كلمة منفعة
ما أسهل أن يبدأ الإنسان حياة روحية، وأن يعيش مع الله أيامًا وأسابيع، ثم بعد ذلك ينتكس ويرجع إلى الوراء، ويفقد كل شيء..!
— الثبات
سفر صموئيل ثاني 22
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والعشرون
الأصحاح الثاني والعشرون
نشيد النصرة
كنا نتوقع عوض النشيد المطابق تقريبًا للمزمور الثامن عشر في نهاية الحديث عن نصرات داود النبي والملك وقبل الحديث عن سقوطه في الخطية وعواقبها المريرة، إذ يذكر فيه بره وطهارة يده وحفظه طريق الرب وكماله لدى الرب، أي ما بين الأصحاح العاشر والحادي عشر. وكنا نتوقع أن يُقدم لنا هنا المزمور الحادي والخمسون (٥٠) الخاص بالتوبة والاعتراف... لكن الوحي الإلهي أراد أن يؤكد أن حياة التسبيح والشعور بالنصرة كانت ممتدة حتى النفس الأخير بالنسبة لداود. لقد سقط لكنه بالتوبة والاعتراف مع التسليم بقى ينشد مزمور النصرة.
في تفسير القديس أغسطينوس للمزمور ١٨ الذي هو بعينه نشيد النصرة هنا يقول: [إن هذا المزمور يخص السيد المسيح نفسه الذي يتحدث باسمه واسم الكنيسة بكونه رأسها وهي جسده، ما يتمتع به من نصرة إنما لحسابها].
نستطيع الآن أن نقول إنه نشيد الكنيسة المنتصرة بالمسيح قائد موكبها الغالب حيث ترى في الله سرّ خلاصها ونورها وقوتها... به تجتذب الأمم إلى الإيمان ليختبروا بهجة الخلاص فيها.
١. مناسبة النشيد [١].
٢. الرب صخرتي
[٢-٤].
٣. أمواج الموت اكتنفتني [٥-٧].
٤. طأطأ السموات ونزل [٨-١٦].
٥. تحقيق الخلاص [١٧-٢١].
٦. السلوك بالكمال [٢٢-٢٥].
٧. كما نفعل يُفعل بنا [٢٦-٢٨].
٨. الله سراج النفس [٢٩].
٩. الله قوة النفس وغلبتها [٣٠-٤٣].
١٠. دعوة الأمم للخلاص [٤٤-٥٦].
١. مناسبة النشيد:
مع كل نصرة يشعر داود النبي بمراحم الله كأنها جديدة كل صباح (مرا 3: 13)، يدرك قوة الله العجيبة العاملة في ضعفه، تهبه الحياة المقدسة، والنصرة على الشر، وتفتح قلبه للغير بالحب... لهذا يشعر أنه مدين بتقديم ذبيحة الشكر والتسبيح، كعمل طبيعي ناتج عن نفس متهللة في الداخل وجسد يهتز بكل أحاسيسه كأنه قيثارة الروح.
يبدو أن داود النبي كان يُكرر هذا النشيد مع غيره من أناشيد أو مزامير النصرة في كل غلبة، إذ قيل: "وكلم داود الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول فقال..." [١-٢].
٢. الرب صخرتي:
"الرب صخرتي وحصني ومنقذي
إلهي صخرتي به أحتمي
ترسي وقرن خلاصي.
ملجإي ومناصي، مخلصي من الظلم تخلصني
أدعو الرب الحميد فأتخلص من أعدائي" [٢-٤].
إن كانت الحية القديمة إبليس هي العدو الحقيقي الذي يود أن يفترسنا، فإن الحية لا تقدر أن تتسلق الصخرة الملساء، لهذا يقدم السيد المسيح ربنا نفسه صخرة به نرتفع فلا تقدر الحية أن تقترب إلينا. لهذا فهو "الصخرة" (١ كو ١٠: ٤)، فيه نتحصن وبه نخلص من العدو.
إن كان شاول كبقية الأعداء قد بذل كل الجهد لقتل داود، فبالرغم من إمكانياته العسكرية وقدراته لم يستطع أن يلحق بداود أذى بل تحولت مقاومته إلى مجد وبنيان له... فالفضل في هذا يرجع إلى الله الصخرة والحصن والمنقذ لنفس داود.
v لقد حاصرني الأعداء، فأنت إذن حصني.
القديس جيروم[127]
v "(أنت) المدافع عني وقرن خلاصي".
أنت المدافع عني، فإني لا أعتمد على ذاتي متعاليًا بقرن الكبرياء ضدك، وإنما أجدك قرنًا حقًا، حيث علو الخلاص الأكيد، ولكي أبلغ هذا أنت تخلصني.
القديس أغسطينوس[128]
v أيها القائد الإلهي قوني.
أنت تحتضن وجودي برعايتك إياي رعاية كاملة دفعة واحدة، وتحتضنني على الدوام، كأنك لا تتطلع إلى آخر سواي!
تسهر عليّ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها.
تهبني عطاياك، وكأني وحدي موضوع حبك.
القديس أغسطينوس
٣. أمواج الموت اكتنفتني:
الله في محبته لداود لم ينزع عنه مقاومة الأعداء له، وإنما على العكس يسمح له فتحل به الضيقات حتى يكاد الموت يحاصره، فيتجلى الله واهب الحياة والقيامة فيه، لهذا يصرخ قائلاً:
"لأن أمواج الموت اكتنفتني،
سيول الهلاك أفزعتني
جبال الهاوية أحاطت بي
شرك الموت أصابتني.
في ضيقي دعوت الرب وإلى إلهي صرخت فسمع من هيكله صوتي وصراخي دخل أذنيه" [٥-٧].
يتصاغر داود جدًا أمام ما حلَّ به من ضيقات مُرّة كادت تقتله، فحسب نفسه كمن حاصرته الأمواج وحطمت طاقته، وكمن جرفته السيول لتنحدر به إلى هاوية بلا نهاية، وأحاطت به جبال شامخة أغلقت حوله طرق الخلاص، وصار كفريسة في شباك الموت... لكنه لم يكن بلا معين، إذ سمع له الله الساكن في هيكل قدسه وأمال بأذنيه إلى صراخه كصديق شخصي!
إذ يتطلع القديس أغسطينوس إلى الحرب الداخلية بين النفس وعدو الخير إبليس فإنه يرى الموت هنا ليس انفصال النفس عن الجسد وإنما موت النفس ذاتها. لذا تصرخ النفس إلى الله بكلمات وصرخات داخلية ليسمعها الله نفسه لا البشر، تبلغ إليه من أعماق النفس كقدس وهيكل الله.
v يسمع صوتي الخارج من قلبي حيث يسكن هو!
v صراخي الذي أنطق به لا في آذان الناس، وإنما هو صراخ داخلي أقدمه أمامه هو فيدخل إلى أذنيه.
القديس أغسطينوس[129]
٤. طأطأ السموات ونزل:
مقاومة شاول وغيره من الأعداء لداود كانت مجالاً رائعًا خلاله تلَّمس داود حب الله الفائق، بل وتعرَّف على الله أكثر فأكثر. خلال الضيق يتجلى الله بحبه في حياة الإنسان ليجده الأب المحب والمخلص.
خلال مقاومة الأعداء شاهد داود بروح النبوة ما حل بالإنسان من هلاك بحسد إبليس وكيف نزل الله الكلمة ذاته من السماء ليعلن حبه الناري نحو البشر، الأمر الذي أدهش المسكونة كلها: السماء والأرض. يقول: "فارتجت الأرض وارتعشت. أسس السموات ارتعدت وارتجت لأنه غضب" [٨]. لقد غضب لما فعلته الخطية بحياة الإنسان وبطبيعته وذلك بحسد إبليس، فارتجت الأرض وارتعدت السموات أمام هذا الحب الفائق، إذ "طأطأ السموات ونزل" [١٠]. يقول الرسول بولس: "عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (١ تي ٣: ١٦). إنه سر فائق للعقل لم تستطع الخليقة إدراك كنهه: "ضباب تحت رجليه". الضباب يعني الغموض والعجز عن الإدراك.
محبته نار آكلة، يرى داود نارًا تخرج من فمه لتأكل ودخانًا يصعد من أنفه [٩] ورآه يوحنا اللاهوتي "عيناه كلهيب نار" (رؤ 1: ١٤)... إنه الحب الفائق الذي يحرق عدو الخير ويحطمه، ويلهب القلب بالنار الإلهية فلا تقدر مياه العالم أن تطفئها (نش ٨: ٧) لذا يقول: "أكون لها سور نار من حولها" (زك ٢: ٥).
إنه شمس البر (مل ٤: ٢) يرسل شعاع روحه القدوس الناري علينا فيشعل فينا جمر نار كما حدث في يوم العنصرة (أع ٢: ٣).
كلماته على الصليب كالرعد والبرق أزعجت قوى إبليس (كو ٢: ١٤)، وكالسهام قتلته، وهي بعينها لنا مصدر حياة وعلة تسبيح لا ينقطع.
يقدم لنا القديس أغسطينوس[130] تفسيرًا رمزيًا للنص الذي بين أيدينا فيرى الأرض التي ارتجت وارتعشت تمثل الخطاة الذين صاروا أرضًا فإنه إذ تمجد ابن الإنسان على الصليب يرتجون ويرتعدون.
نقول إن صليب ربنا يسوع المسيح واهب النصرة يهز كل كيان جسدنا بكل أحاسيسه ومشاعره لا ليحطمه بل ليقدسه كما يمس نفوسنا الداخلية مجددًا طبيعتها. هذا ما عناه المرتل داود بالأرض (الجسد) والسماء (النفس).
ما هو الدخان الذي يصعد من أنفه والنار التي من فمه؟ يقول القديس أغسطينوس: [إنها نار المحبة ونور البر اللذان كان الخطاة محرومين منهما إذ عاشوا زمانًا طويلاً في برود وظلام، فجاء المخلص يلهب قلوبهم بحب الصالحات ويهبهم استنارة داخلية بعد أن وهبهم الحياة الجديدة.
v "طأطأ السموات ونزل"... اتضع البار ونزل إلى ضعف البشر.
"وضباب تحت رجليه"... الأشرار الذين يتلذذون بالأمور الزمنية في ظلمة طمعهم لا يعرفونه، فإنهم كالأرض تحت قدميه موطئ لقدميه.
"ركب على كاروب وطار ورُئي على أجنحة الريح"... تمجد فوق كل كمال المعرفة (كاروب)، لا يصل إليه أحد إلا بالحب، لأن "المحبة هي تكميل الناموس" (رو ١٣: 10)...
بهذه السرعة يظهر أنه غير مدرَك، فوق قوة النفوس وقدرتها، ولكنها (أي النفوس) بأجنحة (الروح) ترتفع من المخاوف الأرضية إلى هواء الحرية...
"أرسل سهامًا فشتتهم، برقًا فأزعجهم"... أرسل الإنجيليين الذين له يعبرون بأجنحه القوة، قوة من أرسلهم وليس قوتهم الذاتية... ليصيروا "رائحة حياة لحياة ورئحة موت لموت" (٢ كو ٢: ١٦). صنع بهم عجائب (بروق) فأزعجهم.
القديس أغسطينوس[131]
باختصار، نشيد النصرة يدور في جوهره حول عمل الله الخلاصي: كلمة الله يطأطئ السماء بتجسده لينزل إلينا، مشرقًا كشمس البر على الجالسين في الظلمة. أمامه يرتعد كل ما هو زمني فينا لتقديس سمواتنا الداخلية (النفس) وأرضنا (الجسد)، مبددًا ظلمة الجهل التي حلت فينا. ركب على السحاب كما على كاروب وصعد ليحملنا إليه ويجلسنا معه في السمويات. أرسل تلاميذه ورسله كسهام، تنفذ كرازتهم الإنجيليه إلى القلوب، وتبرق فيها بنور المعرفة فيهتز كل شر فيها وتقوم مملكة الرب داخلها.
٥. تحقيق الخلاص:
يعلن داود النبي في نشيد النصرة غاية نزول الرب من السماء أو تجسده، ألا وهي خلاص الإنسان من الضيق والارتفاع به إلى رحب السماء، إلى حضن الآب:
"أرسل من العُلى فأخذني، نشلني من مياه كثيرة. أنقذني من عدوي القوي... أخرجني إلى الرحب" [١٧-٢٠].
يرى القديس أغسطينوس أن كنيسة الأمم تتحدث هنا عن عمل الله معها، فقد دعاها العلي، المخلص السماوي، دعاها من بين مياه كثيرة إذ جمعها من بين الأمم والشعوب المتنوعة لتصير كنيسته المجيدة التي بلا عيب ولا دنس (أف ٥: ٢٧). خلصها من عدوها القوي إذ كانت ضعيفة قبل الإيمان وقد أسرها العدو القوي خاصة برباطات محبة العالم. الآن أخرجها المخلص إلى الرحب، أخرجها من ضيق الحياة الجسدانية إلى إتساع الإيمان الروحي، انطلقت إلى حرية الروح.
إن كان موسى قد انتُشل من مياه النيل حين وضعته أمه في سفط ضيق مطلي بالحمرة والقار، لتحمله ابنة فرعون إلى قصرها الرحب، فإن كنيسة العهد الجديد قد انتُشلت من مياه كثيرة، من وسط الأمم لتخلص من الضيق الداخلي وتنعم بالحياة السماوية المتسعة بعمل الروح القدس الذي حل فيها خلال المعمودية.
٦. السلوك بالكمال:
لا نَعجب أن نرى داود الذي عُرف باتضاعه الشديد حتى أمام شاول مطارده، فيدعو نفسه برغوثًا واحدًا وكلبًا مينتًا (١ صم ٢٤: ٤١)، نراه هنا يتحدث كبار، طاهر اليدين، حافظ طريق الرب، كامل لدى الرب...
نزل كلمة الله القدوس إلى العالم، حملنا فيه، لنصير أعضاء جسده المقدس، فنقف أمام الآب أولادًا له مبررين في الدم الثمين، كمن هم بلا عيب، نحمل كمال المسيح فينا. هذا هو الخلاص، وهذه هي رسالة الصليب أن يحملنا إلى المسيح لنختفي فيه، فيستر علينا بدمه ونتبرر ونتقدس فيه وبه.
من هو هذا البار، الطاهر اليدين، الحافظ طرق الرب، الذي لم يحد عن الأحكام الإلهية والفرائض، الطاهر أمام الآب إلا الابن الذي بلا خطية وحده... فداود يتحدث بروح النبوة على لسان المخلص! الآن صار لكنيسته بكونها جسده المقدس أن تنطق بذات كلماته لأنها مخفية فيه.
٧. كما نفعل يُفعل بنا:
إن كان الرب المخلص هو سرّ برّنا وتقديسنا، فإننا به وفيه ننال الطبيعة الجديدة المقدسة، نصير رحماء، وكاملين، وأطهارًا ومتواضعين فندخل في علاقات جديدة مع الآب، قائلين له: "مع الرحيم تكون رحيمًا، مع الرجل الكامل تكون كاملاً، مع الطاهر تكون طاهرًا ومع الأعوج تكون ملتويًا، وتخلص الشعب البائس وعيناك على المرتفعين فتضعهم" [٢٦-٢٨].
كأننا نقول: بك صرنا رحماء فنرحم الآخرين وأنت ترحمنا، وبك صرنا كاملين فتكون معنا كاملاً الخ... أما عدو الخير فهو أعرج ومرتفع لذا يبدو الله معه ملتويًا ينزل به من كبرياء مجده إلى الهاوية.
يرى القديس أغسطينوس أن الله القدوس في طبيعته يكون قدوسًا مع الإنسان القديس لأنه يقدسه. بمعنى أن من يطلب الكمال يهبه الله الكمال كمالاً أما الملتوي فالله لا يؤذيه إنما تؤذيه رباطات خطاياه (أم 5: 22).
٨. الله سراج النفس:
"لأنك أنت سراجي يارب. والرب يُضيئ ظلمتي" [٢٩].
كما يقول القديس أكليمندس الاسكندري وأيضًا العلامة أوريجانوس: [إن الظلمة قد حلت بالنفس، إذ صارت في جهالة، لذا جاء الكلمة المعلم مشرقًا عليها بالمعرفة الروحية المخلصة، فتستنير أعماقها الداخلية].
v أيها النور غير المنظور، هب لي عينين تستطيعان معاينتك!
v أيها النور الذي يضيئ للنفس. أيها الحق البهي، أيها البهاء الحقيقي الاستضاءة، يا من تُضئ لكل إنسان آت إلى العالم، أتيت إلى العالم والعالم لم يحبك.
إلهي... بدد الظلمة الكثيفة التي تخيم في نفسي، حتى تراك عند إدراكها إياك، وتعرفك عند تقبلها لك، وتحبك عند معرفتها لك.
القديس أغسطينوس
٩. الله قوة النفس وغلبتها:
"لأني بك اقتحمت جيشًا.
بإلهي تسورت سورًا...
ترس هو لجميع المحتمين به
الذي يجعل رجليّ كالأيل وعلى مرتفعاتي يقيمني.
الذي يعلّم يديّ القتال فتحني بذراعي قوس من نحاس...
تُوسع خطواتي تحتي فلا تتقلقل كعباي
ألحق أعدائي فأهلكهم..." [٣٠-٣٩].
إن كان العدو قد صار كجيش قوي يقاومني فأنت هو قوتي، تصير لي سور نار تحميني وترسًا لي تصد كل سهام العدو، تشدد رجلي فأصير مسرعًا كالأيل وترفعني كما على المرتفعات العالية فلا يلحق بي أذى. تشدد يديّ للقتال ضد إبليس، وتوسع خطواتي فألحق بعدوي وأفنيه بالصليب.
v آه. أسرع واجعل من نفسي مسكنًا لك، من قلبي مستقرًا! ...
تعال... فإني مريض حبًا. بُعدي عنك موت لي، وذكرك يحيي نفسي! ...
رائحتك تعيد لي قوتي، وذكرك يخفف آلامي، ظهورك شبع لي (مز ١٧: ١).
القديس أغسطينوس
١٠. دعوة الأمم للخلاص:
"وتنقذني من مخاصمات شعبي وتحفظني رأسًا للأمم.
شعب لم أعرفه يتعبد لي.
بنو الغرباء يتذللون لي.
من سماع الأذن يسمعون لي...
لذلك أحمدك يارب في الأمم ولاسمك أرنم" [٤٤-٥٠].
يختم المرتل نشيد النصرة بدعوة الأمم للتمتع بالخلاص. هذا ما أفرح قلب داود، إن قتاله ضد إبليس لم يخلصه وحده وإنما خلص الأمم منه ليأتي إلى المسيَّا شعب لم يكن يعرفه، إذ لم يتمتع بالناموس ولم يتحدث مع الأنبياء ولا عرف المواعيد الإلهية... جاء هذا الشعب الذي من أصل وثني ليتعبد للرب وقد سمع بالأذن خلال كلمة الكرازة ولم ير بعينيه كاليهود الذين جاء المخلص من بينهم وصنع أمامهم عجائب بلا حصر وتحدث معهم فمًا لفم لكنهم خاصموه وجحدوه عوض الإيمان به.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثانى والعشرون
نشيد النصرة
هذا النشيد الذى يأتى هنا فى نهاية حياة داود نجده أنه هو نفسه كلمات المزمور (18) وفى مقدمة المزمور (18) نجد أن داود كتب هذا المزمور فى اليوم الذى أنقذه فيه الرب من أيدى كّلَ أعدائه ومن يد شاول. ونجد نفس الكلمات بعينها فى آية (1) هنا. ولنلاحظ أن داود كتب مزمور (18) وهو فى قمة إنتصاراته ومجده قبل أن يسقط. ونجده فى نهاية حياته يرتل نفس المزمور بنفس الكلمات وهذا بعد أن سقط وأخطأ وتاب . أو ليست هذه هى قصة الخلاص. فلقد خلق الله الإنسان فى مجد وسقط الإنسان وجاء المسيح ليعيده للمجد. والمعنى أن توبة داود أعادته لسابق مجده، وجعلته يرتل نفس الكلمات. فالله الذى أعانهُ فقتل جليات هو نفسه الذى أعانه فتاب "توبنى يا رب فأتوب" وهو الذى قبل توبته وأعاده لنفس رتبته. ألم يقل الأباء أن التوبة تحول الزانى إلى بتول". والتوبة = إكتسبت قوتها من دم المسيح الذى يطهرنا من كل خطية (1يو7:1) ولذلك نجد فى كلمات مز (18) أن داود يكلمنا عن بره وطهارة يده وحفظه طريق الرب وكماله لدى الرب. فكيف يعود فى نهاية حياته بعد سقطه أوريا ويتحدث بنفس الكلمات هنا؟ السبب فى التوبة التى مسحت خطاياه. ألم يقل لهُ الرب على لسان ناثان النبى الرب قد نقل عنك خطيتك. لا تموت والسؤال إلى أين نقل الرب خطية داود؟ أليس إلى المسيح الذى حمل أثامنا (أش53: 4-6) وأليس هذا هو خلاص المسيح الذى شعر بِهِ داود فرتل نفس المزمور فى نهاية حياته. داود فى قمة مجده كان فى ثوب بر أبيض وهو فى مزمور (18) يزهو بثوب بره الأبيض. وفى هذا النشيد يذكر كيف سَوّدَ ولَطّخَ هذا الثوب الأبيض بخطاياه وكيف أن المسيح بدمِهِ غسل له ثوبه وبيضه فى دم الخروف (رؤ14:7). وإذا بثوبه يعود أبيضاً كالأول فعاد يزهو ببره وبثوب بره الأبيض الذى بيضّه لهُ المسيح، عاد هنا ليفتخر بما عملهُ المسيح وبقوة ذراعه وقوة خلاصه (2كو21:5). فهذا النشيد كان لابد أن يأتى هنا فهو يشير لعمل المسيح الخلاصى. وعلى خلاص المسيح نظل نرتل ونسبح كل العمر وإلى آخر لحظة كما يسبح داود هنا حتى آخر يوم فى حياته. هذا نشيد الكنيسة المنتصرة بالمسيح قائد موكبها الغالب.
آية (1):- "1وَكَلَّمَ دَاوُدُ الرَّبَّ بِكَلاَمِ هذَا النَّشِيدِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَنْقَذَهُ فِيهِ الرَّبُّ مِنْ أَيْدِي كُلِّ أَعْدَائِهِ وَمِنْ يَدِ شَاوُلَ،"
هى نفس مقدمة مزمور (18). مِنْ أَيْدِي كُلِّ أَعْدَائِهِ = فى مز (18) كان أعدائِه هم شاول والفلسطينيين وغيرهم من الشعوب. أمّا الآن فهو رأى أعداءً جُدد لم يكن يعرفهم من قبل مثل إبليس عدو الخير / الذات / الشهوة الكامنة فى الأعضاء. . . . ألخ والله يخلص من كل هذه.
الآيات (2-4):- "2فَقَالَ: «اَلرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي، 3إِلهُ صَخْرَتِي بِهِ أَحْتَمِي. تُرْسِي وَقَرْنُ خَلاَصِي. مَلْجَإِي وَمَنَاصِي. مُخَلِّصِي، مِنَ الظُّلْمِ تُخَلِّصُنِي. 4أَدْعُو الرَّبَّ الْحَمِيدَ فَأَتَخَلَّصُ مِنْ أَعْدَائِي. "
اَلرَّبُّ صَخْرَتِي = هو يدرك ضعفه ويدرك قوة الله العجيبة العاملة فى ضعفه فتهبه قداسة وإنتصار على الشر. لذلك يسبح الله على ما أعطاه الله لهُ من قوة. إِلهُ صَخْرَتِي = إلهى صخرتى أرتفع عليه فلا تطولنى الحية التى تسعى لإبتلاعى. أعتمد عليه فهو راسخ وثابت وفيه أحتمى من العواصف أى التجارب. فبالرغم من كل قوة داود العسكرية كان يشعر أن قوته هى فى أن الله يسنده. أَدْعُو الرَّبَّ = هو قالها بصيغة المضارع وليس بصيغة الماضى أى لم يقل دعوت، فهو يدعوه بإستمرار ويصلى بلا إنقطاع (1تس17:5).
الآيات (5-7):- "5لأَنَّ أَمْوَاجَ الْمَوْتِ اكْتَنَفَتْنِي. سُيُولُ الْهَلاَكِ أَفْزَعَتْنِي. 6حِبَالُ الْهَاوِيَةِ أَحَاطَتْ بِي. شُرُكُ الْمَوْتِ أَصَابَتْنِي. 7فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وَإِلَى إِلهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي دَخَلَ أُذُنَيْهِ. "
نجد أن الله فى محبته لداود لا ينزع عنه مقاومة الأعداء لهُ وإنما على العكس يتركهُ لتحل به الضيقات من كل جانب حتى يكاد الموت يحاصره مثل المياه حينما تحيط بشخص يغرق وكمن حاصرته الأمواج وحطمت طاقاته وكمن جرفته السيول لتنحدر به إلى هاوية بلا نهاية. وكانت المشاكل كجبال حولهُ أغلقت أمامه طرق الخلاص وصار كفريسة فى شباك = شرك العدو. لكنه لم ييأس بل فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ والرب إستجاب وتجلى لهُ الله كواهب حياة وقيامة. وهذا ينطبق على
1- الإنسان فى أى تجربة تعصف به فى حياته (مرض / فشل. . . )
2- الإنسان فى حروبه الروحية فهى أيضاً كجبال تحيط به
3- الإنسان قبل خلاص المسيح وهو فى حالة حُكم إلهى صادر ضده بالموت فإلى أين يذهب. لقد تلّمس داود حب الله الفائق وتعرّف على الله أكثر خلال الضيقات لذلك يقول السيد المسيح"إدعنى فى وقت الضيق أنقذك فتمجدنى" ويقول يعقوب إفرحوا فى التجارب (2:1).
الآيات (8-16):- "8فَارْتَجَّتِ الأَرْضُ وَارْتَعَشَتْ. أُسُسُ السَّمَاوَاتِ ارْتَعَدَتْ وَارْتَجَّتْ، لأَنَّهُ غَضِبَ. 9صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ، وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ. جَمْرٌ اشْتَعَلَتْ مِنْهُ. 10طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. 11رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ، وَطَارَ وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ. 12جَعَلَ الظُّلْمَةَ حَوْلَهُ مِظَلاَّتٍ، مِيَاهًا حَاشِكَةً وَظَلاَمَ الْغَمَامِ. 13مِنَ الشُّعَاعِ قُدَّامَهُ اشْتَعَلَتْ جَمْرُ نَارٍ. 14أَرْعَدَ الرَّبُّ مِنَ السَّمَاوَاتِ، وَالْعَلِيُّ أَعْطَى صَوْتَهُ. 15أَرْسَلَ سِهَامًا فَشَتَّتَهُمْ، بَرْقًا فَأَزْعَجَهُمْ. 16فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ، وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِ الرَّبِّ، مِنْ نَسْمَةِ رِيحِ أَنْفِهِ. "
لقد رأى الله ويدهُ القوية خلال التجارب بل بروح النبوة إمتدّ نظر داود ليرى ما حلّ بالإنسان بحسد إبليس وكيف نزل الله الكلمة بذاته من السماء ليعلن حبه النارى نحو البشر، الأمر الذى أدهش المسكونة كلها، السماء والأرض. ارْتَجَّتِ الأَرْضُ. . . لأَنَّهُ غَضِبَ = لقد غضب الله بسبب الخطية وغضب الله لما فعلته الخطية بحياة الإنسان وبطبيعته. غضب الله على داود بسبب خطيته فلم يفارق السيف بيته وغضب على سدوم وعمورة فإحترقا بنار وكبريت، وغضب على محاولة عزيا إغتصاب الكهنوت فحدثت زلزلة رهيبة. لكن غضب الله على ما حدث من دمار للإنسان الذى خلقه جعله يتجسد ويصلب لينقذ الإنسان وعملهُ هذا أدهش المسكونة فارْتَجَّتِ الأَرْضُ وَارْتَعَدتْ السَّمَاوَاتِ أمام هذا الحب الفائق الذى ظهر فى التجسد:
• طَأْطَأَ = أحنى السموات. فالمسيح جعل بنزوله على الأرض، جعل الأرض سماء. فحيثما يوجد المسيح تكون السماء. طَأْطَأَ = أحنى السموات، جعلها تنحنى لتتلامس مع الأرض. طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ = هو نزول المسيح البار القدوس إلى ضعف البشر.
طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ. وعند الصلب نجد أن هذا قد حدث فعلاً فالأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت (مت27: 51،52). ولقد كان التجسد سر عجيب لم يستطع أحد أن يفهمه= ضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. وكان هذا الضباب كثيفاً جداً فى العهد القديم ولم يستطع أحد أن يدرك سر حب الله إلاّ بعد أن أشرق نور الصليب وأشرق هو بنوره فينا. وقولهُ ضباب يشبه قول بولس الرسول "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد". صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ = علامة الغضب. وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ = الله فى غضبه يكون نار آكلة تأكل مقاوميه كما حدث فى سدوم وكما خرجت نار أكلت إبنى هرون (لا10: 1،2) والنار التى أكلت الخمسين رجل مرتين أيام إيليا. ولكن الله فى محبته يكون نار تحرق لنا عدو الخير وسور نار ليحمينا منهُ (زك5:2) وهو نار تشعل قلوبنا محبة بعد أن تحرق أشواك الخطية فينا. وآية (12) مِظَلاَّتٍ = هى الظلمة والغمام الكثيرة المياه= أى مِيَاهًا حَاشِكَةً. فلا يُرى الرب من ورائها كما لا يُرى من الخارج الساكن فى مظلة. والله إحتجب عنّا فلا نراه لأنه فى محبته يخشى لئلا نموت إذا رأيناه "لا يرانى الإنسان ويعيش". مِنَ الشُّعَاعِ قُدَّامَهُ اشْتَعَلَ = إذا كان الله قد أحاط نفسه بضباب وسحاب حتى لا نراه فالسحاب ينتج عنهُ برق والبرق قادر أن يشعل الجمر. ورمزياً فالروح القدس الذى أرسلهُ لنا المسيح يشبه بالمطر الذى ينزل من السماء ويشبه بالنار التى تلهب القلوب حباً. وفى (16) فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ = والآية يمكن ترجمتها هكذا فظهرت مجارى المياه (راجع الكتاب المقدس بالشواهد) وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ = بتجسد المسيح ظهرت المحبة التى أسس الله عليها المسكونة ، المحبة التى جعلت الله يخلق العالم ويعطى حياة. وظهرت مجارى المياه أى ظهر لنا كيف نحصل على الروح القدس أى بتجسد المسيح.
تأمل روحى :- عمل المسيح يهز كل كياننا ويجدد طبيعتنا ويزلزلها الجسد (الأرض) النفس (السماء).
ورَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ لأن عرش الله مركبة كاروبيمية. وإذا كان كاروب يعنى معرفة فيكون المعنى أن الله تمجد فوق كمال المعرفة وتعنى أيضاً أن الله يرتاح فى من يعرفه. وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ = أى كان خلاصه وعملهُ سريعاً جداً أرْسَلَ سِهَامًا فَشَتَّتَهُمْ، بَرْقًا فَأَزْعَجَهُمْ= أرسل الإنجيليين الذين لهُ فى العالم كله كسهام وكبروق فى قوتهم وفى العجائب فإنزعجت ممالك إبليس حين دخل الإيمان للعالم كله. وبإختصار فكلمة الله يطأطئ السموات بتجسده لينزل إلينا مشرقاً كشمس البر على الجالسين فى الظلمة، أمامهُ يرتعد كل ما هو زمنى فينا فتتقدس سمواتنا الداخلية (نفس) وأرضنا (جسد) ويبدد ظلمة الجهل التى كانت فينا. وأعطانا معرفة فصرنا هياكل لله والروح القدس وصرنا كمركبة كاروبيمية. وهو ركب على السحاب كما على كاروب وصعد ليحملنا إليه ويجلسنا معهُ فى السماويات فكل من كان هيكلاً لله يكون فى السماويات وكل من صار كمركبة كاروبيمية يعرف الله صار فى السماويات. وأرسل تلاميذه ورسله كسهام وتنفذ كرازتهم الإنجيلية إلى القلوب، وتبرق فيها بنور المعرفة فيهتز كل شر فيها وتقوم مملكة الرب داخلها.
الآيات (17-20):- "17أَرْسَلَ مِنَ الْعُلَى فَأَخَذَنِي، نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. 18أَنْقَذَنِي مِنْ عَدُوِّيَ الْقَوِيِّ، مِنْ مُبْغِضِيَّ لأَنَّهُمْ أَقْوَى مِنِّي. 19أَصَابُونِي فِي يَوْمِ بَلِيَّتِي، وَكَانَ الرَّبُّ سَنَدِي. 20أَخْرَجَنِي إِلَى الرُّحْبِ. خَلَّصَنِي لأَنَّهُ سُرَّ بِي. "
أَرْسَلَ مِنَ الْعُلَى فَأَخَذَنِي = الله بخلاصه العجيب كأنه مدّ يده من علائِهِ لينقذ داود وينقذنا بعد أن أشرفنا على الموت= نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ = كما إنتشل موسى لأَنَّهُ سُرَّ بِي = لسان حال داود أن الله سُرّ به حين إختاره وحين مسحهُ وحين خلصه وحين جعلهُ ملكاً وحين قبل توبته. وهذا ينطبق على كل مؤمن، وبالنسبة للكنيسة التى دعاها الله من بين مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ إذ جمعها من بين الأمم والشعوب المتنوعة وخلصها من عدوها القوى الذى كان يربطها برباطات محبة العالم. وأخرجها المخلص إلى الرحب وأخرجها من ضيق الحياة الجسدانية إلى إتساع الإيمان الروحى فإنطلقت إلى حرية الروح.
الآيات (21-25):- "21يُكَافِئُنِي الرَّبُّ حَسَبَ بِرِّي. حَسَبَ طَهَارَةِ يَدَيَّ يَرُدُّ عَلَيَّ. 22لأَنِّي حَفِظْتُ طُرُقَ الرَّبِّ، وَلَمْ أَعْصِ إِلهِي. 23لأَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ أَمَامِي، وَفَرَائِضُهُ لاَ أَحِيدُ عَنْهَا. 24وَأَكُونُ كَامِلاً لَدَيْهِ، وَأَتَحَفَّظُ مِنْ إِثْمِي. 25فَيَرُدُّ الرَّبُّ عَلَيَّ كَبِرِّي، وَكَطَهَارَتِي أَمَامَ عَيْنَيْهِ. "
داود كرجل من رجال العهد القديم يتكلم عن البر بمفهومه ومن وجهة نظره وأنه إلتزم بالوصايا. هكذا كان شعور داود فى مز (18) أنه بار ملتزم بالوصايا لذلك أنقذه الله. هو حقيقة إنسان متواضع قال عن نفسه "برغوث وكلب ميت" ولكن هذا ما فهمه داود أنه إذا إلتزم بالناموس وبالوصايا فهو بار. ولكن الآن بعد أن سقط وتلوث فكيف يتكلم هكذا؟ هو فهم أن التوبة أعطته نقاوة ثانية "تغسلنى فأبيض أكثر من الثلج". ولكن هذا الكلام بمفهوم نبوى يتحدث عن المسيح البار الحقيقى وَحْدَهُ وداود يرمز لهُ. والآن صار لكنيسته جَسَدِهِ أن تقول أنها طاهرة فهى مغسولة بالدم. فالخلاص هو أن المسيح نزل إلى العالم ليحملنا فيه ونصير أعضاء جسده المقدس فنقف أمام الآب أولاداً له مبررين فى الدم الثمين، كمن هم بلا عيب، نحمل كمال المسيح فينا. نقف فى تواضع ونقول إن فعلنا كل البر فنحن عبيد بطالون نحن كلاب ميتة وبراغيث. لكن نحن فى المسيح كاملين فالبر هو بالمسيح.
الآيات (26-28):- "26«مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيمًا. مَعَ الرَّجُلِ الْكَامِلِ تَكُونُ كَامِلاً. 27مَعَ الطَّاهِرِ تَكُونُ طَاهِرًا، وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا. 28وَتُخَلِّصُ الشَّعْبَ الْبَائِسَ، وَعَيْنَاكَ عَلَى الْمُتَرَفِّعِينَ فَتَضَعُهُمْ. "
مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيمًا … وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا = هذا رآه داود فى حياتِهِ فطوال فترة بر داود وكماله كان داود فى مجده منتصراً على كل أعدائه وبعد أن سقط فكل شئ إختلف. حين إعوجت طرق داود إلتوت الطرق معهُ وأمامهُ فرأى الله قاسياً معهُ فكلمة مُلْتَوِيًا تترجم هكذا وتترجم قاسياً ولكن كان هذا لتأديبه فيعود كاملاً ويعود طاهراً فيرجع الله إليه ويكون كَامِلاً وطَاهِرًا معهُ. إذاً إلتواء الطرق أمامه كان لتأديبه وَتُخَلِّصُ الشَّعْبَ الْبَائِسَ = حقيقةً الله يكون كاملاً مع الكامل لكن المسيح جاء للعالم وهو فى أشد درجات إنحطاطه وخطيته ووثنيته فحينما إزدادت الخطية "وحيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جداً" (رو20:5). فالعالم كان قد وصل لحالة من البؤس والعمى جعلته لا يعرف الله فلم يطلبه فكان أن يتجسد الله ليعرفه العالم ويطلبه. وَعَيْنَاكَ عَلَى الْمُتَرَفِّعِينَ فَتَضَعُهُمْ المترفعين أى المتكبرين وهم الشياطين وكل من يمشى وراءهم هؤلاء سينزلون إلى الهاوية ونرى مثالاً للأية وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا فى قصة أخاب حين أضله الروح الشرير (1مل20:22) ونرى الآن مفهوماً آخر للأية أن المسيح صار سر برنا وتقديسنا فإننا به وفيه ننال الطبيعة الجديدة المقدسة فنصير رحماء وكاملين وأطهاراً ومتواضعين فندخل إلى علاقة جديدة مع الآب وكأننا نقول بك صرنا رحماء فنرحم الآخرين فترحمنا أنت يا الله.
آية (29):- "29لأَنَّكَ أَنْتَ سِرَاجِي يَا رَبُّ، وَالرَّبُّ يُضِيءُ ظُلْمَتِي. "
كيف صرنا رحماء وكاملين. إن الظلمة قد حلت بالنفس، إذ صارت فى جهالة، لذا جاء المسيح كلمة الله، المعلم، مشرقاً على النفس بالمعرفة الروحية المخلصة فتستنير أعماقنا الداخلية.
الآيات (30-43):- "30لأَنِّي بِكَ اقْتَحَمْتُ جَيْشًا. بِإِلهِي تَسَوَّرْتُ أَسْوَارًا. 31اَللهُ طَرِيقُهُ كَامِلٌ، وَقَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ لِجَمِيعِ الْمُحْتَمِينَ بِهِ. 32لأَنَّهُ مَنْ هُوَ إِلهٌ غَيْرُ الرَّبِّ؟ وَمَنْ هُوَ صَخْرَةٌ غَيْرُ إِلهِنَا؟ 33الإِلهُ الَّذِي يُعَزِّزُنِي بِالْقُوَّةِ، وَيُصَيِّرُ طَرِيقِي كَامِلاً. 34الَّذِي يَجْعَلُ رِجْلَيَّ كَالإِيَّلِ، وَعَلَى مُرْتَفَعَاتِي يُقِيمُنِي 35الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ، فَتُحْنَى بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ. 36وَتَجْعَلُ لِي تُرْسَ خَلاَصِكَ، وَلُطْفُكَ يُعَظِّمُنِي. 37تُوَسِّعُ خَطَوَاتِي تَحْتِي، فَلَمْ تَتَقَلْقَلْ كَعْبَايَ. 38أَلْحَقُ أَعْدَائِي فَأُهْلِكُهُمْ، وَلاَ أَرْجعُ حَتَّى أُفْنِيَهُمْ. 39أُفْنِيهِمْ وَأَسْحَقُهُمْ فَلاَ يَقُومُونَ، بَلْ يَسْقُطُونَ تَحْتَ رِجْلَيَّ.
40«تُنَطِّقُنِي قُوَّةً لِلْقِتَالِ، وَتَصْرَعُ الْقَائِمِينَ عَلَيَّ تَحْتِي. 41وَتُعْطِينِي أَقْفِيَةَ أَعْدَائِي وَمُبْغِضِيَّ فَأُفْنِيهِمْ. 42يَتَطَلَّعُونَ فَلَيْسَ مُخَلِّصٌ، إِلَى الرَّبِّ فَلاَ يَسْتَجِيبُهُمْ. 43فَأَسْحَقُهُمْ كَغُبَارِ الأَرْضِ. مِثْلَ طِينِ الأَسْوَاقِ أَدُقُّهُمْ وَأَدُوسُهُمْ. "
داود هنا يتكلم عن حروبه ضد الموآبيين والعمونيين. . . الخ والتى إنتهت بإنتصاراته. وهو هنا لا يفتخر بقوته بل يرجع الفضل لله. وإن كان العدو قوياً فالله هو قوة داود وهو ترس لهُ يصد جميع سهام العدو. وهو سور نار يحميه. أَقْفِيَةَ أَعْدَائِي أى يهرب أعداءهُ أمامهُ فيرى أقفيتهم. ولكن هذه الحرب هى صورة للحروب الروحية فبعد أن فتح الله عيوننا نرى أن إبليس يحاربنا فنقوم ونحاربه ومن المؤكد ستكون لنا النصرة فالله قوتنا. وترفعنى= كما على المرتفعات العالية فلا يلحق بى أذى فمن عاش مع المسيح فى السماويات وتذوق أنه ما أحلى الرب يكون لهُ قوة جبارة ويرفض إغراءات العالم وخطاياه. و تُوَسِّعُ خَطَوَاتِي فألحق بعدوى وأفنيه بقوة الصليب. فالله هو الذى أعطانا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. وفى أية (35) الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ فَتُحْنَى بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ = لقد تذكر داود هنا معركته مع جليات وكيف لم يستطع يومها أن يحمل الأسلحة الثقيلة فحارب بالمقلاع. والآن هو محارب جبار يجيد إستخدام كل أنواع الأسلحة وتعلم أن يضع يده داخل القوس النحاسى ويحمله ويدافع به. وكلمة تُحْنَى المقصود بها التفاف الذراع داخل القوس وحمله للقتال. والمعنى الروحى، أنه إذا كان الإنسان مازال فى بداياته الروحية تكون أسلحته بسيطة وبعد أن ينمو روحياً يدربه الله على إستخدام كل الوسائل الخاصة بالحرب الروحية (أف6: 11-18). وفى (31) قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ = الله قال لا تخف أنا ترس لك وقوله نَقِيٌّ وطَرِيقُهُ كَامِلٌ وهو لن يتركنا.
الآيات (44-51):- "44وَتُنْقِذُنِي مِنْ مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي، وَتَحْفَظُنِي رَأْسًا لِلأُمَمِ. شَعْبٌ لَمْ أَعْرِفْهُ يَتَعَبَّدُ لِي. 45بَنُو الْغُرَبَاءِ يَتَذَلَّلُونَ لِي. مِنْ سَمَاعِ الأُذُنِ يَسْمَعُونَ لِي. 46بَنُو الْغُرَبَاءِ يَبْلَوْنَ وَيَزْحَفُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ. 47حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، وَمُبَارَكٌ صَخْرَتِي، وَمُرْتَفَعٌ إِلهُ صَخْرَةِ خَلاَصِي. 48الإِلهُ الْمُنْتَقِمُ لِي، وَالْمُخْضِعُ شُعُوبًا تَحْتِي، 49وَالَّذِي يُخْرِجُنِي مِنْ بَيْنِ أَعْدَائِي، وَيَرْفَعُنِي فَوْقَ الْقَائِمِينَ عَلَيَّ، وَيُنْقِذُنِي مِنْ رَجُلِ الظُّلْمِ. 50لِذلِكَ أَحْمَدُكَ يَا رَبُّ فِي الأُمَمِ، وَلاسْمِكَ أُرَنِّمُ. 51بُرْجُ خَلاَصٍ لِمَلِكِهِ، وَالصَّانِعُ رَحْمَةً لِمَسِيحِهِ، لِدَاوُدَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ»."
مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي = إشارة لمحاربات شاول ثم رفض 10 أسباط لهُ بعد ملكه ثم ثورة إبشالوم ضده. فالحروب ضدنا من خارج ومن داخل. وَتَحْفَظُنِي رَأْسًا لِلأُمَمِ = هو ساد على كل الشعوب الوثنية حولهُ. وهذا رمز لسيادة المؤمن على إبليس بالرغم من حروبه الداخلية والخارجية. مِنْ سَمَاعِ الأُذُنِ يَسْمَعُونَ لِي = هم سمعوا عنى فأحبونى والآن يسمعوا صوتى. ولكن هذه الأيات يتكلم فيها داود بالنيابة عن المسيح الذى صار رأساً للأمم وبالكرازة آمن به العالم أى من سماع الأذن بكلمات الكرازة سمعوا للمسيح وأصبحت الشعوب التى لم تكن تعرف المسيح تتعبّد لهُ (الأمم). بَنُو الْغُرَبَاءِ يَبْلَوْنَ وَيَزْحَفُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ = الذين رفضوا المسيح فصاروا غرباء عنهُ وتحصنوا داخل حصونهم ليهاجموه ها هم يَبْلَوْنَ أى يخورون ويستسلمون ويخرجون من حصونهم.
نجد هنا داود لا يفتخر بقوته فهو محارب قوى. وقد نفهم أن تحنى بذراعيه قوس من نحاس المعنى المباشر أنه فى قوته الجسدية قادر أن يحنى قوس من نحاس. لكنه لا يفتخر بقوته، بل يقول الله أعطاه هذا تطبيقاً لقول بولس الرسول من إفتخر فليفتخر بالرب (1كو31:1) وعلينا أن لا نفتخر بمواهبنا بل ننسبها لمن أعطاها لنا ونشكر الله عليها بل نفهم أنها وزنات يحاسبنا الله عليها.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
لا يوجد تفسير محفوظ لهذا الإصحاح في هذا المصدر.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح