروح والماء والدم (1يو8:5)
وهناك درجات فنحن نرى موسى يكلم الله وجهاً لوجه في خيمته كما يكلم الرجل صاحبه. ويتحدث مع الرب ويطلب منه والرب يستجيب. حقاً كلما اقتربنا من الله وتخلينا عن العالم بإرادتنا يقترب الله منا فنتمتع بمجده ولكن طالما نحن مازلنا في الجسد فلا تمتع بالأمجاد بصورة نهائية إلى أن نخلع هذا الجسد الترابي المائت "ويحيي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت" (رو24:7) "فإننا.. نئن مشتاقين أن نلبس فوقها مسكننا الذي في السماء" (2كو2:5 +" لي اشتهاء أن أنطلق" (في 1 : 23 )
الآيات (1-6):- "1وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اذْهَبِ اصْعَدْ مِنْ هُنَا أَنْتَ وَالشَّعْبُ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتُ لإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِيهَا. 2وَأَنَا أُرْسِلُ أَمَامَكَ مَلاَكًا، وَأَطْرُدُ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ. 3إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً. فَإِنِّي لاَ أَصْعَدُ فِي وَسَطِكَ لأَنَّكَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةُ، لِئَلاَّ أُفْنِيَكَ فِي الطَّرِيقِ». 4فَلَمَّا سَمِعَ الشَّعْبُ هذَا الْكَلاَمَ السُّوءَ نَاحُوا وَلَمْ يَضَعْ أَحَدٌ زِينَتَهُ عَلَيْهِ. 5وَكَانَ الرَّبُّ قَدْ قَالَ لِمُوسَى: «قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةُ. إِنْ صَعِدْتُ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي وَسَطِكُمْ أَفْنَيْتُكُمْ. وَلكِنِ الآنَ اخْلَعْ زِينَتَكَ عَنْكَ فَأَعْلَمَ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَ». 6فَنَزَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ زِينَتَهُمْ مِنْ جَبَلِ حُورِيبَ."
قبلت شفاعة موسى لذلك يأمره الله أن يتحرك صوب أرض الميعاد وهكذا قبلت شفاعة المسيح والكنيسة الآن كلها في حركة نحو السماء. وفي آية (2) نجد مقاومات من الكنعانيين والأموريين.. الخ لكن لماذا الخوف والملاك يطردهم وهؤلاء رمز لمقاومة الشياطين ولكن ملاك الله يقاومهم ويطرحهم أمامنا. وفي آية (4) نجد الشعب ينوح وهذا واجب شعب المسيح الآن أن يحيا في توبة مستمرة نائحاً على خطاياه. وكان وضع الزينة علامة فرح عند الشرقيين (أطواق وخلاخيل..) وخلع هذه علامة للحزن والمطلوب هو الحزن المقدس ليس بيأس بل برجاء فنحن مسافرين لأرض الميعاد.
الآيات (7-11):- "7وَأَخَذَ مُوسَى الْخَيْمَةَ وَنَصَبَهَا لَهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، بَعِيدًا عَنِ الْمَحَلَّةِ، وَدَعَاهَا «خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ». فَكَانَ كُلُّ مَنْ يَطْلُبُ الرَّبَّ يَخْرُجُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ الَّتِي خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. 8وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِذَا خَرَجَ مُوسَى إِلَى الْخَيْمَةِ يَقُومُونَ وَيَقِفُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَابِ خَيْمَتِهِ وَيَنْظُرُونَ وَرَاءَ مُوسَى حَتَّى يَدْخُلَ الْخَيْمَةَ. 9وَكَانَ عَمُودُ السَّحَابِ إِذَا دَخَلَ مُوسَى الْخَيْمَةَ، يَنْزِلُ وَيَقِفُ عِنْدَ بَابِ الْخَيْمَةِ. وَيَتَكَلَّمُ الرَّبُّ مَعَ مُوسَى. 10فَيَرَى جَمِيعُ الشَّعْبِ عَمُودَ السَّحَابِ، وَاقِفًا عِنْدَ بَابِ الْخَيْمَةِ، وَيَقُومُ كُلُّ الشَّعْبِ وَيَسْجُدُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَابِ خَيْمَتِهِ. 11وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهًا لِوَجْهٍ، كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ. وَإِذَا رَجَعَ مُوسَى إِلَى الْمَحَلَّةِ كَانَ خَادِمُهُ يَشُوعُ بْنُ نُونَ الْغُلاَمُ، لاَ يَبْرَحُ مِنْ دَاخِلِ الْخَيْمَةِ."
هنا نجد موسى يأخذ خيمته ويعتزل خارج المحلة والله يجتمع معه فيها. فالله لا يحتمل الخطية ولذلك فهو الآن يقيم مع موسى خارج المحلة. أي مجد للتائب فقد اصبحت خيمته بيتاً لله وأي خسارة للخاطئ. موسى خلال حب الله دخل معه في علاقة صداقة بل سميت خيمة موسى خيمة الاجتماع (7) فخيمة الاجتماع لم تكن قد اقيمت بعد.
وفي (8) كان الشعب ينظر وراء موسى وهو داخل لخيمته وهنا أدركوا قدسية اللقاء مع الله وقدسية خدام الله. وفي دورة البخور يدور الكاهن داخل صحن الكنيسة والشعب يصلي ويقدم طلباته وينظر الشعب الكاهن داخلاً الهيكل يقدم هذه الطلبات أمام الهيكل عن الشعب. هذا ما يحدث هنا ففي قوله: يقوم كل الشعب ويسجدون نجد فيها تقديمهم لصلواتهم وخشوعهم أمام الله. ونرى تلمذة يشوع ومرافقيه لموسى دائماً فهو ملتصق به في تعاليمه وفي عبادته. بل هناك احتمال أنه إذا كان موسى في خارج الخيمة يُعّلِّم أو يقضي للشعب كان يشوع يصلي من أجله في الخيمة.
الآيات (12-17): "12وَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: «انْظُرْ. أَنْتَ قَائِلٌ لِي: أَصْعِدْ هذَا الشَّعْبَ، وَأَنْتَ لَمْ تُعَرِّفْنِي مَنْ تُرْسِلُ مَعِي. وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: عَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ، وَوَجَدْتَ أَيْضًا نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ. 13فَالآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ. وَانْظُرْ أَنَّ هذِهِ الأُمَّةَ شَعْبُكَ». 14فَقَالَ: «وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ». 15فَقَالَ لَهُ: «إِنْ لَمْ يَسِرْ وَجْهُكَ فَلاَ تُصْعِدْنَا مِنْ ههُنَا، 16فَإِنَّهُ بِمَاذَا يُعْلَمُ أَنِّي وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَنَا وَشَعْبُكَ؟ أَلَيْسَ بِمَسِيرِكَ مَعَنَا؟ فَنَمْتَازَ أَنَا وَشَعْبُكَ عَنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ». 17فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «هذَا الأَمْرُ أَيْضًا الَّذِي تَكَلَّمْتَ عَنْهُ أَفْعَلُهُ، لأَنَّكَ وَجَدْتَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ، وَعَرَفْتُكَ بِاسْمِكَ»."
في هذه الآيات نجد طلبتين لموسى:
الطلبة الأولى لموسى: علمني طريقك حتى أعرفك:
هنا موسى يريد أن يقول لله أنت أرسلتني مع هذا الشعب وهذا الشعب هو شعبك وأنت قد اخترتني لهذا العمل فهل تتركني وحدي. أنت قلت عرفتك بإسمك في السبعينية عرفتك فوق الكل. هي معرفة القبول والصداقة فالرب يعرف الذين هم له (2تي19:2) أما الذين يفعلون الشر يقول الله لهم لا أعرفكم (مت23:7).
علمني طريقك لكي أعرفك= اسمح لي أن أعرف طريق معاملات حبك مع شعبك لكي أعرفك أنا أيضاً كما عرفتني بإسمي فأنا أريد أن أعرفك ليس معرفة الفهم بل معرفة الحب والصداقة.
الطلبة الثانية: إن لم يَسِرْ وجهك فلا تصعدنا :
موسى هنا يقول لله لن نقبل عنك بديلاً ولن نستريح بدونك. ووجه الله هنا إشارة للأقنوم الثاني الذي تأنس وصار بيننا يقود حياتنا ويصعد بنا إلى أحضان الآب. وسير الله أمامنا يعطينا سلاماً حقيقياً "الساكن في ستر العلي يستريح في ظل إله السماء" (مز1:91)
الآيات (18-23):- "18فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ». 19فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». 20وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». 21وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ، فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. 22وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. 23ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى»."
الطلبة الثالثة : أرني مجدك :
هنا نجد موسى الذي يطمع في عطايا الله اللانهائية. هو حين اشتعل قلبه بمحبة الله أراد أن يراه كما هو. وكان رد الرب أجيز كل جودتي قدامك= الله يريد ويشتاق أن يعلن مجده لنا ولكنه لا يفعل فنحن لن نحتمل. ولذلك هو يعلن مجده الآن بأن يعلن جوده وكرمه وعطاياه لكننا لا نستطيع أن نراه وإلا نموت لأننا مازلنا في جسد الخطية. وكأن بهذه الإجابة الله يريد أن يقول لموسى أنت سألت أمراً لا تحتمله فإكتفي بأن تنظر جودي وإحساناتي وأعمال قوتي. والله يعلن نفسه داخل النفس قدر ما تستطيع أن ترى لكن جوهر لاهوته لا يقدر أحد أن يعاينه. وكان هذا هو سؤال فيلبس للمسيح "أرنا الآب وكفانا" فهو لم يفهم أنه لا يمكن رؤيته بالنظر. الطريق الوحيد لأن نعاين الله هو نقاوة القلب "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" ليس بالنظر ولكن بإعلانات الله لهم عن نفسه، كلٌ بقدر ما يحتمل.
لاحظ أن موسى طلب طلبين وكان هذا هو الثالث. فكل ما نعرف عن الله نشتاق أن نعرف أكثر.
أتراءف على من أتراءف= هذه تشير لأن مراحم الله مجانية لا أحد يستحقها بل هو في نعمته يعطي لمن يريد. هي إرادته الحرة أن يعطي وهو يريد أن يعطي ولكن ما يحجز عطاياه هو مقدار احتمالنا. لذلك قال بعدها لا تقدر أن ترى وجهي. ثم يأتي الحديث عن الصخرة وهي تحدثنا عن التجسد والكفارة والتغطية حتى نكون مقبولين = أسترك بيدي فتنتظر ورائي= حين ننظر وجه إنسان نرى جماله ومجده ولكن حين يمر إنسان أمامنا ويعبر لا نرى سوى ظله. وهذا أقصى ما استطاع موسى إحتماله وهذا جعل وجهه يلمع (29:34).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث والثلاثون
قيادة الله لشعبه
(1) غضب الله على شعبه ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 : رغم سقوط شعب الله في عبادة الأوثان وابتعادهم عن الله ، لكنه لم يرفضهم وظل أميناً في وعوده رغم عدم أمانتهم ، فكلم موسى حتى يستعد لدخول أرض الميعاد كما وعد الله الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب .
+ كن ثابتاً في محبتك لمن حولك حتى لو أساءوا إليك أو لم يتجاوبوا مع محبتك .. إلتمس لهم العذر واعلم أن استمرار محبتك واهتمامك بهم يُثبتك في المحبة ويؤثر فيهم تدريجياً ويؤهلك لنوال بركات إلهية كثيرة أولها أن تتمتع باختبار قوي لمحبة الله وعمله في حياتك .
ع 2 : وعد الله بإدخالهم أرض الميعاد ولكن يكون قائدهم ملاك يُرسله الله وليس الله نفسه لأجل غضبه عليهم بسبب عبادتهم للأوثان .
ع 3 : تفيض لبناً وعسلاً : كناية عن الخيرات الكثيرة التي يجدونها في أرض الميعاد . سبب عدم قيادة الله بنفسه لهم في طريقهم إلى أرض الميعاد المملوءة بالخيرات أنهم سريعو العصيان والتمرد ، فيستحقون غضب الله ويكونون مُعرضين للفناء أي يفنيهم الله كعقاب لهم .
ع 4 : شعر الشعب بخطيتهم عندما سمعوا من موسى رفض الله قيادتهم وبكوا في توبة أمام الله مُعلنين خطيتهم طالبين الصفح منه . ونزعوا زينتهم إعلاناً منهم لتمسكهم بالله ورفضهم أي شئ مادي لأجله .
ع 5 ، 6 : حوريب : المكان الذي صنعوا فيه العجل الذهبي . أكد الله عناد الشعب المرموز إليه بصلابة الرقبة كما تعاند الحيوانات وتُدير رقبتها وتقلبها رافضة حمل النير ، أي الخشبة التي تُوضع على رقابها لتجر الآلات الزراعية ، وبالتالي تراجع الله عن قيادتهم بنفسه ومع هذا أعطاهم فرصة بحنانه للتوبة بقوله انزعوا زينتكم ، أي توبوا وتذللوا أمامي فأبحث أمركم ، فأسرعوا للتوبة والتذلل والصلاة ونزعوا زينتهم . ونزع الزينة كان أمراً معروفاً يُستخدم في الشرق دليلاً على الحزن .
(2) الله يتكلم في الخيمة ( ع 7 - 11 ) :
ع 7 : كان لموسى خيمة يجتمع فيها شيوخ إسرائيل ويقضي للشعب فيها ، وهذه غير الخيمة التي يقيم فيها مع أسرته . وقد نقل هذه الخيمة إلى خارج المحلة ، أي المكان الذي نصب فيه بنو إسرائيل خيامهم ، وذلك إعلاناً عن غضب الله الذي مازال قائماً على شعبه ليستكملوا توبتهم . وكان كل واحد من الشعب له طِلبة أمام الله يخرج إلى هذه الخيمة ويسأل موسى أن يصلي من أجله ويطلب الله في هذا المكان . وهذا يبين رحمة الله الذي لم يتخلَّ عنهم تماماً بل أظهر فقط ضيقه منهم ليتوبوا . وهذه الخيمة هي رمز للكنيسة لأن فيها يجتمع الله مع شعبه فسُميت خيمة الإجتماع . وهي تمهيد لخيمة الإجتماع والشهادة التي فيها تابوت العهد والتي رأى موسى رسمها على الجبل لأنها لم تكن قد صُنِعت بعد ( ص 25 - 27 ) .
+ كل احتياج تشعر به قدمه لله في الكنيسة وضعه على المذبح ، فإذ يرى الله إيمانك وتمسكك به وإسراعك إليه ، وليس إلى العقل والعالم والناس ، يتحنن عليك ويحل كل مشاكلك ويبارك حياتك .
ع 8 : عندما كان موسى يخرج من خيمته التي يقيم فيها مع أسرته ويمر وسط خيام إسرائيل في طريقه إلى خيمة الإجتماع التي خارج المحلة ، كان كل واحد يخرج من خيمته ويقف احتراماً له ويسأل الصلاة من أجله هو وأسرته ويظلوا واقفين في خشوع حتى يصل إلى خيمة الإجتماع ويدخلها لمقابلة الله .
ع 9 : كان الله يعلن حضرته ووجوده مع موسى عندما يدخل خيمة الإجتماع بأن ينزل عمود السحاب ويغطي ويقف أمام باب الخيمة حتى ينتهي حديث الله مع موسى ، إذ كان يسمعه بوضوح ويتكلم معه ثم يُبلغ الشعب أوامر الله ووصاياه ، ولذا دُعيَ كليم الله لكثرة كلامه معه ، فمن أجل بره وصل إلى درجة الحديث المباشر مع الله . وبهذا استطاع أن يقود الشعب بإرشاد الله ليتعلم كل خادم وكل رب أسرة أن الصلاة هي أساس نجاحه في قيادة من يخدمهم ويرعاهم .
ع 10 : عندما يرى الشعب الله الظاهر في عمود السحاب ، يخافوا ويسجدوا في الحال كل واحد أمام باب خيمته في خشوع واتضاع طالبين مراحم الله .
ع 11 : صداقة عجيبة على أعلى مستوى تمتع بها موسى مع الله بلقاءاته المتتالية معه في الخيمة . وكان خادمه وتلميذه يشوع بن نون مرافقاً له ويقف عند باب الخيمة ، وعندما يفرغ موسى من الحديث مع الله ويذهب إلى الشعب ليعلمهم كان يشوع يظل قائماً في الخيمة في صلوات وعبادة مستمرة . وهكذا نرى كيف أعد الله يشوع بتلمذته لموسى وتعلمه العبادة لفترات طويلة ، إذ كان يترك أسرته ويظل في الخيمة حتى صُنعِت خيمة الشهادة التي فيها التابوت وأصبح اللاويون مسئولين عن حراستها والوجود بها . ويُلاحظ أن هذه الخيمة المؤقتة كانت خارج المحلة إعلاناً عن غضب الله ، ولكن بعدما قدموا توبة أقام موسى خيمة الإجتماع الثابتة وسط المحلة .
(3) شفاعة موسى ليقود الله شعبه ( ع 12 - 17 ) :
تشفع موسى في شعبه مرتين ليسامحهم الله وهاتان المرتان مذكورتان في ( ص 32 : 11 - 13 ، 31 - 32 ) . وهذه هي المرة الثالثة المذكورة في هذه الأعداد . وطلب موسى من الله في هذه الأعداد التالية ( ع 12 - 18 ) ثلاث طِلبات هي :
1- أن يعلن الله عن موقفه نحو شعبه ( ع 13 ) .
2- يسير بوجهه أمام الشعب وليس مجرد ملاك ( ع 14 ، 15 ) .
3- يظهر مجده لموسى شخصياً ليراه ( ع 18 ) .
ع 12 ، 13 : استعطف موسى الله وقال له أنت أمرتني أن أُصعد الشعب وأذهب به إلى أرض كنعان ولم تقل لي من تُرسل معي ، بمعنى أنك رفضت أن تقود الشعب بنفسك كما أخرجتنا من أرض مصر إلى البرية بنفسك ، وترجاه أن يقودهم ويحتملهم ولا يُرسل معهم فقط ملاكاً ، واستند في استعطافه على ما يلي :
(1) قال لله أنت أعلنت أنك عرفتني باسمي أي أحببتني .
(2) في اتضاع أعلن موسى جهله في قيادة الشعب وحاجته إلى الله ليعرفه الطريق .
(3) أظهر موسى اشتياقه أن يعرف الله كأنه لم يعرفه بعد مع إنه له عشرة طويلة معه ، فهو طموح ليعرف الله كل يوم أكثر من ذي قبل .
(4) يُذكر الله بأن بني إسرائيل هم شعبه الخاص المسئول منه فهو أبوهم وراعيهم وإلههم .
+ الله حنون جداً ، فاطلب منه كل ما تريد ومهما كانت خطاياك إعلم أنه مستعد أن يغفر لك وحتى لو غضب عليك إستمر في تضرعك وتذللك أمامه حتى تنال مراحمه .
ع 14 ، 15 : وافق الله أمام استعطاف موسى أن يسير بنفسه وسط شعبه ويقودهم ، وأكد موسى أنه لن يتحرك بهذا الشعب إلا تحت قيادة الله ، فالبقاء في البرية مع الله أفضل من دخول أرض الميعاد بكل خيراتها دون الله ، لأنه أحبَّ الله فوق كل ماديات العالم ووجد فيه راحته وطمأنينته .
ع 16 ، 17 : يستكمل موسى حديثه مع الله مُعلناً أن سبب تميزه هو وشعبه عن كل شعوب الأرض هو وجود الله وسطهم ، فهو أغلى شئ في حياته هو وشعبه ، وبهذا يعلن هذا الشعب إيمانه بالله لكل العالم حتى يؤمنوا وينضموا إلى شعب الله فيجدوا خلاصهم . وأمام حب موسى وتمسكه بالله ، أكد له الله أنه سيسير أمامه ولن يتركهم لأنه أحبَّ موسى ووجد فيه براً وقداسة .
(4) رؤية الله ( ع 18 - 23 ) :
ع 18 : طلب موسى طلباً عجيباً لم يطلبه أحد من قبل وهو أن يرى الله ، فرغم أنه تكلم معه كثيراً ولكن اشتياقه لله جعله يطلب هذا الطلب .
ع 19 : أجيز جودتي قدامك : أقدم مراحمي أمامك وبركاتي وخيراتي . أنادي باسم الرب قدامك : أعلن نفسي قدامك لتؤمن بي وتحيا معي أنت وشعبك . أتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم : أعطي محبتي لمن أختاره وهو الذي يؤمن بي ويتجاوب معي فأفيض عليه بالمراحم . قال له الله أنا أقدم لك بركات كثيرة وأعلن اسمي أمامك وأرحمك ، فتراني من خلال هذه البركات والإعلانات والمراحم وهذا كافٍ جداً .
ع 20 : قال الله لموسى إني أحبك وقد وجدت نعمة في عينيَّ ولكن طلبك هذا فوق احتمالك ، فلا يستطيع أحد من البشر أن يراني ، ويقصد رؤية جوهر الله ، لأنه سيموت من عظمة نور الله وبهائه الذي يفوق قدرات البشر ، فالملائكة وهي خلائق عظيمة لا تستطيع النظر لله بل تخفي وجوهها من بهاء مجده ( اش 6 : 2 ) .
ع 21 - 23 : لم يحتمل حنان الله أمام طلب موسى وإلحاحه أن يحرم ابنه من رؤيته ، فجعله يراه بالمقدار الذي يحتمله. فأخذ الله موسى على صخرة ووضعه في حفرة وغطاه بيده ثم اجتاز الله بمجده ، أي ظهر نور عظيم مُبهر ، ثم رفع الله يده فنظر موسى شيئاً من بهاء الله وهو ما يحتمله كإنسان ، ففرح جداً بل اكتسى وجهه بلمعان شديد فلم يحتمل بنو إسرائيل بعد ذلك أن ينظروا إليه وطلبوا منه أن يضع بُرقعاً على وجهه ( ص 34 : 34 ، 35 ) . ورؤية موسى لله ترمُز لتجسد المسيح ، فعندما قال الله " عندي مكان " يقصد ملء الزمان عندما تجسد المسيح في بيت لحم ، والصخرة ترمُز للمسيح التي إذ يرتكز عليها المؤمن يرى الله ويكشف له قدر ما يحتمل . وهذا ما نعاينه في العهد الجديد عند التناول من الأسرار المقدسة ، وكما يكشف الله عن نفسه لقديسيه في البراري على مر الأجيال . كل هذا نُعاينه الآن على الأرض ولكن في السماء نستطيع أن نراه بوضوح أكبر ، فهنا ننظره كما في مرآة أما هناك فوجهاً لوجه حيث تتغير أجسادنا الترابية وتصير أجساماً روحية قادرة على التمتع بمنظر الله بوضوح ( 1كو 13 : 10 - 12 ) .
+ الله يحبك ويريد أن يكشف لك عن أسراره إن كنت تريده وتطلبه ، ويظهر هذا في سعيك نحو الصلاة والقراءة والتأمل، فعلى قدر اهتمامك سيُعطيك الله أن تختبره وتفرح به .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح